الخطبة الشامية

443. صفحة

  بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة الخطبة الشامية

إخواني الأعزاء الصديقين، لقد أحس سعيد القديم قبل أربعين سنة بشعورٍ مسبق بالحقائق التي ترد في هذه الرسالة العربية التي ألقيت في الجامع الأموي بدمشق بإصرار من علمائها على جماعةٍ عظيمة تضم ما يقرب من عشرة آلاف شخص بينهم مائة من أهل العلم، وبشَّرهم ببشائر بكمال القطعية، وظن أن تلك الحقائق على وشك الظهور، ولكن الحربين العالميتين والاستبداد المطلق الذي دام خمسًا وعشرين سنة أدوا إلى تأخر تلك الحقائق التي أحس بها بشعور مسبق وتأجيلها أربعين أو خمسين سنة، وما أخبر به في ذلك الوقت قد بدأ ظهوره الآن بالفعل في العالم الإسلامي، إذن إن هذا الدرس المهم جدًّا ليس خطبة انتهى عهدها وعفا عليها الزمن، وإنما هو درسٌ إسلامي اجتماعي حيّ ذو حقيقة مباشرة لجماعة مؤلفة من ثلاثمائة وسبعين مليون شخص في جامع العالم الإسلامي بدلا من الجامع الأموي، وفي عام ألف وثلاثمائة وواحد وسبعين بدلا من عام ألف وثلاثمائة وسبعة وعشرين، وأعتقد أن وقت نشر هذه الخطبة قد حان.

جاءت مناسبة لكتابة جواب في غاية الأهمية على سؤال مهم جدًّا، لأن سعيدًا القديم ذكر قبل أربعين سنة في ذلك الدرس ما لرسائل النور من دروس وتأثيرات خارقة، وكأنه رآها بالفعل بحس مسبق؛ لذا سنكتب ذلك السؤال والجواب هنا، وهو كالآتي:

لقد سألني الكثيرون وسألوا بعضًا من إخواني النوريين وما زالوا يسألون:

لِمَ لا تُهزَم رسائل النور أمام هذه الكثرة الكاثرة من المعارضين، والفلاسفة المعاندين، وأهل الضلالة؟ وعلى الرغم من أنهم منعوا إلى حد ما انتشار ملايين الكتب الإيمانية والإسلامية القيمة الحقيقية، وحرَموا كثيرًا من الناس ولاسيما الشباب المساكين الكثير من الحقائق الإيمانية بالسفاهة وملذات الحياة الدنيا، وسَعَوْا إلى كسر

444. صفحة

تأثير رسائل النور، وتخويف الناس منها، وحملهم على التخلي عنها، بأشد الهجمات، وأقسى المعاملات، وأشنع الأكاذيب، والدعايات المختلقة ضدها؛ فقد انتشرت رسائل النور انتشارًا لم يحظ بمثله كتاب آخر، حتى إن ستمائة ألف نسخة منها استنسخ أغلبها بخط اليد، وانتشرت في سرية تامة بكمال الشوق والحماسة، وتستقرئ نفسها في الداخل والخارج بكمال الشوق والحماسة، ما حكمة ذلك؟ وما سببه؟

ونحن إزاء مثل هذه الأسئلة الكثيرة التي تُطرح بمثل هذه المضامين- نقول:

الجواب:

إن رسائل النور التي هي تفسيرٌ حقيقي للقرآن الحكيم بسر إعجازه تبين أن في الضلالة جهنم معنويةً في هذه الدنيا، كما تثبت أن في الإيمان أيضًا جنةً معنوية في هذه الدنيا، وتبين أن في السيئات والرذائل والملذات المحرمة آلامًا معنويةً أليمة، وتثبت أن في الحسنات والخصال الحميدة والعمل بحقائق الشريعة لذائذ معنويةً كلذائذ الجنة، فتُنقِذ أهل السفاهة ومن وقعوا في الضلالة والذين لم يفقدوا صوابهم بعد من هذه الناحية، ذلك لأن في هذا الزمان "حالتين رهيبتين":

الحالة الرهيبة الأولى: إن الأحاسيس والمشاعر الإنسانية التي لا ترى العاقبة وتفضل قليلا من اللذة العاجلة على كثير من اللذائذ الآجلة، تغلبت على العقل والفكر؛ لذا فالحلّ الوحيد لإنقاذ أهل السفاهة من سفاهتهم هو إظهار آلامهم في صلب لذاتهم، ومن ثم الغلبة على أحاسيسهم ومشاعرهم.

والحل الوحيد لإنقاذ الإنسان من خطر تفضيله قِطَعًا زجاجية دنيوية قابلة للكسر على نِعَم الآخرة ولذائذها القيمة الغالية كالألماس في هذا الزمان بإشارة الآية الكريمة ﴿يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾، مع أنه يعلم قيمة تلك النعم واللذائذ ومِن خطر أن يكون تابعًا لأهل الضلالة من جراء حب الدنيا مع أنه من أهل الإيمان؛ الحل الوحيد لهذا الخطر يكون ببيان وإظهار عذاب جهنم وآلامها في الدنيا أيضًا، ورسائل النور تسلك هذا المسلك.

وإلا فيكون الحلّ إزاء عناد الكفر المطلق، والضلال الناشئ عن العلوم، والإدمان الناشئ عن عناد السفاهة في هذا الزمان؛ صَرفَ الناس عن الرذائل والسيئات بإثبات

445. صفحة

وجود جهنم بعد تعريفهم بالله تعالى وبتخويفهم بعذابها، ولكن هذا الحل لا يتّعظ ولا يعتبر به إلا واحد من عشرين أو واحد من عشرة من الناس، وبعدما يتعظ يقول: إن الله غفورٌ رحيم، وجهنم بعيدة جدًّا، وقد يستمر في سفاهته مرة أخرى، ويُهزم قلبه وروحه أمام أحاسيسه ومشاعره.

وأكثر الموازنات والمقارنات في رسائل النور، بإظهارها النتائج الأليمة المرعبة للكفر والضلال في الدنيا، تُكرِّه الملذات وأنواع السفاهة المنحوسة غير المشروعة حتى لعبدة النفس والمعاندين الأشداء، وتسوق الراشدين منهم إلى التوبة، فالموازنات الصغيرة المذكورة في "الكلمة السادسة" و"الكلمة السابعة" و"الكلمة الثامنة"، والموازنة الطويلة المذكورة في "الموقف الثالث" من "الكلمة الثانية والثلاثين" ترعب حتى أشد الناس سفاهة وتماديًا في الضلال، وتُخضعهم لدرسها.

ومثلا: سنشير إشارة قصيرة إلى الأوضاع التي رآها سعيد الجديد حقيقةً في سياحته الخيالية في الآية النورية([1])، ومن أراد تفصيلها فلينظر في القسم الخامس من المكتوب التاسع والعشرين في هذا الكتاب.

عندما رأيت في أثناء تلك السياحة الخيالية عالم الحيوانات المحتاجة إلى الرزق نظرت إليها بنظر الفلسفة المادية، فأَظهر لي ضعفُها وعجزها مع احتياجاتها غير المحدودة وجوعها الشديد عالمَ الأحياء ذلك في صورةٍ أليمة يرثى لها، فأطلقت صرخات ألم وبكاء بسبب نظري بعين أهل الضلال والغفلة، ثم فجأة نظرت بمنظار الحكمة القرآنية والإيمان، فرأيت أن اسم "الرحمن" قد طلع في برج اسم "الرزّاق" كشمسٍ ساطعة، فزيّن بضوء الرحمة عالم الأحياء الجائعة المسكينة.

ثم رأيت في عالم الحيوانات عالَمًا آخر حزينًا أليمًا في ظلمةٍ تثير مشاعر الرقة والرحمة لدى الجميع؛ يتقلب فيها الصغار في ضعفٍ وعجز واحتياج، فتحسرت وتأوهت على نظري بنظر أهل الضلالة، ثم فجأة أعطاني الإيمان نظَّارةً، فرأيت من خلالها أن اسم "الرحيم" قد طلع في برج الشفقة، فحوّل ذلك العالمَ الأليم الحزين




[1])) يقصد بها الآية الكريمة: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾.


446. صفحة

إلى عالمٍ بهيج وأضاءه ونوّره بصورةٍ لطيفة حلوة حوّلت دموعي الناشئة عن الشكوى والرحمة والحزن إلى دموعٍ تسيل من لذة الفرح والشكر.

ثم تراءى لي عالم الإنسان مثلما تتراءى شاشة سينمائية، فنظرت إليه بمنظار أهل الضلالة، فرأيت ذلك العالم مظلمًا مرعبًا رهيبًا إلى حدٍّ صرخت معه وبكيت من أعماق قلبي، وقلت واحسرتاه! وا أسفاه!؛ ذلك أن الإنسان مع رغباته وآماله الممتدّة إلى الأبد، وتصوراته وأفكاره التي تحيط بالكون، وهِمَّته وطموحاته واستعداداته الجِبِلّيّة التي تطلب بشدةٍ البقاءَ الأبدي والسعادةَ الأبدية والجنة، وقُواه الفطرية التي أُطلِقت بلا قيود ولا حدود، ومع احتياجاته المتوجهة إلى مقاصد غير محدودة، وضعفه وعجزه، ومع مصائبه وأعدائه غير المحدودين الذين يتعرض لهجماتهم، ينظر ذلك الإنسان إلى القبر والمقبرة التي تتراءى لأهل الغفلة في صورة بابٍ ينفتح إلى ظلماتٍ أبدية، في حياةٍ متقلبة مضطربة تحت وطأة قلق الموت في كلّ يوم وكل ساعة، في عمرٍ قصير جدًّا، وفي معاناة عيشٍ بائس جدًّا للحياة، وفي مقاساة ألم الزوال والفراق الدائم الذي هو أشد الحالات وطأة وألمًا وفزعًا على القلب والضمير، ورأيت أنهم يُلقَون في بئر الظلمات هذا فردا بعد فردٍ وطائفةً إثر طائفة.

