المكتوب السادس عشر
التنقل
67. صفحة
المكتوب السادس عشر
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾(آل عمران:173)
هذا المكتوب نال سر ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾(طه:44) ولم يكتب بلهجة شديدة.
جواب على سؤال يسأله الكثيرون صراحة وضمنًا
لا يطيب لي أن أقدم هذا الجواب ولا أرغب فيه، وقد كنت علقت كل أمر من أموري على التوكل على الله تعالى، ولما لم يتركوني وشأني لأرتاح في عالمي، بل كانوا يصرفون وجهي إلى الدنيا؛ فإني أضطر إلى بيان "خمس نقاط" بلسان سعيد القديم وليس بلسان سعيد الجديد، لإنقاذي أصدقائي وكلامي من أوهام أهل الدنيا وأذاهم، وليس من أجل نفسي، ولأوضح حقيقة الأمر لأصدقائي ولأهل الدنيا وأهل الحكم.
النقطة الأولى: لقد قيل: لم انسحبت من السياسة، ولا تقترب منها قطّ؟
والجواب: لقد خاض سعيد القديم غمار السياسة شيئًا ما قبل ما يقرب من عشر سنوات، لعله يخدم الدين والعلم عن طريق السياسة ولكنه تعب فلا فائدة، ورأى أن ذلك الطريق مشكوك فيه وذو مشكلات، ولا جدوى منها، وذو مخاطر، ومانع للخدمة الأهم، وقد يكون الكثيرون بالكذب ومن دون شعور منهم أداةً لأيد أجنبية.
ثم إن الذي يخوض غمار السياسة يكون موافقًا لسياسة الدولة أو معارضًا لها، فإن وافقتُ فإن الاشتغال بالسياسة أمر لا يعنيني بشيء وعبث بالنسبة لي؛ لأني لست موظفًا في الدولة ولست نائبًا في مجلسها، ولا حاجة إليّ فيها، إذن فلم أتدخل فيها من دون جدوى، وإن كنتُ معارضًا فإني سأخوض في السياسة بالفكر أو بالقوة، فإن كان الاشتغال بالفكر فليست هناك حاجة إلي؛ لأن المسائل واضحة، والكل يعلمها مثلي، ولا معنى للثرثرة العبثية، وإن عارضت بالقوة ومن أجل إحداث المشكلات فقد أرتكب آلاف الآثام من أجل غاية مشكوك فيها, وقد يقع الكثيرون في مصائب وبلايا بسبب
68. صفحة
شخص واحد، وقد ترك سعيد القديم التدخين وقراءة الجرائد والسياسة وأحاديثها الدنيوية؛ لأن ضميره لم يرضَ بارتكاب الآثام وإلقاء الأبرياء فيها باحتمال أو احتمالين من بين عشرة احتمالات.
والشاهد القاطع على هذا هو: أنني منذ ثماني سنوات ابتداء من ذلك الوقت لم أقرأ جريدة ولم أستمع إليها من أحد أبدًا، ليدّع أحدهم أني قرأت أو استمعت، مع أن سعيدًا القديم كان يقرأ قبل ثماني سنوات ثماني جرائد في اليوم الواحد.
ثم إني مراقب مراقبة شديدة منذ خمس سنوات، فليعلن أحد أنه قد ظهر من أحوالي ما ينم عن أنني أشتغل بالسياسة، مع أن رجلا عصبيًّا مثلي، يرى أكبر الحيلة في ترك الحيلة حسب دستور "إنما الحيلة في ترك الحيلة"، ولا يخاف من أي شيء ولا علاقة له مع أي أحد؛ لا يخفى فكره على أحد ثمانية أيام وليس ثماني سنوات، ولو كانت له رغبة في السياسة وطمع فيها لما ترك حاجة إلى التحريات والتحقيقات، بل دوى صداه كالمدفع.
