المكتوب الثالث والعشرون

151. صفحة

المكتوب الثالث والعشرون

باسمه سبحانه

وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته بعدد عاشرات دقائق عمرك وذرّات وجودك.

أخي العزيز المجتهد المجدّ المخلص ذا الحقيقة والدراية .

لا يمنع اختلاف الزمان والمكان محاورة أمثالنا من إخوان الحقيقة والآخرة ومؤانستهم، فلو كان أحدهم في الشرق وآخر في الغرب، أو أحدهم في الماضي وآخر في المستقبل، أو أحدهم في الدنيا وآخر في الآخرة؛ فإنه يمكن أن يُعدّا مجتمعَيْنِ معًا، ويمكنهما أن يتجاذبا أطراف الحديث، ولاسيما الذين هم على غايةٍ واحدة وفي مهمة واحدة، فيمكن اعتبار أحدهم عين غيره منهم.

إنني أتصوركم معي كل صباح، وأعطيكم قسما من مكسبي، أي ثلثًا منه، نسأل الله القبول، فأنتم مع عبد المجيد وعبد الرحمن في الدعاء، وتنالون حظكم منه دومًا إن شاء الله.

قد أحزنتني بعض مشكلاتكم الدنيوية، وتألمت لألمكم، ولكن بما أن الدنيا ليست باقيةً، وأن في مصائبها خيرًا نوعًا ما، فقد ورد إلى خاطري بدلا منك: كل آتٍ آت وكل فائتٍ فات، وتدبرت في "لا عَيْشَ إلاّ عَيْش الآخرة([1])"، وتلوت ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ وقلت ﴿إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ووجدت السلوان بدلا منك.

إذا أحبّ الله عبدًا جعل الدنيا تُعرِض عنه، وأراه إياها قبيحةً، وإنك إن شاء الله من صنف أولئك المحبوبين، فلا يؤلمنّكم تكاثر الموانع والعوائق التي تحول دون


[1])) رواه البخاري بأرقام 2801 و3584 و3872 و6050، ومسلم برقم 1803، وابن حبان 5789، والنسائي في السنن الكبرى برقم 8283 والترمذي برقم 3856.



152. صفحة

انتشار الكلمات([1])، وإن ما نشرتَه حينما ينال الرحمة فستتفتح تلك النوى النورية ببركةٍ وخصوبة ووفرة أزاهير كثيرة إن شاء الله.

إنكم تسألون بعض الأسئلة، يا أخي العزيز، إن أغلب ما كُتب من "الكلمات" و"المكتوبات" كان يَرِد إلى القلب دفعةً وفجأة دون اختيار مني، وعليه يكون جميلا لطيفًا، فلو كنت أجيب باختياري مفكرًا بالقوة العلمية مثل سعيد القديم لكان خافتًا ناقصًا.

وقد توقفت السوانح القلبية منذ فترة قريبة، وضعف توقد الذاكرة شيئًا ما، إلا أننا سنكتب جوابًا مختصرًا جدًّا كي لا تبقى أسئلتك بلا إجابة.

سؤالكم الأول:

على أية صورة يكون أفضل دعاء المؤمن لأخيه المؤمن؟

الجواب: ينبغي أن يكون الدعاء ضمن دائرة أسباب القبول؛ لأن الدعاء يكون مقبولا ومستجابًا ببعض الشروط، وكلما اجتمعت شرائط القبول كان أقرب إلى القبول والإجابة، ونذكرها هنا باختصار:

على الذي يريد أن يدعو الله أن يتطهر طهورًا معنويًا بالاستغفار، ثم يذكر الصلاة الشريفة -وهي دعاء مقبول- على الرسول r ويستشفع بها، ويذكر أيضًا الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم في نهاية الدعاء؛ لأن الدعاء بين دعاءين مقبولين يكون بإذن الله مقبولا ومستجابًا، ومنها أيضًا أن يدعو بظهر الغيب، وأن يدعو بما جاء في القرآن والسنة من المأثورات، مثل:

﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ و"اللّهُمّ إِنّي أَسْأَلُكَ العَفْوَ والعَافِيَةَ لِي ولَهُ فِي الدّنْيَا والآخِرَةِ وغيرهما من الأدعية الجامعة، وأن يدعو مخلصًا وفي خشوع وفي سكينة القلب وحضوره، وأن يدعو عقب الصلوات، وبخاصة عقب صلاة الفجر، وفي المواطن المباركة، ولاسيما المساجد، وأيام الجُمَع، وبخاصة ساعة الاستجابة فيها، وأن يدعو في الأشهر الثلاثة -وهي رجب وشعبان ورمضان- ولاسيما الليالي المباركة المشهورة، وفي رمضان، خاصة في ليلة القدر.




