المكتوب الثامن والعشرون
التنقل
214. صفحة
المكتوب الثامن والعشرون
هذا المكتوب مكوّن من "ثماني مسائل"
المسألة الأولى
وهي الرسالة الأولى
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ (يوسف:43)
تطلبون الآن تعبير رؤياكم القديمة التي ظهر تعبيرها وتأويلها بعد ثلاثة أيام من مقابلتك إياي قبل ثلاث سنوات، أليس لي الحق الآن أن أقول إزاء هذه الرؤيا الجميلة المباركة المبشّرة التي مر عليها زمن طويل وأظهرت معناها:
نَه شَبَمْ نَه شَبْ پَرَسْتَمْ مَنْ غُلاَمِ شَمْسَمْ أَزْ شَمْس مِى گُويَمْ خَبَرْ(1).
آنِ خَيَالاتِي كِه دَامِ أَوْلِيَاست عَكْسِ مَهرويَانِ بُوستَانِ خدَاس(2).
أجل؛ يا أخي، لقد اعتدنا أن نتذاكر معًا درس الحقيقة المحضة، ولما كان البحث بصورة التحقيق عن الرؤى -التي بابها مفتوح للخيالات- لا يتوافق مع منهج التحقيق توافقًا تامًّا؛ فإننا سنبين بمناسبة حادثة النوم الجزئية "ست نكات من الحقيقة" تخصّ النوم الذي هو أخو الموت بيانًا علميًّا باتّباع الدساتير والعلم على الوجه الذي أشارت إليه الآيات القرآنية، وفي النكتة السابعة نقدم تعبيرًا مختصرًا لرؤياك.
أولا: فكما أن أساسًا مهمًّا لسورة يوسف هو رؤيا يوسف عليه السلام، فإن آيات كثيرة أمثال ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾(النبأ:9) تدُلّ على أن في الرؤيا والنوم حقائق عظيمةً كامنة وراء حجب وأستار.
(1) أي: لست ليلا ولا عابد ليل، أنا خادم الشمس ومنها آتيكم بالخبر.
(2) أي: إن هذه الخيالات أصبحت فخًّا للأولياء، مع أنها انعكاسات لزهور بستان الله تعالى.
215. صفحة
ثانيا: إن أهل الحقيقة لا يؤيدون التفاؤل بالقرآن ولا الاعتماد على الرؤيا؛ لأن القرآن الحكيم يزجر أهل الكفر زجرًا شديدًا بكثرة، وإذا أصاب زجرُ القرآن الشديد للكفار الإنسانَ الذي تفاءل، أورثه اليأس، وشَوّش على قلبه.
ثم إن الرؤيا قد تُظن شرًّا لرؤية المرء إياها مخالفة للحقيقة مع أنها خير، فتورث اليأس، وتكسر القوة المعنوية، وتسوق إلى سوء الظنّ، وهناك كثير من الرؤى صورتها مفزعة ومضرة وملوثة ولكن تعبيرها ومعناها جميل جدًّا، ولا يجد كل إنسان العلاقة بين صورة الرؤيا وبين حقيقة معناها فيضطرب ويقلق بلا داعٍ ومعنى، وييأس، ويغتمّ.
فمن أجل هذه الجهة قلت في بداية هذه الرسالة "نَه شَبَمْ نَه شَبْ پَرَسْتَمْ" كما قال أهل الحقيقة والإمام الرباني رحمه الله.
ثالثا: لقد ظهر جزء من أربعين جزءًا للنبوة بصورة الرؤيا الصادقة في النوم كما ثبت في الحديث الصحيح([1])، إذن فالرؤيا الصادقة حق، وفي الوقت ذاته لها صلة وعلاقة بوظائف النبوة.
ولما كانت هذه المسألة الثالثة مهمة وطويلة جدًّا، وعميقة ولها علاقة بالنبوة؛ فإننا نؤجلها إلى وقت آخر، ولا نفتح هذا الباب حاليا.
رابعا: الرؤيا "ثلاثة أنواع"، اثنان منها داخلان ضمن "أضغاث أحلام" كما عبر القرآن، ولا يستحقان التعبير، ولا أهمية لهما حتى لو كان لهما معنى؛ إذ إما أن القوة الخيالية تصنع تركيبات وتصويرات حسب مرض الشخص بسبب انحراف مزاجه، وإما أن الخيال يتذكر حوادث مهيجة مثيرة شهدها الإنسان في النهار أو قبل ذلك بل حتى قبل سنتين في الوقت نفسه، ويُعدِّلها ويصورها، ويضفي عليها شكلا آخر، فهذان القسمان "أضغاث أحلام"، ولا يستحقان التأويل.
والقسم الثالث وهو الرؤيا الصادقة؛ إذ تجد اللطيفة الربانية التي في ماهية الإنسان صلةً وعلاقة مع عالم الغيب مباشرة بانغلاق وتوقف الحواس والمشاعر المرتبطة مع عالم
[1])) حديث "رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ من أَرْبَعِينَ جُزْءًا من النُّبُوَّةِ"، رواه الترمذي في سننه برقم 2278، والطبراني في المعجم الكبير برقم 462، وأبو يعلى برقم 6706، والإمام أحمد برقم 16228 و16242 في مسنده، وعند الطبراني بلفظ "الرُّؤْيَا جُزْءٌ من أَرْبَعِينَ جُزْءًا أو سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ وَهِيَ على رِجْلِ طَائِرٍ فإذا عُبِّرَتْ وَقَعَتْ"، انظر المعجم الكبير حديث رقم 461.
216. صفحة
الشهادة والمتجولة فيه، وتفتح منفذًا إليه، وتنظر من خلاله إلى الحوادث التي تتهيأ للوقوع، وتصادف إحدى تجليات اللوح المحفوظ، أو إحدى نماذج المكتوبات القدرية، وترى بعض الحوادث الحقيقية، ولكن الخيال يتصرف فيها أحيانًا، ويُلبِسها لباسَ الصور.
ولهذا القسم أنواع وطبقات كثيرة، وتقع الحادثة أحيانًا كما رآها الإنسان في الرؤيا، وأحيانًا تحدث تحت ستار رقيق، وأحيانًا تُلَفّ بستار سميك، وقد ورد في الحديث الشريف أن الرؤى التي كان يراها الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام في بداية الوحي كانت تقع ظاهرة واضحة صادقة مثل انبلاج الصبح([1]).
خامسا: الرؤيا الصادقة هي زيادةُ حساسية "الإحساس مُسبَقًا" بوقوع شيء ما، والإحساس مسبقًا بوقوع شيء ما موجود عند كل أحد جزئيًّا كان أو كليًّا، بل موجود حتى عند الحيوانات، حتى إنني اكتشفت ذات يوم -بطريقة علمية - أن هناك حاستين أُخرَيَيْن في الإنسان والحيوان مثل حاسة السمع والبصر تسمَّيان "السائقة والشائقة" علاوة على الحواس الظاهرة والباطنة المشهورة مع الإحساس مسبقًا بوقوع شيء ما، ولكن أهل الضلال وأهل الفلسفة يطلقون خطأً وبحماقة على تلك الحواس غير المشهورة اسم "الدافع الطبيعي"، حاشا أن تكون دافعًا طبيعيًّا، بل القدر الإلهي يسوق الإنسان والحيوان بنوع من الإلهام الفطري.
فمثلا: القطط وأمثالها من الحيوانات عندما يصيبها العمى تتصرف بالسَّوْق القدري فتجد نباتًا هو علاج لعينها، فتمسحها به، فتُشفى.
وكذلك الطيور الآكلة اللحم أمثال الصقور التي هي كالموظفات الصحيات المكلّفات بإزالة جنائز الحيوانات البرية تُبلَّغ بسوقٍ قدري، وبإلهام الإحساس المسبق، وبدافعة إلهية بوجود جنازة حيوان تبعد مسافة يوم، فتجدها.
وكذا صغير النحل المولود حديثًا الذي لم يمر عليه أكثر من يوم ينطلق في الهواء ويقطع مسافة يومٍ كامل، ثم يعود بالسوق القدري وبإلهام السائقة إلى بيته من دون أن يفقد أثره في الهواء، ويدخل في خليته.
[1])) رواه البخاري بأرقام 3، و4670، و6581، ومسلم برقم160، والحاكم برقم 4843، وابن حبان برقم 33، والبيهقي برقم 17499، والترمذي برقم 3632، وأبو عوانة برقم 328، وعبد الرزاق برقم 9719، والإمام أحمد بن حنبل برقم 25243.
217. صفحة
حتى إنه يحدث كثيرًا لكثير من الناس أن يدور الحديث عن أحدهم، ثم إذا بالباب يُفتح، ويأتي الرجل نفسه الذي كان يتحدث عنه بما يفوق تخمينه، حتى إنه يضرب في اللغة الكردية مَثَل: "نَاوِگربِينَه پَالاندَارلِي وَرِين"، أي: "إذا ذكرتَ الذئبَ فأعِدَّ العصا لتَضرِب به، فإنّ الذئبَ قادم ".
إذن فاللطيفة الربانية تشعر بمجيء ذلك الرجل بالإحساس المسبق شعورًا مجملا، ولكن وعي العقل لا يحيط به؛ لذا يسوقه إلى ذكره عن غير قصد وبلا اختيار، ويفسر أهل الفِراسة ذلك بأنه يحصل كالكرامة أحيانًا.
حتى إن مثل هذا الإحساس كان شديدًا لدي فترة من الزمن، فأردت أن أضبط هذه الحال ضمن قاعدة ودستور، ولكني لم أجد ما يناسبها ولم أستطع، بيد أن هذا الإحساس المسبق يزداد قوة وانكشافًا لدى أهل الصلاح ولاسيما أهل الولاية، ويُظهِر آثارَه مثل الكرامة، ولجميع العوام أيضًا حصة من الولاية نوعًا ما؛ إذ يرون الأمور الغيبية والمستقبلية في الرؤيا الصادقة كما يراها الأولياء.
أجل؛ كما أن النوم بمنزلة مرتبة ولايةٍ للعوام من حيث الرؤيا الصادقة؛ فهي كذلك لجميع الناس بمنزلة شاشة لعرض السينما الربانية الجميلة الرائعة؛ فذو الأخلاق الحسنة يفكر تفكيرًا حسنًا، ومن يفكر تفكيرًا حسنًا يرى مشاهد وألواحًا جميلة.
وذو الأخلاق السيئة ولأنه يفكر تفكيرًا سيئًا فلا يرى إلا مشاهد وألواحًا سيئة.
ثم إن النوم بالنسبة لكل إنسان نافذة مطلة على عالم الغيب من عالم الشهادة.
وكذا هو ميدان إطلاقٍ للناس المقيَّدين الفانين، وساحة مشاهدة تنال نوعًا من البقاء، والماضي والمستقبل كالحاضر فيها.
وكذا هو محل استراحة لذوي الأرواح الذين يرزحون تحت التكاليف الحياتية ويقاسون المشاقّ.
ومن أجل هذه الأسرار وغيرها يعلّم القرآن الحكيم حقيقة النوم باهتمام بآيات مثل هذه الآية الكريمة ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾(النبأ:9).
سادسا وهي أهمها: لقد ثبتت عندي بدرجة حق اليقين وبكثير من التجارب أن الرؤيا الصادقة هي حجة قاطعة على إحاطة القدر الإلهي بكل شيء.
218. صفحة
أجل؛ لقد بلغت بي هذه الرؤى ولاسيما خلال هذه السنوات القليلة إلى حدٍّ كنت أرى -مثلا- ليلا أن أصغر الحوادث وأتفه التصرفات والمعاملات، بل أبسط المحاورات التي ستحدث غدًا مكتوبةٌ ومعينة قبل مجيئها، وقد تيقنت حقًّا أني كنت أقرأها برؤيتي إياها ليلا بعيني لا بلساني.
وقد حدث ألف مرة -وليس مرة أو مائة مرة- أن الأشخاص الذين كنت أراهم في منامي من دون أن أفكر فيهم، والمسائل التي كنت أقولها من دون أن أفكر فيها في الليل، كنت أراهم في نهار ذلك الليل وكانت تلك المسائل تحدث فيه فعلا مع قليل من التأويل؛ مما يعني أن أصغر الحوادث مقيدةٌ ومكتوبةٌ قبل وقوعها، أي: لا مصادفة قطعًا، والحوادث لا تحدث عبثًا، وليست عشوائية بلا نظام.
سابعا: إن تعبير رؤياك المبشرة المباركة الجميلة الميمونة جميل جدًّا لنا وللخدمة القرآنية، والزمان عبرها، ولا يزال يعبرها، ولا يدع حاجة إلى تعبيرنا، وقد ظهر جزء من تعبيرها ظهورًا جميلا، لو فكرت فيه بدقة لفهمت، إلا أننا سنشير إلى بعض نقاطه؛ أي: نبين حقيقة من الحقائق؛ إذ الحوادث التي هي من نوع حقيقة رؤياك هي تمثلات لتلك الحقيقة، وهي:
إن ذلك الميدان الفسيح هو العالم الإسلامي، والمسجد الذي في نهاية الميدان هو محافظة إسبارطة، والماء المختلط بالطين هو مستنقع الفسق والفجور والبدع والعطالة والبطالة في الزمن الحاضر، أما وصولك إلى المسجد بسرعة وبسلامة من دون أن يصيبك شيء من المستنقع؛ فهو إشارةٌ إلى أنك ستتبنى هذه الأنوار القرآنية قبل كل أحد، وأنك ستظل سليمًا من دون أن يَفسد قلبك.
وأما الجماعة الصغيرة في المسجد؛ فهم حملة هذه "الكلمات" من أمثال حقي، وخلوصي، وصبري، وسليمان، ورشدي، وبكر، ومصطفى، وعلي، وزهدي، ولطفي، وخُسْرَوْ، ورأفت، وأما الكرسي الصغير؛ فهو قرية صغيرة مثل "بارلا"، وأما الصوت العالي؛ فهو إشارة إلى قوة "الكلمات" وسرعة انتشارها، وأما المقام المخصَّص لك في الصف الأول؛ فهو الموقع الشاغر الذي تركه لك عبد الرحمن، وأما ما يشير إليه من أن تلك الجماعة تريد أن تُسمِع الدروس لكل الدنيا بواسطة أجهزة اللاسلكي وحقيقته؛
219. صفحة
فسيظهر تعبيره في المستقبل ظهورًا تامًّا إن شاء الله، فمع أن أفرادها كالنوى الصغيرة الآن فإن كل واحد منهم سيكون كشجرة باسقة بالتوفيق الإلهي، ومركزًا للبرق اللاسلكي.
وأما الشاب الصغير المعمَّم؛ فهو إشارة إلى أن واحدًا مرشح للدخول في صفوف الناشرين والطلاب وسيعمل مع خلوصي متكاتفًا متساندًا، بل سيسبقه، وأنا أظن بعضهم هو، ولكن لا أجزم، وذلك الشاب سيندفع بقوة الولاية إلى الميدان.
أما سائر النقاط؛ فاعبرها أنت بدلا مني.
