الذيل الأول للمكتوب الرابع والعشرين

159. صفحة

المكتوب الرابع والعشرين

لقد أدرج المكتوب الرابع والعشرون في كتاب "الطلاسم" ولم يدرج في هذا الكتاب.

 

 

الذيل الأول

 من المكتوب الرابع والعشرين

باسمه سبحانه، وإن من شيء إلى يسبح بحمده

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ

استمع إلى خمس نكات لهذه الآية الكريمة.

النكتة الأولى: إن الدعاء سر عظيم للعبودية، بل هو روح العبودية، والدعاء ما ذكرنا في مواضع كثيرة على ثلاثة أنواع:

النوع الأول: بلسان الاستعداد، حيث إن جميع الحيوانات والنوى تدعو الفاطر الحكيم بلسان استعدادها قائلة: يا فاطرنا هب لنا نموًّا لنظهر نقوش أسمائك إظهارًا مفصلا، وهبْ لحقيقتنا الصغيرة التسنبل، وحولها إلى الحقيقة العظيمة للشجرة.

وهناك نوع آخر من نوع الدعاء الذي بلسان الاستعداد وهو:

إن اجتماع الأسباب دعاء لإيجاد المسبَّب، أي إن الأسباب تتخذ وضعًا يكون بمنزلة لسان الحال، ، وتدعو القدير ذا الجلال وتطلب المسبب منه ، فمثلا: يتخذ الماء والحرارة والتراب والضياء وضعًا حول نواة ويكون هذا الوضع لسان يدعو قائلا: يا خالقنا اجعل هذه النواة شجرة؛ لأن هذه الشجرة التي هي معجزة قدرة الله الخارقة البديعة لا يفوَّض أمرها إلى الموادّ الجامدة البسيطة غير الواعية، بل هو محال، أي إن اجتماع الأسباب نوع من أنواع الدعاء.

النوع الثاني من الدعاء: وهو الدعاء الذي يسأل به جميع الأحياء خالقهم الرحيم بلسان حاجتهم الفطرية الجبلّية، أن يحقق لهم في الوقت المناسب ومن حيث لا يحتسبون حاجاتهم ومطالبهم الخارجة عن قدرتهم وإرادتهم؛ لأن أيديهم لا تصل إلى تحقيق ذلك، بل إن الحكيم الرحيم هو الذي يرسل إليهم هذه الحاجات الخارجة عن قدرتهم وإرادتهم من حيث لا يحتسبون وفي الوقت المناسب، إي إن هذه النعمة نتيجة

160. صفحة

هذا الدعاء الفطري، وهذا الدعاء دعاء يصعد من جميع الكائنات إلى الله تعالى، وما كان سببًا إنما يسأل المسبَّب من الله.

النوع الثالث من الدعاء: وهو دعاء ذوي الوعي ضمن دائرة حاجاتهم، وهو قسمان:

القسم الأول مستجاب في الغالب إذا كان قد بلغ درجة الاضطرار، أو إذا كان ذا علاقة قوية بالحاجة الفطرية، أو كان قريبًا من لسان الاستعداد والقابلية، فأكثر التقدم البشري واختراعاتهم إنما نتيجة هي هذا القسم من الدعاء، وما يسمونه بالخوارق الحضارية وما يظنونه مبعث افتخار وتباهٍ باختراعاتهم إنما هو نتيجة دعاء معنوي، وقد سألها البشرية بلسان خالص للاستعداد فوهبت له، والأدعية التي بلسان الاستعداد والقابلية أو بلسان الحاجة الفطرية مستجابة دائمة إن لم تكن هناك مانع وكانت ضمن شرائط معينة.

والقسم الثاني وهو الدعاء المعروف، وهو أيضًا نوعان:

أحدهما دعاء فعلي، والآخر دعاء قولي، فحرث الأرض مثلا دعاء فعلي، فالمزارع لا يسأل الرزق من التراب، بل التراب باب لخزائن الرحمة يطرقه المزارع بالمحراث، سنطوي تفاصيل الأنواع الأخرى، ولكننا سنذكر بعضًا من أسرار الدعاء الفعلي في بضع نكات آتية.

النكتة الثانية: إن تأثير الدعاء عظيم، ولاسيما إذا دام واكتسب الشمولية أثمر في الغالب، بل يثمر دائمًا، حتى يمكن القول: إن الدعاء من أسباب خلق العالم، أي إن الدعاء العظيم للبشر وعلى رأسهم العالم الإسلامي وعلى رأسه محمد العربي صلى سبب من أسباب خلق العالم فضلا عن خلق الكائنات، أي إن خالق العالم علم أن الرسول صلى الله عليه وسلم     سيسأله في المستقبل السعادة الأبدية والتشرف بتجلي الأسماء الإلهية عليه باسم البشر بل باسم الموجودات كلها، فاستجاب الله ذلك الدعاء فخلق الكون، وبما أن الدعاء له أهمية كبيرة وسَعة عظيمة فهل يمكن ألا يستجاب أدعية ثلاثمائة مليون من البشر، ومن لا حد لهم من الطيبين من الجن والإنس والملك والروحانيات في كل وقت منذ ألف وثلاثمائة سنة، بالاتفاق لمحمد صلى الله عليه

161. صفحة

وسلم من أجل الرحمة الإلهية العظمى والسعادة الأبدية؟ وهل يمكن أن تُرد تلك الأدعية بحال من الأحوال؟

وبما أن هذا الدعاء اكتسب الكلية والسعة والدوام، فبلغ درجة الدعاء بلسان الاستعداد والحاجة الفطرية؛ فلاشك أن محمدًا صلى الله عليه وسلم نتيجة الدعاء في مقام ومرتبة، لا تستطيع أن تحيط جميع العقول بحقيقة هذا المقام إحاطة كاملة ولو اجتمعت وأصبحت عقلا واحدًا.