وحالما رأيت هذا العالم الإنساني غارقًا في هذه الظلمات كان قلبي وروحي وعقلي على وشك البكاء المرير والعويل الصارخ مع جميع لطائفي الإنسانية، بل مع جميع خلاياي وجسمي، فإذا بالنور النابع من القرآن والقوة الإيمانية حطّما نظَّارة الضلالة هذه، ووهبا لرأسي عينًا، فرأيت أن اسم الله "العادل" قد طلع كالشمس في برج "الحكيم"، واسم "الرحمن" في برج "الكريم"، واسم "الرحيم" في برج "الغفور" أي في معناه، واسم "الباعث" في برج "الوارث"، واسم "المحيي" في برج "المحسن"، واسم "الربّ" في برج "المالك"، وكل واحد من هذه الأسماء أضاء عالم الإنسان المظلم الذي فيه عوالم كثيرة وعمَّره وأبهجه، وبدد الحالات الجهنمية، وفتح نوافذ نورانية من عالم الآخرة، وسكب ونثر الأنوار في عالم الإنسان البائس، فعندئذ قلت "الحمد لله، والشكر لله" بعدد ذرات الكائنات، ورأيت بعين اليقين أن في الإيمان جنةً معنوية حتى في هذه الدنيا، وعلمت يقينًا أن في الضلال جهنم معنوية حتى في هذه الدنيا.


447. صفحة

ثم تراءى لي عالم الكرة الأرضية، فقد أظهرت لخيالي القوانينُ العلمية المظلمة للفلسفة التي لا تطيع الدين عالمًا مرعبًا مفزعًا في سياحتي الخيالية تلك؛ إذ تراءى لي وضع نوع الإنسان البائس المسكين المسافر في فضاء لا حد له في الكرة الأرضية العجوز المسنة ذات الزلازل والاهتزازات الجوفية، والتي تقطع مسافة خمسة وعشرين ألف سنة في سنةٍ واحدة، وتدورها بحركتها التي هي أسرع من القذيفة سبعين مرة، والتي هي مستعدة للانفجار والتشتت في كلّ وقت، تراءى لي وضع نوع الإنسان المسافر على متن تلك السفينة الهائلة مرعبًا مفزعًا في ظلماتٍ فوق ظلمات، وداخ رأسي، وأظلمت الدنيا أمام عيني، فطرحت نظارة الفلسفة أرضًا، وحطمتها، فإذا بي أنظر بعينٍ منوَّرة بالحكمة القرآنية، فرأيت أن أسماءَ خالق الأرض والسماوات من أمثال "القدير" و"العليم"و"الرب" و"الله" و"رب السماوات والأرض" و"مسخِّر الشمس والقمر" قد طلعت كالشمس في أبراج الرحمة والعظمة والربوبية، فنورت ذلك العالم المظلم الموحش المرعب تنويرًا؛ بحيث رأيت الكرة الأرضية في تلك الحال بنظري ذي الإيمان كسفينةٍ سياحية في غاية التنسيق والتنظيم والروعة والتسخير والبداعة والطيبة والأمن، وُضِعَت فيها أرزاق الجميع، وكسفينة أو طائرةٍ أو قطارٍ مهيأ للتنزه والاستجمام والتجارة، ولترحيل ذوي الأرواح حول الشمس في المملكة الربانية، ولجلب محاصيل الصيف والربيع والخريف لمن يطلبون الرزق، وقلت "الحمد لله على نعمة الإيمان" بعدد ذرات الكرة الأرضية.

وقياسًا على هذا فقد أُثبت في رسائل النور بموازنات ومقارنات كثيرة جدًّا أن أهل السفاهة والضلالة يقاسون العذاب في جهنم معنوية حتى في الدنيا، وأن أهل الإيمان والصلاح يمكنهم أن يذوقوا حتى في الدنيا لذائذ الجنة المعنوية في جنة معنوية بتجليات الإيمان بمعدة الإسلام والإنسانية، بل يمكنهم أن يستفيدوا منها حسب درجات إيمانهم، ولكن تيارات هذا الزمان ذات العواصف التي تُبطِل المشاعر والعواطف، وتشتت أنظار البشر في الآفاق وتخنقها؛ أورثت البشر خمولا وبلادة من حيث إبطال المشاعر؛ إذ لا يشعر أهل الضلال مؤقتًا بالعذاب المعنوي شعورًا تامًّا، وأما أهل الهداية فتغلبهم الغفلة، ولا يقدرون على تقدير ما يتذوقون من اللذائذ المعنوية الحقيقية تقديرًا تامًّا.


448. صفحة

الحالة الرهيبة الثانية في هذا العصر: وهي أن الكفر المطلق والضلالات الناشئة عن العلوم، وأنواع التمرد النابعة عن الكفر العنادي كانت قليلة جدًّا في الماضي بالنسبة لهذا الزمان؛ لذا فدروس محققي الإسلام القدماء وحججهم كانت كافيةً ووافية لتلك الأنواع من الضلال والتمرد في ذلك الزمان، وكانت تزيل الكفر المشكوك بسرعة، ولما كان الإيمان بالله تعالى سائدًا وعامًّا في ذلك الزمان؛ كان الكثيرون يستطيعون أن يتركوا السفاهات والضلالات بتعريفهم بالله سبحانه وتعالى، وبتذكيرهم بعذاب جهنم.

أما الآن فقد يكون في قريةٍ واحدة مائة من الكافرين بدلا من كافرٍ واحدٍ كفرًا مطلقًا في بلد واحد في الماضي، وقد ازداد الآن عدد الذين يقعون في الضلال بسبب العلوم والفنون ويعارضون الحقائق الإيمانية بالعناد والتمرد مائة ضعفٍ بالنسبة للماضي، فهؤلاء المعاندون المتمردون يعارضون الحقائق الإيمانية بغرورٍ في درجة الفرعونية وبضلالهم العنيف المذهل؛ لذا فلابد من وجود حقيقةٍ قدسية كالقنبلة الذرية تقدر على تحطيم أسسهم ونسفها في هذه الدنيا، حتى توقف تحدياتهم وتجاوزاتهم، وتسوق بعضهم إلى الإيمان.

ونشكر الله تعالى شكرًا لا حد له؛ حيث إن رسائل النور التي هي ترياقٌ شاف لجروح هذا الزمان ومعجزةٌ معنوية للقرآن المعجز البيان ولمعاتٌ تلمعت منه؛ تُلزِم أعتى المتمردين وأشدهم عنادًا وتدحض حججهم بالموازنات الكثيرة جدًّا وبسيف القرآن الألماسي، وتُظهِر دلائل وحجج وحدانية الله تعالى والحقائق الإيمانية ودلائلها بعدد ذرات الكائنات؛ ومن أجل ذلك لم تُغلب ولم تنهزم منذ خمس وعشرين سنة أمام أشد الهجمات، بل غلبتها، وما زالت تغلبها.

أجل؛ إن موازنات الكفر والإيمان، ومقارنات الهداية والضلال في رسائل النور تثبت هذه الحقائق المذكورة بالمشاهدة، فبراهين ولمعات مقامي "الكلمة الثانية والعشرين" و"الموقف الأول" من "الكلمة الثانية والثلاثين"، ونوافذ "الكلمة الثالثة والثلاثين"، والحجج الإحدى عشرة لـ"مجموعة عصا موسى"، إذا قورنت بها الموازناتُ الأخرى وأُمعِن النظر فيها، لتبين أن الذي سيحطم الكفر المطلق ويكسر عناد الضلالة المتمردة ويهدمه في هذا الزمان إنما هو الحقيقة القرآنية التي تتجلى في رسائل النور.


449. صفحة

وكما أن الرسائل التي تحل الطلاسم المهمة للدين وتكشف معمَّيات خلق العالم وأسراره قد جُمعت في "مجموعة الطلاسم"؛ فستُكتَب كذلك في مجموعةٍ موجزة إن شاء الله تعالى باختصارٍ بعضٌ من رسائل النور أمثال تلك الرسائل التي تبين كيف أن أهل الضلال يقاسون عذاب جهنم حتى في الدنيا، وكيف أن أهل الهداية يذوقون لذائذ الجنة ومتعها حتى في الدنيا، وتوضح كيف أن الإيمان نواةٌ معنوية للجنة، وأن الكفر بذرةٌ لشجرة زقوم جهنم، وستُنشَر إن شاء الله تعالى.


450. صفحة

الخطبة الشامية

تأليف

بديع الزمان سعيد النورسي

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

نقدم لله تعالى ما يقدمه جميع الأحياء لخالقهم من هدايا معنوية بلسان حال حياتهم، ومن حمٍد وشكرٍ بلسان أحوالهم للواجب الوجود الذي يقول: ﴿لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ﴾(الزمر:53)، ونصلي ونسلم صلاة وسلامًا لا حد لهما على نبينا محمد المصطفى الذي قال: "جِئْتُ لأُتَمِّمَ مَكارِمَ الأَخْلاقِ([1])"، أي إن حكمةً مهمة لبعثتي إلى الناس من قبل الله تعالى هي تكميل الأخلاق الحسنة، والخصال الحميدة، وإنقاذ البشرية من سوء الأخلاق.

أما بعدَ الحمد والصلاة:

فيا إخواني العرب الذين يستمعون إلى هذا الدرس في هذا الجامع الأموي، إنني لم أصعد هذا المنبر وهذا المقام لأرشدكم، فهذا يفوق حدي؛ ذلك أن مثلي في جماعةٍ فيها ما يقرب من مائة عالم كمثل صبي يذهب إلى المدرسة صباحًا، ويدرس فيها ويعود في المساء ليعرض على أبيه ما تعلمه، حتى يعلم هل أصاب في التعلم أم أخطأ؟ فينتظر إرشاد أبيه أو تصويبه.



[1])) انظر السنن الكبرى للإمام البيهقي حديث رقم 20571، والمستدرك للحاكم بلفظ "بعثت لأتمم صالح الأخلاق" 4221 حديث رقم، والموطأ للإمام مالك حديث رقم 1609، والمسند للإمام أحمد بلفظ حديث رقم 8939.