والحديث مع الأحباب من أمثالك حلو وممتع ومقبول؛ لذا فقد تحدثت في هذه المسألة القصيرة طويلا، وربما أسرفت فيها، ولكنني بدأت الحديث عنها بنية الإشارة إلى نوع من أنواع تفسير الآيات القرآنية المتعلقة بالنوم؛ لذا أرجو العفو عن ذلك الإسراف، ولن يكون إسرافًا.
الرسالة الثانية
وهي المسألة الثانية
كُتِبت هذه المسألة لإزالة ورفع الجدال المهمّ الدائر حول الحديث الذي يفيد أن موسى عليه السلام لطم عين ملك الموت عزرائيل عليه السلام([1]).
سمعتُ في أكْرِيدِير([2]) جدالا علميًّا، وهذا الجدال خطأ ولاسيما في هذا الزمان، ولم أكن أعلم بالجدال أصلا، ولكني سُئِلت؛ إذ عُرِض علي حديث في كتاب موثوق مشار إليه برمز "ق" والذي يدل على اتفاق الشيخين، فسألوني، هل هو حديث، أو لا؟
[1])) نص الحديث: "عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: أُرْسِلَ مَلَكُ الْمَوْتِ إلى مُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلام فلما جَاءَهُ صَكَّهُ، فَرَجَعَ إلى رَبِّهِ فقال أَرْسَلْتَنِي إلى عَبْدٍ لا يُرِيدُ الْمَوْتَ فَرَدَّ الله عليه عَيْنَهُ وقال ارْجِعْ فَقُلْ له يَضَعُ يَدَهُ على مَتْنِ ثَوْرٍ فَلَهُ بِكُلِّ ما غَطَّتْ بِهِ يَدُهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ، قال: أَيْ رَبِّ ثُمَّ مَاذَا، قال: ثُمَّ الْمَوْتُ، قال: فَالآنَ، فَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُدْنِيَهُ من الأرض الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ قال: قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ لأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إلى جَانِبِ الطَّرِيقِ عِنْدَ الْكَثِيبِ الأَحْمَرِ"، رواه البخاري برقم 1274 و3226، ومسلم برقم 2372، وابن حبان برقم 6223 و6224، والنسائي برقم 2089، وعبد الرزاق برقم 20530، والإمام أحمد بن حنبل برقم 7634 و8157.
[2])) مركز تابع لمحافظة إسبارطة وقريب من قرية بارلا.
220. صفحة
فقلت: يجب الاعتماد على من حكم باتفاق الشيخين على الحديث في كتاب موثوق كهذا، إذن إنه حديث شريف، ولكن للحديث بعض المتشابهات كما للقرآن، والخواص هم من يجدون معانيها، وذكرت لهم أن ظاهر هذا الحديث يمكن أن يكون ضمن المتشابهات من مشكل الحديث، ولو كنت أعلم أنه صار سببًا للجدال لما أجبت إجابة قصيرة، بل كنت سأجيب بما يلي:
أولا: الشرط الأول للمجادلة في مثل هذه المسائل هو:
يمكن أن تكون مذاكرته جائزة بين من هم أهل للجدال، من غير أن تؤدي إلى سوء الفهم، وضمن الإنصاف، وبنية وجدان الحق، ومن غير عناد.
والدليل على أن تلك المذاكرة تدور من أجل الحق هو:
ألا يتألم المجادل إذا ظهر الحقّ على يد مخالفه، بل يفرح ويرضى؛ لأنه علم ما كان يجهله، فلو كان ظهر على يده هو لما تعلم شيئًا كثيرًا، بل هناك احتمال للوقوع في الغرور.
ثانيًا: إن كان سبب الجدال الحديثُ الشريف؛ فلابد من معرفة مراتب الحديث، ودرجات الوحي الضمني، وأقسام الكلام النبوي.
ولا يجوز مناقشة مشكلات الحديث بين العوامّ، ولا إثباتُ المجادل صدق كلامه كالمحامي وكأنه يريد أن يظهر تفوقه، ولا البحث عن الدليل بما ينمّ عن تفضيل الأنانية على الحق والإنصاف.
وبما أن هذه المسألة طرحت، ودار حولها النقاشُ؛ فإنه يؤدي إلى تأثير سيئ في أذهان العوامّ المساكين؛ لأنهم إذا أنكروا مثل هذه الأحاديث المتشابهة لعدم استيعابهم لها؛ فإنهم يفتحون بابًا في منتهى الخطورة؛ أي يؤدي ذلك إلى إنكارهم حتى الأحاديث الثابتة القاطعة التي لا تستطيع عقولهم الصغيرة استيعابها، ولو أخذ بالمعنى الظاهري للحديث وقبل به ونشره كما هو، لأدى ذلك إلى اعتراض أهل الضلال وقولهم بأنه خرافة.
وبما أن الأنظار شُدَّت بما فيه ضرر ومن غير ضرورة إلى هذا الحديث المتشابه ، ووردت أحاديث كثيرة أمثال هذا؛ فلابد إذن من بيان حقيقة تزيل الشبهات، ولابد من ذكر هذه الحقيقة سواء كان هذا الحديث صحيحاً أو غير صحيح.
221. صفحة
ونشير هنا إلى تلك الحقيقة إشارة مجملة مكتفين بالتفاصيل المذكورة في الرسائل التي ألفناها، فمن هذه الرسائل "الأصول الاثنا عشر" المذكورة في "الغصن الثالث" من "الكلمة الرابعة والعشرين"، و"الغصن الرابع" منها، والأساس المذكور في مقدمة "المكتوب التاسع عشر" الخاصة بأقسام الوحي؛ وتلك الحقيقة هي:
لا تنحصر الملائكة في صورةٍ معينة مثل الإنسان، بل هم في حكم الكلي مع أن لهم تشخصات، فعزرائيل عليه السلام هو المشرف على الملائكة الموكّلة بقبض الأرواح، ولكن هل عزرائيل عليه السلام هو الذي يقبض روح كل ميت، أم أن أعوانه هم الذين يقبضون؟ ففي هذه المسألة "ثلاثة مسالك".
المسلك الأول: إن عزرائيل عليه السلام يقبض روح كل أحد، ولا يمنع شيء عن شيء؛ إذ إنه نوراني، والشيء النوراني يمكن أن يتواجد في أماكن لا حد لها بالذات بواسطة مرايا غير محدودة، ويتمثل فيها، فتمثلات النوراني مالكة لخواص النوراني، وتُعد نفسَه وعينَه، وليست غيرَه، وكما أن تمثلات الشمس في المرايا تُظهِر ضياءها وحرارتها؛ فكذلك تمثلات الملائكة وغيرها من الروحانيات في مرايا عالم المثال المختلفة هي عينها، وتحمل خصائصها، ولكنها تتمثل حسب قابلية المرايا.
وبينما كان سيدنا جبريل عليه السلام يظهر في صورة الصحابي دِحْيَة([1]) كان يسجد في أماكن أخرى في صور أخرى أمام العرش الأعظم بجناحيه العظيمين الواسعين الممتدين من الشرق إلى الغرب، وله تمثلات في كل مكان حسب قابلية ذلك المكان، وكان يتواجد في لحظة واحدة في آلاف الأماكن، فليس من المحال حسب هذا المسلك ولا هو فوق المعتاد ولا هو غير المعقول أن يتعرض المثال الإنساني والجزئي لملك الموت -الذي يتمثل في مرآة الإنسان حين قبض الروح- لِلَطمة من له هيبة وحدّة ومن هو من أولي العزم من الرسل ألا وهو موسى عليه السلام، وأن تُفقأ عينُه في صورته المثالية التي هي بمنزلة لباسه.
[1])) انظر صحيح مسلم رقم 2451، والمستدرك على الصحيحين للحاكم رقم 4332، وصحيح ابن حبان رقم 7028، وسنن النسائي رقم 4991، وسنن الترمذي رقم 3649.
222. صفحة
المسلك الثاني: وهو:
الملائكة العظماء مثل سيدنا جبريل وميكائيل وعزرائيل عليهم السلام؛ كل منهم كالمشرف العام، لهم أعوان صغار من نوعهم يشبهونهم، وهؤلاء الأعوان مختلفون حسب أنواع المخلوقات، فالذين يقبضون أرواح الصالحين([1]) يختلفون عن الذين يقبضون أرواح أهل الشقاء، فالآية ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا # وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾ (النازعات: 1-2) تشير إلى أن الذين يقبضون الأرواح طوائف مختلفة.
فسيدنا موسى عليه السلام لم يلطم سيدنا عزرائيل عليه السلام، بل لطم الجسد المثالي لأحد أعوانه بناء على هيبته الفطرية وجلادة خلقه وحظوته عند الله تعالى، وهذا معقول جدًّا حسب هذا المسلك([2]).
المسلك الثالث: وكما بين في "الأساس الرابع" من "الكلمة التاسعة والعشرين"، وكما دلت الأحاديث الشريفة؛ فإن هناك من الملائكة من له أربعون ألف رأس، وفي كل رأس أربعون ألف لسان، بمعنى أن له ثمانين ألف عين، وفي كل لسان أربعون ألف تسبيح.
أجل؛ بما أن الملائكة موكَّلون حسب أنواع عالم الشهادة، وبما أنهم يمثلون تسبيحات تلك الأنواع في عالم الأرواح؛ فلابد أن يكونوا كذلك؛ لأن الكرة الأرضية -مثلا- مخلوقة واحدة، تسبح الله تعالى، ولها أنواع بمنزلة أربعين ألف رأس، بل بمنزلة مئات الآلاف من الرءوس، ولكل نوع أفرادٌ بمنزلة مئات الآلاف من الألسنة، وهكذا...
إذن لابد أن يكون للملك الموكل بالأرض أربعون ألف رأس، بل مئات الآلاف من الرءوس، وفي كل رأس مئات الآلاف من الألسنة، وهلمّ جرّا.
[1])) إن أحد الأولياء العظام في بلدتنا وهو مشهور بلقب "سَيْدا" عندما كان يعاني السكرات حضره ملك الموت الموكَّل بقبض أرواح الأولياء، فقال له سيدا مستغيثًا بالله تعالى وسائلا إياه: ليَقبِض روحي من هو موكل بقبض أرواح طلاب العلم؛ فأنا أحبهم حبًّا جمًّا، وقد شهد هذه الحادثة الذين كانوا معه عند وفاته.(المؤلف).
[2])) حتى إن رجلا شجاعًا في بلدتنا رأى ملك الموت وقت سكرات الموت، فقال له: أتقبضني في الفراش؟! فنهض وركب فرسه، وسل سيفه ودعاه إلى المبارزة، فتوفي على صهوة فرسه وفاة الشجعان الشهام.(المؤلف).
223. صفحة
وبناء على هذا المسلك؛ فإن لعزرائيل عليه السلام وجهًا متوجهًا وعينًا ناظرةً إلى كل فرد، فلطْم سيدنا موسى عليه السلام لعزرائيل عليه السلام -حاشاه- ليس لطمًا على الماهية الأصلية لعزرائيل عليه السلام وشكله الحقيقي، وليس إهانة له، وليس عدم قبول للأمر، وإنما لطَم موسى عليه السلام وله أن يلطم العينَ التي تراقب أجله، وتريد أن تحول بينه وبين وظيفته؛ لأنه كان يتمنى دوام مهمة الرسالة وبقاءها.
والله أعلم بالصواب، ولا يعلم الغيب إلا الله، قل إنما العلم عند الله.
﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُو الأَلْبَابِ ﴾(آل عمران:7).
المسألة الثالثة
وهي الرسالة الثالثة
هذه المسألة جواب خاص وسري على سؤالٍ سأله أكثر إخواني بلسان حالهم، وسأله بعضهم بلسان مقالهم.
سؤال: إنك تقول لكل من يأتي لزيارتك:
"لا تنتظروا من شخصي همة ومددًا، ولا تحسبوا شخصي مباركًا؛ فأنا لست صاحب مقام، فمثلما يبلّغ الجندي العادي أوامر مقام المشير؛ فأنا كذلك أبلّغ أوامر مقام المشيرية المعنوية، وكما يدعو الرجل المفلس الناسَ إلى محلٍ يزخر بالجواهر والألماس الثمين الغالي، فأنا كذلك أدعو إلى دكان مقدس قرآني، وأنادي له".
ولكن عقولنا تحتاج إلى العلم كما أن قلوبنا تطلب الفيض، وأرواحنا تريد النور، وهكذا نحن نطلب أشياء كثيرة من وجوه كثيرة، ونأتي لزيارتك ظنًّا منا أنك رجل نافع تلبي حاجاتنا؟! نحن نحتاج إلى صاحب ولاية، وصاحب همة ومدد وكمالات أكثر من حاجتنا إلى العالم! فإن كان الأمر كما تقول فقد أخطأنا في زيارتك!
224. صفحة
وهكذا يقول لسان حالهم.
الجواب: استمعوا إلى "خمس نقاط"، ثم تأملوا في زيارتكم، ثم احكموا؛ هل هي بلا جدوى، أم مفيدة.
النقطة الأولى: كما أن خادمًا عاديًّا للسلطان وجنديًّا مسكينًا من جنوده يقدم هدايا السلطان وأوسمته العظيمة للقادة والمشيرين، ويرضيهم ويسرّهم، فإذا قال هؤلاء القادة والمشيرون: لِم لا نترفع عن تسلم هدايا السلطان وأوسمته من يد هذا الجندي العادي؛ فهذا جنون في غرور وكبر.
وذلك الجندي هو الآخر إن لم يقم احترامًا للمشير خارج وظيفته، ورأى نفسه أعلى وأرفع منه؛ فذلك جنون في حماقة، وإذا نزل أحد أولئك القادة الراضين المسرورين ضيفًا على ذلك الجندي في كوخه ليشكره، فلا شك أن السلطان الذي يعلم حال ذلك الجندي يرسل مائدة للضيف الكريم إلى خادمه المخلص من مطبخه الخاص به حتى لا يُخجِل ذلك الجندي الذي لا يجد شيئًا في بيته غير خبز يابس.
كذلك فإن خادم القرآن الحكيم المخلصَ، مهما كان خادمًا عاديًّا، يبلّغ أوامر القرآن لأعظم الناس باسم القرآن نفسه من دون تحفظ وخشية، ويبيع ألماسات القرآن الغالية الثمينة لأغنى الناس روحًا، لا بتوسل وتذلل، بل بافتخار واعتزاز.
ولا يستطيع أولئك أن يتكبروا على ذلك الخادم العادي في أثناء وظيفته مهما كان قدرهم وشأنهم.
وذلك الخادم هو الآخر لا يستطيع أن يجد مبعث غرور لنفسه عندما يتقدمون إليه بطلب شيء، ولا يتعدّى حدوده.
وإذا نظر بعض زبائن تلك الكنوز القدسية إلى ذلك الخادم المسكين نظرة الولي واستعظموه؛ فلاشك أنه من شأن الرحمة القدسية للحقيقة القرآنية أن تبعث إليهم مددها وتغيثهم وتسكب عليهم الفيوضات من الخزانة الإلهية الخاصّة من دون علم ذلك الخادم أو لا تدخل منه، حتى لا يُحرِج خادمه ولا يُخجِله.
