المكتوب الأول
التنقل
1. صفحة
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
المكتوب الأول
جواب مختصر عن أربعة أسئلة
السؤال الأول: هل سيدنا الخضر u على قيد الحياة؟ وإن كان على قيد الحياة؛ فلماذا لا يقبل بعضُ كبار العلماء القول بأنه حي؟
الجواب: إنه على قيد الحياة، ولكن طبقات الحياة خمس، وهو في المرتبة الثانية منها، ولهذا شك بعض العلماء في حياته.
الطبقة الأولى من الحياة: هي حياتنا نحن، وهي مقيَّدة بقيودٍ كثيرة.
الطبقة الثانية من الحياة: وهي حياة سيدنا الخضر وسيدنا إلياس عليهما السلام، وهي حياةٌ طليقة حرة إلى حدٍّ ما، أي: بإمكانهما أن يكونا في أماكن كثيرةٍ في آنٍ واحد، وليسا مُقيَّدَيْن مثلنا بحاجات البشر الضرورية دومًا، فيأكلان ويشربان مثلنا أحيانًا متى شاآ، ولكنهما ليسا مضطرين إلى ذلك دائمًا مثلنا، وما حدث من حوادث ثابتة بالتواتر بين الأولياء الذين هم أهل الشهود والكشف وبين سيدنا الخضر عليه السلام ينوِّر ويثبت هذه الطبقة من الحياة، حتى إن من مقامات الولاية مقامًا يطلق عليه "مقام الخضر"، فأي ولي يبلغ ذلك المقام يلتقي بالخضر ويتلقى منه العلم والدروس، ولكن يُخَال أحيانًا خطأ أن صاحب ذلك المقام هو سيدنا الخضر u بعينه.
الطبقة الثالثة من الحياة: وهي طبقة حياة سيدنا إدريس وسيدنا عيسى عليهما السلام، وهذه الطبقة تكتسب لطافةً نورانية، وتدخل في حياةٍ كحياة الملائكة بالتجرد من الحاجات البشرية، فكل منهما في السماوات بجسمٍ دنيوي وكأنه بلطافةِ بدنٍ مثالي ونورانيةِ جسدٍ نجمي.
2. صفحة
وأما سر الحديث الشريف الذي يبين أن سيدنا عيسى u سينزل في آخر الزمان وسيعمل بالشريعة المحمدية على صاحبها الصلاة والسلام([1]) فهو:
إنه تجاه تيار الكفر وإنكار الألوهية الذي أنتجته الفلسفة الطبيعية في آخر الزمان يتصفى دين العيسوية، ويتجرد من الخرافات، وفي أثناء انقلابه إلى الإسلام يقتل الشخصُ المعنوي للعيسوية الشخصَ المعنوي لذلك الإلحاد والإنكار الرهيب بسيف الوحي السماوي، فكذلك سيُمثِّل سيدنا عيسى u الشخصَ المعنويَّ للعيسوية، وسيقتل الدَّجَّالَ الذي يمثل الشخص المعنوي للكفر والإلحاد، أي: إنه سيقتل فكرة إنكار الألوهية.
الطبقة الرابعة من الحياة: وهي حياة الشهداء، حيث إن للشهداء طبقةَ حياةٍ أعلى وأسمى من حياة أهل القبور كما هو ثابت بنص القرآن الكريم.
أجل؛ لأن الشهداء قد ضحّوا بحياتهم الدنيوية في سبيل الحقّ؛ فإن الله تعالى ينعم عليهم من كمال كرمه بحياةٍ شبيهة بالحياة الدنيوية في عالم البرزخ، ولكنها بلا غمٍّ ولا حزن ولا مشقة، فهم لا يعلمون أنهم ماتوا، بل يعلمون فقط أنهم رحلوا إلى عالمٍ أحسن وأفضل، فيتنعّمون بسعادةٍ كاملة، ولا يشعرون بألم الفراق الذي في الموت.