451. صفحة

أجل؛ إننا الأكراد كالصبيان والتلاميذ بالنسبة لكم، وأنتم أساتذتنا وأساتذة الشعوب الإسلامية، فها أنا ذا أعرض بعض ما تعلمته على أساتذتنا من أمثالكم كالآتي:

لقد تعلمت في هذا الزمان والمكان في مدرسة الحياة الاجتماعية البشرية، فعلمت أن هناك ستة أمراض جعلتنا واقفين في القرون الوسطى، في حين أن الأجانب والأوربيين طاروا في التقدم نحو المستقبل، وهذه الأمراض هي:

الأول: انتعاش اليأس والقنوط وحياته فينا.

الثاني: موت الصدق في الحياة الاجتماعية السياسية.

الثالث: حبّ العداوة.

الرابع: الجهل بالروابط النورانية التي تربط أهل الإيمان بعضهم ببعض.

الخامس: الاستبداد الذي ينتشر كالأمراض السارية المتنوعة.

السادس: حصر الهمة في المنفعة الشخصية.

وأبين أدوية هذه الأمراض الستة الفتاكة "بست كلمات" تعلمتها في حياتنا الاجتماعية من الصيدلية القرآنية التي هي بمنزلة كلية الطب، وأعتقد أنما هي أسس العلاج، وليس غيرها.

 

الكلمة الأولى:

الأمل

أي شدة الأمل في الرحمة الإلهية

أجل؛ إنني يا معشر المسلمين -بناء على ما تلقيته من درس- أبشركم بأن أمارات الفجر الصادق لسعادة العالم الإسلامي الدنيوية اليوم، وخاصة سعادة العثمانيين، وبالأخص سعادة العرب الذين يتوقف تقدم المسلمين علي يقظتهم وانتباههم؛ قد بدأت تظهر وتنكشف، وأن طلوع شمس السعادة قد اقترب على رغم أنف اليأس([1])،



[1])) لقد أخبر سعيد القديم قبل خمسة وأربعين عامًا بأن العالم الإسلامي وفي مقدمته الدول العربية سوف يتخلص عام ألف وثلاثمائة وواحد وسبعين 1371 من أسر الدول الأجنبية ومن استبدادها، وسيشكل دولا إسلامية، ولم يرد بباله وقوع الحربين العالميتين والاستبداد المطلق الذي دام ما يقرب من أربعين عامًا، فأطلق البشرى وكأنها سوف تحدث عام ألف وثلاثمائة وسبعة وعشرين 1327، ولم يضع في حسبانه سبب تأخرها.(المؤلف).



452. صفحة

وإنني أعلن بقناعتي القاطعة الجازمة صارخًا لدرجةٍ تسمع العالم:

إن المستقبل لن يكون إلا للإسلام وحده، ولن يهيمن على المستقبل إلا الحقائق القرآنية والإيمانية، فعلينا إذن أن نرضى بالقدر الإلهي وما قسَّمه لنا؛ حيث قد وقع لنا مستقبلٌ مشرق ووقع للأجانب ماض مشوش، وعلى دعواي هذه تلقيت درسًا من براهين كثيرة، فسأذكر الآن برهانًا ونصف برهان من تلك البراهين بمقدمات، ونشرع في عرض مقدمات هذا البرهان:

ها هي ذي حقائق الإسلام، لها استعداد كامل قابل للتقدم المعنوي والمادي معًا.

أما عن التقدم المعنوي، فاعلموا أن التاريخ الذي يسجل الأحداث الحقيقية هو أصدق شاهد على الحقيقة، وها هو ذا التاريخ يرينا أن القائد الياباني العام الذي هزم الروس يشهد على حقانية الإسلام، إن التاريخ يبين أن المسلمين بقدر التزامهم وتمسكهم بقوة حقائق الإسلام تحضروا وتقدموا، ويرينا أيضًا أن المسلمين بدرجة ضعف التزامهم بحقائق الإسلام توحشوا وتخلفوا ووقعوا في الهرج والمرج، وأصيبوا بالبلايا والهزائم.

أما سائر الأديان فعلى العكس من ذلك، أي إن التاريخ يرينا أن أهل هذه الأديان يتقدمون ويتحضرون بقدر ضعف صلابتهم وتعصبهم في دينهم، كما أنهم يتعرضون للاضطرابات والتخلف بقدر قوة صلابتهم وتعصبهم في دينهم، وهكذا مضى الزمان حتى الآن.

ومنذ خير القرون حتى الآن لم يخبرنا التاريخ قط أن مسلمًا اعتنق دينا آخر قديمًا أو جديدًا فضله على الإسلام بعد التفكر العقلي والدليل اليقيني، ولا قيمة ولا أهمية -في هذه المسألة- بدخول العوام في دين آخر بالتقليد بغير دليل، أما الإلحاد فهو مسألة أخرى، والحقّ أن التاريخ يخبرنا أن أتباع جميع الأديان حتى أشدهم تعصبًا لدينهم كالإنجليز والروس القدامى يعتنقون الإسلام بالتفكر العقلي، وأنهم يدخلون الإسلام في بعض الأحايين أفواجًا وجماعات يومًا بعد يوم بالبرهان القاطع([1])، فلو



[1])) والدليل على هذه الدعوى المذكورة هو قبول بعض الدول الصغيرة بعد خمسة وأربعين عامًا في الشمال كالسويد والنرويج وفنلندا القرآن من أجل تعليمه وتدريسه والاعتراف به، وليكون سدًّا مانعًا ضد الشيوعية والإلحاد، وتشجيع بعض من خطباء الإنجليز الكبار شعب الإنجليز على قبول القرآن والاعتراف به، ومساندة أكبر دولة في العالم الآن وهي أمريكا حقائق الدين بكل قوتها، وإقرارها بأن آسيا وإفريقيا لن يجدا السعادة والطمأنينة والسلام إلا بالإسلام، وتأييدها للدول الإسلامية الحديثة الميلاد وتشجيعها، وسعيها إلى الاتفاق معها، كل ذلك يثبت هذه الدعوى المذكورة قبل خمسة وأربعين عامًا ويشهد عليها شهادة قوية.(المؤلف). 



453. صفحة

أننا أظهرنا بأفعالنا كمالات الأخلاق الإسلامية والحقائق الإيمانية لدخل أتباع الأديان الأخرى في الإسلام أفواجًا وأسرابًا، بل ربما دخلت بعض قارات الكرة الأرضية ودولها في الإسلام.

ثم إن نوع البشر قد استيقظ وتنبه، ولاسيما بتنبيهات علوم الحضارة، وأدرك ماهية الإنسانية فلا يمكنه بتاتًا أن يستطيع العيش هملا سائبًا بلا دين، ولا يمكن للبشر أن يكونوا ملحدين، حتى إن أشدهم إلحادًا يضطر في نهاية المطاف إلى اللجوء إلى الدين؛ ذلك أن البشر ليست له نقطة استناد مع عجزه أمام مصائب لا حد لها وتجاه أعداء مضرين في الخارج والداخل، وليست له نقطة استمداد تساعده وتعينه على تحقيق آماله الممتدة إلى الأبد مع فقره وابتلائه بحاجات لا حد لها، إلا معرفة صانع العالم والإيمان به وبالآخرة والتصديق بها، وليس لهؤلاء البشر المنتبهين سبيل غير ذلك، وإن لم يكن في صدف القلب جوهر الدين الحق فستقوم قياماتٌ مادية ومعنوية على رأس البشر.

الحاصل: لقد انتبه البشر واستيقظ في هذا العصر بتنبيهات الحروب والعلوم والحوادث الرهيبة، وأدرك جوهر الإنسانية واستعدادها الجامع، وأنه لم يخلق الإنسان باستعداده الجامع العجيب من أجل هذه الحياة الدنيوية القصيرة المضطربة وحدها، بل هو مبعوث للأبد؛ إذ إن في ماهيته آمال تمتد إلى الأبد، وبدأ يشعر كل واحد إلى حد ما أن هذه الدنيا الفانية الضيقة لا تكفي لتحقيق آمال الإنسان ورغباته التي لا نهاية لها، حتى لو قيل للخيال الذي هو إحدى قوى الإنسان وخادمه: إن لك عمر مليون سنة مع سلطنة الدنيا، ولكنك في النهاية ستلاقي الإعدام بغير بعث ولا حياة؛ فلاشك أن خيال الإنسان الذي لم يفقد إنسانيته الحقيقية وتنبه واستيقظ سيبكي على فقدان السعادة الأبدية بالحزن والتأوه من الأعماق بدلا من الفرح والبشر، ولذلك فقد ظهر في قلب كل واحد ميلٌ من

454. صفحة

الأعماق للبحث عن الدين الحق، فهو يبحث قبل كل شيء عن الحقيقة في الدين الحق تجاه إعدام الموت، حتى ينقذ نفسه منه، فحال العالم الراهنة شاهدٌ على هذه الحقيقة، وبسبب ظهور الإلحاد فقد بدأت قارات العالم ودوله تشعر مثل الإنسان شعورا تامًّا بهذه الحاجة الشديدة للبشر بعد خمس وأربعين سنة.

ثم إن آيات القرآن تحيل البشر في بداياتها وخواتيمها إلى العقل، وتقول: انظر إلى عقلك، وراجع فكرك وقلبك وشاورهما وحاورهما حتى تدرك هذه الحقيقة.

انظروا مثلا؛ يقول في أوائل الآيات وأواخرها: "أفلا تنظرون، أفلا تبصرون، أفلا تتذكرون، فاعتبروا، واعلموا، فاعلم، أفلا يتدبرون"، وهي تسأل؛ يا ترى لم لا يعلم البشر الحقيقة فيقعون في جهل مركب؟ ولم لا يعقلون فيقعون في الجنون؟ ولم لا ينظرون حتى عموا عن رؤية الحقيقة؟ ولم لا يعتبر الإنسان ولا يتفكر في أحداث العالم خلال عمره حتى يجد طريق الاستقامة؟ لم لا يتفكرون ولا يتدبرون ولا يفكرون بالعقل فيقعون في الضلال؟ فاعتبروا أيها البشر، واتعظوا من القرون الغابرة فاسعوا إلى الخلاص من المصائب المعنوية الآتية، وأمثال هذه المعاني التي تفيدها كثيرٌ من الآيات تحيل الإنسان إلى عقله ومشاورة فكره.

