المكتوب الثالث عشر
التنقل
48. صفحة
المكتوب الثالث عشر
باسمه
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام على من اتبع الهدى، والملام على من اتبع الهوى.
إخواني الأعزاء،
تسألون كثيرًا عن حالي وراحتي، وعن عدم مراجعتي المسئولين لاستخراج الوثيقة([1])، وعن عدم اهتمامي بما يدور في العالم من أمورٍ سياسية، ولتكرّر أسئلتكم هذه كثيرًا، ولكونها وُجهت إلي معنىً؛ اضطررت إلى الإجابة عن هذه الأسئلة الثلاث بلسان سعيد القديم، وليس بلسان سعيد الجديد([2]).
سؤالكم الأول: كيف راحتكم وحالكم؟
والجواب: إنني أشكر الله تعالى وأحمده مائة ألف شكر على أنه حوّل أنواع الظلم التي أذاقني إياها أهلُ الدنيا إلى أنواعٍ من الرحمة، وذلك:
بينما كنت أفكر في الآخرة في مغارة جبل ما، وقد تركت السياسة وتجردت من الدنيا واعتزلتها، أخرجني أهل الدنيا من هناك ظلمًا، ونَفَوْني، فجعل الخالق الرحيم والحكيم ذلك النفي رحمةً لي، وحوّل ذلك الانزواء في الجبل غير الآمن الذي قد يتعرض لأسباب تُخِلّ بالإخلاص، إلى خلوةٍ في جبال بارلا الآمنة المطمئنة الباعثة على الإخلاص، وقد كنت نويت وصمّمت عندما كنت أسيرًا في روسيا وتضرعت إلى الله تعالى أن أنزوي في أواخر عمري في مغارة، فجعل أرحم الراحمين "بارلا"([3]) تلك المغارة، وجعلني أنتفع فيها النفعَ المرجوَّ من المغارة، إلا أنه لم يحمّل مشقة المغارةِ
[1])) يقصد الوثيقة التي كانت الحكومة تعطيها للمنفيين ليعودوا إلى ديارهم.
[2])) يطلِق على ما قبل الأربعين من عمره سعيدًا القديم، وعلى ما بعد الأربعين من عمره سعيدًا الجديد؛ حيث عاش انقلابًا روحيًّا وفكريًّا، واتجه اتجاهًا جديدًا.
[3])) قرية نائية تابعة لمدينة إسبارطة.
49. صفحة
العصيبةَ على جسمي الضعيف، فكان في بارلا ثلاثة رجال كثيرو الوهم والشكوك، فآذوني بأوهامهم تلك، فمع أن أصدقائي هؤلاء كانوا يفكرون في راحتي؛ فإنهم بسبب تلك الأوهام جلبوا الضرر لقلبي ولخدمة القرآن في آن واحد.
وعلى الرغم من أن أهل الدنيا منحوا جميع المنفيين وثيقة، وأخرجوا المجرمين من السجن، وعفوا عنهم، فإنهم لم يمنحوني إياها ظلمًا، فربي الرحيم أبقاني في هذه الغربة بلا اضطراب ولا قلاقل، وحوّلها إلى رحمةٍ عظيمة كي يستخدمني في خدمة القرآن كثيرًا، ويجعلني أكتب الأنوار القرآنية التي تسمى بـ"الكلمات" كثيرًا.
ثم إن أهل الدنيا أبقوا جميع ذوي النفوذ والقوة من الزعماء والشيوخ المنفيين الذين يمكنهم أن يتدخلوا في دنياهم في البلدان والمدن، وسمحوا لجميع أقاربهم ومعارفهم بمقابلتهم، ولكنهم عزلوني ظلمًا، ونفوني إلى قرية بعيدة، ولم يسمحوا لأي أحد من أقربائي وأهل بلدتي بزيارتي باستثناء واحد أو اثنين، فحوّل خالقي الرحيم ذلك التجريد وتلك العزلة إلى رحمةٍ عظيمة في حقي؛ إذ جعل ذهني صافيًا نقيًّا، فجعله وسيلةً لتلقي فيض القرآن الحكيم كاملا بعيدًا عن الغل والغش.
ثم إن أهل الدنيا استكثروا عليَّ في البداية كتابة رسالتين عاديتين في غضون سنتين، حتى إنه إلى الآن لم تعجبهم ولم تطب لهم زيارة ضيف أو ضيفين لي مرة في عشرة أيام أو عشرين يومًا أو في شهر في سبيل الآخرة فحسب، فظلموني، فجعل ربي الرحيم وخالقي الحكيم ذلك الظلم رحمةً في حقي، حيث وضعني في خلوة مرغوبة، وعزلة مقبولة في هذه الشهور الثلاثة([1]) التي تكسبني عمرًا معنويًّا يمتد تسعين سنة.