[1])) أي: رسائل النور.



153. صفحة

والدعاء بهذه الشروط مأمول من رحمة الله تعالى أن يكون مصحوبًا بالقبول بقوة؛ وهذا الدعاء المقبول إما أن يظهر أثره بعينه في الدنيا، وإما أن يكون مقبولا ومستجابًا في آخرة المدعو له وفي حياته الأبدية، فإذا لم يتحقق المقصود بعينه فلا يقال إذن: لم يُستجب الدعاء، بل يقال: استجيب بأفضل استجابة.

سؤالكم الثاني:

هل يليق أن نَتَرَضَّى على غير الصحابة الكرام بلفظ "رضي الله عنه" كما نَتَرَضَّى على الصحابة؟

الجواب: أجل، يجوز؛ لأن عبارة "رضي الله عنه" ليست شعارًا خاصًّا بالصحابة مثلما الحال في "عليه الصلاة والسلام" التي هي شعار للرسول الأكرم -عليه الصلاة والسلام- وحده، بل يجب أن نَتَرَضَّى على الأئمة الأربعة، وعلى الشيخ عبد القادر الجيلاني، والإمام الغزالي، والإمام الرباني وغيرهم ممن هم مثل الصحابة في مقام الولاية الكبرى المسماة بالوراثة النبوية، وبلغوا مقام الرضا.

ولكن في عرف العلماء يقال للصحابة: "رضي الله عنه"، وللتابعين وتابعي التابعين: "رحمه الله"، ويقال لمن بعدهم: "غفر الله له"، ويقال للأولياء: "قُدِّس سِرُّه".

سؤالكم الثالث:

هل الأئمة المجتهدون العظماء أفضل، أم شيوخ الطرق الحقة وأقطابها؟

الجواب: ليس جميع المجتهدين أفضلَ من الأقطاب، لكن الإمام أبا حنيفة، والإمامَ مالك، والإمامَ الشافعي، والإمام أحمدَ بن حنبل رحمهم الله على الأخص أفضل، أما بعض الأقطاب الكبار مثل الشيخ عبد القادر الجيلاني فلهم مقام أسطع من ناحيةٍ ما في الفضائل الخاصة، أما الفضيلة الكلية فهي للأئمة العظماء.

ثم إن بعضًا من شيوخ الطريقة من المجتهدين؛ ولهذا لا يقال إن جميع المجتهدين أفضل من الأقطاب، بل يقال إن الأئمة الأربعة هم الأفضل بعد الصحابة والمهدي رضي الله عنهم.


154. صفحة

سؤالكم الرابع:

ما الحكمة من قوله تعالى ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (الأنفال:46)، وما الغاية منها؟

الجواب: إن الله سبحانه وتعالى بمقتضى اسمه "الحكيم" قد وضع ترتيبًا في وجود الأشياء كدرجات السُّلَّم، فالمرء الذي لا يصبر إما أن يقفز الدرجات فيسقط لعدم تَأَنِّيه، أو لا يستطيع أن يكملها، فلا يستطيع أن يبلغ سقف الهدف المقصود، ولهذا فالحرص سبب الحرمان، أما الصبر فهو مفتاح المشكلات، حتى صار "الحريص خائب خاسر"، و"الصبر مفتاح الفرج" من ضروب الأمثال، إذن فعناية الله تعالى وتوفيقه مع الصابرين؛ لأن الصبر "ثلاثة أنواع":

أولها: الصبر عن المعصية بمنع النفس عنها، وهذا الصبر هو التقوى، ويجعل المرء ينال سر ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾.

ثانيها: الصبر على المصائب، والتوكلُ، وتسليم الأمر لله تعالى، ويجعل المرء ينال شرف ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾، و﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْصَّابِرِينَ﴾.

أما عدم الصبر والجزع فهو يتضمن الشكوى من الله تعالى، وهذا يعني انتقاد أفعال الله، واتهام رحمته، وعدم الإعجاب بحكمته سبحانه.

أجل؛ لا محالة أن الإنسان العاجز الضعيف يبكي شاكيًا من ضربات المصيبة، ولكن الشكوى يجب أن تكون إليه تعالى، وليس منه، وينبغي أن تكون مثل قول سيدنا يعقوب عليه السلام ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ﴾ (يوسف:86)، أي: يجب شكوى المصيبة إلى الله تعالى، وإلا فإن إثارة المرء رقةَ العاجزين وكأنه يشكو الله إلى الناس متأففًا متحسرًا قائلا: "ماذا جنيت حتى نزلت بي هذه المصيبة؟!"؛ ضرر، ولا معنى لها.

ثالثها: الصبر على العبادة، وهو يبلغ بالمرء إلى مقام المحبوبية، ويسوقه إلى العبودية الكاملة التي هي أعظم مقام.

سؤالكم الخامس:

يعتبر التكليف من العام الخامس عشر من العمر، فكيف كان سيدنا الرسول الأكرم -عليه الصلاة والسلام- يتعبد قبل النبوة؟


155. صفحة

الجواب: كان يتعبد بما بقي من دين إبراهيم عليه السلام الذي كان يستمر تحت حجب كثيرة في الجزيرة العربية، ولكن ليس بالفرض ولا بالإجبار، بل كان باختياره وعلى صورة الندب.

هذه المسألة طويلة، فلتبق الآن مختصرة.

سؤالكم السادس:

ما الحكمة في بعثة الرسول الأكرم -عليه الصلاة والسلام- في عمر الأربعين الذي يعد عمر الكمال، وما الحكمة في كون عمره المبارك ثلاثًا وستين سنة؟

الجواب: حِكَم ذلك كثيرة، وإحداها هي:

إن النبوّة تكليف ثقيل وعظيم، ولا يمكن احتمال هذا التكليف الثقيل إلا بانكشاف الملكات العقلية والاستعدادات القلبية وكمالهما، وزمن هذا الكمال هو الأربعون من العمر.

أما مرحلة الفتوة والشباب التي هي زمن ثورة النوازع النفسية، ووقت غليان الحرارة الغريزية، وفترة الرغبات الدنيوية الشديدة؛ فلا تناسب وظائف النبوة المقدسة الخالصة لله وحده والأخروية البحتة، فمهما كان الإنسان وقورًا رزينًا مخلصًا قبل الأربعين؛ فإنه يَرِد إلى أذهان عبّاد الشهرة وَهْمُ أنه ربما يعمل من أجل الشهرة وعلو المقام في الدنيا، فلا يستطيع التخلصَ من اتهامهم بسهولة.

أما بعد الأربعين فبما أن العمر يبدأ بالانحدار إلى القبر، وتتراءى الآخرةُ أكثر من الدنيا أمام نظر المرء؛ فإنه يتخلص من ذلك الاتهام بسرعة في أعماله وحركاته الأخروية، وينجح في أعماله وأموره، وينجو الناس ويتخلصون من سوء الظن به.

أما كون عمر الرسول الأكرم r المبارك ثلاثًا وستين سنة، فإن إحدى الحكم الكثيرة لذلك هي:

إن أهل الإيمان مكلفون شرعًا بمحبة الرسول الأكرم r محبة شديدة، وباحترامه وتوقيره بقوة، وألا يكرهوا أية حال من أحواله، وأن يروا كل حال من أحواله حسنة

156. صفحة

جميلة؛ لذا لا يترك الله تعالى حبيبه الأكرم إلى وقت الشيخوخة الشاقة ذات المصائب بعد الستين من العمر، بل يرسله إلى الملأ الأعلى ويأخذه إليه في الثالث والستين الذي هو العمر الغالب لأمته التي هو إمام لها، ويظهر أنه إمام في كل شيء.

سؤالكم السابع:

هل مقولة "خَيْرُ شَبَابِكُمْ من تَشَبَّهَ بِكُهُولِكُمْ، وَشَرُّ كُهُولِكُمْ من تَشَبَّهَ بِشَبَابِكُمْ"([1]) حديث؟ وما المراد منها؟

الجواب: لقد سمعته حديثًا، أما المراد منه فهو:

"خير الشباب من يفكر في الموت مثل الشيوخ، ويسعى لآخرته، ولا يكون أسيرًا لنوازع الشباب ونزواته، ولا يغرق في الغفلة، وشر شيوخكم من يريد أن يتشبه بالشباب في الغفلة والنزوات، ويطيع نزواته النفسية مثل الصبيان".

