المكتوب الثامن عشر:

85. صفحة

 

المكتوب الثامن عشر

باسمه

وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

 

هذا المكتوب عبارة عن " ثلاث مسائل مهمة "

المسألة المهمة الأولى:

إن أولياء مشهورين كالشيخ محيي الدين بن عربي صاحب "الفتوحات المكية"، والسيد عبد الكريم صاحب الكتاب المشهور المسمى بـ"الإنسان الكامل" يتحدثون عن سبع طبقات للأرض، وعن أرض بيضاء وراء "جبل قاف"، ويتحدثون في الفتوحات المكية عن عجائب يطلقون عليها "الأرض المشمشية"، ويقولون إننا رأيناها، فهل ما قالوه صِدقٌ وصوابٌ؟ فكيف يكون صدقًا ولا وجود لهذه الأماكن على الأرض! وفي الوقت نفسه لا يقبل علم الجغرافيا والعلوم بما قالوه! وإن لم يكن صدقًا وصوابًا فكيف يكونون أولياء؟ وكيف يكون مِن أهل الحقيقة مَن يقول مثل هذا الكلام المخالف للواقع، والمنافي للحق؟

الجواب: إنهم أهل الحق والحقيقة، وإنهم أهل الولاية والشهود أيضًا، فما رَأَوْه رأوه حقًّا، ولكن بعضه خطأ؛ إذ ليس لهم حقٌّ فيما أطلقوه من أحكامٍ حول حالة الشهود التي لا يمكن إحاطتها واستيعابها، وحول تعبير ما رأوه كالرؤيا، فكما أن الرجل الذي ما زال في الرؤيا لا يستطيع أن يَعْبُرَ رؤياه؛ فإن أهل الكشف والشهود كذلك من أمثال هؤلاء لا يستطيعون أن يعبروا ما رأوه وهم ما زالوا في تلك الحال، وإنما يعبرها محققو وراثة النبوة الذين يطلق عليهم الأصفياء، ولاريب أن أهل الشهود من أمثالهم إذا بلغوا مقام الأصفياء يدركون أخطاءهم بإرشاد الكتاب والسنة، ويصححونها، وقد فعلوا ذلك حقًّا.


86. صفحة

فاستمع إلى هذه الحكاية التمثيلية التي تُوَضّح هذه الحقيقة وهي:

كان في قديم الزمان راعيان من أهل القلب، وذات يومٍ حلبا اللبن في إناء خشبي وتركاه بجانبهما، ووضعا نايهما على إناء اللبن، فأخذت أحدَهما السِّنةُ فنام، فظل نائمًا مدة، أما الآخر فبقي يرقب النائم ويلاحظه، فيرى أن شيئًا يشبه الذبابة يخرج من أنف النائم وينظر إلى إناء اللبن، ثم يدخل في أحد طرفي الناي، ويخرج من الطرف الآخر، ثم يدخل في فتحةٍ تحت نبات شائك ويختفي، وبعد فترة يعود ذلك الشيء، ويمر من داخل الناي مرة أخرى، ويدخل في أنف النائم، وحين استيقظ النائم قال لصاحبه: "لقد رأيت يا صاحبي رؤيا عجيبة"، فقال صاحبه: "جعلها الله خيرًا، ما هي"؟

قال: "رأيت بحرًا من اللبن، وقد مُدَّ فوقه جسرٌ عجيب، وكان الجسر مسقفًا ومغطى وله نوافذ، فمررت من هذا الجسر، ورأيت غابة من أشجار البلوط ذات الرءوس الحادة، وتحتها مغارة، فدخلتها، ورأيت فيها كنزًا كبيرًا من الذهب، فما تأويلها يا ترى"؟

فقال صاحبه اليقظ: "البحر الذي رأيته من لبن هو هذا الإناء الخشبي، وذلك الجسر هو ناينا هذا، وتلك الغابة من أشجار البلوط ذات الرءوس الحادة هي هذا النبات الشائك، وتلك المغارة هي هذه الفتحة الصغيرة، فهات المعول سأريك الكنز"، فيأتي بالمعول، ويحفران تحت النبات الشائك، ليجدا الكنز الذهبي الذي يسعدهما في الدنيا.