نعم؛ مع أن أرواح أهل القبور باقيةٌ خالدة؛ فإنهم يعلمون أنهم ماتوا، ولا يبلغ ما يتمتعون به من لذةٍ وسعادة مبلغ ما يتمتع به ويلتذُّ به الشهداءُ، فكما أن رجلين يدخلان في الرؤيا قصرًا رائعًا كالجنة، فيعلم أحدهما أنه في الرؤيا، فتكون اللذة والمتعة التي يتمتع ويلتذُّ بها ناقصةً جدًّا؛ إذ يفكر في أنه إذا استيقظ ستزول عنه تلك اللذة، والآخر لا يعلم أنه في الرؤيا، فينال السعادة الحقيقية مع اللذة الحقيقية؛ فكذلك تتفاوت استفادة الأموات والشهداء -الذين هم في عالم البرزخ- من حياة البرزخ.
[1])) روى البخاري برقم (2222) ومسلم برقم (155) عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ، وَيَفِيضَ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ".
قال العراقي رحمه الله في طرح التثريب 7/255: "الْمُرَادُ أَنَّهُ يَنْزِلُ حَاكِمًا بِهَذِهِ الشَّرِيعَةِ لَا نَبِيًّا بِرِسَالَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ وَشَرِيعَةٍ نَاسِخَةٍ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الشَّرِيعَةَ بَاقِيَةٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا تُنْسَخُ، وَلَا نَبِيَّ بَعْدَ نَبِيِّنَا كَمَا نَطَقَ بِذَلِكَ، وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ، بَلْ هُوَ حَاكِمٌ مِنْ حُكَّامِ هَذِهِ الْأُمَّةِ".
3. صفحة
إن نيل الشهداء هذا النوع من الحياة، وظنَّهم بأنهم أحياء؛ ثابتٌ ثبوتًا قاطعًا بوقائع وروايات لا حدَّ لها؛ حتى إن وقائع وأحداث كثيرة؛ كحماية سيدنا حمزة سيد الشهداء t مراتٍ عديدة لمن التجأ إليه، وقضائه حوائجَهم الدنيوية، وسوْقِه الآخرين لقضائها، ومساعدته لهم؛ نوّرت وأثبتت هذه الطبقة من الحياة.
وقد كان لي ابن أختٍ اسمه عبيد، وهو أحد تلاميذي، وقد استشهد بالقرب مني بدلا مني، فرأيته في رؤيا صادقة -في نظري - ومع أني بعيد عنه في الأسر مسافة ثلاثة أشهر ولا أعلم محل دفنه، فإني رأيتني دخلت قبره الشبيهَ بمنزلٍ تحت الأرض، ورأيته في طبقة حياة الشهداء، وقد كان يحسبني ميتًا، وذكر أنه قد بكى عليّ كثيرًا، وكان اعتقاده أنه على قيد الحياة، ولكنه بنى لنفسه منزلا جميلا تحت الأرض لتخوفه من استيلاء الروس وسيطرتهم، فأعطتني هذه الرؤيا الجزئية قناعةً -في درجة الشهود- بهذه الحقيقة السابقة مع بعض الشروط والأمارات.
وقد كان لي ابن أختٍ اسمه عبيد، وهو أحد تلاميذي، وبعدما استشهد بالقرب مني بدلا مني رأيته في رؤيا صادقة في طبقة حياة الشهداء -في نظري - مع أني كنت بعيدًا عنه مسافة ثلاثة أشهر في الأسر ولم أكن أعلم مكان دفنه، فرأيتني دخلت قبره الشبيهَ بمنزلٍ تحت الأرض، وقد كان يحسبني ميتًا، وذكر أنه قد بكى عليّ كثيرًا، وكان اعتقاده أنه على قيد الحياة، ولكنه بنى لنفسه منزلا جميلا تحت الأرض لتخوفه من استيلاء الروس وسيطرتهم، فأعطتني هذه الرؤيا الجزئية قناعةً -في درجة الشهود- بتلك الحقيقة السابقة مع بعض الشروط والأمارات.
الطبقة الخامسة من الحياة: وهي الحياة الروحانية لأهل القبور.