والحمد لله على كل حال، فهذه هي حالي وراحتي.
سؤالكم الثاني: لم لا تتقدم للحصول على الوثيقة؟
الجواب: إنني محكوم القدر في هذه المسألة، ولست محكومًا لأهل الدنيا، ولذلك أراجع القدر، وأرحل من هنا متى سمح القدر، ومتى قُطِعَ رزقي هنا، وحقيقة هذا المعنى هي:
[1])) الشهور الثلاثة هنا هي: رجب، وشعبان ورمضان.
50. صفحة
إن هناك سببين في كل ما يصيب الإنسان، أحدهما ظاهري، والآخر حقيقي، حيث أصبح أهل الدنيا سببًا ظاهريًّا فأخذوني إلى هنا، أما القدر الإلهي فهو سببٌ حقيقي، فحَكَمَ عليَّ بهذا الانزواء، فقد ظلم السببُ الظاهريُّ، ولكن السببَ الحقيقيَّ عَدَلَ، وقد فكر الظاهري منهما هكذا:
"هذا الرجل يعمل من أجل العلم والدين بهمةٍ ونشاط وجِدّ"، فنفاني على احتمال أني ربما أتدخل في دنياهم، فظلمني ظلمًا مضاعفًا بثلاثة أوجه.
أما القدر الإلهي فقد رأى في حقّي أني لا أستطيع أن أؤدي واجب الخدمات العلمية الدينية حقّ الأداء وبإخلاص كامل، فحكم عليَّ بهذا النفي، وحوّل الظلم المضاعف من أولئك إلى رحمة مضاعفة.
وبما أن القدر هو الحاكم في نفْيِي، وأن هذا القدر عادل، فإني أراجعه، أما السبب الظاهري فعنده أمورٌ تافهة واهية يعتبرها حججًا وأسبابًا يتذرع بها، إذن لا معنى لمراجعتهم، فلو كان عندهم حق أو سبب قوي لكان من الممكن مراجعتهم.
فمع أني هجرت دنياهم -أهلكتهم- هجرًا نهائيًّا، وتركت سياستهم -لتكن هلاكًا لهم- كليًّا، فكل ما دبروا وفكروا من حجج وأوهام لا أصل له أبدًا؛ لذا فأنا لا أريد أن أضفي على تلك الأوهام لون الحقيقة بمراجعتهم، فلو كان لي اشتهاء للتدخل في سياسة الدنيا التي زمامها في أيد أجنبية لَما ظل مخفيًّا طيلة ثماني سنوات بل حتى ثماني ساعات، بل لترشّح ولأظهر نفسه، ولكن لم تكن لي رغبة في قراءة جريدة واحدة منذ ثماني سنوات، ولم أقرأها، فأنا تحت المراقبة هنا منذ أربع سنوات، ولم تَظهر أية علامة تدل على ذلك، إذن إن خدمة القرآن الحكيم لها رفعةٌ وسمو فوق جميع السياسات، حيث إنها تجعلني آنَفُ من سياسة الدنيا التي أَغْلَبُها أكاذيب.
والسبب الثاني في عدم مراجعتي لهم هو أن ادعاء الحق تجاه من يحسبون الظلم حقًّا نوعٌ من الظلم، فلا أريد أن أرتكب مثل هذا الظلم.
سؤالكم الثالث: لِم لا تبالي بالسياسة العالمية ولا تهتم بها إلى هذا الحد؟ ولا تغير موقفك إزاء أحداث العالم؟ أتروقك هذه الأحداث وترحب بها؟ أم تسكت لأنك تخشى منها؟
51. صفحة
الجواب: إن العمل في سبيل دعوة القرآن الحكيم قد منعني بشدةٍ من عالم السياسة، بل أنساني حتى التفكير فيها، وإلا فإن جميع أحداث حياتي تشهد على أن الخوف لم يستطع أن يأخذ على يدي، ولم يستطع أن يمنعني من السلوك في مسلك رأيته حقًّا، ولن يستطيع!
ممّ أخاف؟ ولماذا أخاف؟ ليست لي علاقة بالدنيا إلا أجلي، وليس لي أهل وأولاد حتى أفكر فيهم، ولا أموال حتى أفكر فيها، وليس لي تفكير في كرامة الآل والأسرة! رحم الله من يعين على تحطيم الصيت والشهرة الدنيوية التي هي عبارة عن شهرة كاذبة مرائية، لا من يحافظ عليها! ولم يبق إلا أجلي، وهو بيد الخالق ذي الجلال، فمن ذا الذي يقدر على التدخل فيه قبل أن يأتي، فنحن ممن يفضلون الموت بالعزة والكرامة على الحياة بالذل والمهانة!
