المكتوب التاسع والعشرون

265. صفحة

المكتوب التاسع والعشرون

 

هذا المكتوب تسعة أقسام

وهذا القسم هو

القسم الأول

ويتكون من تسع نكات

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿وَإِن مِّنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

أخي العزيز الصِّدِّيق، ورفيقي المخلص الجادّ في الخدمة القرآنية،

تطلب في رسالتك هذه المرة إجابةً على مسألة مهمة لا يسمح بها وقتي وأحوالي.

أخي، لقد ازداد عدد المستنسخين لرسائل النور والحمد لله تعالى، وأنا يأتيني التصحيح الثاني، وأنشغل به بشدة من الصباح حتى المساء؛ لذا يتأخر الكثير من أعمالي المهمة، ولكني أرى هذه الوظيفة أعظم من غيرها؛ وبخاصة في شهرَي شعبان ورمضان؛ إذ للقلب فيهما حظٌّ أكبر من حظ العقل، والروح تتحرك.

فنؤجل هذه المسألة العظيمة إلى وقتٍ آخر، وحالما تَرِدُ السوانحُ إلى القلب من رحمة الله تعالى تُكتَب إليكم بالتدريج؛ أما الآن فسأبين "ثلاث نكات(1)":

النكتة الأولى: إن القول بأن "أسرار القرآن الحكيم لا تُعرَف، ولم يفهم المفسرون حقيقتها" له وجهان، والقائلون بذلك طائفتان:

الطائفة الأولى: أهل الحق، وأهل التدقيق؛ فهم يقولون: "إن القرآن كنزٌ لا يفنى ولا ينفد، وكلُّ عصر إلى جانب تسليمه بنصوص القرآن ومحكماته وقبوله إياها؛ يأخذ حظه من حقائقه الخفية من قبيل التَّتِمَّات، ولا يتعرض لحظوظ الآخرين المستترة".




 (1)وقد وصلت إلى تسع نكات فيما بعد.



266. صفحة

أجل؛ إن قولهم يعني أن حقائق القرآن الحكيم تنكشف وتتبين بمرور الزمن أكثر فأكثر، وإلا فهذا لا يعني مطلقًا التشكيكَ فيما بيّنه السلف الصالح من حقائق القرآن الظاهرة؛ إذ لا بد من الإيمان بها، فهي نصوصٌ، وقاطعة، وأسس، وأركان، والمرسوم الرباني يبين أن معاني القرآن واضحةٌ بيّنة: ﴿ عربي مبين﴾النحل:103)، والخطاب الإلهي من أوله إلى آخره يدور حول تلك المعاني ويقوِّيها، ويرفعها إلى درجة البداهة؛ لذا فإن عدمَ قبول تلك المعاني المنصوص عليها يعني تكذيب الله تعالى حاشاه ثم حاشاه، وتزييفَ فهمِ صاحب الرسالة -صلى الله عليه وسلم- حاشاه ثم حاشاه؛ إذن فإن المعاني المنصوص عليها أُخِذت من منبع الرسالة بالتسلسل، وقد وصَل الإمام ابن جرير الطبري -رحمه الله- جميع معاني القرآن بمنبع الرسالة بالسند المعنعن المتسلسل، وألف تفسيره الكبير المهمّ على هذا المنهج.

الطائفة الثانية: وهم إما أصدقاء حمقى، يأتون بالشر من حيث يريدون الخير، وإما أعداء ذوو ذكاء شيطاني، وهم يريدون أن يعارضوا الأحكام الإسلامية والحقائق الإيمانية، وأن يَجِدوا سبيلا بين سُوَر القرآن المسوَّرَة التي هي -حسب تعبيرك- كحصنٍ فلاذي للقرآن الحكيم، فهؤلاء يُشِيعون مثل هذه الأقاويل كي يشككوا في الحقائق القرآنية والإيمانية حاشاه.

النكتة الثانية: لقد أقسم الله تعالى بكثيرٍ من الأشياء في القرآن، وفي أقسام القرآن نكاتٌ عظيمة وأسرار كثيرة جدًّا.

فمثلا: يشير القَسَم الذي في ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾(الشمس:1) إلى أساس التمثيل الرائع المذكور في "الكلمة الحادية عشرة"، ويَعرِض الكون كقصر ومدينة.

والقسَم الذي في ﴿يس # وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾(يس:1-2) يذكّر بقدسية أنواع إعجاز القرآن، وأنها من العظمة والرفعة بمكانٍ بحيث يقسم بها.

والقسَم الذي في ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾(النجم:1)، و﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ # وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾(الواقعة:76-75) يشير إلى أن سقوط النجوم علامةٌ على انقطاع الأخبار الغيبية عن الجن والشياطين حتى لا يلصقوا الشبهات بالوحي، ويذكّر هذا القسم بعظمة القدرة وكمال الحكمة في وضع النجوم في

267. صفحة

مواقعها بكمال الانتظام والإتقان مع عظمتها الهائلة، وفي تدوير الكواكب السيّارة بصورةٍ محيرة.

وبالقسم بالملائكة الموكلين بالرياح في ﴿وَالذَّارِيَاتِ﴾ و﴿وَالْمُرْسَلاتِ﴾ من أجل التذكير بالحِكم المهمة في تَموّجات الهواء وتصريفاتها، يجذب الانتباه إلى أن العناصر التي يُظن أنها تصادفية؛ إنما هي تؤدي وظائف جليلة، ولها حِكَم في غاية الدقة.

وهكذا فلكل موقع من مواقع القسم نكتةٌ وفائدة مستقلة تخصه، ولما كان الوقت لا يسعنا فسنشير بإجمالٍ إلى نكتةٍ فحسب من النكات الكثيرة في القسم في قوله تعالى ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾(التين:1) وذلك كما يلي:

إن الله -سبحانه وتعالى- يذكّر بالقسم بالتين والزيتون بعظمة قدرته، وكمال رحمته، ونعمه العظيمة، ويصرف وجه الإنسان الذي يهوي إلى أسفل سافلين عن الهاوية، ويشير إلى أنه بالشكر والتفكر والإيمان والعمل الصالح يمكنه أن ينال المراتب المعنوية الرفيعة حتى مرتبة أعلى عليين.

أما تخصيص التين والزيتون من بين النعم الكثيرة، فهو كون هاتين الفاكهتين مباركتين ونافعتين جدًّا، وفي خلقهما أمور كثيرة هي مبعث النعم ومدار التأمل؛ لأنه كما أن الزيتون يشكل أعظم أساسٍ في الحياة الاجتماعية والتجارية والتنويرية والغذاء الإنساني؛ فإن خلق التين يُظهِر معجزةَ قدرةٍ بديعة خارقة؛ وهي حفظ جهازات شجرة التين الضخمة في نواةٍ صغيرة صِغَر الذرة وإدراجها فيها، كما أنه يُذكِّر بهذا القَسَم بالآلاء الإلهية في طعمه وفي طول مدة بقاء ثمرته خلافًا لسائر الفواكه، وفي منافعه الأخرى، ومقابل ذلك يلقن درسه حتى يرفع بالإنسان إلى مرتبة الإيمان والعمل الصالح، ويحول دون ترديه إلى أسفل سافلين.

النكتة الثالثة: إن الحروف المقطعة في بدايات السور شفراتٌ إلهية، يعطي بها الله تعالى بعض الإشارات الغيبية لعبده المختار، أما مفتاح تلك الشفرات فعند ذلك العبد المختار، وعند وارثيه.