النقطة الثانية: لم يجتنب سعيد الجديد السياسة اجتنابًا شديدًا إلى هذا الحدّ؟
الجواب: إنه يجتنب السياسة بشدة من أجل خدمة القرآن والإيمان التي هي أهم وأوجب وأنقى خدمة وأحقها حتى لا يضحي بسعيه وفوزه بالحياة الأخروية التي هي أطول من بلايين السنين من أجل بضع سنوات من الحياة الدنيوية المشكوك فيها بالتدخل بصورة فضولية وغير ضرورية؛ لأنه يقول: "إنني أشيخ، ولا أدري كم سنة سأعيش بعد هذا، إذن فالأولى لي السعي للحياة الأخروية؛ إذ إن أول وسيلة الفوز بالحياة الأبدية ومفتاح السعادة الأبدية هو الإيمان؛ فلابد إذن من السعي من أجله، وإني أريد أن أخدم الناس بالعلم؛ لأني مكلف بالدعوة شرعًا، ولكن هذه الخدمة يعود نفعها إلى الحياة الاجتماعية والدنيوية، وهذا ما لا أقدر عليه، والقيام بالدعوة في زمن عاصف صعب وعسير جدًّا؛ لذا فقد تركت تلك الناحية، وفضلت عليها الخدمة من أجل الإيمان التي هي أهم وأوجب وأسلم خدمة، فأنا أترك باب استفادة الناس من الحقائق القرآنية التي كسبتها لنفسي، وانتفاعهم من الأدوية المعنوية التي جربتها في نفسي؛ مفتوحًا، لعل الله سبحانه وتعالى يقبل هذه الخدمة والدعوة، ويجعلها كفارة لذنوبي وآثامي السابقة.
69. صفحة
ولا يحق لأحد مؤمنًا كان أو كافرًا أو صديقًا أو زنديقًا أن يعترض على هذه الخدمة غير الشيطان الرجيم؛ لأن عدم الإيمان لا يشبه شيئًا آخر، ويمكن أن توجد في الظلم والفسق والكبائر لذة شيطانية منحوسة، ولكن عدم الإيمان ليس فيه أي لذة، بل هو ألم في ألم، وظلمات في ظلمات، وعذاب في عذاب. هكذا فإن ترك السعي لحياة أبدية غير محدودة وترك الخدمة لنور الإيمان القدسي، والخوض في الألاعيب السياسية الخطيرة غير الضرورية في وقت الشيخوخة، كم هو مخالف للعقل والحكمة، وكم هو بلاهة لرجل مثلي لا علاقة له بالدنيا ويعيش منفرداً، ومضطر إلى البحث عما يكفر عن سيئاته السابقة، حتى المجانين يستطيعون أن يفهموا ذلك.
أما إذا قلت كيف يمنعك خدمة القرآن والإيمان عن السياسة، فإني أقول:
إن حقائق القرآن والإيمان كل واحدة منها كالألماس، فلو كنت أشتغل بالسياسة لفكر العوام الذين يمكن إغفالهم في الألماس التي في يدي: أليست هذه الألماسات دعاية سياسية لكسب المؤيدين؟ وربما ينظرون إلى تلك الألماسات نظرتهم إلى قطع زجاجية تافهة، فأكون عندئذ قد ظلمت تلك الألماسات وأبخس قيمتها إذا احتككت بالسياسة.
فيا أهل الدنيا، بعد هذا كله لم تزعجونني وشأني، ولا تدعونني وحالي.
وإذا قلتم: إن بعض الشيوخ الصوفيين يتدخلون في أمورنا، والناس يسمونك شيخًا أحيانًا، أقول:
إنني لست شيخًا صوفيًّا، وإنما عالم ديني، والدليل على ذلك، إنني هنا منذ أربع سنوات، فلو كنت أعلّم أحدًا الطريقة لكان لكم أن تشكّوا، بل قلت لكل من أتاني: لابد من الإيمان والإسلام، والزمن ليس زمن الطريقة.
وإذا قلتم: الناس يسمونك بسعيد الكردي، وربما تحمل فكر العنصرية والقومية، وهذا لا يعجبنا.
فأقول: أيها السادة، كل ما كتبه سعيد القديم وسعيد الجديد بين أيدي الجميع، وأشهدكم أني نظرت إلى القومية والعنصرية السلبية منذ زمن قديم حسب الحكم النبوي
70. صفحة
القاطع "إنّ الإسْلامَ يَجُبّ مَا كَانَ قَبْلَهُ" على أنها سم قاتل، لأنها مرض أروبي، وقد ألقت أوربا هذا المرض بين المسلمين، حتى تفرقهم وتمزقهم، وتبتلعهم، ويعلم تلاميذي وكل من له صلة بي أني عملت على معالجة هذا المرض الأروبي منذ زمن قديم.
