المكتوب السادس والعشرون:

170. صفحة

المكتوب السادس والعشرون

باسمه

وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

هذا "المكتوب السادس والعشرون" عبارة عن "أربعة مباحث" ذات علاقة ضعيفة فيما بينها.

المبحث الأول

هامش موضح لجملة "حتى الشيطان لا يستطيع أن يقول ذلك" التي قالها ذلك الرجل الذي يعتمد على أذنيه في فهم إعجاز القرآن لطبقة العوام التي تعتمد على أذنها فحسب، والتي وردت في "الإشارة الثامنة عشرة" من "المكتوب التاسع عشر".

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾(فصلت:٣٦)

حجة القرآن على الشيطان وحزبه.

المبحث الأول الذي ألزم إبليس وأفحم الشيطان وأسكت أهل الطغيان: واقعةٌ ردت دسيسةً مدهشة للشيطان بصورة قطعية في محاكمة محايدة، كنت قد كتبت قسمًا مجملاً من تلك الواقعة في "اللَّمعات" قبل عشر سنوات، وذلك أنني كنت أستمع إلى حفاظ القرآن الكريم قبل تأليف هذه الرسالة بإحدى عشرة سنة، في شهر رمضان الشريف، بجامع بايزيد الشريف بإسطنبول؛ وإذ بي كأني أسمع صوتًا معنويًّا لشخص لم أره، فجذب ذهني إليه، فاستمعت إليه بخيالي، فرأيته يخاطبني فيقول:

إنك ترى القرآن ساميًا للغاية وساطعًا نيرًا جدًّا، فَهَلاَّ قرأتَهُ في ضوء محاكمة محايدة ونظرت إليه من خلالها، أي؛ افترض أنه كلام بشر، وانظر، فيا ترى هل ستجد فيه تلك المزايا والمحاسن؟


171. صفحة

وأنا بدوري -حقيقةً- انخدعت وافترضته كلامَ بشر، ونظرت فيه، فرأيت كما أنه إذا أُطفِئت مفاتيح المصابيح الكهربائية لجامع بايزيد كيف يخيمُ الظلام على كل أرجائه، فكذلك بهذا الافتراض بدأت الأنوار الساطعة للقرآن في الاختفاء، وعندها فهمت أن الذي يتحدث معي هو الشيطان، يريد أن يوقعني في الورطة(1)، فاستمددت العون من القرآن الكريم، وإذا بنور وَرَدَ قلبي ومَنَحَني قوة قاطعة للدفاع، ووقتئذ بدأتُ المناظرة مع الشيطان هكذا:

 قلت: أيها الشيطان، إن المحاكمة المحايدة هي وضعٌ وسطٌ بين طرفين، بيد أن المحاكمة المحايدة التي تدعيها أنت وتلاميذك من الإنس هي التزام للطرف المخالف، وليست محايدة بل هي إلحاد مؤقَّت؛ لأن النظر إلى القرآن على أنه كلام بشر وتصوّره بهذه الصورة إنما هو اتخاذ الطرف المخالف كأساس، والتزام الباطل، وهي ليست بمحاكمة محايدة، بل انحياز للباطل.

فقال الشيطان: إذن فلا تقل إنه كلام الله ولا كلام بشر، وافترضه في الوسط، وانظر إليه بهذا الاعتبار.

فقلت: إن هذا أيضا لا يمكن؛ لأنه إن وُجد مال متنازَع فيه، فإذا كان المدعيان قريبين من بعضهما، وكان هناك قربٌ مكانيٌّ، فوقتئذ سيودع ذلك المال إما في يد أحد غيرهما، وإما يودع في مكان تصل إليه أيديهما، فأيهما أثبتَ دعواهُ أَخَذَهُ.

أما إن كان المدعيان متباعدين كل البعد، أحدهما في المشرق والآخر في المغرب، وقتها سيعطى لمن هو "صاحب اليد"(2) حسب القاعدة؛ لأنه لا يمكن تركه في الوسط بينهما.

نعم؛ إن القرآن مال قيّم، وإن ذلكما الطرفين بعيدان بعضهما عن بعض كبعد كلام البشر عن كلام الله، بل بعيدان عن بعضهما بُعدًا مطلقًا؛ لهذا لا يمكن تركه وسط كلا الطرفين البعيدين عن بعضهما بُعد الثَّرَى عن الثُّرَيَّا(3)، وكذا فإنه لا وسط بينهما؛ لأنهما متضادان كالوجود والعدم وكالنقيضين، فلا يمكن أن يكون هناك وسط بينهما.





(1) الورطة: الأزمة والمشكلة.

(2) صاحب اليد: مصطلح فقهي يطلق على من بيده المال حال التنازع فيه بينه وبين غيره.

(3) بعد الثرى عن الثريا: أي بينهما فرق كبير جدا، والثرى التراب المبلل، والثريا نجم في السماء.

172. صفحة

إذن فـ"صاحب اليد" بالنسبة للقرآن هو الطرف الإلهي، ولهذا يجب أن يُعْتَرَف أنه في يده، ثم ينظر إلى دلائل الإثبات على ذلك، فإذا أبطل ودحض الطرف الآخر كل البراهين التي تدل على أنه كلام الله واحدًا فواحدًا؛ فيمكنه إذن أن يمد يده إليه، وإن لم يفعل فلن يستطيع أن يمدها.

هيهات! فأية يد يمكنها أن تُسقِط هذه الدُّرة المعظمة التي ثُبِّتَتْ على العرش المعظم بدُسُر(4) آلاف البراهين القطعية، وأنَّى لها(5) أن تفكّ تلك الدُّسُر وأن تقطع تلك الأوتاد؟

فهكذا أيها الشيطان، إن أهل الحق والإنصاف -رغم أنفك- يوازنون بمحاكمة ذات حقيقة على هذه الصورة، بل إن إيمانهم بالقرآن يزيد حتى بأدنى دليل.

أما الطريق الذي بينته أنت وتلاميذك -لو فرض أنه كلام بشر مرة واحدة- أي إذا طرحت تلك الدرة المعظمة المتعلقة بالعرش أرضًا؛ فينبغي أن يكون هناك برهان واحد بقوة جميع الدُّسُرِ وبمتانة كثير من البراهين حتى يرفعها ويثبتها على العرش المعنوي؛ وذلك حتى يتخلص من ظلمات الكفر، ويبلغ أنوار إيمانه، مع أن التوفيق لهذا صعب للغاية؛ لذا يفقد الكثيرون في هذا الزمان إيمانهم بسبب دسيستك هذه باسم محاكمة محايدة.

عاد الشيطان وقال: إن القرآن يشبه كلام البشر، وإنه على صورة محاوراتهم، إذن فهو كلام البشر، فلو كان كلامَ اللهِ لكان على صورة خارقة للعادة تليق به من كل جهة، فإن كانت صنعته لا تشبه صنعة البشر فينبغي ألا يشبه كلامُه كلامَ البشر كذلك.

فقلت جوابًا: إن رسولنا عليه الصلاة والسلام كان يبقى في حدود البشرية في أحواله وأفعاله وأطواره ما عدا معجزاته وخصائصه، وكان منقادا ومطيعا كالبشر للعادات الإلهية والأوامر التكوينية، فهو يعاني البرد ويقاسي الألم، وهكذا فإنه لم يُعطَ حالةً خارقةً للعادة في كل حال من أحواله وطور من أطواره؛ حتى يكون إمامًا لأمته بأفعاله ومرشدًا بأطواره وأن يعطي درسًا بكل حركاته، ولو كان خارقًا للعادة في كل أطواره؛ لَمَا تَسَنَّى([1]) له أن يكون إمامًا بالذات من كل جهة، ولَمَا تَسَنَّى له أن يكون مرشدًا مطلقًا للكل، ولَمَا تَسَنَّى له أن يكون رحمة للعالمين بجميع أحواله.





(4) الدسر:جمع دسار، وهو المسمار وحبل من ليف تشد به الواح السفينة.

(5) أنى لها: كيف لها.

[1])) لما تسنى له: لما أمكنه.


173. صفحة

كذلك فإن القرآن الحكيم هو إمام لأهل الشعور ومرشد للجن والإنس، ودليل لأهل الكمال ومعلم لأهل الحقيقة، فإذن ينبغي ويتحتم أن يكون بأسلوب محاورات البشر وطرزهم؛ لأن الجن والإنس يأخذون منه مناجاتهم ويتعلمون منه أدعيتهم ويذكرون مسائلهم بلسانه، ويتعلمون منه أدب معاشراتهم وهكذا، فإن الكل يتخذه مرجعًا؛ لذا فلو كان بطراز كلام الله الذي سمعه موسى عليه السلام في طور سيناء لما استطاع أن يتحمل البشر سماعه واستماعه، ولما استطاعوا أن يتخذوه مرجعا لهم؛ إذ إن موسى عليه السلام الذي هو من أولي العزم ما استطاع أن يتحمل إلا نَزْرًا من كلامه، فقد قال موسى عليه السلام: "أهكذا كلامك..! قال الله عز وجل: لي قوة جميع الألسنة".

عاد الشيطان وقال مرة أخرى: إن كثيرًا من الناس يذكرون مسائل متعددة باسم الدين كذكر القرآن لمسائله؛ لذا ألا يمكن أن يقوم بمثل هذا بشرٌ باسم الدين؟

قلت جوابًا بنور القرآن:

أولاً: إن رجلاً متدينًا بمحبته للدين يقول: إن الحق كذا، والحقيقة هي هذه، وأمر الله هكذا، فلا يُنطِقُ اللهَ على هوى نفسه، ولا يتجاوز حده تجاوزًا بلا حد، فَيُقلِّدَ الله ويتكلم بدلاً منه، فيرتجف من دستور: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللهِ (الزمر:٣٢).

ثانيًا: لا يمكن أن يقومَ بشر بمثل هذا وينجحَ ويوفقَ فيه وحده أبدًا، بل هو محال مائة بالمائة؛ لأن الأشخاص المتقاربين من بعضهم بعضا يمكنهم أن يُحاكوا بعضهم بعضا، والذين هم من جنس واحد يمكنهم أن يتقمصوا صورة بعضهم بعضًا، والذين هم متقاربون مرتبة من بعضهم بعضا يمكنهم أن يتقلدوا مقامات بعضهم بعضا، ويستغفلون الناس مؤقتًا، ولكنهم لا يستطيعون استغفالهم على الدوام؛ لأن التَّصَنُّعَات والتكلفات التي تظهر في أطوارهم وأحوالهم تُظهِرُ أنهم مخادعون غشاشون عند نظر المتيقظين، وعلى كل حال فلا تدوم حيلهم.

ولكن الذي يحاول التقليد بالخداع والحيلة إن كان بعيدا غاية البعد عن الآخر- مثلاً: إن أراد أن يحاول رجل عامي تقليد داهية كابن سينا في العلم، أو إن أراد أن يتخذ راع وضع سلطان ما- فلا يستطيع أن يخدع أحدًا البتة، بل يكون سخرية ومهزلة، وستصرخ كل حال من أحواله: إنه مخادع وغشاش. 


174. صفحة

فهكذا إذا افترض أن القرآن كلام بشر -حاشا مائة ألف مرة- فكما أن تتظاهر يراعة عند أهل الأرصاد بأنها نجم حقيقي لمدة ألف سنة بلا تكلف، وكما أن تتظاهر ذبابة لدى أهل المشاهدة كصورة طاووس تظاهرا تامًّا بلا تصنّع سنة واحدة، وكما أن انتحال جندي عامي مخادع غشاش لشخصيّة مشير مشهور سام، وجلوسه في مقامه، وبقاءه على هذه الحالة زمانا طويلا، مع إخفاء حيلته تماما، وكما أن اتخاذ رجل مُفْتَرٍ لا اعتقاد له مدة عمره كلِّه دائمًا لدى الأنظار المدققة بلا اضطراب كيفيةَ ووضعَ شخصٍ أكثر صدقًا وأكثر أمانة وأقوى عقيدة، واستتار تصنعه هذا عن أنظار الدهاة محال مائة بالمائة ولا يمكن أن يقول ذو عقل: هذا ممكن.

وحتى إن افتراضه كذلك هذيان كافتراض محال - بداهة - أنه واقع.

كذلك فإن افتراض أن القرآن كلامُ بشر يقتضي أن تكون ماهية الكتاب المبين -الذي هو نجمُ حقيقة لامعٌ ساطعٌ ينشر دائمًا أنوار الحقائق في سماء عالم الإسلام بالمشاهدة، بل الذي يعد شمسًا للكمالات - اختراعاتٍ مشوبةً([1]) بالخرافات لبشر متصنع في حكم يراعة - حاشا لله - ويقتضي كذلك ألا يتنبه له المقربون إليه والمدققون فيه، وأن يعرفوه نجمًا ساميًا على الدوام ومنبعًا للحقائق.

وهذا - الافتراض - فضلاً عن أنه محال مائة في المائة؛ فإنك أيها الشيطان وإن تماديت([2]) في شيطنتك مائة مرة فلا يمكنك أن تجعل ذلك ممكنًا، ولا يمكنك أن تخدع أي عقلٍ لم يفسد بعد، ولكنك تخدع الناس بعد أن تجعلهم ينظرون من بعيد جدًّا، وهكذا تريهم النجمَ صغيرًا جدًّا كاليراعة.

ثالثًا:كذلك يقتضي افتراض أن القرآن كلامُ بشر: أن تكون الحقيقة الخفية لهذا الفرقان المعجز البيان الحافل بالمزايا العالية، الذي هو أجمع الكتب جامعية وأكثرها حقيقة وأصدقها، والذي ينفخ في عالم الإنسانية الروح، ويبعث فيها الحياة ويوصلها إلى السعادة الخالدة أكثر من أي كتاب آخر كما هو مشاهَد بآثاره وتأثيراته ونتائجه؛ نقول يقتضي أن تكون - حاشا لله - اختلاقًا لأفكار عادية مزيفة، لإنسان لا علم له ولا معين.





[1])) مشوبة: مختلطة.

[2])) تماديت: استمررت.


175. صفحة

ويقتضي ذلك الافتراض ألا يرى الأذكياءُ العظماء والدهاة الفطنون، الذين يتفحصونه([1]) عن قرب، والذين يتنبهون إليه بنظرات ثاقبة، ألا يروا - في أي زمان ومن أية وجهة - أثر الاختلاق والخداع والتَّصَنُّعِ فيه، ويجدوا فيه دائمًا الجدية والصدق والإخلاص.

