المكتوب الخامس عشر
التنقل
54. صفحة
المكتوب الخامس عشر
باسمه
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
أخي العزيز،
إن سؤالك الأول وهو لِمَ لَمْ يستطع الصحابة -رضوان الله عليهم- أن يكشفوا المفسدين بنظر الولاية؟ حتى أدى ذلك إلى شهادة ثلاثة من الخلفاء الراشدين؟ والحال أنه يقال إن صغار الصحابة أعظم من الأولياء الكبار؟
والجواب: في هذا مقامان.
المقام الأول:
يُحَل السؤال ببيان سرٍ دقيق للولاية، وذلك:
إن ولاية الصحابة -رضي الله عنهم- هي ولايةٌ تسمى بـ"الولاية الكبرى"، تتأتى من وراثة النبوة، وتنفذ من الظاهر إلى الحقيقة مباشرة من دون المرور بطريق البرزخ، وتعود إلى انكشاف "الأقربية الإلهية"، حيث إن طريق هذه الولاية على قصره الشديد عالٍ وسام جدًّا، خوارقه قليلةٌ ولكن مزاياه كثيرة، فالكشف والكرامات قليلا ما تَظهر هناك.
أما كرامات الأولياء فأكثرها ليست اختياريةً، بل تظهر منهم خارقةٌ من الخوارق بإكرامٍ إلهي، ومن حيث لا يحتسبون، فالأولياء يظهر لهم أكثر هذه الكشوف والكرامات التي تخالف الأمور المألوفة المعتادة لتجردهم من البشرية العادية -إلى حدٍّ ما- عندما ينفذون من برزخ الطريقة في أثناء السير والسلوك.
أما الصحابة -رضي الله عنهم- فليسوا مضطرين -بفضل انعكاس الصحبة النبوية وانجذابها وإكسيرها- إلى طيّ الدائرة العظيمة للسير والسلوك الذي في الطريقة، ويمكنهم أن ينفذوا من الظاهر إلى الحقيقة في خطوةٍ واحدة أو في صحبة واحدة، فمثلا:
55. صفحة
كما أن هناك طريقين للوصول إلى ليلة القدر التي كانت البارحة:
أحدهما: سيرٌ وسياحة ودوران لمدة سنةٍ للوصول إلى تلك الليلة؛ أي: ينبغي طي مسافة سنةٍ كاملة لنيل هذه القربية، وهذا مسلك أهل السير والسلوك، وأغلب أهل الطريقة يتبعون هذا المسلك.
ثانيهما: وهو رؤية ليلة القدر الماضية البارحة حاضرةً مع ليلة العيد في اليوم التالي كرؤية هذه الليلة الحالية بتجرد الجسم المقيد بالزمان من غلافه المادي وصعوده روحيًّا؛ لأن الروح ليست مقيدةً بالزمان، فعندما تسمو المشاعر الإنسانية إلى درجة الروح يتوسع ذلك الزمان الحالي، فالأوقات الماضية والقادمة بالنسبة لغيرها كالوقت الحاضر بالنسبة لها.
فعلى غرار هذا المثال فإن الانتقال إلى ليلة القدر الماضية البارحة يكون برؤية الماضي كالحاضر بالصعود إلى مرتبة الروح، فأساس هذا السر الغامض هو انكشاف الأقربية الإلهية، فمثلا:
إن الشمس قريبة منا؛ لأن ضياءها وحرارتها ومثالها في مرآتنا وفي يدنا، ولكننا بعيدون عنها، فإنْ شعرنا بأقربيتها إلينا من حيث نورانيتها، وأدركنا علاقتنا مع صورتها المثالية التي في مرآتنا، وعرفناها بتلك الواسطة، وعلمنا ماهية ضيائها وحرارتها وهيئتها؛ فعندئذ تنكشف وتظهر لنا أقربيتها، ونعرفها بقربنا، ونصبح على صلةٍ بها.
أما إن أردنا أن نقترب منها وأن نعرفها من حيث بعدنا عنها؛ فسنضطر إلى السير الفكري والسلوك العقلي الكثير الكثيف، حيث إننا لا نستطيع أن نظفر بالقربية المعنوية التي ظفر بها الرجل الأول في مرآته بقليل من التفكر إلا بعد أن نصعد إلى السماوات فكرًا بواسطة القوانين العلمية، ونتصور الشمس التي في السماء، وندرك بالتدقيقات والفحوصات العلمية الطويلة الضياءَ والحرارة اللذين في ماهيتها؛ والألوانَ السبعة التي في ضيائها.
فكما في هذا المثال فإن النبوة والولاية التي في وراثة النبوة تتوجه إلى انكشاف سر "الأقربية"، أما سائر الولايات فأكثرها تسير على أساس "القربية"، وتضطر في كثير من المراتب إلى السير والسلوك.
56. صفحة
المقام الثاني:
إن الذين تسببوا في تلك الأحداث وأفسدوا ليسوا بضعة أشخاص من اليهود حتى يمكن إيقاف ذلك الفساد بكشفهم؛ إذ بدخول أممٍ مختلفة كثيرة جدًّا في الإسلام قد انتقلت تياراتٌ وأفكار متضادة متخالفة إلى العالم الإسلامي، ولاسيما أولئك الذين جُرح غرورهم القومي بضربات سيدنا عمر رضي الله عنه جرحًا بالغًا، فكانوا يتحينون الفرص للانتقام بسجيتهم وطبيعتهم؛ ذلك لأن دينهم السابق قد أُبطِل، ودُمرت حكومتهم وسلطنتهم التي هي مدار شرفهم، فكانوا بدافع المشاعر والأحاسيس ينحازون إلى الانتقام من سيادة الإسلام على وعيٍ منهم أو على غير وعي؛ لذا قد قيل: إن بعض المنافقين الأذكياء الدساسين الماكرين كاليهود استغلوا تلك الظاهرة الاجتماعية.
إذن إن إيقاف تلك الحادثات ما كان ممكنًا إلا بإصلاح الحياة الاجتماعية والأفكار المختلفة آنذاك، وليس بكشف بضعة أشخاصٍ من المفسدين.
وإذا قيل:
إن سيدنا عمر t قال على المنبر مناديًا أحد قواده -سارية- الذي كان على بعد شهر منه: "يا سارية الجبل الجبل"([1])، وأسمع صوته سارية، وأصبحت كرامته في القيادة سببًا لانتصار الجيش، ومع أن قيادته ذات الكرامة تدل على نظره الثاقب؛ فلماذا لم يَرَ بنظر ولايته الثاقب قاتله فيروز الذي كان قريبًا منه؟
والجواب: نجيب عنه بما أجاب به سيدنا يعقوب u([2]):
لقد سئل عليه السلام؛ كيف وجدت ريح قميص سيدنا يوسف u الذي أتى من مصر، ولم تر يوسف u الذي كان في بئر كنعان القريبة منك؟
فقال u مجيبًا: إن حالنا كالبرق، يُرى حينًا، ويختفي حينًا آخر، وقد يحدث أحيانًا وكأننا نجلس في أعلى مقامٍ ونرى كل النواحي والأطراف، وأحيانًا لا نرى ظهر أقدامنا.
[1])) انظر المقاصد الحسنة 1333، وكنز العمال 35788 وكشف الخفاء 3172.
[2])) زمصرش بوى بيرَاهَن شِنِيدِي چِرَادَر چَاه كنعانش نه ديدي
بگفت أحوال ما برق جهانست دمي پيدا ديكر دم نهانست
گهي بر طادم أعلى نِشِينَم گهي بر بشت پاي خود نَبِينَم. (المؤلف).
57. صفحة
الحاصل: إنه مهما كان الإنسان فاعلا مختارًا فإن المشيئة الإلهية هي الأصل، بسرّ: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَن يَّشَاءَ اللهُ﴾ (الإنسان:30)، والقدر هو سلطان الموقف، والمشيئة الإلهية ترد المشيئة الإنسانية، و"إذا جاء القدر عمي البصر" يُجري حكمَه، وإذا نطق القدر صمت اقتدار البشر، وسكت الاختيار الجزئي.
فحوى سؤالكم الثاني: ما ماهية الحروب التي بدأت في عهد سيدنا علي رضي الله عنه، وماذا نطلق على تلك الحروب وعلى من قَتَلوا فيها وقُتلوا؟
الجواب:
إن الحرب التي دارت بين سيدنا علي t وبين سيدنا طلحة والزبير والسيدة عائشة الصديقة -رضي الله تعالى عنهم أجمعين- والتي تسمى بـ"وقعة الجمل"؛ هي معركة بين "العدالة المحضة" وبين "العدالة الإضافية" وذلك:
لقد اتخذ سيدنا علي رضي الله عنه العدالة المحضة أساسًا له، واجتهد حسب ذلك، كي يسير على ذلك الأساس كما كان في عهد الشيخين رضي الله عنهما، أما معارضوه فقالوا: "إن صفاء المجتمع الإسلامي ونقاءه كان يلائم ويناسب العدالة المحضة في عهد الشيخين، ولكن بمرور الزمن دخلت أقوامٌ مختلفة من ضعاف الإسلام في الحياة الاجتماعية الإسلامية، فأصبح تطبيق العدالة المحضة صعبًا ومشكلا جدًّا"، ولذلك اجتهدوا على أساس العدالة النسبية التي هي اختيارُ أهونِ الشر، ثم دخل هذا الجدال الاجتهادي في السياسة فتسبب في نشوب الحروب.
وبما أنهم قد اجتهدوا لوجه لله تعالى وحده، ومن أجل مصالح الإسلام، وتولدت الحربُ من هذا الاجتهاد، فيمكننا القول: إن القاتل والمقتول كليهما في الجنة، وكل منهما مأجور.
ومع أن اجتهاد سيدنا علي t كان مصيبًا، واجتهاد مخالفيه كان خطأً؛ فإنهم لا يستحقون العذاب؛ لأن المجتهد إذا توصل إلى الحق باجتهاده فله أجران، وإن لم يتوصل فإنه ينال أجرًا واحدًا، وهو أجر الاجتهاد الذي هو نوع من العبادة، وهو معذور في خطئه، وقد قال أحد المحققين المشهورين عندنا باللغة الكردية، ويُعَدّ قوله حجةً:
ژى شر صحابان مكه قال قيل لورا جنتينه قاتل وهم مقتول
58. صفحة
أي: تجنب القيل والقال فيما وقع بين الصحابة من حروب؛ لأن القاتل والمقتول كليهما من أهل الجنة.
أما إيضاح العدالة المحضة والعدالة الإضافية فهو:
إنَّ حقَّ بريءٍ واحد لا يُلغَى ولو من أجل الناس جميعًا، ولا يضحى ولو بفردٍ واحد من أجل سلامة الجميع، بناء على المعنى الإشاري للآية الكريمة ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (المائدة:32) إلخ، فالحق حق في نظر رحمة الله تعالى، ولا يُنظر إلى صغره وكبره، ولا يُلْغَى ولا يُبْطَلُ الصغير من أجل سبيل الكبير، ولا يُضَحَّى بحياة فردٍ واحد وحقه من أجل سلامة الجماعة دون رضاه، فإن كان راضيًا باسم الشهامة والحمية فتلك مسألة أخرى.
أما العدالة الإضافية فهي تضحي بالجزء لسلامة الكل، ولا تأخذ حق الفرد بنظر الاعتبار لأجل الجماعة، وتسعى أن تطبق العدالة الإضافية نوعًا ما باعتبارها أهون الشر، ولكن إذا كانت العدالة المحضة قابلةً للتطبيق فلا تُطبَّق العدالة الإضافية، وإذا طُبِّقت فسيكون ظلمًا.
فمن أجل ذلك كان الإمام علي رضي الله عنه يذهب إلى إمكانية تطبيق العدالة المحضة كما كان في عهد الشيخين رضي الله عنهما، فكان يبني الخلافة الإسلامية على هذا الأساس، أما مخالفوه ومعارضوه فهم قد اجتهدوا في العدالة الإضافية؛ إذ كانوا يرون أن العدالة المحضة ليست قابلةً للتطبيق، وأن هناك صعوبات وعقبات كثيرة لتطبيقها.
أما سائر الأسباب التي يسجلها التاريخ فليست بأسباب حقيقية، بل هي ذرائع ومبررات.
فإن قلت:
لِمَ لَمْ يوفَّق الإمام علي رضي الله عنه في شأن الخلافة الإسلامية كما وُفِّقَ أسلافُه، مع أنه كان يتمتع باقتدارٍ لا مثيل له، وذكاء فذٍّ، وجدارة فائقة؟
فالجواب: إن هذا الشخص المبارك كان جديرًا بوظائف أخرى مهمة جدًّا أكثر من السياسة والملك، فلو كان وُفِّق توفيقًا تامًّا في السياسة والملك لما نال حقًّا اللقبَ ذا
59. صفحة
المغزى: "سيد الأولياء"، ولكنه نال ملكًا معنويًّا يفوق الخلافة السياسية الظاهرية كثيرًا، وأصبح شيخ الكلّ، حتى صار ملكه المعنوي باقيًا إلى يوم القيامة.
أما حرب سيدنا الإمام عليt مع أنصار سيدنا معاويةt في وقعة صفين؛ فهي حرب بين الخلافة والسلطنة، أي: إن سيدنا الإمام عليًّاt اتخذ أحكام الدين وحقائق الإسلام ودار الآخرة أساسًا له، وكان يضحي في سبيلها ببعض قوانين السلطنة ولوازم ظالمة للسياسة، أما سيدنا معاوية وأنصاره فقد تركوا العزيمة، والتزموا بالرخصة لدعم الحياة الاجتماعية الإسلامية بسياسة السلطنة، وظنوا أنهم مضطرين إلى الرخصة في عالم السياسة وفضلوها، فوقعوا في الخطأ.
أما كفاح سيدنا الحسن والحسين -رضي الله عنهما- مع الأمويين فكان معركة بين الدين والقومية، أي: إن الأمويين اعتمدوا في بناء الدولة الإسلامية على القومية العربية، وقدّموا روابط القومية على روابط الإسلام، فأضروا من ناحيتين:
إحداهما: إنهم جرحوا مشاعر الأقوام الأخرى، فأثاروا فيهم الكراهية والنفور.
والأخرى: إن أسس العنصرية والقومية أسسٌ ظالمة لعدم اتباعها العدالةَ والحق، ولا تجري على العدالة؛ لأن القاضي العنصري يفضّل أهل قومه على الآخرين، ومن ثم لا يستطيع أن يعدل، فلا تقام الرابطة القومية بدل الرابطة الدينية حسب قاعدة: "الإسلام جبَّ العصبية الجاهلية، ولا فرق بين عبدٍ حبشي وسيد قرشي إذا أسلما([1])"، وإن أقيمت فلا يمكن تحقيق العدالة، ويزول الحق والإنصاف، ومن أجل ذلك فقد اتخذ سيدنا الحسين t الروابط الدينية أساسًا له، وحاربهم وهو على حق، حتى نال مقام الشهادة.
فإن قيل: لم لَمْ يُوفَّق مع أنه كان على الحق، ومعه الحقيقة؟ ولماذا سمح القدر الإلهي والرحمة الإلهية بتعرضه وتعرض أهل البيت للعاقبة الفجيعة؟
[1])) هناك أحاديث بهذا المعنى منها ما رواه البيهقي في السنن الكبرى برقم 18069، والإمام أحمد في مسنده برقم 17812، و17846 و17861، وفي مسند الحارث برقم 1029.
60. صفحة
فالجواب: كان لدى الأقوام الآخرين الذين التحقوا بجماعة سيدنا الحسين -وليس عند أنصاره المقربين منه- فكرُ الثأر من العرب من حيث غرورهم القومي الذي جُرِح، فهذا قد أخل بالمنهج الصافي الخالص لسيدنا الحسين وأنصاره، وتسبب في هزيمتهم.
أما حكمة عاقبتهم الفجيعة من وجهة نظر القدر فهي:
إن ذرية سيدنا الحسن والحسين وأهل بيتهما كانوا مرشحين لسلطنةٍ معنوية، والجمع بين سلطنة الدنيا والسلطنة المعنوية صعب وعسير؛ لذا فقد كرَّههم القدر الإلهي في الدنيا، وكشف لهم وجه الدنيا القبيح حتى لا تكون لهم علاقة بها قلبًا، فنُفضت أيديهم عن السلطنة الظاهرية المؤقتة، ولكنهم وُظِّفوا بسلطنةٍ معنوية ساطعة دائمًا، فأصبحوا مرجعًا لأقطاب الأولياء بدلا من الولاة العاديين.
سؤالكم الثالث:
تقولون: ما حكمة تعرض أولئك الأشخاص المباركين للظلم الفجيع الشديد؟
والجواب: كما بينا سابقًا؛ كان في سلطنة الأمويين المعارضين لسيدنا الحسين ثلاثة أسس تؤدي إلى الظلم الشديد.
أحدها: دستور السياسة الظالمة، وهو أن الأشخاص يُضحَّى بهم في سبيل سلامة الحكومة، ودوام الأمن والاستقرار.
ثانيها: كان ملكهم يستند إلى العنصرية والقومية، واتخذوا دستورًا ظالمًا من دساتير القومية أساسًا لهم، وهو: يُضحَّى بكل شيء من أجل سلامة الأمة.
ثالثها: كان عند الأمويين عرق المنافسة تجاه الهاشميين منذ القديم، وهذا ما كان يحمله بعض الأشخاص من أمثال يزيد، فأدى ذلك إلى ظهور ظلمٍ شديد.
وهناك سبب رابع كان لدى أنصار سيدنا الحسين رضي الله عنه؛ وهو أن الأمويين اتخذوا القومية العربية أساسًا لهم ووصفوا الأقوام الآخرين بالممالك، ونظروا إليهم نظرة العبيد، وجرحوا غرورهم القومي؛ لذا فالأقوام الآخرين التحقوا بجماعة سيدنا الحسين بشعور الثأر وبنيةٍ مشوشة، ومَسَّ هذا عصبيةَ الأمويين القومية كثيرًا، وتسبب في تلك الفاجعة المشهورة بظلمٍ فظيع لا رحمة فيه.
61. صفحة
هذه الأسباب الأربعة المذكورة ظاهرية، ولكن إذا نظرنا إلى الأمر من ناحية القدر فسنرى أن النتائج الأخروية والسلطنة الروحانية والترقيات المعنوية الحاصلة بسبب تلك الفاجعة لسيدنا الحسين وأقربائه قيِّمةٌ وعظيمة جدًّا؛ بحيث إن ما عانوه من مشقةٍ وأذى بسبب تلك الفاجعة يكون يسيرًا ورخيصًا جدًّا.
وهذا كالجندي الذي يستشهد تحت تعذيب لمدة ساعةٍ فإنه يبلغ درجةً يكاد لا يحرزها غيره إلا في عشر سنوات، فلو سئل ذلك الجندي بعد استشهاده لقال: إنني كسبت أشياء كثيرة جدًّا بشيء قليل.
فحوى سؤالكم الرابع: إن أكثر الناس سيدخلون الدين الحق بعدما يقتل سيدنا عيسى عليه السلام الدجّالَ في آخر الزمان، بينما جاء في الروايات أن القيامة لا تقوم مادام في الأرض من يقول: الله الله([1])، فكيف يدخلون الكفر جميعًا بعدما آمنوا جميعًا؟
والجواب: إن ضِعَاف الإيمان يستبعدون ما روي في الحديث الصحيح من نزول عيسى عليه السلام، وعمله بالشريعة الإسلامية، وقتله الدجال، فلو وُضِّحت حقيقة ذلك لما بقي أي استبعاد، وذلك كالآتي:
إن ما يفيده ذلك الحديث والأحاديث التي حول السفياني والمهدي هو:
سيتقوى تياران قويان للإلحاد في آخر الزمان؛
التيار الأول: سيتولى شخصٌ رهيب يسمى السفياني أمر أهل النفاق، وسينكر الرسالة الأحمدية -على صاحبها الصلاة والسلام- متسترًا بالنفاق، وسيسعى إلى هدم الشريعة الإسلامية، وسيخرج شخص نوراني من آل البيت يسمى "محمد المهدي" في مقابله، وسيتولى قيادة أهل الولاية والكمال المرتبطين بالسلسلة النورانية لآل البيت النبوي، وسيقضي على تيار النفاق الذي هو الشخص المعنوي للسفياني، وسيبدّده ويشتّته.
أما التيار الثاني: فهو تيارٌ متمرد نمرودي، متولد من فلسفة الطبيعيين والماديين، وهذا التيار سينتشر بمرور الزمان بواسطة الفلسفة المادية ويتقوى في آخر الزمان،
[1])) عن أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: قال: "لا تَقُومُ السَّاعَةُ حتى لا يُقَالَ في الأرض: الله الله"، رواه مسلم برقم 149، والحاكم في مستدركه برقم 8515، وابن حبان في صحيحه برقم 6849، والترمذي في سننه برقم 2207، وأبو عوانة في مسنده برقم 294، وأبو يعلى في مسنده برقم 3526، والإمام أحمد في مسنده برقم 12062 و13104 و13860.
62. صفحة
ويصل به الأمر إلى حد إنكار الألوهية، وكما أن الشخص الهمجي الوحشي الذي لا يعترف بالملِك، ولا يقبَل أن الضباط والجنود الذين في الجيش هم جنوده؛ يمنح كلَّ واحد وكل جندي نوعًا من الملك ولونًا من السلطة والحاكمية؛ كذلك فإن أفراد ذلك التيار الذين ينكرون وجود الله تعالى يمنحون أنفسهم ربوبيةً وكأنهم نماردة صغار.
أما الدجّال الذي هو كبيرهم والذي يتولى إدارتهم وقيادتهم والذي يأتيأأ بخوارق مذهلة رهيبة من قبيل أمور تحضير الأرواح والتنويم المغناطيسي؛ يتجاوز حده وطوره إلى حدٍّ بعيد، ويتصور حكومته الظاهرية الجبّارة نوعًا من الربوبية، ويعلن ألوهيته، ومن المعلوم أن ادعاء الألوهية من قبل إنسانٍ عاجز مغلوب أمام ذبابة واحدة ولا يقدر حتى على إيجاد جناحها؛ هو في منتهى السخافة والسخرية ذات الحماقة!
ففي مثل تلك الفترة وحينما يبدو ذلك التيار قويًّا جدًّا سيظهر دين عيسى u الحقيقي، الذي هو عبارة عن شخصية عيسى u المعنوية، أي: سينزل من سماء الرحمة الإلهية، وستتصفى المسيحية الحاضرة الحالية حيال تلك الحقيقة، وتتخلص من الخرافات والتحريفات، وستتحد مع الحقائق الإسلامية، وستنقلب إلى الإسلام معنىً نوعًا ما، وستقتدي بالقرآن، وستكون تلك الشخصية المعنوية للعيسوية في مقام التابع، والإسلام في مقام المتبوع، وسيجد الدين الحقّ قوةً عظيمةً جبّارةً نتيجة هذا الالتحاق، والنصرانية والإسلام اللذان هُزِمَا عندما كانا على انشقاق واختلاف أمام ذلك التيار الإلحادي سيكتسبان استعدادًا وقوةً للتغلب على ذلك التيار الإلحادي وعلى هدمه نتيجةَ اتحادهما، وسيتولى شخص عيسى u الموجود بجسمه البشري في عالم السماوات قيادةَ تيار هذا الدين الحق، وهذا ما أخبر به المخبر الصادق r استنادًا إلى وعد القدير على كل شيء، وبما أنه r أخبر به فإنه حق، وبما أن القادر على كل شيء قد وعد به فسيفي بما وعد.
أجل؛ إن الحكيم ذا الجلال الذي يرسل الملائكة كل حين من السماوات إلى الأرض، ويجعلهم أحيانًا في صورة إنسان مثلما جعل سيدنا جبريل عليه السلام في صورة دحية رضي الله عنه، ويرسل الروحانيات من عالم الأرواح، ويجعلهم يتمثلون
63. صفحة
بشرًا، بل يرسل حتى أرواح كثير من الأولياء المتوفين إلى الدنيا بأجسادهم المثالية؛ لا يُستبعد عن حكمة ذلكم الحكيم إرسال سيدنا عيسى عليه السلام الحي الموجود في سماء الدنيا بجسده من أجل أهم وأعظم حسن خاتمةٍ خاص بدين عيسى عليه السلام، بل لو كان قد ذهب إلى أقصى عالم الآخرة ومات فعلا فليس ببعيد كذلك عن حكمة ذلكم الحكيم إلباسه جسدًا مرة أخرى وإرساله إلى الدنيا من أجل نتيجةٍ عظيمة كهذه، بل هو سبحانه قد وعد بذلك حسب مقتضى حكمته، وبما أنه قد وعد فإنه سيرسله بلاشك.
ليس من الضروري أن يعرف كل واحد أنه عيسى عليه السلام الحقيقي بعدما نزل، وإنما يعرفه مقرَّبوه وخواصه بنور الإيمان، ولن يعرفه كل واحد بدرجة البداهة.
سؤال: لقد ورد في الروايات أن للدجال جنةً كاذبة يلقي فيها من يتبعه، وله جهنم كاذبة يلقي فيها من لا يتبعه، حتى إنه جعل إحدى أذني دابته كالجنة والأخرى كجهنم، فهل هناك أوصاف بأن ضخامة بدنه كذا وكذا؟
الجواب: إن الشكل الظاهري للدجال كالإنسان، فهو مغرور متفرعن قد نسي الله تعالى؛ لذا فهو شيطانٌ أحمق وإنسان دساس قد أطلق على حاكميته الصورية الجبارة اسم الألوهية، ولكن تيار إلحاده العظيم الذي هو شخصه المعنوي جسيمٌ جدًّا، فما ورد في الروايات من أوصافٍ رهيبة تخص الدجال تشير إلى ذلك، وقد رُسمت يومًا صورة القائد الأعظم لليابان، إحدى قدميه في المحيط الهادئ والأخرى في قلعة بورت آرتور([1])، وهي على بعد عشرة أيام عن الأولى، فرسم هذه الصورة لهذا القائد الياباني الصغير فيه إظهارٌ للشخص المعنوي لجيشه.
أما جنة الدجال الكاذبة فهي اللهويّات والمفاتن الجذابة للمدنية ومغرياتها الساحرة الفتّانة.
أما دابته فهي وسائل نقل كالقطار، حيث يوجد في رأسه موقد النار، فيلقي فيها أحيانًا من لا يتبعونه، وفُرشت إحدى أذني تلك الدابة -أي رأسها الآخر- كالجنة، يُجلِس من يتبعونه هناك، والقطار الذي هو دابة مهمة للمدنية السفيهة الظالمة يأتي بجنةٍ
[1])) ميناء صيني بحري كان فيه قلعة، احتله اليابانيون في الحرب العالمية الأولى.
64. صفحة
كاذبة لأهل السفاهة والدنيا، ولكن لأهل الدين وأهل الإسلام المساكين يأتي بواسطة المدنية -كزبانية جهنم- بأخطار، ويلقيهم تحت الأسر والبؤس والشقاء.
فمع أن الدين الحقيقي للعيسوية على صاحبها السلام بعد ظهوره وانقلابه إلى الإسلام ينشر نوره على أكثر الناس في العالم؛ فإن تيارًا إلحاديًّا ينشأ مرة أخرى عند اقتراب قيام الساعة فيتغلب، فلا يبقى في الأرض من يقول: "الله الله" حسب قاعدة: "الحكم للأكثر"، أي لا يقال: "الله الله" في الأرض في صورة جماعةٍ عامة عظيمة تحرز موقعًا مهما في المجتمع، وإلا فإن أهل الحق الذين يصبحون أقلية، أو يُغلبون فسيبقون حتى قيام الساعة، ولكن ستُقبض أرواح أهل الإيمان أوّلا كأثر الرحمة لهم كي لا يروا أهوال القيامة عند قيامها، وتقوم الساعة على رءوس الكفار.
فحوى سؤالكم الخامس: هل ستتأثر الأرواح الباقية بأحداث الساعة؟
والجواب: نعم؛ ستتأثر حسب درجاتها، كما تتأثر الملائكة تأثرًا خاصًّا بهم في التجليات القهرية، فكما أن الإنسان إذا رأى وهو في مكان دافئ من يرتجفون في الخارج في الثلوج يحزن ويتألم لحالهم بواسطة عقله وضميره؛ فكذلك الأرواح الباقية ذات الشعور والوعي، حيث إن إشارات القرآن تبين أن الأرواح الباقية تتأثر بأحداث الكون العظيمة حسب درجاتها لما لها من علاقة بالكون، وأنها تتأثر بها متألمةً إن كانت من أهل العذاب، وتتأثر بها بالإعجاب والاستغراب، بل بالاستبشار من ناحيةٍ إن كانت من أهل السعادة؛ إذ إن القرآن الحكيم يذكر عجائب الساعة بأسلوب التهديد دومًا، ويقول "لَتَرَوُنَّهَا"، بينما الذين يرونها بجسمٍ إنساني هم من يدركون قيام الساعة، إذن إن الأرواح التي تفسخت أجسادها في القبر هي الأخرى لها حصةٌ من تهديد القرآن.
فحوى سؤالكم السادس:
هل الآية الكريمة ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ﴾ (القصص:88) تشمل الآخرة والجنة والنار وأهلهما، أم لا؟
والجواب: لقد صارت هذه المسألة مدار بحثٍ لدى كثير من أهل التحقيق، وأهل الكشف، وأهل الولاية، فالقول قولهم في هذه المسألة.
65. صفحة
ثم إن هذه الآية لها سعةٌ ومراتب كثيرة، فقد قال أكثر أهل التحقيق: إن هذه الآية لا تشمل عالم البقاء، أما غيرهم فقد قالوا: إن عالم البقاء كذلك يصيبه الهلاك نوعًا ما لمدةٍ قصيرة جدًّا كآنٍ، ويحدث ذلك في مدةٍ قصيرة جدًّا بحيث لا يشعر أنه ذهب إلى الفناء ورجع.
أما الفناء المطلق الذي قال به بعض أهل الكشف ذوو الأفكار المفرطة فليس بحقيقة؛ لأن ذات الله تعالى الأقدس بما أنها سرمديّة وباقية؛ فلاشك أن أسماءه وصفاته هي الأخرى سرمدية وباقية، وبما أن أسماءه وصفاته سرمديةٌ وباقية؛ فلاشك أن أهل البقاء والباقيات الموجودة في عالم البقاء -التي هي مرايا تلك الأسماء والصفات وتجلياتها ونقوشها وموضع ظهورها- لا يمكن أن يذهبوا إلى الفناء المطلق بالضرورة.
لقد وردت إلى الخاطر الآن نقطتان من فيض القرآن الحكيم، فسنكتبهما بإجمال:
إحداهما: إن الحق تعالى قديرٌ مطلق بحيث إن العدم والوجود بالنسبة إلى قدرته وإرادته كمنزلين، يرسل إليهما ويجلب منهما بسهولة جدًّا، إن شاء جلب الأشياء منهما في يوم، وإن شاء في آن واحد.
ثم إن العدم المطلق لا وجود له أصلا؛ لأن هناك علمًا محيطًا، ولا شيء خارج دائرة العلم الإلهي حتى يُلقى فيه، أما العدم الذي ضمن دائرة العلم فهو عدمٌ خارجي، وعنوانٌ صار ستارًا لـ"الوجود العلمي"، حتى إن قسمًا من أهل التحقيق أطلقوا على الموجودات العلمية "أعيانًا ثابتة".
إذن فالذهاب إلى الفناء يعني خلعَ اللباس الخارجي مؤقتًا، والدخولَ في "الوجود المعنوي والعلمي"، أي: إن الهالكين والفانين يتركون الوجود الخارجي، وتدخل ماهيتُهم في الوجود المعنوي، تخرج من "دائرة القدرة" وتدخل في "دائرة العلم".
الأخرى: كما أوضحنا في كثير من "الكلمات"؛ فإن كل شيء فانٍ بـ"المعنى الاسْمِي"، وبالوجه المتوجه إلى نفسه، وليس له وجودٌ مستقل ثابت في ذاته، وليست له حقيقةٌ قائمة بنفسها وحدها، ولكن في الوجه المتوجه إلى الله تعالى، أي: إذا كان بـ"المعنى الحرفي" فليس فانيًا قط؛ لأن الأسماء الباقية تتجلى عليه، وليس معدومًا؛ لأنه
66. صفحة
يحمل ظلَّ وجودٍ سرمدي، إذن فله حقيقةٌ، وهي ثابتةٌ وعالية سامية؛ لأنه ظلٌّ ثابت نوعًا ما لاسمٍ باق يتجلى عليه.
ثم إن ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ﴾ سيفٌ لقطع يد الإنسان عما سوى الله تعالى، فالآية يتوجه حكمها إلى الفانيات في الدنيا ليقطع العلاقات والصلات التي ليست في سبيل الله تعالى والتي مع الأشياء الفانية في الدنيا الفانية، إذن إذا كان الشيء في سبيل الله تعالى، وبالمعنى الحرفي، ولوجه الله تعالى، فلا يدخل فيما سوى الله تعالى حتى يُقطَع رأسه بسيف ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ﴾.
الحاصل: إن كان الشيء في سبيل الله تعالى، ووجَد الله، فلا "غيرَ" حتى يُقطَع رأسه، وإن لم يجد الله تعالى، ولم ينظر لحساب الله تعالى، فكل شيء "غير"، فعند ذلك يجب استخدام سيف ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ﴾ وتمزيق الستار حتى يجد اللهَ سبحانه.
الباقي هو الباقي