وبما أن الأمر كذلك، فيا أيها السادة، يا ترى ما السبب في الاحتجاج بكل حادثة والتضييق عليّ؟
ما هو المسوغ في التضييق علي في كل حادثة دنيوية، الذي يشبه إرهاق جندي في الغرب لكونه جنديًّا ومعاقبته بسبب خطأ ارتكبه جندي في الشرق، أو سجن حانوتي في بغداد لكونه حانوتيًّا بجريرة حانوتي في إسطنبول؟ أي ضمير يقرّ بهذا، وأية مصلحة تقتضيه؟
النقطة الثالثة: يتساءل أحبابي الذين يفكرون في حالي وراحتي ويستغربون من صبري على كل مصيبة ويتعجبون من صمتي، سؤالا وهو: كيف تتحمل المشاق والضيق الذي يحل بك؟ وقد كنت في الماضي شديد الغضب وصاحب نخوة وعزة، وما كنت تتحمل أدنى إهانة؟
الجواب: استمعوا إلى حادثتين وحكايتين قصيرتين، ودونكم الإجابة فيهما عن سؤالكم.
القصة الأولى: لقد تفوه علي قبل سنتين مدير بلا سبب بكلمات ملؤها الإهانة والازدراء في غيابي، ثم أخبروني بذلك، تألمت ما يقرب من ساعة بأحاسيس سعيد القديم، ثم برحمة الله تعالى خطر بقلبي هذه الحقيقة، وأزال الضيق، وجعلني أسامحه، وتلك الحقيقة هي:
قلت لنفسي، إن كانت إهانته لي وما ذكره من نقائص تخصني وتخص نفسي، فجزاه الله خيرًا؛ إذ أخبرني بعيوب نفسي، فإن كان صادقًا فإنه يسوقني إلى تربية نفسي وتزكيتها ويعينني على التخلص من الغرور، وإن كان كاذبًا، فهو يعاونني على التخلص من الرياء ومن الشهرة الكاذبة التي هي أساس الرياء.
أجل؛ إنني لم أتصالح مع نفسي؛ لأنني لم أؤدبها ولم أزكّها، فإذا نبهني أحد بوجود عقرب على رقبتي أو على صدري فعلي أن أشكره لا أمتعض عنه.
71. صفحة
وإذا كانت إهانة ذلك الشخص تخص كوني خادمًا للإيمان والقرآن، فتلك لا تعود لي، وأفوض أمره إلى صاحب القرآن الذي يستخدمني، فهو عزيز حكيم، وإذا كانت إهانته من أجل سبي وتحقيري والحط من شأني، فذلك أيضًا لا يعود لي.
إنني منفي وأسير وغريب ومكتوف اليدين في هذا البلد؛ لذا فالدفاع عن كرامتي لا يعود إلي، بل يعود أولا إلى من يحكم هذه القرية التي تراقبني ثم إلى من يحكم هذا المركز وهذه المحافظة التي أنا ضيف فيها، وإن إهانة أسير إنما تتوجه إلى صاحبه، فهو الذي يدافع عنه.
ولما كانت الحقيقة هي هذه، فاطمأن قلبي إليها، وقلت: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللهِ إِنَّ اللهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾(غافر:44)، واعتبرت هذه الحادثة وكأنها لم تحدث، ونسيتها، ولكن مع الأسف تبين لي في ما بعد أن القرآن لم يسامحه.
الحكاية الثانية: لقد سمعت بحادثة حدثت في هذه السنة، وبعد وقوع هذه الحادثة عوملت وكأنني وثيق الصلة بها مع أنني سمعت بها إجمالا فحسب، وما كنت أراسل أحدًا أصلا، ولم أكن أكتب رسالة إلا نادرًا إلى صديق حول مسألة إيمانية، حتى إنني لم أكتب إلى شقيقي إلا رسالة واحدة خلال أربع سنوات، وكنت أمنع نفسي من الاحتكاك بالآخرين ومخالطتهم، وكذلك أهل الدنيا يمنعونني من ذلك، وما كنت أستطيع أن أقابل إلا صديقًا أو صديقين مرة واحدة في الأسبوع، أما الضيوف الذين يأتون إلى القرية فكان يلتقي بي واحد أو اثنان لمدة دقيقة أو دقيقتين أحيانًا حول مسألة أخروية، ومع أنني غريب وحيد في هذه الغربة كنت أُمنَع من كل شيء ومن مقابلة كل أحد في قرية لا تناسب للعمل لأمثالي من أجل كسب النفقة، وقد كنت رمَّـمت قبل أربع سنوات مسجدًا مخربًا، ولما كنت أحمل شهادة الإمامة والوعظ من بلدي؛ كنت أتولى وظيفة الإمامة فيه مدة أربع سنوات وأسأل الله القبول، ومع ذلك لم أستطيع الذهاب إلى المسجد في شهر رمضان المبارك الماضي، وصليت منفردًا أحيانًا، وحرمت من ثواب صلاة الجماعة التي لها خمسة وعشرون ثوابًا ومن خيرها، وقد صبرت وتحملت على هاتين الحادثتين اللتين مرتا عليّ كما صبرت وتحملت على معاملة ذلك الموظف قبل سنتين، وسأدوم عليهما إن شاء الله تعالى.