وهذا مع أنه محال مائة في المائة، فضلاً عن أنه يكون افتراض شخص أظهر ودَرَّسَ بكل أحواله وأقواله وحركاته طوال حياته الأمانة والإيمان والأمن والإخلاص والجدية والاستقامة، والذي ربى الصديقين، والذي اعتبر وقُبل أنه أعظم وأسطع وأعلى خَصْلة([2])، نعم؛ إن افتراض مثل هذا الشخص أنه لا يوثق به ولا إخلاص له ولا اعتقاد له هذيانٌ كفريٌّ؛ كقبول افتراضِ محالٍ فوق محال على أنه واقعٌ، وذلك يُخجِلُ حتى الشيطانَ؛ لأنه لا وسط لهذه القضية؛ إذ إنه- بفرض محال - إن لم يكن هذا القرآن كلاما لله يسقط كسقوطه من العرش إلى الأرض، ولا يبقى في الوسط، ويكون منبعَ خرافات في حين أنه مجمع الحقائق، وكذا إن لم يكن ذلكم الشخص الذي يُظهر الفرمان الخارقَ رسولَ اللهِ -حاشا ثم حاشا- فيلزم سقوطه من أعلى عليين إلى أسفل سافلين، ومن درجة منبع الكمالات إلى مقام معدن الدسائس ([3])، ولا يبقى في الوسط؛ إذ إنه من كذب على الله وافترى يسقط إلى أدنى الدركات.

وكما أنه محال رؤية ذبابة على صورة طاووس دائمًا ومشاهدة أوصاف الطاووس الرفيعة عليها في كل وقت، فهذه المسألة من المحال أيضا، ولا يمكن أن يعطيها احتمالاً إلا من كان مجنونًا مخبولاً سكرانَ بليدًا بفطرته.

رابعًا: وكذا يقتضي افتراض أن القرآن كلامُ بشر أن يكون القرآن الذي هو قائد مقدس للأمة المحمدية التي هي جيش معظم كبير لنوع بني آدم، والذي هو بالمشاهدة بقوانينه القوية وبدساتيره المتقنة المتينة وبأوامره النافذة ينظم ذلك الجيش المعظم الكبير ويجعله منضبطًا، ويجهزه ماديًّا ومعنويًّا بحيث يستطيع أن يفتح كلا العالَمَيْنِ؛ ويعلّم عقول كل الأفراد حسب درجاتهم ويربّي قلوبهم، ويسخر أرواحهم ويطهر ضمائرهم،




[1])) يتفحصونه: يدققون النظر فيه.

[2])) خصلة: صفة.

[3])) الدسائس: جمع دسيسة، وهي النميمة، وما أضمر من العداوة.


176. صفحة

ويستعمل ويستخدم أعضاءهم وجوارحهم، فَكَلامٌ هذه صفاته حاشاه أن يكون - حاشاه مائة ألف حاشا - كلامًا مُلَفَّقًا لا قوة له ولا قيمة ولا أصل.

فضلاً عن هذا فإن الشخص الذي علّم بني آدم قوانين الحق تعالى بحركاته الجادة طيلة حياته، وعلّم البشر دساتير الحقيقة بأفعاله الصادقة، والذي أظهر أسس وأصول الاستقامة والسعادة بأقواله الخالصة والمعقولة، والذي كان يخاف من عذاب الله خوفا شديدا بشهادة كل سيرة حياته، والذي كان يعرف الله ويُعرِّفه أكثر من أي أحد، والذي كان قائدا لخمس البشر ونصف الكرة الأرضية مدة ألف وثلاثمائة وخمسين عامًا([1]) بكمال الهيبة والعظمة والذي ضجَّ العالَمُ به، والذي كان حقًّا مدارَ فخر للبشرية -بل لكل الكون- بإجراءاته وتأثيراته المشتهِرة، هذا حاشاه أن يُفْتَرَضَ - حاشاه مائة ألف مرة - مخادعًا لا يخاف الله ولا يعرفه ولا يعرف قدره، وكأنه في درجة عادية للإنسانية، مما يعني ارتكاب مائة محال دفعة واحدة؛ لأنه لا وسط لهذه المسألة، فلو لم يكن - بفرض محال- القرآن كلام الله وسقط من العرش فلا يمكنه أن يبقى في الوسط، بل يلزم قبوله بأنه بضاعة أحد الكذابين في الأرض، وعلى هذا - يا أيها الشيطان - وإن أصبحت أنت شيطانًا مضاعفًا مائة مرة، فإنك لا تستطيع أن تخدع به عقلا لم يفسد، ولا تستطيع أن تقنع به قلبًا لم يتفسخ([2]).

فعاد الشيطان وقال: كيف لا أستطيع أن أخدع؟ وقد جعلتُ أكثر الناس وأشهر العاقلين منهم ينكرون القرآن ومحمدًا؟

الجواب:

أولاً: إذا نُظِرَ من مسافة بعيدة غاية البعد يمكن أن يُرى أَكْبَرُ شيء كأصغر شيء، حتى يمكن أن يقال عن نجمة إنها بقدر شمعة.

ثانيًا: وكذا إذا نُظر بنظر تبعي وسطحي يمكن أن يُرى شيءٌ مستحيل أنه ممكن، كان قد نظر رجل هَرِمٌ([3]) ذات مرة إلى السماء لرؤية هلال رمضان، ووقعت على عينه شعرة بيضاء فظن أنها القمر، فقال: إنني رأيت القمر! فمن المحال أن يكون الهلال تلك



[1])) في أثناء تأليف هذه الرسالة.

[2])) يتفسخ: يفسد.

[3])) هرم: مسن عجوز.



177. صفحة

الشعرة البيضاء، لكنه تلقى ذلك المحال ممكنًا؛ لأنه كان يرى تلك الشعرة برؤية تبعية ثانوية، وبطريقة غير مباشرة عندما كان ينظر قصدًا وبالذات إلى القمر.

ثالثًا: وكذا فإن عدم القبول شيءٌ، والإنكار شيءٌ آخر، فعدم القبول هو اللامبالاة، وهو إغماض العين، وعدم الاكْتِرَاثِ([1]) بجهالة؛ إذ يمكن أن تختفي تحته كثير من الأشياء المستحيلة، ولا ينشغل بها عقلُ من يفكر هكذا.

أما الإنكار فهو ليس بعدم القبول، بل هو قبول العدم، فهو حكم يضطر صاحبه إلى شغل عقله به، وعليه يَسْلُبُ منه شيطانٌ مثلُك عَقلَه ثم يخدعه بالإنكار.

وكذا أيها الشيطان، قد خدعت هذه الحيوانات التي هي على صورة إنسان شقي بدسائس شيطانية تظهر الباطل حقا والمحال ممكنا كالغفلة والضلالة والسفسطة والعناد والمغالطة والمكابرة والإغفال والتقليد، فَأَلْقَمْتَهُم([2]) الإنكار والكفر اللذين يولدان كثيرًا من المحالات.

رابعًا: وكذا يقتضي افتراضُ أن القرآن كلامُ بشر: استلزامَ أن يُتَصوَّرَ كتابٌ يرشد -كما هو مشاهد- الأصفياء والصديقين والأقطاب الذين يتألقون في سماء عالم الإنسانية كالنجوم، ويُعلِّم دائمًا - بالبداهة - جميع طبقات أهل الكمال الحقَّ والحقيقةَ والصدق والصداقة والأمن والأمانة، ويحقق سعادة الدارين بحقائق أركان الإيمان وبدساتير أركان الإسلام، ويلزم أن يكون - بشهادة إجراءاته هذه وبالضرورة - حقًا وخالصًا وحقيقة صافية وصادقًا وجادًّا للغاية؛ نقول يقتضي هذا الافتراضُ استلزامَ تصور هذا الكتاب متصفًا بخلاف أوصافه وتأثيراته وأنواره، واعتبارَه كأنه مجموعة من اختلاقات وافتراءات خادع - حاشاه ثم حاشاه - وهذا هذيانٌ كفريٌّ شنيعٌ يخجل منه حتى السوفسطائيون والشياطين ويرتعدون منه.

كما أن افتراض شخص أرسخَ عقيدةً وأمتنَ إيمانًا وأوثقَ أمانة وأصدقَ كلامًا بشهادة الدين الإسلامي والشريعة الغراء اللذين أظهرهما، وبدلالة تقواه الخارقة وعبوديته الخالصة الصافية التي أظهرها مدة حياته بالاتفاق وبمقتضى الأخلاق الحسنة



[1])) الاكتراث: الاهتمام والمبالاة.

[2])) ألقمتهم: أطعمتهم؛ والمرد هنا غذيتهم بالكفر.



178. صفحة

التي ظهرت عليه بالاتفاق وبتصديق أهل الحقيقة وأصحاب الكمالات الذين ربّاهم؛ نقول يستلزم افتراضُ أن يكون شخصٌ كهذا - حاشاه ثم حاشاه - بلا اعتقادٍ ولا أمنَ ولا أمانةَ له ولا يخشى الله -حاشاه مائة ألف مرة - ارتكابا لأقبحِ المحالات وأشنعِها وأشدِّ أنواع الضلالات ظلمًا وظلمات. 

الحاصل: كما ذكر في الإشارة الثامنة عشرة من "المكتوب التاسع عشر" كيف أن طبقة المستمعين العوامِّ قد قالت عن فهم إعجاز القرآن: إذا قيس القرآن بجميع ما سمعتُ من كتب وما هو موجود في الدنيا من الكتب فهو لا يشبه أي كتاب منها، وليس في درجتها، إذن فالقرآن إما أنه تحت الجميع أو له درجة فوق الجميع.

أما أن يكون تحت الجميع؛ فهو محال لا يمكن أن يقوله أي عدو حتى الشيطان نفسه ولا يقبله، إذن فالقرآن فوق جميع الكتب، وإذن فهو معجزة.

وكذلك فنحن نقول بالحجة القاطعة حسب علم الأصول وفن المنطق مما يُسمى بِـ"السَّبْر والتَّقْسيم"([1]): أيها الشيطان، ويا تلاميذ الشيطان، إن القرآن إما كلام الله المنزل من العرش الأعظم والاسم الأعظم، وإما هو - حاشا ثم حاشاه مائة ألف مرة - اختلاق([2]) بشرٍ في الأرض مخادعٍ، لا اعتقاد له ولا يخاف الله ولا يعرفه.

وهذا يا أيها الشيطان، ما لم تستطع أن تقوله أمام الحجج السابقة، ولا تستطيع قوله ولن تستطيع؛ فإذن - بالضرورة وبلا شبهة - القرآن هو كلام خالق الكون؛ لأنه لا وسط له، بل هو محال، ولا يمكن أن يحدث، كما أثبتنا ذلك بصورة قاطعة وشاهدتَه أنت بنفسك واستمعته.

وكذا إن محمدًا عليه الصلاة والسلام إما رسول الله وأكمل جميع الرسل وأفضل جميع المخلوقات، وإما - حاشاه ثم حاشاه مائة ألف مرة - يقتضي افتراض([3]) أنه بشر



[1])) السبر والتقسيم: مصطلحان بمعنى واحد يعنيان إيراد أوصاف الأصل أي المقيس عليه وإبطال بعضها ليتعين الباقي للعلية

[2])) اختلاق: ادعاء.

[3])) اضطررت إلى استعمال هذه التعبيرات بفرض المحال خائفًا مرتعدًا؛ وذلك إظهارًا لاستحالة فكر أهل الضلال الكفري كليًّا وبيان فساده كلية، استنادًا إلى ذكر القرآن الحكيم لكفر الكافرين وتعبيراتهم الغليظة من أجل دحضها.



179. صفحة

معتوهٌ لا اعتقاد له، وقد سقط إلى أسفل السافلين؛ لافترائه على الله ولعدم معرفته به؛ ولعدم إيمانه بعذابه، وهذا ما لا تستطيع أن تقوله أنت يا إبليس ولا يقوله من تثق بهم مِن فلاسفة أروبا ومنافقي آسيا، وما استطعتم أن تقولوه، ولن تستطيعوا؛ لأنه لا يوجد في الدنيا من سيسمع وسيقبل هذا الافتراء.

وعليه فإنَّ أفسدَ أولئك الفلاسفة الذين تثق بهم، وأشدَّ منافقي آسيا انعداما للضمير يعترفون فيقولون: إن محمدًا العربي كان فذًّا في العقل، وآية في الأخلاق.

فما دامت هذه المسألة منحصرة في شقين، ومادام الشقُّ الثاني مستحيلاً ولا يتبناه أحد، وبما أننا أثبتنا بالحجج القاطعة أنه لا وسط له؛ فلابد -وبالضرورة ورغم أنفك وأنف حزب الشيطان وبالبداهة وبحق اليقين - من أن محمدًا العربيَّ - عليه الصلاة والسلام - رسولُ الله، وأكملُ جميع الرسل، وأفضلُ جميع المخلوقات - عليه الصلاة والسلام - بعدد الملَكِ والإنس والجان.

اعتراضٌ ثانٍ صغيرٌ للشيطان:

عندما كنت أقرأ سورة: ﴿ق # وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ (ق:١) وعندما كنت أقرأ آيات: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ# وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ # وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ # وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ # لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ# وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ#أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ (ق:١٨-٢٤) قال الشيطان:

إنكم تجدون أهم فصاحة القرآن في سلاسته ووضوحه، فانظروا هذه الآيات تنتقل من أين إلى أين؛ فهي تقفز من السكرات إلى يوم القيامة، وتنتقل من نفخ الصور إلى ختام المحاسبة، ومن ثم تذكر الدخول إلى جهنم، فأية سلاسة تبقى مع هذه النقلات العجيبة؟ والقرآن في أكثر مواقعه يجمع مثل هذه المواقع المتباعدة بعضها عن بعض، فأين تبقى السلاسة والفصاحة في مثل هذا التشعُّث وهذه الحال ؟


180. صفحة

الجواب:

إن أهمَّ أسس إعجاز القرآن المعْجِز البيان -بعد بلاغته- الإيجازُ، فالإيجاز هو أهم وأمتن أساسٍ لإعجاز القرآن، فالإيجاز المعجز في القرآن الحكيم كثير ولطيف جدًّا بدرجة تجعل أهل التدقيق ينبهرون به.

