المكتوب الثاني عشر:
التنقل
42. صفحة
المكتوب الثاني عشر
باسمه
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم وعلى رفقائكم،
إخواني الأعزاء،
لقد سألتموني تلك الليلة سؤالا ولكني لم أجب عنه؛ لأن البحث في المسائل الإيمانية وتناولها بصورة مجادلة غيرُ جائز، وقد تناولتم الموضوع وبحثتم فيه بصورة المجادلة، والآن أكتب جوابًا في غاية الاختصار عن "أسئلتكم الثلاثة" التي هي أساس مجادلتكم، وتجدون تفصيله في "الكلمات"([1]) التي كتب أسماءها السيد الصيدلاني، إلا أن "الكلمة السادسة والعشرين" الخاصة بالقدر والجزء الاختياري لم تكن قد خطرت ببالي، ولم أخبرْكم بها، فانظروا فيها أيضًا، ولكن لا تقرءوها كقراءة الصحف والجرائد.
والسر في إحالتي السيد الصيدلاني إلى مطالعة تلك "الكلمات" هو أن الشبهات المشككة في مثل هذا النوع من المسائل إنما تنشأ عن ضعف الأركان الإيمانية لدى المرء، فتلك "الكلمات" تثبت أركان الإيمان إثباتًا قاطعًا.
سؤالكم الأول: ما الحكمة في إخراج سيدنا آدم من الجنة وإدخال بعضٍ من بني آدم في جهنم؟
الجواب: حكمته التوظيف، فقد بُعِث موظفًا بوظيفة، بحيث إن جميع ترقيات البشر المعنوية، وانبساط جميع استعدادات البشر وظهورها وانكشافها، وكون الماهية الإنسانية مرآةً جامعة لجميع الأسماء الإلهية؛ كل ذلك من نتائج تلك الوظيفة، فلو ظل سيدنا آدم u في الجنة لكان مقامه ثابتًا مثل الملائكة، ولما انكشفت الاستعدادات البشرية، بينما الملائكة الذين لهم مقام ثابت مطرد كثيرون، فلا حاجة للإنسان إلى مثل
[1])) أي "رسائل النور".
43. صفحة
هذه العبودية، بل الحكمة الإلهية اقتضت وجود دار تكليف تنسجم مع استعداد الإنسان الذي سيقطع مقامات لا نهاية لها؛ لذا أُخرج سيدنا آدم u بالخطيئة المعروفة التي هي من مقتضى فطرة البشر بخلاف الملائكة؛ إذن إن إخراج سيدنا آدم u من الجنة عين الحكمة ومحض الرحمة، كما أن إدخال الكفار في جهنم حقٌّ وعدل.
والكافر -كما قيل في "الإشارة الثالثة" من "الكلمة العاشرة"- مع أنه يرتكب ذنبًا واحدًا في عمر قصير، فإن في ذلك الذنب جريمةً لا نهاية لها؛ ذلك لأن الكفر تحقيرٌ لجميع الكائنات وإهانة لها، وحطٌّ من شأنها وقيمتها، وتكذيبٌ لشهادات جميع المصنوعات على الوحدانية، وتزييفٌ للأسماء الإلهية التي تَظهر تجلياتُها في مرايا الموجودات، ولهذا فإن إلقاء القهار ذي الجلال -الذي هو سلطانُ جميع الموجودات- الكفارَ في جهنم خالدين فيها كي يأخذ حقوق الموجودات منهم هو عين الحق والعدالة؛ إذ إن جريمة لا نهاية لها تقتضي عذابًا لا نهاية له.
سؤالكم الثاني: لماذا خُلقت الشياطين وأُوجِدتْ؟ وما الحكمة من خلق الله تعالى الشرورَ والشياطين؛ إذ خلقُ الشر شرٌّ، وخلقُ القبيح قبيحٌ؟
الجواب: حاشاه تعالى! ليس خلقُ الشر شرًّا، بل كسب الشرّ شرٌّ؛ ذلك لأن الخلق والإيجاد يتعلقان بكل النتائج، ولكن الكسب ولأنه مباشرةٌ خاصة؛ فيتعلق بنتائج خاصة؛ فمثلا:
إن لنزول المطر آلافًا من النتائج، وكلها جميلة طيبة، فإنْ تضرر البعض من المطر بسوء اختيارهم فلا يحق لهم أن يقولوا إن إيجاد المطر ليس برحمة، ولا يحق لهم أن يحكموا بأن خلق المطر شرٌّ، بل صار شرًّا في حقه بسوء اختياره وكسبه.
وفي خلق النار كذلك فوائد جمة، وكلها خير، ولكن إذا تضرر بعض الناس من النار بسوء كسبه وسوء استعماله، فلا يحق له أن يقول إن خلق النار شر؛ لأن النار لم تخلق كي تحرقه هو فقط، بل إنه هو الذي أدخل يده بسوء اختياره في النار التي تطبخ له طعامه، وجعل خادمته تلك عدُوًّا له.