وبما أن القرآن الحكيم يخاطب كل الأزمنة والطوائف فيمكن أن تكون له وجوهٌ ومعانٍ متنوعة كثيرة جامعة لحظ كل طبقة ولكل عصر، أما السلف الصالح فالنصيب الأصفى لهم، فإنهم قد بينوها. 


268. صفحة

وقد وجد أهل الولاية والتحقيق في هذه المقطعات[1] كثيرًا من إشارات الإجراءات الغيبية المتعلقة بسيرهم وسلوكهم الروحاني، وقد تناولنا نبذة منها في تفسير "إشارات الإعجاز" في بداية سورة البقرة من حيث إعجاز البلاغة، فليرجَع إليه.

النكتة الرابعة: لقد أثبتت "الكلمة الخامسة والعشرون" أن ترجمة القرآن الحكيم ترجمةً حقيقية غير ممكنة، وأن أسلوبه العالي الرفيع في إعجازه المعنوي لا يقبل الترجمة، وأن بيان وإفهام الذوق والحقيقة النابعين من أسلوبه العالي الكامن في إعجازه المعنوي صعبٌ ومشكل جدًّا، إلا أننا سنشير إلى بعض الأوجه لندل على طريقه، وذلك كما يلي:

إن القرآن المعجز البيان بمثل هذه الآيات ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّموَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾(الروم:22)، و﴿وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾(الزمر:67)، و﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ﴾(الزمر:6)، و﴿خَلَقَ السَّموَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾(يونس:3)، و﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾(الأنفال:24)، و﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾(سبأ:3)، و﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾(الحديد:6) وأمثالها؛ يُصوِّر حقيقةَ الخلاقية للخيال بأسلوبٍ عال رفيع بديع خارق، وجامعية معجزة، ويُظهِرها بحيث إن باني هذا الكون الذي هو صانع العالم يثبِّت بالذات -وهو قائم بالعمل- الشمس والقمر في مواقعهما بمطرقة، وبالمطرقة نفسها وفي الوقت ذاته يثبت الذرات في مواضعها، في بؤبؤ عين الأحياء مثلا، وأنه ينظم السماوات بميزانٍ ويفتحها بآلةٍ معنوية، وفي الوقت ذاته والتنظيم نفسه يفتح حجب العين، ويصنعها وينظمها ويركِّبها في العين، وأن الصانع ذا الجلال يُثبِّت النجوم في السماوات بالمطرقة المعنوية للقدرة المعنوية، وبالمطرقة المعنوية نفسها ينقش كلاًّ من نقاط العلامات الفارقة غير المحدودة التي في سيماء الإنسان، وحواسّه الظاهرية والباطنية، في مواضعها.

بمعنى أن الصانع ذا الجلال يضرب بمطرقة الآيات القرآنية على الذرَّة كي يظهر أعماله للعين والأذن عند قيامه بها، وبكلمةٍ أخرى في الآية نفسها يضرب بتلك المطرقة




[1]  أي الحروف المقطعة في أوائل بعض السور.


269. صفحة

على الشمس، وبأسلوبٍ عال رفيع يُظهِر وكأنه يصيب كبد الأمر؛ الوحدانيةَ في الأحدية ذاتها، ومنتهى الجلال في منتهى الجمال، ومنتهى العظمة في منتهى الخفاء، ومنتهى السعة في منتهى الدقة، ومنتهى الهيبة في منتهى الرحمة، ومنتهى البعد في منتهى القرب، ويبين أبعد مراتب جمع الأضداد الذي يُعَدّ محالا، وصورةً من صورها في درجة الواجب، ويثبتها ويدل عليها، وهذا النوع من بيانه وأسلوبه يسوق أبلغ الأدباء إلى السجود لبلاغته.

ومثلا: بهذه الآية ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾(الروم:25) يبين عظمة سلطنة ربوبيته بأسلوب عال، وذلك:

إن السماوات والأرض مثل معسكرين مطيعين، وفي صورة مركزٍ لجيشين منظمين مهيبين، وما فيهما من موجوداتٍ راقدة تحت ستار الفناء والعدم يمتثل للأوامر بأمرٍ واحد أو بإشارة مثل بوق بكمال السرعة والطاعة قائلا: لبيك! فيخرج إلى ميدان الحشر والامتحان. 

فانظر كيف أن الآية تبين الحشر والقيامة بأسلوبٍ عال معجز، وتشير إلى دليلٍ إقناعي في تلك الدعوى وهو:

كما أن البذور التي اختفت بالمشاهدة في جوف الأرض والتي هي في عداد الموتى، وأن القطرات التي تبددت واختفت في جو السماء والعدم وفي الغلاف الجوي تُحشر في كل ربيع بكمال الانتظام والسرعة، وتخرج إلى ميدان الاختبار والامتحان، وكما أن البذور في الأرض والقطرات في السماء تأخذ صورة الحشر دومًا؛ كذلك فإن الحشر الأكبر أيضًا يَظهر بمثل هذه السهولة، وبما أنكم تشاهدون هذا، فلا يمكنكم إذن أن تنكروا ذلك.

وهكذا يمكنكم أن تقيسوا على هذه الآية ما في سائر الآيات من درجة البلاغة.

فيا ترى هل من الممكن ترجمة أمثال هذه الآيات ترجمة حقيقية؟ لا يمكن البتة! وإن كان ولا بد، فينبغي كتابة معانٍ إجمالية للآية، أو كتابة تفسير في عدة سطور لكل جملة من جملها.


270. صفحة

النكتة الخامسة: "الحمد لله" جملة قرآنية، فأقصر معانيها كما تقتضي قواعد علم النحو والبيان هو:

"كُلّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الحَمْدِ مِنْ أَيِّ حَامِدٍ صَدَرَ، وَعَلَى أَيِّ مَحْمُودٍ وَقَعَ، مِنْ الأَزَلِ إِلَى الأَبَدِ، خَاصٌّ وَمُسْتَحِقٌّ للذّاتِ الوَاجِبِ الوُجُودِ المُسَمَّى بالله".

فقَيْدُ "كل فرد من أفراد الحمد" يفيده "ال" الاستغراق.

وأما قَيْدُ "مِن أي حامد صدر"؛ فلأن "الحمد" مصدرٌ وقد تُرِك الفاعل، فهو يفيد العموم في مثل هذا المقام.

وترك المفعول كذلك يفيد الكل والعموم في مقام الخطاب، وهو يفيد قيد "وعلى أي محمود وقع".

أما قيد "من الأزل إلى الأبد" فيفيد الثباتَ والدوام؛ لأن قاعدة الانتقال من الجملة الفعلية إلى الجملة الاسمية يدل على ذلك.

أما معنى "خاصٌّ ومستحقٌّ" فتفيده لام الجر التي في لفظ "لله"؛ لأن تلك اللام للاختصاص والاستحقاق.

أما قيد "للذات الواجب الوجود"؛ فلأن وجوب الوجود لازمٌ ضروري للألوهية، وعنوانٌ لملاحظة الذات ذي الجلال؛ فإن لفظ "الله" يدل على سائر الأسماء والصفات بالدلالة الالتزامية([1]) لكونه لفظًا جامعًا لها، ولكونه الاسم الأعظم، ويدل كذلك بالدلالة ذاتها على عنوان الواجب الوجود.