النقطة الثانية: لقد قال الإمام الرباني أحمد الفاروقي مجدد الألف الثاني: "إن وضوح مسألة واحدة من الحقائق الإيمانية وانكشافها أرجح عندي من آلاف الأذواق
225. صفحة
والكرامات"، و"إن غاية جميع الطرق ونتيجتها هي انكشاف الحقائق الإيمانية ووضوحها".
وبما أن بطلا من أبطال التصوف مثله يقضي بهذا الحكم؛ فلابد من أن "الكلمات" التي تبين الحقائق الإيمانية بكمال الوضوح، والتي تترشح من الأسرار القرآنية يمكنها أن تثمر النتائج المطلوبة المرجوة من الولاية.
النقطة الثالثة: لقد نزلت قبل ثلاثين سنة صفعات قوية مذهلة على رأس سعيد القديم[1] الغافل، ففكر في قضية "الموت حقّ"، ورأى نفسه في أوحال المستنقع، فسأل الله العون، وبحث عن طريق، وتحرّى عن منقذ مخلص، فرأى أن الطرق مختلفة، فظل مترددًا متحيرًا.
ثم فتح كتاب الشيخ عبد القادر الجيلاني المسمى بـ"فتوح الغيب" راجيًا الفأل به، فظهرت هذه العبارات: "أنت في دار الحكمة، فاطلب طبيبًا يداوي قلبك"، ومن العجيب أني كنت عضوًا في دار الحكمة الإسلامية([2]) آنذاك، وكأنني كنت طبيبًا حكيمًا يسعى لعلاج جروح المسلمين، بيد أني كنت أشد الناس مرضًا، فالمريض يجب أن يعتني بنفسه أولا، ثم له بعد ذلك أن يعتني بالمرضى الآخرين.
أجل؛ لقد خاطبني حضرة الشيخ: أنت مريض، فابحث لك عن طبيب! قلت: كن أنت طبيـبي، فمسكت الكتاب وقرأته وكأنه يخاطبني، ولكن كتابه كان شديد الوقع، وكان يكسر غروري كسرًا عنيفًا، ولقد أجرى عملية جراحية شديدة في نفسي، فلم أطق ولم أتحمل، وقد قرأت حتى نصفه جاعلا نفسي مخاطَبًا له، ولم أطق إتمامه، ووضعته في الخزانة، ولكن بعد أن ذهبت الآلام الناشئة عن العملية الشافية، وجاءت اللذة؛ أتممت قراءة كتاب مرشدي الأول ذلك كاملا، واستفدت منه، وأصغيت إلى ورده ومناجاته، واستفضت منه كثيرًا.
ثم رأيت كتاب الإمام الرباني "المكتوبات"، فأخذته، وفتحته راجيًا الفأل الخالص به، ومن العجيب أنه لم يرد لفظ "بديع الزمان" في الكتاب كله إلا في موضعين فقط،
[1] ما قبل أربعين سنة من عمره.
[2])) هي أعلى هيئة دينية علمية في الدولة العثمانية.
226. صفحة
فانفتحت لي هاتان الرسالتان، ورأيت في بداية كلتا الرسالتين رسالةً إلى "مِيرْزا" بديع الزمان، فكان اسم والدي أيضًا "مرْزا"، وقلت: يا سبحان الله، هذه تخاطبني! إذ كان لقب سعيد القديم: بديع الزمان، مع أني لم أكن أعرف من اشتهر بذلك اللقب غير بديع الزمان الهمذاني([1]) الذي عاش في القرن الرابع الهجري، ولكن كان في عهد الإمام أيضًا رجل يحمل هذا الاسم؛ إذ كتب إليه هذه الرسالة، وكانت حاله تشبه حالي، حتى وجدت الرسالتين دواءً لدائي.
إلا أن الإمام يوصي في رسالتيه هاتين كما يوصي في كثير من رسائله مؤكدًا:
"وحِّد القبلة"؛ أي اتخذ واحدًا مرشدًا واتبعه، ولا تنشغل بغيره([2]).
ولم توافق وصيته المهمة هذه استعدادي وأحوالي الروحية، وقد فكرت مليًّا، أأتبع هذا؟ أم ذاك؟ أم ذلك؟ فتحيرت؛ إذ في كل واحد ما يجذب إليه من المزايا والخصائص، ولم أكن أكتفي بواحد فقط، وبينما أنا في هذه الحيرة إذ ورد إلى القلب برحمة الرحمن تعالى:
إن بداية هذه الطرق، ومنبع هذه الجداول، وشمس هذه الكواكب هو القرآن الحكيم، ولا يكون توحيد القبلة الحقيقي إلا به، إذن فهو المرشد الأعلى، والشيخ المقدس، فتمسّكتُ به واستعصمت، ولكن استعدادي الناقص الضعيف لا يستطيع بالطبع أن يمصّ ويرتشف كما ينبغي فيضَ ذلك المرشد الحقيقي الذي هو كالماء الباعث على الحياة، ولكن يمكن أن نبين ذلك الفيضَ والماءَ الباعث على الحياة بفضل هذا الفيض حسب درجات أهل القلب وأصحاب الحال([3]).
[1])) هو أبو الفضل أحمد بن الحسين بن يحيى بن سعيد الهمذاني، الحافظ المعروف ببديع الزمان؛ صاحب الرسائل الرائقة، والمقامات الفائقة، ولد في سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة ومات في سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة.
[2])) أصل الكتاب باللغة الفارسية، ومترجم إلى اللغة العربية، والنص المقصود المترجم هو: "حيث طلبت الهمة من كمال الالتفات فبشرى لك ترجع سالـِمًا وغانِـمًا، لكن لا بد من أن تراعي شرطًا واحدًا وهو تحديد قبلة التوجه".
[3])) الحال عند أهل الحق؛ معنى يرد على القلب من غير تصنع ولا اجتلاب ولا اكتساب؛ من طرب أو حزن أو قبض أو بسط، ويزول بظهور صفات النفس سواء يعقبه المثل أو لا.(التعريفات للإمام الجرجاني).
227. صفحة
إذن فتلك "الكلمات" والأنوار الواردة من القرآن ليست مسائل علمية عقلية فحسب، بل هي مسائل قلبية وروحية وحالية، وبمنزلة معارف إلهية سامية عالية غالية.
النقطة الرابعة: إن أصحاب الولاية الكبرى -وهي أعلى المراتب- من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين تلقوا حظ جميع لطائفهم من القرآن مباشرة، وصار القرآن مرشدًا حقيقيًّا كافيًا لهم؛ مما يدل على أن القرآن الحكيم يبين الحقائق دومًا، كما أنه يفيض فيوضات الولاية الكبرى على من هم أهل لها.
أجل؛ إن الانتقال من الظاهر إلى الحقيقة يكون بطريقتين:
إحداهما: الانتقال إلى الحقيقة بالولوج في برزخ الطريقة ، وقطع المراتب فيها بالسير والسلوك.
ثانيتهما: الانتقال إلى الحقيقة مباشرة بالفضل الإلهي من دون المرور ببرزخ الطريقة، وهذا هو الطريق الرفيع القصير الخاص بالصحابة والتابعين.
إذن فالأنوار المترشحة من الحقائق القرآنية، و"الكلمات" التي هي ترجمان تلك الأنوار يمكن أن تكون مالكة لتلك الخواص، بل هي مالكة بالفعل.
النقطة الخامسة: سنبين بـ"خمسة أمثلة" قصيرة سهلة أن "الكلمات" -أي رسائل النور- كما تقوم بتعليم حقائق القرآن؛ فإنها تؤدي كذلك مهمة الإرشاد.
المثال الأول: لقد اقتنعت أنا شخصيًّا، لا بعشر تجارب أو مائة تجربة فحسب، بل بآلاف من التجارب المتعددة؛ أن "الكلمات"، وما يرد من القرآن من الأنوار ترشد عقلي، كما تلقن قلبي الإيمان الحالي، وتُفيض على روحي الذوقَ الإيماني، وهلم جرًّا..
وحتى أصبحت في أموري الدنيوية كالمريد الذي ينتظر لحاجاته عونًا ومددًا من شيخه ذي الكرامات؛ فأنا كذلك عندما كنت أنتظر عونا لحاجاتي تلك من أسرار القرآن الحكيم ذي الكرامات كانت تتحقق الحاجات مرات عديدة من حيث لا أحتسب وبطريقة لا أتوقعها، سأذكر منها "مثالين قصيرين" فقط:
الأول: ما ورد إيضاحه وتفصيله في "المكتوب السادس عشر" وهو:
لقد كُشِف لضيفي سليمان رغيف كبير فوق شجرة القطران بشكل عجيب؛ إذ أكلنا من تلك الهدية الغيبية يومين كاملين.
228. صفحة
الثاني: سأذكر حادثة صغيرة لطيفة وقعت في هذه الأيام وهي:
ورد على خاطري قبل الفجر أن كلامًا صدر مني بأسلوبٍ يلقي الوساوس في قلب أحد، فقلت في نفسي ليتني أراه فأزيل الاضطراب الذي في قلبه، وفي تلك اللحظة كنت أحتاج إلى جزء من أحد كتبي أُرسل إلى قرية "نيس"([1])، وقلت ليته عندي الآن، ثم كنت أجلس بعد صلاة الفجر، فإذا بالرجل نفسه يدخل حاملا ذلك الجزء من الكتاب، وقلت له: ما هذا الذي بيمينك؟
فقال: لا أدري، لقد أعطانيه أحدهم، وذكر أنه وصل من "نيس"، وأنا أتيت به إليكم.
فقلت متعجبًا: سبحان الله، إن خروج هذا الرجل من بيته في مثل هذا الوقت، ومجيء هذا الكلام من "نيس" لا يشبه المصادفة أبدًا، وإن الذي أعطى هذا الرجلَ هذا الجزء من الكتاب في اللحظة نفسها وأرسله إليّ لابد أنه من همة القرآن الحكيم، وحمدت الله تعالى؛ ومن يعلم برغبة قلبي الخفية التافهة لابد أنه يرحمني، ويحميني، إذن لا أشتري مِنَّةَ الدنيا بقرش واحد.
المثال الثاني: كان ابن أخي المرحوم عبد الرحمن يحمل حسن ظن تجاه شخصي يفوق حدي كثيرًا مع أنه فارقني من ثماني سنوات، وتلوث بغفلة الدنيا وأوهامها، وكان يطلب ما ليس عندي ولا هو في مقدوري من مدد وهمة، فأسعفته همة القرآن الحكيم؛ إذ أوصلت إليه "الكلمة العاشرة" الخاصة بالحشر قبل وفاته بثلاثة أشهر، وطهرته تلك الكلمة من الأدران المعنوية ومن الأوهام والغفلة، وأظهر ثلاث كرامات ظاهرة في رسالة كتبها قبل وفاته وكأنه ارتقى إلى مرتبة الولاية، وقد أُدرجت تلك الكرامات ضمن "المكتوب السابع والعشرين"، ومن أرادها فليرجع إليه.
المثال الثالث: كان لي أخ وتلميذ في الله من أهل القلب اسمه حسن أفندي من محافظة بوردور([2])، وكان يحسن الظن بي بما يفوق حدي كثيرًا، وكان ينتظر مني أنا المسكين مددًا كما لو أنه ينتظره من ولي عظيم، ثم أعطيت فجأة ومن دون مناسبة
[1])) جزيرة صغيرة في بحيرة أكريدير القريبة من قرية بارلا.
[2])) محافظة في جنوب غرب تركيا مجاورة لمحافظة إسبارطة.
229. صفحة
"الكلمة الثانية والثلاثين" لشخص يسكن في إحدى قرى بوردور، ثم تذكرت السيد حسن أفندي، فقلت له: إن ذهبت إلى بوردور فأعطها لحسن أفندي، فليطالعها مدة خمسة أو ستة أيام، ثم ذهب الرجل إلى حسن أفندي مباشرة وأعطاه إياها، وكان لم يبق من أجَل حسن أفندي إلا أربعون يومًا تقريبًا، فتمسك بـ""الكلمة الثانية والثلاثين" كالمتعطش الذي يلصق فمه بمنبع الماء العذب كماء الكوثر بعد عثوره عليه، فوجد فيها دواءه وبخاصة في موضوع محبة الله تعالى في "الموقف الثالث" منها كلما قرأها مرارًا وتكرارًا واستفاض منها، ووجد فيها الفيض الذي كان ينتظره من القطب الأعظم، ثم ذهب إلى المسجد سليمًا معافى، وصلى فيه، وأسلم للرحمن روحه هناك، رحمه الله تعالى.
المثال الرابع: كما ذُكر بشهادات السيد خلوصي المذكورة في "المكتوب السابع والعشرين" فإنه وجد الهمة والمدد والفيض والنور في "الكلمات" -أي رسائل النور- المنوَّرة التي هي ترجمان الأسرار القرآنية أكثر مما وجده في الطريقة النقشبندية التي هي أهم الطرق وأكثرها تأثيرًا.
المثال الخامس: لقد شعر أخي عبد المجيد بعد وفاة ابن أخي عبد الرحمن رحمة الله تعالى عليه، كآبة وكربة فضلا عما يعانيه من الآلام والمشقات، وكان ينتظر مني ما ليس في مقدوري من همة ومدد، ولم أكن أتراسل معه، ثم فجأة أرسلت إليه بعض الرسائل المهمة، ثم كتب إليّ بعدما قرأها: الحمد لله، قد كنت على وشك الجنون، ولكن كل واحدة من هذه الكلمات قد صارت كمرشدٍ لي، لقد افترقت عن مرشدٍ واحد ولكن وجدت كثيرًا من المرشدين دفعةً واحدة، ونجوت، ورأيت أن عبد المجيد سلك مسلكًا جميلا حقًّا، ونجا من أحواله القديمة.
وهناك أمثلة كثيرة غير هذه الأمثلة الخمسة، تدل على أنه إذا أُخذت العلوم الإيمانية ولاسيما الأدوية المعنوية من أسرار القرآن الحكيم مباشرة بناء على الاحتياج، ودواءً للجروح، وجُرّبت بالفعل؛ فإن تلك العلوم الإيمانية وتلك الأدوية الروحية تكفي لمن يشعرون بالحاجة إليها ولمن يستعملونها بإخلاص جاد، فمهما كانت حال الصيدلاني الذي يبيعها ويرشد ويدعو إليها سواء كان رجلا عاديًّا أو مفلسًا، أو غنيًّا، أو صاحب مقام، أو خادمًا، فليس هناك فرق كبير.
230. صفحة
أجل؛ لا حاجة إلى الاستضاءة بنور الشمعة مادامت الشمس موجودة، وبما أني أُشير إلى الشمس؛ فإنّ طلب نور الشمعة مني -ولاسيما إن كان غير موجود عندي- عبث لا معنى له، بل يجب على أولئك أن يعاونوني بالدعاء والعون المعنوي بل حتى بالهمة، ومن حقي أن أستمد منهم وأطلب أن يعاونوني ويمدوني، وعليهم أن يقنعوا بما يستفيدون من الأنوار-أي رسائل النور- من فيض.
سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلاّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
اللّهُمّ صَلّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمّدٍ صَلاةً تَكُونُ لَكَ رِضَاءً وَلِحَقِّهِ أَدَاءً وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ
رسالة صغيرة وخاصة
يمكنها أن تكون تتمة "المسألة الثالثة" من "المكتوب الثامن والعشرين"
أخويّ في الله وتلميذي المجدين السيد خُسْرَوْ ورأفت بك!