وقد قال أحدهم كسعيد القديم:
وَنَحنُ أُناسٌ لا تَوَسُّطَ بيننا لَنا الصَدرُ دونَ العالَمِينَ أَوِ القَبرُ([1])
بل إن العمل في سبيل القرآن يمنعني من التفكير في حياة البشر الاجتماعية السياسية، وذلك:
أن الحياة البشرية رحلة وسفر، وقد رأيت بنور القرآن في هذا الزمان أن هذا الطريق انتهى إلى الوحل، فالقافلة البشرية تسير متخبطةً متعثرة في وحلٍ ملوث متعفن، وبعضها يسير في طريقٍ آمن سالم، وبعضهم وجدوا بعض الوسائل للتخلص من الطين والوحل، ويسير أكثرهم في وحلٍ متعفن نتن في الظلام، ويظن العشرون بالمائة منهم لسكرهم أن هذا الطين المتعفن النتن هو المسك والعنبر، فيلطخون به وجوههم وأعينهم، ويسيرون متعثرين إلى أن يغرقوا فيه، أما الثمانون بالمائة منهم فيعرفون الوحل على حقيقته، ويشعرون أنه متعفن نتن قذر، ولكنهم حائرون لا يستطيعون أن يروا الطريق الآمن السالم.
فهناك علاجان لهؤلاء:
أولهما: إيقاظ العشرين السكارى منهم بالمطرقة.
[1])) البيت لأبي فراس الحمداني في ديوانه.
52. صفحة
ثانيهما: إراءة طريق الأمان للحائرين بإظهار النور لهم.
وأنا أنظر فأرى أن الثمانين يمسكون بأيديهم المطارق تجاه العشرين منهم، ولكن لا يُكشَف النورُ حقًّا وبالفعل لهؤلاء الثمانين المساكين الحائرين، وحتى لو كُشف لهم فلا يكون آمنًا لأنهم يحملون بأيديهم من العصا والنور معًا، فالحائر يقلق ويتحفظ متفكرًا: يا ترى هل يريد أن يستدرجني ويجذبني بالنور ليضربني بالمطرقة؟!
وقد يحدث في بعض الأحايين أن تتحطم المطرقة لبعض العراقل والمشاكل فيذهب النور أو ينطفئ.
أما ذلك الوحل فهو حياة البشر الاجتماعية الفاجرة الفاسقة الغافلة السائرة في الضلال.
وأولئك السكارى هم المتمردون المتلذذون بالضلال.
وأولئك الحائرون هم الكارهون للضلال النافرون منه، ولكنهم لا يقدرون على الخروج منه، ويريدون التخلص منه ولكن لا يجدون السبيل إليه، فهم حائرون.
أما تلك المطارق فهي التيارات السياسية.
وأما تلك الأنوار فهي الحقائق القرآنية، فلا يُقَابَلُ النور بالشِّجار والنزال، ولا يقابل بالعداء والخصام، فلا يكرهه ولا يبغضه إلا الشيطان الرجيم، ومن أجل ذلك قلت: "أعوذ بالله من الشيطان والسياسة" كي أمسك بيدي نورَ القرآن، وألقيت مطرقة السياسة، وتمسكت بكلتا يدي بالنور.
وإني قد رأيت في جميع التيارات السياسية -موافقةً كانت أو معارضةً- من يعشق تلك الأنوار، وينبغي ألا يتحفظ ويحذر أيُّ جانبٍ وأي فريق من درس القرآن الذي يُلقى، ومن الأنوار القرآنية التي تُكشف في مقامٍ طاهر نقي هو فوق جميع التيارات السياسية والانحيازات كثيرًا، والذي هو مبرأ من مفاهيمها المغرضة، ولا يُتَّهم ذلك الدرس وذلك النور، إلا من قبل من يظنون الإلحاد والزندقة سياسةً، وينحازون إليها ممن هم شياطين في صورة أناسي، أو حيوانات في لباس البشر.
53. صفحة
إنني -ولله الحمد- بفضل ابتعادي عن السياسة لم أُنزِل حقائق القرآن القيِّمة كالألماس إلى قيمة قطعٍ زجاجية تحت اتهام الدعاية السياسية، بل كلما مر الزمان تزيد قيمة تلك الألماسات في عين كل طائفةٍ بصورة ساطعة لامعة.
الْحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللهُ
لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ
الباقي هو الباقي
س.ع
المكتوب الرابع عشر
لم يؤلَّف بعد.