72. صفحة
ثم إنني أفكر أيضًا وأقول إن هذا الأذى والضيق والعنت الذي حل بي من قبل أهل الدنيا إن كان من أجل نفسي القاصرة ذات النقائص فإني أسامحهم، ولعل نفسي تصلح شأنها بهذا الأذى، ويكون كفارة لذنوبها، ولقد رأيت متعة دار ضيافة الدنيا وبهجتها كثيرًا، فإذا رأيت مصاعبها أشكر الله عليها.
وإذا كان أهل الدنيا يضيقون علي لكوني خادمًا للإيمان والقرآن فالدفاع عن ذلك لا يخصّني، وإني أفوضه إلى العزيز الجبار، أما إذا كان المراد من ذلك الأذى والتضييق منع توجه الناس إلي من أجل كسر الشهرة الكاذبة التي لا أساس لها والتي تؤدي إلى الرياء وتفسد الإخلاص؛ فإني أسأل الله لهم الرحمة؛ لأن نيل توجه الناس وكسب الشهرة في نظرهم أعتقد أنه مضر لأمثالي من الأشخاص، وكل من له صلة بي يعلم أني لا أريد التوقير لشخصي، بل أكره ذلك، حتى إنني زجرت صديقًا عزيزًا علي لشدة توقيره لي ربما أكثر من خمسين مرة.
وإذا كان مرادهم من الحط من شأني، وإسقاطي من أعين الناس، يخص الحقائق الإيمانية والقرآنية التي أقوم بتبليغها والدعوة إليها، فتلك محاولة لا طائل من ورائها؛ لأن نجوم القرآن لا تحجب، ومن يغمض عينيه إنما يمنع نفسه من الرؤية، ولا يستطيع أن يحول نهار أحد إلى ليل.
النقطة الرابعة: جواب عن بعض الأسئلة المتوهمة.
السؤال الأول المتوهم: إن أهل الدنيا يسألونني: بم تعيش؟ وكيف تعيش دون عمل؟ فنحن لا نريد القاعدين الكسالى ومن يعيشون على سعي الآخرين في بلادنا.
الجواب: إنني أعيش بالاقتصاد والبركة، ولا أقبل منة من أحد غير رزاقي سبحانه، وقررت ألا أقبلها أبدًا.
أجل؛ إن الذي يعيش في اليوم بمائة قروش بل بأربعين قرشًا لا يقبل من أحد منة، إنني ما كنت أرغب إيضاح هذه المسألة، بل لا يطيب لي توضيحها خشية أن تُشعِرني بالغرور والأنانية، ولكن بما أن أهل الدنيا يسألون متوهمين فإني أقول:
إن من دساتير حياتي طوال عمري كله منذ صغري ألا أقبل أموال أحد من الناس ولو كانت زكاة، وألا أقبل راتبًا، إلا ما اضطررت إلى قبول الراتب بضع
73. صفحة
سنوات في دار الحكمة الإسلامية[1] بإجبار من أصدقائي، ولكن أعدت تلك الأموال إلى الشعب معنى، وألا أدخل تحت منة أحد من أجل المعيشة الدنيوية، فأهل بلدتي ومن يعرفونني في الأماكن الأخرى يعلمون ذلك، وقد حاول كثير من الأصدقاء محاولات عديدة أن أقبل هداياهم في نفيي هذا الذي استمر خمس سنوات، ولكني رفضت.
وإذا قيل: فكيف تعيش إذن؟
أقول: أعيش بالبركة والإكرام الإلهي، فمع أن نفسي تستحق كل تحقير وكل إهانة، إلا أنني ككرامة لخدمة القرآن الكريم أنال البركة التي هي الإكرام الإلهي في الرزق، وأذكر النعم التي ينعمها علي الله سبحانه بسرّ ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾(الضحى:11)، وأبين بضع نماذج منها كشكر معنوي، ومع أنها شكر معنوي إلا أنني أخشى أن تشعرني بالافتخار والغرور فتنقطع تلك البركة؛ لأن إظهار البركة المخفية بافتخار يؤدي إلى انقطاعها، ولكن ما باليد حيلة، أنا مضطر إلى ذكرها:
الأول: لقد كفاني في هذه الأشهر الستة كيلة([2]) من القمح وهي عابرة عن ستة وثلاثون رغيفًا، وما زال منه موجود، ولم ينتهي، ولا أعلم إلى متى يكفيني([3]).