كنا نحس ثلاث كرامات قرآنية في الأنوار القرآنية المسماة بـ"الكلمات"، وقد أضفتم كرامة أخرى رابعة بعملكم الجادّ وحماسكم وهمتكم، أما الكرامات الثلاث التي نعرفها فهي:
أولاها: السهولة والسرعة الفائقة في تأليفها، حتى إن "المكتوب التاسع عشر" المُكوَّن من خمسة أجزاء، أُلِّف خلال ثلاثة أيام، بمعدل أربع ساعات كل يوم، أي ألف مجموعها في اثنتي عشرة ساعة في الجبال والبساتين من دون مراجع ومصادر، وأُلِّفت "الكلمة الثلاثون" في ظرف خمس أو ست ساعات في وقت المرض، وأُلِّف "مبحث الجنة" الذي هو "الكلمة الثامنة والعشرون" في غضون ساعة أو ساعتين في بستان سليمان[1]، وقد تعجبنا -أنا وتوفيق وسليمان- من هذه السرعة، وهكذا، ففي تأليفها هذه الكرامة القرآنية.
ثانيتها: في استنساخها أيضًا سهولة وشوق وعدم ملل، إذ على الرغم من أن هناك أسبابًا كثيرة تورث الأرواح والعقول السأم في هذا الزمان فإنه ما إن تُؤَلَّف رسالة من
[1] أحد تلاميذ الإمام النورسي في بارلا.
231. صفحة
رسائل النور حتى تُستَنسخ بكمال الاشتياق في كثير من الأماكن، وتُقدَّم على كل شيء بين مشاغل مهمة، وهكذا..
الكرامة القرآنية الثالثة: قراءتها هي الأخرى لا تُمِلّ ولا تُسئِم، بل تورث الذوق والمتعة ولا يُسأَم منها ولاسيما إذا كانت هناك حاجة إليها.
وأنتم قد أثبتم الكرامة القرآنية الرابعة، وهي:
أن أخانا خُسْرَوْ الذي يرى نفسه كسولا، ويتكاسل جدًّا عن استنساخ رسائل النور ولا يشرع في استنساخها مع أنه يسمعها منذ خمس سنوات، استنسخ أربعة عشر كتابًا استنساخًا جميلا مُتقَنًا خلال شهر؛ وهذه كرامة رابعة للأسرار القرآنية بلا شك، وقد قُدِّرت أهمية النوافذ الثلاث والثلاثين التي هي "المكتوب الثالث والثلاثون" حق التقدير حتى استُنْسِخَت استنساخًا جميلا متقنًا جدًّا.
نعم؛ فتلك الرسالة أقوى الرسائل وأسطعها في معرفة الله تعالى والإيمان به، إلا أن النوافذ الأولى التي في البداية اختيرَ فيها مسلك الإجمال والاختصار، ولكنها تَتَّضِح وتنجلي وتنكشف تدريجيا كلما تواصلت القراءة، وتسطع أكثر فأكثر، والحقيقة: إن بدايات أكثر "الكلمات" تبدأ مجملةً بخلاف سائر المؤلفات، ثم تتوضح وتنجلي وتتنور بالتدريج.
232. صفحة
المسألة الرابعة
وهي الرسالة الرابعة
باسمه وإن من شيء إلا يسبح بحمده
جواب عن سؤال يدور حول حادثة جزئية هي سبب انتباه لإخواني.
إخواني الأعزاء،
تسألون: لقد اعتُدي بلا سبب على مسجدكم المبارك في ليلة الجمعة لمجيء ضيف كريم، فما حقيقة هذه الحادثة، ولِم يتعرضون لك؟
الجواب: سأبين "أربع نقاط" بلسان سعيد القديم بالاضطرار، عسى أن تكون وسيلة انتباه لإخواني، وتأخذون أنتم الإجابة عن سؤالكم.
النقطة الأولى: إن حقيقة تلك الحادثة دسيسة شيطانية وهجوم نفاقي اعتباطي بحت في سبيل الزندقة يخالف القانون، وذلك من أجل بعث القلق في قلوبنا ليلة الجمعة، وبث الفتور في الجماعة، ولئلا أقابل ضيوفي، ومن الغريب أنني كنت خرجت إلى مكان ما من أجل التنزه في يوم الخميس، أي قبل يوم من تلك الليلة، وفي أثناء العودة جاء عن شمالي ثعبان أسود طويل -وكأنه ثعبانان مُدّ أحدهما بالآخر- فمر بيني وبين صاحبي، فسألت صاحبي ما إذا كان فزع وخاف أو لا؟
قلت: أرأيت؟
قال: ماذا؟
قلت: هذا الثعبان المرعب.
قال: لَم أره، ولا أراه.
فقلت: سبحان الله! كيف لَم ترَ مثل هذا الثعبان الكبير وقد مرّ من بيننا!
ولم يخطر على بالي شيء في ذلك الوقت، ثم فيما بعد خطر على قلبي:
إن هذا إشارة لك، فاحذر، ففكرت في الأمر، ورأيت أنه من نوع الثعابين التي كنت أراها في الرؤى ليلا؛ أما هذه الثعابين التي كنت أراها في الليل فهي أنه متى ما جاء
233. صفحة
موظف حكومي بنية الخيانة كنت أراه على صورة ثعبان، حتى إنني قلت للمدير ذات مرة: عندما تأتيني بنية سيئة أراك على صورة الثعبان، فاحذر! والحقيقة أنني كنت أرى سلفه على هذه الصورة كثيرا.
إذن فهذا الثعبان الذي رأيته ظاهرًا هو إشارة إلى أن خيانتهم لن تبقى هذه المرة عند النية فحسب، بل ستتخذ صورة اعتداء بالفعل.
فمع أن الاعتداء في هذه المرة كان طفيفًا في الظاهر، ويراد تهوينه واستصغاره، فإن الموظف بتحريضٍ من معلم عديم الضمير واشتراكه أمَر الشرطةَ العسكرية ونحن في المسجد في أثناء الذكر عقب الصلاة بإحضار الضيوف. وأما نيتهم من وراء ذلك فهي إثارة حفيظتي، وأن أقابل هذا التصرف الاعتباطي المخالف للقانون بالطرد بمزاج سعيد القديم، ولكن هذا الشقي لَم يدرك أن سعيدًا لا يدافع بعصا مكسورة في يده بينما في لسانه سيفٌ ألماسي صنع في مصنع القرآن الحكيم، بل يستخدم هذا السيف بهذه الصورة.
ولكن أفراد الشرطة العسكرية كانوا على رشد ووعي؛ فانتظروا حتى انتهاء الصلاة وختام أذكارها؛ لأن أية دولة أو أية حكومة لا تتعرض للواجبات الدينية في الصلاة في المسجد، فغضب الموظف على هذا، وأرسل من ورائه الحارس قائلا: إن الشرطة العسكرية لا يسمعون كلامي.
ولكن الله تعالى لا يرغمني على الانشغال بمثل هذه الثعابين، وأوصي إخواني: لا تنشغلوا بهم إن لم تكن هناك ضرورة قاطعة، بل ترفعوا عن الكلام معهم؛ حيث إن جواب الأحمق: السكوت، ولكن انتبهوا إلى هذا الأمر:
كما أن إظهار التخاذل والضعف أمام الوحش المفترس يشجعه على الهجوم عليك؛ كذلك فإن إظهار التخاذل والضعف بالتملق والتزلُّف إلى من يحملون ضمير الوحش المفترس يدفعهم إلى الاعتداء، إذن لابد أن يتصرف الأصدقاء بحذر وتيقظ حتى لا يستفيد الموالون للزندقة من تهاونهم واستهتارهم وغفلتهم.
النقطة الثانية: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾(هود:113).
هذه الآية الكريمة لا تهدد من يؤيدون الظلم ويصبحون آلة له فحسب، وإنما تهدد أيضًا الذين يحملون أدنى ميل إلى الظالمين تهديدًا مريعًا شديدًا؛ ذلك لأن الرضا بالكفر
237. صفحة
المسألة السابعة
وهي الرسالة السابعة
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾(يونس:58)
هذه المسألة "سبع إشارات".
الإشارة الأولى: نبين "سبعة أسباب" تُظهر بعضًا من أسرار العناية الإلهية تحدثًا بنعمة الله تعالى.
السبب الأول: في رؤيا صادقة قبيل الحرب العالمية الأولى:
رأيتني فيها تحت "جبل آغري" المشهور الذي يطلق عليه "جبل آرارات"، وإذا بالجبل ينفجر انفجارًا كبيرًا، وتتطاير أجزاؤه الكبيرة كبر الجبل إلى كل أنحاء الأرض،
وإذا بي أرى والدتي بقربي في غمرة هذا الحدث الهائل، قلت لها: لا تخافي يا أماه، إنه أمر الله تعالى؛ فهو رحيم وحكيم.
ثم إذا بي أرى في أثناء هذه الحال شخصًا يقول لي آمرًا: "بَيِّن إعجازَ القرآن!"، ثم استيقظت، وأدركت أنه سيحدث انفجار عظيم، وستتحطم الأسوار المحيطة بالقرآن بعد هذا الانفجار والانقلاب، وسيدافع القرآن عن نفسه بنفسه مباشرة، وسيتعرض للهجوم، وسيصبح إعجازه درعه الفولاذي، وسيكون شخص مثلي -بما يفوق حدِّي كثيرًا- مرشحًا لإظهار نوع من أنواع هذا الإعجاز في هذا الزمان، وأدركت أني مرشح لذلك.
وبما أن بيان إعجاز القرآن قد تحقق بـ"الكلمات" إلى حد ما؛ فلا شك أن إظهار ما في دعوتنا من العناية الإلهية التي صارت من عِداد ذلك الإعجاز، ومن قَبِيلِ رشحات وبركات له؛ انتصار لذلك الإعجاز، ولابد إذن من إظهار تلك العناية.
السبب الثاني: بما أن القرآن الحكيم مرشدنا، وقدوتنا وإمامنا، ودليلنا في كل الآداب، وبما أنه يثني على نفسه؛ فنحن أيضًا سنثني على تفسيره اتباعًا لإرشاده وتعليمه.
238. صفحة
بما أن "الكلمات" المؤلفة هي نوع من أنواع تفسيره، وبما أن تلك الرسائل هي ملك للقرآن وحقائقه، وبما أن القرآن يظهر نفسه بنفسه في أكثر السور وبخاصة في السور التي تبدأ بـ﴿الر﴾ و﴿حم﴾ بكمال العظمة والجلال، ويذكر كمالاته، ويثني على نفسه بما هو أهل له؛ فلابد أننا مكلفون بإظهار العناية الربانية التي هي من لمعات إعجاز القرآن الحكيم المنعكسة في "الكلمات"، والتي هي علامة على قبول تلك الدعوة؛ إذ كذلك يفعل أستاذنا، وكذلك يعلمنا ويرشدنا.
السبب الثالث: لا أتحدث عن "الكلمات" تواضعًا، وإنما أقول لبيان حقيقة ما وهي:
إن ما في "الكلمات" من حقائق وكمالات ليست لي، وإنما للقرآن، ومنه ترشحت، حتى إن "الكلمة العاشرة" هي بعضُ قطرات مترشحة من مئات الآيات القرآنية، وكذلك جميع الرسائل الأخرى.
وبما أني أعتقد هكذا، وبما أني فانٍ، وراحل؛ فيجب ألاّ يُربَط بي شيء أو أثر باقٍ خالدٌ، وبما أن أهل الضلال والطغيان من عادتهم تفنيد كتاب لا يعجبهم من خلال الطعن في صاحب الكتاب؛ فلا شك أن الرسائل المربوطة بنجوم سماء القرآن ينبغي ألا تُربَط بعمود واهٍ ضعيف قابل للسقوط مثلي يمكنه أن يكون سببًا وعرضة لكثير من الاعتراضات والانتقادات.
وبما أن الناس يبحثون -عادةً- عن مزايا كتاب معيَّن في أحوال المؤلف الذي يظنونه مصدر ذلك الكتاب ومنبعه؛ فإن إسناد تلك الحقائق السامية والجواهر الغالية حسب هذا العرف إلى مفلس مثلي، وإلى شخصي الذي لا يستطيع أن يظهر واحدًا من ألف من تلك المزايا؛ هو إجحاف شديد للحقيقة.
لذا فإنني مضطرٌّ إلى إظهار أن الرسائل نالت رشحات من مزايا القرآن؛ لا باعتبارها ملكًا شخصيًّا لي، بل باعتبارها ملكًا للقرآن.
أجل؛ إن خصائص عناقيد العنب اللذيذة لا يُبحَث عنها في سيقانها اليابسة، وأنا مثل تلك الساق اليابسة.
السبب الرابع: قد يستلزم التواضع كفران النعمة أحيانًا، بل يكون كفرانًا بالنعمة، وقد يكون التحدث بالنعمة تفاخرًا أحيانًا، وكلاهما ضرر، والخلاص الوحيد من ذلك
239. صفحة
-حتى لا يكون كفرانًا بالنعمة، ولا يكون تفاخرًا- هو إقرار المرء بمزاياه وكمالاته، وإظهارها كأثرٍ لإنعام المنعم الحقيقي من دون ادعاء تملكها، فمثلا:
إذا ألبسك أحد ثوبًا فاخرًا مرصعًا مزينًا، وأصبحت به جميلا أنيقًا، وقال لك الناس: ما شاء الله، أنت جميل أنيق جدًّا، وأصبحت جميلا جدًّا؛ فإن قلت لهم متواضعًا: كلا! من أنا؟! أنا لا شيء، أين هذا من الجمال؟! فإن هذا يكون كفرانًا بالنعمة، ويكون إهانة للصانع الماهر الذي ألبسك تلك الحُلّة، وإذا قلت متفاخرًا: "نعم؛ أنا جميل جدًّا، وهل هناك جميل مثلي؟! فأروني جميلا مثلي!" فهذا أيضًا يكون تفاخرًا في غرور.
ولكي ينجو المرء من التفاخر وكفران النعمة فعليه أن يقول:
نعم؛ إنني أصبحت جميلا، ولكن الجمال ليس لي، بل يعود إلى اللباس، ومن ثم يعود إلى من خلعه عليّ.
فكذلك أنا لو بلغ صوتي لقلت صارخًا في كل أنحاء العالم:
إن "الكلمات" جميلة وحقيقة، ولكنها ليست لي، بل هي شعاعاتٌ تلمَّعتْ من حقائق القرآن الكريم، وأقول حسب دستور "وما مَدَحْتُ محمدًا بمقالتي، لكن مَدَحْتُ مقالتي بمحمدٍ": "وما مَدَحْتُ القرآنَ بكلماتي، لكن مَدَحْتُ كلماتي بالقرآن"؛ أي إنني لم أستطع أن أجمل حقائق إعجاز القرآن، ولم أستطع أن أظهر جمالها، بل إن حقائق القرآن الجميلة هي التي جَمّلت عباراتي وجعلتها عالية ساميةً ورفعتها وأعلتها.
