المكتوب الحادي عشر

39. صفحة

المكتوب الحادي عشر

 باسمه سبحانه

وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ


دواء مهم

هذا المكتوب يشير إلى أربع جواهر صغيرة من خزانة أربع آيات.

أخي العزيز، لقد لقّن القرآن الحكيم نفسي هذه المسائل الأربعة المختلفة في أوقات مختلفة، فكتبته كي يأخذ مَن رغب من إخواني درسًا أو نصيبًا منها، وقد بُين جوهرٌ صغير كنموذج من خزانة الحقائق لأربع آيات كريمة مختلفة من حيث المبحث، ولكل مبحثٍ من هذه المباحث الأربعة صورةٌ مستقلة وفائدة مختلفة.

المبحث الأول: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ (النساء:76).

يا نفسي اليائسة بسبب سوء الوسوسة، إن تداعي الخيالات وتخطُّر الفرضيات نوعٌ من ارتسامٍ غير اختياري وإرادي، أما الارتسام فإن كان ناشئًا عن الخير وعن النورانية فإنه ينتقل حكم الحقيقة إلى صورته ومثاله إلى حدٍّ ما، مثلما ينتقل ضياء الشمس وحرارتها إلى مثالها الذي يرتسم على المرآة، وإن كان ناشئًا عن الشر والمواد الكثيفة فلا ينتقل حكم الأصل وخصائصه إلى صورته، ولا يسري إلى مثاله، فمثلا:

إن صورة شيء نجس قذر في المرآة ليست نجسةً ولا قذرة، فَتَمَثُّل الحية في المرآة لا يلدغ.

وبناءً على هذا السرّ فإن تصور الكفر ليس كفرًا، وتخيل الشتم ليس شتمًا، ولاسيما إن كان غير اختياري، وكان تخطُّرًا فرضيًّا، فلا ضرر له مطلقًا.

ثم إن قبح شيء ما ونجاسته يتعين بالنهي الإلهي في مذهب أهل الحق، أهل السنة والجماعة، وبما أنها -أي تداعي الخيالات وتخطُّر الفرضيات- تخطّرٌ فرضي من غير

40. صفحة

اختيار ورضًا، وتداع خيالي، فلا يتعلق بها النهي، وهي مهما كانت صورةً لشيء قبيح ونجس فلا تكون قبيحةً ونجسة.

المبحث الثاني: وهي ثمرةٌ من ثمار شجرة الصنوبر والقطران والحور الأسود في تبليجة بـ"بارلا"، وقد أدرجت في مجموعة "الكلمات" لذا لم تدرج هنا.

المبحث الثالث: إن هذه المسألة والتي تليها جزء من أمثلة "الكلمة الخامسة والعشرين" التي تظهر وتبين عَجْزَ الحضارة الحاضرة أمام إعجاز القرآن.

مثالان من بين آلاف الأمثلة التي تثبت مدى ظلم حقوق الحضارة الحديثة التي تخالف القرآن.

إن الحكم القرآني في ﴿فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ (النساء:176) كما أنه محض العدالة، فهو عين الرحمة كذلك.

أجل؛ إنه عدالة؛ لأن الرجل يتزوج امرأة، ويتعهد بنفقتها في الغالب، أما المرأة فتتزوج رجلا واحدًا وتُحمِّل نفقتها عليه، فتعوض نقصها في الميراث.

ثم إن الحكم القرآني رحمة؛ لأن تلك البنت الضعيفة تحتاج كثيرًا إلى شفقةٍ من أبيها ورحمةٍ من أخيها، وحسب الحكم القرآني تجد تلك البنت شفقةً خالصة لا يشوبها خوفٌ ولا حذر من أبيها، ولا ينظر إليها أبوها على أنها بنتٌ مضرة تتسبب في انتقال نصف ثروته إلى أيدي الأجانب والأغيار، ولا يشوب تلك الشفقةَ قلقٌ ولا غضب، وهي تجد من أخيها أيضًا رحمة وحماية بلا تنافس ولا حسد، ولا ينظر إليها أخوها على أنها منافِسةٌ سوف تفسد نصف نظام العائلة وتعطي جزءًا كبيرًا من أموالهم للأجانب، ولا يُعَكِّر صفوَ تلك الرحمة والحماية بالحقد والاستياء.

إذن فتلك البنت اللطيفة الرقيقة فطرةً، والضعيفة النحيفة خلقةً تفقد شيئًا قليلا في الظاهر، ولكنها تكسب -عوضًا عنه- ثروةً لا تنفد من الرحمة والشفقة من قبل أقاربها، وعلى هذا فإنَّ منْحها حقًّا أكثر مما تستحق -وكأننا نرحمها أكثر من رحمة الحق تعالى- ليس رحمة بها، بل هو ظلمٌ شديد، بل قد يؤدي ما في هذا الزمان من حرص وحشي -شبيه بالظلم الشديد كوأد البنات في الجاهلية بسبب الغيرة الوحشية- إلى شناعةٍ لا رحمة فيها. 


41. صفحة

فالأحكام القرآنية جميعها -مثل هذا الحكم- تصدق فرمان: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء:107).

المبحث الرابع: ﴿فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ (النساء:11).

فكما أن المدنية الحديثة -التي بلا ميم- تتسبب في مثل هذا الظلم عندما تعطي للبنت أكثر مما تستحقّ؛ كذلك فإنها ترتكب ظلمًا أكبر وأشد بحق الوالدات بمنع حقهن.

أجل؛ إن شفقة الوالدة التي هي أجلّ تجليات الرحمة الربانية وأحلاها وألطفها وأجملها وأطيبها؛ هي أجلُّ حقيقةٍ وأكرمها بين حقائق الكون، والوالدة أكرم وأرحم صديقة مضحية، حيث إنها تضحي بدافع تلك الشفقة بجميع دنياها وحياتها وراحتها من أجل ولدها، حتى إن الدجاجة الجبانة التي هي في أبسط وأدنى درجات الأمومة تقفز على الكلب وتهجم على الأسد دفاعًا عن فرخها بدافع لمعة طفيفة من تلك الشفقة!!

فحرمان الوالدة التي تحمل بين جوانحها حقيقةً مبجَّلةً وموقَّرة ومشرَّفة كهذه من مال ولدها -إن لم يفهم وحوش البشر الذين يدّعون المحبة للإنسانية والرحمة بها- كم هو ظلم شديد، وإهانة وحشية، وتحقيرٌ إجرامي تجاه تلك الحقيقة المبجلة الموقَّرة المشرَّفة، وكفرٌ بنعمة يهتز له عرش الرحمة، وإدخال سُمٍّ على ترياق نافع ناجع لحياة البشر الاجتماعية؛ إن لم يفهم وحوش البشر هذا فلاشك أن الناس الحقيقيين يفهمون ويدركون ذلك، ويعرفون ويعلمون أن حكم القرآن الحكيم ﴿فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ عين الحق ومحض العدالة.