فمثلاً: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِىَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (هود:٤٤)، هذه الآية تبين حادثة الطوفان العظيمة مع نتائجها في بضع جمل قصيرة بصورة معجزة؛ بحيث جعلت كثيرًا من أهل البلاغة يسجدون لبلاغتها.

وكذا: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا # إِذِ انبَعَثَ أَشْقَاهَا # فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ نَاقَةَ الله وَسُقْيَاهَا # فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا # وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ (الشمس:١١-١٥) هذه الآيات تبين حادثة قوم ثمود العجيبة المهمة، مع نتائجها وسوء عاقبتهم في بضع جمل قصيرة كهذه، بإعجاز مع إيجاز بصورة سلسة وواضحة وغير مُخِلَّةٍ بالفهم.

وكذا: ﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّنْ نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لاَۤ إِلَهَ إِلاّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّى كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾(الأنبياء:٨٧) فمن جملة: ﴿أَن لَّنْ نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ إلى جملة: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾ هناك جمل كثيرة مطوية، وتلك الجمل غير المذكورة لا تخل بالفهم ولا تضر بسلاستها، وهي تذكر الأساسات المهمة لقصة سيدنا يونس، وتحيل ما تبقى منها إلى العقل.

وكذا في سورة يوسف من كلمة: ﴿أَرْسِلُونِ﴾ (يوسف:٤٥) إلى: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ (يوسف:٤٦) يوجد فيما بينهما سبع أو ثماني جُمَل قد طويت بإيجاز، وهذا الإيجاز لا يُخِلُّ بالفهم أبدًا ولا يضر بسلاستها.

وأمثال هذه الأنماط من الإيجاز المعجز في القرآن كثيرة ولطيفة جدًّا.

أما آيات سورة ﴿ق﴾ فما فيها من الإيجاز، معجز وعجيب جدًّا؛ لأنها تشير بأصابعها إلى مستقبل الكفار المرعب المخيف والطويل للغاية، والذي يوم واحد منه كخمسين ألف سنة، وإلى الحادثات الأليمة المهمة التي ستصيبهم في الانقلابات المذهلة في

181. صفحة

ذلك المستقبل واحدة إثر الأخرى، وتسيِّرُ الفكرَ حول هذه الحوادث بسرعة كالبرق، وتظهر ذلك الزمن الطويل كصحيفة حاضرة أمام النظر، وتُبِينُ بسلاسة عالية الحوادث غير المذكورة محيلةً إياها إلى الخيال.

﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الأعراف:٢٠٤)

فيا أيها الشيطان، الآن إن كانت لك كلمةٌ فقلها.

فيقول الشيطان: لا أستطيع المقاومة أمام هذه الحجج ولا أستطيع الدفاع تجاهها، إلا أن هناك كثيرًا من الحمقى يُنْصِتون إليّ، وهناك كثير من الشياطين في صورة أَنَاسِيٍّ يعينونني، وهناك فراعنة كثيرون من الفلاسفة يتلقون مني المسائل التي تلاطف أنانيتهم، ويحولون دون نشر مثل كلماتك هذه؛ ولذا لا أسلِّم لك السلاح.

سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ

 

المبحث الثاني

لقد كتب هذا المبحث بناءً على حيرة من رأوا اختلافًا عجيبًا في أخلاقي ممن كانوا يخدمونني دائمًا، ومن أجل تعديل حسن ظنٍّ مفرط يفوق حدي لدى اثنين من تلاميذي.

أرى أن بعض الكمالات والفضائل التي تعود إلى حقائق القرآن الحكيم تُنسَب وتسند إلى الوسائط والوسائل التي تقوم بنشر تلك الحقائق والدعوة إليها، وهذا خطأ؛ لأن قدسية المصدر تُظهِر التأثير كقوة كثيرٍ من البراهين، وهذه القدسية تجعل الجميع يقبلون الأحكام، فمتى ما حجب الداعي والوكيل ذلك، أي متى ما صار التوجه إليهما والإقبال عليهما؛ زال تأثير قدسية المصدر.

وبناءً على هذا السرّ سأبين الحقيقة الآتية لإخواني الذين يحترمونني أكثر من حدي بكثير:

قد تكون للإنسان شخصيات متعددة، وتُظهِر هذه الشخصيات أخلاقًا مختلفة، فمثلا:

للموظف الكبير شخصية تقتضي الوقار في أثناء وجوده في مقام الموظف، وتستوجب الأطوار التي تصون بها عزة المقام وكرامته، فتواضعه مثلا لكل زائرٍ تذلّلٌ، وحطّ من شأن

182. صفحة

شأن المقام، بينما شخصيته في داره تقتضي بعض الأخلاق المخالفة لما في مقامه؛ بحيث إنه كلما تواضع كان أفضل، وإذا ما أبدى شيئًا من الوقار فذلك تكبر، وهكذا.

إذن فالإنسان له شخصية باعتبار وظيفته تُخالفُ شخصِيَّته الحقيقيةَ في نقاط كثيرة، وإن كان صاحب هذه الوظيفة أهلا لهذه الوظيفة بجدارةٍ وكانت طبيعته واستعداداته موافقة ومناسبة لها بحق؛ فعندئذ تكون كلتا الشخصيتين متقاربتين، وإن لم يكن مستعدًّا لها كأن يُجلَس الجندي في مقام المشير -مثلا- فإن كلتا الشخصيتين تتباعدان، ولا تنسجم الخصال الصغيرةُ الشخصية العادية لذلك الجندي مع الأخلاق الرفيعة السامية التي يقتضيها المقام.

فكذلك أخوكم هذا المسكين فيه ثلاث شخصيات، كل منها بعيدة عن الأخريين كل البعد.

الشخصية الأولى: شخصيتي المؤقتة التي تعود إلى القرآن وحده لكوني داعيًا إلى الكنز السامي للقرآن الحكيم ودلاّلا عليه، فثمة كثير من الأخلاق العالية السامية جدًّا التي يقتضيها شأن الدعوة إلى ذلك الكنز والتدليل عليه، وهي ليست لي، ولا أملكها، بل هي سجايا يقتضيها ذلك المقام، وتستوجبها تلك الوظيفة، فكل ما ترون فيَّ من هذا النوع فهو ليس لي؛ لذا فلا تنظروا إليَّ من خلاله، بل هي للمقام.

الشخصية الثانية: عندما أتوجه إلى الله تعالى في وقت العبادة أُمنَح شخصيةً خاصة بإحسان الله تعالى ومنّه، وهذه الشخصية تُظهِر بعض الآثار، وهي تنشأ عما هو أساسٌ لمعنى العبودية من معرفة العبد تقصيرَه وإدراكِه عجزَه وفقرَه، والتجائه إلى الله تعالى بالتذلل، فإني أرى نفسي بهذه الشخصية أتعسَ وأعجزَ وأفقرَ وأكثرَ تقصيرًا من كل أحد، فإنْ مدَحتْني كلُّ الدنيا وأثنَتْ عليَّ فلن تستطيع أن تقنعني بأني صالح، وصاحب كمال.

الشخصية الثالثة: وهي شخصيتي الحقيقية الموروثة من الماضي، وهي بعض العروق التي ورثتها من سعيد القديم، وتكون أحيانًا راغبة في الرياء والجاه، ويبدو فيَّ بعضٌ من الأخلاق البسيطة العادية واقتصادٌ في درجة البخل؛ لأني لست من أسرةٍ عريقة نبيلة.


183. صفحة

ويا إخواني لن أخبركم عن مساوئ مخفية وأخطاء سيئة كثيرة لشخصيتي هذه، حتى لا أنفّركم كليًّا.

فيا إخواني بما أني لست صاحب مقام، ولست صاحب استعداد له؛ فإن شخصيتي هذه بعيدة كل البعد عن الأخلاق والآثار التي في وظيفة الدعوة إلى القرآن الكريم والعبودية.

ثم إن الله تعالى قد أظهر قدرته الرحيمة فيّ حسب قاعدة "داد حق را قابليت شرط نيست"([1])، حيث إنه سبحانه يستخدم شخصيتي هذه -التي هي كأدنى جندي- في خدمة الأسرار القرآنية التي هي أعلى مقام للمشيرية، فألف شكر وشكر لله سبحانه وتعالى، فالنفس أدنى من الكل، والوظيفة أسمى من الكل.





[1])) أي: القابلية ليست شرطًا لمنّ الله وإنعامه.


184. صفحة

الحمد لله هذا من فضل ربي.

 

 

المبحث الثالث

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ (الحجرات:13)

أي: إني خلقتُكُم طوائفَ وأممًا وقبائل لتتعارفوا، وتعرفوا علاقات الحياة الاجتماعية فيما بينكم فتتعاونوا عليها، ولم أخلقكم طوائف وأممًا وقبائل لتتناكروا فتتخاصموا.

هذا المبحث "سبع مسائل".

المسألة الأولى:

لما كانت هذه الحقيقة العالية السامية التي تبينها هذه الآية الكريمة خاصةً بالحياة الاجتماعية؛ اضطُرِرتُ إلى الكتابة عنها بلسان سعيد القديم الذي كان ذا علاقة وصلة بالحياة الاجتماعية الإسلامية؛ من أجل خدمة القرآن العظيم الشأن، ومن أجل أن تُشكّل سدًّا أمام الهجمات الظالمة غير المنصفة، وليس بلسان سعيد الجديد الذي يريد أن ينسحب ويبتعد عن الحياة الاجتماعية.

 المسألة الثانية: نقول من أجل بيان دستور التعارف والتعاون الذي أشارت إليه هذه الآية الكريمة:

كما أن الجيش يُقسّم إلى فِرَق، والفرق إلى كتائب، والكتائب إلى ألوية، وإلى فصائل وإلى سرايا، حتى تُعرَف وتُعلَم العلاقات المختلفة المتعددة لكل جندي، ووظائفه حسب تلك العلاقات، حتى يؤدي أفراد ذلك الجيش وظيفةً حقيقية عامّة تحت دستور التعاون، وتبقى حياتهم الاجتماعية مصونةً من هجمات الأعداء، وليس التقسيم والتفريق من أجل أن تتنافس فصيلة مع فصيلة أخرى، وأن تعادي كتيبةٌ كتيبةً أخرى، وأن تتصرف فرقة خلاف فرقة أخرى؛ فكذلك المجتمع الإسلامي جيش كبير قُسّم إلى

185. صفحة

قبائل وطوائف، ولكن لها آلافًا من وجوه الوحدة، فخالقهم واحد، ورزّاقهم واحد، ورسولهم واحد، وقبلتهم واحدة، وكتابهم واحد، ووطنهم واحد، وهكذا واحد واحد إلى الآلاف من وجوه الوحدة، وكل تلك الواحدية تقتضي الأخوة والمحبة والوحدة، إذن فالانقسام إلى قبائل وطوائف هو من أجل التعارف، ومن أجل التعاون كما تعلنه هذه الآية الكريمة، وليس للتناكر، أو المعاداة.

المسألة الثالثة: لقد انتشر الفكر القومي في هذا العصر إلى حد بعيد، وخاصة من ظالمي أوربا الدساسين الذين يثيرونه بين المسلمين بصورة سلبية، حتى يفرّقوهم ويمزقوهم فيبتلعوهم.

ولما كان في الفكر القومي ذوق للنفس ولذة تُغفِل، وقوة مشئومة؛ فلا يقال لمن يشتغلون بالحياة الاجتماعية في هذا الزمان: تخلوا عن الفكر القومي.

ولكن الفكر القومي قسمان، قسم منهما سلبي، ومشئوم، ومضر؛ إذ يتغذى بابتلاع الآخرين، ويدوم بمعاداتهم، ويتصرف بتيقظ وانتباه وحذر، وكل هذا يؤدي إلى المخاصمة والفوضى؛ لذا فقد أعلن الرسول r في الحديث الشريف ما معناه "الإسلام جَبَّ العصبية الجاهلية"([1]) وأعلن القرآن الكريم ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (الفتح:26)، فهذا الحديث الشريف، وهذه الآية الكريمة يرفضان القومية السلبية والفكر العنصري رفضًا قاطعًا؛ لأن القومية قومية الإسلام الإيجابية المقدسة لا تدع حاجة إليها.

تُرَى أيُّ عنصر يبلغ ثلاثمائة مليونٍ؟! وأي فكر عنصري بدلا من الإسلام يُكسِب صاحبه هذا العدد من الإخوان، ولاسيما الإخوان الأبديين؟! نعم؛ لقد ظهرت أضرار كثيرة جدًّا للقومية السلبية في التاريخ، منها على سبيل المثال أن الأمويين قد خلطوا شيئًا من الفكر القومي في سياساتهم، فأسخطوا العالم الإسلامي، وعانوا هم أنفسهم من بلايا وفتن كثيرة.

ثم إن الأمم الأوربية اشتطت في الفكر القومي في هذا العصر وذهبت بعيدًا فيه، ومن ثم فقد أظهرت الأحداث الرهيبة العظيمة التي جرت في الحرب العالمية




[1])) جاء في صحيح ابن حبان برقم 3827 في جزء منه: "فإن الله قد أذهب عنكم عصبية الجاهلية، يا أيها الناس ، إنما الناس رجلان بر تقي كريم على ربه، وفاجر شقي هين على ربه...".


186. صفحة

مدى أضرار الفكر القومي للبشر فضلا عن العداوة الأبدية المشئومة جدًّا بين الفرنسيين والألمان.

أما فينا نحن فقد تشكلت جمعيات مختلفة للاجئين -وعلى رأسهم الأرمن والروم- في بداية عهد الحرية بسبب الفكر القومي السلبي، تحت أسماء أندية كثيرة أدت إلى تفرقة القلوب كما تفرقت الأقوام، وتشعب الأقوام بسبب ما يُعرف بتبلبل الأقوام عندما تهدمت قلعة بابل، وأظهرت حالُ من صار منهم في حالة يرثى لها ومن غدا لقمةً سائغةً للأجانب الإفرنج أضرارَ الفكر القومي.

