المكتوب التاسع
التنقل
32. صفحة
المكتوب التاسع
باسمه
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
جزء من رسالة أرسلها إلى تلميذه المخلص ذلك،
........
ثانيًا: إن توفيقك وجدّك وشوقك في نشر الأنوار القرآنية هو إكرامٌ إلهي، بل كرامةٌ قرآنية وعناية ربانية، وإني أهنئك، ولمناسبة الحديث عن الكرامة والإكرام والعناية سأذكر فرقًا بين الكرامة والإكرام فيما يلي:
إن إظهار الكرامة ضررٌ إن لم تكن ضرورة لإظهارها، أما إظهار الإكرام فهو تحدث بالنعمة، فإذا ظهر على يد شخصٍ متشرف بالكرامة أمر خارق وهو يعلم ذلك؛ فإن كانت نفسه الأمارة باقية، فقد يكون ذلك استدراجًا من حيث اعتداده بنفسه واعتماده عليها وعلى كشفه وكرامته ووقوعه في الغرور.
ولكن إذا ما ظهر لديه أمرٌ خارق وهو لا يعلم، كأن يكون في قلب أحد سؤالٌ، فيجيب هو جوابًا موافقًا من نوع الإنطاق بالحق، ثم يدرك حاله هذه، فيزداد اعتماده على ربه لا على نفسه بعد إدراكه الأمر، ويقول: إن لي حافظًا يربيني أكثر مني، فيزيده هذا توكلا على ربه؛ فهذا القسم كرامةٌ لا خطورة فيها، وصاحبها ليس مكلَّفًا بإخفائها، ولكن ينبغي ألا يسعى إلى إظهارها عن قصد من أجل الافتخار؛ لأنه قد ينسبها إلى نفسه لِما لكسب الإنسان من دخل فيها ظاهرًا.
أما الإكرام فهو أسلم من نوع الكرامة الثاني السليم، بل هو أعلى منه عندي، وإظهاره تحدث بالنعمة، فليس للكسب دخلٌ فيه، ولا تنسبه نفسه إلى ذاتها.
فيا أخي، إن ما رأيتُه وكتبته من إحساناتٍ وإنعامات إلهية منذ أمد بعيد فيما يخصك ويخصني ولاسيما فيما يخص القرآن في دعوتنا هو إكرامٌ إلهي، وإظهاره تحدث بالنعمة؛
33. صفحة
لذا أكتب إليك توفيقنا نحن الاثنين في دعوتنا من نوع التحدث بالنعمة، وكنت أعلم أن ذلك يثير فيك نوازع الشكر وليس الفخر.
ثالثًا: أرى أن أسعد إنسان في هذه الحياة الدنيا هو من يعتبر أن الدنيا دار ضيافة للتجنيد، ويعتقد أنها كذلك، ويتصرف ويعمل وفق ذلك التصور، وبهذا الاعتقاد يستطيع أن ينال بسرعةٍ مرتبة الرضا التي هي أعظم مرتبة، ولا يعطي الزجاج القابل للكسر ثمن الألماس الدائم، فيقضي حياته في استقامةٍ ولذة.
أجل؛ إن أمور الدنيا بمنزلة الزجاج المحكوم عليه بالكسر، أما الأمور الأخروية الباقية فهي بقيمة الألماس القوي المحكم جدًّا، فما في فطرة الإنسان من مشاعر وأحاسيس شديدة مثل حب الاستطلاع الشديد، والمحبة الشديدة، والحرص القوي، والطلب المُلِحّ إنما وُهبت لكسب الأمور الأخروية؛ لذا فإن توجيه تلك المشاعر والأحاسيس بشدة نحو الأمور الدنيوية الفانية يعني إعطاء الزجاج القابل للكسر ثمن الألماس الباقي، وبهذه المناسبة وردت نكتةٌ إلى الخاطر، وسأذكرها، وهي:
إن العشق محبةٌ شديدة، فإذا توجه إلى المحبوبات الفانية فإما أنه يترك صاحبه في العذاب والألم الدائم، وإما أنه يسوق صاحبه إلى البحث عن محبوبٍ باق، حيث إن ذلك المحبوب المجازي لا يستحق تلك المحبة الشديدة، وعندها ينقلب العشق المجازي إلى العشق الحقيقي.