فيا إخواني في جامع العالم الإسلامي الكبير مثل إخواني في هذا الجامع الأموي، اعتبروا أنتم أيضًا، واتعظوا من الأحداث الرهيبة التي وقعت خلال خمسة وأربعين عامًا، وارجعوا إلى رشدكم يا أصحاب الفكر والعقل ويا من تعتبرون أنفسكم منورين مثقفين.

حاصل الكلام: نحن المسلمين تلاميذ القرآن نتبع البرهان، ونقبل بالحقائق الإيمانية بعقولنا وأفكارنا وقلوبنا، ولا نترك البرهان تقليدًا للرهبان كبعض أفراد الأديان الأخرى، ولذلك فإن القرآن الذي يستند إلى البرهان العقلي ويرسخ جميع أحكامه في العقول؛ لابد أنه هو الذي سيسود في المستقبل الذي سيحكم بالعقل والعلم والمعرفة.

وكذا فالحجب التي تؤدي إلى كسوف شمس الإسلام وتحول دون انتشارها وتمنعها من تنوير البشر بدأت تنكشف وتنقشع، وأخذت تلك الموانع تنزاح، وقد بدأت تظهر أمارات ذلك الفجر قبل خمس وأربعين سنة، وقد بدأ ظهور الفجر الصادق في سنة إحدى

455. صفحة

وسبعين وثلاثمائة وألف وسيبدأ، وإن كان هذا فجرًا كاذبًا فسيطلع الفجر الصادق بعد ثلاثين أو أربعين سنة.

أجل؛ إن هناك "ثمانية موانع رهيبة" حالت دون استحواذ حقيقة الإسلام على الزمن الماضي بالكامل.

المانع الأول والثاني والثالث: جهل الأجانب وبداوتهم وهمجيتهم في ذلك الزمان، وتعصبهم لدينهم.

وهذه الموانع الثلاثة زالت وأخذت تنمحي بفضل التقدم العلمي ومحاسن الحضارة.

المانع الرابع والخامس: هيمنة الرهبان والزعماء الروحانيين واستبدادهم وتحكمهم، وتقليد الأجانب لهم تقليدًا أعمى.

وقد أخذ هذان المانعان أيضًا في الزوال بفضل فكر الحرية وميل التحري عن الحقيقة بين البشر.

المانع السادس والسابع: الاستبداد الذي فينا، وسوء أخلاقنا الناشئ عن مخالفتنا للشريعة؛ حيث كانا يحولان دون ذلك.

وقد بدأ هذان المانعان أيضًا يزولان بإشارة زوال قوة الاستبداد المنفرد في الشخص الواحد الآن إلى زوال الاستبداد الشديد للجماعة والجمعيات والمنظمات بعد ثلاثين أو أربعين سنة، وبفضل شدة فوران النخوة الإسلامية، وظهور النتائج القبيحة للأخلاق السيئة، وأخذا في الزوال فعلا، وسيزولان إن شاء الله زوالا تامًّا.

المانع الثامن: توهم بعض المسائل الإيجابية للعلوم الحديثة مخالِفةً للمعاني الظاهرية للحقائق الإسلامية ومعارضة لها.

وهذا أدى إلى توقف هيمنة الحقائق الإسلامية في الماضي إلى حدّ ما، فمثلا: لقد توهم البعض الملكين الروحانيين المسميين بالثور والحوت المأمورين بالإشراف على الكرة الأرضية بالأمر الإلهي ثورًا وحوتًا ضخمين هائلين، ولما لم يعرف أهل العلوم والفلسفة حقيقة الأمر عارضوا الإسلام، وهناك مائة مثال كهذا، حيث يضطر أشد الفلاسفة عنادًا إلى الاستسلام بعد معرفة حقيقتها، حتى إن رسائل النور تبين في

456. صفحة

رسالة المعجزات القرآنية أن في كل آية من الآيات التي تعرضت لانتقاد من العلوم الحديثة لمعةَ إعجاز للقرآن، وتظهر في جمل القرآن الكريم وكلماته الحقائقَ العالية السامية التي لا تبلغها يد العلوم ويظن أهل العلوم أنها موضع انتقاد، فتجبر حتى أشد الفلاسفة عنادًا على الاستسلام، وهي في الميدان، فليراجعها من أراد وليرجع إليها، وعليه أن يراجع، حتى يرى كيف أن هذا المانع زال وانهار بعد هذا الكلام الذي قيل قبل خمس وأربعين سنة.

أجل؛ إن هنالك مؤلفات لبعض المحققين المسلمين في هذا الموضوع، وهناك أمارات يبدو منها أن هذا المانع الثامن الرهيب سيزول وينمحي.

 أجل؛ لقد جهزت -وإن لم يكن الآن فبعد ثلاثين أو أربعين سنة- المعرفة الحقيقية والعلمُ ومحاسن الحضارة القوى الثلاثَ وهي ميلُ التحري عن الحقيقة، والإنصافُ ومحبة الإنسانية تجهيزًا كاملا وهيأتها، وأرسلتها إلى الجبهات الثماني لتلك الأعداء الثمانية حتى تتغلب على الموانع الثمانية. 

وقد بدأت الآن تطردهم فعلا، وسوف تجعلهم شذر مذر إن شاء الله بعد نصف قرن.

أجل؛ إن "الفضل ما شهدت به الأعداء" مقولة مشهورة، وإليكم مثالين من بين مئات الأمثلة على تصديق تلك الفضيلة في زماننا:

المثال الأول: يصرح السيد كارلايل -أشهر فلاسفة القرن التاسع عشر وقارة أمريكا- ويقول بأعلى صوته بما كتبه ونشره للفلاسفة وعالم النصرانية في آثاره دون تحفظ من أحد: "لقد ولد الإسلام كالنار المشرقة الساطعة، وابتلع الأديان الأخرى مثل أغصان الشجرة اليابسة، وحق له أن يبتلعها؛ لأن الأديان الأخرى، أي التي لم تنل تصديق القرآن، لا وزن لها"، ويضيف السيد كارلايل أيضًا: "إن أولى الكلام بالإصغاء إليه هو كلام محمد؛ لأن القول الحقيقي قوله"، ويقول أيضًا: "إذا كنت ترتاب في حقيقة الإسلام فإنك تكون قد شككت في البديهيات والضرورات القطعية؛ لأن الإسلام من أشد الحقائق بداهة وأشدها ضرورة".

فهذا الفيلسوف الشهير قد كتب شهادته هذه في مواضع مختلفة من كتابه.


457. صفحة

المثال الثاني: الأمير بسمارك، أشهر فلاسفة أوربا في القرن العشرين، يقول:

"لقد درست جميع الكتب السماوية، ولم أجد فيها الحكمة الحقيقية التي كنت أبحث عنها من أجل سعادة البشر بسبب التحريف الذي اعتراها، ولكنني وجدت قرآن محمد فوق جميع الكتب، فوجدت في كل كلمة من كلماته حكمة، وليس هناك أثر يخدم السعادة البشرية مثله، ولا يمكن أن يكون مثل هذا الأثر من كلام البشر، فمن قال إن هذا من كلام محمد فإنه يكون قد أنكر الضرورات العلمية، أي إن كون القرآن كلام الله أمر بديهي".

فحقول الذكاء لأمريكا وأوربا أنتجت محاصيل من أمثال السيد كارلايل، والأمير بسمارك من المحققين العباقرة، فاستنادًا إلى هذا أقول بكل اطمئنان وقناعة: إن أمريكا وأوربا حبليان من الإسلام وستلدان يومًا دولة إسلامية، مثلما حبلت الدولة العثمانية من أوربا وولدت دولةً أوربية.

فيا إخواني في الجامع الأموي، ويا إخواني في جامع العالم الإسلامي بعد نصف قرن!

أفلا تثبت المقدمات التي سقناها منذ البداية حتى الآن أن الذي سيهيمن على قارات المستقبل هيمنةً معنوية حقيقية، وسيسوق البشر إلى السعادة الدنيوية والأخروية هو الإسلام وحده، والدين الحقيقي للعيسويين الذي ينقلب إلى الإسلام ويتجرد من الخرافات والتحريفات، ويتبع القرآن ويتفق معه؟

أما الجهة الثانية، وهي أن الأسباب القوية لرقي الإسلام المادي تشير إلى أن الإسلام سيسود في المستقبل ماديًّا أيضًا، فكما أن الجهة الأولى تثبت رقي الإسلام معنويًّا، فإن هذه الجهة الثانية تشير إشارة قوية إلى رقي الإسلام المادي وإلى سيادته وهيمنته في المستقبل؛ لأنه قد اجتمعت "خمس قوى" قوية لا تُقهر ولا تُغلب في قلب الشخصية المعنوية للعالم الإسلامي، وامتزجت فيه واستقرت.

القوة الأولى: وهي حقيقة الإسلام المجهزة بالحضارة الحقيقية، وبالعلوم الحقيقية الواقعية والتي هي أستاذ جميع الكمالات([1])، والتي تستطيع أن تجعل




[1])) أجل؛ إننا نفهم من أستاذية القرآن وإشارات دروسه أن القرآن بذكره معجزات الأنبياء عليهم السلام يعلم البشر أنهم سوف يحرزون تقدمًا وترقيًا في المستقبل، وستظهر نظائر تلك المعجزات بهذا التقدم والترقي، ويحثهم على الإتيان بمثل تلك المعجزات ويقول: هيا اعمل وأظهر نماذج هذه المعجزات، واقطع مسافة شهرين في يومٍ واحد مثل سليمان عليه السلام، واسعَ إلى معالجة أشد الأمراض مثل عيسى عليه السلام، واستخرج من الحجر الماء الباعث على الحياة مثل عصا موسى عليه السلام فأنقذ البشرية من العطش، وابحث عن المواد التي لا تحرقها النار كما لم تحرق إبراهيم عليه السلام والبسها مثله، واسمع أبعد الأصوات وأبصر أبعد الصور في الشرق والغرب مثل بعض الأنبياء عليهم السلام، وألن الحديد كالعجين مثل داود عليه السلام، واجعل الحديد كالشمع ليكون وسيلةً لجميع الصناعات البشرية، وكما تستفيدون من الساعة والسفينة اللتين هما من معجزات يوسف ونوح عليهما السلام استفادة كبيرة، فاستفيدوا كذلك من المعجزات التي يعلمكم إياها سائر الأنبياء عليهم السلام، وقلدوها، فقياسًا على هذا فإن القرآن يرشد البشر ليسوقهم إلى الرقي المادي والمعنوي من كل النواحي، ويثبت أنه أستاذ الكل.(المؤلف).  