أجل؛ إن الموت تبديل مكان، وإطلاق روح، وتسريح من الوظيفة، وليس إعدامًا وعدمًا وفناءً، وإن كثيرًا من الدلائل مثل تَمَثُّلِ أرواح الأولياء، وظهورِها لأهل الكشف، وعَلاقةِ أهل القبور بنا في اليقظة والمنام، وإخباراتِهم المطابقةِ للواقع؛ تنور وتثبت هذه الطبقةَ من الحياة بوقائع لا حدَّ لها، وقد أثبتت "الكلمة التاسعة والعشرون" الخاصَّةُ ببقاء الروح هذه الطبقةَ من الحياة بدلائل قاطعة.
السؤال الثاني: يتبين من الآية الكريمة ﴿الَّذِي خَلَقَ الموْتَ وَالحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا﴾ (الملك:2) ومن أمثالها في القرآن الحكيم؛ أن الموت مخلوقٌ كالحياة، وأنه نعمة، ولكن الموت ظاهره انحلالٌ، وعدم، وتفسُّخٌ، وانطفاء حياة، وهادم لذّاتٍ، فكيف يكون مخلوقًا ونعمة؟
الجواب: كما قيل في ختام جواب السؤال الأول؛ فإن الموت تسريحٌ من وظيفة الحياة، وإنهاء لها، وهو تبديلُ مكانٍ، وتحويلُ وجودٍ، ودعوةٌ إلى الحياة الباقية الخالدة، ومبدأٌ ومقدمة لها.
وكما أن مجيءَ الحياة إلى الدنيا يتم بخلقٍ وتقدير؛ كذلك فإن ذهابها من الدنيا يتم أيضًا بخلقٍ وتقدير وحكمة وتدبيرٍ؛ لأن موت حياة النبات التي هي أبسط الطبقات
4. صفحة
الحياتية يُظهِر أنه أثرُ صنعةٍ أبدعُ من الحياة نفسها؛ إذ إن موت الثمار والنوى والبذور مع أنه يَظهر على أنه صورة تفسخ وتحلل؛ فإنه عبارةٌ عن تفاعلات كيمياوية منتظمة بديعة، وعن امتزاجاتٍ عنصرية بموازين دقيقة، وعن تشكلات ذرّية في منتهى الحكمة؛ حيث إن موتها المنتظم الحكيم الذي لا يُرى يَظهر بحياة السنبل، إذن إن موت النواة هو مبدأ حياة السنبل، بل هو بمنزلة عين حياته؛ لذا فهذا الموت مخلوقٌ مثل الحياة، ومتقَن وبديع مثلها.
ثم إن موت الثمار الحية أو موت الحيوانات في معدة الإنسان هو منشأ لرقي تلك الثمار والحيوانات إلى الحياة الإنسانية؛ لذا يقال إن هذا الموت مخلوقٌ، وأكثر إتقانًا وإبداعًا من حياتها.
فإن كان موت النباتات -وهي في أدنى طبقات الحياة- مخلوقًا ومتقنًا بديعًا ومفعماً بالحِكَم هكذا؛ فلاشك أن الموتَ الذي يصيبُ حياةَ الإنسان -التي هي أسمى طبقات الحياة- سيجعلُ ذلك الإنسانَ الذي يدخلُ تحت الأرض يثمرُ سنبلَ الحياة الباقية في عالم البرزخ كما تكون النواة التي تدخل تحت الأرض شجرةً في عالم الهواء.
أما عن كون الموت نعمةً فسنشير إلى "أربعة وجوه" من الوجوه الكثيرة الدالة على ذلك.
أولها: الموت يحرر الإنسان من وظيفة الحياة الثقيلة، ومن تكاليفها، وهو باب وِصالٍ للقاء تسعة وتسعين بالمائة من الأحباب في عالم البرزخ؛ لذا فهو نعمة.
