الذيل الثاني من المكتوب الرابع والعشرين

164. صفحة

الذيل الثاني

من المكتوب الرابع والعشرين

يخصّ المعراج النبوي

باسمه وإن من شيء إلا يسبح بحمده

﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى # عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى # عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى # إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى # مَا زَاغَ البَصَرُ وَمَا طَغَى # لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾(النجم:13-17).

سنبين خمس نكات حول المعراج في قصيدة المولد النبوي.

النكتة الأولى: إن السيد سليمان الذي كتب قصيدة في المولد النبوي؛ يبين أحداث عشق حزين يخص البراق الذي أُتِيَ به من الجنة، ولما كان السيد من أهل الولاية واستند في قصيدته إلى الروايات؛ فلاشك أنه يبين تلك الحقيقة بتلك الصورة، وينبغي أن تكون تلك الحقيقة كالآتي:

إن مخلوقات عالم البقاء ذات علاقة قوية بنور الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم؛ لأنه بالنور الذي أتى به ستعمر الجنة ودار الآخرة بالجن والإنس، ولو لاه([1]) لما كانت السعادة الأبدية ، ولما عمّر الجنة الجنُّ والإنسُ المستعدون للاستفادة من كل أنواع مخلوقات الجنة، ولبقيت كمكان مهجور, وكما بين في الغصن الرابع من الكلمة الرابعة والعشرين من أن هناك أسطورة عشق للبلبل تجاه الوردة، وأنه قد انتخب بلبل من كل نوع من أنواع الحيوانات -وفي مقدمتها البلبل العاشق للوردة كخطيب رباني- لإعلان الحيوانات عن حاجتها البالغة حد العشق للنباتات الآتية من




[1]       أوحى الله إلى عيسى عليه السلام يا عيسى آمن بمحمد وأمر من أدركه من أمتك أن يؤمنوا به فلولا محمد ما خلقت آدم ولولا محمد ما خلقت الجنة ولا النار ولقد خلقت العرش على الماء فاضطرب فكتبت عليه لا إله إلا الله محمد رسول الله فسكن.(أخرجه الحاكم في مستدركه وقال: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه).

 

165. صفحة

خزائن الرحمة والحاملة لأرزاقها، وأن نغماتها فوق رءوس أجمل النباتات حسن استقبال وتصفيق بالتسبيح.

كذلك فإن جبريل عليه السلام الذي هو من نوع الملائكة يخدم بكمال المحبة محمدًا العربي عليه الصلاة والسلام الذي هو سبب خلق الأفلاك ووسيلة سعادة الدارين وحبيب رب العالمين، ويبين انقياد الملائكة لسيدنا آدم عليه السلام وطاعتهم وسر سجودهم له، وكذلك أهل الجنة، بل حيواناتها أيضًا لها علاقة بذلكم النبي صلى الله عليه وسلم، وقد عبر عنها في تلك القصيدة بمشاعر عشق البراق الذي ركبه صلى الله عليه وسلم.

النكتة الثانية: إن أحد أحداث قصيدة المعراج النبوي أنه قد عبر عن محبة الله تعالى النزيهة للرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم، بعبارة "قد عشقتك"، وهذه العبارة بالمعنى العرفي لا تليق بقدسية الواجب الوجود واستغنائه الذاتي، وبما أن السيد سليمان من أهل الولاية والحقيقة لكون قصيدته نالت الرغبة العامة، فلاشك أن المعنى الذي بينه صحيح، وذلك المعنى هو:

إن الواجب الوجود له جمال وكمال لا حد لهما؛ لأن كل أنواع الجمال والكمال المقسمة على جميع أنواع الكائنات إنما هي أمارات على جماله وكماله وإشارات إليهما وآياتهما.

وبما أن كل ذي جمال وكمال يحب جماله وكماله بالبداهة فإن الله تعالى ذا الجلال يحب جماله حبًّا جمًّا يليق به تعالى، ويحب أسماءه التي هي شعاعات جماله، وبما أنه يحب أسماءه فلاشك أنه يحب صنعته التي تظهر جمال أسمائه، ويحب كذلك مصنوعاته البديعة التي هي مرآة لجماله وكماله، وبما أنه يحب ما يظهر جماله وكماله، فلاشك أنه يحب محاسن مخلوقاته التي تشير إلى جمال أسمائه وكمالها، والقرآن الحكيم يشير بآياته الكريمة إلى هذه الأنواع الخمسة من المحبة.

وبما أن الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم أكمل فرد بين مصنوعات الله، وأفضل شخصية بين المخلوقات، ويعرض الصنعة الإلهية بصدى الذكر والتسبيح ويستحسنها، ويفتح بلسان القرآن خزائن الجمال والكمال التي في الأسماء الإلهية، ويبين بلسان

166. صفحة

القرآن دلالة الآيات التكوينية للكون على كمال صانعها بيانًا قاطعًا ساطعًا، ويؤدي بعبوديته الكلية وظيفة المرآة للربوبية الإلهية، حتى أصبح أفضل من تشرف بتجلي جميع الأسماء الإلهية الحسنى بماهيته الجامعة؛ فلاشك أنه يمكن القول: إن الجميل ذا الجلال لحبه جماله؛ يحب محمدًا العربي صلى الذي هو أبدع مرآة ذات وعي لذلك الجمال.

