المكتوب السادس
التنقل
22. صفحة
المكتوب السادس
باسمه
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
سلام الله ورحمته وبركاته عليكما وعلى إخوانكما مادام الملوان([1])، وتعاقب العصران([2])، ومادام القمران([3])، واستقبل الفرقدان([4]).
أخوَيّ المجدَّيْن، وصديقَيَّ الشهمَيْن، ومبعث سلواني في دار الغربة الدنيا:
بما أن الله تعالى جعلكما مشاركين لي في المعاني التي أنعمها على فكري؛ فلاريب أنه من حقكما أن تشاركاني في مشاعري، وسأقص عليكما بعضًا مما كنت أعانيه من ألم الفراق في غربتي هذه، إلا أني سأتجاوز وأترك الجزء الأكثر إيلامًا حتى لا أجعلكما تحزنان وتتألمان كثيرًا، وهو:
لقد بقيت وحيدًا منذ ما يقرب من ثلاثة أشهر، فلا يأتيني ضيفٌ في بعض الأحيان إلا مرة في كل خمسة عشر يومًا أو عشرين يومًا، أما في الأوقات الأخرى فأنا وحيد، ثم إن أهل الجبل أيضًا لم يعودوا بقربي منذ ما يقرب من عشرين يومًا، فلقد تفرقوا.
وفي هذه الجبال الغريبة، في وقت الليل لا صوت ولا صدى إلا حفيف الأشجار الحزين، فقد رأيت أني في خمسة ألوانٍ متداخلة من الغربة؛
أولها: بقيت وحيدًا غريبًا -بسر الشيخوخة- عن معظم أقراني وأحبابي وأقاربي، وشعرت بغربةٍ حزينة ناشئة عن تركهم وفراقهم لي ورحيلهم إلى عالم البرزخ.
ثانيها: وانفتحت في هذه الغربة دائرة غربة أخرى، وهي أنني أحسست بغربةٍ ذات فراق نشأت عن ترك أكثر الموجودات -التي كنت ذا صلة وعلاقة بها- لي، ورحيلهم كالربيع الماضي.
[1])) الملوان: الليل والنهار.
[2])) العصران: الغداة والعشي.
[3])) القمران: الشمس والقمر.
[4])) الفرقدان: نجمان في السماء.
23. صفحة
ثالثها: وانفتحت ضمن هذه الغربة دائرة غربةٍ أخرى، وهي أني شعرت بغربةٍ ذات فراق تولدت عن كوني غريبًا عن بلدتي وأقاربي، وكوني بقيت وحيدًا.
رابعها: ومن خلال هذه الغربة قد أشعرتني الحال الغريبة المحزنة للّيل والجبال بغربةٍ أخرى رقيقة حزينة.
خامسها: ومن هذه الغربة رأيت روحي المستعدة للرحيل إلى أبد الآباد عن هذا المضيف الفاني في غربةٍ لا ميثل لها، فقلت فجأة: سبحان الله! كيف يمكن تحمل هذه الأنواع من الغربة والظلام؟! وحينما كنت أفكر هكذا صرخ قلبي مستغيثًا:
يارب غريبم بي كسم ناتوانم عليلم عاجزم اختيارم
بي اختيارم الأمان كويم عفو جويم مددخاهم زدركاهت إلهي
يا رب! أنا غريب، أنا وحيد، وضعيف، لا قدرة لي ولا طاقة، وعليل، وعاجز، وشيخ،
لا اختيار ولا إرادة لي، أستجيرك وأطلب الأمان والاطمئنان، أرجو العفو، أسأل الغوث والقوة من بابك يا إلهي.
فإذا بنور الإيمان وفيض القرآن ولطف الرحمن يلحقني، فيحول تلك الأنواع الخمسة من الغربة المظلمة إلى خمس دوائر من الأنس النوراني، فنطق لساني ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ﴾ (آل عمران:173) وتلا قلبي آية ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (التوبة:129)، فخاطب عقلي نفسي التي تستصرخ لألمها وفزعها:
دع الصراخ والعويل([1]) من البلية([2]) أيها المسكين، وتعال وتوكل،
إذ الصراخ والعويل خطأ، وهو بلاء آخر في البلاء الأصلي، فاعلم.
إن وجدتَ من ابتلاك؛ لمست عطاء في الصفاء والهناء اللذين في البلاء، فاعلم.
دع الصراخ والعويل، واشكر مثل البلبل، تبتسم الورود دومًا من فرحه،
وإن لم تجده فالدنيا كلها عناء في فناء في هباء، فاعلم!
لِمَ تصرخ من بلاء صغير، وعلى رأسك بلاء ملء الدنيا، فتعال توكل!
[1])) العويل: رفع الصوت بالبكاء.
[2])) البلية: المصيبة.
24. صفحة
فابتسم في وجه البلاء بالتوكُّل حتى يبتسم؛
فيتصاغر كلما ابتسمت ويتبدل.
