المكتوب الثالث

13. صفحة

المكتوب الثالث

جزء من الرسالة التي أُرسلتْ إلى تلميذه المعروف


خامسًا: كنتَ قد كتبت في إحدى رسائلك أنك ترغب في مشاركة مشاعري وأحاسيسي التي تغمرني هنا، فاستمع إذن لواحدة من ألف منها:

نظرت ذات ليلة إلى وجه السماء الجميل المزيَّن بالنجوم وأنا في وكرٍ فوق شجرة القطران على ارتفاع مائة طابق، ورأيت نور إعجاز عال وسر بلاغة ساطع في قَسَم القرآن الحكيم ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ # الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ (التكوير:15-16).

أجل؛ إن هذه الآية التي تشير إلى النجوم السيارة واختفائها وانتشارها لَتُظهِرُ للأنظار المشاهِدة نقشَ صنعةٍ سامية، ولوحةَ عبرةٍ عالية جدًّا.

نعم؛ إن هذه الكواكب تخرج من دائرة الشمس التي هي قائدها، وتدخل في دائرة النجوم الثابتة فتعرض في السماء نقوشًا وإبداعًا وصنعة جديدة متجددة، وتتكاتف حينًا مع نجم ساطع مثلها فتُظهِر صورةً جميلة، وتدخل حينًا آخر بين النجوم الصغيرة، فتتخذ وضع القائد لها، ولاسيما هذا الفصل يُظهر فيه نجم الزهرة بعد المغرب ونجم آخر ساطع من أمثالها قبل الفجر صورةً جميلة لطيفة في الأفق، ثم يعودان وتدخلان الدائرة العظيمة للشمس التي هي سلطانهما، ويختفيان فيها بعدما أدّيَا وظيفة التفتيش وعمل المكوكِ في نقش الصنعة والإبداع، ويُظهِران عظمةَ ربوبية من يدوِّر أرضنا هذه ويسيِّرها ويسيح بها مع كواكبها التي تسمى بالخنّس والكنّس بكمال الانتظام كسفينة وطائرة في فضاء الكون، ويظهران عظمة سلطنة ألوهيته الباهرة ساطعةً كالشمس.

فانظر إلى عظمة الْمُلك والسلطنة، لها من السفن والطائرات ما هو أكبر حجمًا من كرتنا الأرضية بألف مرة، وهي تتحركٍ بسرعة مذهلة تقطع بها مسافة ثماني ساعات في ثانية واحدة، فقس وافهم مدى السعادة السامية الباهرة، والشرف العظيم في الانتساب إلى مثل هذا الْمَلِك والسلطان بالعبودية والإيمان وفي الضيافة عليه في هذه الدنيا.


14. صفحة

ثم نظرت إلى القمر، فرأيت أن الآية الكريمة ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ (يس: 39) تفيد نور إعجاز ساطع باهر.

أجل؛ إن تقدير القمر وتدويره وتدبيره وتنويره وأوضاعه تجاه الشمس والأرض؛ كل ذلك بحسابٍ دقيق محير للعقول، ومذهل، وخارق؛ بحيث يوحي لكل ذي شعورٍ ووعي يرى ويشاهد ذلك فِكرَة: أن القدير الذي ينظمه ويقدِّره على هذه الهيئة لا يثقل عليه شيء، والذي يصنعه هكذا يَقدر على كل شيء.

ثم إن القمر يتبع الشمس تبعًا عجيبًا، لا يخطئ ولا يضل سبيله ولو لثانيةٍ واحدة، ولا يتخلف عن وظيفته ولو مقدار ذرة، فهو يدفع كل ناظرٍ نظرة تأمل إلى القول: سبحان مَن تحيَّرت في صنعه العقولُ!

وعندما يدخل في بعض الأوقات في منزل الثريا على شكل هلالٍ كما هو الحال خاصة في نهاية شهر مايو، يُظهِر صورةَ غصنٍ أبيض منحنٍ من أغصان النخلة، ويُظهِر الثريا على صورةِ عنقودٍ، مما يُخيِّل للخيال وجود شجرةٍ نورانية ضخمة وراء ستار السماء الخضراء، وكأن رأس غصنٍ من أغصان تلك الشجرة خرق ذلك الستار وأخرج رأسه مع أحد عناقيده، وصارا ثريا وهلالا، ويوحيان للخيال أن النجوم الأخرى ثمار تلك الشجرة الغيبية، فأبصر لطافةَ تشبيهِ ﴿كَالعُرجُونِ القَدِيمِ﴾ (يس: 39) وبلاغته!

ثم خطرت ببالي الآية الكريمة ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ (الملك:15)، وهي تشير إلى أن الأرض مَرْكَبٌ وسفينة مسخَّرة، فبهذه الإشارة رأيتني في موقع عال في سفينة ضخمة جدًّا تمخر بسرعةٍ فضاءَ الكون، وقرأت الآية الكريمة ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ (الزخرف:13) التي قراءتها سنّة عند ركوب مركبٍ كالخيل والسفينة.