ثانيها: إنه خروجٌ من سجن الدنيا الضيق المؤلم الشاق المضطرب المتقلب، ودخولٌ في سَعَة رحمة المحبوب الباقي، بالفوز بالحياة الباقية الواسعة السارة المفرحة الهادئة غير المؤلمة.
ثالثها: هنالك أسباب كثيرة كالشيخوخة تجعل مقومات الحياة صعبةً وثقيلة؛ تكشف كيف أن الموت نعمةٌ تفوق نعمة الحياة كثيرًا، فمثلا: لو كان أمامك الآن أجداد جدّك وهم في حالة يرثى لها مع أبيك وأمك العجوزين الطاعنين في السنّ اللذين تتألم لهما؛ لأدركت مدى كون الحياة نقمةً، ومدى كون الموتِ نعمةً.
ومثلا: يتبين كذلك مدى كون حياة الذباب الجميلة العاشقة للزهور الجميلة شاقةً صعبة في شدائد الشتاء، ومدى كون موته رحمةً به فيها.
5. صفحة
رابعها: وكما أن النوم راحةٌ ورحمة واستراحة، وخاصةً عند من نزلت بهم المصائب، وعند الجرحى والمرضى؛ كذلك فإن الموت الذي هو الأخ الأكبر للنوم عين النعمة والرحمة لمن أصابتهم المصائب والبلايا، ولمن ابتُلُوا ببلايا تدفعهم إلى الانتحار.
أما أهل الضلالة -فكما أُثبِت إثباتًا قاطعًا في كثير من "الرسائل"- فالموت عليهم نقمةٌ في نقمة كالحياة، وعذابٌ في عذاب، وخارج عن حديثنا.
السؤال الثالث: أين جهنم؟
الجواب: ﴿قُلْ إِنَّمَا العِلْمُ عِنْدَ الله﴾ (الملك: 26)، "لا يعلم الغيب إلا الله".
قد قيل في بعض الروايات إن جهنمَ تحت الأرض، وقد بيّنّا في مواضع أخرى أن الأرض بحركتها السنوية تخط دائرةً حول ميدانٍ سيكون مجمع الحشر في المستقبل، وهذا يعني أن جهنم تحت ذلك المدار السنوي للأرض.
أما عدم رؤيتها وعدم الإحساس والشعور بها فهو لكونها محجوبةً، ولكونها نارًا لا نورَ لها، فكما أن هنالك مخلوقاتٍ كثيرةً في المسافة العظيمة التي تقطعها الكرة الأرضية لا تُرى لكونها غير منوَّرة؛ كذلك هنالك كرات ومخلوقات كثيرة لا نورَ لها أمام أعيننا، لا نستطيع أن نراها، مثلما يغيب القمر بجسمه كلما تلاشى نوره وتَبَدَّد.
إن جهنم اثنتان، إحداهما صغرى، والأخرى كبرى، فالصغرى نواةٌ للكبرى وستنقلب إليها، وستكون منزلا من منازلها، وجهنم الصغرى تحت الأرض، أي في مركزها، وأسفل الكرة الأرضية هو مركزها، ومن المعلوم في علم طبقات الأرض -الجيولوجيا- أن الحرارة تتزايد درجةً واحدة في الغالب كلما حُفر ثلاثة وثلاثون مترًا في الأرض، ولأن نصف قطر الأرض حتى مركزها ستة آلاف كيلو متر ونيف؛ فإن في مركز الأرض نارًا جامعة لمائتي ألف درجة من الحرارة، وهذا يعني أن فيه نارًا أشد من نار الدنيا بمائتي ضعفٍ، وهو ما يتوافق مع ما جاء في الحديث.
وقد أدت جهنمُ الصغرى وظائفَ كثيرةً خاصة بجهنم الكبرى في الدنيا وفي عالم البرزخ، وقد أشير إلى ذلك بالأحاديث الشريفة، وكما أن الأرض تصب سكانها في ميدان الحشر -الذي في مدارها السنوي- في عالم الآخرة؛ فإنها تسلم كذلك بالأمر الإلهي جهنم الصغرى التي في جوفها لجهنم الكبرى.