الحاصل:
إنه من أجل الحصول على خيرٍ كثير يُقبَل شرٌّ قليل، فإنْ تُرك شرٌّ ينتج خيرًا كثيرًا لكيلا يحدث شرٌّ قليل فهذا يعني ارتكاب شر كثير، فمثلا:
44. صفحة
عند سوق الجنود إلى الجهاد لابد من وقوع بعض الأضرار والشرور الجزئية المادية والبدنية، ولكن في هذا الجهاد خيرًا كثيرًا، حيث تنجو بلاد المسلمين من استيلاء الكفار، فإنْ تُرك الجهاد تجنبًا لوقوع ذلك الشر القليل، فحينئذ يأتي الشر الكثير بعد ذهاب الخير الكثير، وهو عين الظلم، فمثلا:
إنّ قطع أصبع أصيب بالغرغرينة ولابد من قطعه؛ خير ونفع، والحال أنه شرّ في الظاهر، ولكن إن لم يقطع ذلك الأصبع فستُقطَع اليد كلها، ويحدث الشر الكثير؛ كذلك فإن خلق الشرور والأضرار والبلايا والشياطين والأشياء المضرة وإيجادَها ليس شرًّا ولا قبيحًا؛ لأنها خُلقت من أجل نتائج مهمة كثيرة.
فالملائكة -مثلا- ليست لهم ترقيات لعدم تلسط الشياطين عليهم، ومقامهم ثابت لا يتبدل، وكذلك مرتبة الحيوانات ثابتةٌ ناقصة لعدم تسلط الشياطين عليها.
أما في عالم الإنسان فلا نهاية لمراتب الترقي والتدني، فهناك مسافة طويلة جدًّا للترقي بدءًا من النماردة والفراعنة وانتهاء إلى الصِّدِّيقين والأولياء والأنبياء عليهم السلام، وهكذا فقد فُتح ميدان امتحان واختبار وجهاد وسباق بخلق الشياطين وسر التكليف وبَعْثِ الأنبياء -عليهم السلام- لتمييز الأرواح السافلة التي هي كالفحم وتفريقها من الأرواح العالية التي هي كالألماس، فلو لم تكن المجاهدة ولم تكن المسابقة لتساوت الاستعدادات التي في معدن الإنسانية والتي هي بمنزلة الفحم والألماس، ولتساوت روح سيدنا أبي بكر الصديق رضى الله عنه التي هي في أعلى عليين مع روح أبي جهل التي هي في أسفل سافلين، فخلق الشياطين والشرور وإيجادها إذن ليس شرًّا ولا قبيحًا؛ لأنه يتعلق بالنتائج الكلية العظيمة، بل إن الشرور والقبائح والسيئات الناشئة عن سوء الاستعمالات والمباشرة الخاصة التي تسمى بالكسب تعود إلى كسب الإنسان، وليس إلى الإيجاد الإلهي.
45. صفحة
فإن سألتم:
إن أكثر الناس يكونون كفارًا بسبب إيجاد الشياطين على الرغم من بَعْثِ الأنبياء عليهم السلام، ويسلكون مسلك الكفر ويتضررون، وإذا تضررت الغالبية حسب قاعدة "الحكمُ للأكثر" فعندها يكون خلق الشر شرًّا، بل يمكن القول إن إرسال الأنبياء ليس برحمة!!
فالجواب: لا أهمية للكمية بالنسبة إلى الكيفية، بل الأكثرية الحقيقية هي في الكيفية والنوعية، فمثلا:
لو كان هناك مائةٌ من نوى التمر، فإن لم توضَع تحت التراب، ولم تُسقَ بالماء، ولم تَجِد التفاعلات الكيمياوية، ولم تتعرض للمجاهدة الحياتية؛ فإنها تكون مائة نواة بقيمة مائة درهم، ولكن إذا سقيت بالماء، وتعرضت للمجاهدة الحياتية فتفسخ ثمانون منها لسوء مزاجها وطبيعتها، وصار عشرون منها عشرين نخلةً مثمرة، فهل يمكنك أن تقول: "لقد صار السَّقْيُ شرًّا، وأفسد أكثرها"؟ لاريب أنك لا تستطيع أن تنطق بذلك؛ لأن تلك العشرين أصبحت كعشرين ألفًا، فالذي يفقد الثمانين ويكسب عشرين ألفًا لا يخسر، ولا يكون ذلك شرًّا.
