المكتوب العشرون
التنقل
94. صفحة
المكتوب العشرون
باسمه
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
بسم الله الرحمن الرحيم
لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَحْدَهُ، لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الـمُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، يُحْيِي، وَيُمِيتُ، وَهُوَ حَيٌّ لاَ يَمُوتُ، بِيَدِهِ الخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَإِلَيْهِ المَصِيرُ.
لتكرار هذه الجملة التوحيدية بعد صلاتَيْ الفجر والمغرب فضائل جمّة، وهي تحمل مرتبة الاسم الأعظم كما ورد في رواية صحيحة، وفيها إحدى عشرة كلمة؛ ولكل كلمة من كلماتها بشارة ومرتبة من مراتب توحيد الربوبية، وفيها كبرياء الوحدة وكمال الوحدانية بما فيها من سر الاسم الأعظم.
وبناء على وعد سابق نضع لها الآن فهرسة في صورة خلاصة مجملة تتكون من مقامين ومقدمة، محيلين إيضاح هذه الحقائق العظيمة العلوية إلى الرسائل الأخرى:
المقدمة:
أيها الإنسان، اعلم يقينا أن أسمى غاية للخلقة، وأرفع نتيجة للفطرة هي الإيمان بالله، وأنَّ أعلى مرتبة للإنسانية، وأعظم مقام للبشرية هو معرفةُ الله الكامنةُ في الإيمان بالله، وأنَّ أسطع سعادة وأحلى نعمة للإنس والجن هي محبة الله الكامنة في معرفة الله، وأنَّ أنقى سرور لروح البشر وأصفى حبور لقلب الإنسان هو اللذة الروحانية الكامنة في محبة الله.
95. صفحة
نعم؛ إن السعادة الحقيقية كلها والسرور الخالص والنعمة الحلوة واللذة الصافية إنما هي في معرفة الله وفي محبته الله بلاشك، ولا سعادة ولا سرور ولا نعمة ولا لذة بدونهما، فالذي يعرف الله ويحبه ينال ما لا نهاية له من السعادة والنعم والأنوار والأسرار إما بالقوة وإما بالفعل(1)، والذي لا يعرفه معرفة حقَّةً ولا يحبه حبًّا حقيقيًّا يصاب بشقاء وآلام وأوهام معنوية ومادية لا نهاية لها.
نعم؛ ماذا يساوي - في هذه الدنيا التعسة وبين هؤلاء البشر البائسين الهائمين على وجوههم وفي حياة لا ثمرة لها - إنسان عاجز مسكين بلا مالك ولا حام ولو أصبح سلطانا للدنيا كلها؟!
وهكذا يَفهم الكُلُّ كم يكون الإنسانُ بائسًا وتائهًا في هذه الدنيا التعسة الفانية وبين أنواع البشر السائبين إن لم يعرف صاحبَه ولم يجد مالكَه.
ولكنه إذا وجد صاحبَه وعرف مالكَه فعندئذ يلتجئ إلى رحمته، ويستند إلى قدرته، وتنقلب تلك الدنيا الموحشة إلى مُتنَزَّه، وتصبح له سوقًا للتجارة.
قد أدرج المقام الأول في "عصا موسى"؛ لذا لم يدرج هنا.
المقام الثاني
إشارةٌ مختصرة إلى إثبات التوحيد من حيث الاسم الأعظم.
الكلمة الأولى: "لا إله إلا الله"
إن في "لا إله إلا الله" توحيد الألوهية والمعبودبة، ونشير إلى برهانٍ في غاية القوة لهذه المرتبة كما يلي:
تُشاهَد على وجه هذا الكون وخاصة على صحيفة الأرض فعاليةٌ متقنة منتظمة جدًّا، ونشاهِد خلاقيةً في منتهى الحكمة، ونرى فتّاحية متقنة منتظمة جدًّا، أي نرى بعين اليقين فتح شكلٍ معين لكل شيء وإعطاءه صورةً معينة، ونرى أيضًا وهّابيَّة وإحسانًا وإنعامًا في منتهى الشفقة والكرم والرحمة.
(1) القوة: هي كون الشيء مستعدًّا لأن يوجد، ولم يوجد، والفعل: كون الشيء خارجا من الاستعداد إلى الوجود، انظر الكليات صـ717.
96. صفحة
إذن فهذه الحال والكيفية تثبت بالضرورة وجوبَ وجود من هو فعّالٌ وخلاّق وفتّاح ووهّاب، ووجوبَ وحدتِه، بل تُشعِر به.
أجل؛ إن زوال الموجودات وتجددَّها دومًا وباستمرارٍ يُظهِران أن هذه الموجودات تجلياتُ أسماءٍ قدسية لصانعٍ قدير، وظلال أنوار أسمائه، وآثار أفعاله، ونقوش قلم القدر والقدرة وصحفه، ومرايا جمالِ كماله، وكما أن صاحب هذا الكون ومالكه يبين هذه الحقيقة العظمى ويوضح المرتبة العليا لهذا التوحيد بجميع ما أرسل وأنزل من كتبٍ وصحف مقدسة؛ كذلك فإن أهل الحقيقة والكاملين من نوع البشر يبينون مرتبة التوحيد نفسها بجميع تحقيقاتهم وكشفياتهم، وإن الكون هو الآخر يشير إلى مرتبة التوحيد نفسها، بشهادة ما نال -بعجزه وفقره- من معجزاتِ صنعةٍ وإبداعٍ، وخوارقِ قدرةٍ، وخزائنِ ثروةٍ دائمةٍ.
إذن إن الشاهد الأزلي بجميع كتبه وصحفه، وأهل الشهود بجميع تحقيقاتهم وكشوفهم، وعالم الشهادة بجميع أحواله المنتظمة المتقنة وشئونه الحكيمة؛ يتفقون بالإجماع على تلك المرتبة التوحيدية، فمن لا يقبل بذلكم الواحد الأحد فسيقبل بآلهة لا حَدَّ لها، أو سينكر وجودَه ووجودَ الكون كالسوفسطائي الأحمق.
الكلمة الثانية: "وَحْدَهُ"
هذه الكلمة تشير إلى مرتبة توحيدٍ صريحة، ونشير إلى برهانٍ قوي جدًّا يثبت هذه المرتبة أيضًا في أعظم صورة كما يلي:
كلما فتحنا أعيننا وأرسلنا أنظارنا في وجه الكون؛ فإن أول ما تقع عليه أنظارنا هو نظامٌ عامٌّ بديع متقن، وميزانٌ شامل حساس دقيق، فكل شيء ضمن نظام دقيقٍ، وموزونٌ بميزانٍ ومقدار حساس، فكلما أمعنا النظر أكثر، وقعت أعيننا على تنظيمٍ وتوزين متجددين، أي إن واحدًا يغير ذلك النظام بانتظام متقن، ويجدد ذلك الميزان بحساب وتقدير، فيصبح كل شيء نموذجًا، ويُلبَس صورًا متقنةً منتظمةً موزونةً بكثرة ووفرة.
وإذا أمعنا النظر أكثر فأكثر تَظهر حكمةٌ وعدالة تحت ذلك التنظيم والتوزين، ونجد أنه تُرَاعَى في كل حركةٍ حكمةٌ ومصلحة، ويُبتغَى حقّ وفائدة، وكلما ازددنا إمعانًا تلفتُ أنظارَ وَعْيِنا ضمن فعاليةٍ حكيمة مظاهرُ قدرةٍ وتجلياتُ علمٍ محيط بكل شأن من شئون كل شيء.
97. صفحة
إذن إن هذا النظام وهذا الميزان الموجودين في جميع الموجودات يُظهِران أمام أعيننا تنظيمًا وتوزينًا عامّين، وإن هذا التنظيمَ وذلك التوزينَ يبينان حكمةً وعدالة عامتين، وإن هذه الحكمةَ وتلك العدالةَ تكشفان قدرةً وعلمًا، أي: إن قديرًا على كل شيء وعليمًا بكل شيء يَظهَر للعقل من وراء هذه الحجب والأستار.
ثم ننظر إلى أول كل شيء وآخره، ولاسيما في نوع الأحياء، فنرى أن بداياتها وأصولها وجذورها وثمارها ونتائجها صُنعت بصورة وكأن بذورها وأصولها تعاريف وبرامج تتضمن جميع جهازات ذلك الموجود، وتترشح كذلك جميع معاني ذلك الحي في نتيجته وثمرته فتتجمع فيها، ويُخلّف فيها تاريخ حياته، وكأن نواته التي هي أصله سجلٌّ لدساتير إيجاده، أما ثمراته فنراها كفهرسٍ لأوامر إيجاده.
ثم ننظر إلى ظاهر ذلك الكائن الحي وباطنه، فنرى تصرفاتِ قدرةٍ في منتهى الحكمة، وتصويرًا وتنظيمًا لإرادةٍ نافذة، أي: إن قوةً وقدرةً توجِدان ذلك الكائنَ، وأمرًا وإرادة يُلبِسانه الصورةَ.
وهكذا كلما أمعنّا النظر في أول كل موجود، شاهدنا إرشادات علمٍ، وكلما أمعنا النظر في آخره رأينا خطط صانعٍ وبيانه، وكلما أمعنّا النظر في ظاهره شاهدنا حُلَّةَ إبداعٍ ذاتَ تناسبٍ وإتقان لفاعلٍ مختار مريد، وكلما أمعنا النظر في باطنه رأينا ماكينةً متقنة منظمةً لقدير.
فهذه الأحوال والأوضاع تعلن بالضرورة وبالبداهة أنه لا يمكن لأي شيء وأي زمان وأي مكان أن يبقى خارج قبضة تصرف الصانع الواحد الأحد ذي الجلال، وأن كل شيء بفرديته وجميع الأشياء بجمعيتها بكل شئونها تُدبَّر في قبضة تصرف مريدٍ قديرٍ، وتُجمَّل بتنظيم رحمنٍ رحيم ولطفِه وإحسانه، وتُزيَّن بتزيين حنّانٍ منّان.
أجل؛ إن ما في هذا الكون وهذه الموجودات من نظامٍ وميزان وتنظيم وتوزين يُري لمن له وعيٌ في رأسه وعين في وجهه واحدًا أحدًا فردًا قديرًا مريدًا عليمًا حكيمًا في مرتبة الوحدانية.
98. صفحة
نعم؛ إن في كل شيء وحدةً، والوحدةُ تدل على الواحد، فمثلا:
الشمس التي هي مصباح الدنيا واحدةٌ، إذن إن مالك الدنيا واحد، والهواء والنار والماء التي هي خدّام الأحياء على وجه الأرض واحدةٌ، إذن إن الذي يستخدمها ويسخرها لنا واحد.
الكلمة الثالثة: " لاَ شَرِيكَ لَهُ "
لقد أثبت "الموقف الأول" من "الكلمة الثانية والثلاثين" هذه الكلمة إثباتًا في غاية القوة والسطوع واللمعان، فنحيل إليه؛ حيث لا بيان فوق بيانه، ولا حاجة إلى بيانٍ أفضل من بيانه، ولا توضيح أفضل منه.
الكلمة الرابعة: " لَهُ المـُلْكُ "
أي: إن كل موجود بدءًا من الفرش وانتهاء إلى العرش، ومن الثرى إلى الثريا، ومن الذرات إلى السيارات، ومن الأزل إلى الأبد، والسماوات والأرض، والدنيا والآخرة وكلَّ شيء ملكه هو، وله المرتبة العظمى للمالكية في صورة التوحيد الأعظم.
لقد أُلقي إلى خاطر هذا العاجز حجةٌ كبرى من حجج هذه المرتبة العظمى للمالكية والمقام الأعظم للتوحيد في وقتٍ لطيف، في خاطرةٍ لطيفة، بعبارات عربية([1])، ومن أجل هذه الخاطرة اللطيفة نسجّل العبارة العربية ذاتها، ثم نبين معناها:
"لَهُ المـُلْكُ؛
لأنّ ذَاكَ العَالَمَ الكَبِيرَ وهذا العَالَمَ الصّغِيرَ، مَصْنُوعَا قُدْرَتِهِ ومَكْتُوبَا قَدَرِهِ.
إِبْدَاعُهُ لذلك صَيَّرَهُ مَسْجِدًا، إِيجَادُهُ لهذا صَيّرَهُ سَاجِدًا.
إِنْشَاؤُهُ لذلك صَيّرَ ذاك ملكًا، إِيجَادُهُ لهذا صَيّرَه مَمْلُوكًا.
صَنْعَتُه في ذاك تَظَاهَرَتْ كِتَابًا، صِبْغَتُهُ في هذا تَزَاهَرَتْ خِطابًا.
قُدْرَتُه في ذاك تُظهِر حشْمَتَه([2])، رحمتُه في هذا تُنَظِّمُ نِعْمَتَه.
حشْمَتُه في ذاك تَشْهَدُ هو الواحد، نِعْمَتُه في هذا تُعْلِنُ هو الأحد.