ففي الإنسان آلاف من المشاعر والأحاسيس، فلكل واحدٍ منها مرتبتان كما للعشق، إحداهما مجازية، والأخرى حقيقية، فمثلا:
إن الشعور بالقلق على المستقبل موجودٌ في كل إنسان، فحينما يقلق قلقًا شديدًا يجد أنه ليست في يده وثيقة ولا سند للبلوغ إلى ذلك المستقبل الذي يقلق عليه.
ثم إن المستقبل القصير الذي هو تحت الضمان من ناحية الرزق لا يستحق ذلك القلق الشديد، ولذلك يصرف وجهه عنه، ويتوجه إلى ما وراء القبر من مستقبلٍ حقيقي مديد غير مضمون للغافلين.
ثم إن الإنسان يحرص على المال والجاه بشدة، فينظر ويجد أن المال الفاني الذي وُضع تحت نظارته مؤقتًا، والشهرة ذات المهالك، والجاه ذا المزالق الذي من شأنه أن
34. صفحة
يؤدي إلى الرياء لا يستحق ذلك الحرص الشديد، فينصرف عنها ويتوجه نحو المراتب المعنوية ودرجات القربية وزاد الآخرة التي هي الجاه الحقيقي، والأعمال الصالحة التي هي المال الحقيقي، فينقلب الحرص المجازي الذي هو خصلة مذمومة سيئة إلى الحرص الحقيقي الذي هو خصلة ممدوحة سامية.
ومثلا: يصرف الإنسان مشاعره وأحاسيسه نحو الأمور التافهة الزائلة الفانية بعناد شديد، فينظر ويجد أنه يعاند سَنَةً كاملة لشيء لا يستحق دقيقة واحدة من العناد والإصرار، ويَثبُت على أمرٍ مضرّ سامٍّ هالك باسم العناد، ثم يجد أن هذا الشعور والحس الشديد لم يوهب له من أجل مثل هذه الأمور، وأن صرفه فيها منافٍ للحكمة والحقيقة، فلا يوجه ذلك العناد والإصرار الشديد إلى تلك الأمور التافهة الزائلة، بل يصرفها إلى الحقائق الإيمانية والأسس الإسلامية والأعمال الأخروية العالية الباقية، وبذلك ينقلب العناد المجازي -تلك الخصلة المذمومة الخسيسة الدنيئة- إلى العناد الحقيقي- تلك الخصلة الممدوحة السامية الحسنة- أي: ينقلب إلى الثبات الشديد على الحق.
فإذا ما استخدم الإنسان ما وُهب له من أجهزةٍ معنوية في سبيل النفس والدنيا كما في هذه الأمثلة الثلاثة، وتصرَّف بغفلةٍ وكأنه يبقى في الدنيا خالدًا أبديًّا؛ فإن تلك الأجهزة تصبح منبعًا للرذائل والإسرافات والعبثية.
أما إذا ما صرف الخفيفة منها إلى الأمور الدنيوية، والشديدةَ منها إلى الوظائف الأخروية والمعنوية؛ فإنها تكون منشأً للأخلاق الحميدة، ووسيلةً لسعادة الدارين موافقةً للحكمة والحقيقة.
وهكذا فإني أَعتقد أن أحد أسباب عدم تأثير نصيحة الناصحين في هذا الزمان هو:
أنهم يقولون لفاسدي الأخلاق: لا تحسدوا، ولا تحرصوا، ولا تعادوا، ولا تعاندوا، ولا تحبوا الدنيا! أي إنهم ينصحونهم نصائح شبه مستحيلةٍ لا يقدرون عليها في الظاهر حسب نظرهم، وكأنهم يطلبون منهم أن يغيروا طبائعهم، ولو قالوا لهم: اصرفوا وجوه هذه الأجهزة إلى أمور الخير والبر، وغيِّروا مجراها؛ فحينئذ ستؤثر النصيحة، وستكون نصيحةً ضمن نطاق اختيارهم وإرادتهم.
