المكتوب السابع عشر

84. صفحة

مرة أخرى بعد ذلك، وقد جعلنا إحدى الغرف في الثكنة مسجدًا، وكنت الإمام، ولم يتدخلوا أبدًا، ولم يمنعونا من مخالطة الناس، ولم يمنعوني من الاتصال بأهل بلدتي، ولكن أصدقائي هؤلاء وإخواني في الوطن والدين في الظاهر ومن كنت أسعى لنفعهم في الإيمان؛ وضعوني تحت الأسر بلا سبب طوال ست سنوات وليس ثلاث سنوات، على الرغم من أنهم يعلمون أني قطعت علاقتي بالسياسة والدنيا، ومنعوني من مخالطة الناس، ومن إلقاء الدرس، بل منعوني من إلقاء الدروس الخاصة في غرفتي مع أن لي شهادة في هذا الشأن، ومنعوا أيضًا من الاتصال بالناس، بل منعوني من الإمامة في المسجد الذي رممته وأممت الجماعة طوال أربع سنوات فيه مع أن لي شهادة الإمامة، والآن لا يريدون أن أؤم ثلاثة أشخاص هم إخواني في الآخرة الذين هم جماعتي الدائمة ليحرموني من ثواب الجماعة، فلو قال لي أحدهم إنك صالح على الرغم من أنني لا أحب ذلك، فإن الموظف المكلف بمراقبتي يغضب علي حسدًا، ويقوم باتخاذ تدابير ظالمة لكسر نفوذي وللحط من شأني، ويزعجني حتى يحصل على مدح آمريه وثنائهم.

  فهل يلجأ رجل وهو في هذا الوضع إلى غير الله تعالى؟ فلو أصبح القاضي مدعيًا فلا يشتكى إليه، فقل لي بربك ماذا نسمي هذا الحال، فقل أنت ما تريد، أما أنا فأقول:

إن هناك منافقين بين أصدقائي، والمنافق أشد خطرًا من الكافر، ومن ثم يجرعونني من العذاب ما لم يجرعني إياه الروس الكفار.

أيها الأشقياء، ماذا فعلت بكم، وماذا أفعل، إنما أنا أسعى لإنقاذ إيمانكم ولسعادتكم الأبدية، ولكن يبدو أن سعيي لم يكن خالصًا لله تعالى؛ إذ يحصل عكس العمل، وأنتم مقابل ذلك تؤذونني في كل فرصة، فلاريب أننا سنلتقي في المحكمة الكبرى, وأنا أقول: حسبنا الله ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير.

الباقي هو الباقي

 

 

لقد كتب "المكتوب السابع عشر" باسم "عزاء بالطفل" كذيل للمعة الخامسة والعشرين، وأدرج في كتاب "اللمعات"، ولم يدرج في هذا الكتاب.