ومثلا: لو كان للطاوس مائة بيضة، فإنها تساوي خمسمائة قرش، ولكن إذا حضن الطاوس تلك المائة البيضة ففسد ثمانون، وأصبح عشرون منها عشرين طاوسًا، فهل يمكن القول في هذه الحالة لقد حدثت خسارة كبيرة، وصارت هذه التفاعلات شرًّا، والحضانة قبحًا؟! كلا! لم تكن كذلك، بل هي خير؛ لأن أمة الطاوس وطائفة البيض قد خسرت ثمانين بيضة بقيمة أربعمائة قرش، ولكنها كسبت عشرين طاوسًا بقيمة ثمانين ليرةً.
وكذلك نوع البشر خسر الكفارَ والمنافقين الكثيرين كميةً، والذين هم من نوع الحيوانات المضرة التافهة نوعيةً وكيفيةً، مقابل ما كسب ببعثة الأنبياء عليهم السلام وبسر التكليف والمجاهدة ومحاربة الشياطين من شموس عالم الإنسانية وأقمارها ونجومها وهم مئات الآلاف من الأنبياء والملايين من الأولياء والبلايين من الأصفياء.
سؤالكم الثالث: إن الله تعالى ينزل المصائب ويسلط البلايا، أليس هذا ظلمًا، ولاسيما في حق الأبرياء، بل حتى الحيوانات؟
46. صفحة
الجواب: حاشا! فالملك ملكه، ويتصرف في ملكه كيف يشاء، فإذا جعلك مصممُ أزياءٍ ماهرٌ نموذجًا لقاءَ أجرٍ معين، وألبسك لباسًا مرصعًا فصَّله بمهارةٍ فائقة، ويقصره ويطوله ويقطعه ويجلسك ويُنهضك كي يظهر مهارته وإبداعه، فهل يمكنك أن تقول له: إنك تفسد وتشوه اللباس الذي يجمّلني، وتتعبني بأمرك لي بالقعود والنهوض؟ لاشك أنك لا تستطيع قول ذلك، وإن قلت فإنك ترتكب حماقة! كذلك فقد خلع الصانع ذو الجلال عليك جسمًا متقنًا بديعًا جدًّا مرصعًا بحواسَّ كالعين والأذن واللسان، فهو يُمْرضك، ويبتليك، ويجوِّعك، ويشبعك، ويظمئك، ويقلبك في مثل هذه الأحوال كي يظهر نقوش أسمائه المتنوعة، وينقلك بين أحوال كثيرةٍ مثل هذه ليقوي ماهية الحياة، ويبين ويظهر تجليات أسمائه الحسنى، فإن قلت: لِمَ تبتليني بهذه المصائب؟ فإنّ مائة حكمة تسكتك كما أشير في المثال؛ إذ إن السكون والهدوء والعطالة والبطالة والرتابة والتوقف نوعٌ من العدم ومضر، أما الحركة والتبدل فوجودٌ وخير، فالحياة بالحركة تبلغ الكمال، وتترقى بالبلايا، وتنال حركات مختلفة بتجليات الأسماء، فتصفو وتخلص، وتتقوى، وتنكشف وتنبسط، وتصبح قلمًا متحركًا يكتب مقدَّراتها، وتؤدي وظيفتها، وتستحق الأجر الأخروي.
وهذه هي الإجابات المختصرة عن أسئلتكم الثلاث التي دارت مجادلتكم حولها، وإيضاحها موجود في "الكلمات" الثلاث والثلاثين.
أخي العزيز، اقرأ هذه الرسالة على الصيدلاني، وعلى من تراه مناسبًا ممن سمعوا المجادلة، وبلّغ سلامي للصيدلاني الذي هو تلميذ جديد لي، وقل له: "لا يجوز تناول المسائل الإيمانية الدقيقة بين الجماعة كالمسألة المذكورة بصورة جدال بلا ميزان، ؛ إذ يصبح ذلك سمًّا بدل أن يكون ترياقًا، لأنه جدال بلا ميزان، وهو ضرر للمتكلمين والمستمعين، وإنما يجوز تناول مثل هذه المسائل الإيمانية بهدوء وسكون، وبطريقة منصفة وفي صورة تداول للأفكار والآراء"، وقل له أيضًا: "إن ساورت قلبه شبهاتٌ وشكوك في مثل هذه المسائل ولم يجد جوابًا لها في "الكلمات" فليكتب إليَّ رسالة خاصة، وقل له أيضًا: "لقد ورد إلى خاطري هذا المعنى حول الرؤيا التي رآها في حق أبيه:
47. صفحة
لقد كان أبوه المرحوم طبيبًا فنفع كثيرًا من الناس الصالحين والأخيار، بل ربما الأولياء؛ وأرواح أولئك الصالحين -الذين رضوا عنه وانتفعوا به- ظهرت كطيورٍ في أثناء وفاته لأقرب أقربائه وهو ابنه، وأنها استقبلت روحه مرحِّبةً بها كشفاعة لها، وأحيّي جميع من كانوا هنا معًا في تلك الليلة من الأصدقاء، وأدعو لهم.
الباقي هو الباقي
س.ع