458. صفحة

نفوس ثلاثمائة وسبعين مليونًا من المسلمين كنفسٍ واحدة، ولا تستطيع أية قوة أن تقهرها.

القوة الثانية: إن الحاجة الشديدة المجهزة باكتمال الوسائل والمبادئ والتي هي الأستاذ الحقيقي للحضارة والصناعة، والفقر الذي قصم ظهرنا؛ قوتان لا تَسكُتان ولا تقهران.

القوة الثالثة: إن القوة الثالثة التي ترشد البشرية إلى المعالي بالمسابقة في الأمور السامية، وتحثها على العمل في هذا السبيل، وتمزق الاستبداد كل ممزق، وتثير الأحاسيس والمشاعر السامية، والتي هي مجهزة بالغبطة والحسد والتنافس والانتباه الكامل وشوق التسابق والتنافس وميل التجدد وميلان التمدن؛ ليست إلا الحرية الشرعية، أي التحلي بالميل والرغبة في الكمالات العليا التي تليق بالإنسانية.

القوة الرابعة: الشهامة الإيمانية المجهزة بالشفقة، أي عدم التذلل، وعدم الخضوع للظالمين والطغاة، وعدم إذلال المظلومين، أي عدم التملق للمستبدين، وعدم التحكم بالمساكين والتكبر عليهم، وهذان من أسس الحرية الشرعية.  

القوة الخامسة: العزة الإسلامية، التي تعلن إعلاء كلمة الله.

إن إعلاء كلمة الله في هذا الزمان يتوقف على التقدم المادي، ولا يتحقق إلا بالدخول في طريق الحضارة الحقيقية، ولاريب أن الشخصية المعنوية للعالم الإسلامي ستمتثل امتثالا كاملا في المستقبل لما أَمرت به العزة الإسلامية أمرًا قاطعًا بالإيمان.

أجل؛ إن تقدم الإسلام ورقيه في الماضي، وكسر تعصب العدو وعناده ودفع اعتداءاته كان باستخدام السيف والسلاح، أما في المستقبل فإن السيوف المعنوية

459. صفحة

للحضارة الحقيقية والرقي المادي والحقّ هي التي ستنتصر على العدوّ وستشتته بدلا من السيف والسلاح.

اعلموا أن قصدنا من الحضارة هو محاسنها وخيراتها ومنافعها للبشر، وليس آثامها وسيئاتها، ولكن الحمقى ظنوا تلك السيئات وتلك الملذات السفيهة محاسن فقلدوها وأتلفوا وخربوا أموالنا، وبذلوا الدين رشوةً فلم يحصلوا على الدنيا هي الأخرى.

إنه بسبب تغلب سيئات الحضارة على محاسنها ورجحان سيئاتها على حسناتها تلقت البشرية صفعتين شديدتين بحربين عالميتين، فخربتا تلك الحضارة الآثمة، فتقيأت حتى لطخت وجه الأرض بالدم، وسوف تتغلب قوة الإسلام ومحاسن الحضارة في المستقبل إن شاء الله، وستطهر وجه الأرض من الأوساخ والأدران، وستحقق السلام العام.

أجل؛ إن الحضارة الأوربية لم تؤسَّس على الفضيلة والهدى، بل على النوازع والرغبات والهوى والتنافس والتحكم؛ لذا فقد تغلبت حتى الآن سيئات الحضارة على حسناتها، وأصبحت كشجرة مُدوَّدة بديدان الجمعيات الثورية، وهذا سببٌ ودليل قوي على انتصار حضارة آسيا، فهي ستتغلب في وقتٍ قريب قصير.

ومع أن هناك سببًا للرقي المادي والمعنوي وأسبابًا قوية لا تتزعزع لأهل الإيمان والإسلام في المستقبل، والسبيل لسعادتهم المستقبلية ممهد أمامهم كسكة الحديد، فكيف تيأسون وتقنطون فتكسرون القوة المعنوية للعالم الإسلامي هو الآخر، وتظنون بسبب اليأس والقنوط أن الدنيا دار الرقي والتقدم للجميع والأجانب، ودار التدني والتخلف لأهل الإسلام المساكين وحدهم، فترتكبون بذلك خطأ جسيمًا؟ وبما أن ميل الوصول إلى الكمال قد أدرج في الفطرة البشرية في الكون بالفطرة، فإن الحق والحقيقة سيُظهِران في العالم الإسلامي إن شاء الله سعادةً دنيوية تكون كفارةً لخطايا نوع البشر القديمة إن لم تقم القيامة فجأة على رأسهم بسبب ظلمهم وخطاياهم.

أجل؛ فانظروا، إن الزمن لا يتحرك على خطٍّ مستقيم حتى يتباعد مبدؤه ومنتهاه، بل يدور في دائرةٍ مثل دوران الكرة الأرضية، ويرينا الصيفَ والربيعَ في تقدمٍ، ويرينا فصلَ الشتاء والعواصف في تخلفٍ، فكما أن بعد كل شتاءٍ ربيعًا، وبعد كل ليلٍ

460. صفحة

صباحًا، فسيكون للبشر أيضًا صباحٌ وربيع إن شاء الله تعالى، ولكم أن تتوقعوا من الرحمة الإلهية أن تَرَوا الحضارة الحقيقية ضمن دائرة السلام العام من خلال شمس الحقيقة الإسلامية.

وقد قلنا في بداية الدرس إننا سنستدل على دعوانا ببرهان ونصف برهان، والآن انتهى البرهان مجملا.

أما نصف البرهان لهذه الدعوى فهو أنه ثبت ببحوث وتحريات العلوم التي كتحري الجواسيس وبما لا حد له من التجارب أن السائد المطلق في نظام الكون والمقصود بذاته والمقاصد الحقيقية للصانع ذي الجلال هي الخير والحُسن والجمال والكمال؛ لأن كل علمٍ من العلوم المتعلقة بالكون يُظهِر انتظامًا وكمالا في النوع والطائفة التي يبحث فيها بقواعده الكلية؛ حتى إن العقل لا يجد أبدع منه، فمثلا: إن كل علم من العلوم، كعلم التشريح الخاص بالطب، وعلم المنظومة الشمسية الخاص بالفلك، والعلوم التي تخص النباتات والحيوانات، وغيرها من العلوم؛ يُظهِر بقواعده الكلية معجزات قدرة الصانع ذي الجلال وحكمته وحقيقة ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾(السجدة:7) في النظام الذي وضعه في ذلك النوع.

ثم إن الاستقراء التام والتجربة العامة ينتجان ويُظهِران أن الشر والقبح والسوء والباطل والفساد أمور جزئية في خلق الكون، وليست مقصودة بل تبعية، ومن ثم فإن القبح لم يدخل الكون من أجل القبح، وإنما دخل كوحدة قياسية حتى تنقلب حقيقةٌ واحدة للجمال إلى حقائق كثيرة، بل الشرّ والشيطان نفسه؛ سُلِّطا على البشر كي يكونا بالتسابق والتنافس وسيلةً لرقي غير محدود للبشر، فمثل هذه الشرور والقبائح الجزئية قد خُلقت لتكون وسيلةً للخير والجمال الكلي في الكون.

وهكذا فالمقصد الحقيقي ونتيجة الخلق في الكون تثبت بالاستقراء التامّ أن الخير والحسن والتكمل هي الأساس في الكون، وأنها هي المقصود الحقيقي؛ لذا فالبشر الذين لوثوا وجه الأرض وأفسدوه بكفرهم الظالم إلى حدٍّ كبير لن يستطيعوا –بلاشك- أن يتركوا الدنيا ويهربوا إلى العدم دون أن يلقوا عقابهم، ودون أن ينالوا المقصود الحقيقي في الكون، بل سيدخلون سجن جهنم.


461. صفحة

وقد ثبت أيضًا بالاستقراء التام وتحقيقات العلوم والمعارف أن أكرم المخلوقات وأهمها هم البشر؛ لأنهم يكشفون بعقولهم عن المراتب بين الأسباب الظاهرية والنتائج في خلق الكون، ويكشفون العلاقات بين العلل والأسباب المتسلسلة، ويدركون بالميزان والقياس وبالمواد التي يستخدمونها باختيارهم الجزئي أفعالَ الخالق ذي الجلال وصفاته الكلية المحيطة بكل شيء من أجل تقليد الصنعة الإلهية والإيجاد الرباني البديع الحكيم بصنعتهم البسيطة، وفهم الأفعال الإلهية، ومعرفة الصنعة الإلهية وفهمها بعلمهم الجزئي وصنعتهم البسيطة، فيثبتون بذلك أنهم أشرف الكائنات وأكرم المخلوقات.

ثم إنه بشهادة حقائق الإسلام المتعلقة بالكون والبشر إن أفضل البشر وأكرمهم من بين البشر المكرمين هم أهل الإسلام الذين هم أهل الحق والحقيقة، وبشهادة الاستقراء التامّ والتاريخ إن الأفضل والأكرم بين أهل الحق الذين هم أشرف البشر المكرمين؛ هو محمد عليه الصلاة والسلام بشهادة ألفٍ من معجزاته وأخلاقه العالية السامية، وشهادة حقائق الإسلام والقرآن.