وإنه تعالى لحبه أسماءه الحسنى يحب محمدًا العربي صلى الله وعليه وسلم الذي هو أسطع مرآة لتلك الأسماء، ويحب من يتشبهون به صلى الله عليه وسلم حسب درجاتهم.

وإنه تعالى لحبه صنعته وإبداعه يحب محمدًا العربي صلى الله عليه وسلم الذي نشر صنعته تعالى بأعلى صوته، وأعلن عنها بالذكر والتسبيح الذي رنّ في آذان السماوات ودفع البر والبحر إلى الذكر، ويحب أيضًا من يتبعونه.

وإنه تعالى لحبه مصنوعاته البديعة؛ يحب محمدًا العربي صلى الله عليه وسلم حبًّا جمًّا أكثر من غيره، الذي هو أفضل الناس بالاتفاق الذين هم أفضل ذوي الشعور الذين هم أفضل ذوي الحياة الذين هم أفضل مصنوعاته تعالى.

 وإنه تعالى لحبه محاسن أخلاق مخلوقاته؛ يحب محمدًا العربي صلى الله عليه وسلم، الذي هو في أعلى مرتبة في محاسن الأخلاق بالاتفاق، ويحب أيضًا من يتشبهون به كل حسب درجته، أي إن حب الله تعالى قد أحاط بالكون كما أحاطت به رحمته.

وهكذا فإن أعلى مقام في كل وجه من الوجوه الخمسة المذكورة ضمن المحبوبين غير المحدودين؛ خاص بمحمد العربي صلى الله عليه وسلم، حتى لقب بحبيب الله.

 وقد بين السيد سليمان هذا المقام الرفيع وهو مقام المحبوبية، بتعبير "قد عشقتك"، وهذا التعبير مرصد تفكر، وإشارة إلى هذه الحقيقة من بعيد، وبما أن هذا التعبير يجذب إلى الخيال المعنى الذي لا يليق بشأن الربوبية، فالأفضل إذن أن يقال بدلا منه: "قد رضيت عنك".

النكتة الثالثة: إن الأحداث المذكورة في قصيدة المعراج لا تستطيع أن تعبر عن تلك الحقائق القدسية النزيهة بالمعاني المعلومة لدينا، بل إن تلك المحاورات عناوين تأمل ومراصد تفكر، وإشارات إلى حقائق عالية عميقة، وتذكير ببعض حقائق الإيمان،

167. صفحة

، وكناية عن بعض المعاني التي لا يمكن التعبير عنها، وليست محاورات بالمعنى المعلوم لدينا، فنحن لا يمكن أن نتلقى تلك الحقائق بخيالنا من تلك المحاورات، وإنما يمكن أن نستلهم بقلوبنا ذوقًا إيمانيًّا محركًا، ونشوة روحانية نورانية؛ لأنه كما أن الله تعالى ليس له نظير ولا شبيه ولا مثل في ذاته وصفاته، فإنه لا مثل له أيضًا في شئونه، وكما لا تشبه صفاته صفات المخلوقات فلا تشبه محبته محبة مخلوقاته أيضًا، إذن نعتبر هذه التعبيرات من المتشابهات، ونقول:

إن للواجب الوجود سبحانه شئونًا -كمحبته- تليق بوجوب وجوده وقدسيته توافق استغناءه الذاتي وكماله المطلق، فما ذكر من الأحداث في قصيدة المعراج يذكر بتلك الشئون، وقد بينت الكلمة الحادية والثلاثين الخاصة بالمعراج النبوي حقائق المعراج ضمن الأصول الإيمانية، نكتفي بها ونختصر هذا الموضوع هنا.

النكتة الرابعة: إن تعبير "إنه رأى الله تعالى من وراء سبعين ألف حجاب" يعبر عن بعد مكاني، بينما الواجب الوجود منزه عن المكان، وأقرب إلى كل شيء من كل شيء، وماذا يعني هذا التعبير إذن؟

الجواب: لقد بينت هذه الحقيقة بالبراهين في الكلمة الحادية والثلاثين بيانًا مفصلا، إلا أننا نقول هنا:

إن الله تعالى قريب منا قربًا مطلقًا ولكننا بعيدون عنه بعدًا مطلقًا، وكما أن الشمس قريبة منا بواسطة المرآة التي في أيدينا، وأن كل شيء شفاف في الأرض يصبح نوعًا من العرش والمنزل، فلو كان للشمس وعي لاتصلت بنا بواسطة مرآتنا، ولكننا بعيدون عنها أربعة آلاف سنة، كذلك بلا تشبيه ولا تمثيل فإن الشمس الأزلي أقرب إلى كل شيء من كل شيء؛ لأنه واجب الوجود، ومنزه عن المكان، ولا يحجبه شيء، ولكن كل شيء بعيد عنه بعدا مطلقًا.