ورأيت أيضًا أن الأرض اتخذت بهذه الحركة صورة ماكينة تعرض مشاهد السينما، وحرّكت السماوات كلها، وبدأت تسوق النجوم جميعها كجيشٍ مهيب، وأظهرت مناظر رائعةً لطيفة تخلب ألباب أهل الفكر وتأسر قلوبهم، فقلت: سبحان الله! ما أقل هذه التكاليف التي تُنجَز بها أمورٌ كثيرة عظيمة غريبة عجيبة عالية غالية! ومن هنا خطرت على بالي نكتتان إيمانيتان:


15. صفحة

أولاهما: لقد سألني أحد ضيوفي قبل بضعة أيامٍ سؤالا، وأساس ذلك السؤال المثير للشبهة والشك هو:

إن الجنة وجهنم بعيدة جدًّا، لنعترف أن أهل الجنة يطيرون كالبرق والبراق بإكرامٍ إلهي، ويجتازون الحشر ويدخلون الجنة، ولكن أصحاب النار كيف وبأية وسيلةٍ سيذهبون إلى النار بأجسامهم الثقيلة وتحت وطأة ذنوبهم الكبيرة الثقيلة؟

والذي خطر على البال هو:

كما أنه لو دُعيت جميع الأمم إلى مؤتمرٍ عام يُعقد في أمريكا؛ فإن كل أمة تركب سفينتها الكبيرة وتسافر إلى هناك؛ كذلك فإن الكرة الأرضية التي اعتادت السياحة الطويلة -التي تستغرق خمسة وعشرين ألف سنة في السنة الواحدة في محيط الكون- تأخذ سكانها إلى ميدان الحشر وتفرغهم هناك.

ثم إنها تُفرِغ نارَ جهنم الصغرى التي في مركزها والتي تبلغ درجة حرارتها مائتي ألف درجة -بدلالة تزايد درجة الحرارة درجةً واحدةً في كل ثلاثة وثلاثين مترًا- الموافِقة لما ورد في الحديث الشريف، والتي تقوم في الدنيا والبرزخ -حسب ما ورد في الأحاديث- بوظائف جهنم الكبرى؛ تُفرغها في جهنم الكبرى؛ ثم تتبدل إلى صورةٍ أجمل باقية دائمة بالأمر الإلهي، وتكون منزلا من منازل عالم الآخرة.

النكتة الثانية التي وردت إلى الخاطر:

إن الصانع القدير والفاطر الحكيم والواحد الأحد قد اتخذ أداءَ أعمالٍ وأفعال كثيرة بشيء قليل جدًّا، وسوقَ أشياء صغيرة جدًّا إلى القيام بوظائف عظيمة جدًّا عادةً له؛ من أجل أن يري ويظهر كمال قدرته وجمال حكمته ودليل وحدته.

وقد قلت في بعض "الكلمات([1])" إنه إذا أُسندت الأشياء جميعها إلى واحدٍ اكتسبت سهولةً ويسرًا بدرجة الوجوب، أما إذا أُسندت الأشياء إلى صنّاع متعددين وإلى أسباب كثيرة فستقع صعوبات ومشكلات بدرجة الامتناع؛ ذلك لأن شخصًا واحدًا كضابطٍ أو بنّاء يضفي على أفرادٍ كثيرين وأحجار متعددة صورةً معينة بسهولةٍ بفعل واحد وحركة واحدة ويُحدِث نتيجةً، فلو أُسند اكتساب تلك الحالة وحصول تلك النتيجة إلى أفراد




[1])) أي: رسائل النور.


16. صفحة

الجيش وإلى الأحجار التي في تلك القبة المعلقة بلا عمد لما كان يمكن حصول تلك النتائج إلا بأفعالٍ كثيرة جدًّا، وبمشكلات كثيرة جدًّا، واختلاط كثير جدًّا.

فما في الكون من أفعالٍ مثل الرقص والدوران، والسير والجولان، والمناظر والمشاهد المفعمة الفوارة بالتسابيح، والدوران الذي في الفصول الأربعة وفي الليل والنهار إذا أُسند ونسب إلى الوحدة فإن الواحد الأحد يحصل بأمرٍ واحد بتحريك كرةٍ واحدة على هذه الأوضاع السامية والنتائج الغالية كإظهار عجائب الصنعة في تبدل الفصول، وغرائب الحكمة في دوران الليل والنهار، وصور ولوحات المناظر والمشاهد اللطيفة في حركات النجوم والشمس والقمر الظاهرية؛ لأن جيش الموجودات جميعها له، فإن شاء عيّن نفرًا كالأرض قائدًا لجميع النجوم، ويجعل الشمس الهائلة مصباحًا يدفئ رعيته وينورهم، ويجعل الفصول الأربعة التي هي ألواح نقوش القدرة مكوكًا، ويجعل الليل والنهار اللذين هما صحائف كتاب الحكمة زنبركًا، ويُظهر القمر الواحد بأشكالٍ مختلفة لكل يوم، ويجعله يقوم بوظيفة التقويم لحساب الأوقات، ويُرِي حِكمًا كثيرة للأرض كإعطاء النجوم هيئة مصابيح مزينة لطيفة متلألئة جميلة رقيقة بأيدي الملائكة الراقصين من الانجذاب والنشوة، فإن لم تُطلب هذه الأوضاع والأحوال ممن يتوجه حكمه ونظامه وقانونه وتدبيره إلى جميع الموجودات، فعندئذ ينبغي أن تَقْطَعَ جميعُ الشموس والنجوم مسافةً لا نهاية لها كل يوم بحركةٍ حقيقية وبسرعة غير محدودة.

وهكذا ومن أجل وجود سهولةٍ مطلقة في الوحدة، وصعوبةٍ مطلقة في الكثرة؛ فإن أهل الصناعة والمهن والتجارة يجعلون الكثرة على هيئة الوحدة الموحدة، فيؤسسون الشركات؛ حتى تسير الأمور بالسهولة واليسر.

الحاصل: إن في طريق الضلالة مشكلات لا نهاية لها، وإن في طريق الهداية والوحدة سهولةً لا منتهى لها.

الباقي هو الباقي

سعيد النورسي