فإذا كان أقصر المعاني الظاهرية لجملة "الحمد لله" والمعنى المتفق عليه عند علماء اللغة العربية بهذه الصورة، فكيف يُترجم إلى لغةٍ أخرى بذلك الإيجاز وتلك القوة؟!

ثم إن هناك لغةً نحوية واحدة أخرى غير اللغة العربية بين اللغات؛ وهي لا تستطيع أن تبلغ جامعية اللغة العربية أبدًا.

إن الكلمات القرآنية ظهرت بصورةٍ معجزة باللسان النحوي الجامع ذي الإعجاز ضمن العلم المحيط الذي يعلم ويريد كل الجهات دفعة ومعًا، أما كلمات الترجمة فتحصل بواسطة سائر اللغات التركيبية والتصريفية من قبل بعض الناس الضيقة أذهانهم،




[1])) الدلالة الالتزامية:  ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟


271. صفحة

والقاصر وعيهم وإدراكهم، والمشوشة أفكارهم، والمظلمة قلوبهم، فهل يمكن أن تَحلّ هذه مكان تلك؟!

حتى إنني أستطيع أن أقول، بل أستطيع أن أثبت أن كل حرفٍ من حروف القرآن كنز من الحقائق، وأن الحرف الواحد أحيانًا يلقن درس حقائق بقدر صفحة كاملة.

النكتة السادسة: ولتنوير هذا المعنى أذكر حالةً نورانية وخيالا ذا حقيقة مرّ علي، وذلك أنني تفكرت ذات مرة في نون المتكلم مع الغير في ﴿إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وبحث قلبي عن سبب الانتقال من المتكلم الواحد إلى صيغة "نعبد فانكشفت لي فجأة فضل صلاة الجماعة وسرها من تلك "النون"؛ فرأيت أني أشارك الجماعة في "جامع بايَزيد" الذي كنت أؤدي الصلاة فيه، وأن كلَّ فرد منها بمنزلة شفيع لي، وشاهد على ما أظهرت في قراءتي من الأحكام والدعاوى، ومؤيّد لها، فوجدت جسارة على تقديم عبادتي الناقصة بين العبادات الكثيرة العظيمة لتلك الجماعة إلى الحضرة الإلهية.

ثم انكشف لي فجأة ستارٌ آخر، وهو أن جميع مساجد إستانبول قد اتصل بعضها ببعض، وصارت هذه المدينة كجامع "بايَزيد" هذا، فشعرت أني أحظى بأدعيتهم وتصديقاتهم معنى، ورأيتني فيها بين صفوفٍ دائرية حول الكعبة المكرمة التي في مسجد الكرة الأرضية، وقلت: "الحمد لله ربّ العالمين"، أن لي هذا الكم من الشفعاء، وهم يرددون عين ما أقول في الصلاة ويصدقونه، وبما أن هذا الستار قد انفتح خيالا، وصارت الكعبة المكرمة كمحراب، فإنني أغتنم إذن هذه الفرصة وأُشهِد تلك الصفوف، وأُودِع ترجمان الإيمان "أشهد ألا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله" الذي أذكره في التحيات، وأسلّمه أمانةً عند الحجر الأسود المبارك.

وبينما كنت في ذلك فإذا بحالة أخرى تنكشف، ورأيت أن الجماعة التي انضممت إليها انقسمت إلى ثلاث دوائر:

الدائرة الأولى: هي الجماعة العظمى المؤلفة من المؤمنين والموحدين على وجه الأرض.

الدائرة الثانية: هي أنني رأيتني في جماعةٍ فيها جميع الموجودات في صلاةٍ كبرى وفي تسبيحاتٍ عظمى، وكل طائفة منها في صلاةٍ وتسبيحات خاصة بها، وأن الخدمات

272. صفحة

المشهودة التي تسمى بوظائف الأشياء هي عناوين عبودياتها، فطأطأت رأسي من الإعجاب والحيرة قائلا: الله أكبر، ونظرت إلى نفسي.

الدائرة الثالثة:

رأيت فيها عالَمًا صغيرًا مذهلا، صغيرًا في الظاهر والنوع، كبيرًا في الحقيقة والوظيفة والكم،

أي رأيت جماعةً منشغلةً كلُّ طوائفها بوظيفة العبادة والشكر، بدءًا من ذرات جسمي وانتهاء إلى حواسي الظاهرية، وتقول في هذه الدائرة لطيفتي الربانية التي في قلبي باسم تلك الجماعة: "إياك نعبد وإياك نستعين"، مثلما ردد لساني بنية هاتين الجماعتين العظيمتين السابقتين.

الحاصل: إن "نون" نعبد تشير إلى هذه الجماعات الثلاث، وبينما كنت في هذه الحالة إذا بي تتمثل لي الشخصية المعنوية للرسول الأكرم -عليه الصلاة والسلام- الذي هو ترجمان القرآن الحكيم ومبلغه بكل عظمتها وهيبتها في المنبر المعنوي المسمى بالمدينة المنورة، وتخيلت أنني أسمع معنًى خطاب ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾(البقرة:21) ككل الناس، وأن كل فرد في تلك الجماعات الثلاث يقابله بـ﴿إياك نعبد﴾ مثلما أقابله أنا، ومن هنا ظهر لفكري -حسب القاعدة "إِذَا ثَبَتَ الشّيْءُ ثَبَتَ بِلَوَازِمِهِ"- الحقيقة التالية.

بما أن رب العالمين اتخذ البشر مخاطبًا له، ويتكلم مع جميع الموجودات، وأن ذلكم الرسول الأكرم -صلى الله عليه وسلم- يبلغ خطاب العزة هذا إلى نوع البشر، بل إلى جميع ذوي الأرواح وإلى ذوي الوعي والإدراك، فقد أصبح الماضي والمستقبل جميعًا بمنزلة الزمن الحاضر، وصار جميع نوع البشر كجماعة مختلفة الصفوف في مجلسٍ يخاطَبون فيه بهذه الصورة، وعندها رأيت كل آية من الآيات القرآنية في نور إعجازٍ ساطع مشرق جدًّا في قوةٍ وسمو وجزالة وبلاغة نالتها من مقامٍ في منتهى الجلال والعظمة والسعة، ومن مخاطبيها المختلفين المهمين الكثيرين جدًّا، ومن المتكلم الأزلي الذي لا نهاية لعظمته وجلاله، ومن ترجمانه العالي الشأن الذي هو صاحب مقام المحبوبية العظمى، فصار عندئذ ليس القرآن كله، ولا سورة واحدة، ولا آية واحدة

273. صفحة

فقط، بل كل كلمة من كلماته، كمعجزة، فقلت "الحمد لله على نور الإيمان والقرآن"، وخرجت من هذا الخيال الذي هو عين الحقيقة كما دخلت في "نون" نعبد، وأدركت أن آيات القرآن، بل كلماته، بل بعض حروفه كـ"نون" "نعبد" إنما هي مفاتيح نورانيةٌ لحقائق مهمة.

وعندما خرج القلب والخيال من "نون" نعبد قابلهما العقل، فقال: أنا كذلك أطالب بحظي، فلا أستطيع التحليق مثلكم، فأقدامي الدليلُ والحجةُ، ولا بد من الدلالة على الطريق الموصل إلى الخالق المعبود المستعان في "نعبد ونستعين" حتى أرافقكم، فورد حينئذ إلى القلب:

قل لهذا العقل المتحير: انظر إلى جميع الموجودات في الكون، فلكل واحد منها -سواء كان الحي أو الجامد- عبوديته في صورة وظيفةٍ يؤديها بكمال الطاعة والإتقان، فمع أن بعضها لا وعي له ولا شعور؛ فإنها تقوم بوظيفة في منتهى الشعور والوعي والنظام والعبودية؛ إذن إن هناك معبودًا حقيقيًّا وآمرًا مطلقًا هو الذي يسوق هذه الموجودات إلى العبادة ويستخدمها.

