المكتوب السابع
التنقل
26. صفحة
المكتوب السابع
باسمه
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
إخواني الأعزاء، لقد قلتم للحافظ توفيق الشامي أمرين كي يخبرني بهما:
أولهما: إن أهل الضلالة في هذا الزمان يجدون في زواج الرسول r بزينب رضي الله عنها محل انتقاد مثل المنافقين في الماضي، ويظنون أنه حصل بدافعٍ نفساني وشهواني؟
الجواب: حاشاه وكلا ألف ألف مرة! أنَّى ليد تلك الشبهات الدنيئة الوضيعة أن تمسّ إزاره الطاهرr!
أجل؛ إن الرسول r الذي التزم كمال العفة وتمام العصمة باتفاق الأصدقاء والأعداء في وقت هيجان الحرارة الغريزية وثورتها، وحين التهاب النوازع النفسية، منذ الخامسة عشرة حتى الأربعين من عمره، واكتفى بامرأة واحدةٍ شبه عجوزٍ مثل خديجة الكبرى -رضي الله عنها- وقنع بها، أقول إن كثرة زواج ذلكم الشخص العظيم الرسول r بعد الأربعين، أي: في وقت توقف الحرارة الغريزية وحين سكون النوازع النفسية لحجةٌ؛ تثبت بالبداهة وبالضرورة لمن له ذرة من إنصاف أنها ليست نفسانيّةً، بل هي تستند إلى حِكمٍ مهمة أخرى.
وإحدى تلك الحِكم هي أن أفعال صاحب الرسالة r وأحواله وأطواره وحركاته أيضًا منابع للدين والشريعة، ومصادر للأحكام مثل أقواله، فكما أن الصحابة حَمَلَةٌ للشِّق الظاهري منها؛ فإن أزواجه الطاهرات هن راويات وحاملات لأسرار الدين وأحكام الشريعة التي تنشأ عن أحواله المخفية في الدائرة الخاصة به صلى الله عليه وسلم، ولقد أدّين تلك الوظيفة حق الأداء بالفعل، حيث إن ما يقرب من نصف أسرار الدين وأحكامه
27. صفحة
لربما تأتي عن طريقهن، إذن لابد لهذه المهمة العظيمة من زوجاتٍ طاهرات كثيرات ومختلفات في المشارب والطبائع والخلقة.
أما عن زواجه صلى الله عليه وسلم بزينب رضي الله عنها؛ فقد كُتب حول الآية الكريمة ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب:40) التي هي أحد أمثلة "الشعاع الثالث" من "الشعلة الأولى" لـ"الكلمة الخامسة والعشرين" ما يلي:
إن الآية الواحدة تفيد معاني متعددة مختلفة بوجوه متعددة حسب فهم كل طبقة من طبقات الناس، فحصة فهم إحدى الطبقات من هذه الآية هي:
إن زيدًا t وهو خادم الرسول الأكرم -عليه الصلاة والسلام- وقد تشرف بخطابه له بـ "يا بني" لم يجد نفسه كفئًا معنىً لزوجته العزيزة النفس الأبية، وقد طلّقها كما ورد في الروايات الصحيحة بناء على اعترافه t، أي إن زينب -رضي الله عنها- خلقت على أخلاق أخرى عالية سامية، فأحس زيد رضي الله عنه بفراسته بأنها على فطرة تستحق أن تكون معها زوجة لنبي، فلم ير نفسه على فطرةٍ يليق أن يكون معها زوجًا لها، فطلقها لما كان ذلك يتسبب في عدم الانسجام المعنوي بينهما، فتزوجها الرسول الأكرم -عليه الصلاة والسلام- بأمر من الله تعالى، فهذا النكاح تم بمحض حُكْم القدر بصورةٍ خارقة للعادة وفوق العرف والمعاملات الظاهرية كما تدل الآية ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ (الأحزاب:37) بإشارتها على أنه عقد سماوي، فالرسول الأكرم -عليه الصلاة والسلام- انقاد لحكم القدر، واضطُرَّ له، ولم يكن برغبة من نفسه.
إن خطاب الكبار للصغار بـ"يا بني" في هذا الحكم القدري بإشارة الآية الكريمة ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ (الأحزاب:37) التي تتضمن حكمًا شرعيًّا مهمًّا، وحكمة عامة مهمة، ومصلحة عامة شاملة؛ ليس حرامًا كمسألة الظهار -أي مثلما يكون حرامًا إذا قال الرجل لزوجته أنت علي كظهر أمي- حتى تتغير به الأحكام.
ثم إن خطاب الكبار لرعاياهم والأنبياء لأممهم ونظرهم إليهم بنظرة الأبوة وخطابها إنما هو باعتبار وظيفة الرسالة، وليس باعتبار الشخصية الإنسانية ذلك الاعتبار الذي يجعل الزواج منهم غير مناسب.
28. صفحة
وحصة طبقةٍ ثانية من الفهم هي:
إن حاكمًا عظيمًا ينظر إلى رعيته بشفقة وعطف كشفقة الأبوة وعطفها، فإن كان ملكًا روحانيًّا ظاهرًا باطنًا فإن شفقته تفوق شفقة الأب مائة مرة، فأفراد رعيته ينظرون إليه بنظر الأب وكأنهم أولاده الحقيقيون، وحيث إن نظر الأب لا يمكن أن ينقلب إلى نظر الزوج، ولا يتحول نظر البنت إلى نظر الزوجة بسهولة؛ فكان زواج النبي صلى الله عليه سلم من بنات المؤمنين في أفكار العامة حسب هذا السر لا يناسب؛ لذا يقول القرآن الكريم دفعًا لذلك الوهم:
إن النبي يشفق ويعطف عليكم ويعاملكم معاملة الأب باسم الرحمة الإلهية، فأنتم مثل أولاده من حيث رسالته، ولكنه ليس أباكم من حيث الشخصية الإنسانية حتى لا يناسب زواجه منكم، فهو إذا خاطبكم بـ"يا بني" فلا يمكن أن تكونوا أولاده حسب أحكام الشريعة.
الباقي هو الباقي
س.ع