سِكَّتُه([3]) في ذاك في الكل والأجزاء، خاتَمُه في هذا في الجسم والأعضاء".
[1])) هذا على اعتبار الأصل التركي قبل الترجمة إلى العربية.
[2])) الحشْمَة: تعبير تركي بمعنى العظمة والجلال.
[3])) السِّكَّة: الختم والعلامة الخاصة.
99. صفحة
الفقرة الأولى: "ذاك العالم الكبير... إلخ".
أي إن هذا العالم الأكبر المسمى بالكون، والعالم الأصغر المسمى بالإنسان الذي هو مثاله المصغر، يُظهِران دلائلَ الوحدانية الآفاقيةَ والأنفسيةَ المكتوبة بقلم القدرة والقدر.
أجل؛ إن ما في الكون من صنعةٍ متقنة يوجَد نموذجها بمقياسٍ مصغر في الإنسان، فكما أن ذلك الإبداع الذي في تلك الدائرة الكبرى - أي الكون - يشهد على الصانع الواحد؛ فكذلك هذا الإبداع الصغير صِغَرَ الكائن الدقيق في الإنسان يشير إلى ذلكم الصانع، ويدل على وحدته.
وكما أن هذا الإنسان مكتوبٌ رباني مفعم بالمعاني، وقصيدةُ قدرٍ منظومةٌ بديعة؛ كذلك فإن الكون أيضًا قصيدةُ قدرٍ منظومةٌ بديعة كُتبت بقلم القدر ذاته إلا أنها كُتبت بمقياسٍ كبير.
فهل من الممكن أن يكون ثمة تدخلٌ من غير الواحد الأحد في سِكّة الوحدة المطبوعة على وجه الإنسان، والمتوجهة إلى الناس كافةً بعلاماتٍ فارقة لا حد لها، وفي ختم الوحدانية المطبوعة على الكون الذي تكاتفت جميعُ موجوداته وتساندت وتعاونت وتعانقت؟!
الفقرة الثانية: "إِبْدَاعُهُ لِذَلكَ... إلخ".
أي: إن الصانع الحكيم قد خلق العالم الأكبر بديعًا، ونقش عليه آياته الكبرى؛ بحيث جعل الكون مسجدًا كبيرًا، وأوجد الإنسان كذلك بديعًا، ووهب له العقل، وأسجده به سجدةَ إعجابٍ أمام معجزات صنعته وأمام إبداعه وبدائع قدرته، وجعله يقرأ آياتِ الكبرياء، وخلقه على فطرةِ عابدٍ ساجد في هذا المسجد الكبير، جاعلا إياه يعبده تعالى بالاستسلام والخضوع.
فهل من الممكن أن يكون المعبود الحقيقي للساجدين والعابدين في هذا المسجد الكبير غيرَ الصانع الواحد الأحد؟!
الفقرة الثالثة: "إِنْشَاؤُهُ لِذَلِكَ...إلخ".
أي: إن ذلكم المالك للمـُلك ذا الجلال قد أنشأ العالم الأكبر، وخاصة وجهَ الكرة الأرضية إنشاءً كأنه دوائرُ متداخلةٌ لا حد لها، وكل دائرة كمزرعة، يزرع فيها ويحصد
100. صفحة
ويحصّل المحاصيل منها من وقت لآخر، ومن فصل لآخر، ومن عصر لآخر، ويستخدم ملكه ويتصرف فيه دومًا وباستمرار، ويجعل عالم الذرات الذي هو أكبر دائرةٍ مزرعةً يزرع فيها دومًا بقدرته وحكمته محاصيل بقدر الكون، ويحصدها ويحصّلها، ويرسلها من عالم الشهادة إلى عالم الغيب، ومن دائرة القدرة إلى دائرة العلم.
ثم إنه قد جعل وجه الأرض -الذي هو دائرةٌ متوسطة- مزرعةً كذلك، يزرع فيها العوالم والأنواع ويحصدها من فصل لآخر، ويرسل محاصيلها المعنوية إلى عوالمه الغيبية والأخروية والمثالية والمعنوية.
ويملأ كذلك مائة مرة بل ألف مرة حديقةً صغيرة -وهي دائرةٌ صغيرة- بالقدرة، ويُفرِغها بالحكمة.
ويُحصِّل من كائنٍ حي -كشجرةٍ مثلا أو إنسانٍ، وهي دائرة أصغر- محاصيلَ بأضعاف قدرها مائة مرة.
بمعنى: أن ذلكم المالك للملك ذا الجلال أنشأ كل شيء -صغيرًا أو كبيرًا، كليًّا أو جزئيًّا- كنموذجٍ، يُلبِسه بدائع منسوجاته المنقوشة بنقوشٍ جديدة متجددة بمئات الأشكال والصور، ويُظهِر تجليات أسمائه، ومعجزات قدرته، وقد أنشأ كل شيء في ملكه كصحيفة، ويكتب في كل صحيفةٍ مكتوباتِه ذاتَ المعنى بمئات الأشكال، ويُظهِر فيها آيات حكمته، ويستقرئُها لذوي الوعي والإدراك، وقد أنشأ هذا العالَمَ الأكبر كمُلك، وخلق كذلك هذا الإنسان خلقًا، ووهبه جهازاتٍ وآلاتٍ وحواسَّ ومشاعرَ، وبالأخصّ النفس والهوى والحاجة والاشتهاء والحرص والادعاء، وجعله في ملكه الواسع مملوكًا محتاجًا إلى جميع الملك.
فهل من الممكن أن يتصرف في هذا الملك ويكونَ سيدًا على ذلك المملوك غير مالك الملك ذي الجلال، الذي جعل جميع العوالم بدءًا من عالم الذرات وانتهاء إلى الذباب ملكًا ومزرعة، وصيّر الإنسان الصغير مشرفًا ومفتشًا على هذا الملك الكبير ومزارعًا وتاجرًا فيه، وداعيًا ومعلنًا عنه، وعابدًا ومملوكًا فيه، واتخذه ضيفًا عزيزًا مُوَقّرًا، ومخاطبًا حبيبًا له؟!
الفقرة الرابعة: "صَنْعَتُهُ فِي ذَاكَ...إلخ".
101. صفحة
أي: إن صنعة الصانع ذي الجلال في العالم الأكبر غزيرة المعاني؛ بحيث تَظهر هذه الصنعة في صورة كتاب، وتجعل الكونَ ككتابٍ كبيرٍ، فقد تلقى عقل البشر مكتبة حكمة العلوم الحقيقية منه، وكتب وألَّف وفق ذلك، فكتاب الحكمة هذا وثيق الصلة بالحقيقة، ويستمد منها؛ بحيث قد أُعلن عنه -أي عن كتاب الحكمة هذا- بصورة القرآن الحكيم الذي هو نسخةٌ من الكتاب المبين الكبير.
وكما أن صنعته في الكون قد أخذت هيئة كتابٍ لكمال إتقانها وانتظامها؛ فكذلك قد تفتحت صبغتُه ونقشُ حكمته في الإنسان عن زهرة الخطاب، أي: إن تلك الصنعة ذاتُ معان وحساسةٌ وجميلةٌ؛ بحيث أنطقتْ الجهازاتِ التي في تلك الماكينة الحية كأنها جهازُ الحاكي، وأعطتْها الصبغةَ الربانيةَ في أحسن تقويمٍ؛ بحيث قد تفتحت في ذلك الرأس المادي الجسماني الجامد زهرةُ البيان والخطاب المعنوية الغيبية الحية، وقد وهب الله تعالى جهازات واستعدادات عالية سامية لما في رأس الإنسان من قابلية للنطق والبيان؛ بحيث كشف ونمّى تلك الجهازات والاستعدادات ورقّاها إلى مقامٍ يكون فيه الإنسان مخاطبًا للسلطان الأزلي، أي: إن الصبغة الربانية التي في فطرة الإنسان قد تفتحت عن زهرة الخطاب الإلهي.
فهل من الممكن أن يتدخل في الصنعة التي تظهر على جميع الموجودات التي بلغت منزلة الكتاب، وفي تلك الصبغة التي في الإنسان الذي بلغ مقام الخطاب غيرُ الواحدِ الأحدِ سبحانه؟! حاشاه!
الفقرة الخامسة: "قُدْرَتُه فِي ذَاكَ...إلخ".
أي: إن القدرة الإلهية تُظهِر عظمة ربوبيتها في العالم الأكبر، وأما الرحمة الربانية فتنظِّم النعم والآلاء في العالم الأصغر الذي هو الإنسان؛ أي إن قدرة الصانع توجِد الكون كقصرٍ عظيم رائع من حيث كبرياؤه وجلاله، بحيث قد جعلت الشمس كمصباحٍ كهربائي كبير، والقمرَ كقنديلٍ، وجعلت النجومَ مزينةً ومضيئة بثمرات الشموع، وجعلت وجه الأرض مائدةً ومزرعة وحديقة وبساطًا، والجبالَ مخازن وأوتادًا وحصونًا.. وهلم جرًّا، جعلت جميع الأشياء من ضرورات هذا القصر العظيم بمقياس كبير، فأظهر بهذا كله عظمة ربوبيته في جلال وروعة وأبهة، مثلما تهب رحمته تعالى هي الأخرى
102. صفحة
لكل ذي روحٍ من حيث الجمال أنواعًا من النعم والآلاء حتى لأصغر كائن حي، وتنظّمه بها، وتجمّله بالنعم من أخمص قدمه حتى قمة رأسه، وتزينه باللطف والكرم، وتضع تلك الألسنةَ الصغيرة جدًّا قبالة ذلك اللسان الكبير، فتجعل جمال رحمتها يقابل عظمة جلالها؛ أي عندما تنطق الأجرام الكبيرة كالشمس والعرش بلسان العظمة: "يا جليل"، "يا كبير"، "يا عظيم"، تضم الأحياءُ الصغيرة كالذباب والأسماك نغماتِها اللطيفةَ إلى تلك الموسيقى الكبيرة بقولها "يا جميل"، "يا رحيم"، "يا كريم"، وتزيدها حلاوةً وعذوبةً.
فهل من الممكن أن يتدخل في هذين العالمين الأكبر والأصغر حيث الإيجادُ غيرُ الجليل ذي الجمال والجميل ذي الجلال؟! حاشاه!
الفقرة السادسة: "حشْمَتُه في ذاك...إلخ".
أي: كما أن عظمة الربوبية التي تتجلى في الكون ككلٍّ تثبت الوحدانية الإلهية، وتظهرها، وتدل عليها؛ فكذلك النعمة الربانية التي تعطي جزئيات الأحياء أرزاقَها المقنَّنة هي الأخرى تُثبِت الأحديةَ الإلهية وتظهرها.
فالواحدية تعني أن جميع تلك الموجودات لواحدٍ، وتعود إلى واحد، وأنها إيجاد واحدٍ، أما الأحدية فتعني أن على كل شيء يتجلى معظم أسماء خالق كل شيء، فمثلا:
إن ضياء الشمس بحيثية إحاطته بوجه الأرض كافة يُظهِر مثال الواحدية، وإن وجود ضياء الشمس وحرارتها والألوان السبعة في ضيائها وظلِّها نوعًا ما في كل جزء شفاف وفي قطرات الماء يظهر مثال الأحدية، وإن تجلّي أكثرِ أسماءِ الصانع في كل شيء، ولاسيما كل حي من الأحياء، ولاسيما كل إنسان يُظهِر الأحدية ويُرِيها.
فهذه الفقرة تشير إلى أن عظمة الربوبية الإلهية التي جعلت هذه الشمس الضخمة الهائلة خادمةً ومصباحًا ومدفأة للأحياء التي على وجه الأرض، وجعلت كرة الأرض الضخمة الكبيرة مهدًا ومنزلا ومتجرًا لها، وصَيَّرَتْ النار طاهية وصديقة مستعدة للعمل في كل مكان، والسحابَ مصافي ومراضع، والجبالَ مخازنَ ومستودعات، والهواءَ أنفاسًا للأحياء، ومروحةً للنفوس، والماءَ مُرضِعةً للقادمين الجدد إلى الحياة، وموزِّعَ ماء الحياة على الحيوانات؛ تُظهِر وتُرِي الوحدانيةَ الإلهية بوضوح وجلاء.
103. صفحة
أجل؛ مَنْ غير الخالق الواحد يجعل الشمس خادمةً مسخَّرة لأهل الأرض؟! ومَنْ غير ذلك الواحد الأحد يمسك الهواء بيده، ويوظفه بوظائف كثيرة، ويجعله خادمًا خفيفًا سريع الحركة نشيطًا على وجه الأرض؟! ومن غير الواحد الأحد يقدر على جعْل النار طاهيةً طبّاخة، ويجعل ذرة من النار بمقدار رأس الكبريت تلتهم آلاف الأطنان من الأشياء؟! وهكذا دواليك، فكل شيء، وكل عنصر، وكل جِرْم علوي يُظْهِرُ ويُرِي الواحدَ ذا الجلال من حيث عظمة الربوبية.