فما رآه الرجل النائم حق، وقد رأى حقًّا، ولكن ولأنه لا يستطيع الإحاطة بعالم الرؤيا واستيعابه -فلا يحق له تعبير ما رآه- ولا يستطيع أن يميِّز بين العالم المادي والعالم المعنوي، فيكون قسمٌ من أحكام أطلقها خطأً؛ لذا فهو يقول: "لقد رأيت بحرًا ماديًّا حقيقيًّا"، ولكن الرجل الصاحي ولأنه يميز بين عالم المثال والعالم المادي فله حق التعبير؛ لذا فقد قال: "إن البحر الذي رأيته حق وصدق، ولكن ليس هو ببحر حقيقي، بل قد صار إناء اللبن هذا كبحر لخيالك، وصار الناي كجسر"، وهكذا..

إذن ينبغي التمييز بين العالم المادي والعالم الروحاني، ولكن إذا مُزِج بعضهما في بعض يُرى حكمهما خطأ.


87. صفحة

ومثلا:

هب أن لك غرفةً ضيقة، ولكن قد وُضعت أربع مرايا كبيرة تغطي جدران الغرفة الأربعة، فحينما تدخل تلك الغرفة الضيقة تراها واسعة كميدان، فإن قلت: "إني أرى غرفتي واسعةً سعة ميدان واسع"، فإنك تقول الصدق، ولكن إذا قلت: "إن غرفتي واسعةٌ كميدان" فإنك تخطئ؛ لأنك تخلط في هذه الحالة بين عالم المثال وبين العالم الحقيقي.

فتصويرات بعض أهل الكشف حول طبقات الأرض السبع دون أن يزنوها بموازين الكتاب والسنة لا تقتصر على الوضع المادي في نظر علم الجغرافيا، فمثلا: لقد قالوا: إن طبقة من طبقات الأرض للجن والعفاريت، ولها سعة مسيرة آلاف السنين، بينما كرتنا التي يمكن الدوران حولها في سنة أو سنتين لا يمكن أن تندرج فيها تلك الطبقات العجيبة، ولكن لو افترضنا كرتنا كنواةٍ لشجرة الصنوبر في عالم المعنى وعالم المثال وعالم البرزخ وعالم الأرواح؛ فإن شجرتها المثالية التي تتمثل وتتشكل منها تكون كشجرة صنوبرٍ ضخمة بالنسبة لتلك النواة؛ لذا فإن قسمًا من أهل الشهود يرون في أثناء سيرهم الروحاني بعض طبقات الأرض واسعةً جدًّا في عالم المثال، ويرون أنها تستغرق مسافة آلاف السنين، فما رأوه صدقٌ وحق، ولكن ولأن عالم المثال يشبه العالم المادي في الظاهر؛ يرون العالَمَين ممزوجين معًا، ويعبرون ما يرون حسب ذلك، وإذا عادوا إلى عالم الصحو فإنهم يكتبون مشهوداتهم كما هي، فمشهوداتهم هذه ولأنها كانت بغير ميزان واتزان يُظن أنها منافية للحقيقة، فكما أن الوجود المثالي لقصرٍ عظيم أو حديقةٍ كبيرة تستوعبه مرآةٌ صغيرة؛ فكذلك تستوعب مسافةُ سنةٍ من العالم المادي سعةَ آلاف السنين من العالم المثالي والحقائق المعنوية.

الخاتمة: يتبين من هذه المسألة أن درجة الشهود أدنى بكثير من درجة الإيمان بالغيب، أي: إن الكشفيات المحدودة لبعض أهل الولاية الذين لا يعتمدون إلا على شهودهم لا تبلغ أحكامَ الأصفياء والمحققين -الذين هم أهل وراثة النبوة- المستندة إلى القرآن والوحي وليس إلى الشهود حول ما توصلوا إليه من حقائقهم الإيمانية الغيبية الصافية المحيطة الحقة.


88. صفحة

إذن؛ إن ميزان جميع الأحوال والكشفيات والأذواق والمشاهدات هو ميزان الكتاب والسنة، ومحكّها ومقياسها هو الدساتير القدسية للكتاب والسنة، والقوانين الحدسية للأصفياء المحققين.

 المسألة المهمة الثانية:

سؤال: تُعد مسألة "وحدة الوجود" أعلى وأرفع مقام من قبل الكثيرين، بينما لم يُرَ مذهب وحدة الوجود هذا صريحًا لدى الصحابة الذين هم في الولاية الكبرى وعلى رأسهم الخلفاء الأربعة، ولدى أئمة أهل البيت وعلى رأسهم آل العَبَّاء الخمسة، ولدى المجتهدين والتابعين وعلى رأسهم الأئمة الأربعة، فيا ترى هل سبقهم الذين جاءوا من بعدهم، ووجدوا جادةً كبرى أحسن وأفضل من طريقهم؟

الجواب: حاشا! ليس بإمكان أحدٍ أن يسبق أولئك الأصفياء الذين هم أقرب النجوم إلى شمس الرسالة، وأقرب الوارثين إليها، ولا أن يتقدم عليهم، بل الجادة الكبرى هي جادتهم.