بما أن الأمر هكذا؛ فإن إظهار جمالات مرايا حقائق القرآن المسماة بـ"رسائل النور" لحساب جمال حقائق القرآن، وبيان العنايات الإلهية التي تترتب على تلك المرآتية؛ تحدثٌ بالنعمة مقبول.
السبب الخامس: لقد سمعت منذ زمن بعيد من أحد الأولياء أنه قد استخرج من الإشارات الغيبية للأولياء السالفين ما أعطاه قناعة بأن نورًا سيظهر من ناحية الشرق، وسيبدد ظلمات البدع.
لقد انتظرتُ ظهور مثل هذا النور طويلا، وما زلتُ أنتظرُ، ولكن الزهور تتفتح في الربيع، ولابد إذن من تهيئة الأرضية المناسبة لمثل هذه الزهور القدسية، وقد أدركنا أننا نهيئ بدعوتنا هذه الأرضيةَ المناسبة لأولئك الأشخاص النورانيين.
240. صفحة
وبما أن هذه العنايات الإلهية التي تخص الأنوار المسماة بـ"الكلمات" ليست ملكًا لنا؛ فلا شك أن بيانها لا يكون سببًا للفخر والغرور، بل يكون مبعثَ حمدٍ وشكرٍ وتحدّثًا بالنعمة.
السبب السادس: إن العنايات الربانية التي هي مكافأة عاجلة ووسيلةُ تشويقٍ وتشجيع في خدمتنا للقرآن بتأليف رسائل النور؛ توفيقٌ، والتوفيق يُظهَر، وإذا ما ارتقت العناية إلى أعلى من التوفيق؛ فإنما تكون إكرامًا إلهيًّا، وأما إظهار الإكرام الإلهي فشكرٌ معنوي، وإذا ما ارتقت إلى أكثر من الإكرام الإلهي؛ فإنما تكون كرامةً قرآنية من دون تدخل اختيارنا وإرادتنا، ونكون قد حظينا بها، وإظهار مثل هذه الكرامة التي تأتي من غير اختيار وإرادة ومن حيث لا تُحتَسبُ؛ لا ضررَ فيه، أما إذا ما تفوقت على الكرامة العادية؛ فإنها تكون شُعَلا للإعجاز المعنوي للقرآن.
وبما أن الإعجاز ينبغي إظهاره وإبرازه؛ فلا شك أن إظهار ما يؤيد الإعجازَ ويمده قوة يكون في سبيله وحسابه، ولا يمكن أن يكون أبدًا مبعثَ فخرٍ وغرورٍ، بل يكون مبعثَ حمدٍ وشكرٍ.
السبب السابع: إن ثمانين بالمائة من البشر ليسوا أهلَ التحقيق حتى يَنفُذوا إلى الحقيقة، ويعرفوا الحقيقةَ حقيقةً ويقبلوها كما هي، وإنما هم مقلدون يقبلون المسائلَ التي سمعوها من أناس يثقون فيهم، ويعتمدون عليهم، بناءً على ظاهر حالهم وعلى حسن ظنهم بهم، وحتى إنهم حينما يَرَوْنَ حقيقةً قويةً بيد رجل ضعيف يعتبرونها ضعيفةً، وإذا ما رأوا مسألة تافهة في يد رجل مهم يظنونها مسألةً قيّمةً مهمةً.
وبناء على ذلك؛ فإنني أعلن مضطرًّا لكيلا أحطّ في أنظار أكثر الناس من شأن الحقائق الإيمانية والقرآنية التي في يد رجل ضعيف ومسكين مثلي، وأقول:
إن هناك من يستخدمنا دون إرادة وعلم منا، ويستعملنا في أمور مهمة دون وعي منا، ودليلنا على ذلك هو:
إننا ننال بعضا من العنايات والتسهيلات من غير وعي وإرادة منا، إذن نحن مكلفون بالإعلان عن تلك العنايات بأعلى صوتنا.
فبناء على الأسباب السبعة المذكورة، سنشير إلى بعض العنايات الربانية الكلية:
241. صفحة
الإشارة الأولى: وهي التوافقات التي قد بُيِّنت في "النكتة الأولى" من "المسألة الثامنة" لـ"المكتوب الثامن والعشرين"، ومن هذه التوافقات:
أن كلمات "الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام" التي تزيد على مائتي كلمة، يناظر بعضها بعضًا، بكمال التوازن والتناسق، في ستين صفحة من صفحات رسالة المعجزات الأحمدية -ما عدا صفحتين فقط- في نسخة أحد المستنسخين، بغير شعور ووعي منه، بدءًا من "الإشارة الثالثة" حتى "الإشارة الثامنة عشرة" منها، فمن نظر إلى صفحتين منها بإنصاف فسيصدق -بلا شك- أن هذا الأمر ليس بمصادفة قط.
ولو كانت هنالك مصادفة، لما توافق إلا النصف من الكلمات المتماثلة الواردة بكثرة في صفحة واحدة، ولا يمكنها أن تتوافق توافقا تاما إلا في صفحة أو صفحتين، إذن إن ورود كلمة "الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام" ناظرًا بعضها إلى بعض بكمال الميزان والتناسق، مرتين كانت أو ثلاث مرات، أو أربع أو خمس مرات لا يمكن أن يكون مصادفة قط.
فضلا عن هذا فإن التوافق الذي لم يستطع إفساده ثمانيةُ مستنسخين مختلفين؛ فيه إشارة غيبية قوية.
وكما أن بلاغة القرآن الحكيم قد بلغت مرتبة الإعجاز، وليس بمقدور أحد أن يبلغها، مع أن في كتب أهل البلاغة درجات للبلاغة؛ كذلك فإن التوافقات الموجودة في "المكتوب التاسع عشر" الذي هو مرآة للمعجزات الأحمدية على صاحبها الصلاة والسلام، وفي "الكلمة الخامسة والعشرين" التي هي ترجمان المعجزات القرآنية، وفي أجزاء "رسائل النور" التي هي نوع من أنواع تفسير القرآن؛ هي تُظهِر-أي التوافقات- شكلا غريبًا بما يفوق جميع الكتب، مما يتبين منه أنها نوع من كرامات المعجزات القرآنية والمعجزات الأحمدية، تتجلى وتتمثل في تلك المرايا.
الإشارة الثانية: العناية الربانية الثانية التي تخص الخدمةَ القرآنية هي:
لقد أنعم الله على شخص مثلي نصف أمي([1])، وحيدٍ في ديار الغربة، وممنوعٍ من الاختلاط بالناس، بإخوان معاونين أقوياء جادين مخلصين مجتهدين مضحين،
[1])) كان الإمام النورسي لا يكتب بالقلم؛ لأن خطّه كان رديئا.
242. صفحة
أقلامهم كالسيوف الألماسية؛ وحَمّل الوظيفةَ القرآنية -الثقيلة جدًّا على كتفيَّ الضعيفَيْنِ العاجزَيْنِ- على تلك الأكتاف القوية، فخفف من كمال كرمه حِملي وعِبْئِي.
فتلك الجماعة المباركة هي كأجهزة استقبال لاسلكية بتعبير خلوصي، وكماكينات تُولِّد كهرباء مصنع النور بتعبير صبري، ومع أن كل واحد من أفراد تلك الجماعة له مزايا مختلفة وخصائص قيمة متنوعة، فإن نشرهم الأسرار القرآنية والأنوار الإيمانية إلى كل الأنحاء بصورة متشابهة في الحماسة في العمل والسعي والاجتهاد والانضباط والإتقان فيه، وإعلانهم عنها في كل مكان، ذلك الإعلان الذي هو كنوع من التوافق الغيبي بتعبير صبري أيضًا، وقيامهم بالدعوة بكمال الشوق والحماسة والاجتهاد وبلا فتور في هذا الزمان؛ الذي تبدلت الحروف فيه، ولا توجد مطابع، والناس محتاجون إلى الأنوار الإيمانية، إضافة إلى وجود أسباب كثيرة تورث الفتورَ وتكسر الحماسَ والشوق إلى العمل؛ أقول إن نشر هؤلاء لهذه الأنوار في كل مكان وقيامهم بالدعوة على الرغم من هذه الأسباب لهو كرامة قرآنية بلا شك، وعناية إلهية ظاهرة.
أجل؛ كما أن للولاية كرامة، فللنية الخالصة كذلك كرامة، وللإخلاص أيضًا كرامة، و يمكن أن تكون كراماتٌ كثيرة للتساند الخالص الجادّ بين الإخوان في دائرةِ أخوةٍ خالصة لله تعالى، حتى إن شخصًا معنويًّا كهذا لمثل هذه الجماعة يمكن أن يكون بمنزلة ولِيٍّ كامل، وينال العنايات الربانية.
فيا إخواني، ويا أصحابي في خدمة القرآن، كما أن منح جميع الشرف وكل الغنائم لرقيبِ كتيبةٍ فتحت قلعة، ظلمٌ وخطأٌ؛ فكذلك لا يمكنكم أن تمنحوا العنايات التي في الفتوحات الحاصلة بقوة شخصكم المعنوي وبواسطة أقلامكم إلى رجل مسكين مثلي، ولا شك أن مثل هذه الجماعة المباركة فيها إشارة غيبية قوية أقوى من التوافقات الغيبية، أنا أراها، ولكن لا أستطيع أن أظهرها للجميع ولكل الناس.
الإشارة الثالثة: إن إثبات أجزاء رسائل النور جميعَ الحقائق الإيمانية والقرآنية المهمة إثباتًا ساطعًا قاطعًا حتى لأشد الناس عنادًا؛ لهو إشارةٌ غيبية وعنايةٌ إلهية قوية جدًّا؛ ذلك لأن في الحقائق الإيمانية والقرآنية ما اعترف ابن سينا الذي يعد عبقريًا عظيمًا بعجزه عن فهمه؛ حتى قال: "لا يمكن للعقل أن يجد إليه سبيلا".
243. صفحة
ولكن "الكلمة العاشرة" تُعلِّم الحقائقَ التي لم يستطع ذلك العبقري أن يبلغها بذكائه وعبقريته حتى للعوام والأطفال.
ومثلا: مسائل سرّ القدر والاختيار الجزئي التي لم يستطع أن يحلها العلامة الكبير التفتازاني([1]) إلا في خمسين صفحة تقريبا تحت عنوان المقدمات الاثنتي عشرة في كتابه "التلويح" المشهور، ولم يبينها إلا للخواص؛ بَيّنَتْها رسائلُ النور في صفحتين من "المبحث الثاني" من "الكلمة السادسة والعشرين" الخاصة بالقدر بيانًا تامًّا كافيًا وافيًا، وبطريقة يفهمها كل الناس؛ فإن لم يكن هذا أثرَ عناية فما هو إذن؟!
وكذا ذلك الطلسم المغلق والمعمَّى المحير المسمَّى بسرّ خلق العالم وطلسم الكون الذي جعل العقول كلها في حيرة، ولم تستطع كشفه وحله أية فلسفة كانت؛ كُشف وحُلَّ بإعجاز القرآن العظيم الشأن في "المكتوب الرابع والعشرين"، وفي "النكتة ذات الرمز" في آخر "الكلمة التاسعة والعشرين"، وفي الحِكَم الستّ لـ"تحولات الذرّات" المذكورة في "الكلمة الثلاثين"، هذه الرسائل قد كشفت وبينت طلسم الفعالية المذهلة في الكون، ومعمّى خلق الكون وعاقبته ونتيجته، وسرَّ الحركات في تحولات الذرات وحكمتها؛ كلها في متناول الأيدي، من شاء راجعها.
وبَيَّنَت "الكلمةُ السادسة عشرة" و"الكلمةُ الثانية والثلاثون" بكمال الوضوحِ الحقائقَ العظيمةَ المذهلة كوحدة الربوبية بلا شريك مع سر الأحدية، والقرب الإلهي منا قربًا مطلقًا مع بعدنا عنه بعدًا مطلقًا؛ كما كَشفتْ بكمال الوضوح كلمةُ "وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير" في "المكتوب العشرين"، وذيلُها الحاوي على ثلاثة أمثلة أن الذرّات والكواكب متساوية أمام القدرة الإلهية، وأن إحياء جميع ذوي الأرواح في الحشر الأعظم سهل
[1])) مسعود بن عمر بن عبد الله التفتازاني (سعد الدين) (712-791 هـ) (1312-1389 م) عالم في النحو والتصريف والمعاني والبيان والفقه والأصلين والمنطق وغير ذلك، ولد بتفتازان إحدى قرى نواحي نَسَا، وتوفي بسمرقند، من تصانيفه الكثيرة: شرح تلخيص المفتاح في المعاني والبيان، وحاشية على الكشاف للزمخشري في التفسير، والتهذيب في المنطق، والمقاصد في علم الكلام، وكان قد انتهت إليه معرفة علوم البلاغة والمعقول بالمشرق بل بسائر الأمصار، ولم يكن له نظير في معرفة هذه العلوم.
244. صفحة
على تلك القدرة كسهولة إحياء نَفْس واحدة، وأنّ تدخّل الشرك في خلق الكون بعيدٌ عن العقل بدرجة الامتناع.
وفي الحقائق الإيمانية والقرآنية سعَةٌ بحيث لا يستطيع أن يحيط بها أكبر ذكاء بشري، ومع ذلك فإن ظهور أكثر تلك الحقائق مع دقائقها على يد شخص مثلي مشتَّت الذهن، في حالة بائسة، ليس عنده مراجع ومصادر، ويعاني من الآلام والمتاعب، ويؤلف بسرعة؛ لهو أثرٌ للإعجاز المعنوي للقرآن الحكيم مباشرة، وتجلٍّ من تجليات العناية الربانية، وإشارة غيبية قوية.
الإشارة الرابعة:
لقد من الله عليَّ بتأليف حوالَيْ ستين رسالة؛ وإن مؤلفات شخص مثلي، قليل التفكير، يتبع العفوية والتلقائية، ولا يجد وقتًا للتدقيقات، وهي مؤلفات يصعب تأليفها حتى مع سعي وجهد أهل التدقيق من العباقرة الأذكياء الكبار؛ يدل على أنها أثر عناية إلهية ليس غير؛ لأن جميع الحقائق العميقة في جميع الرسائل تُدرَّس وتُعلَّم بواسطة الأمثلة حتى للعوام والأميين، في حين أن العلماء الكبار لم يستطيعوا أن يُعلّموها للخواص فضلا عن العوام، وقالوا: إن أكثر هذه الحقائق لا يمكن تفهيمها وتعليمها.
إن شخصًا مثلي لا يتقن اللغة التركية، كلامه غامض حتى إن أكثره لا يُفهم، واشتهر منذ السابق بأنه يعسّر الحقائق الظاهرة ويُشكِلها، وصدّقتْ آثاره القديمة بشهرته السيئة هذه، يملك هذه التيسيرات الخارقة وسهولة البيان بحيث يدرّس أبعد الحقائق عن العقل لأكثر الناس بساطة في الفهم كما لو أنها أقربها إليه؛ لا شك أن ذلك أثر عناية إلهية بلا ريب، ولا يمكن أن يكون من مهارته هو، بل هو تجلٍّ من تجليات الإعجاز المعنوي للقرآن الكريم، وثمثُّل لتمثيلات القرآن وانعكاس لها.