وبما أن الحقائق الثلاث لنصف البرهان تخبر بهذا، فهل من الممكن يا ترى أن يجرح البشر بالشقاء شهادة هذا الكم من العلوم والمعارف، ويطعن في هذا الاستقراء التام، ويتمرد على المشيئة الإلهية والحكمة الأزلية المحيطة بالكون، ويستمر في وحشيته الظالمة وكفره المتمرد وتدميره الرهيب كما كان يفعل في الغالب حتى الآن؟ أفيمكن أن تستمر هذه الحال ضد الإسلام؟

إنني أقسم بكل قوتي، بل لو أن لي ألسنةً لا حد لها لأقسمت بها جميعًا بالحكيم ذي الجلال والصانع ذي الجمال الذي خلق هذا العالم بهذا النظام الأكمل البديع في منتهى الحكمة والانتظام، بدءا من الذرات وانتهاء إلى الكواكب السيارة، ومن جناح الذباب إلى قناديل السماوات؛ أنه لا يمكن للبشر بأي وجهٍ من الوجوه أن يخالفوا النظام القائم في الكون بشرورهم الكلية، مخالفين بذلك جميع أنواع الكائنات وسائر الطوائف التي هي إخوانهم الصغار، وأن يتسببوا في تغلب الشر على الخير آلاف السنين، وأن يأكلوا الزقوم ويهضموها.

أجل؛ لا يمكن ذلك إلا بافتراض هذا المحال: وهو أن يكون البشر أدنى المخلوقات وأشقاها وأعجزها وأضرها وأتفهها، ويكونوا قد دخلوا هذا الكون

462. صفحة

متلصصين فيفسدوا فيه مع أنهم في مرتبة الأمانة الكبرى، وفي مقام خليفة الأرض والأخ الأكبر الأكرم لسائر أنواع الكائنات، فهذا المحال المفترض لا يمكن قبوله بأي وجهٍ من الوجوه.

فلا شك أن نصف البرهان هذا يُنتِج حقيقة أن الخير والدين الحق سيتغلبان تغلبًا كاملا في المستقبل كوجود الجنة وجهنم الضروري في الآخرة، وسيكون الخير والفضيلة غالبين على الإطلاق في البشر كما في سائر الأنواع، حتى يكون البشر متساوين مع سائر إخوانهم في الكون، وحتى يقال إن سر الحكمة الأزلية قد تقرر في نوع البشر أيضًا.

الحاصل:

بما أن أفضل نتيجةٍ مختارة في هذا الكون وأهم مخلوق في نظر الخالق هو البشر حسب تلك الحقائق القاطعة المذكورة؛ فلابد أن المظالم التي ارتكبها البشر حتى الآن تستلزم وجود جهنم في الحياة الباقية، واستعداداته الكمالية الكلية الكامنة في فطرته وحقائقه الإيمانية التي تهم الكون وترتبط به تقتضي وجود الجنة في تلك الحياة الباقية أيضًا بالبداهة؛ فلاشك ولا ريب أن البشر لن يقبلوا بجرائم ارتكبوها بحربين عالميتين فأبكوا الكون وتقيئوا شرور الزقوم التي بلعوها لعدم هضمهم لها فلطخوا وجه الأرض كله، وأوقعوا البشرية في أشد الأحوال بؤسًا، وهدموا ألف سنة من رقيها؛ لا شك أنهم لن يقبلوا بهذه الجريمة.

فنحن نضرع إلى رحمة الرحمن الرحيم ونأمل ونتوقع منها -إن لم تقم القيامة على رأس البشر قريبًا- أن تكون الحقائق الإسلامية وسيلةً لإنقاذ البشر من السقوط إلى درك أسفل سافلين، وتطهير وجه الأرض، وتحقيق السلام العامّ.

 

الكلمة الثانية

اليأس

إن ما توصل إليه فكري بتجاربي خلال مدة حياتي هو أن اليأس أفتك مرض دخل قلب العالم الإسلامي، فهذا اليأس كأنه قتلنا، حيث إن دولةً صغيرة في الغرب لا يبلغ سكانها إلا مليون أو مليوني نسمة جعلت عشرين مليونًا من المسلمين في الشرق خادمين لها، واستعمرت أوطانهم.


463. صفحة

وهذا اليأس هو الذي أمات أخلاقنا العالية، وجعلنا نترك المنفعة العمومية ونحصر أنظارنا في المنفعة الشخصية، وهو الذي كسر قوتنا المعنوية الخارقة، فمع أن هذه القوة المعنوية النابعة من الإيمان كانت قادرة على الهيمنة على العالم أجمع من الشرق إلى الغرب بقوةٍ ضئيلة؛ فإنها كُسرت بسبب ذلك اليأس، حتى جعل الأجانب الظالمون ثلاثمائة مليون من المسلمين أسرى لهم منذ أربعمائة سنة، حتى إن الرجل يظن بسبب هذا اليأس أن عدم مبالاة الآخرين وفتورهم عذر ومبرر لتكاسله، ويقول: ما لي ولهذه الأمور، فكل الناس أشقياء تعساء بائسون مثلي، فيترك شهامة الإيمان، ولا يقوم بخدمة الإسلام.

وبما أن هذا المرض ظلمنا إلى هذا الحد ويقتلنا، فنحن أيضًا سنقتص من قاتلنا هذا وسنقضي عليه، ونحطم رأس هذا اليأس بسيف ﴿لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ﴾، ونقصم ظهره بحقيقة الحديث الشريف "ما لا يدرك كله لا يترك كله[1]" إن شاء الله تعالى.

إن اليأس أفتك مرض للأمم والشعوب كالسرطان، ومانعٌ للكمالات، ومخالف لحقيقة "أنا عند ظن عبدي بي"[2]، وهو شأن الجبناء والسفلة والعاجزين وذريعتهم، وليس من شأن الشهامة الإسلامية، وعلى وجه الخصوص لا يمكن أن يكون من شأن قومٍ كالعرب الذين امتازوا بالسجايا العالية التي هي مفخرة البشرية، وقد تعلَّمت شعوب العالم الإسلامي دروسًا من متانة العرب وصلابتهم، وسيترك العرب اليأس بإذن الله مرة أخرى ويتعاونون في تساندٍ واتفاق حقيقي يدًا بيد مع الأتراك الذين هم جيش الإسلام البطل، فيرفعون راية القرآن في كل بقعة من بقاع العالم إن شاء الله.

 

الكلمة الثالثة

الصدق

لقد علمتني –يقينًا- الخلاصةُ التي استخلصتها عن طريق تحقيقاتي التي استمرت خلال عمري، والزبدةُ التي مخّضتْها اضطرابات الحياة الاجتماعية وقلاقلها التي مرت علي أن الصدق أس أساس الإسلام، ورابطة سجاياه السامية الرفيعة، ومزاج المشاعر السامية، فعلينا إذن أن نحيي فينا الصدق الذي هو أساس حياتنا الاجتماعية، ونداوي به أمراضنا المعنوية.



[1]

[2]


464. صفحة

أجل؛ إن الصدق عقدة الحياة في الحياة الاجتماعية للإسلام، والرياء نوع من كذبٍ فعلي، والتملق والتصنع كذبٌ سافل، والنفاق كذبٌ مضرّ، أما الكذب فهو افتراءٌ على قدرة الصانع ذي الجلال، والكفر كذبٌ بكل أنواعه، أما الإيمان فهو صدق، وبناء على هذا السر فالبون شاسعٌ واسع بين الصدق والكذب، ولا بد أن يكونا متباعدين بُعد المشرق عن المغرب، وألا يتداخلا كالنار والنور، بيد أن السياسة الظالمة والدعايات المتعسفة قد خلطتا أحدهما بالآخر، وأفسدتا كمالات البشر([1]).





[1])) !يا إخواني؛ يتبين من هذا الدرس الذي ألقاه سعيد القديم قبل خمس وأربعين سنة أن سعيدًا القديم كان ذا علاقة وثيقة بالسياسة والحياة الاجتماعية الإسلامية، ولكن لا تظنوا أنه سلك نهج اتخاذ الدين أداةً للسياسة أو وسيلة لها، كلا، بل كان يجعل السياسة أداةً للدين بكل قوته، وكان يقول: إنني أفضِّل حقيقةً واحدة من حقائق الدين على ألف سياسة.

أجل؛ إنه قد شعر قبل ما يقرب من خمسين سنة أن بعض الزنادقة المنافقين يحاولون أن يجعلوا السياسة أداة للإلحاد، فسعى هو مقابل ذلك بكل قوته كي يجعل السياسة خادمة للحقائق الإسلامية وأداة لها، غير أنه رأى بعد عشرين سنة من بعد ذلك الوقت أن بعضًا من أهل السياسة المتدينين حاولوا أن يجعلوا الدين أداةً للسياسة الإسلامية مقابل أن هؤلاء الزنادقة المنافقين المتسترين كانوا يجعلون السياسة أداةً للإلحاد بحجة التغرب.

إن شمس الإسلام لا يمكن أن تكون أداة لأضواء الأرض ولا تابعة لها، وإن محاولة جعلها أداة لها حطٌّ من شأن الإسلام وقيمته، وهي جناية عظيمة، حتى إن سعيدًا القديم قد رأى من هذا النوع من انحيازات السياسة أن عالمًا صالحًا قد أثنى بحماسةٍ على منافقٍ يوافقه في رأيه السياسي، في حين أنه انتقد عالمًا صالحًا يخالف سياسته وفسّقه، فقال له سعيد القديم: "لو أن شيطانًا أيد وناصر فكرك لدعوت له بالرحمة، ولو أن ملكًا خالف فكرك السياسي للعنته!" ولذلك قال سعيد القديم: "أعوذ بالله من الشيطان والسياسة"، وترك السياسة منذ خمس وثلاثين سنة.(المؤلف).

! إن سبعًا وعشرين سنةً من حياة أستاذنا ومائة وثلاثين من كتبه ورسائله قد فحصتها ثلاث محاكم وأجرى موظفو الحكومة تدقيقات كاملة فيها ولكنهم لم يجدوا أدنى أمارة تثبت أنه جعل الدين أداة للسياسة، على الرغم من أنه كان يضطرّ إلى السياسة أحيانًا ضد المرتدين والمنافقين الظالمين الذين يسعون ضده، بل مع أنه أُصدِر سرًّا قرارٌ بإعدامه، وهذا يثبت إثباتًا قاطعًا أنه لم يجعل الدين أداة للسياسة.

أما نحن تلاميذ رسائل النور الذين نعرف حياته عن قربٍ فلا نملك أمام هذا الوضع إلا الإعجاب به، ونَعدّه دليلا على الإخلاص الحقيقي ضمن دائرة رسائل النور. (طلاب النور).   