6. صفحة
أما قول بعض أئمة أهل الاعتزال: إن جهنم ستُخلق فيما بعد؛ فهو خطأ وسوء تفكير بسبب عدم انبساط جهنم انبساطًا تامًّا، وعدم انكشافها انكشافًا مناسبًا تمامًا لأهلها في الوقت الحالي.
ثم إنه من أجل رؤية منازل عالم الآخرة -الذي هو مستور ضمن الغيب- بعيوننا الدنيوية، وإراءتِها للآخرين؛ لابد من تصغير الكون، وجعل الدنيا والآخرة كولايتين، أو لابد من تكبير عيوننا حتى تكون لنا عيونٌ كالنجوم؛ كي نرى ونحدد أماكن ذلك العالم عالم الآخرة.
وإنه -والعلم عند الله- لا يمكن رؤية منازل عالم الآخرة بعيوننا الدنيوية هذه، ولكن جنهم التي في الآخرة لها علاقةٌ وصلة بدنيانا هذه حسب إشارات بعض الروايات؛ حتى إنه قيل عن شدة الحرارة في الصيف: إنها "من فيح جهنم([1])"، إذن إن جهنم الكبرى لا تُرى بعين العقل الدنيوية الصغيرة الكليلة، إلا أنه يمكننا النظر إليها بنور اسم الله "الحكيم"، وذلك:
إن جهنم الكبرى التي هي تحت المدار السنوي للأرض كأنها وَكَّلت جهنم الصغرى التي في مركز الأرض فجعلتها تؤدي بعض وظائفها.
وإن مُلْكَ القدير ذي الجلال واسع جدًّا؛ فإن جنهم الكبرى تستقر حيثما وَجَّهَتْهَا الحكمةُ الإلهية وأشارت.
أجل؛ إن القدير ذا الجلال والحكيم ذا الكمال المالك لأمر "كن فيكون"، الذي قد ربط القمر بالأرض أمام أعيننا بكمال الحكمة والانتظام والإتقان، والذي ربط الأرض بالشمس بقدرة العظمة والإتقان والانتظام، والذي سيّر الشمس مع كواكبها -بناء على احتمالٍ واحد- نحو شمس الشموس بعظمة ربوبيته بسرعةٍ قريبة من سرعة الأرض السنوية، والذي جعل النجوم شواهد نورانية لسلطنة ربوبيته كالمصابيح الكهربائية
[1])) عن أبي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ قال كُنّا مَعَ النّبِي صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي سَفَرٍ فَأَرَادَ الْمُؤَذِّنُ أَنْ يُؤَذِّنَ لِلظُّهْرِ فقال النبي صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَبْرِدْ: ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ فقال له: أَبْرِدْ، حتى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُولِ فقال النبي صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ: إِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ من فَيْحِ جَهَنَّمَ فإذا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلاةِ، رواه البخاري برقم 514، و 3085، ومسلم برقم 615، 616، 617، والحاكم برقم 5092، وابن حبان برقم 1504، وابن خزيمة برقم 329، وأبو داود برقم 401، وابن ماجة برقم 677، والترمذي برقم 157.
7. صفحة
للأسطول البحري، وأظهر بذلك سلطنة ربوبيته وعظمة قدرته؛ ليس ببعيدٍ عن كمال حكمته وعظمة قدرته وسلطنة ربوبيته أن يجعل جهنم الكبرى كمِرجَل مصنع المصابيح الكهربائية، فيُشعِلَ بها نجوم السماء الناظرة إلى الآخرة، ويمدَّها بالحرارة والقوة والطاقة، أي: يُمِدّ النجوم بالنور من الجنة التي هي عالم النور، وكذلك يرسل إليها النار والحرارة من جهنم، ويجعل بعضًا من جهنم مسكنًا وسجنًا لأهل العذاب.