فكما أن الواحدية تَظهر وتُشَاهد من حيثُ الجلال والعظمة، فالنعمة والإحسان يُعلنان الأحدية الإلهية من حيث الجمال والرحمة؛ لأن في الأحياء، ولاسيما الإنسان، جهازاتٍ وآلاتٍ تدرك وتشعر ضمن الصنعة الجامعة ما لا حدَّ له من أنواع النعم، وتتقبلها وتطلبها؛ بحيث إنها مَظهر تجليات جميع أسمائه سبحانه وتعالى التي تتجلى في الكون كله، وكأنها بؤرة تُظهِر جميع الأسماء الحسنى معًا بمرآة ماهيتها، وتعلن بها الأحدية الإلهية.
الفقرة السابعة: "سِكَّتُه في ذاك في الكل والأجزاء، خاتَمُه في هذا في الجسم والأعضاء".
أي كما أن للصانع ذي الجلال سِكَّةً كبيرة على العالم الأكبر ككل؛ فكذلك قد وضع سبحانه على كل جزء من أجزاء العالم الأكبر وكل نوع من أنواعه سِكَّة الوحدة، وكما طبع على جسم الإنسان الذي هو العالم الأصغر وعلى وجهه خاتمَ الوحدانية؛ كذلك طبع على كل عضو من أعضاء الإنسان ختم الوحدة.
أجل؛ إن القدير ذا الجلال وضع على كل شيء؛ على الكليات والجزئيات، وعلى النجوم والذرات ختمَ وحدة يشهد له، وطبع عليها ختم وحدانية يدل عليه، وهذه الحقيقة العظمى قد بُيِّنت وأثبتت بصورة في غاية السطوع والقطعية في "الكلمة الثانية والعشرين" وفي "الكلمة الثانية والثلاثين" وفي النوافذ الثلاث والثلاثين من "المكتوب الثالث والثلاثين"، فنحيل إليها ونوجز الكلام هنا، ونضع خاتمة له.
الكلمة الخامسة: "وَلَهُ الحَمْدُ"
أي: إن ما في جميع الموجودات من كمالاتٍ تجذب المدح والثناء هي كلها تعود له Y، إذن فالحمد كذلك يعود إليه ويخصه، وكل مدح وثناء من الأزل إلى
104. صفحة
الأبد ممن كان وإلى من كان يخصه سبحانه وتعالى ويعود إليه؛ لأن النعمة والإحسان والكمال والجمال الذي هو سبب المدح وكلَّ شيء يدعو إلى الحمد؛ هو له Y ويخصه ويعود إليه.
أجل؛ إن ما يصعد إلى الحضرة الإلهية دائمًا من الموجودات؛ هو عبوديةٌ، وتسبيحٌ، وسجدةٌ، ودعاءٌ، وحمدٌ، وثناءٌ يصعد إليه تعالى دومًا، كما تشير إليه الآيات القرآنية.
نشير إلى برهانٍ عظيم يثبت هذه الحقيقة التوحيدية كما يلي:
حينما ننظر إلى هذا الكون يتراءى لنا أنه كحديقة زُيِّنَ سقفُها بالنجوم العالية، وعمِّرت أرضُها بالموجودات المزينة الجميلة، فهذه الأجرام العلوية المنظمة النورانية في هذه الحديقة، والموجودات السفلية المزينة الزاخرة بالحكمة يقول كل منها بلسانه الخاصّ:
"نحن معجزات قدرة القدير ذي الجلال، نشهد على وحدة خالقٍ حكيم وصانعٍ قدير".
وننظر إلى الكرة الأرضية التي في بستان العالم هذا فنراها كبستان وحديقة قد نُشرت عليها ونثرت مئات الآلاف من طوائف النباتات الزاهية الملونة المزينة المزهرة، وبُثَّت فيها مئات الآلاف من أنواع الحيوانات المتنوعة المختلفة، فجميع هذه النباتات المزينة الزاهية والحيوانات المزينة المزركشة في حديقة الأرض تعلن بصورها المنتظمة المتقنة وأشكالها الموزونة:
"نحن معجزات صنعةٍ، وخوارقُ إبداعٍ لصانعٍ حكيم واحد، ودلاّلان وشواهد على وحدانيته".
ثم ننظر إلى رءوس الأشجار التي في هذه الحديقة وهذا البستان فنرى الثمار والأزهار المختلفة الصور والأشكال التي صُنعت بمنتهى العلم والحكمة والكرم واللطف والجمال، وكلها تعلن مجتمعة بلسان واحد:
"نحن هدايا معجزة، وإحسانات محيرة مذهلة لرحمنٍ ذي جمال، ورحيم ذي كمال".
105. صفحة
والأجرام والموجودات التي في بستان الكون، والنباتات والحيوانات التي في بستان الأرض، والأزهار والثمار التي على رءوس الأشجار والنباتات تشهد وتعلن بصدى مُدَوٍّ وتقول:
"إن خالقنا، ومصوِّرنا، القدير ذا الجمال، الحكيم بلا مثال، والكريم الكثير العطاء والرزق الذي أهدانا إليكم؛ هو على كل شيء قدير، لا يَثقل عليه شيء، ولا يمكن أن يبقى شيءٌ خارجًا عن دائرة قدرته، ولا فرق بين الذرات والنجوم بالنسبة لقدرته، والكلي سهلٌ عليه كالجزئي، والجزء قيِّمٌ عنده وثمين كالكل، وأكبر شيءٍ سهلٌ وهين بالنسبة لقدرته كأصغر شيء، والصغير بديع رائع كالكبير، بل الصغير أكبر من الكبير من حيث الصنعة، وجميع الأحداث الواقعة في الماضي التي هي عجائب قدرته تشهد على أن ذلكم القدير المطلق مقتدر على عجائب الإمكانات التي ستحدث في المستقبل، وكما أن الذي أتى بالأمس يأتي بالغد أيضًا؛ فكذلك ذلكم القدير سبحانه وتعالى الذي أوجد الماضي يوجد المستقبل أيضًا، والصانع الحكيم الذي صنع الدنيا يصنع الآخرة أيضًا".
أجل؛ كما أن المعبود بالحق إنما هو القدير ذو الجلال وحده؛ فإن المحمود على الإطلاق أيضًا هو وحده، وكما أن العبادة خاصة به تعالى؛ فإن الحمد والثناء أيضًا له وحده.
فهل من الممكن للصانع الحكيم الذي خلق السماوات والأرض أن يترك الناس الذين هم أهم نتيجة للسماوات والأرض، وأكمل ثمرة للكون سُدًى، وأن يدع أمرهم إلى الأسباب والمصادفة، وأن يقلب حكمته الباهرة إلى العبث؟! حاشاه!
وهل من الممكن للحكيم العليم أن يدبرَ شجرةً ويُصَوِّرَها بمنتهى الاهتمام، ويديرها ويربيها بمنتهى الحكمة، ولا يرعى ثمار الشجرة التي هي غايتها وفائدتها ولا يهتم بها، فتتشتت وتتوزع بين الأيدى السارقة، وتذهب هباء منثورًا، وتضيع؟! لاشك أنه محالٌ عدمُ الرعاية والاهتمام؛ لأن الاهتمام بالشجرة والعناية بها إنما من أجل ثمارها.
إن ذا الوعي والإدراك في الكون، وأكملَ ثمرته، ونتيجتَه، وغايتَه؛ هو الإنسان، فهل من الممكن لصانع هذا الكون الحكيم أن يعطي الحمد والعبادة والشكر والمحبة التي هي ثمار هذه الثمار ذات الوعي والإدراك إلى الآخرين فيحطَّ من شأن حكمته الباهرة
106. صفحة
ويضيعها، أو يقلب قدرته المطلقة إلى العجز، أو يحول علمه المحيط إلى الجهل؟! حاشاه مائة ألف مرة حاشاه!
وهل من الممكن أن يتوجه ما يُظهِره ذوو الوعي والإدراك -الذين هم مدار المقاصد الربانية في بناء قصر الكون، ولاسيما نوع الإنسان الذي هو سيد ذوي الوعي والإدراك- وما يبدونه من عبادةٍ وشكر مقابل ما نالوا من النعم والآلاء؛ إلى غير صانع قصر الكون؟! وأن يسمح ذلك الصانع ذو الجلال بأن يتوجه الشكر والعبادة اللذان هما غاية الغاية إلى غيره؟!
وهل من الممكن أن يحبِّب نفسه إلى ذوي الوعي والإدراك بجميع أنواع نعمه وآلائه غير المحدودة، وأن يعرِّف نفسه بما لا حد له من معجزات صنعته وإبداعه، ثم يترك شكرهم وعبادتهم وحمدهم ومحبتهم ومعرفتهم وامتنانهم للأسباب والطبيعة، ولا يهتم ولا يبالي بها، فيفتحَ المجال بذلك إلى إنكار حكمته المطلقة، ويحط من شأن سلطنة ربوبيته؟ حاشاه وكلا مائة ألف مرة!
وهل من الممكن لمن لا يقدر على خلق ربيع، ولا يستطيع أن يوجد كل الثمار، ولا يقدر على إنشاء جميع ثمرات التفاح التي ختمها واحد على وجه الأرض، أن يخلق تفاحة واحدة هي مثال مصغّر لنوعها، ويطعم تلك التفاحة لواحدٍ كنعمة، فينال شكره، ويشترك مع المحمود على الإطلاق في الحمد؟ حاشاه! لأن الذي يخلق التفاحة الواحدة هو الذي يخلق جميع التفاح الذي يأتي إلى الدنيا؛ إذ الختم واحد، ثم إن الذي يوجد التفاح هو الذي يخلق جميع الحبوب والثمرات التي هي مدار الرزق في الدنيا، إذن إن الذي يعطي أصغرَ حيٍّ جزئي أصغرَ نعمةٍ جزئية هو خالق الكون والرزَّاق ذو الجلال وحده مباشرة، إذن إن الشكر والحمد إنما يعودان إليه وحده.
إذن إن حقيقة الكون تنطق بلسان الحق دائمًا:
"له الحمد من كل أحد من الأزل إلى الأبد".
الكلمة السادسة: "يُحْيِي"
أي: إن الذي يهب الحياة هو وحده سبحانه، إذن فإن خالق كل شيء أيضًا هو وحده؛ لأن روح الكون ونوره وخميرته وأساسه ونتيجته وخلاصته هي الحياة، فمن يهب الحياة فهو خالق الكون كله، ولاشك أنه هو واهب الحياة، وهو الحي القيوم.
107. صفحة
نشير إلى البرهان العظيم لهذه المرتبة التوحيدية كما يلي:
كما وُضِّح وأثبت في كلمة أخرى؛ إننا نشاهد جيش الأحياء العظيم، الذي نصبت خِيَمُه في صحراء وجه الأرض.
نعم؛ إننا نشاهد ونرى في كل فصل من فصول الربيع من بين ما لا حدَّ له من جيوش الحي القيوم جيشًا جديدًا مجندًا حديثًا قادمًا من الغيب، فننظر إلى هذا الجيش ونرى طوائف مختلفة متنوعة أكثر من مائتي ألف من طوائف النباتات، وأكثر من مائة ألف من أمم الحيوانات، فعلى الرغم من أن لباس كل طائفة وكل أمة مختلف، وأرزاقها مختلفة، وتدريباتها مختلفة، وتسريحاتها مختلفة، وأسلحتها مختلفة، ومدتها التي تقضيها في الجيش مختلفة؛ فإن قائدًا عظيمًا بقدرته وحكمته غير المحدودة وعلمه وإرادته غير المتناهية، ورحمته التي لا تنفد، وخزانته التي لا تنضب؛ يعطي جميعَ تلك الأمم والطوائف التي تزيد على ثلاثمائة ألف طائفة وأمة أرزاقَها وملابسها وأسلحتها المختلفة، في الوقت المناسب، بكمال الانتظام، وتمام الميزان، ومن دون أن ينسى أحدًا منها، ومن دون أن يلتبس عليه شيء أو يختلط، ومن دون أن يؤخر، ويدرب كل واحد منها بتدربيات مختلفة، ويُسرّحه تسريحًا مختلفًا، ويرى ذلك كلُّ ذي عينٍ بالمشاهدة، ويصدقه كل ذي قلبٍ بعين اليقين.
فهل من الممكن أن يتدخل أحد في هذا الإحياء وهذه الإدارة وهذه التربية والإعاشة، ويكونَ له فيها حصةٌ غيرُ صاحب علمٍ محيط، يحيط بذلك الجيش بجميع شئونه، وصاحب قدرة مطلقة تدير ذلك الجيش بجميع ما يلزمه وما يحتاجه؟! حاشاه بمئات الآلاف من المرات حاشاه!