ثم انظر إلى الموجودات كلها، وبخاصة الأحياء منها، فلكل واحد منها حاجاتٌ في غاية الكثرة والتنوع، ومطالب مختلفة كثيرة جدًّا ضرورية لوجوده وبقائه، ولا تستطيع أن تصل يده إلى أدناها، وليست هي في مقدوره، ولكن مطالبه هذه التي لا حد لها تُسلَّم إلى يده بإتقانٍ في الوقت المناسب من حيث لا يحتسب، ويظهر ذلك بالمشاهدة.

فهذا الفقر غير المحدود، وهذه الحاجات غير المتناهية لهذه الموجودات، وهذه الإعانات الغيبية والإمدادات الرحمانية الخارقة تُظهِر بالبداهة أن لها حاميًا ورازقًا، هو الغني المطلق، والكريم المطلق، والقدير المطلق، يستعين به كل شيء وكل كائن حي، وينتظر منه العون والمدد، ويقول معنى: ﴿إياك نستعين﴾.

وحينئذ قال العقل: آمنّا وصدّقنا.

النكتة السابعة: وبعد ذلك عندما قلت: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ ! صِرَاطَ الذِّينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ نظرت، فرأيت بين قافلة البشر الراحلة إلى الماضي القوافلَ النورانيةَ الساطعة للأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، وهي تنطلق في الجادة الكبرى

274. صفحة

المستقيمة الممتدة إلى الأبد، مبدِّدةً ظلمات المستقبل، فهذه الجملة ترشدني كي ألتحق بتلك القافلة، بل تُلحِقني بها.

وعندها قلت فجأة: "سبحان الله"، يجب أن يعرف من له ذرة من شعور وإدراك مدى الخسارة والهلاك في عدم الالتحاق بهذه القافلة النورانية العظمى التي تنور ظلمات المستقبل، وتسير بكمال السلام والأمان.

فأين يجد النورَ يا ترى من ينحرف عن تلك القافلة العظمى بإحداث البدع، وأي طريق يسلك؟!

ولقد قال مرشدنا الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام : "... كُلّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ وَكُلُّ ضَلاَلَةٍ فِي النَّارِ([1])"، فأية مصلحةٍ يجدها بعض الأشقياء التعساء الذين يستحقون أن يُطلَق عليهم صفة "علماء السوء" إزاء هذا الحكم القاطع، وأية فتوى يفتونها حتى إنهم يخالفون بَدَهِيّات الشعائر الإسلامية من دون ضرورة، وبشكلٍ مضر، ويرونها قابلةً للتبديل والتغيير، ولم يخدع علماء السوء هؤلاء إلا انتباهٌ مؤقت ناشئ عن تجلي المعاني مؤقتًا.

مثلا: إذا سُلخ جلد حيوانٍ أو فاكهة فإنهما يبديان حسن منظر مؤقتًا، ولكن بعد مدة وجيزة يتغير لون ذلك اللحم اللطيف، ويتغير لون تلك الثمرة الجميلة تحت ذلك الجلد الغريب الكثيف العرضي الصَّدِئ؛ كذلك فإن التعبيرات النبوية والإلهية التي في الشعائر الإسلامية هي بمنزلة جلدٍ نابض بالحيوية والثواب، فبسلخها تَظهر النورانية التي في معانيها إلى حد ما بصورة مجردة عارية مؤقتة، ولكن أرواح تلك المعاني المباركة تطير مثل الفاكهة المقشرة، وتُخلِّف فروتها البشرية في القلوب والعقول المظلمة، فيطير النور، ويبقى دخانه، وعلى أية حال نكتفي بذلك.

 النكتة الثامنة: ينبغي بيان دستور حقيقة يخصّ هذا الأمر وهو:

كما أن هناك نوعين من الحقوق باسم الحقوق الشخصية، وباسم الحقوق العامة التي تُعد نوعًا من حقوق الله؛ فإن بعض المسائل الشرعية يتعلق بالأشخاص، وبعضها



[1])) جزء من حديث مروي عن جابر بن عبد الله، أخرجه ابن خزيمة في صحيحه برقم 1785، والنسائي في سننه برقم 1578 وفي السنن الكبرى له برقم 1786 و5892، والطبراني في المعجم الكبير برقم 8521. 



275. صفحة

الآخر يتعلق بعموم الناس، ويطلق على هذا اسم "الشعائر الإسلامية"، ومن حيث تعلق هذه الشعائر بالجميع فإن لكلٍّ حظًّا منها، والتدخلُ في تلك الشعائر من دون رضا الجميع تعدٍّ وتجاوزٌ على حقوق الجميع، وإن أصغر مسألة من مسائل تلك الشعائر، كمسألةٍ من قبيل السنة مثلا، هي في نظر الاهتمام كأكبر مسألة منها.

فليدرك أولئك الذين يسعون لقطع السلاسل النورانية التي ارتبط بها جميع عظماء الإسلام منذ عصر السعادة إلى يومنا هذا مثلما ارتبط به العالم الإسلامي كله مباشرة، ويحاولون هدمها وتحريفها ويعاونون على ذلك، وليعتبروا: كيف أنهم يقعون في خطأ رهيب! وليرتعدوا وليرتجفوا إن كانت لهم ذرة من الوعي والإدراك!

النكتة التاسعة: يطلق على قسم من المسائل الشرعية "المسائل التعبدية"، وهي ليست مرتبطة بتفكر العقل وتدبره ومنطقه، وإنما تُفعَل وتُؤَدَّى لكونها أمرًا؛ فعلّتها الأمرية فقط.

وعلى قسم آخر يطلق "المعقول المعنى"؛ أي إن له حكمةً ومصلحة صارت مرجِّحة لتشريع ذلك الحكم، إلا أنها ليست سببًا وعلة؛ لأن العلة الحقيقة هي الأمر والنهي الإلهي، فالشعائر التعبدية لا يمكن للحكمة والمصلحة أن تغيرها؛ فإن جانب التعبدية يرجّح، ولا يمكن المساس بها والتدخل فيها، حتى لو اجتمعت مائة ألف مصلحةٍ فلا تستطيع أن تغيرها.

كذلك فلا يقال إن فوائد الشعائر هي المصالح المعلومة فحسب، والاعتقاد بأنه كذلك خطأٌ، بل إن تلك المصالح لا يمكن أن تكون إلا فائدة واحدة من بين حكمها الكثيرة، فمثلا لو قال أحد: إن حكمة الأذان هي دعوة المسلمين إلى الصلاة، فيكفي إطلاق طلقة بندقية، والحق أن هذا المجنون الأحمق لا يدري أن الدعوة ما هي إلا مصلحة واحدة من بين آلاف المصالح الأذانية، وحتى لو حقق صوت البندقية تلك المصلحة، فكيف يَسُدّ يا تُرى مسد الأذان الذي هو وسيلةٌ لإعلان التوحيد الذي هو أعظم نتيجةٍ لخلق الكون، ونتيجة خلق نوع البشر، وواسطةٌ لإظهار العبودية تجاه الربوبية الإلهية باسم البشر أو باسم أهالي تلك المدينة؟!


276. صفحة

الحاصل: إن جهنم ليست فضلة، فهناك كثير من الأمور والأعمال تقول بكل قوتها لتحي جهنم ولتعِش، وليست الجنة رخيصة، بل تتطلب ثمنًا غاليًا.

﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (الحشر:20)

سعيد النورسي

 

القسم الثاني

وهو الرسالة الثانية

حول

حِكَمِ صيامِ رمضانَ الشريف

قد ذكرت في أواخر "القسم الأول" نبذة قصيرة عن الشعائر الإسلامية؛ لذا سيُذْكَرُ في هذا "القسم الثاني" بعضٌ من حكم صيام رمضان الشريف الذي هو أسطع الشعائر وأعظمها، وهذا القسم عبارة عن "تسع نكات" تبين "تسع حِكَمٍ" من الحكم الكثيرة جدًّا لصيام رمضان الشريف.

بسم الله الرحمن الرحيم

)شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الهُدَى وَالفُرْقَانِ((البقرة:185)

النكتة الأولى: إن صيام رمضان الشريف من أركان الإسلام الخمسة، وهو من أعظم الشعائر الإسلامية.

ولصيام رمضانَ الشريف حكمٌ تتعلق بربوبية الحق تعالى، وبحياة الإنسان الاجتماعية والشخصية، وبتربية النفس، وبالشكر على النعم الإلهية.

فحكمة واحدة من الحكم الكثيرة للصيام من حيث ربوبية الله تعالى هي:

أن الحق تعالى قد خلق سطح الأرض كمائدة نعمة، وبسط جميع أنواع النعم على هذه المائدة من حيث لا يحتسب الإنسان، ليظهر بذلك كمال ربوبيته ورحمانيته ورحيميته.

ولكن ستار الغفلة ودائرة الأسباب يحجبان عن الناس هذه الحقيقة التي تظهر بذلك الوضع ويجعلانهم ينسونها أحيانًا، أما في رمضان الشريف فيصير أهل الإيمان

277. صفحة

مرة واحدة كجيش منظم، ويظهرون -وهم في وضع عبودية كاملة- حالة انتظار لأمر "تفضلوا" قبيل المغرب، وكأنهم دُعوا إلى مأدبة السلطان الأزلي، ويقابلون الرحمانية الشفوق العظيمة الكلية بعبودية واسعة عظيمة كاملة منتظمة، فيا ترى هل يستحق أن يسمى إنسانا من لا يشترك في مثل هذه العبودية العالية والكرامة الشريفة؟

النكتة الثانية: إن حكمة واحدة من الحكم الكثيرة لصيام رمضان المبارك من حيث توجهه إلى الشكر على نعم الله تعالى هي:

إن الأطعمة التي جاء بها عارض البضائع من مطبخ السلطان تتطلب ثمنًا كما قيل في الكلمة الأولى، فكما أنه إذا تجاهل الإنسانُ منعمَ تلك النعم القيمة جدًّا ظنًّا منه أنها لا قيمة لها، فإن ذلك فيه من البلاهة ما فيه في الوقت الذي يعطى لعارض البضائع بقشيشًا؛ كذلك فإن الحق تعالى نشر للبشر ما لا حدَّ له من أنواعِ النِّعَمِ على وجهِ الأرض، ومقابلَ ذلكَ يطلبُ الشكرَ على تلك النعم كثمنٍ لها، وأسباب تلك النعم وأصحابُها بمنزلة العارضين للبضائع، فنحن نعطي لهؤلاء العارضين ثمنًا، ونظل تحت مِنَّتهم، بل نُقَدِّمُ لهم من الاحترام والشكر الكثير أكثر مما يستحقون، مع أن المنعمَ الحقيقيَّ أحقُّ بالشكرِ على تلك النِّعَمِ أكثرَ من تلك الأسبابِ بدرجةٍ لا حدَّ لها، فشكره إنما يكون بالعلم أن هذه النعم منه مباشرة، وبتقدير قيمتها، وبشعور الافتقار إلى تلك النعم.

والصيام في رمضان الشريف مفتاح لشكر حقيقي خالص عظيم وعام؛ لأن أكثر الناس الذين لا يعيشون تحت أسباب قسرية تضطرهم إلى الجوع لا يستطيعون إدارك قيمة كثير من النِّعَمِ إذا لم يشعروا جوعًا حقيقيًّا، فكِسرة من خبز يابس لا يدرك رجل شبعان قيمة نعمتها ولا سيما إن كان غنيًّا، بينما تشهد القوة الذائقة لدى المؤمن على أن تلك الكسرة من الخبز اليابس في وقت الإفطار نعمة إلهية قيمة جدًّا في نظره، فالجميع بدءًا من السلطان إلى أفقر الناس ينالون شكرًا معنويا بإدراكهم قيمة تلك النعم في رمضان الشريف.

ثم إن الإنسان ولأنه مُنِعَ عن الأكلِ نهارًا فإنه سيقول: "إن هذه النعم ليست ملكًا لي، وأنا لست حرًّا في تناولها، إذن هي ملك لآخر، وإنعام منه، فأنا أنتظر أمرَه"، فبذلك

278. صفحة

يشعر ويدرك قيمة النعمة، ويقدرها، ويشكر شكرًا معنويًّا، فيصبح الصيام بهذا مفتاحًا للشكر الذي هو وظيفة حقيقية للإنسان من أوجه كثيرة.

النكتة الثالثة: إن حكمة واحدة من الحكم الكثيرة لصيام رمضان المبارك من حيث تعلقه بحياة الإنسان الاجتماعية هي:

إن الناس خلقوا مختلفين من حيث المعيشة، فبناء على هذا الاختلاف يدعو الحق تعالى الأغنياء إلى معاونة الفقراء، فالأغنياء لا يمكنهم أن يشعروا شعورا تامًا بحالة الفقراء المريرة الباعثة على الرحمة والعطف وبجوعهم إلا بالجوع في الصيام، وبدون الصيام ربما لا يستطيع كثير من الأغنياء العابدين لأهوائهم إدراك مدى ألم الجوع والفقر ومدى حاجة الفقراء إلى الشفقة والعطف، والشفقة الكامنة في الإنسان على بني جنسه أساس من أسس الشكر الحقيقي، وكل فرد -أيًّا كان- يمكن أن يجد من هو أفقر منه من جهة ما، فهو مكلَّف بالإشفاق عليه. 

فلو لم يكن هناك اضطرار إلى دفع النفس لتعاني الجوع لما استطاع أحد أن يُقَدِّمَ إحسانًا ومساعدة هو مكلف بها من حيث الشفقة التي يحملها، وحتى لو استطاع أن يُقَدِّمَهَا لما كانت على الوجه الأكمل؛ لأنه لا يشعر بتلك الحالة في نفسه شعورًا حقيقيًّا.