أما الآن فإن العناصر الإسلامية وقبائلها -التي ترزح تحت سيطرة الأجانب، والتي كل واحد منها في أمسِّ الحاجة إلى الآخر، وأكثر معاناة من الظلم، وأفقر من الآخر- إنْ نظر بعضها إلى بعضها الآخر -بسبب الفكر القومي- نظرةَ برودٍ وجفوة، واعتبر بعضها بعضها الآخر كالعدو فهي كارثةٌ عظيمةٌ لا توصف، بل هي حماقة تشبه حماقة التصدي للسع بعوضة واحدة مع عدم الاكتراث بالثعابين الرهيبة.

كذلك فإن عدم الاكتراث بأوربا وهي كالأفاعي الرهيبة الهائلة عندما يزداد طمعها الذي لا يشبع وتكشف مخالبها، بل مساعدتها معنىً، وعداوة الأهالي في الولايات الشرقية، أو إخوان الدين في الجنوب، واتخاذ موقفٍ معاد لهم بسبب الفكر القومي؛ له أضرار بالغة ومهالك كثيرة، فضلا عن أنه ليس بين أفراد إخواننا في الجنوب عدو حتى يُتخذ موقف العداء ضدهم؛ إذ أتى من الجنوب نور القرآن وضياء الإسلام، وهو موجود بيننا، ومنتشر في كل مكان، فالعداوة لإخواننا في الدين هؤلاء تمسّ الإسلام والقرآن، والعداء للإسلام والقرآن هو عداء للحياة الدنيوية والأخروية لجميع هؤلاء المواطنين، فهدم حجر الأساس للحياتين بزعم الخدمة للحياة الاجتماعية باسم الحمية والشهامة ليس حميةً ولا شهامة، وإنما هو حماقة وبلادة!

المسألة الرابعة: القومية الإيجابية متولدة من حاجةٍ داخلية للحياة الاجتماعية، وهي سبب للتعاون والتساند، وتحقق قوةً نافعة، وتصبح وسيلةً تُقَوِّي وتؤيد الأخوة الإسلامية أكثر، وهذا الفكر القومي الإيجابي يجب أن يكون خادمًا للإسلام، وحصنًا ودرعًا له، وينبغي ألاَّ يحل محله؛ لأن الأخوة التي يمنحها الإسلام فيها ألف أخوة،

187. صفحة

وهذه الأخوة تبقى خالدة في عالم البقاء وعالم البرزخ؛ لذا فلا تستطيع الأخوة القومية مهما كانت قويةً إلا أن تكون بمنزلة ستار لها، وإلا فإن إقامتها مُقَام الأخوة الإسلامية جناية حمقاء كمثل وضع أحجار القلعة مكان خزانة الألماس التي في داخل القلعة، ورمي الألماس إلى الخارج!

فيا أبناء هذا الوطن، يا أهل القرآن! لقد تحديتم العالم كحاملي راية القرآن الحكيم منذ ستمائة سنة، بل منذ ألف سنة من زمن العباسيين، وأعلنتم القرآن، وجعلتم قوميتكم قلعةً للقرآن والإسلام، وأسكتّم العالم كله، ودفعتم الهجمات الرهيبة، حتى أصبحتم مصداقًا جميلا للآية الكريمة ﴿يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ (المائدة:54)، فلا تنخدعوا بدسائس أوربا والمنافقين المتفرنجين، ويجب أن تحذروا وتخافوا أن تكونوا مصداقًا للخطاب الذي في بداية هذه الآية.

أمر يثير الاهتمام والانتباه

الشعب التركي مسلمٌ في كل مكان في العالم مع أنه أكثر عددًا بين العناصر الإسلامية الأخرى، ولم ينقسم إلى قسمين؛ مسلمٍ وغير مسلم كسائر العناصر والأقوام، فأينما كانت طائفة الترك فهي مسلمة، والأتراك الذين ارتدوا عن الإسلام، أو لم يسلموا خرجوا عن صِفَة الترك، مثل المـَجَر([1])، في حينٍ أن كل العناصر -حتى الصغيرة منها- فيها المسلم وغير المسلم.

فيا أيها الأخ التركي انتبه أنت بالذات، فقد امتزجت قوميتك بالإسلام، ولا يمكن فصلها وتفريقها عنه، فإن فصلتَها وفرَّقتَها عنه هلكتَ؛ إذ إن كل ما تفتخر به في الماضي قد سُجّل في سجلّ الإسلام، وهذه المفاخر لم تُمْحَ في الأرض بأية قوة من القوى، فلا تمحها أنت من قلبك بوساوس الشياطين ودسائسهم!

المسألة الخامسة: الأقوام التي أفاقت وانتبهت في آسيا تتمسك بالفكر القومي، وتقلد أوربا في كل الأمور والنواحي، بل حتى تتصرف مضحّيةً بجميع




[1])) يقال إن المجريين في أصلهم كانوا أتراكًا، ثم لما تنصروا انتفت عنهم التركية، وتسموا باسمٍ آخر.


188. صفحة

المقدسات في سبيل ذلك، مع أن قامةَ قِيمةِ كلِّ أمة تقتضي لباسًا خاصًّا بها يختلف عن أمم أخرى، وحتى لو كان نوع القماش واحدًا؛ فإنه يجب أن تكون الطُّرُز مختلفةً، فلا تُلبس المرأة ملابس الشرطي، كما لا يُلبَس العالم الشيخ لباس المرأة الراقصة الخليعة، فالتقليد الأعمى يصبح مدعاة للسخرية في كثير من الأوقات؛ لأنه:

أوّلاً: إن كانت أوربا دكانًا أو معسكرًا، فإن آسيا مزرعة أو جامع، فصاحب الدكان قد يذهب إلى الرقص، ولكن المزارع لا يمكن أن يذهب، ولا يكون حال المعسكر كحال الجامع.

ثم إن ظهور أكثر الأنبياء في آسيا، وظهور أغلب الفلاسفة في أوربا رمزٌ للقدر الأزلي، وإشارةٌ منه إلى أن الذي سيوقظ وينبه أقوام آسيا وينهض بهم ويديرهم هو الدين والقلب، أما الفلسفة والحكمة فيجب أن تعاونا الدين والقلب، لا أن تَحُلا محلهما.

ثانيًا: إن قياس الدين الإسلامي بالنصرانية واللامبالاة بالدين مثل أوربا خطأ كبير جدًّا؛ لأن أوربا متمسكة بدينها أولا؛ إذ تعصب عظماء أوربا وعلى رأسهم ولسن([1])، ولويد جورج([2])، وفينزيلوس([3]) لدينهم كتعصب القساوسة شاهد على أن أوربا متمسكة بدينها، ومدافعة عنه، بل متعصبة بوجه من الوجوه.

ثالثًا: إن قياس الإسلام بالنصرانية هو قياس مع الفارق، وهذا خطأ؛ لأن أوربا عندما كانت متعصبةً لدينها لم تكن متحضرةً، وتركت التعصب فتحضرت.

ثم إن الدين قد تسبب في حروب داخلية فيما بينهم استمرت ثلاثمائة سنة، فقد كان الدين أداة بيد المستبدين الظالمين لسحق العوام والفقراء وأهل الفكر، فهذا أدى إلى سخطهم جميعًا على الدين وهجرهم إياه مؤقتًا.




[1])) رئيس الولايات المتحدة الأمريكية الأسبق، وهو الرئيس الثامن والعشرون لها، وقد تولى رئاستها في الفترة من (1913م إلى 1921).

[2]))أحد زعماء حزب الأحرار البريطاني، وكان رئيسًا للوزراء في النصف الثاني من الحرب العالمية الأولى.

[3])) كان رئيس وزراء اليونان عام 1910م وزعيمًا ثوريًّا من زعمائها.



189. صفحة

أما في الإسلام؛ فالتاريخ شاهد على أن الدين لم يتسبب في الحرب الداخلية غير مرة.

ومتى ما تمسك المسلمون بالدين تمسكًا قويًّا تقدموا كثيرًا بالنسبة لزمانهم، والشاهد على هذا دولة الأندلس الإسلامية التي هي أكبر أستاذ ومعلم لأوربا، وعندما لم يهتم المجتمع الإسلامي بالدين ولم يبال به وتهاون في شأنه، أصيب بالبلايا وتخلف وتدنى!!

ثم إن الإسلام يحمي الفقراء والعوام بآلاف المسائل الرحيمة والرءوفة كوجوب الزكاة وحرمة الربا، ويستشهد العقل والعلم ويوقظهما بكلماته مثل "أفلا يعقلون، أفلا تتفكرون، أفلا يتدبرون"، ويحمي أهل العلم، ومن ثَمَّ فقد أصبح الإسلام حصنَ الفقراء وأهل العلم وملاذهم دومًا، فليس ثمة داعٍ إلى هجر الإسلام.

وسر حكمة الفرق بين الإسلام وبين النصرانية والأديان الأخرى هو:

إن أساس الإسلام التوحيدُ المحض، فهو لا يمنح الوسائطَ والأسباب أيَّ تأثير حقيقي، ولا يعطيها أيةَ قيمةٍ من حيثُ الإيجادُ والمقام.

أما النصرانية فقد قبلت بفكرة البُنُوّة؛ لذا فهي تُعطِي الوسائطَ والأسبابَ قيمةً، ولا تكسر الأنانية والغرور، وكأنها تمنح مظهرًا من مظاهر الربوبية الإلهية لأحبارها وعظمائها، وأصبحوا مصداق الآية الكريمة ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ﴾ (التوبة:31)، ومن أجل هذا فإن ذوي المناصب العليا في الدنيا عند النصارى يصبحون متعصبين لدينهم مثل رئيس أمريكا السابق([1]) ويلسن مع الحفاظ على غرورهم وأنانيتهم.

بينما في الإسلام الذي هو دين التوحيد المحض؛ إما أن يترك ذوو المناصب الكبيرة في الدنيا غرورَهم وأنانيَّتَهم، وإما أن يتخلوا عن التمسك بالدين إلى حدٍّ ما، ولهذا لا يبالي بعضهم بالدين، بل يكونون ملاحدةً.

المسألة السادسة: نقول للمُفرِطين في القومية السلبية والفكر العنصري:

أولا: لقد تعرض سطح الدنيا، ولاسيما بلادنا هذه منذ عصور قديمة لهجرات وتغيرات كثيرة، إضافة إلى هذا فإن الكثيرين من الأقوام الآخرين ارتموا في هذا




[1])) أي السابق على زمن تأليف هذه الرسالة.


190. صفحة

الوطن واستوطنوه بعدما تشكل فيه مركز الحكومة الإسلامية، فإذا فتح اللوح المحفوظ والحال هكذا فلا يمكن تمييز العناصر بعضها من بعض، إلا العناصر الحقيقية، إذن فإن بناء الحركة والحمية على فكر العنصر الحقيقي لا معنى له، بل هو مضر جدًّا؛ لذا فقد اضطر أحد زعماء القومية السلبية والعنصرية والذي لا يبالي بالدين ولا يهتم به إلى القول: "إذا كانت اللغة واحدة والدين واحدًا؛ فالأمة واحدة".

وإن كان الأمر كذلك فلا يُنظر إذن إلى العنصر الحقيقي، بل ينظر إلى علاقات اللغة والدين والوطن، فإذا اتحدت الثلاثة فالأمة قوية بذاتها أصلا، وإذا نقص أحدها فهو داخل ضمن القومية أيضًا.

ثانيًا: سنبين "فائدتين" من بين مئات الفوائد التي تُكسِبها القومية الإسلامية المقدسة للحياة الاجتماعية لأبناء هذا الوطن في مثالين:

أحدهما: إن الذي يحافظ على حياة هذه الدولة الإسلامية ووجودها -مع أن سكانها عشرون أو ثلاثون مليونًا- أمام الدول الأوربية العظمى كلها هو هذا الفكر النابع من نور القرآن في جيش هذه الدولة: "إن مِتّ فأنا شهيد، وإن قَتَلْتُ فأنا مجاهد"، فهكذا استقبل الموت مبتسمًا في وجهه بكمال الشوق والعشق، وهز أوربا وزلزلها دائمًا.

فيا ترى أي شيء في الدنيا يؤدي إلى مثل هذه التضحية الرفيعة والبذل السامي في روح الجنود الذين لهم أفكار بسيطة ساذجة وقلوب صافية نقية؟! وأية حمية يمكن أن تُقَام مُقَامها، وتجعلهم يضحون بحياتهم وكل دنياهم عن حب ورضا في سبيله؟!

ثانيهما: إن أفاعي أوربا ودولها الكبرى متى ما صفعت الدولة الإسلامية هذه أبكت ثلاثمائة وخمسين مليونًا من المسلمين وآلمتهم، فسحب أصحاب المستعمرات هؤلاء أيديهم حتى لا يثيروا عواطف المسلمين وشكاواهم، وأنزلوا أيديهم وقتما كانوا يرفعونها.

أروني قوةً يمكن أن تقام مقام القوة الظهيرة المعنوية الدائمة التي لا يمكن أن تُستصغر بأي وجه من الوجوه! هل يمكن هذا؟!


191. صفحة

أجل؛ يجب عدم إثارة سخط هذه القوة الظهيرة المعنوية العظيمة بسبب القومية السلبية والحمية المستغنية!

المسألة السابعة: نقول للذين يتظاهرون بحميةٍ مفرطة في القومية السلبية:

إن كنتم تحبون هذه الأمة حبًّا حقيقيًّا وتشفقون عليها، فأَكِنّوا في قلوبكم حميةً تكون رأفةً بأكثرها، وإلا فإن خدمة الحياة الاجتماعية المؤقتة الغافلة للقلة القليلة غير المحتاجة إلى الشفقة والرأفة -مما يعني الظلم للأكثرية- ليست بحمية؛ لأن الحمية بدافع الفكر القومي السلبي قد تنفع فائدة مؤقتة لاثنين من كل ثمانية من الأمة، فينالان شفقة تلك الحمية التي لا يستحقونها، أما الستة من الثمانية فهم الشيوخ، أو المرضى، أو المبتلَوْنَ بالمصائب، أو الأطفال، أو الضعفاء المساكين، أو المتقون الذين يفكرون في الآخرة بشكلٍ جادّ؛ فهؤلاء يحتاجون نورًا وسلوانًا وشفقة أمام الحياة البرزخية والأخروية التي يقبلون عليها أكثر من احتياجهم إليها من حيث الحياة الدنيوية، ويحتاجون إلى أيد مباركة ذات حمية، فأية حمية تسمح لإطفاء نورهم وإزالة سلوانهم؟!