ومن المعلوم أنه إن كان في كتيبةٍ عشرُ أممٍ مختلفة؛ فإن تجهيز كل أمة صعبٌ وعسير كصعوبة تجهيز عشر كتائب؛ لذا فقد اضطر الناس العاجزون إلى التجهيز بطرز واحد شاءوا أو أبوا، ولكن الحي القيوم يعطي كلَّ أمة من الأمم التي تزيد عن ثلاثمائة ألف أمة -من بين جيشه العظيم- عتادها وتجهيزاتها الحياتية بلا مشقة أو مشكلات، وبسهولة ويسر، وبحكمةٍ وانتظام، ويُنطِق هذا الجيشَ العظيمَ بلسان واحد بـ"هو الذي يحيي"، ويجعل تلك الجماعة العظمى تتلو في مسجد الكون: ﴿اللهُ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ... إلخ﴾ (البقرة:255).
108. صفحة
الكلمة السابعة: "ويميت"
أي: إنه هو الذي يهب الموت، أي كما أنه هو الذي يهب الحياة؛ فهو الذي يسلب الحياة ويهب الموت أيضًا.
أجل؛ الموت ليس هدمًا أو تخريبًا أو انطفاء فحسب حتى يُنسَب ويُسنَد إلى الأسباب ويُحال إلى الطبيعة، بل كما أن البذرة تموت وتتفسخ ظاهرًا، فإنها تتحول إلى حياة سنبل باطنًا؛ أي تنتقل من حياة البذرة الجزئية إلى حياة السنبل الكلية، كذلك فالموت يبدو في ظاهره انحلالا وانطفاءً، ولكنه للإنسان عنوانٌ ومقدمة ومبدأ لحياةٍ باقية في الحقيقة، إذن فالقدير المطلق الذي يهب الحياة ويديرها هو الذي يخلق الموت حتمًا وبلاشك.
نشير إلى برهانٍ عظيم لمرتبة التوحيد العظمى التي في هذه الكلمة كما يلي:
كما بُيِّن في "النافذة الرابعة والعشرين" من "المكتوب الثالث والثلاثين"؛ فإن هذه الموجودات سيالةٌ وجارية بالإرادة الإلهية، وهذا الكون يسير ويجري بالأمر الرباني، وهذه المخلوقات تجري في نهر الزمان دائمًا بالإذن الإلهي، وتُرسَل من عالم الغيب، ويُخلَع عليها الوجودُ الظاهري في عالم الشهادة، ثم تُنزَل إلى عالم الغيب بانتظام وتسكب فيه، وتأتي بالأمر الرباني من المستقبل باستمرارٍ، وتمر بالحاضر وتتنفس فيه، ثم تنصب في الماضي.
فهذا السيلان لهذه المخلوقات إنما يتم بمنتهى الحكمة ضمن دائرة الإحسان والرحمة، ويتم سيرها هذا بمنتهى العلم ضمن دائرة الحكمة والانتظام، وجريانها هذا بمنتهى الرحمة ضمن دائرة الشفقة والميزان، يتم كل ذلك من أوله إلى آخره بمراعاة الحِكَمِ والمصالح والنتائج والغايات.
أي إن قديرًا ذا جلال وحكيمًا ذا كمال يهب الحياة دومًا بقدرته لطوائف الموجودات، وللجزئيات التي ضمن كل طائفة، وللعوالم التي تتشكل من هذه الطوائف، ويوظّفها، ثم يُسرِّحها بحكمته ويجعلها تموت، ويرسلها إلى عالم الغيب، ويحوِّلها من دائرة القدرة إلى دائرة العلم.
فهل من الممكن أن يملك الموتَ والإماتة مَنْ لا يقدرُ على تدبير الكون كله دفعة بمجموعه، ولا يَنفُذ حكمُه في جميع الأزمان، ولا يقدر على إحياء العوالم وإماتتها
109. صفحة
كإحياء فرد واحد وإماتته، ولا يستطيع أن يمنح الحياة للربيع وكأنه زهرة واحدة، ولا أن يضعه على الأرض، ثم ينتزع منه الحياة بالموت؟!
أجل؛ إن موت أصغر كائن حي لابد أن يكون كحياته بقانون من بيده جميع حقائق الحياة وأنواع الموت، وبإذنه وأمره وقوته وعلمه.
الكلمة الثامنة: "وَهُوَ حَيٌّ لاَ يَمُوتُ"
أي: إن حياته دائمة، أزلية وأبدية، لا يمكن أن يَعْرِض له الموت والفناء والعدم والزوال؛ لأن الحياة ذاتية له، ولا يمكن أن يزول شيءٌ ذاتي.
أجل؛ إن الأزلي أبدي بلاشك، والقديم باق بلاريب، ومن كان واجب الوجود كان سرمديًّا حتمًا.
نعم؛ كيف يعرض العدم لحياة كلُّ الوجود ظلٌّ لها بجميع أنواره؟!
نعم؛ لا يمكن أن يعرض العدمُ والفناءُ بأي وجه من الوجوه البتّة لحياة لازم من لوازمها الضرورية وعنوانُها وجودٌ واجبٌ!
نعم؛ إن حياةً تَظهر جميعُ أنواع الحياة بتجليها دائمًا، وتستند إليها جميع الحقائق الثابتة للكون وتقوم بها، لا يمكن أن يعرض لها الفناء والزوال بأي وجه من الوجوه البتة.
نعم؛ إن حياةً تُوَحّد لمعةٌ من تجليها الأشياءَ الكثيرة المتعرضة للزوال والفناء وتمنحها البقاء، وتنقذها من التحلل والتشتت، وتحفظ وجودها، وتمنحها البقاء نوعًا ما -أيْ: الحياة تمنح الكثرةَ وحدةً، وتجعلها باقيةً، فإذا ذهبت هذه الحياة تحللت وتفرقت وذهبت إلى الفناء- لاشك أن الزوالَ والفناءَ لا يمكنُ أن يدنُوَا من الحياة الواجبة التي جميع اللمعات الحياتية غير المحدودة ما هي إلا تجلّ من تجلياتها.
والشاهد القاطع على هذه الحقيقة؛ هو زوال هذه الكائنات وفناؤها، أي: كما أن الموجودات تدل وتشهد بوجودها وحياتها على حياة الحي الذي لا يموت، وعلى وجوب وجود تلك الحياة([1])؛ فإنها تدل وتشهد كذلك بموتها وزوالها على بقاء تلك
[1])) إن انتقال سيدنا إبراهيم عليه السلام من الإحياء والإماتة إلى طلوع الشمس وغروبها أمام نمرود هو انتقالٌ من الإحياء والإماتة الجزئيين إلى الإحياء والإماتة الكليين، وترقٍّ إليهما، وإظهارُ أسطعِ دائرةٍ لذلك الدليل وأوسعها، وليس تركًا للدليل الخفي وترقيًّا إلى الدليل الظاهر كما يرى بعض المفسرين. (المؤلف).
110. صفحة
الحياة وسرمديتها؛ لأنه بعد زوال الموجودات تأتي أمثالُها وتنال الحياةَ وتحل محلها، مما يدل على أن هناك حيًّا دائمًا يجدد تجليات الحياة باستمرارٍ، فكما أن الحَبَاب الذي على سطح النهر الجاري تجاه الشمس يتلألأ ثم يذهب، والذي يأتي بعده يُظهِر التلألؤَ نفسه، فيتلألأ طائفةً تلو طائفةٍ، وينطفئ ويذهب، وبكيفية الانطفاء والتلألؤ هذه يدل على دوام شمسٍ عالية دائمة؛ كذلك فتغيُّر الحياة والموت في الموجودات السيارة الجارية وتناوبُها يشهد على بقاء حيٍّ باقٍ ودوامِه.
أجل؛ هذه الموجودات مرايا، ولكن كما أن الظلمة تكون مرآةً للنور، وكلما اشتد الظلام ازداد النورُ سطوعًا ولمعانًا؛ كذلك فالموجودات تؤدي وظيفة المرآة بوجوه كثيرة من حيث الضدية، فمثلا:
كما أن الموجودات بعجزها تؤدي وظيفة المرآة لقدرة الصانع، وبفقرها تكون مرآةً لغناه؛ كذلك فإنها بفنائها تكون مرآةً لبقائه.
أجل؛ إن أوضاع فقر الأرض وما عليها من أشجار ومسكنتها في الشتاء، وغناها وثروتها العظيمة الزاهية في الربيع؛ تؤدي حتمًا وبصورة قاطعة وظيفة المرآة لقدرة ورحمة القدير المطلق والغني على الإطلاق.
أجل؛ إن جميع الموجودات كأنها تناجي الله تعالى بلسان حالها بما ناجاه به أويس القرني رحمه الله([1]) قائلة:
"يا إلهنا!
أنت ربنا، ونحن العبيد العاجزون عن تربية نفوسنا، فأنت الذي تربينا.
وأنت الخالق، ونحن المخلوقون المصنوعون.
وأنت الرزَّاق، ونحن المحتاجون إلى الرزق، ولا تبلغه أيدينا، فأنت الذي تخلقنا وترزقنا.
[1])) أويس القرني ( 37 هـ/657 م) هو أويس بن عامر بن جزء بن مالك المرادي القرني الزاهد، سيد التابعين، قتل يوم صفين مع علي بن أبي طالب t سنة سبع وثلاثين، أسلم على عهد رسول الله r، ومنعه من القدوم عليه بره بأمه، وأخبر رسول الله r به وأمر من أدركه من الصحابة أن يطلبوا منه الاستغفار لهم، وقال: هو خير التابعين، وقال لعمر t: أقرئه مني السلام، وقال: لو أقسم على الله لأبره.
111. صفحة
وأنت المالك، ونحن المملوكون، يتصرف فينا غيرنا، إذن فأنت مالكنا.
وأنت العزيز ذو العزّة والعظمة، ونحن ننظر إلى ذلتنا، ونرى علينا تجليات عزةٍ، إذن نحن مرايا عزتك.
وأنت الغني المطلق، ونحن الفقراء، ويُسلَّم إلينا غنى لا تصل إليه يد فقرنا، فأنت الغني وأنت الوهاب.
وأنت الحي الباقي، ونحن أموات، ونرى تجليات واهبِ حياةٍ دائمٍ على موتنا وحياتنا.
وأنت الباقي، ونحن نرى في زوالنا وفنائنا بقاءَك ودوامك.
وأنت المجيب والمعطي، ونحن جميع الموجودات نطلب دائمًا صارخين بألسنة أقوالنا وأحوالنا ونتضرع ونبتهل، فتتحقق مطالبنا ورغباتنا، وتوهب لنا مقاصدنا، فأنت المجيب.
وهكذا فكل موجود من الموجودات جزئيها وكليها يؤدي وظيفة المرآة بصورة مناجاةٍ معنوية مثل أويس القرني t، ويعلن كل واحد منها بعجزه وفقره وتقصيره قدرة الله تعالى وكماله.
الكلمة التاسعة: "بِيَدِهِ الخَيْرُ"
أي: إن جميع الخيرات بيده، وجميع الحسنات في سجله، وجميع الإحسانات في خزائنه، فمن يسأل الخير فليسأله منه سبحانه وتعالى، ومن يطلب الإحسان فليتضرع إليه.
نشير إلى أمارة دليلٍ واسع شامل من دلائل العلم الإلهي غير المحدود وإلى لمعاته لإظهار حقيقة هذه الكلمة إظهارًا قاطعًا، فنقول:
إن الصانع الذي يتصرف ويوجِد بأفعاله في هذا الكون له علمٌ محيط، وهذا العلم خاصةٌ لازمة ضرورية لذاته، ومحال انفكاكه عنه، فكما لا يمكن وجود ذات الشمس بلا ضياء؛ فكذلك محال بآلاف المرات من هذا أن ينفك علم الذي أوجَد هذه الموجودات البديعة المتقنة عنه، وكما أن هذا العلم المحيط لازم له سبحانه؛ فإنه لازمٌ كذلك لكل شيء من حيث التعلق به، أي: لا يمكن أن يتستر ويتخفى عنه شيء، فكما أن الأشياء المعروضة تجاه الشمس من دون حجابٍ على وجه الأرض لا يمكنها ألاّ تقابل الشمس؛
112. صفحة
فإنه لا يمكن اختفاء الأشياء وتسترها عن نور علم ذلك العليم ذي الجلال بألف مرة، بل هو محال؛ لأن هناك حضورًا، أي: إن كل شيء ضمن نطاق نظره تعالى، ويقابله، وضمن دائرة شهوده، وله نفوذٌ في كل شيء، فهذه الشمس الجامدة، وهذا الإنسان العاجز، وهذه الأشعة السينية غير الواعية وغير الشاعرة وغيرها من ذوي النور إن كانت ترى كل شيء تقابله وتنفذ فيه على الرغم من أنها حادثةٌ ناقصة عارضة؛ فلاشك أنه لا يمكن أن يتستر شيءٌ عن نور العلم الأزلي الواجب المحيط الذاتي، ولا يبقى خارج نطاقه.