النكتة الرابعة: إن حكمة واحدة من الحكم الكثيرة لصيام رمضان المبارك من حيث تَعَلُّقُه بتربية النفس هي:

إن النفس تعتقد أنها حرة طليقة وتعتبر نفسَها كذلك، حتى إنها ترغب بفطرتها في ربوبية موهومة، وتريد أن تتحرك كيفما تشاء، ولا تريد أن تُفَكِّرَ في أنها تربى بنعم لا حدَّ لها، ولا سيما إذا كان لها ثروة واقتدار في الدنيا، وساعَدتْها الغفلةُ؛ فإنها تلتهم النِّعَمَ الإلهية كالأنعام، وكأنها تنهبها وتغصبها وتسرقها كليا؛ ففي رمضانَ الشريف تدرك نفس كل واحد بدءًا من أغنى الأغنياء إلى أفقر الفقراء أنها ليست مالكة بل مملوكة، وليست حُرَّةً بل أمَة، ولا تستطيع القيام بأدنى وأسهل شيء إذا لم تؤمر بذلك، ولا تستطيع أنْ تَمُدَّ يدها إلى الماء، فتنكسر ربوبيتها الموهومة، وتتقلد العبودية، وتؤدي الشكر الذي هو وظيفتها الحقيقية.


279. صفحة

النكتة الخامسة: إن حكمة واحدة من الحكم الكثيرة لصيام رمضان المبارك من حيث تعلقه بتهذيب أخلاق النفس ومن حيث تخلِّيها عن تصرفاتها في رعونة؛ هي:

إن النفس الإنسانية تنسى نفسها بالغفلة، فهي لا تستطيع أن ترى في ماهيتها العجزَ الذي لا حدَّ له، والفقر الذي لا نهاية له، وتقصيرها المتمادى إلى أبعد حد، ولا تريد أن تراها، ولا تفكر في مدى ضعفها، ومدى تعرضها للزوال، واستهداف المصائب لها، ولا في أنها عبارة عن لحم وعظم يفسدان ويتحللان سريعًا، وتقتحم الدنيا اقتحاما، وتحتضنها بشدة، وكأنَّ لها جسمًا من فولاذ، وكأنها تتخيل نفسها أنها لا تموت، وأنها أبدية، وتندفع نحو الدنيا وتلقي بنفسها بين أحضانها بحرص وطمع عنيفين وبتعلق ومحبة شديدين، وترتبط وتتعلق بكل ما هو لذيذ ونافع، وتنسى خالقها الذي يربيها بكمال الشفقة والعطف، ولا تفكر في عاقبة حياتها ولا في حياتها الأخروية، وتتدحرج في الأخلاق السيئة.

فالصيام في رمضان الشريف يُشعِر أشدَّ الناس غفلة وتَمَرُّدًا بِضَعْفِهم وعجزهم وفقرهم، فيُفَكِّر كل واحد منهم في معدته بواسطة الجوع، ويحس ويدرك الاحتياج الكامن فيها، ويتذكر مدى رخاوة ووهن جسمه الضعيف، ويدرك مدى حاجته إلى الرحمة والشفقة، ويتخلى عن فرعونية النفس، فيَشعر بالرغبة في الالتجاء إلى الديوان الإلهي بكمال العجز والفقر، ويستعد لأن يطرق باب الرحمة بيد الشكر المعنوي إن لم تُفْسِد الغفلة قلبه.

النكتة السادسة: إن حكمة واحدة من الحكم الكثيرة لصيام رمضان الشريف من حيث تعلقه بنزول القرآن الحكيم، ومن حيث كون رمضان الشريف أهم وقت لنزوله هي:

بما أن القرآن الحكيم قد نزل في شهر رمضان؛ فينبغي من أجل استقبال ذلك الخطاب السماوي استقبالا حسنًا باستحضار زمن نزوله؛ التَّجَرُّدُ من الحاجات الدنيئة للنفس وعَمَّا لا يعني الإنسان في رمضان الشريف، والتشبه بحالة ملائكية بترك الأكل والشرب، وتلاوة ذلكم القرآن والاستماع إليه كأنه ينزل جديداً، والاستماع إلى ما فيه من الخطابات الإلهية، وكأن الإنسان يستمع إليها في لحظة نزولها، والإصغاء إلى ذلك

280. صفحة

الخطاب وكأنه يسمعه من الرسول الأكرم r، بل من جبريل u، بل كأنه يسمعه من المتكلم الأزلي، وبهذا ينال الإنسان حالة قدسية.

أجل؛ إن العالم الإسلامي يكون وكأنه مثل مسجد في رمضان الشريف، حيث يُسمِع ملايين القراء الحفاظ ذلك الخطاب السماوي للأَرْضِيِّينَ في كل زاوية من زوايا ذلك المسجد الأكبر، ويظهرون في كل رمضان الآية )شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ( إظهارًا نورانيًّا ساطعًا باهرًا، ويثبتون أنه شهر القرآن، وسائر أفراد تلك الجماعة العظمى يستمع بعضهم في خشوع لأولئك الحفاظ، وبعضهم الآخر يتلونه بأنفسهم.

وكما أن اتِّباع هوى النفس السُّفْلِية والخروج من تلك الحالة النورانية بالأكل والشرب في هذا المسجد المقدس هو شيء قبيح، ويقابل بالكره المعنوي للجماعة التي في ذلك المسجد، فكذلك من يخالفون الصائمين في رمضان الشريف يقابلون بالاشمئزاز والتحقير المعنويين من قبل العالم الإسلامي كله.

النكتة السابعة: إن حكمة واحدة من الحكم الكثيرة لصيام رمضان الشريف من حيث تعلقه بربح وكسب الإنسان الذي أتى إلى هذه الدنيا للزراعة والتجارة من أجل الآخرة هي:

إن ثواب الأعمال في رمضان الشريف تتضاعَف الحسنة الواحدة فيه ألفًا، فكل حرف من حروف القرآن الحكيم له عشر ثوابات بنصِّ الحديث، ويحسب عشر حسنات، ويجلب عشرًا من ثمار الجنة، فكل حرف من حروف القرآن في رمضان الشريف له عشر حسنات بل ألف حسنة، ولكل حرف من حروف بعض الآيات كآية الكرسي آلاف من الحسنات، وتزداد الحسنات في أيام الجمعة في رمضان الشريف، وتُعدُّ في ليلة القدر بثلاثين ألف حسنة.

أجل؛ إن القرآن الحكيم الذي يثمر كل حرف من حروفه ثلاثين ألفًا من الثمرات الباقية يصبح بمنزلة شجرة طوبى نورانية؛ بحيث تُكسِب المؤمنين في رمضان الشريف تلك الثمرات الباقية، فتعال وانظر إلى هذه التجارة القدسية الأبدية المربحة، وشاهدها وتأمل فيها لتفهم كيف أن الذين لا يُقَدِّرون قيمة هذه الحروف في خسارة لا حد لها، وهكذا، فرمضان الشريف كأنه معرض وسوق للتجارة الأخروية تُدِرُّ الربح، وكأرض

281. صفحة

خصبة جدًّا للمحاصيل الأخروية، وكمطر نيسان في الربيع لنشوء الأعمال ونموها، وهو بمنزلة أسطع عيد قدسي للاستعراض الرسمي للعبودية البشرية تجاه سلطنة الربوبية الإلهية.

ومن أجل ذلك فقد كُلِّف الإنسانُ بالصوم حتى لا يلج بالغفلة في حاجات النفس الحيوانية كالأكل والشرب، وفي الأمور التي تثير الهوى والتي لا طائل منها، فكأنه يخرج مؤقتًا من الحالة الحيوانية ويدخل في الحالة الملائكية، أو يصبح كشخص أخروي وكروح ظاهرة بالجسد بتركه الحاجات الدنيوية مؤقتًا لدخوله في التجارة الأخروية، وبذلك يقوم بصومه بوظيفة المرآتية لـ"الصمدية" نوعا ما.