ثم إن الفاطرَ الحكيمَ ذا الجلال الذي يحفظ شجرةً ضخمة كالجبل في نواة صغيرة جدًّا صغر الظفر؛ لاشك أنه ليس ببعيد عن قدرته وحكمته أن يحفظ ويخبِّئ جهنم الكبرى في نواة جهنم الصغرى التي في قلبِ الكرةِ الأرضيةِ.
الحاصل: إن جهنم والجنة ثمرتا غصنٍ يمتد متدلِّيًا إلى الأبد من شجرة الخِلْقَةِ، أما موضع الثمرة فهو في نهاية الغصن.
والجنة وجهنم نتيجتان لسلسلة الكون هذه، ومحلّ النتيجتين في طرفي السلسلة، فالسفلية الثقيلة منهما في الأسفل، والنورانية السامية في الأعلى.
ثم إنهما مخزنان لسيل الشئون والمحصولات المعنوية للأرض، أما مكان المخزن فهو حسب نوع المحصولات، فالفاسدة منها في الأسفل، والجيدة في الأعلى.
وكذا هما حوضان للموجودات السيالة المتموجة الجارية نحو الأبد، أما موضع الحوض فهو في المكان الذي يتوقف فيه السيل ويتجمع، أي الخبيث والقذر منها في الأسفل، والطيب الصافي النقي في الأعلى.
وكذا هما موضعان لتجلي اللطف والقهر والرحمة والعظمة، أما موضع التجلي فيمكنه أن يكون في كل مكان، فالرحمن ذو الجمال والقهار ذو الجلال يفتح موضع تجليه أينما يشاء.
أما وجود الجنة وجهنم فقد أُثْبِتَ في "الكلمة العاشرة" و"الكلمة الثامنة والعشرين" و"الكلمة التاسعة والعشرين" إثباتًا في غاية القطعية، ولكنا نقول هنا الآتي:
إن وجود الثمرة ثابت قطعًا وباليقين كوجود الغصن، ووجود النتيجة كوجود السلسلة، ووجود المخزن كوجود المحصولات، ووجود الحوض كوجود النهر، ووجود موضع التجلي كوجود الرحمة والقهر.
8. صفحة
السؤال الرابع: يا ترى هل يمكن أن ينقلب العشق المجازي الكامن في أكثر الناس تجاه الدنيا إلى العشق الحقيقي مثلما ينقلب العشق المجازي تجاه المحبوبات إلى العشق الحقيقي؟
الجواب: نعم؛ إن العشق المجازي غير المشروع المتوجه إلى وجه الدنيا الفاني يبدأ ينقلب إلى العشق الحقيقي إذا ما رأى العاشق قبحَ الزوال والفناء على ذلك الوجه، وأعرض عنه، وطلب المحبوبَ الباقيَ، ووُفِّق إلى النظر إلى وجهي الدنيا الآخرين الجميلين جدًّا، اللذين هما مرآة الأسماء الإلهية ومزرعة الآخرة، ولكن بشرط ألا تلتبس عليه دنياه غير المستقرة الزائلة المرتبطة بحياته بالدنيا الخارجية، فإن نسي نفسه كأهل الضلالة والغفلة، واستغرق في الآفاق، وظن أن الدنيا العامة هي دنياه الخاصة به وعَشِقَها؛ سقط في وَحل فكرة الطبيعة وغرق، اللهم إلا إذا كانت يد العناية أنقذته إنقاذًا خارقًا، وانظر إلى المثال الآتي لتنوير هذه الحقيقة:
إذا ما وُجدت أربع مرايا كبيرة خاصة بنا نحن الأربعة على أربعة جدران لهذه الغرفة الجميلة المزينة؛ تكون عندئذ خمس غرف، إحداها حقيقية وعامة، والأربع الأخرى مثالية وخاصة، وكل واحد منا يستطيع أن يغير شكل غرفته الخاصة به وهيئتها ولونها بواسطة مرآته الخاصة به، فإن صبغناها باللون الأحمر فإنها ستُظهِر الغرفة حمراء، ولو صبغناها باللون الأخضر فإنها ستُظهِر الغرفة خضراء، وهكذا نستطيع أن نضفي عليها أوضاعًا كثيرة بالتصرف في المرآة، نستطيع أن نجعلها قبيحة أو جميلة، ونضفي عليها أشكالا كثيرة، ولكننا لا نستطيع أن نتصرف في الغرفة الخارجية العامة، ولا نغيرها بسهولة، فالغرفة الخاصة والغرفة العامة مع أن كل واحدة منهما مثل الأخرى في الحقيقة فإنهما مختلفتان في الحكم؛ إذ إنك تستطيع أن تدمر غرفتك الخاصة بإصبع واحد، ولكن لا تستطيع تحريك حجرٍ واحد من الغرفة الأخرى.