وهناك علامات وآيات غير محدودة للكون تشير إلى هذه الحقيقة، ومنها:
إن جميع الحكم التي تُرى وتَظهَر في الموجودات تشير إلى ذلك العلم؛ لأن الذي يتصرف بالعناية واللطف والإحسان لاشك أنه يعلم، ويعمل بعلم.
وجميع الموجودات البديعة المنتظمة المتقنة التي كل منها في ميزان، وجميع الهيئات والأشكال الموزونة المتقنة التي كل منها في انتظام؛ هي الأخرى تشير إلى ذلك العلم المحيط؛ ذلك لأن القيام بعمل بانتظام وإتقان إنما يكون بالعلم، فالذي يعمل بقسطٍ وميزان وصنعة وإبداع لابد أنه يعمل مستنِدًا إلى علم قوي.
ثم إن المقادير المتقنة المنتظمة المشاهدة في الموجودات كافة، والأشكال المفصَّلة وفق الحكم والمصالح، والأوضاع والهيئات المثمرة وكأنها نظِّمت بدستور القضاء وبركار([1]) القدر؛ كل ذلك يدل على العلم المحيط ويظهره.
أجل؛ إن منح الأشياء صورًا مختلفة منتظمة، ومنح كل شيء صورة خاصة تليق بمصالح حياته ووجوده إنما يتم بعلم محيط، ولا يمكن أن يتم بصورة أخرى.
وإن إعطاء الرزق المناسب لكل كائن حي بما يليق به، وفي الوقت المناسب، ومن حيث لا يحتسب؛ إنما يكون بعلم محيط؛ لأن الذي يرسل الرزق لابد أنه يعلم من يحتاج إلى الرزق ويعرفه، ولابد أنه يعلم بوقت الحاجة إلى الرزق، ويدرك حاجاته، ثم يستطيع أن يعطي رزقه بما يناسبه.
ثم إن موت جميع الأحياء وآجالها المتعلقة بقانونٍ معيَّن محدد متسترة تحت عنوان الإبهام لَتُظهِر العلم المحيط؛ لأنه على الرغم من أن الآجال المحددة لأفراد كل
[1])) هو الآلة الهندسية التي ترسم بها الدوائر، وهو ما يعرف أيضًا بالبرجل.
113. صفحة
طائفة لا تشاهَد في الظاهر؛ فإن أجل تلك الطائفة معيَّنٌ ومحدَّد في وقتٍ محدود بين حدّين، فالحفاظ في أثناء هذا الأجل على نتيجة ذلك الشيء وثماره ونواته التي ستديم وظيفته من ورائه، وقلبُها إلى حياة جديدة؛ إنما يدل على هذا العلم المحيط أيضًا.
ثم إن ألطاف الرحمة الشاملة لكل موجود من الموجودات وبما يليق به؛ ليدل على علمٍ محيط ضمن رحمة واسعة؛ لأن الذي يرزق أطفال الأحياء -مثلا- باللبن، ويغيث نباتات الأرض المحتاجةَ إلى الماء بالمطر؛ لابد أنه يعرف الأطفال، ويعلم بحاجاتهم، ويرى تلك النباتات، ويدرك ضرورة المطر لها، ثم يرسله إليها.
وهكذا فإن جميع تجليات الرحمة غير المحدودة ذات العناية والحكمة تدل على علمٍ محيط.
وما في صنعة الأشياء جميعها من اهتمامٍ، وتصويراتٍ بديعة، وتزيينات متقنةٍ بمهارة؛ يدل على علم محيط؛ لأن انتخاب وضعٍ منتظم ومزيَّن بديع حكيم واختيارَه من بين آلافٍ من الأوضاع المحتملة؛ إنما يكون بعلمٍ عميق متأصل، فمثل هذا الانتخاب والاختيار في الأشياء يدل على علمٍ محيط.
ثم إن كمال السهولة في إيجاد الأشياء وإبداعها يدل على علمٍ كامل؛ لأن اليسر في أمرٍ والسهولة في وضعٍ متناسبٌ مع درجة العلم والمهارة، فكلما زاد العلم سهُل العمل، فبناءً على هذا السر ننظر إلى الموجودات التي كلٌّ منها معجزة صنعةٍ وإبداع، فنرى أنها تُخلَق بسهولة ويسر عجيب مذهل، وبلا كلفةٍ أو مشقة، وبلا صخب أو ضجيج، وفي وقتٍ قصير، وبشكلٍ معجز، إذن فهناك علمٌ غير محدودٍ، حتى يُنجَز كل هذا بسهولة.
وهكذا فهنالك آلاف من العلامات الصادقة كهذه الأمارات المذكورة تدل على أن الذي يتصرف في الكون له علمٌ محيط، وأنه يعلم كلَّ شيءٍ بجميعِ شئونه ثم يعمل.
وبما أن مالك الكون له مثل هذا العلم؛ فلابد أنه يرى الناسَ وأعمالَهم، ويعلم ما يستحقه الناس، فيعاملهم بمقتضى حكمته ورحمته، وسيعاملهم.
فيا أيها الإنسانُ عُدْ إلى رُشْدِكَ، وانتَبِهْ إلى من يَعلم بحالك ويَطَّلِع عليك،
اعلمْ هذا وأَفِقْ!
114. صفحة
فإن قيل: العلم وحده لا يكفي، فالإرادة أيضًا ضرورية، فلا يكفي العلم من دون الإرادة؟
فالجواب: كما أن جميع الموجودات تدل على علمٍ محيط وتشهد عليه؛ كذلك فإنها تدل على الإرادة الكلية لصاحب العلم المحيط، وذلك:
إن إعطاء تشخُّصٍ متقن منتظم جدًّا لكل شيء، ولاسيما كل كائنٍ حي، باحتمالٍ معيَّن، من بين احتمالات مشوشة كثيرة جدًّا، وبطريقة منتِجةٍ من بين طرقٍ عقيمة كثيرة جدًّا، وفي الوقت الذي كان فيه مترددًا بين إمكانات كثيرة جدًّا؛ ليدل بوجوهٍ لا حَدَّ لها على إرادةٍ كلية؛ لأن الشكل الموزون والتشخص المنتظم الذي أُعْطِي بميزانٍ حسّاس جدًّا، ومكيال دقيق للغاية، وانتظام في غاية الدقة، ونظام لطيف رقيق جدًّا، من العناصر الجامدة المختلطة المطردة التي تجري كالسيل بلا ميزانٍ في الطرق العقيمة غير المثمرة بين إمكانات واحتمالات غير محدودةٍ تحيط بوجود كل شيء؛ إنما يدل بالضرورة وبالبداهة بل بالمشاهدة على أنه أثرٌ لإرادةٍ كلية؛ إذ انتخاب وضعٍ معين من بين أوضاعٍ غير محدودة إنما يكون بتخصيصٍ وترجيح وقصد وإرادة، ويخصَّص بقصدٍ وعمد ومشيئة، فلابد أن التخصيص يقتضي مخصِّصًا، والترجيح يتطلب مرجِّحًا، فالمخصص والمرجح ليس إلا الإرادة، فمثلا:
كما أن إيجاد جسمٍ مثل الإنسان -الذي هو بمنزلة ماكينةٍ مركبة من مئات الأجهزة والآلات المختلفة- من قطرة ماءٍ، وإيجادَ طيرٍ له مئات من الأعضاء المختلفة من بيضةٍ بسيطة، وإيجادَ شجرةٍ تتفرع إلى مئات الأقسام المختلفة من نواة بسيطة؛ يشهد على القدرة والعلم؛ فكذلك يدل على إرادةٍ كلية لصانعها دلالةً قاطعة ضرورية جدًّا، بحيث إنه سبحانه وتعالى بهذه الإرادة يخصِّص كل ما لذلك الشيء، وبهذه الإرادة يُلبِس شكلا خاصًّا لكل جزء وعضو وقسم منه، ويخلع عليه وضعًا محدّدًا.
الحاصل: كما أن تشابه الأعضاء المهمة للأشياء -كالحيوانات مثلا- وتوافقها وإظهارها ختمَ وحدةٍ من حيث الأساس والنتائج يدل دلالةً قاطعة على أن صانع جميع الحيوانات واحد أحد؛ فكذلك تشخصات تلك الحيوانات المختلفة وتعينها وتميزها المختلف الحكيم في وجوهها يدل على أن صانعها الواحد فاعلٌ مختار ومريد، يفعل ما يشاء، وما لا يشاء لا يفعل، ويفعل بقصدٍ وإرادة.
115. صفحة
وبما أن هناك دلالاتٍ وشهادات على العلم الإلهي والإرادة الربانية بعدد الموجودات، بل بعدد شئون الموجودات؛ فلاريب أَنَّ نَفْيَ قسمٍ من الفلاسفة للإرادة الإلهية، وإنكارَ قسمٍ من أهل البدعة للقدر، وزَعْمَ قسم من أهل الضلالة عدم اطلاع الله سبحانه وتعالى على الجزئيات، وإسنادَ الطبيعيين قسمًا من الموجودات إلى الطبيعة والأسباب؛ هو كذبٌ مضاعف بعدد الموجودات، وجنونُ ضلالٍ مضاعف بعدد شئون الموجودات؛ لأن الذي يُكَذِّبُ ما لا حدَّ له من الشهادات الصادقة يكون قد ارتكب كذبًا لا حَدَّ له.
فقدِّر كيف يكون القول: "طبيعي، طبيعي" عن قصدٍ في الأمور التي تأتي إلى الوجود بالمشيئة الإلهية، بدلا من "إن شاء الله، إن شاء الله" خطأً ومخالفًا للحقيقة.
الكلمة العاشرة
من المكتوب العشرين
وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ:
أي: لا يثقل ولا يصعب عليه شيء، فكل ما في دائرة الإمكان من شيءٍ يقدر على أن يُلبِسه الوجود بسهولة مطلقة، ويكون سهلا عليه وهينًا وكأنه يحصل بمجرد أمر منه بسرّ ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا﴾ (يس:82).
فكما أن صانعًا ماهرًا جدًّا يعمل في عمله وصنعته كماكينةٍ بمجرد لمسه لها، ويقال للتعبير عن هذه السرعة والمهارة: إن هذا العمل وهذه الصنعة مسخَّرة له بحيث تحصل الأمور وتتم وتُنجز بمجرد أمره لها، وتأتي إلى الوجود؛ فكذلك الأشياء مسخَّرة ومطيعة لقدرة القدير ذي الجلال في منتهى التسخير والإطاعة، وتُنجِز هذه القدرة الأمور في منتهى السهولة، وبلا مشقة أو كلفة، وللإشارة إلى هذا يقول القرآن الكريم: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
سنبين "خمسة أسرار" من الأسرار غير المحدودة لهذه الحقيقة العظمى في "خمس نكات":
الأولى: إن أكبر شيءٍ سهلٌ وهين على القدرة الإلهية كأصغر شيء، وإن إيجاد نوعٍ بجميع أفراده سهل وهين عليها وغير شاقّ كسهولة إيجاد فردٍ واحد، وخلق الجنة سهلٌ كخلق ربيع، وإيجاد ربيع هين ويسير كَيُسْرِ إيجاد زهرةٍ واحدة، وقد أُثبِتَ ووُضّح
116. صفحة
في أواخر "الكلمة العاشرة" الخاصة بالحشر، وفي "سر الشفافية"، و"سر المقابلة"، و"سر الموازنة"، و"سر الانتظام"، و"سر الإطاعة"، و"سر التجرد" المذكور في بيان "الأساس الثاني" من مسألة الحشر في "الكلمة التاسعة والعشرين" الخاصة بالملائكة والحشر وببقاء الروح؛ بستة أمثلة أنَّ خلق النجوم بالنسبة للقدرة الإلهية سهل كسهولة خلق الذرات، وأن الأفراد غير المحدودة تُخلَق بسهولةٍ وبلا مشقة وكلفة كسهولة فرد واحد، ولما كانت هذه الأسرار الستة قد أثبتت في هاتين الكلمتين فإننا نحيل إليهما ونوجز هنا.
الثانية: إن الدليل القاطع والبرهان الساطع على أنّ كل شيء يتساوى أمام القدرة الإلهية هو:
أننا نرى بأعيننا أن في إيجاد الحيوانات والنباتات منتهى الإتقان وغاية الإبداع ضمن سخاءٍ وكثرة لا نهاية لهما، ويُرَى فيه منتهى الامتياز والتفريق ضمن منتهى الاختلاط والاشتباك، وفيه منتهى القيمة في الصنعة والجمال في الخلق ضمن منتهى الكثرة والوفرة والسعة، ونرى أن هذه الحيوانات والنباتات تُخلَق في منتهى السهولة والسرعة وفي منتهى الإبداع والصنعة؛ مع أنها تحتاج إلى جهازات كثيرة وزمن مديد، وكأن معجزات الصنعة والإبداع هذه تأتي إلى الوجود من العدم فجأةً ودفعة، ففعاليات القدرة هذه التي نشاهدها بأعيننا في كل فصل على وجه الأرض كافة تَدُلّ دلالة قاطعة على أن أكبر شيءٍ سهلٌ هين -كأصغر شيء- على القدرة التي هي منبع هذه الأفعال، وأن إيجاد ما لا حدَّ له من الأفراد وإدارتها سهلٌ وهين عليها كإيجاد فرد واحد وإدارته.
الثالثة: إن خلق أكبر كُلٍّ سهلٌ كأصغر جُزْءٍ على قدرة الصانع القدير الذي يهيمن ويسيطر على هذا الكون بهذه التصرفات والأفعال التي نشاهدها، وإن إيجاد كليٍّ كثيرٍ بالأفراد سهلٌ وهين كإيجاد جزئي واحد، فيمكن إظهار أعلى قيمةِ صنعةٍ وإبداع في أدنى جزئيٍّ، فسر حكمة هذه الحقيقة ينبع من ثلاثة منابع:
أوّلاً: إمداد الواحدية.
ثانيًا: يسر الوحدة.
117. صفحة
ثالثًا: تجلي الأحدية.
المنبع الأول: وهو "إمداد الواحدية".
أي: إن كان كلّ شيء وجميع الأشياء ملكًا لواحد، فحينئذ يمكن له أن يجمع ويحشد من حيث الواحدية قوة جميع الأشياء وراء كل شيء، ويمكن إدارة جميع الأشياء بسهولة وكأنه شيء واحد، فمن أجل تقريب هذا السر إلى الفهم بمثالٍ نقول:
إذا كان في بلدٍ مَلِكٌ واحد، فإن هذا الملك يستطيع أن يحشد وراء كل جندي قوةً معنوية لجيشٍ كامل من حيث قانونِ وحدة المُلك والسلطنة، ولذلك يستطيع ذلك الجندي الفرد أن يأسر ملكًا، وأن يعلو فوق هذا الملك المأسور باسم مَلِكه.
وكما أن ذلك الملك يستخدم جنديًّا أو موظفًا ويديره بسر واحدية المُلْك والسلطنة؛ فإنه يستطيع أن يدير كذلك جميع الجيش وجميع موظفيه، فكأنه بسر واحدية السلطنة والملك يستطيع أن يرسل جميع الناس وكل الأشياء لإمداد فردٍ واحد وإغاثته، وكل فرد يستطيع أن يستند إلى قوةٍ كقوةِ جميع الأفراد، أي: يمكنه أن يتلقى منها المدد، فإذا ما انفرط عقد واحدية المُلك وانحل حبله، وانقلب إلى الفوضى، فَقَدَ عندئذ كل فرد بالمرة قوةً لا حد لها، وسقط من مقام سلطةٍ ونفوذ مرموق إلى منزلة رجل عادي، وتصبح إدارة كل فرد واستخدامه إشكالا وصعبة بعدد الأفراد.
فكذلك -ولله المثل الأعلى- ولأن صانع هذا الكون "واحدٌ" فإنه يحشد الأسماء المتوجهة إلى جميع الأشياء تجاه كل شيء، ويوجِد الأشياء بمنتهى الإبداع بصورةٍ قيمة ثمينة، فإذا لزم الأمر يتوجه بجميع الأشياء إلى شيء واحد، ويوجهها إليه، ويُمِده، ويقويه، ويوجِد جميع الأشياء ويتصرف فيها ويديرها كإيجاد شيءٍ واحد وتصرفه وإدارته بسر هذه الواحدية، فمن أجل سر إمداد الواحدية هذا يُشاهَد هذا الكون وما فيه على هيئةٍ عالية سامية جدًّا من حيث الصنعة والإبداع والقيمة، ضمن وفرةٍ ورِخَص لا نهاية لهما.
المنبع الثاني: وهو "يسر الوحدة".
أي: الأمور التي تُنجَز في مركزٍ واحد وبقانون واحد وبيد واحدة بطريق الوحدة تُنجَز وتتم بسهولة كبيرة، أما إذا وُزِّعت إلى مراكز متعددة وقوانين متعددة وأيدٍ متعددة فحينئذ تحصل مشاكل كثيرة، فمثلا:
118. صفحة
كما أنه إذا صُنِعَت الأعتدة الأساسية لكل فرد من أفراد جيشٍ كامل، من مركز واحد بقانون واحد، وبأمر قائدٍ كبير واحد فإن ذلك يكون سهلا كسهولة تجهيز جندي واحد، أما إذا صُنِعَت في مصانع مختلفة وفي مراكز متعددة، فيلزم لتجهيز جندي واحد بالمعدات وجود جميع المصانع والمعامل العسكرية الضرورية لتجهيز جيش كامل.
إذن إذا أُسنِد الأمر إلى الوحدة يكون تجهيز الجيش سهلا كسهولة تجهيز جنديٍّ واحد، وإن لم تكن الوحدة فإن تجهيز جندي واحد بالمعدات الأساسية ينتج مشاكل وكأنه جيش كامل.
وإذا أعطيت المادة الحياتية لشجرةٍ من حيث الوحدة استنادًا إلى مركزٍ واحد وقانونٍ واحد وجذر واحد، فإن آلاف الثمار تكون سهلة كسهولة ثمرة واحدة، أما إذا رُبطت كل ثمرة إلى مراكز متفرقة مختلفة وأُرسلت موادها الحياتية؛ فإن كل ثمرة تأتي بمشاكل وكأنها شجرة كاملة؛ لأن المواد الحياتية الضرورية لشجرةٍ كاملة ضرورية أيضًا لكل ثمرة.
وعلى غرار هذين المثالين -ولله المثل الأعلى- فلأن صانع هذا الكون واحدٌ أحد؛ فإنه يفعل ويتصرف بالوحدة، ولأنه يفعل ويتصرف بالوحدة؛ تكون جميع الأمور سهلةً كسهولة أمرٍ واحد، ويقدر أن يصنعَ الشيءَ الواحد بديعًا متقنًا كبداعة وإتقان جميع الأشياء، ويوجِد ما لا حد له من الأفراد بديعًا قيّمًا، فيُظهِر جوده المطلق وسخاءه غير المحدود وخلاّقيته غير المتناهية بلسان ما يشاهَد ويُرَى من وفرة غير محدودة ورِخَص غير متناهٍ.
المنبع الثالث: وهو "تجلي الأحدية".
أي: إن الصانع ذا الجلال ليس جسمًا ولا جسمانيًّا؛ لذا لا يستطيع أن يقيده الزمان والمكان، ولا يستطيع أن يتدخل في شهوده وحضوره الكون والمكان، ولا تستطيع الوسائط والأجرام أن تحجب فعله، ولاتجزؤ ولا انقسام في توجهه، ولا يمنعه شيء من شيء، ويفعل ما لا حدَّ له من الأفعال كفعلٍ واحد، لذا فإنه كما يُدرِج شجرةً ضخمة في نواةٍ معنى، يقدر كذلك على أن يدرج عالمًا في فردٍ واحد،
119. صفحة
ويُدار العالم كله في يد قدرته تعالى كفردٍ واحد، نقول كما أوضحنا هذا السر في كلمات أخرى:
كما أن صورة الشمس التي هي غير مقيدة إلى حد ما من حيث نورانيتها تَتمثل في كل شيء لامع، فلو قابلتْ نورَها آلافٌ بل الملايين من المرايا لكان تجليها المثالي في جميع المرايا دون انقسامٍ وكأنها جميعًا مرآةٌ واحدة، ولو كان للمرآة استعداد فإن الشمس بعظمتها يمكن أن تُظهر آثارَها فيها، ولا يستطيع شيء أن يمنع شيئًا، وتتساوى الآلاف والواحد أمامها، فتدخل آلافَ الأماكن بسهولةٍ كسهولة دخولها في مكانٍ واحد، ويحظى كل مكان بتجليات الشمس كآلاف الأماكن.
ولله المثل الأعلى فإن لصانع هذا الكون ذي الجلال تجليًّا بسر توجه "الأحدية" بجميع صفاته التي هي نور، وبجميع أسمائه التي هي نورانية؛ بحيث إنه حاضر وناظر في كل مكان مع أنه ليس في أي مكان، ولا انقسام في توجهه، فيفعل كل شيءٍ بلا مشقة ولا كلفة في كل مكان في آن واحد.
فبسر "إمداد الواحدية" و"يسر الوحدة" و"تجلي الأحدية" هذا؛ إذا أُسند خلق جميع الموجودات إلى صانعٍ واحدٍ؛ فجميع الموجودات تكون سهلةً يسيرة كسهولة موجودٍ واحد ويسره، ويمكن أن يكون كلُّ موجودٍ ذا قيمة كقيمة جميع الموجودات من حيث الصنعة والإبداع، مثلما يُظهِر هذه الحقيقةَ وجودُ دقائق الصنعة والإبداع غير المحدودة في كل فردٍ ضمن وفرة الموجودات وكثرتها غير المتناهية.
وإن لم تسنَد جميع الموجودات مباشرة إلى صانعٍ واحد، يكن كل موجود عندئذ مشكلا بقدر جميع الموجودات، وتنحط قيمة جميع الموجودات إلى قيمة موجود واحد، فلا يأتي شيءٌ إذن إلى الوجود، وحتى لو جاء إلى الوجود لكان بلا قيمة، ولا يساوي شيئًا.
ومن أجل هذا السرّ؛ فإن السوفسطائيين الذين هم أكثر أهل الفلسفة تطرفًا ولأنهم أعرضوا عن طريق الحق نظروا إلى طريق الكفر والضلال فرأوا أن طريق الشرك أكثر إشكالا وصعوبةً من طريق الحق والتوحيد بمائة ألف مرة، وغيرُ معقول إلى أقصى درجة؛ لذا فقد اضطروا إلى إنكار وجود كل شيء، واستعفوا من العقل.
120. صفحة
النكتة الرابعة: إن إيجاد الجنة سهلٌ كسهولة إيجاد الربيع على قدرة القدير الذي يتصرف بأفعاله المشاهَدة في هذا الكون، وإيجاد الربيع هين عليها كسهولة إيجاد زهرة واحدة، ويمكن أن تكون محاسن صنعةِ زهرةٍ واحدة ولطافةُ خلقتها ذاتَ لطافةٍ وقيمة بقدر لطافة الربيع وقيمته.
وسر هذه الحقيقة "ثلاثة أشياء":
أولها: وجوب الصانع، وتجرّدُه.
ثانيها: مباينة ماهيته، وعدم تقيدها.
ثالثها: عدم التحيز، وعدم التجزؤ.
السرّ الأول: إن تَسَبُّبَ "الوجوب" و"التجرد" في سهولةٍ غير محدودة ويسرٍ غير متناه سرٌّ عميق جدًّا، وسنُقَرِّبُ هذا إلى الفهم بمثال، وهو:
إن مراتب الوجود مختلفةٌ، وعوالم الوجود متغايرةٌ، ولأنها مختلفةٌ ومتغايرةٌ فإن ذرةً واحدة لطبقةِ وجودٍ راسخة هي كجبلٍ لطبقةِ وجودٍ أخف من تلك الطبقة، وتستوعب ذلك الجبل، فمثلا:
إن القوة الذاكرة التي هي بمقدار خردلة([1]) في الرأس وهي من عالم الشهادة تحتوي على وجودٍ بقدر مكتبةٍ كاملة من عالم المعنى.
وإن مرآةً مقدار ظُفْرٍ من العالم الخارجي تستوعب مدينةً كبيرة من طبقة وجودٍ من عالم المثال، فلو كان لتلك المرآة ولتلك الذاكرة اللتين هما من العالم الخارجي شعورٌ ووعي وقوة للإيجاد لأحدثتا تصرفاتٍ وتحولات غير محدودة في ذلك الوجود المعنوي والمثالي بقوة وجودهما الخارجية التي هي بمقدار ذرةٍ، إذن كلما ترسخ الوجود ازداد قوةً، ويصبح الشيء القليل بمنزلة الشيء الكثير، ولاسيما إذا كان الوجود مجردًا من المادة، ولا يُقيَّد بقيدٍ بعدما اكتسب الرسوخَ التام؛ فعندئذ فإن تجليًّا جزئيًّا ضئيلا منه يمكن أن يدير كثيرًا من عوالم طبقات الوجود الخفيفة الأخرى.
[1])) الخردل: نبات عشبي ذو بذور، الواحدة خردلة، ويضرب به المثل في الصِّغَر فيقال: ما عندي خردلة من كذا.
121. صفحة
ولله المثل الأعلى فإن صانع هذا الكون ذا الجلال هو واجب الوجود، أي: إن وجوده ذاتي، أزلي، أبدي، عدمُه ممتنعٌ، وزوالُه محالٌ، وإن وجوده أرسخُ طبقات الوجود، وأثبتها وأقواها وأكملها، أما سائر طبقات الوجود فهي بمنزلة ظلٍّ باهتٍ ضعيف جدًّا بالنسبة لوجوده تعالى.