نعم؛ إن رمضان الشريف يتضمن عمرا باقيا وحياة مديدة باقية، ويُكسبها في هذه الدنيا الفانية وفي العمر الفاني وفي الحياة القصيرة.

أجل؛ إن رمضان واحدا يمكن أن يكسب ثمرات عمر يبلغ ثمانين سنة، وإن كون ليلة القدر خيرًا من ألف شهر بنص القرآن؛ فحجة قاطعة لهذا السر.

فكما أن سلطانا يحدد بعض الأيام للعيد في فترة حكمه، أو في كل سنة، إما باسم يوم جلوسه على عرشه أو أي يوم آخر مشهود عظيم من أيام سلطنته العظيمة، ولا يعامل رعيته في تلك الأيام بالقوانين العامة، بل يكرم بتوجهه الخاص مباشرة رعيته الصادقين المستحقين له، وبإحساناته الخاصة، وبحضورهم أمامه دون حجاب، وبإكرامه الخاص، وإجراءاته الاستثنائية؛ فكذلك السلطان ذو الجلال لثمانية عشر ألف عالَم وهو سلطان الأزل والأبد، قد أنزل القرآن الحكيم -ذلكم الفرمان العالي الشأن الذي ينظر إلى ثمانية عشر ألف عالم ويتوجه إليها- في شهر رمضان الشريف، فإن كون ذلك الشهر المبارك في منزلة عيد إلهي ومعرض رباني ومجلس روحاني خاص لهو من مقتضى الحكمة، وبما أن رمضان هو ذلك العيد؛ فلا بد أن يؤمر فيه بالصوم لصرف الناس عن المشاغل السفلية الحيوانية إلى حدٍّ ما.

وأما أفضل الصوم وأكمله فهو أن يصوِّم المرأ جميعَ حواسه وأجهزته الإنسانية -أيضًا- كالعين والأذن والقلب والخيال والفكر كما يُصَوِّمُ معدته، أي أن يجنبها الإنسان المحرماتِ والأمورَ التافهةَ التي لا تعنيه، ويسوق كل واحدة منها إلى العبودية الخاصة بها. 


282. صفحة

فمثلا: يصوِّم الإنسان لسانه بإمساكه عن الكذب والغِيبة والألفاظ الغليظة، ويَشْغَله بأمور كتلاوة القرآن والذكر والتسبيح والصلاة على النبيr  والاستغفار، وأن يسوق أجهزته وحواسه الأخرى إلى الصوم، كأن يغض بصره عن المحرمات مثلا، ويمنع أذنه من الاستماع إلى الكلام البذيء، ويصرف بصره إلى النظر بالعبرة، وأذنَه إلى الاستماع إلى الكلام الحقِّ وإلى القرآن الكريم، وحيث إن المعدة أكبر مصنع فإن عُطِّلت الأعمال فيه بالصوم فسيكون من السهل أن تتبعه المعامل والأجهزة الصغيرة الأخرى.

النكتة الثامنة: إن حكمة واحدة من الحكم الكثيرة لصيام رمضان الشريف من حيث تعلقه بحياة الإنسان الشخصية هي:

إنه حِمْيَةٌ مادية ومعنوية كأفضل أنواع العلاج الناجع للإنسان، فهي حمية طبية؛ إذ كما أن نفس الإنسان كلما تحركت وتصرفت كيفما تشاء في الأكل والشرب يتسبب ذلك في الأضرار لحياة المرء المادية طبيًّا، فإن الهجوم على كل ما يصادفها من غير تمييز الحرام من الحلال يُسمِّم حياته المعنوية، ويصعب على تلك النفس أن تطيع القلب والروح بعد ذلك، وتأخذ هي زمامها بيدها في طيش، فلا يستطيع أن يركبها الإنسان، بل هي التي تركبه.

وأما في رمضان الشريف فإنها تتعود بالصوم على الحِميَة، وتسعى إلى الرياضة وتتعلم إطاعة الأوامر، ولا تجلب على المعدة الضعيفة المسكينة الأمراضَ بملئها وبإدخال الطعام على الطعام فيها قبل الهضم.

ولأنها تترك الحلال امتثالاً للأمر فإنها تكتسب قابلية للإصغاء وإطاعة الأوامر الصادرة عن العقل والشريعة من أجل تجنب الحرام، وتسعى إلى عدم إفساد الحياة المعنوية.

ثم إن أغلب الناس كثيرًا ما يُبتَلون بالجوع؛ لذا فإنهم يحتاجون إلى الجوع والرياضة[1] التي تُعوِّد الإنسان على الصبر والتحمل، فالصوم في رمضان الشريف صبر وتحمل على الجوع الذي يستغرق خمس عشرة ساعة، أو أربعًا وعشرين ساعة إذا كان




[1]  الرياضة: التعوّد.


283. صفحة

بدون السحور، وهو رياضة وتدريب كذلك، إذن إن علاج قلة الصبر وعدم التحمل والجزع والهلع التي تجعل مصيبة الإنسان مصيبتين هو الصوم.

ثم إن لمصنع المعدة خُدَّامًا كثيرين، وهناك أجهزة كثيرة للإنسان مرتبطة بها، فإن لم توقف النفس أعمالها مؤقتًا في نهار شهر معين فإنها تُنسي خدامَ ذلك المصنع وأجهزته عباداتِه الخاصة بهم، وتشغلهم بذاتها وتضعهم تحت سيطرتها وتحكمها، فتشوش أعمال الأجهزة الإنسانية الأخرى بضجيج تروس ذلك المصنع المعنوي ودخانها، وتصرف أنظارهم إلى ذاتها دائمًا، وتنسيهم وظائفهم السامية مؤقتًا، فمن أجل ذلك رَوَّضَ كثير من أهل الولاية منذ القديم أنفسهم على الرياضة وقلة الأكل والشرب للبلوغ إلى التكمل؛ ولكن خدام ذلك المصنع يدركون بصوم شهر رمضان الشريف أنهم لم يُخْلَقُوا من أجل ذلك المصنع فحسب، وأن الأجهزة الأخرى تتلذذ في رمضان الشريف بلذائذ ملائكية وروحانية وتتطلع بأنظارها إليها بدلا من لذائذ المصنع السفلية، فلذلك ينال المؤمنون في رمضان الشريف سرورًا وأنوارًا وفيوضات معنوية بتفاوت واختلاف حسب درجاتهم، وإن اللطائف كالقلب والروح والعقل والسر لها ترقيات وفيوضات كثيرة بواسطة الصوم في ذلك الشهر المبارك، وتضحك هي في براءة في الوقت الذي تبكي فيه المعدة.

النكتة التاسعة: إن حكمة واحدة من الحكم الكثيرة لصيام رمضان الشريف من حيث كسره مباشرة ربوبيةَ النفس الموهومة، وإظهار عجزها، ومن ثَمَّ تذكيره لها بعبوديتها هي:

إن النفس لا تريد أن تعرف ربها، بل تريد الربوبية لذاتها في فرعونيةٍ، ومهما عُذِّبت فإن ذلك العرق يظل فيها باقيا، إلا أن ذلك العرق يَتَحَطَّمُ بالجوع، وهكذا فالصوم في رمضان الشريف يضرب بضربات مباشرة الناحية الفرعونية للنفس ويكسرها، ويظهر عجزها وضعفها وفقرها ويعرفها بأنها عبد.