465. صفحة

إن هذا الصدق وذلك الكذب بعيد أحدهما عن الآخر كبعد الإيمان عن الكفر، فبسر عروج محمد عليه الصلاة والسلام في عصر السعادة إلى أعلى عليين بالصدق، وانفتاح كنوز الحقائق الإيمانية وحقائق الكون بمفتاح هذا الصدق، صار الصدق في سوق الحياة الاجتماعية البشرية أروج بضاعة، وأثمن متاع للشراء، وسقط أمثال مسيلمة الكذاب إلى أسفل سافلين بالكذب.

ولما كان قد أظهر ذلك الانقلاب العظيم أن الكذب مفتاحٌ للكفريَّات والخرافات؛ فلاشك أن الصحابة الذين هم الصف الأول في هذا الانقلاب العظيم، والذين من طبيعتهم وفطرتهم أخذُ أروَجِ سلعة تبعث على الافتخار، وشراء أثمن الأمتعة وأروجها؛ لم يمدوا أيديهم عمدًا إلى الكذب الذي هو أفسد سلعة وأردأ بضاعة يكرهها الجميع في سوق الكون فضلا عن عدم شرائهم لها، ولم يلوثوا أنفسهم بالكذب، ولم يشبّهوا أنفسهم بمسيلمة الكذاب، بل أصبحوا بكل قوتهم وميولهم الفطرية زبائن للصدق الذي هو أروج سلعة وأثمن متاع، ومفتاحٌ للحقائق، ومرتبة بلوغ محمد عليه الصلاة والسلام إلى أعلى عليين؛ وهذه الحقيقة هي الحجة القاطعة الدالة على ما بينه علماء الحديث وعلماء الشريعة واتفقوا عليه من أن جميع الصحابة صادقون وعدول، وأن رواياتهم لا تحتاج إلى التزكية، وأن جميع ما رووه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- صحيح.

وبينما كان الصدق والكذب متباعدين كبعد الإيمان عن الكفر في ذلك الانقلاب العظيم الذي حدث في عصر السعادة فإنه كلما مر الزمن اقترب أحدهما من الآخر، وروجت الدعايات السياسية للكذب ترويجًا كبيرًا أحيانًا، وانتشر الفساد والكذب وعمَّ إلى حدٍّ ما، فمن أجل هذه الحقيقة لا يمكن لأحد أن يبلغ درجة الصحابة.

نكتفي بهذا القدر ونحيل الأمر إلى رسالة "ذيل الكلمة السابعة والعشرين" التي تخص الصحابة.

فيا إخواني في هذا الجامع الأموي، ويا إخواننا الأربعمائة مليون من أهل الإيمان في مسجد العالم الإسلامي الكبير بعد حوالي خمسين سنة، إن النجاة لا تتحقق إلا بالصدق، وإن العروة الوثقى هي الصدق، أي إن أقوى وأمتن وأحكم حبل يُستمسَك به هو الصدق، وأما الكذب من أجل المصلحة فقد نسخه الزمان؛ لأن فتوى بعض العلماء

466. صفحة

بالكذب مؤقتًا من أجل المصلحة والضرورة لا يمكن أن يُفتى بها في هذا الزمان، لأنه استُغل استغلالا سيئًا إلى حدٍّ لم تبق معه إلا مصلحة واحدة مع ما فيه من مائة ضرر؛ لذا لا يُبنى الحكم على المصلحة، فمثلا:

إن سبب قصر الصلاة في السفر هو المشقة، ولكن هذه المشقة لا يمكن أن تكون علة للقصر؛ إذ ليس لها حدٌّ معين، وقد تُستغل استغلالا سيئًا، فلا تكون العلة إلا السفر؛ كذلك فإن المصلحة لا يمكن أن تكون علةً للكذب؛ إذ ليس لها حدٌّ معين، وهي مستنقع مناسب للاستغلال السيء، فلا يُبنى عليها حُكم الفتوى، إذن الطريق اثنان؛ إما الصدق وإما السكوت، ولا ثالث لهما، أي ليس الصدق أو الكذب أو السكوت.

أما الآن، وفي الوقت الحاضر، فلأن تحطم الأمن العام ودمار السلام العالمي بكذب البشر وتزويراته الرهيبة الصارخة وبسبب استغلال المصلحة استغلالا سيئًا؛ فلابد أن هذا هو ما يضطر البشر إلى إغلاق باب الطريق الثالث، ويأمره أمرا قاطعًا بإغلاقه، وإلا فإن الحروب العالمية العامة التي شهدها البشر خلال نصف القرن والثورات والانحطاطات والانهيارات الرهيبة والدمار الفظيع ستفجر القيامة على رءوسهم.

أجل؛ يجب أن يكون كل ما تقوله صدقًا، ولكن ليس من الصواب أن تقول كل صدق، فإذا ما تسبب في ضررٍ في بعض الأحيان فلابد من السكوت، ولا جواز للكذب أبدًا، عليك أن تقول الحق في كل ما تقول، ولكن لا يحق لك أن تقول كل حقّ، فإن لم يكن خالصًا أثَّر تأثيرًا سيئًا سلبيًّا، فيُبذَل الحق في الظلم.

 

الكلمة الرابعة

المحبة

لقد تعلمت يقينًا من الحياة الاجتماعية البشرية خلال حياتي كلها، وأوصلتني التحقيقات والمتابعات إلى أن أجدر شيء بالمحبة هو المحبة ذاتها، وأن أجدر صفة بالخصومة هي الخصومة نفسها، أي إن صفة المحبة والمودة التي تؤمِّن الحياة الاجتماعية البشرية وتسوقها إلى السعادة هي أحق بالمحبة والمودة، وإن العداوة والبغضاء التي تدمر الحياة الاجتماعية البشرية هي صفةٌ مضرة قبيحة تستحق البغض والعداوة والحذر

467. صفحة

منها أكثر من أي شيء آخر، وقد بُيِّنَت هذه الحقيقة في "المكتوب الثاني والعشرين" من رسائل النور بإيضاح؛ لذا نشير إليها هنا إشارة قصيرة كالآتي:

لقد انتهى عهد الخصومة والعداوة، وأظهرت الحربان العالميتان مدى كون العداوة مدمرة وشنيعة وظلمًا شديدًا، وظهر أنه لا فائدة منها على الإطلاق، إذن فلا تستدعينّ سيئاتُ أعدائنا عداوتَكم بشرط ألا يَتَعَدَّوْا علينا، فحسبهم جهنم والعذاب الإلهي.

وقد يسوق الإنسانَ غرورُه وحبه لذاته إلى عداوة أهل الإيمان بغير حق ودون وعي منه وشعور، ويظن نفسه محقًّا، والحق أن هذه الخصومة والعداوة استخفافٌ بالإيمان والإسلام والجنسية وغيرها من الأسباب القوية التي هي وسيلةٌ لمحبة أهل الإيمان، وحطٌّ من شأنها، وبلادة كبلادة تفضيل أسباب العداوة التافهة على أسباب المحبة العظيمة عظم الجبال.

وبما أن المحبة نقيض العداوة؛ فلا يمكن أن تجتمعا اجتماعًا حقيقيًّا كالضياء والظلمة، فالذي تتغلب أسبابه هو الذي يستقر في القلب بحقيقته، ولكن نقيضه لا يكون فيه بحقيقته، فمثلا: إذا استقرت المحبة في القلب بحقيقته انقلبت العداوة عندئذ إلى الشفقة والرحمة، وهذا هو الوضع تجاه أهل الإيمان، أو إذا استقرّت العداوة في القلب بحقيقتها انقلبت المحبة عندئذ إلى التماشي والمداراة والصداقة الظاهرية الصورية، وهذا الوضع يمكن تجاه أهل الضلال غير المتجاوزين.

أجل؛ إن دواعي المحبة هي سلاسل نورانية قوية وقلاع معنوية كالإيمان والإسلام والجنسية والإنسانية، أما أسباب العداوة فهي أسبابٌ جزئية خاصة كالحصيات الصغيرة تجاه أهل الإيمان؛ إذن إن عداوة المسلم عداوةً حقيقية خطأ كبير كالاستخفاف بأسباب المحبة العظيمة عظمة الجبال.

الحاصل: إن المحبة والأخوة والمودة من شيم الإسلام ورابطةٌ من روابطه، فإن أهل العداوة يشبهون طفلا فاسد الطبيعة، يريد أن يبكي، يبحث عن سبب ليبكي، ويكون شيء تافه تفاهة جناح الذباب ذريعةً لبكائه، وإنهم يشبهون كذلك رجلا متشائمًا ظالمًا، لا يحسن الظن مادام سوء الظن ممكنًا، ويستر بسيئةٍ واحدة عشرًا من الحسنات، وهذا ما يرفضه الإنصاف وحسن الظن اللذان هما من السجايا الإسلامية.


468. صفحة

الكلمة الخامسة

إن ما تعلمته من المشورة الشرعية أن سيئة واحدة لإنسانٍ لا تبقى سيئةً واحدة في هذا الزمان، بل تكبر أحيانًا وتسري وتنتشر وتصبح مائة سيئة، ولا تبقى حسنةٌ واحدة حسنةً واحدة أحيانًا، بل تتضاعف إلى آلاف الحسنات، فسر هذا وحكمته أن الحرية الشرعية والمشورة المشروعة قد أظهرتا سيادة أمتنا الحقيقية، فأساس روح أمتنا الحقيقية الإسلام، ولما كانت الخلافة العثمانية والجيش التركي رفعا راية هذه الأمة؛ فالعرب والأتراك الأخوان الحقيقيان بمنزلة صدف الأمة الإسلامية وقلعتها وحراس هذه القلعة القدسية، فبرابطة هذه الأمة القدسية يصبح جميع أهل الإسلام كعشيرة واحدة، فتكون طوائف الإسلام مرتبطةً، وبعضها ذو علاقة ببعض كأفراد العشيرة، ويعين بعضها بعضًا معنويًّا، وماديًّا إذا اقتضى الأمر، فكأن جميع طوائف الإسلام مرتبطة، بعضها ببعض بسلسلةٍ نورانية.