هيهات، أين الشفقة على الأمة، وأين التضحية في سبيل الأمة؟!

لا يُقطع الرجاء من الرحمة الإلهية؛ لأن الحق تعالى سخّر واستخدم الجيش المهيب والجماعة العظيمة لأبناء هذا الوطن في خدمة القرآن، ووظّفهما في حمل رايته منذ ألف سنة، فلن يخذلهما إن شاء الله بعوارض مؤقتةٍ، بل يمدّ ذلك النور مرة أخرى، ويديم وظيفتهما.

 

المبحث الرابع

تنبيه: كما أن المباحث الأربعة لـ"المكتوب السادس والعشرين" غير متناسب بعضها مع بعض، فـ"المسائل العشرة" لهذا المبحث الرابع كذلك غير متناسب بعضها مع بعض؛ ولهذا فلا يُبحث عن التناسب فيها، وهي كتبت كما وردت.

هذا المبحث جزء من الرسالة التي أرسلها إلى أحد تلاميذه الكبار، وتحتوي على أجوبة عن بضعة أسئلة سألها ذلك التلميذ.


192. صفحة

المسألة الأولى

ثانيًا: تقول في رسالتك إن علماء التفسير قالوا في تفسير ﴿رَبّ العَالَمِينَ﴾، إن هناك ثمانية عشر ألف عالَمٍ، فأنت تسأل عن حكمة هذا العدد؟

أخي لا أعلم الآن حكمة هذا العدد، ولكن أقول هذا القدر:

لا تنحصر جمل القرآن الحكيم في معنى واحد، بل هي ككُلي يتضمن معنى معينًا لكل طبقة؛ إذ هي خطابٌ لجميع طبقات البشر، فالمعاني المبَيَّنة هي بمنزلة جزئياتٍ لتلك القاعدة الكلية، وكل مفسر وكل عارف يذكر جزءًا من ذلك الكلي، ويستند إلى كشفه أو دليله أو مشربه، فيختار معنى معينًا حسب ذلك، وفي هذه المسألة أيضًا كشفت طائفة من الطوائف معنى موافقًا لهذا العدد.

فمثلا: في هذه الآية ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ & بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾(الرحمن:19) التي يذكرها ويكررها أهل الولاية في أورادهم باهتمام بالغ معانٍ جزئيةٌ بدءًا من بحر الربوبية الذي في دائرة الوجوب وبحر العبودية الذي والإمكان، وانتهاء إلى بحر الدنيا والآخرة، ومن بحر عالم الغيب وعالم الشهادة، إلى المحيطات في الشرق والغرب والشمال والجنوب، ومن بحر الروم وبحر الفارس، إلى البحر الأبيض والبحر الأسود والمضيق الذي بينهما، الذي يخرج منه السمك المسمى بالمرجان، وإلى البحر الأبيض والبحر الأحمر وقناة السويس، وإلى البحار العذبة والمالحة، وإلى البحار العذبة الجوفية المتفرق بعضها عن بعض، والبحار المالحة التي على ظهر الأرض المتصل بعضها ببعض، وإلى البحار العذبة التي تسمى بالأنهار الكبيرة كالنيل ودجلة والفرات، وإلى البحار المالحة التي تمتزج بها هذه الأنهار، وكل هذه المعاني يمكن أن تكون مرادة ومقصودة، وهي المعاني الحقيقية والمجازية لتلك الآية الكريمة؛ كذلك فإن ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ جامعة لحقائق كثيرة جدًّا، وقد بين أهل الكشف والحقيقة معانيها ببياناتهم المختلفة حسب كشفياتهم.


193. صفحة

وأنا أفهم منها أن في السموات آلاف العوالم، ويمكن أن يكون كل نجم من أقسام بعض النجوم عالمًا بذاته، وكل نوع من أنواع مخلوقات الأرض عالم بذاته، بل كل إنسان هو عالم صغير، فتعبير "رب العالمين" يعني أن كل عالم من العوالم يدار ويربى ويدبر أمره بربوبية الله وحده.

ثالثًا: لقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا أراد الله بقوم خيًرا أبصرهم بعيوب أنفسهم([1])"، وقال يوسف عليه السلام في القرآن الحكيم ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾(يوسف:53).

أجل؛ إن الذي يُعجَب بنفسه ويثق بها شقيٌّ تعس، وإن الذي يبصر عيوب نفسه سعيد محظوظ، إذن فأنت سعيد، ولكن يكون أحيانًا أن النفس الأمّارة تنقلب إلى النفس اللوّامة أو النفس المطمئنة، ولكنها تترك أسلحتها وعتادها للأعصاب، والأعصاب والعروق تؤدي تلك الوظيفة إلى آخر العمر، فتَظهر آثار النفس الأمّاَرة على الرغم من موتها منذ مدة طويلة، وهناك أصفياء وأولياء عظماء كبار قد اشتكوا من النفس الأمارة على الرغم من أن نفوسهم مطمئنة، واستصرخوا واستغاثوا من أمراض القلب على الرغم من أن قلوبهم سليمة ومنورة جدًّا، إذن فما في هؤلاء العظماء ليس النفس الأمّارة، وإنما وظيفة النفس الأمّارة التي انتقلت إلى الأعصاب، والمرض ليس قلبيًّا، وإنما مرضٌ خيالي، فالذي يهاجمكم يا أخي العزيز ليس نفسكم ولا أمراضكم القلبية إن شاء الله، بل هو حالةٌ انتقلت كما قلنا آنفًا إلى الأعصاب بمقتضى البشرية لدوام المجاهدة كي تؤدي إلى الرقي الدائم.

المسألة الثانية

إن إيضاحات المسائل الثلاث التي سألها الأستاذ السابق موجودة في أجزاء رسائل النور، وسنشير إليها حاليا إشارة مختصرة:



[1])) ورد بلفظ: "إِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا جَعَلَ فِيهِ ثَلَاثَ خِلَالٍ: فِقْهَهُ فِي الدِّينِ، وَزُهْدَهُ فِي الدُّنْيَا، وَبَصَرُهُ عُيوبَهُ" (رواه البيهقي في شعب الإيمان، باب الزهد وقصر الأمل برقم 10053، وورد أيضًا بلفظ: إذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا ، فَقَّهَهُ فِي الدِّينِ ، وَزَهَّدَهُ فِي الدُّنْيَا ، وَبَصَّرَهُ عَيْبَهُ ، فَمَنْ أُوتِيَهُنَّ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، رواه ابن أبي شيبة في مصنفه، برقم 31696.



194. صفحة

سؤاله الأول: لقد قال محيي الدين بن عربي في رسالته التي كتبها إلى فخر الدين الرازي([1]): "إن معرفة الله تعالى غير معرفة وجوده"، فما معنى هذا، وما القصد منه؟

 الجواب:

أولا: إن المثال والتمثيل في الفرق بين التوحيد الحقيقي والتوحيد الظاهري الموجود في مقدمة "الكلمة الثانية والعشرين" التي قرأتَها له فيه إشارة إلى المقصد، و"الموقفُ الثاني" و"الموقف الثالث" من "الكلمة الثانية والثلاثين" ومقاصدها توضح ذلك المقصد.

ثانيًا:

لقد قال محيي الدين بن عربي هذا الكلام لفخر الدين الرازي الذي هو أحد أئمة علم الكلام؛ لأن بيانات أئمة أصول الدين وعلماء علم الكلام حول العقائد ووجود واجب الوجود والتوحيد الإلهي غير كافية في نظره.

أجل؛ إن المعرفة الإلهية المكتسبة بواسطة علم الكلام لا تورث المعرفة الكاملة والحضور التام، وإذا كانت على غرار القرآن المعجز البيان أورثت المعرفة التامة، وأكسبت الحضور الأتم، فجميع أجزاء رسائل النور تؤدي إن شاء الله تعالى وظيفة المصباح الكهربائي في الجادة النورانية للقرآن المعجز البيان.

فكما أن معرفة الله تعالى التي استقاها فخر الدين الرازي من علم الكلام تبدو ناقصةً في نظر محيي الدين، كذلك فالمعرفة المستقاة عن طريق مسلك التصوف أيضًا ناقصةٌ بالنسبة للمعرفة المستقاة من القرآن الحكيم مباشرةً بسر وراثة النبوة؛ لأن مسلك محيي الدين بن عربي قال "لا موجود إلا هو" من أجل الظفر بالحضور الدائمي، حتى بلغ به الأمر إلى حد إنكار وجود الكائنات، أما الآخرون فقد قالوا "لا مشهود إلا هو"




[1])) فخر الدين الرازي: هو الإمام فخر الدين محمد بن عمر بن الحسين القرشي الطبري الأصل الرازي المولود، من ذرية سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه، شافعي، مفسر، متكلم، فاق أهل زمانه في كل العلوم، حيث كان إمام وقته في العلوم العقلية وأحد الأئمة في العلوم الشرعية، ولد سنة 544هـ وتوفي 606هـ، من مصنفاته "التفسير الكبير"، و"المطالب العالية من العلم الإلهي"، و"محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين"، و"أساس التقديس". 


195. صفحة

من أجل الظفر بالحضور الدائمي وجعلوا الكائنات تحت ستار النسيان المطلق فسلكوا بذلك مسلكًا عجيبًا.

أما المعرفة المستقاة من القرآن الحكيم فإنها تورث الحضور الدائمي ولا تحكم على الكائنات بالعدم، ولا تسجنها في النسيان المطلق، بل تُخرجها من العبثية والفوضى، وتستخدمها في سبيل الله تعالى، فيغدو كل شيء مرآة المعرفة، وتفتح في كل شيء نافذة إلى معرفة الله تعالى كما قال سعدي الشيرازي:

دَرْ نَظَرِ هُوشْيَارْ هَرْ وَرَقِى دَفْتَرِيسْت أَزْ مَعْرِفَتِ كِرْدِگَارْ([1]).

لقد ذكرنا مثالا في بعض الكلمات على الفرق بين مسلك علماء علم الكلام وبين المنهاج الحقيقي المستقى من القرآن، وهو:

إن بعض الناس يحفر في أسفل الجبال في مكان بعيد من أجل أن يأتي بالماء بالقنوات، وبعضهم الآخر حيثما يحفر يفجر الماء، فالقسم الأول شاق جدًّا، حيث إن القنوات تنسد وينقطع الماء، ولكن الذين هم أهل لاستخراج الماء أينما حفروا يجدوا الماء في كل مكان من غير مشقة، كذلك فإن علماء الكلام يقطعون الأسباب بمحالية التسلسل والدور في نهاية العالم، ثم يثبتون به وجود الواجب الوجود، أي يسلكون طريقًا طويلا.

أما المنهاج الحقيقي للقرآن الحكيم فيجد الماء في كل مكان ويستخرجه، وكل آية من آياته كعصا موسى تفجر الماء الباعث للحياة أينما ضربت، وتستقرئ كلَّ شيء دستور "وَفِي كُلّ شَيْءٍ لَهُ آَيَةٌ    تَدُلّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدٌ[2]".

ثم إن الإيمان ليس بالعلم وحده، بل فيه حظ لكثير من اللطائف، وكما أن الطعام إذا ما دخل المعدة ينقسم ويُوَزّع إلى أعصابٍ مختلفة بشكل مختلف، كذلك فالمسائل الإيمانية الآتية عن طريق العلم هي أيضًا بعدما تدخل معدة العقل تأخذ الروح والقلب والسر والنفس وغيرها من اللطائف حظًّا منها، كلٌّ حسب درجته، وتمصّها، فإن لم يكن لها حظ فإن الإيمان يكون ناقصًا.




[1])) أي إن كل ورقة سِجِلٌّ لمعرفة الله الصانع البديع في نظر المرء اليقظ الواعي.

[2] البيت للشاعر الجاهلي لبيد بن ربيعة.


196. صفحة

فمحيي الدين بن عربي يذكِّر فخر الدين الرازي بهذه النقطة.

المسألة الثالثة

ما وجه التوفيق بين الآية ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ﴾(الإسراء:70) وبين الآية ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا﴾ (الأحزاب:72)؟

الجواب: إيضاح هذا السؤال موجود في "الكلمة الحادية عشرة" و"الكلمة الثالثة والعشرين"، وفي "الثمرة الثانية" من "الغصن الخامس" من "الكلمة الرابعة والعشرين"، وسرُّه المجمَل هو:

كما أن الحق تعالى يخلق بكمال قدرته من شيء واحد أشياء كثيرة، ويجعله يؤدي كثيرًا من الوظائف، ويكتب ألف كتابٍ في صفحة واحدة؛كذلك فقد خلق الإنسان نوعًا جامعًا بدلا من أنواعٍ كثيرة، أي أراد أن ينجز بالإنسان الذي هو نوعٌ واحد وظائف بقدر الدرجات المختلفة لجميع أنواع الحيوانات، ولم يضع حدًّا وقيدًا فطريًّا لقوى الإنسان ومشاعره، بل أطلقها، في حين أن قوى سائر الحيوانات ومشاعرها محدودة، وتحت قيدٍ فطري، إلا أن كل قوة من قوى الإنسان تنصرف إلى نواحي غير متناهيةٍ وكأنها يجول في مسافةٍ شاسعة لا حد لها؛ لأن الإنسان مرآةٌ للتجليات غير المتناهية لأسماء خالق الكون؛ لذا فقد مُنحت قواه استعدادًا لا نهاية له، فمثلا لو أعطي الإنسان الدنيا كلها لقال بحرصٍ هل من مزيد، ويرضى بضرر ألافٍ من الناس من أجل مصلحته ومنفعته بدافع غروره وتفاخره.

وهكذا فمثلما تكون هنالك انكشافاتٌ لا حد لها في أخلاق الإنسان السيئة، ويصل بهم الأمر إلى درجة النماردة والفراعنة، ويصبح ظلومًا بصيغة المبالغة؛ كذلك فإنه ينال رقيًّا لا حد له في الأخلاق الحسنة، فيرقى إلى درجة الأنبياء والصديقين.

ثم إن الإنسان بخلاف الحيوان يجهل كل ما هو ضروري للحياة، ويضطر إلى تعلُّم كل شيء، فهو جهولٌ بصيغة المبالغة لاحتياجه وافتقاره إلى أشياء غير محدودة.