أما وحدة الوجود فهي منهجٌ وحالٌ ومرتبةٌ ناقصة، ولكنها ذات لذة ونشوة، فالذين يدخلون تلك المرتبة في أثناء سيرهم وسلوكهم يبقون فيها ولا يريدون أن يخرجوا منها، ويظنون أنها هي المرتبة النهائية.

فإذا كان صاحب هذا المشرب روحًا تجردت من الماديات والوسائط ومزقت ستار الأسباب، ونالت شهودًا شبه استغراقي فلربما تُحقِّق لها وحدةُ وجودٍ حالية وليست علمية، وناشئة عن وحدة الشهود لا عن وحدة الوجود؛ كمالا ومقامًا، بل قد يبلغ بها الأمر إلى إنكار الكون من أجل الله تعالى، أما إن كانت منغمسةً في الأسباب، ومتوغلةً في الماديات؛ فإن قولها بوحدة الوجود قد يؤدي بها إلى إنكار وجود الله تعالى لأجل الكون.

أجل؛ إن الجادة الكبرى هي جادة الصحابة والتابعين والأصفياء؛ فعبارة: "حقائق الأشياء ثابتة" هي قاعدتهم الكلية، وليس لله تعالى شبيه حسب مضمون ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ

89. صفحة

شَيْءٌ﴾ (الشورى:11)، وهو منزَّه عن التحيُّز والتجزؤ، وعلاقته بالموجودات علاقة الخالقية، والموجودات ليست أوهامًا وخيالات كما يقول أهل وحدة الوجود، بل الأشياء المرئية المشهودة أيضًا آثار الله تعالى، وإذن ليس "همه اوست([1])"، بل "همه از اوست([2])"؛ لأن الحادثات لا يمكن أن تكون عين القديم.

وسنقرب هذه المسألة إلى الفهم بمثالين:

المثال الأول: نفترض أن هناك ملِكًا، له دائرة عدلٍ باسمه "الحاكم العادل"، فهذه الدائرة تُظهر تجلي ذلك الاسم، وله أيضًا اسم "الخليفة"، فدائرة المشيخة والدائرة العلمية مَظهر ذلك الاسم، وله اسم "القائد الأعظم" ويعمل بهذا الاسم في الدوائر العسكرية، والجيش مَظهر هذا الاسم، فإذا انبرى أحد قائلا: إن هذا الملك حاكم عادل فقط، وليست هناك دائرة غير الدائرة العدلية؛ فحينئذ تنطبق بالضرورة على موظفي الدائرة العدلية صفات علماء دائرة المشيخة وأحوالهم انطباقًا اعتباريًّا وليس حقيقيًّا، ويُتصور بشكل ظلِّيٍّ وخيالي ضمن دائرة العدل الحقيقية دائرةُ مشيخةٍ تبعيةً ظلّية، وتُعد الأحوال والمعاملات الخاصة بالدائرة العسكرية بشكل فرضي بين أولئك الموظفين في العدلية، ويُعتبر أن هناك دائرة عسكرية غير حقيقية، وهلمّ جرًّا...

وفي هذه الحالة فالاسم الحقيقي للملك هو اسمه "الحاكم العادل"، والحاكمية الحقيقية هي حاكميته في دائرة العدل، أما الخليفة والقائد الأعظم والملك والسلطان وغيرها من الأسماء فليست حقيقيةً، بل اعتبارية، بينما تقتضي ماهية الملك وحقيقة السلطنة وجود جميع الأسماء حقيقةً، أما الأسماء الحقيقية فتتطلب وتقتضي دوائر حقيقيةً، إذن فسلطنة الألوهية تقتضي وجود كثيرٍ جدًّا من الأسماء المقدسة كـ"الرحمن" و"الرزّاق" و"الوهاب" و"الخلاق" و"الفعال" و"الكريم" و"الرحيم" بشكل حقيقي، وهذه الأسماء الحقيقية كذلك تقتضي مرايا حقيقيةً.