ومن هذا يتبين سر المسافة الطويلة في المعراج وسر عدم وجود المسافة الذي تعبر عنه الآية الكريمة ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾(ق:16)، وسر ذهاب الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم بالطي لمسافة طويلة جدًّا في المعراج ورجوعه إلى مكانه في آن واحد، فمعراج الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم هو سيره وسلوكه، وعنوان ولايته، وكما أن أهل الولاية يرتقون إلى درجة حق اليقين من درجات الإيمان بالسير

168. صفحة

والسلوك من أربعين يومًا إلى أربعين سنة، كذلك فإن الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم الذي هو سلطان جميع الأولياء عرج في أربعين دقيقة وليس أربعين سنة أعلى مراتب الحقائق الإيمانية بجسمه وخصائصه ولطائفه وليس بقلبه أو روحه فحسب، فاتحًا جادة كبرى بمعراجه الذي هو الكرامة الكبرى لولايته، حتى بلغ العرش بسلم المعراج، وشاهد بعينه بعين اليقين في مقام قاب قوسين أعظم حقائق الإيمان وهو الإيمان بالله والإيمان بالآخرة، ودخل الجنة ورأى السعادة الأبدية، وترك الجادة الكبرى التي فتحها بالمعراج، ليسير جميع أولياء أمته في ظل ذلك المعراج سيرًا روحانيًّا قلبيًّا بالسير والسلوك حسب درجاتهم.

النكتة الخامسة: إن قراء قصيدة المولد النبوي وقصيدة المعراج عادة طيبة نافعة ومستحسنة جدًّا، بل هي وسيلة لمجالسة طيبة حلوة ممتعة في الحياة الاجتماعية الإسلامية، وهي درس لطيف طيب للتذكير بالحقائق الإيمانية، وأقوى وسيلة مؤثرة لإظهار أنوار الإيمان ومحبة الله تعالى وعشق النبي صلى وتحريكه، ونسأل الله أن يديم هذه العادة إلى الأبد، ويرحم السيد سليمان وأمثاله ممن يكتبون قصيدة للمولد النبوي، ويسكنهم جنات الفردوس، آمين.

الخاتمة

بما أن خالق هذا الكون قد خلق من كل نوع فردًا ممتازًا بديعًا جامعًا، وجعله مبعث افتخار وكمال لذلك النوع؛ فلا شك أنه يخلق فردًا ممتازًا رائعًا مقارنة بالكون كله بتجلي اسمه الأعظم من أسمائه الحسنى، وكما أن له اسمًا أعظم في أسمائه الحسنى فله أيضًا فرد رائع في مصنوعاته، فيجمع الكمالات المنتشرة في الكون في ذلك الفرد ويجعله محط نظره، ولاريب أن ذلك الفرد سيكون من ذوي الحياة؛ لأن أبدع أنواع الكائنات هم ذوو الحياة، ولاريب أن ذلك الفرد ذا الحياة سيكون من ذوي الوعي؛ لأن أبدع أنواع ذوي الحياة هم ذوو الوعي، ولاشك أن ذلك الفرد الفريد سيكون من البشر؛ لأن البشر مستعد لما لا حد له من الرقي بين ذوي الوعي، ولاشك أن ذلك الفرد سيكون محمدًا صلى الله عليه وسلم من بين البشر؛ لأنه لم يظهر في التاريخ أحد مثله منذ آدم عليه السلام حتى الآن ولن يظهر؛ إذ إنه قد أخضع نصف الكرة الأرضية

169. صفحة

وخمس البشرية لسلطانه المعنوي، وأدام سلطانه المعنوي ألفًا وثلاثمائة سنة بكمال العظمة، وأصبح لكل أهل الكمال أستاذًا كليًّا في جميع أنواع الحقائق، ونال أعلى درجات مكارم الأخلاق باتفاق الأصدقاء والأعداء، وتحدى وحده كل العالم في أول أمره، ولاشك أن الذي أظهر القرآن المعجز البيان الذي هو ورد أكثر من مائة مليون من البشر في كل دقيقة هو ذلكم الفرد الفريد، ولا يمكن أن يكون غيره، فهو نواة هذا العالم وثمرته.

عليه وعلى آله وصحبه الصلاة والسلام بعدد أنواع الكائنات وموجوداتها

فاعلم من كل ما سبق أن الاستماع إلى قصيدة المولد النبوي والمعراج، أي الاستماع إلى مبدأ رقي النبي صلى الله عليه وسلم ومنتهاه، أي معرفة سيرة حياته المعنوية كم هي مسامرة دينية عالية ممتعة نورانية مبهجة طيبة ومبعث اعتزاز للمؤمنين الذين اتخذوه رئيسًا وسيدًا وإمامًا وشفيعًا لهم.

يا رب بحرمة الحبيب الأكرم صلى الله عليه وسلم وبحق الاسم الأعظم اجعل قلوب من ينشرون هذه الرسالة وقلوب رفقائهم تنال الأنوار الإيمانية، واجعل أقلامهم ناشرة للأسرار القرآنية، وهب لهم استقامة في الصراط المستقيم، آمين.

سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ

الباقي هو الباقي

سعيد النورسي

 

 

 

   

"المكتوب الخامس والعشرون" لم يؤلف بعد.