المكتوب الثامن

29. صفحة

المكتوب الثامن

باسمه

وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

إن لدخول اسمي "الرحمن الرحيم" في "بسم الله الرحمن الرحيم"، وذكرهما في بدء كل أمر مبارك ميمون حِكَمًا كثيرة، أعلق بيانها إلى وقتٍ آخر وأذكر شعورًا من مشاعري الخاصة بي.

يا أخي، إنني أرى اسمَيْ "الرحمن الرحيم" نورًا عظيمًا وأي نور؛ بحيث إنه يغمر الكون كله، ويَظهران منورَّين وقويين بحيث إنهما قادران على إشباع كل روح من كل الحاجات الأبدية، وتأمينها مما لا يعد من أعدائها، فأهم الوسائل التي وجدتها للبلوغ إلى هذين الاسمين -اللذين هما النوران العظيمان- هي الفقر والشكر، والعجز والشفقة، أي: العبودية والافتقار إلى الله تعالى.

ولمناسبة هذه المسألة ورد إلى الخاطر موضوعٌ؛ إذ إنني أقول -ولكن مخالفًا للمحققين، بل مخالفًا للإمام الرباني الذي هو أحد شيوخي-:

إن مشاعر يعقوب عليه السلام الشديدة الساطعة تجاه يوسف عليه السلام ليست محبة وعشقًا، وإنما هي شفقة؛ لأن الشفقة أنفذ وأحدّ من العشق والمحبة، وأسطع وأعلى وأسمى وأنزه منه، وتليق بمقام النبوة، ولكن المحبة والعشق إن كانا شديدين تجاه المحبوبات والمخلوقات المجازية فإنهما لا يليقان بالمقام العالي السامي للنبوة، إذن إن المشاعر اليعقوبية -على صاحبها السلام- التي وصفها القرآن الحكيم بالإعجاز الساطع بصورة ناصعة، والتي هي وسيلة للوصول إلى اسم "الرحيم"؛ إنما هي درجة عالية سامية للشفقة.

أما العشق الذي هو وسيلة للوصول إلى اسم "الودود" فهو في قضية المحبة لزليخة تجاه يوسف عليه السلام.


30. صفحة

إذن يظهر أن الشفقة أعلى وأرفع من العشق بقدر سمو وعلو مشاعر يعقوب عليه السلام عن مشاعر زليخة كما وصفها القرآن المعجز البيان.

وحيث إن شيخي الإمام الرباني لا يرى أن العشق المجازي يليق بمقام النبوة إلى حدٍّ ما؛ فقد قال:

"إن المحاسن اليوسفية -على صاحبها السلام- من نوع المحاسن الأخروية، فالمحبة تجاهه ليست من نوع المحبة المجازية حتى تكون نقيصة".

وأنا أقول:

يا شيخي العزيز، إن هذا تأويلٌ متكلف، فالحقيقة ينبغي أن تكون كالآتي:

إن تلك المشاعر ليست محبة، بل هي مرتبةُ شفقةٍ أسطع من المحبة وأوسع وأسمى منها بمائة مرة.

أجل؛ إن الشفقة بجميع أنواعها لطيفةٌ ونزيهة، أما العشق والمحبة فيُترفع عن كثيرٍ من أنواعهما.

ثم إن الشفقة واسعة جدًّا، وحيث إن المرء يشفق على أولاده؛ فإن شفقته تحيط بجميع الصغار، بل بذوي الأرواح، ويكون مرآة تعكس إحاطة اسم "الرحيم" نوعًا ما، بينما في العشق يحصر العاشق نظره في محبوبه، ويضحي بكل شيء في سبيله، أو ينقص من شأن الآخرين ويذمهم معنىً، ويجرح ويخدش كرامتهم كي يعلي من شأن محبوبه ويثني عليه، فمثلا قد قال أحدهم:

"الشمس ترى حسن محبوبتي وتخجل، وتجر ستار السحاب عليها، وتختفي وراءه كي لا تراها".

أيها العاشق المتحذلق([1])! بأي حق تُخجِل هكذا الشمسَ التي هي صحيفةٌ نورانية لثمانية أسماء عظمى (من أسماء الله الحسنى)؟!

ثم إن الشفقة خالصة، لا تطلب أجرةً لها، وهي صافية نقية وبلا عوض ولا بدل، حتى إن شفقة الحيوانات التي هي في أدنى مرتبةٍ تجاه صغارها بالتضحية بلا عوض ولا بدل دليل على هذا، ولكن العشق يطلب أجرًا، ويطلب مقابلا، فما بكاء العشق وأنينه ونواحه إلا نوعٌ من الطلب، وسؤال للأجر.





[1])) المتحذلق: الذي يدعي في كلامه أكثر مما عنده.


31. صفحة

إذن إن شفقة يعقوب u التي هي أسطع نور لسورة يوسف، التي هي أسطع سور القرآن الكريم، تُظهِر اسمي "الرحمن" و"الرحيم"، وتبين أن طريق الشفقة هو طريق الرحمة، وتسوق الإنسان إلى ذكر ﴿فَاللهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (يوسف:64) دواءً لألم الشفقة.

الباقي هو الباقي

س.ع