والآن، فبما أن أهل وحدة الوجود يقولون "لا موجود إلا هو" ويحطّون حقائق الأشياء إلى درجة الخيال، فإن لأسماء الله سبحانه وتعالى كـ"واجب الوجود" و"الموجود"




[1])) أي: لا موجود إلا هو.

[2])) لا موجود إلا منه.


90. صفحة

و"الواحد" و"الأحد" تجلياتٍ ودوائرَ حقيقيةً، بل إن لم تكن دوائرها ومراياها حقيقيةً وكانت خياليةً وعدمية فلا تضر تلك الأسماءَ، بل إن لم يكن في مرآة الوجود الحقيقي لونُ الوجود فهي تكون أصفى وأسطع بكثيرٍ، ولكن أسماءه تعالى كـ"الرحمن" و"الرزاق" و"القهار" و"الجبار" و"الخلاق" تكون تجلياتها اعتباريةً وليست حقيقية في مشرب وحدة الوجود، ولكن تلك الأسماء حقيقةٌ كاسم "الموجود"، ولا يمكن أن تكون ظلا، وهي أصلية ولا يمكن أن تكون تبَعية.

ومن ثم فالصحابة وأصفياء المجتهدين وأئمة أهل البيت يقولون: "حقائق الأشياء ثابتة"، أي: إن لله تعالى تجلياتٍ حقيقيةً بجميع أسمائه، وجميعُ الأشياء لها وجودٌ عرضي بإيجاده سبحانه إياها، وذلك الوجود مع أنه ظلٌّ باهتٌ غير مستقرٍّ بالنسبة إلى وجود الواجب الوجود؛ فإنه ليس خيالا ولا وهمًا، فالحق تعالى يمنح الوجود للأشياء باسمه "الخلاق"، ويديم وجودها.

المثال الثاني: هناك أربع مرايا كبيرة على جدران هذا المنزل الأربعة، فالمنزل ترتسم صورته على كل مرآة مع المرايا الثلاث الأخرى، إلا أن كل مرآة تحتوي على الأشياء حسب هيئتها ولونها، وكل واحدة منها كمنزل مثالي خاص بها، فإذا دخل رجلان هذه الغرفة، ونظر أحدهما إلى مرآة، وقال: "إن كل شيء داخلَ هذه"، وعندما يسمع بوجود المرايا الأخرى وبالأشياء التي ترتسم عليها يطبق مسموعاته على زاوية صغيرة من تلك المرآة الوحيدة التي أصبحت ظلا بدرجتين وصغُرت حقيقتها وتغيرت، ثم يقول: "إنني أرى هكذا"، إذن الحقيقة هكذا، ويقول له الرجل الآخر: أجل؛ إنك ترى، وما تراه حقٌّ، ولكن الصورة الحقيقية للحقيقة ليست كذلك في الواقع وفي نفس الأمر، فهنالك مرايا أخرى غير المرآة التي حدّقتَ فيها، وهي ليست ظلالا لظلٍّ صغير بحجم ما رأيت!

وهكذا فكل اسم من الأسماء الإلهية يطلب مرآةً مستقلة، فمثلا: "الرحمن" و"الرزاق" ولأنهما حقيقيان وأصليان فإنهما يقتضيان موجودات لائقة بهما محتاجةً إلى الرزق والرحمة، وكما أن "الرحمن" يقتضي ويتطلب وجود ذوي الأرواح المحتاجين إلى الرزق، ومن لهم وجودٌ حقيقي في دنيا حقيقيةٍ؛ فإن "الرحيم" أيضًا يقتضي ويتطلب الجنة الحقيقية، فإن عُدَّت أسماء "الموجود" و"واجب الوجود" و"الواحد" و"الأحد" 

91. صفحة

الأسماءَ الحقيقيةَ فحسبُ، وضُمَّت الأسماء الأخرى إليها كظل لها؛ فإن ذلك يكون بمنزلة ظلم لهذه الأسماء.

ولهذا السرّ فإن الجادة الكبرى هي جادة أصحاب الولاية الكبرى، وهم الصحابة والأصفياء والتابعون، وأئمة أهل البيت، والأئمة المجتهدون الذين هم الطبقة الأولى من تلاميذ القرآن الكريم مباشرة.

﴿سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ

﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ

اللّهُمّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى مَنْ أَرْسَلْتَهُ رَحْمَةً للعَالَمِينَ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ

 

المسألة الثالثة:

وهي مسألة مهمة لا يمكن حلُّها بالعقل والفلسفة.

﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ (الرحمن:29)، ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ (البروج:16).

سؤال: ما سر هذه الفعالية الدائمة المذهلة المحيرة للألباب في الكون؟ وما حكمتها؟ ولماذا لا تسكن هذه المخلوقات ذات الحركة الدائبة؟ ولماذا تدور دائمًا وتتجدد؟

الجواب: إيضاح هذه الحكمة يقتضي ألفَ صفحة، إذن ندع إيضاحها، ونذكر إجمالها القصير في صفحتين.

كما أن شخصًا إذا قام بأداء وظيفةٍ فطرية أو وظيفةٍ اجتماعية، وعمل لأجل هذه الوظيفة بهمةٍ ونشاط وشوق وحماسة؛ فلاريب أن من يشاهد هذا الرجل باهتمامٍ يدرك أن الذي يدفعه إلى أداء تلك الوظيفة "أمران":

الأول: المصالح والثمرات والفوائد التي تترتب على تلك الوظيفة، ويسمى هذا بـ "العلة الغائية".

الثاني: هناك محبة وشوق ولذة تدفعه إلى القيام بتلك الوظيفة بهمة ونشاط وحماسة، وهذه تسمى بـ "الداعي والمقتضِي".

مثلا: الأكل لذةٌ واشتياق نابعان من الاشتهاء؛ بحيث يسوقان الإنسان إلى الأكل، فنتيجة الأكل بعد ذلك هي تغذية الجسم وإدامة الحياة، كذلك "ولله المثل الأعلى" فهذه

92. صفحة

الفعالية غير المتناهية المذهلة المحيرة للألباب في الكون تستند إلى قسمين من الأسماء الإلهية، وهي من أجل "حكمتين واسعتين" كل منهما لا نهاية لها.

الأولى: إن لأسماء الله الحسنى أنواعًا لا حدَّ لها من التجليات، فتنوع المخلوقات ناشئ عن تنوع هذه التجليات، وهذه الأسماء تطلب الظهور دومًا، أي تريد أن تُظهِر نقوشها، أي تريد أن تَرى وتُرِي تجلياتِ جمالها على مرايا نقوشها، أي تريد أن تجدد كتاب الكون ومكتوبات الموجودات آنًا فآنًا، أي تقتضي أن تكتب كتاب الكون كتابة متجددة مفعمةً بالمعاني، وأن تُظهِر وأن تُقرِئ كل مكتوب أمام الذات المقدس والْمُسَمّى الأقدس سبحانه وتعالى، وأمام أنظار المطالعين من جميع ذوي الشعور.

السبب الثاني والحكمة الثانية: وكما أن الفعالية التي في الموجودات ناشئةٌ عن اشتهاءٍ واشتياق ولذة، بل إن في كل فعاليةٍ لذةً حتمًا، بل إن كل فعاليةٍ هي في ذاتها نوعٌ من لذةٍ؛ كذلك فإن الواجب الوجود له شفقةٌ ومحبة مقدّستان لا حد لهما تليقان به، وتوافقان استغناءَه الذاتيّ وغِنَاه المطلقَ، وتناسبان كماله المطلق، وله سبحانه وتعالى شوقٌ مقدس غير محدود يأتي من تلك الشفقة والمحبة المقدستين، وله سبحانه وتعالى سرورٌ مقدس غير محدود ينبع من ذلك الشوق المقدس، وله سبحانه وتعالى -إن جاز التعبير- لذةٌ مقدسة لا حدَّ لها ناشئة عن ذلك السرور المقدس، وهناك رضا وافتخار مقدسان -إذا جاز التعبير- خاصّان بالرحمن الرحيم، ناشئان عن الترحم غير المحدود الناتج عن تلك اللذة المقدسة، ونابعان من رضا المخلوقات وكمالها الحاصلين من خروج استعدادها من طور القوة إلى طور الفعل، وتكمُّلها ضمن فعالية القدرة، وكل ذلك يقتضي فعاليةً غير محدودة بصورة غير محدودة.

ولجهل الفلسفة والعلوم والحكمة بهاتين الحكمتين فإنها قد خلطت الطبيعةَ غير الشاعرة وغير الواعية، والمصادفةَ العمياء، والأسبابَ الجامدة بهذه الفعالية التي تنم عن علمٍ غير محدود وحكمة وبصيرة غير متناهية، ووقعت في ظلمات الضلال ولم تهتدِ إلى نور الحقيقة.