وكذلك الدنيا منزلٌ مُزَيَّن، فحياة كل واحد منا مرآة كبيرة، ولكل واحد منا دنيا خاصة به من هذه الدنيا، وعالم خاصّ به، ولكن عمودهما ومركزهما وبابهما هو حياتنا، بل إن دنيانا الخاصة بنا وعالمنا الخصوصي صفحة، وحياتنا قلم تُكتَب به أمورٌ كثيرة سوف تسجَّل في صحيفة أعمالنا، وإنْ أحببنا دنيانا ثم رأينا أنها زائلةٌ فانية لا قرار لها مثل حياتنا -حيث إنها بُنيت على حياتنا- وشعرنا بهذا وعلمناه؛ عندها تنقلب محبتنا لها
9. صفحة
إلى محبة نقوش الأسماء الإلهية الجميلة التي دنيانا الخاصة بنا هي مرآةٌ تُمثلها، ومنها تنتقل إلى تجليات الأسماء الإلهية.
ثم إننا إن أدركنا أن دنيانا الخاصة بنا مشتلٌ مؤقت للآخرة والجنة، وحوَّلنا أحاسيسنا ومشاعرنا كالحرص الشديد والطلب الشديد والمحبة الشديدة تجاهها إلى فوائدها الأخروية التي هي نتيجتها وثمرتها وسنابلها؛ فسينقلب عندئذ ذلك العشق المجازي إلى عشق حقيقي، وإلا لو أصاب المرء سر الآية الكريمة ﴿نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾(الحشر:19) ونسي نفسه، ولم يفكر في زوال الحياة، واعتقد أن دنياه الخاصة غير المستقرة ثابتة كالدنيا العامة، وحسب أنه لا يموت، فغاص في الدنيا وتمسك بها بأحاسيس قوية شديدة؛ لغرق فيها غرقًا.
فتلك المحبة إذن مصيبةٌ وعذاب غير متناهٍ؛ لأن تلك المحبة تنشأ عنها شفقةٌ يتيمية ورقةٌ يائسة، فيَرِقُّ لجميع الأحياء، حتى إنه يشعر برقةٍ وشفقة تجاه جميع المخلوقات الجميلة المتعرضة للزوال، ويحس الفراق منها، ويبقى عاجزًا مكتوف الأيدي لا يستطيع فعل شيء تجاهها، فيقاسي الألم في يأسٍ مطلق.
ولكن الرجل الأول الذي نجا من الغفلة؛ يجد ترياقًا قويًّا ساميًا تجاه ألم تلك الشفقة الشديدة، ويرى في موت وزوال جميع الأحياء -التي يرقّ لها ويشفق عليها- مرايا الأرواحِ -التي تمثل التجليات الباقية للأسماء الباقية للباقي سبحانه وتعالى- باقيةً، فتنقلب شفقته ورِقّته إلى سرور.
ويرى أيضًا وراء جميع المخلوقات الجميلة المتعرِّضة للزوال والفناء نقشًا وتحسينًا، وصنعة وتزيينًا، وإحسانًا وتنويرًا دائمًا يُشعِره بالجمال المنزه والحسن المقدس، ويشاهد ذلك الزوال والفناء على صورة تجديدٍ لزيادة الحسن وتجديد اللذة وعرض الصنعة والإبداع، فيزيد من لذته وشوقه وإعجابه.
الباقي هو الباقي
سعيد