وقلت كذلك مثلما قال أحد شيوخي مولانا جلال الدين الرومي([1]) مخاطبًا نفسه:
او كفت: ألست، تو كفتي: بلا، شكر بلا جيست؟ كشيدن بلا سر بلا جيست..
يعني كه (منم حلقه زن دركه فقر وفنا) ([2])
فقالت نفسي عندئذ: أجل؛ أجل؛ بالعجز والتوكل، وبالفقر والالتجاء إلى الله تعالى يُفتح باب النور، وتتبدد الظلمات، والحمد لله على نور الإيمان والإسلام.
ورأيت الفقرة التالية من الحكم العطائية المشهورة([3])، ورأيت كم هي حقيقة عالية، وهي:
"ماذا وجد من فقده وماذا فقد من وجده"؟!.
أي: من وجد الله تعالى وجد كل شيء، ومن لم يجده لم يجد أي شيء، وحتى لو وجد فلا يجد إلا البلاء والمصيبة.
[1])) جلال الدين الرومي (604- 672هـ 1207- 1273م) محمد بن محمد بن الحسين بن أحمد البلخي القونوي الرومي، جلال الدين: عالم بفقه الحنفية والخلاف وأنواع العلوم، ثم متصوف وصاحب "المثنوي" المشهور بالفارسية، وصاحب الطريقة "المولوية" المنسوبة إليه، ولد في بلخ بفارس وانتقل مع أبيه إلى بغداد، في الرابعة من عمره، فترعرع بها في المدرسة المستنصرية حيث نزل أبوه، ولم تطل إقامته فإن أباه قام برحلة واسعة ومكث في بعض البلدان مددا طويلة، وهو معه، ثم استقر في مدينة قونية بتركيا سنة 623 هـ، وعرف جلال الدين بالبراعة في الفقه وغيره من العلوم الإسلامية، فتولى التدريس بقونية في أربع مدارس، بعد وفاة أبيه سنة 628هـ، ثم ترك التدريس والتصنيف والدنيا، وتصوف.
[2])) يعني: عندما قال الله سبحانه: ألست بربكم؟ قلت: بلى، ولكن أين قول "بلى" من الشكر والامتنان؛ إذ إن هذا القول منبع الحزن والمعاناة، هل تدري ما سر الحزن والمعاناة؟ إنه طرق باب الفقر والفناء في الله تعالى.
[3])) لابن عطاء الله السكندري المتوفي سنة 709 هـ 1309م، وهو أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن عطاء الله الشيخ العارف تاج الدين أبو الفضل الإسكندري، كان رجلاً صالحاً يتكلم على كرسي في الجامع بكلام حسن، وله ذوق ومعرفة بكلام الصوفية وآثار السلف، وله عبارة عذبة لها وقع في القلوب، وكانت له مشاركة في الفضائل، وكان تلميذاً لأبي العباس المرسي صاحب الشاذلي، له حكم مشهورة في التصوف معروفة بالحكم العطائية وهي التي عليها الكلام.
25. صفحة
وفهمت سر الحديث الشريف "طوبى للغرباء([1])"وشكرت الله تعالى.
فيا إخواني، مع أن هذه الأنواع من الغربة المظلمة تنورت بنور الإيمان؛ فإنها أجرت حكمها فيّ إلى حدٍّ ما، وأعطتني هذا الفكرة:
"بما أني غريب، وأني في الغربة، وسأمضي إلى ديار الغربة، فيا ترى هل انتهت وظيفتي في هذا المضيف"؟ حتى وردت إلى خاطري هذه الفكرة: "حتى أوكّلكم وأوكل "الكلمات" عني، وقطعت وشائج علاقاتي كليًّا مع الدنيا"، ومن أجل ذلك كنت قد سألتكم: فيا ترى هل هذه "الكلمات" المؤلَّفة كافية؟ وهل فيها نقص؟ أي: هل انتهت وظيفتي؟ حتى ألقي بنفسي براحة القلب في غربةٍ حقيقية منوَّرة لذيذة ممتعة، فأنسى الدنيا، وأقول مثلما قال مولانا جلال الدين:
داني سماع جبود بي خود شدن.. زهستي اندر فناي مطلق ذوق بقا جشيدن([2])
وأبحث عن غربة ساميةٍ، وكنت أوجع رءوسكم بمثل هذه الأسئلة.
الباقي هو الباقي
س.ع
[1])) جزء من حديث رواه أبو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: بَدَأَ الإِسْلامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كما بَدَأَ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ، رواه مسلم برقم 145، وابن ماجة برقم 3986، والترمذي برقم2630، 1119، وغيرهم.
[2])) أي: هل تدري ما السماع؟ إنه التَّوَلّي عن الموجودات والفناء عن الوجود، وتذوّقُ البقاء في الفناء المطلق.