الإشارة الخامسة: مع أن رسائل النور انتشرت انتشارًا واسعًا عامًّا في الأوساط كافة، ومع أن كثيرا من طبقات الناس وطوائف البشر -بدءًا من أكبر عالِمٍ إلى أدنى رجل من العوام، ومن أعظم ولي من أهل القلب إلى أشد الفلاسفة الملحدين عنادًا- رأوا تلك الرسائل وقرءوها، بل تعرض بعضهم لصفعاتها؛ فإن عدم تعرضها لأي
245. صفحة
انتقاد من قِبَل أحد، واستفادةَ كلّ طائفةٍ منها كلٍّ حسب درجته؛ لهو أثرُ عنايةٍ ربانية وكرامةٌ قرآنية مباشرة.
كذلك فإن كتابة ذلك النوع من الرسائل التي لا تظهر إلا نتيجة تدقيقات وتحريات كثيرة، بسرعة فائقة، وفي أوقات انقباض عصيبة تشوش إدراكي وفكري؛ هي الأخرى أثر عنايةٍ وإكرامٌ رباني.
أجل؛ إن أكثر إخواني وجميع من معي من أصدقائي والمستنسخين يعلمون أن الأجزاء الخمسة من "المكتوب التاسع عشر" كُتِبت، في ظرف بضعة أيام، في كل يوم بضع ساعات بما يساوي مجموعها اثنتي عشرة ساعة، ومن دون الرجوع إلى أي كتاب، بل كُتِب أهم جزء منها في غضون ثلاث أو أربع ساعات في الجبال وتحت المطر عن ظهر الغيب، وهو"الجزء الرابع" الذي أظهر خاتمًا ظاهرًا للنبوة في لفظ "الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام"، وكتبت رسالة مهمة دقيقة، وهي "الكلمة الثلاثون"، في غضون ست ساعات في أحد البساتين، وكتبت "الكلمة الثامنة والعشرون" في بستان سليمان في خلال ساعة، أو ساعتين على الأكثر، وكذلك كان تأليف أغلب الرسائل.
ويعلم أحبابي المقربون منذ زمن أني لا أستطيع أن أبيّن أَظْهَرَ الحقائق إذا كنت أعاني من الآلام والانقباض، بل أجهلها، ولاسيما إذا أضيفت إلى تلك الآلام الأمراض أيضًا فإنها كانت تمنعني عن التدريس والتأليف بصورة زائدة.
وعلى الرغم من كل ذلك؛ فإن كتابة أهم الكلمات والرسائل في أكثر الأوقات التي كنت أعاني فيها من المعاناة والأمراض، وبسرعة فائقة مذهلة؛ إن لم تكن عناية إلهية وإكرامًا ربانيًّا وكرامة قرآنية فما هي إذن؟!
بينما أي كتاب يتناول مثل هذه الحقائق الإلهية والإيمانية ويبحث فيها؛ تضرّ بعضُ مسائله بعضَ الناس، لذا لم تنشر كل مسائله لكل الناس.
أما هذه الرسائل فلم تترك أثرًا سيّئًا عند أحد، ولم تستفز أحدا، ولم تخدش الأذهان، مع أني سألت الكثيرين عن هذا، فتحقق لدينا قطعًا أن ذلك ليس إلا إشارة غيبية وعناية ربانية.
246. صفحة
الإشارة السادسة: لقد ثبت عندي يقينًا أن أكثر حياتي مضت خارجةً عن نطاق اختياري واقتداري وشعوري وتدبيري، وسُيّرت تسييرًا غريبًا حتى تثمرَ هذا النوع من الرسائل التي ستخدم القرآن الحكيم، فكأن جميع حياتي العلمية أصبحت بمنزلة مقدمات تحضيرية، وباتتْ تَمْضِي بصورةٍ تُظهِر إعجازَ القرآن بواسطة "الكلمات".
بل إن نفيِي وغربتي خلال هذه السنوات السبع، وعزلي عن الناس دون سبب رغما عني، وإمضاء حياتي وحيدًا في قرية نائية بما يخالف مشربي، وبُغضي ونفوري مما ألِفت من زمن بعيد من كثير من روابط الحياة الاجتماعية وقواعدها وتَرْكي إياها؛ كل ذلك لم يدع شكًّا ولا شبهة لديَّ أنها لم تَحدث إلا لدفعي للقيام بهذه الخدمة القرآنية خالصًا صافيًا.
حتى إنني أعتقد أن تحت أستار ما يمارَس عليَّ من إزعاجات، وما يحصل تجاهي ظلما من مضايقات؛ يدَ العناية الإلهية، فهي التي تدبر هذه الأمور بصورة رحيمة من أجل أن تدفعني إلى حصر الفكر في أسرار القرآن، ولئلا أصرف النظر إلى غيرها.
بل ألقي في روعي اجتنابُ مطالعة الكتب الأخرى، وامتناعٌ عن قراءتها كليًّا؛ مع أني كنت شغوفا بمطالعتها في الماضي.
فأدركت أن الذي دفعني إلى ترك المطالعة والقراءة التي هي مبعث سلوان وتَسرِيَة وأُنس في مثل هذه الغربة هو: أن تكون الآيات القرآنية أستاذًا ومرشدًا مطلقًا لي مباشرة.
ثم إن الآثار والرسائل المؤلفة مُنَّ عليَّ بأغلبيتها الغالبة دفعةً وفجأة بناء على حاجة تولدت من روحي دون أن يكون ثَمّة سبب خارجي، وعندما عرضتها على بعض أحبابي قالوا: إنها دواء لأمراض هذا الزمان، وبعد انتشارها عَرَفْتُ من أكثر إخواني أنها صارت علاجًا مناسبًا لحاجات هذا الزمان، ودواءً ملائما للأمراض.
فجميع حالات وأحداث حياتي المذكورة التي جرت خارج نطاق اختياري وشعوري وإدراكي، وسلوكي طريقًا مخالفًا لما هو معتاد في أنواع العلوم من غير اختيار مني وإرادة، كل ذلك لم يدع لديَّ شبهةً ولا شكًّا في أنه عناية إلهية قوية وإكرام رباني عظيم للانسياق إلى مثل هذه النتيجة القدسية.
247. صفحة
الإشارة السابعة: لقد رأينا بأم عيننا في أثناء قيامنا بهذه الدعوة والخدمة خلال خمس أو ست سنوات مئاتٍ من آثار الإكرام الإلهي والعناية الربانية والكرامة القرآنية بلا مبالغة، وقد أشرنا إلى بعضها في "المكتوب السادس عشر"، وبيَّنا بعضها في المسائل المتفرقة المذكورة في "المبحث الرابع" من "المكتوب السادس والعشرين"، وبعضها في "المسألة الثالثة" من "المكتوب الثامن والعشرين"، ويعلم ذلك أقرب المقربين من أصدقائي، ويعلم صديقي الدائم السيد سليمان أيضا كثيرا منها.
ونحن ننال تسهيلات وتيسيرات ذات كرامات فوق ما نأمل، لاسيما في نشر الرسائل وتصحيحها ووضعها في موضعها المناسب وفي تسويدها وتبييضها، ولا يبقى لدينا شبهة في أنها كرامة قرآنية، وأمثلة ذلك تبلغ المئات.
ثم إننا نُرَبَّى ونُطعَم بشفقة في معيشتنا؛ حتى إن صاحب العناية سبحانه وتعالى الذي يستخدمنا يحقق لنا حتى أدنى رغبة من رغبات قلوبنا من حيث لا نحتسب كي يشبعها، وهكذا فإن هذا الأمر إشارة غيبية في منتهى القوة إلى أننا نُستَخدَم، ونساق إلى القيام بالخدمة القرآنية ضمن دائرة مرضاة الله سبحانه وتحت عنايته، فالحمد لله هذا من فضل ربي.
سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
اللّهُمّ صَلّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمّدٍ صَلاةً تَكُونُ لَكَ رِضَاءً وَلِحَقِّهِ أَدَاءً وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تسليمًا كثيرًا، آمين.
جواب على سؤال خاص سرّي
لقد كتب سر العناية الإلهية هذا بشكل مخفي قديمًا، ولم ينشر، ثم أُلحق في آخر "الكلمة الرابعة عشرة"، ولكن لأسباب ما نسي المستنسخون نسخه، وظل مخفيًّا، إذن كان موضعه المناسب الملائم ههنا.
تسألني: لماذا نجد قوة وتأثيرًا في الكلمات التي ألفتها مستقيًا من القرآن الكريم، قلما توجد في كلام المفسرين والعارفين؛ إذ توجد أحيانًا في سطر واحد قوةٌ كقوة صفحة كاملة، وفي صفحة واحدة تأثيرٌ كتأثير كتاب كامل؟
248. صفحة
والجواب، هو جواب جميل لطيف:
لما كان الشرف يعود إلى إعجاز القرآن، وليس إليّ أنا؛ فإنّي أقول بلا حرج:
إنها كذلك في الأكثر والأغلب؛ لأن الرسائل المؤلفة:
وإيمانٌ، وليست تسليمًا([3])،
وشهادةٌ وشهود([4])، وليست معرفةً([5])،
وتحقيقٌ([6])، وليست تقليدًا([7])،
وإذعانٌ([8])، وليست التزامًا([9])،
وحقيقةٌ[10]، وليست تصوّفًا[11]،
وبرهانٌ في دعوى، وليست دعوى وادعاءً.
وحكمة هذا السر هي:
أن الأسس الإيمانية في الماضي كانت مصونة محفوظة، وكان التسليم قويًّا؛ فقد كانت بيانات العارفين في المسائل الفرعية مقبولةً وكافية حتى لو كانت بلا دليل.
أما في هذا الزمان فقد مدَّ ضلالُ العلوم يده إلى الأسس والأركان الإيمانية؛ لذا فإن الحكيم الرحيم ذا الجلال منحَ كتاباتي الخاصةَ بخدمة القرآن -رحمةً بعجزي وضعفي، ورأفةً بفقري وحاجتي- شُعلةً مِنْ "ضربِ الأمثال" الذي هو من أسطع معجزات القرآن الكريم.
ولله الحمد بمنظار "ضرب الأمثال":
قد أُظهِرت الحقائقُ البعيدة جدًّا عن العقل قريبةً جدًّا.
وجُمِعت أكثر المسائل تشتتًا وتفرقًا بفضل ما في ضرب الأمثال من جهة الوحدة.
وتوصلت إلى أعلى الحقائق وأرفعها بسلّم ضرب الأمثال.
وحصل من خلال نافذة ضرب الأمثال إيمانٌ يقيني -قريبٌ من الشهود- بالحقائق الإيمانية والأسس الإسلامية.
واضطر الوهم والخيال مع العقل بل حتى النفس والهوى إلى الاستسلام، كما اضطر الشيطان إلى إلقاء السلاح.
[1]))التصديق: ؟؟؟؟؟.
[2]التصور: إدراك الماهية من غير أن يحكم عليها بنفي أو إثبات.(معجم التعريفات للإمام الجرجاني، ص53).
[3])) التسليم:؟؟؟؟.
[4])) الشهود: هو رؤية الحق بالحق.111
[5])) المعرفة: ؟؟؟؟؟.
[6])) التحقيق:؟؟؟؟؟.
[7])) التقليد:؟؟؟؟؟.
[8])) الإذعان: ؟؟؟؟؟.
[9]))الالتزام:؟؟؟؟؟.
[10] الحقيقة: ؟؟؟؟؟.
[11] التصوف:؟؟؟؟؟.
249. صفحة
الحاصل: ما من جمال وتأثير في مؤلفاتي إلا وهو من لمعات الأمثال القرآنية، وما حَظّي من ذلك إلا الطلب مع شدة حاجتي وفقري، وتضرّعي مع عجزي الشديد، فالداء مني، والدواء من القرآن الحكيم.
خاتمة المسألة السابعة
تخص إزالة الأوهام الواردة، أو التي قد ترد حول الإشارة الغيبية التي جاءت في صورة "ثماني عنايات إلهية"، وتخص أيضًا بيان سرّ عظيم لعناية إلهية.
هذه الخاتمة "أربع نكات".
النكتة الأولى: لقد ادعينا في "المسألة السابعة" من "المكتوب الثامن والعشرين" أننا رأينا في النقش الذي تحت تعبير "التوافقات" -التي أطلقنا عليها اسم العناية الإلهية الثامنة- تجليًا من تجليات ما أحسَسْنا به من إشارة غيبية جاءت من العنايات الإلهية السبع الكلية المعنوية، وندعي الآن أن هذه العنايات الإلهية الثماني قوية وثابتة قطعًا إلى حد أن كل واحدة منها تثبت وحدَها تلك الإشارات الغيبية، حتى لو تراءى بعضها ضعيفاً بفرض المحال، بل لو أُنكِر فلا يُخِلّ بثبوت تلك الإشارات الغيبية، ومن لم يستطع إنكار تلك العنايات الثماني؛ فلا يقدر على إنكار تلك الإشارات، ولكن لما كانت طبقات الناس مختلفةً، وكانت طبقة العوام التي هي أكثر عددًا تعتمد على عينها في الغالب؛ فإن "التوافقات" صارت لدى هذه الطبقة أظهر تلك العنايات الثماني وليست أقواها، ومع أن غيرها أقوى فإن هذه أعمّ وأشمل؛ لذا فقد اضطررت من أجل إزالة الأوهام التي ترد حولها إلى بيان حقيقة شبيهة بالمقارنة، وهي:
لقد قلنا عن تلك العناية الظاهرية إن كلمة "القرآن" وكلمة "الرسول صلى الله عليه وسلم" الموجودتين فيما كتبنا من الرسائل تظهر فيهما توافقات لا تدع أية شبهة من أنها نُظِّمت عن قصد، وأعطيت وضعًا موازيًا، والدليل على أن القصد والإرادة ليسا منا؛ هو اطلاعنا على هذه التوافقات بعد ثلاث أو أربع سنوات، إذن فهذا القصد غيببيٌّ كأثر عنايةٍ إلهية، وقد أُعطِي ذلك الوضعُ الغريب في صورة تأييدٍ خالص لإعجاز القرآن ومعجزات الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي صورة توافق في هاتين الكلمتين.
250. صفحة
وقد أصبحت بركة هاتين الكلمتين خَتْمَ تصديق لإعجاز القرآن والإعجاز الأحمدي صلى الله على صاحبه وسلم، وجعلتا الكلماتِ الأخرى المماثلةَ لها تنال التوافقات في الغالب، ولكن محصورةً في صفحات معينة، فهاتان الكلمتان يظهر فيهما التوافق في كامل بعض الرسائل، وفي أغلب الرسائل الأخرى، ولكن قلنا مرارًا إن أصل هذا التوافق يمكن أن يكون كثيرًا في سائر الكتب، ولكنه ليس في مثل هذه الغرابة التي تُظهر القصد الساميَ والإرادةَ العاليةَ، فدعوانا هذه لا يمكن تفنيدها، ولكن قد تَظهر للأنظار الظاهرية وكأنها فُنِّدتْ، وقد يكون في هذا جهات عدة:
منها؛ أنه قد يقولون لكم: إنكم نظمتم مثل هذا التوافق بعد نظر وتفكير، والقيام بمثل هذا الأمر سهل ويسير إذا كان بالقصد والإرادة؟
ونقول ردًّا على هذا:
إن شاهدين صادقين في دعوى ما كافيان لثبوتها، ويمكن وجود مائة من الشاهدين الصادقين على اطلاعنا على التوافق بعد حوالي أربع سنوات، وبهذه المناسبة سأبين نقطة وهي:
إن هذه الكرامة الإعجازية ليست من نوع درجة الإعجاز في بلاغة القرآن الحكيم؛ لأن إعجاز القرآن لا تستطيع قدرة البشر أن تبلغه بالسير في هذا الطريق، فهذه الكرامة الإعجازية لا يمكن أن تحصل بقدرة البشر؛ إذ القدرة لا تقدر على التدخل فيها([1]).