الثاني: في ها الشهر المبارك شهر رمضان لم يأتني طعام إلا من بيتين، وكلاهما أمرضاني، وعلمت أنه ممنوع علي أكل طعام الآخرين، وقد كفاني طوال بقية أيام رمضان ثلاثة أرغفة وأوقية من الأرز كما بذلك أخبر صديقي المخلص صاحب البيت المبارك عبد الله جاويش الذي يدبر شئوني وشهد عليه، حتى إن ذلك الأرز استمرّ خمسة عشر يومًا بعد شهر رمضان.
الثالث: لقد كفانا في الجبل أنا وضيوفي طوال ثلاثة أشهر أوقية من السمن على الرغم من أكلنا له كل يوم مع الخبز، حتى إنه كان لي ضيف كريم اسمه سليمان، وكانت رغيفتي ورغيفته على وشك الانتهاء، وكان ذلك اليوم يوم الأربعاء، فقلت له: اذهب
[1] هي هيئة للعلماء شكلت ضمن المشيخة الإسلامية في الدولة العثمانية، وكان الإمام بديع الزمان عضوًا فيها بين أعوام 1928-1922 وقدم خدمات جليلة كعضو فيها، وطبع الكتب التي ألفها بما كان يتقاضى من راتب فيها، ووزعها مجانًا على الشعب.
[2])) ؟؟؟؟
[3])) لقد استمر سنة.(المؤلف).
74. صفحة
وأتنا بالرغيف، فقال: ليس حوالينا أحد مسافة ساعتين، حتى آتي بالرغيف، وإني أرغب أن أدعو الله معك في ليلة الجمعة على هذا الجبل، قلت له: توكلنا على الله، ثم صعدنا معًا قمة جبل سيرًا على الأقدام من غير مناسبة ومن دون سبب، وكان لدينا في الإبريق قليل من الماء، وشيء من السكر والشاي، قلت له: اصنع لنا الشاي يا أخي، وبدأ يعمل، جلست أنا تحت شجرة الأرزة تطل على واد سحيق، وفكرت أن لدينا قطعة خبز قديم، ولا يكفينا إلا هذا المساء، وماذا نعمل لليومين التاليين، وإذا بي أحول رأسي -وكأن هناك من يحوله- فرأيت رغيفًا كبيرًا فوق شجرة قطران ينظر إلينا من بين أغصانها، قلت له: أبشر يا سليمان، لقد وهبنا الله تعالى الرزق، فأخذنا ذلك الرغيف، ونظرنا إليه ورأينا أنه لم يمسه أي من الطيور والحيوانات المفترسة، ولم يصعد ذلك الجبل أحد منذ ما يقرب من ثلاثين يومًا، وكفانا هذا الرغيف يومين كاملين، وبينما نحن نأكل وقد أوشك الرغيف على الانتهاء إذا بي صديقي الوفي المخلص سليمان المستقيم يصعد الجبل متوجهًا إلينا بالخبز.
الرابع: كنت قد اشتريت هذا المعطف الذي عليّ وهو قديم قبل أربع سنوات، وقد اكتفيت بأربعة ليرة ونصف ليرة منذ خمس سنوات لشراء ملابس وحذاء وجوارب، وكفتني البركة والاقتصاد والرحمة الإلهية.
وهناك أمثلة أخرى كثيرة مثل هذه النماذج، وللبركة الإلهية وجوه كثيرة، وأهالي هذه القرية يعلمون أكثرها، وإياكم أن تظنوا أني أذكر هذه الأمثلة تفاخرًا بها، بل اضطررت إلى ذكرها، ولا تحسبوا أنها علامة لصلاحي، بل إن هذه البركات نعمة لأصدقائي المخلصين الذين يأتونني، أو إكرام لخدمة القرآن، أو منفعة مباركة للاقتصاد، أو رزق للقطط الأربع التي عندي والتي تذكر الله بيا رحيم يا رحيم، فتأتي أرزاقها على صورة البركة، وأستفيد أنا منها.
أجل؛ لو استمعت إلى هريرها الحزين جيّدًا لفهمت أنها تذكر يا رحيم، يا رحيم، يا رحيم، لقد ذكرتني قصة القطط بالدجاج؛ إذ كانت لي دجاجة، وكانت تأتيني ببيضة واحدة كل يوم في هذا الشتاء من خزانة الرحمة الإلهية وكأنها ماكينة البيض، وما كانت تقطع إلا قليلا، وذات يوم وضعت بيضتين، وتعجبت، وسألت أصدقائي عن ذلك هل
75. صفحة
يحدث هذا؟ فقالوا لي: ربما هي نعمة إلهية، ثم أفرخت هذه الدجاجة في الصيف فرخة صغيرة، وبدأت هذه الفرخة الصغيرة تبيض في بداية شهر رمضان المبارك، واستمرت أربعين يومًا، ولم تبقى لدي ولا لدى الذين كانوا يخدموني أية شبهة في أن وضع هذه الفرخة الصغيرة في الشتاء وفي شهر رمضان ليس إلا إكرام رباني، وعندما انقطعت أمها عن البيض بدأت هي تبيض، ولم تتركني دون بيضة.
السؤال الثاني المتوهم: إن أهل الدنيا يقولون: كيف نثق بك بأنك لن تتدخل في دنيانا؟ إن أطلقنا سراحك ربما تتدخل في دنيانا، ثم كيف نعلم أنك لا تحتال علينا؟ ربما تتظاهر بأنك تركت الدنيا، ولا تأخذ من الناس مالا في الظاهر وتأخذ سرًّا، كيف نعلم أن هذا ليس خداعًا وحيلة.
الجواب: إن حالي المعلوم لدى الكثيرين في المحكمة العسكرية قبل عشرين سنة، وفي وقت ما قبل عهد الحرية، ودفاعي الذي يسمى شهادة مدرستَيْ المصيبة في المحكمة العسكرية آنذاك؛ يدل دلالة قاطعة على أنني أمضيت حياتي مترفعًا عن المكر بل مترفعًا عن أدنى حيلة، ولو كانت هناك حيلة لكان ثمة تودد وتقرب وتملق إليكم طوال هذه السنوات الخمس؛ لأن المحتال يحاول أن يحبب نفسه إلى الآخرين، ولا يتحفظ، ويحاول دائمًا أن يغفلهم ويخدعهم، ولكنني ترفعت عن التذلل على الرغم من كل المهاجمات والانتقادات لشخصي، وأعرضت عن أهل الدنيا قائلا: توكلت على الله، ومن يعرف الآخرة ويكشف حقيقة الدنيا لا يندم إن كان له عقل، ولا ينشغل بالدنيا مرة أخرى، ثم إن رجلا وحيدًا لا علاقة له مع أحد لا يضحي بعد خمسين من عمره بحياته الأبدية من أجل جمال الدنيا ومتعها التي لا تدوم إلا بضع سنوات ولا يحتال من أجلها، وحتى لو ضحى بها فلا يكون محتالا مكارًا، بل يكون مجنونًا أبله، وعلام يقدر المجنون الأبله حتى يهتم به؟!
أما شبهة أني تارك للدنيا في الظاهر وطالب لها في الباطن، فإني لا أبرئ نفسي كما في الآية الكريمة ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾(يوسف:53)، إنها تريد كل فساد، ولكن إفساد حياة أبدية دائمة وسعادة سرمدية خالدة من أجل لذة قليلة في عمر قصير في وقت الشيخوخة في هذه الدنيا الفانية وفي دار الضيافة المؤقتة هذه؛ ليس من
76. صفحة
شأن ذوي العقل، ولا من ذوي الوعي والإدراك؛ لذا قد خضعت نفسي الأمارة بالسوء للعقل شاء أم أبت.
السؤال الثالث المتوهم: إن أهل الدنيا يقولون: هل تحبنا؟ هل تعجب بنا؟ فإن كنت تحبنا فلم تعرض عنا ولا تخالطنا؟ وإن كنت لا تعجب بنا فأنت معارض لنا إذن، ونحن نسحق معارضينا.
الجواب: لو كنت أحبكم بل لو كنت أحب دنياكم لما انسحبت من الدنيا، فأنا لا أعجب بكم ولا بدنياكم، ولكن لا أتدخل في دنياكم أيضًا؛ لأن غايتي غير غايتكم، وقد ملأت قلبي أمور أخرى، ولم تترك موضعًا فيه لأمور أخرى أفكر فيها، فعليكم أن تنظروا إلى العمل/اليد لا إلى القلب؛ لأنكم إن أردتم النظام والأمن والسلام فيكفي ألا تتدخلوا في القلوب، وإذا لم يكن هناك تدخل لليد فليس من حقكم أن تقولوا: إن القلب يجب أن يحبنا! مع أنكم لا تستحقون المحبة أبدًا!
أجل؛ كما أني أتمنى مجيء الربيع وأرغب فيه في هذا الشتاء ولكن لا أقدر عليه، ولا أستطيع أن أحاول مجيئه، فإنني أتمنى كذلك صلاح أحوال العالم، وأسأل الله أن يصلحها، وأريد صلاح أهل الدنيا، ولكن لا أقدر على ذلك، لأن ذلك ليس بيدي، ولا أستطيع أن أحاول بالفعل؛ لأن ذلك ليس من واجبي ولا بمقدوري.
السؤال الرابع المشكك: إن أهل الدنيا يقولون: لقد رأينا شرورًا حتى لم نعد نثق بأحد، وكيف نثق بك بأنك لن تتدخل في أمورنا كما تشاء إذا أتيحت لك الفرصة؟
الجواب: إن النقاط السابقة تطمئنكم، ومع أني لم أتدخل في دنياكم وأنا في بلدتي بين تلاميذي وأقربائي وبين من يسمعون لي وبين أحداث مثيرة، فإن من كان في دار الغربة وهو وحيد فريد غريب ضعيف عاجز، ومتوجه إلى الآخرة بكل قوته، ومنقطع عن مخالطة الناس وتواصلهم، ولا يجد له أصدقاء إلا بعضًا من أهل الآخرة بسبب الإيمان والآخرة، وينظر إلى الناس على أنهم غرباء عنه، وينظر إليه الناس على أنه غريب عنهم؛ إذا تدخل في دنياكم البتراء/العديمة الثمرة الخطيرة ينبغي أن يكون مجنونًا مضاعفًا.
النقطة الخامسة: تدور حول خمس مسائل صغيرة.
77. صفحة
المسألة الأولى: إن أهل الدنيا يقولون: لم لا تطبق أسلوب حضارتنا، ونمط حياتنا ولباسنا؟ أي إنك معارض لنا!
وأنا أقول: أيها السادة، بأي حق تكلفونني تطبيق أسلوب حضارتكم، مع أنكم فرضتم علي الإقامة الجبرية ظلمًا طوال خمس سنوات في إحدى القرى ومنعتموني من المراسلات ومن مخالطة الناس وكأنكم أسقطتموني من الحقوق المدنية، ولكن تركتم كل منفي يعيش مع أصدقائه وأقربائه في المدن، ومع أنكم أعطيتموني وثيقة السفر/التنقل فيما بعد إلا أنكم جردتموني من كل شيء ومنعتموني من مقابلة كل واحد من أهل بلدتي ما عدا واحد أو أثنين فقط، أي إنكم لا تعدونني من أفراد الشعب والرعية، فكيف تكلفونني بتطبيق قوانين حضارتكم، لقد جعلتم الدنيا سجنًا لي، ولا يكلف من هو في السجن بهذه الأمور، فأنتم قد أغلقتم عليّ باب الدنيا، وأنا طرقت باب الآخرة، ففتحته الرحمة الإلهية، كيف يكلف من هو واقف بباب الآخرة بتطبيق أساليب الدنيا وعادتها المشوشة، ومتى أطلقتم سراحي وأعدتموني إلى بلدتي وأعدتم إلي حقوقي فعندئذ تستطيعون أن تطالبوني بتطبيق مناهجكم.
المسألة الثانية: إن أهل الدنيا يقولون: لدينا مؤسسة حكومية تقوم بتعليم أحكام الإسلام وحقائقه، وبأي صلاحية تقوم أنت بنشر المنشورات الدينية، بما أنك محكوم عليك بالنفي فليس لك أن تتدخل في هذه الأمور!
الجواب: أولا: إن الحق والحقيقة لا يمكن تحديدهما، فكيف يمكن حصر الإيمان والقرآن في شيء وتحديدهما، إنكم تستطيعون أن تحددوا منهج حياتكم وقوانينكم، ولكن لا يمكن إجراء الحقائق الإيمانية والأسس القرآنية مجرى المعاملات الدنيوية بشكل رسمي ومقابل أجرة، بل إن تلك الأسرار والفيوضات التي هي موهبة إلهية لا تأتي إلا عبر النية الخالصة والتجرد من الدنيا والحظوظ النفسية، ثم إن مؤسساتكم الرسمية تلك قبلتني وعينتني واعظًا في بلدتي، وأنا قبلت وظيفة الوعظ، ولكن تركت الراتب، وأنا أملك شهادة الوعظ، ويمكنني أن أعمل في كل مكان بشهادة الوعظ والإمامة؛ لأن نفيي ظلم جائر، وبما أن المنفيين قد رُدّوا إلى مدنهم، فحكم شهاداتي باق ومستمرّ.
78. صفحة
ثانيًا: لقد خاطبت نفسي مباشرة في الحقائق الإيمانية التي كتبتها، ولا أدعو إليها الناس كلهم، بل ذوو الأرواح المحتاجة إليها وذوو القلوب المجروحة يبحثون عن تلك الأدوية القرآنية ويجدونها، إلا أنني طبعت رسالة حول الحشر من أجل معيشتي قبل صدور الحروف الجديدة، ولكن الوالي القديم الظالم بحث عمن يدقق في هذه الرسالة وينتقدها، ولما لم يجده لم يستطيع أن يتعرض لها.
المسألة الثالثة: إن بعض أصدقائي يتبرأون مني ظاهرًا، بل ينتقدونني حتى يبدوا طيبين أمام أهل الدنيا؛ لأن أهل الدنيا ينظرون إليّ نظرة شكّ وشبهة، ولكن أهل الدنيا المكارين حملوا تبري هؤلاء مني واجتنابهم لي محمل نوع من الرياء وانعدام الضمير بدلا من أن يحملوها محمل الإخلاص لهم، وبدءوا ينظرون إلى هؤلاء نظرة سيئة.
وأنا أقول: يا أصدقائي في الله والآخرة، لا تهربوا مني متبرئين مني لكوني خادمًا للقرآن؛ لأنه لا يحلق بكم مني ضرر بإذن الله، وحتى لو أصابتكم مصيبة افتراضًا فلا يمكنكم أن تنجوا منها بتبرئكم مني، بل تستحقون بهذه الحال مصيبة أشدّ وصفعة أقوى، ثم ماذا حدث حتى تساوركم الأوهام؟
المسألة الرابعة: أرى في أيام نفيي هذا أن بعض الناس المعجبين بأنفسهم والذين وقعوا في مستنقع السياسة؛ ينظرون إليّ نظرة منافس وغير محايد، وكأن لي علاقة مثلهم بتيارات دنيوية.
يا أيها السادة، إنني في تيار الإيمان، وفي مواجهتي تيار الإلحاد، وليس لي علاقة مع التيارات الأخرى، والذين يعملون لقاء أجرة من هؤلاء ربما يرون أنفسهم معذورين إلى حد ما، ولكن اتخاذ موقف منافس وغير محايد ضدي والتعرض لي والتسبب في أذاي؛ خطأ شنيع ؛ لأنه -كما أثبتنا سابقًا- ليس لي علاقة بالسياسة الدنيوية، وقد اقتصرت كل وقتي وحياتي على الحقائق الإيمانية والقرآنية ووقفتها لها، وبما أن الأمر كذلك فليعلم الذي يؤذيني ويتعرض لي لينافسني أن ما يعاملني به إنما هو بمنزلة التعرض للإيمان باسم الزندقة والإلحاد.
المسألة الخامسة: بما أن الدنيا فانية، وبما أن العمر قصير، وبما أن الوظائف الضرورية كثيرة جدًّا، وبما أن الحياة الأبدية تكسب هنا، وبما أن الدنيا ليست بلا مالك
79. صفحة
ولا صاحب، وبما أن دار ضيافة الدنيا هذه لها مدبر حكيم كريم في منتهى الحكمة والكرم، وبما أن الحسنات والسيئات لا تبقى بلا جزاء، وبما أن الإنسان لا يكلَّف بما لا يطيقه حسب سرّ ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، وبما أن الطريق السالم يرجح على الطريق الخطر، وبما أن الأصدقاء الدنيويين والمناصب الدنيوية تقف دون باب القبر؛ فلا شك أن أسعد الناس هو من لا ينسى آخرته من أجل الدنيا، ولا يضحي بآخرته في سبيل الدنيا، ولا يفسد حياته الأبدية من أجل الحياة الدنيوية، ولا يضيع عمره في ما لا يعنيه، بل يرى نفسه ضيفًا ويتحرك وفق أوامر المضيف، ويفتح باب القبر بأمان، ويدخل السعادة الأبدية بسلام([1]).
الباقي هو الباقي
[1])) من أجل هذا العدد لـ"بما"؛ لا أبالي بما ألاقي من الظلم والعنت والأذى، ولا أكترث به، وأقول إنه لا يستحق الاهتمام، ولا أتدخل في أمور الدنيا.(المؤلف).