35. صفحة
رابعًا: لقد صار الفرق بين الإسلام والإيمان فيما بين علماء الإسلام مدار بحثٍ كثير، فبعضهم قالوا إنهما واحد، وبعضهم قالوا إنهما ليسا واحدًا، ولكن لا ينفصل أحدهما عن الآخر، وأبدوا أمثال هذا من الأفكار والآراء الكثيرة المختلفة، ولكني فهمت فرقًا كالآتي:
إن الإسلام التزام، والإيمانَ إذعان، وبتعبير آخر: إن الإسلام هو مساندة الحق والاستسلام والانقياد له، أما الإيمان فهو قبول الحق وتصديقه.
وقد رأيت بعض الملحدين في الماضي يوالون أحكام القرآن ويؤيدونها بشدة، أي: إن ذلك الملحد كان قد أصاب الإسلام بالتزام الحق من ناحية، فكان يقال له مسلمٌ بلا إيمان، ثم رأيت بعض المؤمنين لا يوالون أحكام القرآن، ولا يلتزمون بها، فينطبق عليهم تعبير: مؤمنٌ غير مسلم، فيا ترى هل يكون الإيمان بلا إسلام وسيلةً للنجاة؟
الجواب: كما أن الإسلام بلا إيمان ليس سببًا للنجاة؛ فكذلك الإيمان بلا إسلام لا يمكن أن يكون وسيلةً للنجاة.
ولله الحمد والمنة فقد بَيَّنَتْ موازينُ رسائل النور وأوضحت بفيض الإعجاز المعنوي للقرآن ثمار دين الإسلام وحقائق القرآن ونتائجهما إيضاحًا وبيانًا كبيرًا، بحيث لو فهمها حتى الملاحدة فلا يمكنهم عدم موالاتها، ثم إنها بينت كذلك دلائل الإيمان والإسلام وبراهينهما بيانًا قويًّا؛ بحيث إن غير المسلم لو فهمها هو الآخر لصدَّق وآمن بها بلاشك على الرغم من أنه يظل غير مسلم.
أجل؛ إن "الكلمات"([1]) قد بينت ثمار الإيمان والإسلام الطيبة اللذيذة كثمار طوبى الجنة، وأظهرت نتيجتهما الطيبة الحلوة مثل محاسن سعادة الدارين بحيث إنها توحي إلى من رآها وعرفها شعورًا غير محدود للولاء والالتزام والاستسلام لها، وبينت براهين الإيمان والإسلام -القوية قوة سلسلة الموجودات والكثيرة كثرةَ الذرات- بيانًا تمنح معه إذعانًا وإيمانًا قويًّا بلا حدود، حتى إنني عندما أردد أحيانًا الشهادة في الأوراد البهائية([2]) وأقول "عَلَى ذَلِكَ نَحْيَا وَعَلَيْهِ نَمُوتُ وَعَلَيْهِ نُبْعَثُ غَدًا" أشعر بولاء غير محدود، بحيث
[1])) أي "رسائل النور".
[2])) نسبة إلى الشيخ بهاء الدين محمد بن محمد بن محمد البخاري، مؤسس الطريقة النقشبندية.
36. صفحة
لو أُعْطِيَتْ لي الدنيا كلها لا أستطيع أن أضحي بحقيقة إيمانية واحدة؛ إذ يؤلمني إيلامًا شديدًا افتراضُ خلاف حقيقةٍ واحدة لدقيقة واحدة، فلو ملكت الدنيا كلها لرضيت نفسي بلا تردد أن تعطيها على أن تَظهَر حقيقةٌ إيمانية واحدة إلى الوجود، وعندما أقول "وآمنَّا بما أرسلتَ من رسولٍ، وآمنَّا بما أنزلتَ من كتابٍ وصدّقنا" أشعر إيمانًا قويًّا غير محدود، فأعتقد أن عكس كل واحدة من الحقائق الإيمانية محال عقلاً، وأرى أهل الضلال في منتهى البلاهة والجنون.
أَقرِئْ والديك مني السلام الكثير، وقدِّمْ لهما باسمي الاحترام والتوقير الكبير، واطلب منهما الدعاء لي، فهما بمنزلة والديَّ لكونك أخًا لي، وأقرئ جميع أهل قريتكم السلام، وخاصة من يسمع منك "الكلمات".
الباقي هو الباقي
س.ع


