المكتوب الخامس
التنقل
20. صفحة
المكتوب الخامس
باسمه
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
لقد قال بطل السلسلة النقشبندية وشمسها الإمام الرباني([1]) في مكتوباته:
"إنني أفضل وضوح مسألة من مسائل حقائق الإيمان وانكشافها على آلاف من الأذواق والمواجيد والكرامات".
وقال أيضًا: "إن منتهى الطرق الصوفية جميعها هو وضوح الحقائق الإيمانية وانكشافها".
وقال أيضًا: "إن الولاية ثلاثة أقسام:
أحدها: الولاية الصغرى، وهي الولاية المشهورة.
ثانيها: الولاية الوسطى.
ثالثها: الولاية الكبرى.
فالولاية الكبرى هي فتح الطريق إلى الحقيقة مباشرة عن طريق وراثة النبوة من غير الدخول في برزخ التصوف".
وقال أيضًا: "إن السلوك في الطريقة النقشبندية يكون بجناحين؛ هما: الاعتقاد الصحيح الجازم بالحقائق الإيمانية، والامتثال بالفرائض الدينية، فإن كان في هذين الجناحين ضعف أو خلل فلا يُسلَك في هذا الطريق".
إذن إن في طريق النقشبندية ثلاث درجات ومراتب:
إحداها وأوْلاها وأعظمها: خدمةُ الحقائق الإيمانية مباشرة، والإمام الرباني t نفسه قد سلك هذا المسلك في أواخر عمره.
ثانيتها: خدمة الفرائض الدينية والسنة السَّنِيَّة تحت ستار الطريقة الصوفية.
ثالثتها: السعي إلى إزالة الأمراض القلبية عن طريق التصوف، والسلوك فيه بخطى القلب.
فالأولى بمنزلة الفرض، والثانية بمنزلة الواجب، والثالثة بمنزلة السُّنّة.
فبما أن الحقيقة هكذا، فإني أعتقد أنه لو كان الشيخ عبد القادر الجيلاني والشاه
[1])) هو الشيخ أحمد بن عبد الأحد بن زين العابدين الفاروقي السرهندي، وهو المعروف بمجدد الألف الثاني، كان عالِمًا عاملا عارفًا كاملا، ينتهي نسبه إلى الفاروق رضي الله عنه، ولد في سنة 971هـ.
21. صفحة
النقشبندي والإمام الرباني وأمثالهم من العظماء في هذا الزمان؛ لبذلوا كل هِمَمِهم وسعيهم في تقوية حقائق الإيمان وعقائد الإسلام؛ لأنها سبب السعادة الأبدية ومدارها، فلو حدث خلل وتقصير فيها لتسبب ذلك في الشقاء الأبدي.
إنه لا يمكن الذهاب إلى الجنة من غير الإيمان، ولكن الذاهبين إليها من غير التصوف كثيرون جدًّا، ولا يمكن أن يعيش الإنسان من غير خبز، ولكنه يستطيع أن يعيش من غير فاكهة، فالتصوف فاكهة، والحقائق الإسلامية هي الغذاء.
وفي الماضي لم يكن الصعود إلى بعض الحقائق الإيمانية ممكنًا إلا بالسير والسلوك أربعين يومًا، حتى أربعين سنة في التصوف، أما الآن فإذا وُجد في هذا الزمان طريقٌ للصعود إلى تلك الحقائق في أربعين دقيقة برحمة الله تعالى؛ فلاشك أن عدم الاهتمام به واللامبالاة حوله ليس من العقل في شيء.
فالذين يقرءون "الكلمات" الثلاث والثلاثين([1]) بإمعانٍ يقرّون بأنها تفتح طريقًا قرآنيًّا كهذا.
فبما أن الحقيقة هي هذه؛ فإني أعتقد جازمًا أن "الكلمات" المكتوبة لبيان أسرار القرآن هي أنجع دواء وأفضل بلسم لجروح هذا الزمان، وأنفع نور للمجتمع الإسلامي الذي يتعرض لهجوم الظلمات، وأقوم مرشد وأصح دليل لمن وقعوا في الحيرة في وديان الضلال.
إنكم تعلمون أن الضلالة إذا كانت ناشئةً عن الجهل فإزالتها سهلة، ولكن إذا كانت ناشئةً عن العلوم والمعارف فإزالتها صعبة وعسيرة، ففي الماضي كان القسم الثاني لا وجود له إلا واحد في الألف، فما كان يهتدي بالإرشاد إلا واحد في الألف منهم؛ لأن مثل هؤلاء يعجبون بأنفسهم، ولا يعلمون، ويظنون أنهم يعلمون.
إنني أعتقد أن الله تعالى قد منح "الكلمات" المعروفة التي هي من لمعات الإعجاز المعنوي للقرآن خاصيةَ الترياق تجاه زندقة هذه الضلالة في هذا الزمان.
الباقي هو الباقي
سعيد النورسي
[1])) أي رسائل النور.


