المكتوب الثاني
التنقل
10. صفحة
المكتوب الثاني
جزء من الجواب الذي كتبه بمناسبة هدية قُدِّمت إليه من قبل أحد تلامذته المعروفين([1]).
ثالثًا: لقد أَرْسلتَ إليَّ هديةً، وتريد أن تخل بمبدأ مهمّ جدًّا من مبادئي، إنني لا أقول: لا أقبل منك مثلما لا أقبل من شقيقي عبد المجيد وابن أخي عبد الرحمن؛ لأنك أسبق منهما وأقرب إلى روحي، فإن رُدَّتْ هدية كل واحد فلا تُرَدُّ هديتك أنت على أن تكون مرة واحدة، إلا أنني سأذكر بهذه المناسبة سر مبدئي هذا كما يلي:
كان سعيد القديم لا يدخل تحت منة أحد، وكان يفضل الموت على أن يدخل تحت المنة، ولم يخلّ بمبدئه هذا على الرغم من أنه عانى كثيرًا، فخصلة سعيد القديم التي ورثها منه أخوك المسكين هذا ليست تزهدًا ولا استغناءً مصطنعًا متكلفًا، بل تستند إلى بضعة أسبابٍ مهمة وجادّة:
أولها: إن أهل الضلالة يتهمون أهل العلم باتخاذ العلم وسيلة لجمع الأموال، ويهجمون عليهم بغير حقّ، وبلا إنصاف، قائلين "إنهم يتخذون العلم والدين وسيلة عيش لهم"، فلابد من تكذيب هؤلاء تكذيبًا فعليًّا.
ثانيها: إننا مكلَّفون باتّباع الأنبياء في نشر الحق وتبليغه، والذين ينشرون الحق ويبلغونه أظهروا الاستغناء عن الناس قائلين مرارًا وتكرارًا ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى اللهِ﴾ (هود: 29) كما ورد في القرآن الحكيم، والآية الكريمة في سورة يس ﴿اتَّبِعُوا مَن لاّ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾(يس:21) لها معانٍ جليلة حكيمة حول مسألتنا هذه.
ثالثها: يجب الأخذ باسم الله تعالى والإعطاء باسم الله تعالى كما بُيِّن في "الكلمة الأولى([2])"، ولكن الواقع -في الغالب- إما أن المعطي غافلٌ يعطي باسمه هو فيمتَنّ
([1]) وهو العقيد "خلوصي يحيى كِيلْ" من أوائل تلامذة الإمام النورسي.
([2]) من كتاب "الكلمات".
11. صفحة
ضمنًا، أو أن الآخذ غافل يقدم الشكر والثناء الخاصين بالمنعم الحقيقي إلى الأسباب الظاهرية فيخطئ.
رابعها: إن التوكل والقناعة والاقتصاد كنزٌ وثروة لا يُستبدَل بها شيء آخر، فلا أريد أن أغلق تلك الخزائن والكنوز والدفائن التي لا تنفد بأخذ المال من الناس.
أشكر الرزّاق ذا الجلال بمئات الآلاف من الشكر على أنه لم يضطرني إلى أن أدخل تحت المنة والذل منذ صغري، وأرجو من رحمته تعالى استنادًا إلى كرمه أن يُمضي بقية عمري بهذا المبدأ.
خامسها: لقد حصلت لديّ قناعةٌ قاطعة منذ بضع سنين -بكثير من الأمارات والتجارب- أنه ليس مسموحًا لي أن آخذ هدايا الناس ولاسيما الأغنياء والموظفين، حيث إن بعضها يتسبب في بعض المشكلات المادية والمعنوية لديّ، بل ربما هذه الحالة سوق إلهي لكيلا آكلها، أي يحولها ربنا أحيانًا إلى حالةٍ مضرة لي، فهو إذن أمر -معنىً- بعدم أخذ مال الغير، ونهي عن الأخذ.
ثم إن لدي استيحاشًا من الناس، فلا أستطيع أن أقبل زيارة كل واحد في كل وقت، فقبول هدايا الناس يجبرني على مراعاة خواطرهم وألا أكسرها، فأقبلهم في وقتٍ لا أريد فيه مقابلتهم، وهذا ما أكرهه ولا أحبه.
ثم إنه يطيب لي أن آكل قطعةً من رغيف يابس وألبس ثوبًا مرقعًا بمائة رقعة ينقذانني من التملق والتصنع، ولا يطيب لي أن آكل ألذ وأطيب بقلاوة الآخرين وألبس أفخر ثيابهم فأضطرَّ إلى مراعاة خاطرهم ومشاعرهم.
سادسها: إن أهم أسباب استغنائي عن الناس هو أن الإمام ابن حجر([1]) الذي هو من أوثق الأئمة في مذهبنا يقول: يَحرُم قبول شيء يعطى لك بنية الصلاح إن لم تكن صالحًا، فالناس في هذا الزمان يبيعون هداياهم الصغيرة غاليةً باهظةً بسبب الحرص والطمع، فيحسبون شخصًا مذنبًا مسكينًا عاجزًا مثلي رجلا صالحًا أو وليًّا من الأولياء،
[1])) ابن حجر (909-974هـ) هو أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي السعدي الأنصاري، شهاب الدين شيخ الاسلام، أبو العباس: فقيه مصري، مولده في محلة أبي الهيتم من إقليم الغربية بمصر وإليها نسبته.
12. صفحة
، ثم يعطونني رغيفًا هدية، فلو اعتقدت -حاشا- أني صالح فذلك علامة الغرور ودليلٌ على عدم الصلاح، وإن لم أعتقد أني صالح فإن قبول ذلك المال غير جائز.
ثم إن أخذ الصدقات والهدايا مقابل الأعمال المتوجهة إلى الآخرة، يعني أكل الثمرات الباقية الخالدة للآخرة بصورةٍ فانية في الدنيا.
الباقي هو الباقي
سعيد النورسي
[1])) من كتاب "الكلمات".
[1])) ابن حجر (909-974هـ) هو أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي السعدي الأنصاري، شهاب الدين شيخ الاسلام، أبو العباس: فقيه مصري، مولده في محلة أبي الهيتم من إقليم الغربية بمصر وإليها نسبته