وإن وجود الواجب تعالى راسخٌ وذو حقيقة، وإن وجود الممكنات خفيف وضعيف؛ بحيث إن كثيرًا من أهل التحقيق كمحيي الدين بن عربي أنزلوا سائر طبقات الوجود إلى درجة الأوهام والخيال، فقالوا: "لا موجود إلا هو"؛ أي: قرروا بأنه ينبغي ألا يُسمَّى ما سوى الواجب الوجود سبحانه وتعالى وجودًا؛ إذ لا يستحق أن يطلق عليه صفة الوجود.
إذن فإن وجود الموجودات الحادث العارض، وثبوت الممكنات غير المستقر وغير القوي أمام قدرة الواجب الوجود الواجبة الذاتية هيّنٌ وخفيف للغاية بلاشك، فإحياء جميع الأرواح في الحشر الأعظم ومحاكمتها هين وسهل عليه كسهولة إحياء الورقة والزهرة والثمار التي أحياها في ربيعٍ، بل في حديقةٍ، بل في شجرة.
السر الثاني: أما تَسَبُّبُ "مباينة الماهية" و"عدم التقيد" في السهولة فهو:
إن صانع الكون لاشك أنه ليس من جنس الكائنات، ولا تُشْبِهُ ماهيَّتُه أيةَ ماهيةٍ أخرى، إذن لا تستطيع أن تمانعه الموانع والقيود في دائرة الكون، ولا تستطيع أن تقيد إجراءاته، فهو يقدر على التصرف والتدبير والتدوير في الكون كافةً وفي وقتٍ واحد، فلو أُسندت الأفعال والتصرفات المشاهَدة على الكون إلى الكائنات نفسها لأدى ذلك إلى المشكلات والفوضى والاختلاط، فلا يبقى أي شيء في الوجود كما لا يبقى أي انتظام على الإطلاق، بل لا يأتي إلى الوجود، فمثلا:
لو أحيلت مهارة البناء في القباب المقنطرة المقوسة إلى أحجار القبة، وسُلِّمت إدارة كتيبةٍ تخص الضابط إلى الجنود فإما ألاَّ تأتي هذه القبة وهذه الكتيبة إلى الوجود، وإما أن تصبح بلا انتظام وفي مشكلاتٍ وفوضى واختلاط، ولكن لو أحيل بناء تلك القبة إلى بنّاء ليس من جنس الأحجار من أجل إضفاء شكلٍ للأحجار التي في القبة، وأحيلت إدارة الجنود في الكتيبة إلى شخص حاز ماهيةَ الضابط من حيث الرتبة،
122. صفحة
ليَسُرت الصنعة والمهارة، وهان التدبير، وسهلت الإدارة؛ لأن الأحجار والجنود يمانع بعضها بعضَها الآخر، أما البنّاء والضابط فينظران إلى كل الأوجه والنواحي، وينظران ويديران بلا مانع أو عائق.
ولله المثل الأعلى فإن ماهية الواجب الوجود القدسيةَ ليست من جنس ماهية الممكنات، بل إن جميع حقائق الكون شعاعاتٌ لاسم "الحقّ" الذي هو من الأسماء الحسنى لتلك الماهية، وبما أن الماهية المقدسة واجبة الوجود، ومجردة من المادة، ومخالِفة لجميع الماهيات، ولا مثل ولا مثال ولا مثيل لها؛ فلا ريب أن إدارة الكون كله وتربيته أمر هيِّنٌ وسهل على قدرة الصانع ذي الجلال الأزلية كسهولة إدارة ربيعٍ، بل شجرةٍ، وأن إيجاد الحشر الأعظم ودار الآخرة والجنة وجهنم هيِّن وسهل عليها كسهولة إحياء الأشجار الميتة في الخريف من جديد.
السر الثالث: إن "عدم التحيز" وعدم التجزؤ" يؤديان إلى سهولة غير متناهية، وسر ذلك هو:
بما أن الصانع القدير مُنَزّه عن المكان؛ فكأنه حاضر في كل مكان بقدرته أمر لا بد منه، وبما أنه لا انقسام ولا تجزّؤ فلاشك أنه يقدر أن يتوجه إلى كل شيء بجميع أسمائه الحسنى، وبما أنه حاضر في كل مكان ويتوجه إلى كل شيء؛ فالموجوداتُ والوسائط والأجرام لا تمانع أفعالَه، ولا تعوقها، بل لو اقتضى الأمر فرضًا -ولا داعي أصلا- لأصبحت الأشياء من مثل خطوط الكهرباء وأغصان الأشجار وعروق الإنسان بمنزلة وسيلة تسهيلات وواسطة وصول للحياة، وسبب سرعة الأفعال، ولا تعوق ولا تقيد ولا تمانع ولا تتدخل، بل تصبح بمنزلة وسيلة للتسهيل والتسريع والإيصال، إذن لو اقتضى الأمر فإن الأشياء كلها تكون وسيلةً للتسهيل والتيسير لتصرفات قدرة القدير ذي الجلال من حيث الإطاعة والانقياد، ولا حاجة إلى ذلك أصلا.
الحاصل: إن الصانع القدير يخلق كل شيء بما يليق بذلك الشيء بسرعةٍ وبلا مشقة ولا كلفة ولا معالجة، ويوجِد الكليات بسهولةٍ كسهولة إيجاد الجزئيات، ويخلق الجزئيات بديعةً مثل الكليات.
123. صفحة
أجل؛ إن الذي خلق الكليات والسماوات والأرض هو الذي خلق ما في السماوات والأرض من الجزئيات وأفراد الأحياء، ولا يمكن أن يكون سواه؛ لأن تلك الجزئيات الصغيرة ثمارُ تلك الكليات، ونواتاتها، ومثالها المصغر.
وإن موجد تلك الجزئيات هو خالق العناصر والسماوات والأرض المحيطة بتلك الجزئيات؛ لأننا نرى ونشاهد أن الجزئيات كالنوى بالنسبة للكليات وكنسخٍ مصغرةٍ لها، إذن لابد أن تكون العناصر الكلية والسماوات والأرض بيد من خلق تلك الجزئيات، حتى يستطيع أن يدرج خلاصة تلك الموجودات الكلية المحيطة ومعانيها ونماذجها في الجزئيات التي هي بمنزلة المثال المصغر جدًّا بدساتير حكمته وموازين علمه.
أجل؛ إن الجزئيات ليست بأدنى من الكليات من حيث عجائب الصنعة وغرائب الخلقة، ولا الأزهار أدنى من النجوم، ولا النواة دون الأشجار، بل إن الشجرة المعنوية التي هي نقش القدر في النواة أعجب من الشجرة المجسمة التي هي نسج القدرة في الحديقة، وإن خلق الإنسان أعجب من خلق العالم.
فكما أنه لو كتب قرآن الحكمة على جوهرٍ فرد([1]) بذرات الأثير فيمكن أن يكون أعظم من قرآن العظمة المكتوب بالنجوم في وجه السماوات من حيث القيمة والأهمية؛ فكذلك ثمة جزئيات صغيرة جدًّا أعلى من الكليات من حيث معجزات الصنعة والإبداع.
النكتة الخامسة:
لقد بيّنّا وأوضحنا في بياناتنا السابقة شيئًا مما يُشاهَد من أسرارِ وحِكم السهولة المطلقة والسرعة المطلقة في إيجاد المخلوقات، والسهولة غير المحدودة والسرعة غير المتناهية في إيجاد الأشياء، فوجود الأشياء بهذه السرعة المطلقة والسهولة غير المتناهية يورث قناعةً لدى أهل الهداية أن خلق الجنان سهلٌ على قدرة من يوجِد المخلوقات كسهولة خلق الربيع، وأن الربيع كالحدائق، والحدائق كالزهور، وأن حشر البشر ونشرهم سهلٌ كسهولة إماتة نفس
[1])) الجوهر الفرد: هو القائم بالنفس الذي يكون متحيزًا لا قابلا للقسمة، الكليات ص 347، وفي معجم مقاليد العلوم ص72 هو: المتحيز لا يقبل القسمة.
124. صفحة
واحدة وإحيائها بسر ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ (لقمان:28)، وإحياء جميع البشر في الحشر سهلٌ وهين ويسير كسهولة ويسر الجنود المتفرقين للاستراحة بصوت بوقٍ واحد بتصريح ﴿إِنْ كَانَتْ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ (يس:53).
فهذه السرعة المطلقة وهذه السهولة غير المتناهية دليلٌ قاطع وبرهان يقيني بالبداهة على كمال قدرة الصانع، وعلى أن كل شيء هين عليه، بيد أن تشكيل الأشياء وتكوينها وإيجادها بقدرة الصانع الذي هو سهل بدرجة الوجوب أصبح سببًا للالتباس في نظر أهل الضلالة مع تَشَكُّلِ الأشياء بنفسها الذي هو محال بألف مرة؛ أي: ولأنهم يتوهمون تَشَكُّل بعض الأشياء العادية؛ فيرون أن مجيئها إلى الوجود سهلٌ، أي لا تُخلَق، وإنما تَتَشَكَّلُ بنفسها.
فانظر إلى أقصى درجات الحماقة كيف أنها تجعل دليل القدرة غير المتناهية دليلا على عدمها، فتفتح أبوابًا إلى محالاتٍ غير محدودة! إذ ينبغي في هذه الحالة أن تعطى كلُّ ذرةٍ من ذرات كل مخلوقٍ أوصافَ الكمال التي هي لازمةٌ لصانع العالم كالقدرة غير المتناهية والعلم المحيط حتى تتشكل من تلقاء نفسها.
الكلمة الحادية عشرة
وَإِلَيْهِ المَصِيرُ:
أي: إلى الدار الباقية الرُّجْعَى من الدار الفانية، وإلى مقر الملك الأبدي للقديم الباقي الْمُنْقَلَبُ، وإلى دائرة قدرة الواحد ذي الجلال المآبُ من كثرة الأسباب، وإلى الآخرة الانتقالُ من الدنيا، وإلى حضرته مرجعُكم، وإلى رحمته ملجؤكم.
وهكذا هناك حقائق كثيرة جدًّا تفيدها هذه الكلمة مثل:
أما الحقيقة التي تفيد رجوعكم إلى الجنة وإلى السعادة الأبدية -من بين هذه الحقائق- فهي قد أثبتت بـ"اثني عشر برهانًا" قاطعًا يقينيًّا في "الكلمة العاشرة"، وبـ"ستة أسس" تتضمن كثيرًا جدًّا من الدلائل القاطعة في "الكلمة التاسعة والعشرين" إثباتًا قاطعًا لا يدع حاجة إلى بيان آخر.
وقد أثبتت هاتان الكلمتان بثبوتِ قطعيةِ طلوع الشمس التي غربت مرة أخرى في صباح اليوم التالي؛ أن الحياة التي هي شمسٌ معنوية لهذه الدنيا هي الأخرى
125. صفحة
ستطلع طلوعًا باقيًا في صباح الحشر بعد غروبها بخراب الدنيا، وسينال قسمٌ من الجن والإنس السعادةَ الأبدية، والقسم الآخر سينال الشقاءَ الأبدي، ولما كانت الكلمتان "العاشرة" و"التاسعة والعشرون" قد أثبتتا هذه الحقيقة إثباتًا كاملا؛ فإننا نحيل إليهما القول، ونقول بهذا القدر:
إن صانع هذا الكون الحكيمَ وخالق هؤلاء البشر الذي له علمٌ محيط لا نهاية له، وإرادة كلية لا حد لها، وقدرة مطلقة غير متناهية؛ قد وعد أهل الإيمان من البشر بالجنة والسعادة الأبدية في جميع كتبه ومنشوراته السماوية كما أُثبت إثباتًا قاطعًا في البيانات السابقة، وبما أنه قد وعد فسيفي بوعده؛ لأن خلف الوعد محال عنده؛ إذ عدم الوفاء بالوعد نقيصة قبيحة جدًّا، والكاملُ المطلق منزه ومقدس عن النقائص، حيث إن عدم الوفاء بالعهد والوعد ينشأ إما عن الجهل وإما عن العجز، والجهل والعجز محالان في حق ذلكم القدير المطلق والعليم بكل شيء، فخلف الوعد إذن محال في حقه كذلك.
ثم إن جميع الأنبياء وعلى رأسهم فخر العالم عليه الصلاة والسلام، وجميع الأولياء وجميع الأصفياء وأهل الإيمان يسألون ذلكم الرحيم الكريم دومًا ومتضرعين السعادةَ الأبديةَ التي وعدها، ويطلبونها مبتهلين متوسلين.
فهم يسألونه بجميع الأسماء الحسنى؛ لأن أكثر أسمائه الحسنى -وفي المقدمة شفقته ورحمته وعدله وحكمته، واسم "الرحمن" و"الرحيم"، و"العادل" و"الحكيم"، وربوبيته وسلطنته، واسم "الرب" واسم "الله" سبحانه وتعالى- تقتضي وتستلزم الدائرة الأخروية والسعادة الأبدية، وتشهد على حصولها وتدل على تحققها، بل إن جميع الموجودات تشير بجميع حقائقها إلى الآخرة كما أثبت في "الكلمة العاشرة".
ثم إن القرآن الحكيم الذي هو الدستور الأعظم يبين تلك الحقيقة ويعلمها بجميع آياته البيّنات وبراهينه الصادقة القاطعة.
ثم إن الحبيب الأكرم -الذي يفتخر ويتباهى به البشر- علّم ودرّس هذه الحقيقة بكل قوته في جميع حياته مستندًا إلى آلاف المعجزات الباهرة، وأثبتها، وأعلنها، ورآها، وأظهرها وبينها.
126. صفحة
اللّهُمّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ بِعَدَدِ أَنْفَاسِ أَهْلِ الجَنّةِ فِي الجَنّةِ،
وَاحْشُرْنَا وَوَالِدَيْنَا وَإِخْوَانَنَا وَأَخَوَاتِنَا تَحْتَ لِوَائِهِ، وَارْزُقْنَا شَفَاعَتَهُ،
وَأَدْخِلْنَا الجَنّةَ مَعَ آلِهِ وَأَصْحَابِهِ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ،
آمِينَ.
﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾
﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾
﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي # وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي # وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي # يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾
﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾
﴿وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾
سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم
127. صفحة
ذيل
"الكلمة العاشرة"
من المكتوب العشرين
باسمه سبحانه
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
﴿أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد:28)
﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ... الخ﴾ (الزمر:29)
سؤال: لقد قلتَ في كثير من المواضع أن في الوحدة سهولةً مطلقة، وفي الكثرة والشرك مشكلاتٍ غيرَ متناهية، وتقول: إن في الوحدة سهولةً بدرجة الوجوب، وفي الشرك صعوباتٍ بدرجة الامتناع، ولكنّ ما تبينه من مشكلات ومحالات جارية في ناحية الوحدة أيضًا، تقول مثلا: إن لم تكن الذرات مأمورةً فلابد أن يكون في كل ذرةٍ علمٌ محيط، أو قدرة مطلقة، أو ماكينات ومطابع معنوية لا حد لها، وهذا محال بمائة مرة، ولكن حتى لو أصبحت تلك الذرات مأمورات إلهية فلابد أن تظهر عليها تلك الأمور، حتى تستطيع القيام بوظائف متقنة لا حد لها، أريد حل هذه المسألة؟
الجواب: لقد أوضحنا في كثير من الكلمات([1]) وأثبتنا فيها أنه إذا أُسنِدت جميع الموجودات إلى صانعٍ واحد فإنها تكون سهلة ويسيرة كسهولة موجودٍ واحد، أما إذا أُسنِدت إلى أسبابٍ متعددة وإلى الطبيعة؛ فإن ذبابةً واحدة تكون صعبة ومشكلة كصعوبة السماوات، وزهرةً واحدةً كربيع، وثمرةً واحدةً كحديقة.
ولما كانت هذه المسألة قد وُضّحت وأُثبِتت في كلمات أخرى فإننا نحيل إليها، ونبين هنا "ثلاثةَ أمثلة" تحقق اطمئنان النفس إلى هذه الحقيقة بـ"ثلاث إشارات".
المثال الأول: إن ذرةً صغيرة شفافة لامعة لا تسع وحدها نورًا بقدر رأس كبريت، ولا تستطيع أن تكون مصدرًا له، ولا يكون لها نورٌ إلا بقدر جِرمها ومقدار ماهيتها كذرةٍ جزئية بالأصالة، أما إذا انتسبت هذه الذرة إلى الشمس وفتحت عينها نحوها؛ فعندئذ يمكن أن تَسَعَ الشمسَ الضخمة بضيائها وألوانها السبعة وحرارتها بل حتى بمسافتها، وتنال أنواع تجليها الأعظم نوعًا ما؛ أي: إن تلك الذرة إنْ بقيت وحدها فلن
[1])) الكلمات تشير إلى "رسائل النور".
128. صفحة
تستطيع أن تعمل شيئًا إلاّ بقدر ذرة واحدة، ولكن إذا اعتبرت مأمورةً للشمس ومنتسبة إليها ومرآة لها؛ فإنها تستطيع أن تُظهِر بعضًا من النماذج الجزئية لإجراءات الشمس كما تُظهِرها الشمس نفسُها.
ولله المثل الأعلى فكل موجود، حتى كل ذرة إذا أسندت إلى الكثرة والشرك والأسباب والطبيعة وإلى نفسها؛ فعندئذ لابد أن يكون لكل ذرة ولكل موجود علمٌ محيط، وقدرة مطلقة، أو لابد أن تتشكل فيها ماكينات ومطابع معنوية لا حد لها، حتى تقوم بما كُلّفت به من وظائف عجيبة، أما إذا أُسندت تلك الذرات إلى الواحد الأحد؛ فعندها ينتسب كل مصنوع وكل ذرة إليه، ويصبح كموظف مأمور له، وهذا الانتساب يجعله ينال تجلياته، وبهذا النيل للتجلي والانتساب يستند إلى علمٍ وقدرة لا نهاية لهما، وبسر هذا الانتساب والاستناد يقوم بقوة خالقه بأعمال ووظائف تفوق قوته الذاتية ملايين المرات.
المثال الثاني: أخوان، أحدهما شجاع يعتمد على نفسه، والآخر شهم أَبِيّ محب للوطن والأمة، والذي يعتمد على نفسه لا ينتسب إلى الدولة في وقت الحرب، ويود أن يعمل بنفسه، فيضطر إلى حمل منابع قوته الذاتية على ظهره، ويضطر إلى حمل عدته وذخيرته حسب قوته الذاتية، وبقوته الذاتية الضئيلة هذه لا يقدر إلا على محاربة عريفٍ في جيش العدو، ولا يسعه أكثر من هذا.
أما الأخ الآخر فلا يعتدّ بنفسه، ويعرف أنه عاجز لا حول له ولا قوة، ولهذا انتسب إلى ملك دولةٍ عظيمة، وسُجِّل اسمه في الجيش، وبفضل هذا الانتساب صار جيشٌ عظيم نقطةَ استنادٍ له، وبهذا الاستناد وهمة الملك اندفع إلى الحرب بقوةٍ معنوية يمكن أن تحشد القوة المعنوية لجيشٍ كامل، حتى صادف مشيرًا كبيرًا في جيش ملك العدو المنهزم، فقال له إنني آخذك أسيرًا باسم ملكي، وساقه إلى معسكره.
وسر هذه الحال وحكمتها هي:
أن الرجل الأول السائب الطائش لم يقدر إلا على عملٍ جزئي لاضطراره إلى حمل منبع قوته الذاتية وعدته بنفسه، أما هذا الموظف المأمور فليس مضطرًّا إلى حمل منبع قوته بنفسه، بل يحمله عنه الجيش والملك.
129. صفحة
فهذا الرجل بهذا الانتساب يربط نفسه بتلك القوة غير المحدودة كربط هاتفه بسلك البرق والهاتف العمومي.
ولله المثل الأعلى إذا أُسنِد كلُّ مخلوقٍ وكل ذرةٍ إلى الواحد الأحد وحده مباشرة وانتسب إليه؛ فحينئذ يهدم النمل قصر فرعون بقوة هذا الانتساب بأمر سيده وحولِه، ويجعل عاليه سافله، ويهلك البعوض نمرود ويرسله إلى جهنم، وتُدخِل جرثومة واحدة أعتى الظالمين الجبارين القبر، وتصبح نواةُ شجرةِ الصنوبر الصغيرةِ صغر حبةِ حنطةٍ كمصنعٍ ومعمل لشجرة الصنوبر الضخمة ضخامةَ الجبل، وتستطيع ذرة واحدة من ذرات الهواء أن تعمل بإتقانٍ وانتظام في أعمالٍ مختلفة لجميع الأزهار والثمار، وفي كيانها وأنظمتها، فكل هذه السهولة ناشئة بالبداهة عن التوظف والانتساب، فلو تحول الأمر إلى الفوضى والعبث وتُرِك للأسباب والكثرة وإلى نفسه، وسُلِك طريق الشرك؛ لما أمكن عندئذ أن يعمل شيءٌ شيئًا إلا بقدر جِرْمه ووعيه وشعوره.
المثال الثالث: صديقان، يريدان أن يكتبا كتاب إحصاء جغرافي حول أحوال وأوضاع بلد لم يرياه قط، فأحدهما ينتسب إلى ملك هذا البلد ويدخل في مركز البرق والهاتف، ويربط جهاز هاتفه بسلك الدولة بسلك لا يساوي إلا عشرة قروش، ويتكلم مع جميع الأماكن ويتصل بها، ويتلقى المعلومات، وينجز أثرًا بديعًا منظمًا متقنًا حول الإحصائية الجغرافية.
أما الصديق الآخر؛ فإما أن يتجول ويتنقل خمسين سنة باستمرار، ويرى كل الأماكن ويسمع كل الحوادث بصعوبات بالغة، أو سينفق ملايين الدراهم كي يملك أسلاك البرق والهاتف بطول أسلاك الدولة وبرقًا كبرق الملك، حتى ينجز ذلك الأثر البديع المتقن مثل صاحبه الأول.
وكما في هذا المثال "ولله المثل الأعلى" إذا أسندت الأشياء والمخلوقات غير المحدودة إلى الواحد الأحد؛ فعندئذ يصبح كل شيء مَظهرًا ومتجلّى بهذا الارتباط والانتساب، وبمَظهريته لتجليات الشمس الأزلي سبحانه يكتسب ارتباطًا بقوانين حكمته ودساتير علمه ونواميس قدرته، ويكون مَظهرًا لتجلٍّ من التجليات الربانية وكأن له عينًا ترى كل شيء، ووجهًا يتوجه إلى كل مكان، وكلمة نافذة مسموعة في كل شيء بحول الله تعالى وقوته.
130. صفحة
فلو انقطع هذا الانتساب لانقطع ذلك الشيء عن جميع الأشياء، ولانكمش وانحبس في صغر جِرمه، إذن فلابد أن يكون هو نفسه صاحب ألوهيةٍ مطلقة حتى ينجز الأعمال التي كان ينجزها في الحالة الأولى.
حاصل الكلام:
إن في طريق الوحدة والإيمان سهولةً ويسرًا بدرجة الوجوب، وفي الشرك والأسباب مشكلات وصعوبات بدرجة الامتناع؛ لأن الواحد يضفي على كثيرٍ من الأشياء وضعًا معينًا بلا جهدٍ ولا مشقة، ويحصل على النتيجة، فلو أحيل اتخاذ هذا الشكل وحصول تلك النتيجة إلى تلك الأشياء الكثيرة؛ فلا يمكن عندئذ اتخاذ ذلك الشكل وحصول تلك النتيجة إلا بجهدٍ جهيد، ومشقة بالغة، وبحركات كثيرة جدًّا.
مثلا: كما ذكر في "المكتوب الثالث" فإن الحالة السماوية الجذابة اللطيفة التي هي سيرٌ وجولان عظيم شبيه بالتسبيح بتحريك جيوش النجوم تحت قيادة الشمس والقمر في فضاء السماء كل ليلة وكل سنة، وتلك النتيجة الأرضية الحكيمة العالية السامية التي هي عبارة عن حصول مصالح عظيمة كتبديل الفصول؛ إذا أٌسندت إلى الوحدة فإن سلطان الأزل يُعيّن بسهولة جنديًّا واحدًا كالكرة الأرضية قائدًا على الأجرام السماوية من أجل تلك النتيجة والحالة، عندها تقوم الأرض بعد تلقيها الأمرَ إلى الذكر والسّماع كالمولوي لفرحها وسرورها بالوظيفة، وتحصل هذه الحال اللطيفة الجميلة، وتأتي تلك النتيجة المهمة إلى حيز الوجود بتكاليف قليلة.
أما إذا قيل للأرض: الزمي مكانك، ولا تتدخلي، وأُسند حصول تلك النتيجة وتلك الحال إلى السماوات، وسُلك طريق الكثرة والشرك بدلا من طريق الوحدة؛ فلابد إذن من أن تتحرك كل يوم وكل سنة ملايين النجوم التي هي أكبر من الكرة الأرضية بآلاف المرات، وأن تقطع كلَّ أربعٍ وعشرين ساعةً وكلَّ سنةٍ مسافةَ بلايين السنوات.
نتيجة المرام:
إن القرآن الكريم وأهل الإيمان يُسنِدون أمر المصنوعات غير المحدودة إلى صانع واحد، ويَعْزون كل أمر إليه مباشرة، ويسلكون طريقًا سهلا بدرجة الوجوب، ويوجِّهون الآخرين إليه.