النكتة الثالثة: سنشير إلى سرٍّ دقيق من أسرار الربوبية والرحمانية بمناسبة الإشارة الخاصة والإشارة العامة.
هناك قول جميل لأحد إخواني، سنجعله موضع حديث لهذه المسألة، وهو:
عندما عرضتُ عليه ذات يوم توافقًا لطيفًا جميلا قال: جميل، وكل حقيقة جميلة بحد ذاتها، ولكن التوافقات والتوفيق في هذه "الكلمات" أجمل وألطف.
[1])) في إحدى النسخ لـ"الإشارة الثامنة عشرة" من "المكتوب التاسع عشر" توافقت تسع كلمات من كلمات "القرآن" في صفحة واحدة، فأوصلنا بينها خطًّا فظهر لفظ "محمد" في مجموعها، وفي الصفحة المقابلة لها توافقت ثماني كلمات من كلمات "القرآن"، وظهر في مجموعها لفظ الجلالة "الله"، ومثل هذه الأمور البديعة كثير في التوافق.
لقد رأينا معنى هذا الهامش بأعيننا.
بكر، توفيق، سليمان، غالب، سعيد. (المؤلف).
251. صفحة
فقلت: نعم؛ إن كل شيء جميل، إما حقيقة، وإما بذاته، أو بنتائجه، وهذا الجمال يعود إلى الربوبية العامة وشمول الرحمة والتجلي العام، والإشارة الغيبية التي في هذا التوفيق أجمل كما قلتَ؛ لأنها تتوجه إلى الرحمة الخاصة والربوبية الخاصة والتجلي الخاص، وسنقرب هذا إلى الفهم بمثال كالآتي:
إن السلطان بقانونه وسلطنته العامة يمكن أن يشمل برحمته جميع أفراد شعبه،
وكل فرد ينال أفضال هذا السلطان وألطافه ويستظل بظل سلطنته، وللأفراد علاقات خاصة كثيرة في هذه الصورة العمومية.
الجهة الثانية: وهي عطايا السلطان وأفضاله الخصوصية وأوامره الخاصة؛ إذ يكرّم بعطاياه فردا من أفراد رعيته ويمجده ويطري عليه ويأمر له بطريقة خاصة تفوق القانون.
فكما في هذا المثال؛ فإن لكل شيء حظًّا من الربوبية العامة والرحمة الشاملة للواجب الوجود والخالق الحكيم الرحيم، وكل شيء ذو علاقة خاصة معه بقدر ما يصيبه من حظّ، وله سبحانه وتعالى تصرفاتٌ في كل شيء بقدرته وإرادته وعلمه المحيط، وتدخّلٌ في الأمور الهيّنة الجزئية لكل شيء وربوبيةٌ عليه، وكل شيء محتاج إليه في كل شأن من شئونه، وتُنجَز أمورُه وتُنظَّم بعلمه سبحانه وحكمته.
وليس من حد الطبيعة أن تتخفى في دائرة تصرف الربوبية تلك، وتملكَ التأثير فيها وتتدخل، وليس من حد المصادفة أن تتدخل في أموره وشئونه سبحانه التي في دائرة ميزان الحكمة الحساس الدقيق، ولقد نفينا المصادفة والطبيعة في عشرين موضعًا من رسائل النور بحجج قاطعة، وأعدمناهما بسيف القرآن الكريم، وأظهرنا وبيّنا أنّ تدخلهما في الأمور محال، إلا أن أهل الغفلة أطلقوا اسم "المصادفة" على الأمور التي لا تُعرف حكمتُها وأسبابُها والتي تحدث ضمن دائرة الأسباب الظاهرية التي هي في الربوبية العامة، ولم يستطيعوا أن يَرَوْا بعض الأفعال الإلهية التي لا يُحاط بحِكمها إذ هي اختفت تحت ستار الطبيعة، فطرقوا باب الطبيعة.
والثاني ربوبيته الخاصة، وتكريمه الخاص وإغاثته الرحمانية الخاصة؛ بحيث إن اسمَيْ الرحمن الرحيم يغيثان الأفراد الذين يرزحون تحت ضغوط القوانين العامة،
252. صفحة
ويعينانهم بصورة خاصة، وينقذانهم من تلك الضغوطات؛ لذا فإن كل كائن حي -ولاسيما الإنسان- يستمد العون كل حين منه سبحانه وتعالى، ويمكنه أن يجده بالفعل، فنعمه سبحانه وتعالى وآلاؤه التي في ربوبيته الخاصة هذه لا تتخفى تحت المصادفة حتى بالنسبة لأهل الغفلة أيضًا، ولا تُسنَد إلى الطبيعة.
فبناء على هذا السرّ فقد اعتبرنا واعتقدنا أن ما في "المعجزات القرآنية" و"المعجزات الأحمدية" من إشارات غيبية هي إشاراتٌ خاصة، وأيقنّا أنها عون خاص وعناية خاصة تُظهِر نفسَها أمام المعاندين، فأعلناها لله وحده؛ وإن كنا قد أخطأنا فنرجو أن يشملنا ربنا بعفوه، آمين.
رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا
253. صفحة
فقرة المعلم أحمد غالب الذي قام بخدمات قيمة في تبييض الكلمات
هل يتضايق صدري من إلزام المنكر
وفي اليد برهان الحقيقة كـ"القرآن"؟!
قولك يا روحي قول وليس تكلفًا
هو الزبدة الطاهرة للعِلم اللَّدُنِّي
وليس جمعا من هنا وهناك
هو حكمة ونور معرفة
وليس أهواءً ولغوًا وتفلسفًا
هو مُزَكِّي النفوس ومصفي الروح
ومربي القلوب وليس تصوفًا
فتلك الكلمات كلها شمس المعرفة
فقوْلي صدق، وليس مؤلَّفًا
ونورُ باطنك انعكس على ألفاظك
في بعض الأسطر وهو ليس ترادفًا
وألفاظها منسجمة مع بعضها
وليس تصنعًا قط ولا تصادفًا
254. صفحة
جميع حروفها نُسّقت بنظام
فهي تَوَافُقٌ، وليس تخالفًا
هو تجلّ من تجليات سر الإعجاز
هو من القرآن، وليس مجوَّفًا
وهذه المصادفة الحسنة جميلة رائعة
ومهما قيل في هذا الباب فليس زائفاً
إن سعيدًا بديع الزمان النورسي
بديعٌ بيانه، وليس توسلا ولا تزلفاً
لم يتسلّ القلم في يده ولم يسترح
لذا يعرض نفسه أمام الأنظار وليس محرّفاً
ومِن صوْب الحق يأتيه الصواب
وليس هذا قصديا، وليس تصرّفًا
والأنظار المشئومة التي لا ترى هذا
أتلهف عليها، ولا تستحق التأسف
ولي حيرة معنوية في الغالب
وليس بياني في هذا السبيل تظرفًا
255. صفحة
وهل يُستكثَر التوافق عليه
وليس التفوق له تشرفًا
وَفَّقه المولى في أمور كثيرة
وهو توافق، وليس مقام توقف
أحمد غالب رحمة الله عليه
256. صفحة
فقرة المرحوم السيد الرائد عاصم
أقسم أنه صِدقٌ كلامه وأنه صادق
واللئام الذين لا يقبلون هذه الحقيقة ولا يصدقونها
يظلون في الضلال ووديان الخيبة مدى الدهر
وما المهارة إلا إرشاد هؤلاء وإنقاذهم
فإذا اهتدوا خضعوا واستسلموا حينها
لنضرع إلى المولى ونسأله إصلاح الجميع
لنقرأ الرسائل دومًا وهي أنوار القرآن ولنبلّغ عنها
حتى نستفيض منها في هذا الطريق وتنشرح صدورنا
وننال مرضاة البارئ في تبديل الفناء إلى البقاء
فقرة غالب الثمينة تستحق مائة ألف مدح
وهو غالب ولا شك بذكر هذه الحقائق
الرائد عاصم رحمة الله عليه
257. صفحة
المسألة الثامنة
وهي الرسالة الثامنة
هذه المسألة جواب عن "ستة أسئلة"، وهي عبارة عن "ثماني نكات"
النكتة الأولى: لقد أَحسَسْنا بكثير من أنواع الإشارات الغيبية حول استخدامنا في الخدمة القرآنية تحت العناية الإلهية، وقد أظهرنا بعضها بالفعل، وإشارة أخرى جديدة منها هي: أن في أكثر "الكلمات"([1]) توافقات غيبية([2]).
وعلى سبيل المثال؛ هناك إشارة إلى أن نوع تجلٍّ من تجليات الإعجاز يظهر في كلمة "الرسول الأكرم"، وفي عبارة "عليه الصلاة والسلام"، وفي لفظ "القرآن" المبارك، والإشارة الغيبية مهما كانت مخفية وضعيفة فهي مهمة جدًّا وقوية جدًّا في نظري لدلالتها على مقبولية الخدمة وحقانية المسائل؛ إذ تكسر غروري، وبينت بشكل قاطع أنني لست إلا ترجمانًا، ولا تدع لي شيئًا باعثًا على الافتخار، وإنما تُظهِر الأشياء التي تسوق إلى الشكر فحسب.
وبما أنها تخص القرآن، وتعد من إعجازه، ولم يتدخل فيها اختيارنا الجزئي قطّ، وتشجع المتكاسلين في الدعوة وتحثهم على العمل، وتورثنا قناعة بأن الرسالة حقّ، وهي نوع من الإكرام الإلهي لنا، وإظهارها تحدث بالنعمة، وتُسكِت المتمردين الذين انحدرت عقولهم إلى عيونهم؛ فلابد إذن من إظهارها وكشفها، ولا ضرر فيه إن شاء الله تعالى، وإحدى هذه الإشارات الغيبية هي:
إن الله سبحانه وتعالى قد وهب -من كمال رحمته وكرمه- لطافةً من نوع التوافقات الغيبية في جميع رسائلنا ولاسيما في رسالة "المعجزات الأحمدية" ورسالة "المعجزات القرآنية"، ورسالة "النوافذ"، تشجيعًا لنا نحن الذين ننشغل بخدمة القرآن والإيمان،
[1])) أي: رسائل النور.
[2])) أما التوافقات فهي إشارة إلى الاتفاق؛ وأما الاتفاق فهو أمارة على الاتحاد، وعلامة على الوحدة، وأما الوحدة فتدل على التوحيد، وأما التوحيد فهو أعظم أساس من أسس القرآن الأربعة. (المؤلف).
258. صفحة
وطَمْأَنةً لقلوبنا، في صورة إكرام رباني، وفضل إلهي كعلامة على قبول دعوتنا، وإشارة غيبية إلى حقانية ما ألّفناه، أي قد جعل سبحانه الكلمات المتماثلة تتناظر في الصفحة الواحدة.
وفي هذا إشارة غيبية تعني أنها تُنظَّم بإرادة غيبية، فلا تُعجبوا باختياركم وشعوركم، إنما هي نقوش بديعة وانتظامات خارقة تُنجَز دون أن يعلمها اختياركم وإرادتكم ويبلغها شعوركم، وبخاصة كلمة "الرسول الأكرم" وكلمة "الصلاة عليه" الواردة في "المعجزات الأحمدية" فقد أصبحت بمنزلة مرآة تبين صراحةً الإشارة إلى تلك التوافقات الغيبية؛ إذ في نسخة أحد المستنسخين الجدد المبتدئين يتناظر أكثر من مائتين من "الصلوات الشريفة" متوازيةً عدا ما في خمس صفحات.
أما هذه التوافقات فكما أنها ليست من فعل المصادفة التي لا شعور لها ولا وعي والتي قد تكون سببًا لتوافق كلمة أو كلمتين من بين عشر كلمات؛ كذلك فإنها ليست من فكر عاجز ضعيف مثلي، غير ماهر في الصنعة، يؤلف في ساعة أو ساعتين ما يقرب من أربعين صفحة بسرعة فائقة مركزًا في المعنى وحده، ولا يقدر على الكتابة، بل يملي على غيره، حيث اطلعت على تلك التوافقات بعد ست سنوات بإرشاد القرآن الكريم مرة أخرى، وإرشاد توافق لفظ "إذا" الذي توافق تسع مرات في تفسير "إشارات الإعجاز"، ولما سمعها المستنسخون مني تعجبوا، بل ذهلوا.
فكما أن لفظ "الرسول الأكرم"، ولفظ "عليه الصلاة والسلام" أصبحا مرآتين صغيرتين نوعًا ما لنوع من أنواع "المعجزات الأحمدية" في "المكتوب التاسع عشر"؛ كذلك فإن لفظ "القرآن" تجلى في صورة توافق غيبي هو جزء من أربعين جزءًا من المعجزات القرآنية للطبقة التي لا تعتمد إلا على عينها من بين طبقات البشر البالغة أربعين طبقة، في "الكلمة الخامسة والعشرين" وهي رسالة "المعجزات القرآنية"، وفي "الإشارة الثامنة عشرة" من "المكتوب التاسع عشر" وفي جميع الرسائل، كما ظهر جزء من أربعين جزءًا منكح ذلك الجزء في لفظ "القرآن"، وذلك:
259. صفحة
لقد تكرر لفظ "القرآن" مائة مرة في "الكلمة الخامسة والعشرين"، وفي "الإشارة الثامنة عشرة" من "المكتوب التاسع عشر"، وجميعها يناظر بعضها بعضًا ما عدا لفظاً أو لفظين.
وفي الصفحة الثالثة والأربعين من "الشعاع الثاني" -مثلا- تتناظر سبعة ألفاظ "القرآن" كلها، وفي الصفحة السادسة والخمسين تسعة من لفظ "القرآن" تتناظر ثمانية منها عدا اللفظ التاسع، وفي الصفحة التاسعة والستين التي أمام أعيننا خمسة من لفظ "القرآن" تتناظر كلها.
وهكذا فجميع ألفاظ "القرآن" المكررة في جميع الصفحات تتناظر كلها، ولا يستثنى إلا واحد من بين خمسة أو ستة منها.
أما التوافقات الأخرى، ففي الصفحة الثالثة والثلاثين التي أمامنا خمسة عشر لفظًا لـ"أم"، يتناظر أربعة عشر منها، وفي هذه الصفحة التي أمام أعيننا تسعة من لفظ "إيمان" وجميعها يتناظر، إلا أن واحدًا منها انحرف قليلا لوضع أحد المستنسخين فاصلة، وأيضًا في هذه الصفحة التي أمامنا لفظان من لفظ "المحبوب"، أحدهما في السطر الثالث، والآخر في السطر الخامس عشر وهما يتناظران بكمال الميزان، وقد صُفّت بينهما أربعة من لفظ "العشق" تتناظر، فلتُقَس التوافقات الغيبية الأخرى على هذه.