أما الحيوان فيحتاج إلى أشياء قليلة حينما يحل بالدنيا، ويتعلم ما يحتاج إليه في شهر أو شهرين، بل في يومٍ أو يومين، وأحيانًا يتعلم شرائط حياته كلها في ساعة أو ساعتين، وكأنه كمُل في عالمٍ آخر ثم أتى إلى هذا العالم، ولكن الإنسان لا يستطيع أن

197. صفحة

يقف قائمًا إلا بعد سنةٍ أو سنتين، ولا يميز بين الضرر والنفع إلا بعد خمس عشرة سنة، ومبالغة الجهول تشير إلى هذا المعنى أيضًا.

المسألة الرابعة

تسألون عن حكمة "جَدِّدُوا إِيمَانَكُمْ بـ"لاَ إلَهَ إِلاّ الله([1])"؟

لقد ذُكرت حكمة ذلك في كثير من الكلمات، وأحد سرِّ حكمته هو:

لما كان شخص الإنسان وعالمه يتجدد كل وقتٍ؛ فإنه يحتاج دومًا إلى تجديد الإيمان؛ إذ إن لكل إنسان أفرادًا كثيرة معنى، فهو يُعد فردًا آخر مختلفًا مستقلا بعدد سنوات عمره، بل بعدد أيامه، بل بعدد ساعاته؛ فلما كان يجري عليه الزمن؛ فإن ذلك الفرد الواحد يصبح كنموذج، ويلبس كل يوم صورة فردٍ آخر جديد.

وكما أن في الإنسان هذا التعدد والتجدد، فإن عالمه الذي استوطنه سيّارٌ أيضًا، فيذهب هذا ويأتي آخر مكانه، فهو في تنوعٍ دائم، وكل يوم يفتح عالمٌ آخر بابه له، أما الإيمان فهو نور الحياة لكل فردٍ في ذلك الشخص، وضياءٌ للعالم الذي يحل فيه.

أما لا إله إلا الله فهي مفتاحٌ يفتح ذلك النور.

ثم إنه بما أن النفس والهوى والوهم والشيطان تتحكم في الإنسان، وكثيرًا ما تستغل غفلته وتحتال عليه بحيلٍ وخديعة كي تجرح إيمانه، وتحجب نور الإيمان بالشبهات والوساوس، إضافة إلى هذا لا يخلو عالم الإنسان من كلماتٍ وتصرفات وسلوكيات مخالفة لظاهر الشريعة بل حتى مؤثرة في الإيمان بدرجة الكفر في نظر بعض الأئمة؛ لذا فثمة حاجة إلى تجديد الإيمان في كل وقت وكل ساعة وكل يوم.  

سؤال:

إن علماء الكلام يلفون العالَمَ بالعنوان الإجمالي للإمكان والحدوث، ويصعدون عليه ذهنًا، ثم بعد ذلك يُثبِتون الوحدانية، وإن قسمًا من أهل التصوف من أجل أن يظفروا بالحضور التامّ في التوحيد يقولون: "لا مشهود إلا هو"، وينسون الكائنات،



[1])) "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: جَدِّدُوا إِيمَانَكُمْ، قيل: يا رسول الله وكيف نجدد إيماننا قال: أكثروا من قول: لا إله إلا الله"، رواه الحاكم في مستدركه برقم 7657، وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ورواه أيضًا الإمام أحمد في مسنده برقم 8695، وابن حميد في مسنده برقم 1424. 



198. صفحة

ويُرخون ستار النسيان عليها، ثم بعد ذلك يجدون الحضور التامّ، وقسمٌ آخر منهم يقولون: "لا موجود إلا هو" من أجل أن يجدوا التوحيد الحقيقي والحضور التامّ، فيلفون الكائنات بالخيال ويلقونها إلى العدم، ثم يجدون الحضور التامّ.

ولكنك تدل على جادةٍ كبرى تستلهمها من القرآن الكريم مختلفة عن هذه المشارب الثلاثة، وتقول شعارًا لها: "لا معبود إلا هو" و"لا مقصود إلا هو"، فأرنا برهانًا من براهين هذه الجادة من حيث التوحيد، وطريقًا مختصرًا لها بإجمال؟

الجواب: إن جميع "الكلمات" و"المكتوبات" تبين تلك الجادّة، أما الآن فسنشير باختصار إلى حجة عظيمة من حججها، وإلى برهانٍ واسع طويل من براهينها كما تطلبون، بما يأتي:

إن كل شيء في العالم يَنسب جميعَ الأشياء إلى خالقه، وكل أثر في الدنيا يدل على أن جميع الآثار هي آثارُ مؤثره هو، وكل فعل إيجادي في الكون يُثبِت أن جميع الأفعال الإيجادية هي من أفعال فاعله هو، وإن كل اسم من الأسماء الحسنى التي تتجلى على الموجودات يدل على أن جميع الأسماء هي أسماءٌ لمسماه هو، إذن إن كل شيء برهانٌ بذاته للوحدانية، ونافذة مطلة على المعرفة الإلهية.

أجل؛ إن كل أثر مثالٌ مُصغَّر للكون -ولاسيما إن كان كائنًا حيًّا- ونواةٌ للعالم، وثمرةٌ للكرة الأرضية؛ فالذي أوجد ذلك المثال المصغر وتلك النواة وتلك الثمرة لاشك أنه هو الذي أوجد الكون كله؛ لأنه لا يمكن أن يكون موجد الثمرة غير موجد الشجرة، إذن فكل أثر يَنسب جميع الآثار إلى مؤثره، كما أن كل فعل يُسنِد جميع الأفعال إلى فاعله؛ لأننا نرى أن كل فعل إيجادي هو طرفٌ من قانون الخلاّقية الواسع لحد إحاطة أكثر الموجودات، والممتد بدءًا من الذرّات وانتهاء إلى الشموس، بمعنى أن من كان صاحب ذلك الفعل الإيجادي الجزئي لابد أن يكون فاعلا لجميع الأفعال المرتبطة بالقانون الكلي الذي يحيط بتلك الموجودات ويمتدّ من الذرّات إلى الشموس.

أجل؛ إن الذي يحيي ذبابةً لابد أن يكون هو المحيي لجميع الهوام والحيوانات الصغيرة، بل المحيي للأرض؛ فالذي يُحرِّك الذرة كالمولوي لابد أن يكون هو نفسه

199. صفحة

ذلك الذي يحرك جميع الموجودات بالتسلسل، ويسيّر الشمس مع كواكبها؛ لأن القانون سلسلة، والأفعال مرتبطة بها.

إذن كما أن كل أثر يَنسُب جميع الآثار إلى مؤثره هو، وكل فعلٍ إيجادي يُسنِد جميع الأفعال إلى فاعله هو؛ كذلك فإن كل اسم من الأسماء التي تتجلى في الكون يسند جميع الأسماء إلى مسماه هو، ويثبت أنها عناوينه؛ لأن الأسماء التي تتجلى في الكون متداخل بعضها في بعض كالدوائر المتداخلة والألوان السبعة في الضياء، وكل منها يعاون الآخر، وكل منها يكمل أثر الآخر ويزينه، فمثلا:

عندما يتجلى اسم "المحيي" في شيء ويمنحه الحياة، يتجلى عليه اسم "الحكيم" أيضًا، فينظّم بالحكمة جسد ذلك الكائن الحي الذي هو عشّه، وفي الوقت ذاته يتجلى اسم "الكريم" فيزين عشه، ويشاهَد في الوقت نفسه تجلي اسم "الرحيم" فيهيّئ حاجات ذلك الجسد برأفةٍ وشفقة؛ ويُرى في الوقت نفسه تجلي اسم "الرزاق"، فيهب لذلك الكائن الحي الرِزْق المادي والمعنوي الضروري لبقائه من حيث لا يحتسب، وهكذا..

من كان "المحيي" اسمه فله اسم "الحكيم" الذي يُنَوِّر الكون ويحيط به، وله كذلك اسم "الرحيم" الذي يربي جميع المخلوقات برأفة وشفقة، وله أيضًا اسم "الرزاق" وعنوانه الذي يرزق جميع الأحياء بكرمه، وهلم جرًّا.

إذن فكل اسم وكل فعل وكل أثر برهان للوحدانية، بحيث إنه سكة الوحدانية، وختم الأحدية، الذي يدل على أن جميع الكلمات المكتوبة في صحائف الكون وفي سطور العصور والتي يطلق عليها "الموجودات" ما هي إلا نقوش قلم كاتبها.

اللهم صَلِّ على من قال: أَفْضَلُ مَا قُلْتُ أنَا والنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي "لا إله إلا الله" ([1]

وعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلِّم.

 





[1])) رواه البيهقي في السنن الكبرى برقم 8174، و9256، والترمذي في سننه برقم 3585، وعبد الرزاق في مصنفه برقم 8125، والإمام مالك برقم 500، و945.


200. صفحة

المسألة الخامسة

ثانيًا: تسألون في رسالتكم عن مقصد آخر وهو: هل يكفي مجرد "لا إله إلا الله" للنجاة، أي هل يكون المرء من أهل النجاة إن لم يقل "محمد رسول الله

إن جواب هذا السؤال طويل، إلا أننا نقول بهذا القدر حاليا:

إن كلمتي الشهادة لا تنفصل إحداهما عن الأخرى، بل تثبت إحداهما الأخرى، وتتضمنها، فلا تكون إحداهما من غير الأخرى.

وبما أن النبي عليه الصلاة والسلام خاتم الأنبياء، ووارث جميع الأنبياء، فلا ريب أنه على رأس جميع الطرق الموصلة إلى الله تعالى، فلا يمكن أن تكون حقيقةٌ وطريق للنجاة خارج جادته الكبرى، وجميع أئمة أهل المعرفة والتحقيق يقولون مثلما قال سعدي الشيرازي:

مُحَالَسْتْ سَعْدِي بِرَاهِ نَجَاتْ صفا ظَفَرْ بُرْدَنْ جُزْ دَرْپَیِ مُصْطَفَى([1])

ويقولون أيضًا:

كُلُّ الطُّرُقِ مَسْدُودَةٌ إلاّ المِنْهَاج المُحَمَّدِي.

ولكن قد يحدث أحيانًا أن بعض الناس يسيرون في الجادة الأحمدية -على صاحبها الصلاة والسلام- ولكنهم لا يعلمون أنها الجادة الأحمدية، وأنها ضمن الجادة المحمدية.

وكذا يكون أحيانًا أن بعضهم لا يعرفون النبي عليه الصلاة والسلام، إلا أن الطريق الذي يسلكونه هو جزء من أجزاء الجادّة الأحمدية.

وكذا يحدث أحيانًا أن بعضهم لا يفكرون في الجادة المحمدية لبعض الأحوال الخاصة بهم كحالة الجذب، أو الاستغراق، أو الانزواء، أو البداوة، فيكفيهم "لا إله إلا الله".

ولكن مع كل هذا؛ فإن الجهة الأهم هي:

إن عدم القبول شيء، وقبول العدم شيء آخر؛ إذ إن أمثال هؤلاء من أهل الجذب أو أهل العزلة، أو ممن لم يسمعوا ولم يعرفوا النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يعرفونه




[1])) عبارة باللغة الفارسية تعني: يا سعدي، من المحال الظفر بطريق النجاة من غير اتّباع المصطفى صلى الله عليه وسلم. 


201. صفحة

ولا يتفكرون فيه حتى يقبلوا به، فهم يظلون جاهلين من حيث هذا الجانب، ولا يعرفون في المعرفة الإلهية إلا "لا إله إلا الله"، لذا يمكن أن يكون هؤلاء من أهل النجاة، ولكن الذين سمعوا بالنبي صلى الله عليه وسلم وعلموا بدعوته؛ إن لم يصدقوه فإنهم لا يعرفون الله تعالى، فلا يمكن أن يفيد كلام "لا إله إلا الله" التوحيدَ الذي هو سبب للنجاة في حقهم؛ لأن هذه الحال ليست بعدم قبولٍ ناشئ عن الجهل الذي هو سبب للعذر إلى حد ما، بل هي قبول العدم، وهو إنكار.

والذي ينكر محمدًا -عليه الصلاة والسلام- الذي هو مدار فخر للكون ومدار شرف لنوع البشر بمعجزاته وآثاره؛ لا شك أنه لا ينال أي نور ولا يعرف الله بأي وجه من الوجوه، وعلى كل حال يكفي الآن هذا القدر.

 

المسألة السادسة

ثالثًا: لقد جاءت بعض العبارات التي تخص مسلك الشيطان في "المبحث الأول" المسمى بـ"المناظرة مع الشيطان" غليظة جدًّا، فعلى الرغم من تعديلها بكلمات "حاشا" و"حاشا لله" مرات عديدة، وبقيود على صورة "افتراض المحال" فإنها ما زالت تهزّ كياني، وكان في القطعة التي أرسلتها إليكم تعديلات يسيرة، فهل استطعتم أن تصححوا نسختكم وفقها؟ فإني أفوض الأمر إلى تقديركم، ويمكنكم أن تحذفوا بعض العبارات التي ترونها زائدة وغير ضرورية.

أخي العزيز، إن ذلك المبحث مهم جدًّا؛ ذلك لأن إمام أهل الزندقة هو الشيطان؛ فإن لم يُلْزَم الشيطانُ فلن يقتنع مقلّدوه، ولما كان القرآن الحكيم يذكر تعبيرات الكفار الغليظة للرد عليها فقد مُنحت جرأةً بحيث استعملت وأنا أرتعد بصورة افتراض المحال تعبيراتِ أفراد حزب الشيطان التي تنم عن حماقتهم، والتي اضطروا إلى قبولها بمقتضى مسلكهم، والتي لا محالة أنهم سينطقون بها معنًى بلسان مسلكهم، استعملت تلك التعبيرات لبيان فساد مسلك الشيطان ورخاوته كليًّا، ولكننا بهذا الاستعمال ضيّقنا عليهم الخِناق في قعر البئر، واستولينا على الميدان في سبيل القرآن، وفضحناهم وكشفنا أباطيلهم.


202. صفحة

فانظر إلى هذا الانتصار من خلال هذا المثال:

نفترض مئذنة عالية جدًّا تناطح السحاب، وأن تحت هذه المئذنة بئرًا حُفِرَت حتى مركز الأرض، وأن هناك مؤذنًا يؤذن وصوته يصل إلى جميع الأهالي في جميع أنحاء البلدة، وأن هناك فريقين يتجادلان في إثبات موقع المؤذن متسائلين عن مكان المؤذن من ذروة المئذنة حتى قعر البئر.

فيقول الفريق الأول: هو في قمة المئذنة، يؤذن للكون؛ لأننا نسمع أذانه، وهو حي وفي موقع عالٍ سامٍ، ومع أنه لا يراه جميع الناس في ذلك الموقع العالي فإن كل واحد -حسب درجته- يراه في مقامٍ وفي درجة حين صعوده المئذنةَ ونزوله منها، وبذلك يعلم أن المؤذن يصعد للأعلى، وأنه صاحب ذلك المقام العالي أينما شوهد وأينما كان موقعه.

أما الفريق الآخر الشيطاني الأحمق فيقول: لا، ليس مقامه في قمة المئذنة، بل في قعر البئر أينما شوهد وأينما كان موقعه، مع أن أي أحد لم يره في قعر البئر، ولا يستطيع أن يراه فيها، فلو كان ثقيلا بلا اختيار كالحجر -افتراضًا- لكان في قعر البئر ولرآه أحدهم.

والآن فإن ميدان معركة هذين الفريقين المتعارضين هو مسافةٌ طويلة تَمْتَدّ من قمة المئذنة إلى قعر البئر، فجماعة أهل النور الذين يُسَمَّوْنَ بحزب الله يدلون ذوي الأنظار السامية الراقية على أن موقع المؤذن في قمة المئذنة، ويدلون من لا ترقى أنظارهم إلى تلك الدرجة وقاصري النظر على ذلك المؤذن الأعظم في كل درجة حسب درجاتهم، فهؤلاء تكفيهم أمَارة صغيرة، وتُثْبِت لهم أن المؤذن ليس جسمًا جامدًا كالحجر، وإنما هو إنسان كامل، متى شاء صعد إلى الأعلى، وظهر، ورفع الأذان.

أما الفريق الآخر المسمى بحزب الشيطان فيقولون بحماقة: إما أن تُبرِزوا لكل واحد أنه في قمة المئذنة، وإلا فإن مقامه في قعر البئر، فيحكمون هكذا في حماقة، ولحماقتهم لا يعلمون أن عدم ظهوره لكل أحد في قمة المئذنة ناشئ عن عدم صعود نظر كل أحد إلى تلك المرتبة، فهم يريدون أن يستولوا بالأغاليط على جميع تلك المسافة ما عدا قمة المئذنة.


203. صفحة

ومن أجل حلّ نقاش هاتين الجماعتين يتصدى واحد، ويقول لحزب الشيطان: أيتها الجماعة المنحوسة، إن كان مقام ذلك المؤذن الأعظم قعر البئر فلابد أن يكون جامدًا بلا حياة ولا قوة كالحجر، وألا يكون الذي يشاهَد في درجات البئر أو سلالم المئذنة هو، وبما أنكم ترونه هكذا فلابد أنه لن يكون جامدًا بلا قوة ولا حقيقة، بل ستكون ذروة المئذنة مقامه هو، إذن فإما أن تبرزوه في قعر البئر ولا تستطيعون أن تبرزوا ذلك بأي وجه من الوجوه، ولا تستطيعون أن تقنعوا أحدًا بوجوده هناك، أو فاسكتوا؛ إذ إن ميدان دفاعكم في قعر البئر، أما الميدان الآخر والمسافة الطويلة فهي لتلك الجماعة المباركة الكريمة الميمونة، فأينما أبرزوا ذلكم الشخص الكريم في غير قعر البئر؛ فإنهم يكسبون القضية.

فكما في هذا المثال؛ فإن مبحث المناظرة مع الشيطان يأخذ المسافة الطويلة الممتدة من العرش إلى الفرش من يد حزب الشيطان، ويجبرهم على الاستسلام، ويضيق الخناق عليهم، ولا يترك لهم إلا الموقع الأبعد عن العقل والأكثر محالا وبغضًا، ويقحمهم في جحرٍ أشد ضيقًا لا يمكن أن يدخله أحد، ويسيطر على المسافة كلها باسم القرآن.

فإن قيل لهم: كيف ترون القرآن؟ قالوا: كتاب جميل لإنسان يعلِّم الأخلاق، فعندها يقال لهم: إذن فهو كلام الله، وأنتم مضطرون إلى قبول هذا؛ لأنكم لا تستطيعون أن تقولوا حسب مسلككم إنه "حسن".

وإذا قيل لهم: ما رأيكم في الرسول صلّى الله عليه وسلم؟

قالوا: إنسان ذو أخلاق حميدة، وذو عقل راجح، وعندها سيقال لهم: إذن فآمنوا به؛ لأنه إذا كان ذا أخلاق وذا عقل فهو رسول الله بأية حال من الأحوال؛ لأن قولكم الحسن هذا ليس ضمن حدودكم، ولا تستطيعون أن تقولوا ذلك حسب مسلككم.

وهكذا يمكن أن تُطبَّق الأوجه الأخرى للحقيقة على سائر الإشارات في المثال.

فبناء على هذا السرّ؛ فإن المبحث الأول الذي جرت فيه المناظرة مع الشيطان يغني عن معرفة المعجزات الأحمدية وتَعَلُّم براهينها القاطعة من أجل الحفاظ على إيمان أهل الإيمان؛ حيث إن أدنى أمارة أو دليل صغير ينقذ إيمانهم، ويصبح كل حال من الأحوال الأحمدية صلى الله على صاحبها وسلم وكل خصلة من الخصال المحمدية

204. صفحة

وكل طور من الأطوار النبوية كمعجزة، وتثبت أن له مقامًا في أعلى عليين وليس في أسفل سافلين الذي هو قعر بئر.

 

المسألة السابعة

مسألة ذات عبرة:

إنني مُضطرّ إلى بيان إكرامٍ رباني وحماية إلهية خاصين بخدمة القرآن وحده بدلالة سبع أمارات تؤيد القوة المعنوية لدى بعض أصحابي الذين تعرضوا للوهم وأصابهم الفتور؛ حتى أنقذ أصحابي هؤلاء الذين يقعون في الوهن النفسي، فأربع منها تعود إلى أربعة أشخاص كانوا أصحابًا لي، ولكنهم اتخذوا وضع العداء من أجل مقاصد دنيوية بحتة ليس لشخصي، وإنما لكوني خادمًا للقرآن، فتلقوا صفعاتٍ بعكس مرادهم، وأما الأمارات الثلاث الأخرى منها فتعود إلى أشخاص كانوا أصحابًا جادين مخلصين لي، ولا يزالون كذلك، ولكنهم لم يُبدوا -مؤقتًا- ما تقتضيه الصداقة من شهامة ورجولة؛ حتى ينالوا إقبال أهل الدنيا عليهم، ويكسبوا غاية من الغايات الدنيوية، ويطمئنوا على سلامتهم، ولكن أصحابي الثلاثة هؤلاء -مع الأسف- تلقوا عتابًا بعكس غايتهم ومرادهم.

فالشخص الأول من الأشخاص الأربعة الذين كانوا أصحابًا لي في الظاهر ثم اتخذوا وضع العداء هو: أحد المدراء طلبَ مني نسخةً من "الكلمة العاشرة" متوسلا بوسائطَ عديدة، فأعطيته إياها، ولكنه باع صداقتي من أجل الترقية، واتخذ طورَ العداء لي، وسلمها إلى الوالي وشاية وإخبارًا، ولكنه لم يُرَقَّ، وإنما عُزِل كأثر إكرام للخدمة القرآنية.

الثاني: مدير آخر، وكان صديقًا لي أيضًا، ولكنه اتخذ وضع المنافسة والعداء ليس لشخصي، وإنما لكوني خادمًا للقرآن وذلك من أجل رؤسائه، ولكي ينال إقبال أهل الدنيا، فتلقى صفعةً بعكس مراده؛ إذ حُكِم عليه بالسجن لمدة سنتين ونصف السنة في قضية لم يكنْ يتوقعُها، ثم طلب من أحد خدام القرآن أن يدعو له، ولعله ينجو إن شاء الله؛ حيث إنه قد دُعِيَ له بالفعل.


205. صفحة

الثالث: معلم، وكان يبدو صديقًا، واعتبرتُه أنا بدوري صديقًا لي، لكنه اختار وضعَ العداء كي ينتقل إلى "بارلا" ويستقر فيها، فتلقى صفعة بعكس مراده هذا؛ حيث أُبعد عن التعليم، وأُخِذَ إلى الجندية، فأبعد عن بارلا.

الرابع: معلم، وقد أظهرتُ له صداقةً خالصة عله يكون صديقًا لي في خدمة القرآن؛ إذ كنت أراه حافظًا للقرآن ودينًا، ثم اتخذ طور الخائف المجافي تجاهنا بسبب كلامٍ ما لأحد الموظفين حتى يظفر بإقبال أهل الدنيا، فتلقى صفعة بعكس مراده هذا؛ إذ تلقى توبيخًا شديدًا من مفتشه وعُزِل.

وكما أن هؤلاء الأربعة تلقوا مثل هذه الصفعات باتخاذهم وضع العداء؛ فكذلك تلقى ثلاثة من أصحابي لعدم إظهارهم الشهامةَ والرجولة التي تقتضيها الصداقةُ الحقيقية تنبيهًا شبيهًا بالإنذار بعكس مرادهم، وليس صفعة.

الأول: وهو تلميذ مهم وجاد وحقيقي من تلاميذي ورجل محترم، كان يستنسخ "الكلمات" دومًا وينشرها، ولكنه أخفى ما كتبه من "الكلمات" بسبب مجيء موظف كبير مشوش الحال هنا لوقوع حادثة ما، وترك الاستنساخ أيضًا مؤقتًا؛ حتى لا تصيبه مشكلات وبلايا من أهل الدنيا، وحتى لا يعاني منهم أية معاناة، ويأمن شرهم، إلا أنه بسبب خطأ نتيجة تعطيل تلك الخدمة القرآنية مؤقتًا وُضِع بين يديه بلاء، وهو الحكم عليه بدفع ألف ليرة خلال عام مع أنه فقير، ولكنه عندما نوى الاستنساخ، وعاد إلى سيرته الأولى ظهرت براءته من قضيته تلك، وكسب البراءة والحمد لله، ونجا من دفع ألف ليرة.

الثاني: صديق شهم وقور جاد شجاع من أصدقائي منذ خمس سنوات، وقد كان جاري، ولكنه لم يقابلني لبضعة شهور -من غير تفكر منه في عاقبة ذلك- كي يكسب إقبال أهل الدنيا وإقبال الموظف المسئول الذي جاء حديثًا وحُسْنَ ظنهم، بل لم يمر عليَّ في العيد وفي رمضان، مع أن قضية القرية انتهت بعكس مراده، وضعف نفوذه.

الثالث: حافظ للقرآن، وكان يزورني مرة أو مرتين في الأسبوع، وقد أصبح إمامًا حسبما سمعت، فتركني شهرين كي يلبس العمامة، حتى لم يزرني في العيد، إلا أنه بعكس مراده وخلافًا للمأمول لم يُسمح له بلبس العمامة خلافًا للعادة، مع أنه استمر في وظيفة الإمامة سبعة أو ثمانية أشهر.


206. صفحة

وهناك حوادث كثيرة أمثال هذه، ولكني لا أذكرها كلها كي لا أكسر خاطر بعضهم، فمهما كانت هذه الحوادث أمارات ضعيفة فإن في اجتماعها تُحَسّ قوة، وتُورِثُ قناعة وهي أنه: يتبين ويتضح أننا نعمل تحت إكرامٍ إلهي وحماية ربانية من حيث خدمة القرآن الكريم، وليس من أجل شخصي، لأني لا أرى نفسي جديرة بأي إكرام.

وعلى أصدقائي أن يفكروا في هذا، وألا يقعوا في الهواجس والأوهام، وبما أنها إكرامٌ إلهي لكوني خادمًا للقرآن، وبما أنها وسيلة للشكر وليس للفخر، وبما أن هناك بيان ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾(الضحى:11)؛ فإني أبينها بصورةٍ خاصة لأصحابي الأعزاء المحترمين بناء على هذه الأسرار.


207. صفحة

المسألة الثامنة

هامش لـ"المثال الثالث" من "النقطة الثالثة" لـ"السبب الخامس" من الأسباب المانعة للاجتهاد المذكورة في "الكلمة السابعة والعشرين".

سؤال مهم: يقول بعض من أهل التحقيق: إن كل لفظ من ألفاظ القرآن الكريم والذكر وسائر التسبيحات ينور لطائف الإنسان المعنوية بوجوه متعددة، ويغذيها غذاء معنويًّا، ولا تفيد تلك الألفاظ شيئًا وحدها إن لم تُعرَف معانيها، ولا تكفي؛ إذ اللفظ لباسٌ؛ فإن بُدِّل وأَلْبَسَت كلُّ طائفة تلك المعاني ألفاظًا بلسانها ألا يكون هذا أكثر نفعًا؟

والجواب: إن ألفاظ القرآن وألفاظ الأذكار النبوية ليست لباسًا جامدًا، وإنما هي كجلد حي للجسد، فتحولت إلى جلد بمرور الزمن، فاللباس يمكن تبديله، ولكن الجلد إذا بُدِّل فإنه ضرر للجسم، بل أصبحت الألفاظ المباركة كما في الصلاة والأذان عَلَمًا واسمًا لمعانيها العرفية، ولا يُبدَّل العَلَم والاسم.

لقد تأملت كثيرًا في الحالة التي مرت عليّ ورأيت أن تلك الحالة حقيقةٌ، وهي:

كنت أقرأ سورة الإخلاص مائة مرة بالتكرار يوم عرفة، ورأيت أن بعض ما فيّ من المشاعر المعنوية يأخذ غذاءه، ثم يتوقف ولا يستمر، وأن بعضها -كالقوة المفكرة- يتوجه إلى المعنى فترةً من الزمن، ويأخذ حظه ثم يتوقف هو الآخر، وأن بعضها كالقلب يأخذ حظه في بعض المفاهيم التي هي سبب لذوق معنوي، ثم يسكت كذلك، وهكذا دواليك، فلا يبقى مع هذا التكرار إلا بعض اللطائف التي تستمر ولا تَمَلّ إلا بعد وقت طويل، ولا تَدَع حاجةً إلى المعنى ولا إلى الفحص والتدقيق، ولا تَضُرّها الغفلةُ مثلما تضرّ القوةَ المفكرةَ، بل يكفيها اللفظ والمعنى الإجمالي الذي يتشبع به اللفظ، والمعنى العرفي الذي صارت الألفاظ أسماء وأعلامًا له، وإذا ما فَكَّرت في المعنى في ذلك الحين أورثها ذلك مللا مضرًا؛ لأن تلك اللطائف المستمرة لا تحتاج إلى التعلم والفهم، بل إلى التذكر والاهتمام والحث والتشويق، ولأن ألفاظها الشبيهة بالجلد تكفي تلك اللطائف، وتؤدي وظيفةَ المعنى، وبالأخص تنال فيضًا دائمًا بتذكرها أن تلك الألفاظ العربية هي كلام الله والتكلم الإلهي.


208. صفحة

فهذه الحال التي مرت عليَّ تدل على أن الأذان وأذكار الصلاة والحقائق التي تُكرَّر في كل وقت كسورة الفاتحة والإخلاص يضر التعبير عنها بلغة أخرى غير العربية ضررًا بالغًا؛ لأنه بعدما تغيب الألفاظ الإلهية والنبوية التي هي المنبع الدائم تغيب الحظوظ الدائمة لتلك اللطائف الدائمة أيضًا.

ثم إنه تحصل أضرار كثيرة كضياع ما لا يقل عن عشر من حسنات كل حرف، وكإيراث التعبيرات البشرية المترجَمة في غفلةٍ الظلمةَ للروح لعدم استمرار الحضور الدائمي([1]) في جميع الصلاة لكل أحد.

أجل؛ فكما أن الإمام الأعظم([2]) قال: إن "لا إله إلا الله" عَلَمٌ واسم للتوحيد؛ فإننا نقول: إن الكلمات الذكرية والتسبيحية أكثرها –ولاسيما المعظم الغالب من الكلمات التي في الأذان والصلاة منها- صارت كالعَلَم والاسم؛ لذا يؤخذ بنظر الاعتبار معناها العرفي الشرعي كالعَلَم أكثر من معناها اللغوي.

إذن لا يمكن تغييرها شرعًا.

أما معانيها المجملة التي لابد أن يعرفها كل مؤمن؛ فإنه يتعلمها حتى أدنى العوام بسرعة.

فالذين يقضون جميع أعمارهم مسلمين، ويملئون رءوسهم بآلاف الأمور التي لا تعنيهم، كيف يعذرون إن لم يتعلموا في أسبوع أو أسبوعين المعاني المجملة لهذه الكلمات المباركة التي هي مفتاح حياتهم الأبدية؟!

وكيف يمكن أن يكونوا مسلمين؟! وكيف يمكن أن يُسمَّوْن رجالا عقلاء؟! فليس من العقل في شيء أن تُفسَد محفظة منابع تلك الأنوار من أجل تكاسل مثل هؤلاء السخفاء!

ثم إن الذي ينطق بـ "سبحان الله" أيًّا كان قومه؛ يدرك أنه يقدس الله تعالى، أفلا يكفي هذا القدر؟!

فإذا توجه إلى المعنى بلسانه الخاص تَعَلّم مرة واحدة بالعقل مع أنه يردد تلك الكلمة المباركة مائة مرة في اليوم، والمعنى المجمل الذي سرى في اللفظ وامتزج معه



[1])) الحضور هو حضور القلب لما غاب عن عيانه بصفاء اليقين فهو كالحاضر عنده وإن كان غائبا عنه، انظر موسوعة المصطلحات الصوفية 291 .

[2])) هو الإمام أبو حنيفة النعمان.



209. صفحة

يصبح وسيلة لكثير من الأنوار والفيوضات فضلا عن حظ العقل من التعلم مائة مرة، ولاسيما أن للقدسية التي تأخذها تلك الكلمات لكونها تكلمًا إلهيًّا، والفيوض والأنوار النابعة من تلك القدسية؛ أهمية كبيرة جدًّا.

الحاصل: لا يمكن إقامة أي شيء مكان الألفاظ الإلهية القدسية التي هي محفظة الضروريات الدينية، ولا يمكن أن يحل محلها، ولا يمكن أن يؤدي وظيفتها، حتى لو أدى مؤقتًا؛ فإنه لا يستطيع أن يؤدي دائمًا عاليًا ساميًا قدسيًّا.

أما الألفاظ التي هي محفظة النظريات الدينية فلا تبقى حاجة إلى تغييرها؛ لأن تلك الحاجة تُقضى بالنصيحة والتعليم والوعظ والتدريس وما إلى ذلك.

إن للغة العربية جامعية، وإن للألفاظ القرآنية من الإعجاز ما لا يمكن معه ترجمتها، بل أستطيع أن أقول إنه محال، فمن كان لديه شك وشبهة فليرجع إلى "الكلمة الخامسة والعشرين" التي تخص الإعجاز، أما ما يسمونه ترجمةً فما هو إلا معانٍ في غاية الاختصار والنقص، فأين هذا المعنى المختصر من معاني الآيات الحقيقية الحية المتشعبة بوجوه كثيرة؟!

 

المسألة التاسعة

مسألة مهمة وسرية، وسر ولاية.

إن فرقةَ أهل الحق والاستقامة العظيمة التي يطلق عليها: "أهل السنة والجماعة"، قد حافظت على الحقائق القرآنية والإيمانية في العالم الإسلامي متبعة السنة السنية بحذافيرها ضمن الاستقامة، فنشأت الأكثرية العظمى من أهل الولاية من هذه الدائرة، ولكن قسمًا آخر من أهل الولاية ظَهَر في جادة خارجة عن بعض دساتير أهل السنة والجماعة ومخالفة لأصولهم؛ وقد انقسم الناظرون إلى هذا القسم من أهل الولاية إلى قسمين:

القسم الأول: أنكروا ولايتهم لمخالفتهم أصول أهل السنة، بل بلغ بهم الأمر إلى تكفير بعضهم.

والقسم الآخر: وهم الذين اتّبعوهم، ولما كانوا يقبلون ولايتهم ويقرون بها؛ فإنهم يقولون: إن الحق لا ينحصر في مسلك أهل السنة والجماعة وحدهم، فكوّنوا

210. صفحة

فرقة من أهل البدعة، حتى بلغ بهم الأمر إلى الضلالة، ولم يعلموا أن كل مهتدٍ لا يمكن أن يكون هاديًا لغيره، فشيوخ هؤلاء معذورون لأخطائهم؛ لأنهم مجاذيب، ولكن أتباعهم لا يعذرون.

وهناك قسم وسط، فهم لم ينكروا ولاية هؤلاء الأولياء، غير أنهم لم يقروا بمنهجهم وبمسلكهم؛ إذ يقولون: إن أقوالهم المخالفة للأصول إما أن الحال غلبت عليهم فيها فأخطئوا، أو هي شطحات من أمثال المتشابهات التي لا يُعرَف معانيها.

وللأسف فقد اضطُرَّ القسم الأول -ولاسيما علماء أهل الظاهر- للحفاظ على مسلك أهل السنة إلى إنكار كثير من الأولياء العظام بل إلى اتهامهم بالضلال، أما الذين يؤيدونهم وهم القسم الثاني فلظنهم الحسن المفرِط بأمثال هؤلاء الشيوخ تركوا مسلك الحق، وانجرفوا في بعض الأحيان إلى البدع، بل إلى الضلال أحيانًا أخرى.

فبناء على هذا السرّ، فقد كانت هناك حالة تشغل بالي في كثير من الأوقات وهي:

لقد دعوت ذات مرة على بعض من أهل الضلالة في وقت يستجاب فيه الدعاء، فتصدت قوةٌ معنوية عظيمة لدعائي عليهم، وردت دعائي، ومنعتني.

ثم رأيت أن أهل الضلالة من أمثال هؤلاء يجرون وراءهم أتباعهم في إجراءاتهم المخالفة للحق بتسهيل قوة معنوية، فيُوفّقون، ولما لم تكن هذه الإجراءات بالقسر والجبر وإنما كانت قد امتزجت مع رغبة منبعثة من قوة الولاية، فإن بعضًا من أهل الإيمان اغتروا بهذه الرغبة وسامحوا هذه التصرفات، ولم يروها سيئة جدًّا.

فلما شعرت بهذين السرّين أخذتني الدهشة، فقلت: "سبحان الله"، وتساءلت: هل يمكن أن تكون هناك ولاية خارج طريق الحق، وبالأخص هل يمكن أن يؤيد أهل الحقيقة تيار الضلالة الهائل؟!

ثم كنت أقرأ سورة الإخلاص مئات المرات بالتكرار بناء على عادة إسلامية حسنةٍ في يوم من أيام عرفة المباركة، فوردت ببركتها حقيقةٌ إلى قلبي العاجز بالرحمة الإلهية مع مسألةٍ كتبت باسم: جواب على سؤال مهم، وتلك الحقيقة هي:


211. صفحة

إن بعضًا من أهل الولاية مجذوبون مع أنهم يبدون في الظاهر عقلاء من أهل الرأي، كما في قصة "جبالي بابا ([1]) " المشهورة العجيبة التي تروى في عهد السلطان محمد الفاتح، وبعضهم يبدون يقظين وعقلاء، وأحيانًا يستغرقون في حالةٍ خارج العقل والتفكير، فقسم من هؤلاء أهلُ الالتباس، يلتبس عليهم الأمر، ولا يقدرون على التفريق بين الأمور؛ إذ المسألة التي رأوها في حالة السّكر يطبقونها في حالة الصحو، فيخطئون، ولا يعلمون أنهم أخطئوا.

إن قسمًا من المجذوبين محفوظون بحفظ الله تعالى ولا يسلكون الضلال، ولكن القسم الآخر ليسوا محفوظين، ويمكن أن يكونوا ضمن فرق الضلال والبدع، بل يرى قسم من العلماء احتمال تكفيرهم.

وهكذا يصبحون في حكم مجانين مباركين معنىً لأنهم مجذوبون مؤقتًا أو دائمًا، ولأنهم مباركون وأحرار طلقاء من قيود الشريعة فليسوا مكلفين، ولأنهم ليسوا مكلفين فلا يؤاخذون على أعمالهم؛ لذا يؤيدون أهل الضلال وأهل البدع مع استمرار ولايتهم المجذوبة، ويروجون مسلكهم، ويتسببون بشؤم في دخول بعض من أهل الإيمان وأهل الحق هذا المسلك.

 

المسألة العاشرة

دستورٌ يخص الزائرين

 كُتبت هذه المسألة لتوضيح هذا الموضوع بناء على تنبيه بعض الأصدقاء إليه.

ليعلم الجميع أن الذي يزورنا؛ إما أنه يأتي لأمور الحياة الدنيوية، وهذا الباب مغلق، وإما أنه يأتي لأمور الحياة الأخروية، وهذه الجهة فيها بابان:

إما أنه يأتي ظنًّا منه أنني شخص مبارك وذو مقام عند الله، فهذا الباب هو الآخر مغلق؛ لأني لا أعجب بنفسي، ولا يعجبني من يعجبون بي، ولله الحمد الشكر كثيرًا أنه لم يجعلني أعجب بنفسي.





([1]) جبالي بابا: مجذوب كان يسكن القسطنطينية أيام فتحها، وكان يعرف بصلاحه، رويت عنه حادثة في أيام الفتح، وفي أثناء حصار السلطان محمد الفاتح لها، حيث كان هذا المجذوب داخل المدينة، ويدعو الله بألا تصيب قذائف الفاتح أهدافها لينجو صغار المدينة منها، فرُوي أن الفتح تأخر بسبب دعائه ذلك، وكان شيخ السلطان الفاتح يدعو بالنصر وهذا المجذوب يدعو بخلافه، حتى دعا عليه شيخ السلطان الفاتح بالموت، فتوفي جبالي بابا، وأصابت القذائف أهدافها، وتحقق النصر.  


212. صفحة

والجهة الثانية؛ أنه يأتي لكوني داعيًا إلى القرآن الحكيم فحسب، وأنا أقبل من يدخل من هذا الباب على العين والرأس.

وهؤلاء أيضًا على "ثلاثة أقسام":

فهم "صديق"، أو "أخ"، أو "تلميذ".

فميزة الصديق وشرطه:

أن ينحاز انحيازًا جادًّا إلى "الكلمات" ودعوتنا المتعلقة بالأنوار القرآنية، وألا يميل أو يركن قلبه إلى الظلم والبدع والضلال، وأن يسعى إلى الاستفادة من رسائل النور.

وميزة الأخ وشرطه:

أن يؤدي الصلوات الخمس المفروضة، ويجتنب الكبائر السبع، مع السعي إلى نشر "الكلمات" سعيًا جادًّا حقيقيًّا.

أما ميزة التلميذ وشرطه:

فهي أن يشعر أن"الكلمات" ملك يخصه، وأنها من تأليفه، وأن يعتني بها ويراعيها، وأن يعتقد أن أهم وظيفةٍ في حياته هي نشرها، والعمل لها.

فهذه الطبقات الثلاث مرتبطة بشخصياتي الثلاث.

فـ"الصديق" يرتبط بشخصيتي الخاصة الذاتية.

و"الأخ" مرتبط بكوني عبدًا، وبشخصيتي من حيث عبوديتي.

أما "التلميذ" فهو مرتبط بشخصيتي في الدعوة إلى القرآن الحكيم، ووظيفتي كأستاذ ومرشد.

وهذا اللقاء له "ثلاث ثمرات":

الأولى: تلقي الجواهر القرآنية مني أو من "الكلمات"، حتى لو كان درسًا واحدًا، من حيث كوني داعيًا إلى القرآن.

الثانية: يشاركني في ثوابي الأخروي من حيث العبادة.

الثالثة: التوجه إلى الحضرة الإلهية معًا مرتبطين قلبًا في خدمة القرآن الحكيم يدًا بيد، وطلب التوفيق والهداية من الله تعالى.

وإن كان تلميذًا فإنه يكون حاضرًا معي كل صباح باسمه دائمًا، وبخياله أحيانًا، ويكون مشاركًا في مكاسبي المعنوية.