والصورة الصحيحة التي رأيتَها للقطعة الثانية من لوحتك هي:

أنني علّقتها فوق رأسي كلوحة حكمة، وأنظر إليها كل صباح ومساء، وأتلقى درسي منها واللوحة هي:

"إن كنت تريد خليلا فكفى بالله خليلا"، نعم؛ إن كان هو خليلا فكل شيء خليل.

"إن كنت تريد أنيسًا فكفى بالقرآن أنيسًا"، نعم؛ يلتقي المرء مع من فيه من الأنبياء والملائكة عليهم السلام خيالا، ويشاهد أحوالهم وأحداثهم فيجد الأنس.

"إن كنت تريد مالا فكفى بالقناعة مالا"، نعم؛ القانع يقتصد، والمقتصد يجد البركة.

"إن كنت تريد عدوًّا، فكفى بالنفس عدوًّا"، نعم؛ من يعجب بنفسه يقعْ في الكارثة، ويقاسِ المشقة والعناء، ومن لا يعجب بنفسه يجد الراحة والرحمة.

"إن كنت تريد نصيحة، فكفى بالموت ناصحًا وواعظًا"، نعم؛ إن الذي يفكر في الموت ينجو من حب الدنيا، ويسعى لآخرته سعيًا جادًّا.





[1])) رواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم 5904، وفي المعجم الكبير برقم 202، ورواه أبو يعلى في مسنده برقم 7483،، والشهاب في مسنده برقم 1255.


157. صفحة

وأنا أضيف مسألة ثامنة إلى سؤالكم السابع وهي:

قرأ أحد القرّاء الحفّاظ قبل بضعة أيام من سورة يوسف إلى قول الله تعالى ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ (يوسف:101)، وفجأة وردت نكتة إلى القلب.

إن كل ما يتعلق بالقرآن والإيمان قيّم عظيم، فمهما كان صغيرًا في الظاهر؛ فإنه كبير وعظيم قيمةً وأهميةً.

أجل؛ إن ما يعين على السعادة الأبدية ليس صغير الشأن، فلا يقال إذن: هذه نكتة صغيرة لا تستحق هذا الإيضاح والاهتمام، ولاشك أن إبراهيم خلوصي الذي هو أول تلميذ في مثل هذه المسائل وأول مخاطب ومقدِّر للنكات القرآنية يريد أن يسمع هذه النكتة، فليسمع إذن، فهي نكتة لطيفة جميلة لأحسن قصة.

إن نكتة عالية لطيفة مبشِّرة ومعجزة من نكات الآية الكريمة ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ التي تخبر بخاتمة قصة يوسف عليه السلام التي هي أحسن القصص؛ هي:

إن الآلام والأحزان التي تورثها أخبار الزوال والفراق في ختام سائر القصص المفرحة المبهجة السارة تنغص اللذة الخيالية المستفادة من القصة وتكدرها وتجعلها مرة، وخاصة إخبارها عن كمال الفرح والسرور والسعادة، فيكون الإخبار عن الموت والفراق أشد إيلامًا، حيث تجعل السامعين يتحسرون ويتأوهون، ولكن هذه الآية -وهي أسطع جزء في قصة يوسف u- تخبر عن موت يوسف عليه السلام وقد أصبح عزيز مصر، والتقى بوالديه، وتعرف على إخوته وتحابّوا، وكان في قمة السعادة والسرور في الدنيا، فتقول: إن يوسف u سأل الله سبحانه وتعالى أن يتوفاه كي ينال سعادةً أعظم وأسطع من هذه السعادة وذلك السرور، وتُوفِّيَ، فنال تلك السعادة، إذن هناك سعادةٌ وسرور وفرح وراء القبر أكثر جاذبية من هذه السعادة الدنيوية اللذيذة الممتعة؛ لذا طلب يوسف u ذو البصيرة النافذة الموتَ المرَّ المؤلِمَ جدًّا وهو في قمة اللذة الدنيوية، حتى ينال تلك السعادة الأخرى.

فانظر إلى بلاغة القرآن الحكيم هذه؛ كيف أخبرت عن خاتمة قصة يوسف u، وكيف أنها زادت السامعين بشارة وسرورًا، وليس ألمًا وأسفًا.