فيا أيها المسلم إن لك يوم المحشر شفيعًا وهو الرسول صلى الله عليه وسلم، فاتبع سنة هذا الشفيع الكريم حتى تنال شفاعته.

فإن قلت: بما أنه حبيب الله، فما حاجته إلى هذا الكم من الصلوات والأدعية؟

الجواب: إنه صلى الله عليم وسلم ذو علاقة بسعادة جميع أمته، وذو حظ من كل نوع من أنواع سعادة جميع أفراد أمته، ومشفق عليهم من كل مصيبة تصيبهم، ومن ثم فإنه صلى الله عليه وسلم الذي يرغب رغبة شديدة في أن ينال من لا حد لهم من أفراد أمته أنواعًا لا حد لها من السعادة، ويتألم مما يصيب أمته من الشقاء الذي لا حد له؛ يستحق ما لا حد له من الصلوات والأدعية والرحمة ويحتاج إليها على الرغم من أن مراتبه وكمالاته لا حد لها.

وإن قلت: إن الدعاء يكون أحيانًا لأمور ستقع بالفعل، كالدعاء الذي في صلاة الكسوف والخسوف مثلا، وأحيانًا يكون لأمور لا يمكن أن تحدث.

الجواب: إن الدعاء عبادة كما وضح في رسائل أخرى، فالعبد يعلن عجزه وفقره بالدعاء، أما المقاصد الظاهرية فهي أوقات تلك الأدعية والعبادة الدعائية، وليست فوائدها الحقيقية؛ لأن منافع العبادة تتوجه إلى الآخرة، فإذا لم تحصل المقاصد الدنيوية فلا يقال إن الدعاء لم يستجب، بل يقال إن وقته لم ينقض بعد.

وهل يمكن أن السعادة الأبدية التي يسألها جميع أهل الإيمان دائمًا في كل وقت بالدعاء بكمال الإخلاص والرغبة ألا توهب لهم؟ وهل يمكن ألاّ يستجيب أدعيتهم الكريم المطلق والرحيم المطلق الذي له رحمة لا نهاية لها بشهادة جميع الكائنات، وألا تتحقق السعادة الأبدية؟!


162. صفحة

النكتة الثالثة: إن استجابة الدعاء القولي الاختياري تكون بجهتين:

إما أن يستجاب الدعاء بعينه، وأما بما هو خير وأفضل منه.

فمثلا: يسأل أحدهم أن يرزقه الله ولدًا، فيرزقه الله تعالى بنتًا كمريم عليها السلام، فلا يقال عندئذ: إن دعاءه لم يستجب، بل يقال إن دعاءه استجيب بما هو خير وأفضل مما سأل.

ويدعو الإنسان أحيانًا لسعادة دنياه، فيستجاب له للآخرة، ولا يقال عندئذ إن دعاءه قد ردّ، بل يقال إن دعاءه استجيب بما هو أنفع له, وهلم جرًّا.

وبما أن الله تعالى حكيم، ونحن نسأله وندعوه، وهو يستجيب لنا، ولكنه يعاملنا بمقتضى حكمته، وعلى هذا يجب ألا يتهم المريض حكمة الطبيب، وقد يسأل الطبيب أن يعطيه العسل، ولكن الطبيب الحاذق يعطيه السولفات من أجل المالاريا، فليس من حق المريض عندئذ أن يقول إن الطبيب لم يسمعني، بل قد استمع لشكواه وآلامه واستجاب له بأفضل من مراده.

النكتة الرابعة: إن أطيب ثمرة ونتيجة للدعاء وألطفها وألذها وأقربها منالا هي أن الداعي يعلم أن هناك من يسمع صوته، ويسعف مرضه ويرحمه، وتصل يد قدرته إلى كل شيء، عندئذ يشعر أنه ليس وحده في خان([1]) الدنيا هذه، بل هناك كريم ينظر إليه ويؤنسه، ويتصور أنه بين يدي من يستطيع أن يحقق له حاجاته غير المحدودة، ويدفع عنه أعداءه التي لا تعد، فيشعر فرحًا وانشراحًا، ويلقي عن كاهله عبئًا ثقيلا ثقل الأرض ويقول: الحمد لله رب العالمين.

النكتة الخامسة: إن الدعاء روح العبودية ونتيجة إيمان خالص؛ لأن الداعي يظهر بدعائه أن هناك من بيده زمام الكون كله، وهو مطّلع على أخفى أموري وعالم بها، ويستطيع أن يحقق لي أقصى آمالي، ويرى كل أحوالي ويسمع ندائي، وهو يسمع جميع الأصوات من جميع الموجودات، ويسمع صوتي أنا أيضًا، وهو يفعل كل شيء، فلا أنتظر أصغر أموري ولا أطلبها إلا منه، فانظر إلى سعة التوحيد الخالص الذي يورثه الدعاء، وإلى حلاوة ونقاء نور الإيمان الذي يظهر الدعاء، وافهم سرّ قول الله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾(الفرقان:77)، واستمع إلى قوله




[1]       الخان: الفندق، أو ما ينزل فيه المسافرون في طرقهم للاستراحة والنوم وما شابه ذلك.

 

163. صفحة

تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ (غافر:60)، وقد قيل (أَكَر نَه خَواهِي دَادْ نَه دَادِي خَواهْ) أي؛ لو لم يرد الإعطاء لما أعطى الطلب.

سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ

اللهم صل على سيدنا محمد من الأزل إلى الأبد عدد ما في علم الله وعلى آله وصحبه وسلم، وسلّمنا وسلّم ديننا آمين، والحمد لله ربّ العالمين.