وكما أن فردًا من أفراد العشيرة إذا ارتكب جريمةً يصبح جميع أفراد تلك العشيرة متهمين في نظر عشيرةٍ أخرى عدوة لها، وتعاديها العشيرة العدوّة وكأن كل فرد من أفرادها ارتكب تلك الجريمة، وتصير تلك الجريمة الواحدة كآلاف الجرائم، لكن إذا قام فردٌ من أفراد تلك العشيرة بأمر عظيم واحد يتعلق بماهية تلك العشيرة ويكون سببًا لافتخارها؛ افتخر وتباهى به جميع أفراد العشيرة وكأن كل رجل من تلك العشيرة قام به، فمن أجل هذه الحقيقة المذكورة فإن السيئة في هذا الزمان وخاصة بعد حوالي خمسين سنة لا تبقى على من ارتكبها فحسب، بل تتعدى على حقوق الملايين من المسلمين، وسوف يظهر كثير من أمثلة ذلك بعد حوالي خمسين سنة.

فيا إخواني الذين يستمعون إلى كلماتي هذه في الجامع الأموي، ويا أيها الإخوان المسلمون في جامع العالم الإسلامي بعد أربعين أو خمسين سنة، لا تعتذروا بقولكم: "نحن لا نضرّ أحدًا، ولكننا لا نستطيع أن ننفع أيضًا، فنحن معذورون إذن"، إن عذركم هذا غير مقبول؛ لأن تكاسلكم وترككم للعمل بالتهاون واللامبالاة وعدم تشجعكم وتحمسكم له بالاتحاد الإسلامي والقومية الإسلامية الحقيقية ضررٌ جسيم وظلم عظيم لكم، فكما أن السيئة الواحدة تتضاعف إلى آلاف؛ فلا تنحصر الحسنة الواحدة -أي

469. صفحة

التي تتعلق بقدسية الإسلام- في فاعلها في هذا الزمان، بل يمكن أن تنفع تلك الحسنة نفعًا معنويًّا ملايين من أهل الإيمان، وتَمدّ بقوةٍ رابطة حياتهم المعنوية والمادية؛ لذا فهذا الزمان ليس زمان الارتماء في فراش الكسل باللا مبالاة.

فيا إخواني في هذا الجامع، ويا إخواني في مسجد العالم الإسلامي الكبير بعد أربعين أو خمسين سنة، لا تظنوا أني صعدت على مقام الدرس هذا لأنصحكم وأعظكم، بل صعدت هنا لنطالبكم بحقّنا؛ فإن مصالح الطوائف الصغيرة كالأكراد وسعادتها الدنيوية والأخروية مرتبطةٌ بأساتذة سادة كالعرب والأتراك الذين هم من الطوائف الكبيرة العظيمة مثلكم، فبسبب تكاسلكم وفتوركم تتضرر طوائف الإسلام الذين هم إخوانكم الصغار المساكين مثلنا.

وأنا أخاطبكم أولا على وجه الخصوص أيها العرب العظماء الأجلاء الذين صحوا صحوةً تامة أو سوف يَصحُون؛ لأنكم كنتم أساتذةً وأئمة لنا ولجميع طوائف الإسلام، وكنتم مجاهدي الإسلام، ثم كان الشعب التركي العظيم عونًا لكم على أداء وظيفتكم القدسية تلك عونًا كاملا؛ لذا فإن ذنبكم عظيم بالتكاسل، وحسناتكم وخيراتكم أيضًا عظيمة وسامية للغاية، وأملنا قوي في الرحمة الإلهية أن يتخذ طوائف العرب وضعًا ساميًا بعد أربعين أو خمسين سنة كالجماهير الأمريكية المتحدة، ويوفَّقوا في إنقاذ الحكم الإسلامي الذي ظل أسيرًا فيتحقق لكم الظفر في إقامته وتأسيسه في نصف الكرة الأرضية، بل في أكثرها كما كان في الماضي، وسيرى الجيلُ القادم ذلك بإذن الله إن لم تفاجئنا القيامة.

ولا تتوهموا ولا تتخيلوا يا إخواني أني أثير همتكم بكلامي هذا من أجل الاشتغال بالسياسة، كلا وحاشا، فإن حقيقة الإسلام فوق جميع السياسات، ولا يمكن أن تكون السياسات كلها بجميع أنواعها وأشكالها إلا خادمة لها، وليس في مقدور أية سياسة أن تجعل الإسلام أداة لها.

إنني أتصور الهيئة الاجتماعية للإسلام بفهمي القاصر في هذا الزمان كمصنعٍ له تروس ودواليب كثيرة ، فإذا تخلف ترس من تروس هذا المصنع، أو إذا تعدى على الترس الآخر الذي هو رفيق له فسدت ميكانيكية المصنع؛ لذا فقد بدأ يحين الوقت

470. صفحة

الأنسب لتحقق الاتحاد الإسلامي، وينبغي أن تتسامحوا وتصرفوا النظر عن عيوب بعضكم الشخصية.

وأذكر بالأسف والألم أن بعض الأجانب مثلما استولوا على أموالنا الثمينة وسلبونا أوطاننا من أيدينا، ودفعوا لنا مقابل ذلك ثمنًا بخسًا؛ فإنهم سلبونا أخلاقنا العالية أيضًا وبعضًا من سجايانا التي تنبع من أخلاقنا السامية وتمس حياتنا الاجتماعية، وجعلوها وسيلة لتقدمهم ورقيهم، والذي أعطونا إياه ثمنًا لذلك هو أخلاقهم السيئة القبيحة، وسجاياهم الذميمة السفيهة، فمثلا يقول الواحد منهم بما أخذوا منا من السجية القومية: "إن متُّ أنا فلتحي أمتي، لأن لي حياةً باقية في أمتي"، فهؤلاء أخذوا هذا الكلام منا، وإن أقوى وأرسخ أساسٍ في تقدمهم ورقيهم هو هذا، فقد سرقوه منا، وهذا الكلام ينبع من الدين الحق ومن حقائق الإيمان، وهو بضاعتنا نحن أهل الإيمان، بينما الرجل الأناني منا يقول بسبب ما دخل فينا من الأخلاق الفاسدة القبيحة من الأجانب: "إن مت أنا من العطش فلا نزل الغيث على الأرض أبدًا، وإن لم أجد السعادة فلتفسد الدنيا كما تريد"، فهذا الكلام الأحمق ينبع من الإلحاد والكفر، وينشأ عن عدم معرفة الآخرة، فهو دخيل علينا يسممنا.

ثم إن فردًا من أفراد الأجانب يكتسب قيمةً كقيمة الأمة بما أخذوا منا من فكر الأمة؛ لأن قيمة المرء بقدر همته، فمن كان همته أُمته فهو أمة صغيرة وحده، ولكن بسبب عدم الوعي والتنبه عند بعضنا وأخذنا السجايا الفاسدة المضرة من الأجانب يقول الجميع منا: نفسي نفسي، مع أن لنا قوميةً إسلامية قدسية قوية، ويفكر أحدنا في منفعته الشخصية، ولا يفكر في منفعة الأمة، فيسقط ألف رجل إلى منزلة رجل واحد، "مَنْ كَانَ هِمَّتُهُ نَفْسُهُ فَلَيْسَ مِنَ اْلإِنْسَانِ لأنَّهُ مَدَنِي بِالطَّبْعِ"، وهو مضطر إلى التفكير في أبناء جنسه، ولا تدوم حياته الشخصية إلا بالحياة الاجتماعية، فمثلا:

قدِّروا عدد الأيدي التي يحتاجها الإنسان من أجل رغيف، وقدروا حاجته إلى تقبيل تلك الأيدي معنًى مقابل أكله ذلك الرغيف، وقدروا بكَم مصنع يرتبط بواسطة لباسٍ لبسه، ولأنه يرتبط بأبناء جنسه بجبلته ويضطر إلى أن يدفع ثمنًا معنويًّا لهم ولا يعيش بجلدٍ مثل الحيوان فهو عاشق للمدنية بطبعه. 


471. صفحة

إن الذي يحصر نظره في منفعته الشخصية يتجرد من الإنسانية، فيصبح وحشًا مفترسًا غير بريء، اللهم إلا من لا يقدر على فعل شيء، وله عذر حقيقي.

 

الكلمة السادسة

إن مفتاح سعادة المسلمين في الحياة الاجتماعية الإسلامية هو المشورة الشرعية، فالآية الكريمة ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾(الشورى:38) تأمر بالشورى من الأساس.

أجل؛ كما أن مشورة العصور والأزمان بعضها مع بعضٍ بواسطة التاريخ في نوع البشر باسم تلاحق الأفكار هي سبب رقي جميع البشر وأساس علومه؛ كذلك فإن أحد أسباب تخلف قارة آسيا التي هي أكبر القارات وتأخرها عن غيرها هو عدم تطبيقها هذه الشورى الحقيقية.

إن كشّاف قارة آسيا ومستقبلها ومفتاحها هو الشورى، وكما أن الأفراد يتشاورون، فعلى الطوائف والقارات أيضًا أن تقوم بهذه الشورى، فالذي يحل ويحطم قيود وسلاسل الاستبدادات المتنوعة المختلفة التي وضعت في أقدام ثلاثمائة مليون بل أربعمائة مليون من المسلمين إنما هو الحرية الشرعية التي تتولد عن الشورى الشرعية والشهامة والشفقة الإيمانية، فالحرية الشرعية تعني التزين بالآداب الشرعية ونبذ سيئات الحضارة الغربية الفاسدة.

إن الحرية الشرعية النابعة من الإيمان تأمر بأساسين اثنين:

"ألا يُذِلّ المرء ولا يتذلل".

"من كان عبدًا لله لا يكون عبدًا للعباد"، " لا يجعل بعضكم بعضًا أربابًا من دون الله" "الحرية الشرعية عطية الرحمن".

أي إن الإيمان يقتضي ألا يذل الإنسان غيره ولا يوقعه في الذل بالاستبداد والتحكم، وألا يتذلل للظالمين، ومن كان عبدًا لله عبوديةً حقيقية فلا يمكنه أن يكون عبدًا للعباد، فالذي لا يعرف الله تعالى يتوهم لكل شيء ولكل أحد بقدر قامته ربوبية معينة، ويسلطها على نفسه.