وهذه التوافقات الغيبية موجودة على كل حال في نسخ جميع المستنسخين أيًّا كان المستنسخ وكيفما كانت الأسطر والصفحات، بحيث لا تدع شبهة في أنها ليست من فعل المصادفة، ولا من تدبير المؤلف أو المستنسخين، ولكن التوافقات في خطوط بعض المستنسخين تلفت الأنظار أكثر، مما يعني أن لهذه الرسائل خطًّا حقيقيًّا خاصًّا بها، وبعض المستنسخين يقترب من ذلك الخط.
ومن الغرائب أن التوافقات تتجلى أكثر في نسخ المبتدئين، وليس في نسخ أمهر المستنسخين.
ويتبين من هذا أن الفضيلة والظرافة والمزية الموجودة في رسائل النور التي هي تفسير للقرآن نوعًا ما لا تعود إلى أحد، بل إن ألبسة الأساليب البديعة الموزونة التي تليق بالقامات المباركة للحقائق القرآنية الجميلة الرائعة لا تُفَصَّلُ ولا تُقْطَعُ باختيار أحد
260. صفحة
وشعوره ووعيه، وإنما وجودها يقتضي أن يكون كذلك، واليد الغيبية هي التي تفصلها حسب تلك القامة وتخلع عليها، أما نحن فلسنا إلا ترجمانا وخادماً فيها.
النكتة الرابعة: تذكرون في سؤالكم الأول الذي يتضمن عدة أسئلة:
كيف سيكون الجمع في ميدان الحشر؟ وهل سيحشر الناس عراة؟ وكيف نلتقي بالأحبة؟ وكيف نجد الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم للشفاعة؟ وكيف سيقابل الإنسان الواحد أفرادًا لا نهاية لهم؟ وكيف سيكون لباس أهل الجنة وأهل النار؟ ومن سيكون دليلنا هناك؟
الجواب: إن جواب هذا السؤال موجود في كتب الحديث في غاية الكمال والوضوح، ولكننا سنذكر نكتة أو نكتتين فقط حسب مسلكنا ومشربنا كما يلي:
أولا: لقد بُين في مكتوب من "المكتوبات": أن ميدان الحشر موجود في المدار السنوي لكرة الأرض، وأن الكرة الأرضية تُرسِل محاصيلها المعنوية من الآن إلى ألواح ذلك الميدان، وأنها بحركتها السنوية تمثل دائرة وجود، وتكون مبدأً لتكون ميدان حشر بمحاصيل تلك الدائرة، وأن هذه السفينة الربانية التي يطلق عليها الكرة الأرضية ستفرغ جهنم الصغرى التي في مركزها وجوفها إلى جهنم الكبرى، كما ستفرغ سكانها كذلك إلى ميدان الحشر.
ثانيًا: لقد أُثبت وجود ذلك الحشر مع ميدانه إثباتًا قاطعًا في رسائل أخرى وفي مقدمتها "الكلمة العاشرة" و"الكلمة التاسعة والعشرون".
ثالثًا: أما المقابلة، فقد أثبت إثباتًا قاطعًا في "الكلمة السادسة عشرة" و"الكلمة الحادية والثلاثين" و"الكلمة الثانية والثلاثين" أن شخصًا واحدًا يمكن أن يكون في دقيقة واحدة في آلاف الأماكن بسر النورانية، ويمكن أن يلتقي بآلاف الأشخاص.
رابعًا: إن الله سبحانه وتعالى قد ألبس مخلوقاته ذات الروح عدا الإنسان لباسًا فطريًّا، فمن مقتضى اسم "الحكيم" أن يلبس الإنسان في ميدان الحشر لباسًا فطريًّا وهو عارٍ من لباسه المصنوع، أما الحكمة من اللباس المصنوع في الدنيا فلا تنحصر في الحفاظ من القرّ والحرّ، ولا في الزينة ولا ستر العورة، بل إن حكمة مهمة له هي أنه بمنزلة فهرس وقائمة تشير إلى تصرف الإنسان في الأنواع الأخرى من المخلوقات
261. صفحة
وإلى علاقاته معها وسيادته عليها وقيادته لها، وإلا لكان في الإمكان إلباسه لباسًا فطريًّا بسيطًا رخيصًا؛ لأنه لولا هذه الحكمة لكان الإنسان الذي يلف جسمه بالخرق والرقع ويلبسها موضع سخرية في نظر الحيوانات الشاعرة ومدار استهزاءٍ بالنسبة لها، ويكون أضحوكة لها معنى، أما في ميدان الحشر فلا حاجة إلى تلك الحكمة والعلاقة، وينبغي ألا توجد في تلك القائمة.
خامسًا: أما المرشد لأمثالك الذين ينضوون تحت نور القرآن فهو القرآن ، فانظر إلى السور التي تبدأ بـ"ألم"، و"ألر"، و"حم"، واعلم منها وأبصر كيف أن القرآن شفيع مقبول، ومرشد صادق، ونور قدسي.
سادسًا: أما لباس أهل الجنة وأهل جهنم، فإن الدستور الذي بُيِّن في "الكلمة الثامنة والعشرين"، والذي يوضح أن الحور العين يلبسن سبعين حلة جارٍ هنا أيضًا، وذلك:
أن فردًا من أهل الجنة لا بد أنه يرغب ويشتهي أن يستفيد بكل نوع من أنواع نعم الجنة في كل حين، والجنة لها أنواع مختلفة جدًّا من المحاسن، وله مباشرةٌ بجميع أنواع نعم الجنة كل حين وآن، إذن فإنه يَلبس ويُلبِس ما وُهِب له من الحور العين نماذجَ محاسنِ الجنة بمقياسٍ صغير، ويصبح هو وما وُهِب له من الحور العين بمنزلة جنة صغيرة.
فكما أن الإنسان يجمع في حديقته الصغيرة أنواع الزهور المنتشرة في بلد ما كنموذج، ويجمع صاحب الدكان جميع ما في سلعه وبضائعه من نماذج في قائمة واحدة، ويتخذ الإنسان نماذج أنواع المخلوقات التي يتصرف فيها ويملكها ويرتبط بها ملابس له وأثاثًا لبيته؛ فكذلك الفرد من أهل الجنة، ولاسيما إن كان قد عبد الله تعالى بجميع حواسه وأجهزته المعنوية واستحق أن ينال ملذات الجنة ونعيمها، سيُلبَس من قبل الرحمة الإلهية هو وما وُهِب له من الحور العين لباسًا يُظهِر كل حسن من محاسن كل نوع من أنواع نعيم الجنة بحيث يُشبِع جميع حواسه، ويلاطف كل جهاز من أجهزته، ويمتع كل لطيفة من لطائفه؛ والدليل على أن تلك الحلل المتعددة ليست من جنسٍ واحد، ولا من نوعٍ واحد هو الحديث الشريف بمعنى: أن الحور العين يُرَى مخّ سيقانهن مع أنهن يلبسن سبعين حلة، ولا تستر مُخّها([1])؛ أي: إن هناك
[1])) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله عز وجل: ﴿كَأَنَّهُنَّ اليَاقُوتُ وَالمَرْجَانُ﴾ قال: "ينظر إلى وجهه في خدها أصفى من المرآة وإن أدنى لؤلؤة عليها لتضيء ما بين المشرق والمغرب، وإنها يكون عليها سبعون ثوبا ينفذها بصره حتى يرى مخ ساقها من وراء ذلك"، رواه الحاكم برقم3774، وانظر صحيح ابن حبان رقم 7397، وسنن الترمذي رقم 2522، ومصنف عبد الرزاق رقم 20866، ومسند الإمام أحمد بن حنبل رقم 8523 و11142، والمعجم الأوسط للطبراني رقم 915 وفي الكبير 8864.
262. صفحة
مراتب بدءًا من أعلى حلة وانتهاء إلى أدناها تُمتّع وتشبع الحواس والمشاعر بمحاسن متنوعة وبطرز مختلفة.
أما أهل جهنم فإنهم قد ارتكبوا الآثام بأبصارهم، وآذانهم، وقلوبهم، وأيديهم، وعقولهم وبجميع جهازاتهم؛ فلا بد أن إلباسهم ملابس تناسب تلك الأعضاء مصنوعةً من قطع مختلفة الأجناس تؤلمهم وتعذبهم وتصبح جهنم صغيرة لهم؛ لا يتنافى مع الحكمة والعدالة.
النكتة الخامسة: تسألون: هل كان أجداد الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام يدينون بدين ما في زمن الفترة؟
الجواب: هناك روايات تدل على أنهم كانوا يدينون ببقية دين إبراهيم عليه السلام التي ظلت فيما بعد تحت ستار الغفلة والظلمات المعنوية، وكان بعض الناس الخاصين يدينون بها، فلا شك أن الأفراد الذين انحدروا من ذرية سيدنا إبراهيم عليه السلام، وشكّلوا سلسلةً نورانية أنتجت الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام؛ لم يبقوا غير مبالين بنور الدين الحقّ، ولم يظلوا مغلوبين أمام ظلمات الكفر، وإن أهل الفترة هم أهل النجاة بسرّ ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾(الإسراء:15)، فلا يؤاخذون على خطاياهم في الفروع بالاتفاق، بل هم أهل النجاة عند الإمام الشافعي والإمام الأشعري حتى لو دخلوا في الكفر وليس لهم أصول الإيمان؛ لأن التكليف الإلهي إنما يكون بإرسال الرسل، ويتقرر التكليف بمعرفة الإرسال، وبما أن الغفلة ومرور الزمان ستَرَا أديان الأنبياء السالفين؛ فلا تكون هذه الأديان حجةً على زمن أهل الفترة، فإن أطاعوا يثابوا/أثيبوا، وإن لم يطيعوا فلن يعذَّبوا؛ لأنها ظلت مخفية فلا تكون حجةً عليهم.
النكتة السادسة: تقولون: هل جاء نبيٌّ من أجداد الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام؟
263. صفحة
الجواب: ليس هناك نصٌّ قاطع على أنه جاء نبي من أجداد عليه الصلاة والسلام بعد إسماعيل عليه السلام، ولكن جاء نبيان من غير أجداده وهما خالد بن سنان([1])، وحنظلة([2])، وهناك شعر مشهور وصريح لكعب بن لؤي وهو أحد أجداد الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام يقول فيه ناصًّا على ذلك:
على غفلة يأتي النبي محمد فيخبر أخبارًا صدوقًا خبيرها([3])
وهذا الكلام يشبه كلاما معجزًا نبويًّا.
وقد قال الإمام الرباني مستندًا إلى الأدلة والكشف: لقد بُعث أنبياء كثيرون في الهند، ولكن بعضهم لم تكن له أمةٌ، أو انحصر أتباعهم في بضع أشخاصٍ محدودين، ولم يشتهر هؤلاء الأنبياء، أو لم يُطلَق عليهم اسم النبي، فبناء على دستور الإمام هذا يمكن وجود أنبياءٍ أمثال هؤلاء في أجداده النبي صلى الله عليه وسلم.
النكتة السابعة: تقولون: ما أقوى الأخبار وأصحها عن إيمان أبوي الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام وجده عبد المطلب؟
الجواب: إن سعيدًا الجديد ليست معه كتب أخرى غير القرآن الكريم منذ عشر سنوات، ويقول: القرآن الكريم يكفيني، ولا يسعني الوقت أن أدقق وأبحث عن مثل هذه المسائل الفرعية في جميع كتب الحديث فأكتب أقوى الأخبار، ولكني أقول بهذا القدر: إن أبوي الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام من أهل النجاة، ومن أهل الجنة،
[1])) خالد بن سنان:؟؟؟؟
[2])) حنظلة: ؟؟؟؟؟؟
[3])) هو كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر. وهو إنه أول من قال أما بعد. وتروى له قصيدة بشر فيها بالنبي صلى الله عليه: على غفلة يأتي النبي محمد فيخبر أخبارًا صدوقًا خبيرها.
ثم قال وايم الله لو كنت فيها ذا سمع وبصر ويد ورجل لتنصبت فيا تنصب الجمل ولأرقلت فيها إرقال الفحل.(انظر سيرة ابن هشام، ج 1، ص 167، والشفاء بتعريف حقوق المصطفى، ج 1، ص 37).
264. صفحة
ومن أهل الإيمان، ولابد أن الله سبحانه وتعالى لا يجرح القلب المبارك لحبيبه الأكرم r، ولا يجرح شفقة البنوة الشديدة التي يحملها هذا القلب تجاه أبويه.
فإن قيل: إذا كان الأمر كذلك فلِمَ لم يوفَّقوا للإيمان بالرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام؟ ولِمَ لم يدركوا البعثة؟
الجواب: إن الله تعالى بكرمه لا يريد أن يجعل والدي حبيبه الأكرم r تحت المنة، إرضاءً لمشاعر البنوة للرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام تجاه أبويه، وقد اقتضت رحمته أن يضمهما تحت منة ربوبيته المحضة لكيلا ينزلهما من مرتبة الوالد والوالدة إلى مرتبة الأولاد المعنويين، وكي يسعدهما ويرضي حبيبه الأكرم r، ولم يجعل والديه وجده من أمته ظاهرًا، ولكنه منّ عليهم محامد الأمة وفضائلها وسعادتها.
أجل؛ لو دخل على مشيرٍ عظيم والده الذي هو برتبة النقيب لأصبح تحت تأثير شعورين متناقضين، والسلطان رحمة بمشيره الكريم لا يجعل والده تحت إمرته.
النكتة الثامنة: تقولون: ما الأصح في إيمان عمه أبي طالب؟
الجواب: إن أهل التشيع يقولون بإيمانه، أما أهل السنة فأكثرهم ليسوا قائلين بإيمانه، ولكن الذي ورد إلى قلبي هو:
إن أبا طالب كان يحب شخص الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام حبًّا جمًّا، لا رسالته، فلابد أن شفقته ومحبته الشخصية الخالصة الشديدة لن تذهب سدى ولن تضيع.
أجل؛ إن أبا طالب الذي قد أحب حبيب الله الأكرمَ حبًّا خالصًا، وحماه ووالاه ونصره، حتى لو صار إلى جهنم لعُدَّ إيمانه إيمانا مقبولا ليس بسبب الإنكار والعناد، بل بناء على الخجل والعصبية القومية وغيرها من المشاعر والأحاسيس؛ فإن الله تعالى يمكن أن يخلق له جنة خاصة به في جهنم مكافأةً له على حسناته، ويمكن أن يحوِّل جهنم خاصة إلى جنةٍ خاصة مثلما يخلق الربيع في الشتاء في بعض الأماكن، ويبدل السجن إلى القصر لبعض الناس بواسطة النوم في السجن.
والعِلْمُ عِنْدَ اللهِ، وَلاَ يَعْلَمُ الغَيْبَ إِلاّ الله.
سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلاّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ


