المكتوب الرابع
التنقل
17. صفحة
المكتوب الرابع
باسمه سبحانه
وَإِنْ مِن شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
سلام الله ورحمته وبركاته عليكم وعلى إخوانكم لاسيما... إلخ
إخواني الأعزاء،
أنا الآن في منزلٍ فوق شجرة صنوبر عالية على تلٍّ عال في جبل "جام"، وقد استوحشت من الإنس، واستأنست بالوحوش، وعندما أرغب في مجاذبة أطراف الحديث مع الناس أجدكم بقربي عن طريق الخيال وأكاشفكم همي وشكواي، فأجد السلوان بكم، فأنا أريد أن أبقى هنا وحيدًا منفردًا مدة شهرٍ أو شهرين إن لم يكن هناك مانع، وإذا رجعت إلى "بارلا"، فسنبحث -كما ترغبون- عن وسيلة للمجالسة والمؤانسة التي اشتقتُ إليها أكثر منكم.
أما الآن؛ فأكتب بعض الخواطر التي وردت إلى الخاطر فوق شجرة الصنوبر هذه:
أولاها: وهي سرٌّ خاص بي إلى حد ما، ولكن لا يُكتم عنك(1) سرٌّ، وهو:
كما أن بعضًا من أهل الحقيقة يتجلى عليهم اسم الله "الودود"، فينظرون إلى واجب الوجود من خلال نافذة الموجودات بتجلي هذا الاسم في أعظم مرتبةٍ؛ فكذلك قد مُنحت لأخيكم هذا الذي هو لا شيء في لا شيء حالٌ جعلته يحظى باسم "الرحيم" و"الحكيم" عندما يُستخدم في خدمة القرآن وحدها، وحينما يكون داعيًا ومناديًا إلى ذلك الكنز الذي لا ينفد، فجميع "الكلمات([1])" تجليات ذلك التجلي، ونرجو من الله تعالى أن تحظى بسرّ ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (البقرة:269).
ثانيتها: لقد وردت إلى الخاطر فجأةً الفقرةُ اللطيفة التي تقال في الطريقة النقشبندية([2]) وهي:
در طريق نقشبندی لازم آمد چار ترك:
ترك دنيا، ترك عقبى، ترك هستي، ترك ترك.([3])
وطلعت هذه الفقرة فجأة مع تلك الفقرة وهي:
(1) المخاطب هنا أحد تلامذة الأستاذ ويُدعى خلوصي.
[1])) أي: رسائل النور.
[2])) طريقة صوفية مشهورة.
[3])) أي يجب ترك أربعة أمور في الطريقة النقشبندية وهي: ترك الدنيا، وترك الآخرة، وترك النفس وتَرك التَّرْك.
18. صفحة
در طريق عجزمندي لازم آمد چار چيز:
فقر مطلق، عجز مطلق، شكر مطلق، شوق مطلق أي عزيز([1]).
ثم تذكرت الشعر الذي كتبته أنت :
"انظر إلى الصفحة الملونة لكتاب الكون"...إلخ.
وهو شعرٌ زاهٍ لطيف في الوصف، غني بالمعاني، فنظرت بهذا الشعر إلى النجوم التي في وجه السماء، فقلت: ليتني كنت شاعرًا فأكمل هذا الشعر! ومع أنه ليس عندي موهبة الشعر والنظم فإني بدأت مرة أخرى، غير أني لم أستطع النظمَ والشعر، فكتبت كما ورد إلى الخاطر، وإن أردت أنت -كوارثٍ لي- فحوِّله إلى النظم وانظمه، والذي ورد إلى الخاطر فجأةً هو:
استمع إلى النجوم إلى خطبتها اللطيفة،
وانظر كيف أن الحكمة قد نظَمت تلك النجوم المنوَّرة.
بدأن ينطقن جميعًا بلسان الحق فيقلن:
كل واحدة منَّا برهان نير لعظمة سلطنة القدير ذي الجلال،
وشاهد على وجود الصانع وعلى الوحدة والقدرة.
ونحن للسماء آلاف العيون المدقِّقة الناظرة إلى الأرض([2]) والمدققة في الجنة،
[1])) أي يجب في طريق العجز أيها الأخ العزيز أربعة أمور وهي: الفقر المطلق، والعجز المطلق، والشكر المطلق، والشوق المطلق.
[2])) أي كما أن الملائكة الموجودة في عالم السماوات تشاهد معجزات القدرة وخوارقها المعروضة على وجه الأرض الذي هو مشتل ومزرعة صغيرة لأزهار الجنة؛ كذلك فالنجوم التي هي بمنزلة عيون للأجرام السماوية كأنها هي الأخرى تنظر -كما تنظر الملائكة- إلى عالم الجنة كلما رأت وشاهدت المصنوعات اللطيفة على وجه الأرض، فتنظر تارة إلى الأرض وتارة إلى الجنة، وكأنها تشاهد تلك الخوارق المؤقتة في صورة باقية في الجنة، وهذا يعني أن لها إشرافًا على كلا العالَمَين. (المؤلف).
19. صفحة
لتشاهد الملائكةُ المعجزاتِ اللطيفة المزيِّنةَ لوجهِ هذه الأرض.
نحن ثمراتٌ في غاية الجمال من طوبى الخلقةِ،
معلَّقةٌ بِيَدِ حكمةٍ لجميلٍ ذي جلالٍ على شِقِّ السماوات، وعلى أغصان درب التبّانة.
نحن طائرات لأهل السماوات، ومساجد سيارة،
ومساكن دوَّارة، وبيوت عالية، ومصابيح نيِّرة وسفن جبارة.
ونحن عوالم نور لقدير ذي كمال، وحكيم ذي جلال،
ومعجزةُ قدرةٍ، وخارقةُ صنعةٍ تليق بالخالق، ونادرةُ حكمةٍ، وإبداع خِلقة.
هكذا نُظهر مائة ألف برهان بمائة ألف لسان، ونُسمِعُ الإنسان الذي هو إنسان حقًّا.
عَمِيَت عين الملحد، أصبح لا يرى وجهنا، ولا يسمع كلامنا، فنحن آيات ناطقة بالحق.
سِكَّتنا([1]) واحدة، وطرَّتُنا واحدة، مسخَّرات لربنا مسبِّحات، نذكره بعبودية،
ونحن مجذوبات منسوبات إلى حلقة درب التبانة الكبرى.
الباقي هو الباقي
سعيد النورسي
[1])) السكة: حديدة تضرب عليها النقود، والمراد هنا علامة مخصوصة، والطرّة: هي الطغراء أو العلامة.