وقد جاء في بعض الروايات أن الله تعالى خاطب النفس قائلا: من أنا وما أنتِ؟ فقالت النفس: أنا أنا، أنت أنت، فعذبها الله وألقاها في النار، فسألها مرة أخرى فأجابت: أنا أنا، أنت أنت، فعذبها بجميع أنواع العذاب، فلم تَتَخَلَّ عن أنانيتها، ثم عذّبها بالجوع،

284. صفحة

أي جوَّعها وتركها جائعة، فسألها مرة أخرى من أنا وما أنتِ؟ قالت: "أنت ربِّي الرحيم وأنا عبدك العاجز".

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلاَةً تَكُونُ لَكَ رِضَاءً وَلِحَقِّهِ أَدَاءً بِعَدَدِ ثَوَابِ حُرُوفِ القُرْآنِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ

سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلاَمٌ عَلَى المُرْسَلِينَ وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ،

آمين!

 

اعتذار: هذا القسم الثاني قد كتب بسرعة في أربعين دقيقة، وأنا وكاتب المُسَوَّدَة كنا مريضين في أثناء ذلك؛ لذا فسيكون فيه قصور وتشوش، فننتظر من إخواننا أن ينظروا إليه بنظر التسامح، ويمكنهم أن يُصَحِّحُوا ما يرونه مناسبًا.                            

 

القسم الثالث

وهو الرسالة الثالثة

كنت قد نويت كتابة مصحفٍ بطرزٍ يُظهِر قسمَ الإعجاز النقشي من بين مائتي قسم من أقسام إعجاز القرآن المعجز البيان، مع الحفاظ على المصحف المكتوب بخط الحافظ عثمان[1] الذي اتخذ آية المداينة مقياسًا للصفحة، وسورة الإخلاص مقياسًا للسطر، ولقد كتبت هذا القسم كي أعرض نيّتي المهمة على أنظار إخواني في الخدمة القرآنية، من أجل مشاورتهم، وأخذ آرائهم، وليكون تنبيهًا لي، وأنا أراجعهم في هذا الأمر.

هذا القسم الثالث "تسع مسائل".

المسألة الأولى: لقد أُثبِت بالبراهين في "الكلمة الخامسة والعشرين" المسماة برسالة "المعجزات القرآنية" أن أنواع إعجاز القرآن العظيم الشأن تبلغ أربعين نوعًا، وبُيِّن بعض أنواعه بالتفصيل وبعضها بالإجمال حتى للمعاندين.




[1]  الحافظ عثمان: ؟؟؟؟؟



285. صفحة

وقد بُيِّن في "الإِشارة الثامنة عشرة" من "المكتوب التاسع عشر" أن القرآن يُظهِر أنواع إعجازه الأربعين لكل طبقة من الطبقات الإنسانية على حدة، وأَثبَتت هذه الإشارة حظ عشر من تلك الطبقات من الإعجاز كل على حدة.

أما عن الطبقات الثلاثون الأخرى فقد أظهر القرآن الكريم إعجازه لأصحاب المشارب المختلفة من أهل الولاية وأصحاب العلوم المتنوعة المختلفة كل على حدة، ودل إيمانهم التحقيقي الذي بلغ علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين على أن القرآن كلام الله تعالى، إذن إن كل واحد منهم رأى وجهًا من وجوه الإعجاز بهيئات مختلفة.   

أجل؛ إن تجليات جمال الإعجاز تختلف حسب المشارب المختلفة، مثلما يختلف الإعجاز الذي يفهمه ولي من أهل المعرفة عن جمال الإعجاز الذي يشاهده ولي من أهل العشق، ومثلما يختلف وجه الإعجاز الذي يراه عَلاّمة من علماء علم أصول الدين وإمامٌ من أئمتها عن وجه الإعجاز الذي يراه مجتهد في فروع الشريعة، وهكذا دَوَالَيْك.

ولا يسعني إظهار كل وجه من وجوه الإعجاز من حيث هذه الجهات بالتفصيل، ففهمي ضيق لا يستطيع الإحاطة بها، ونظري قاصر لا يقدر على رؤيتها؛ لذا لم يُبَيَّن إلا عشر طبقات، وما تَبَقّى منها فقد أشير إليه بإجمال، ولكن قد ظلت طبقتان من تلك الطبقات ناقصتين جدًّا في رسالة "المعجزات الأحمدية" مع أنهما كانتا بحاجة إلى مزيد من التوضيح.

الطبقة الأولى: هم العوام الذين نطلق عليهم "الطبقة ذات الأُذن"، وهم يستمعون إلى القرآن بآذانهم فحسب، وبواسطة الأذن يدركون إعجازه؛ أي يقول العامي هذا: إن هذا القرآن الذي أسمعه لا يشبه الكتب الأخرى، إما أن يكون تحتها جميعًا، وإما يكون فوقها جميعًا.

أما أن يكون تحتها جميعًا؛ فهذا لا يستطيع أحد أن يقوله، ولم يستطع أن يقول، بل الشيطان نفسه لم يستطع أن يقول ذلك؛ إذن فهو فوق الجميع.

وقد كُتب هذا الموضوع بهذا الإجمال في "الإشارة الثامنة عشرة"، ثم من أجل توضيحه فقد وَصف وأثبت فهمَ تلك الطبقة للإعجاز "المبحثُ الأول" من "المكتوب السادس والعشرين" الذي يسمى بـ"حجة القرآن على حزب الشيطان".


286. صفحة

الطبقة الثانية:

وهي الطبقة "ذات العين" وقد تقدّم في "الإشارة الثامنة عشرة" من "المكتوب التاسع عشر" دعوى، وهي: أن في القرآن إشارات إعجازية تُرى بالعين المجردة بدءًا من طبقة العوام حتى طبقة الماديين الذين انحدرت عقولهم إلى عيونهم، ولتنوير هذا الادعاء وإثباته كانت هناك حاجةٌ لكثير من الإيضاح، ولم نُمنح ذلك الإيضاح لحكمةٍ ربانية مهمة أدركناها الآن، وقد أشير إلى بعض جزئياته الجزئية فحسب، وقد تبين سرُّ تلك الحكمة الآن، واقتنعنا اقتناعًا تامًّا أن تأخيرها كان أولى.

 ومن أجل تيسير فهم تلك الطبقة وتسهيل الطريق أمام تذوقها استكتب؟؟؟ مصحفًا من أجل إراءة وجه يُرى بالعين المجردة من بين الوجوه الأربعين للإعجاز[1].

 

 

إن هذا "القسم الرابع" مع بقية مسائل هذا "القسم الثالث" يخصّان التوافق؛ لذا فقد اكتفينا بالفهرس الخاص بالتوافقات، ولم نكتبهما هنا، وإنما كتبنا "النكتة الثالثة" مع التنبيه المذكور في "القسم الرابع". 

 

 

التنبيه: لقد جاء في بيان النكتة العظيمة للفظ "الرسول" مائةٌ وستون آية، وخصائص تلك الآيات عظيمة جدًّا، وذات مغزى عميق؛ إذ يكمل بعضُها بعضَها الآخر من حيث المعنى؛ فهي حزبٌ قرآني لمن يريد أن يحفظ أو يقرأ الآيات المختلفة.

ثم إن درجة بلاغة الآيات التسع والستين في بيان النكتة العظيمة لكلمة "القرآن" عالية جدًّا، وقوة جزالتها سامية جدًّا، ويُوصَى بها للإخوان كحزبٍ قرآني ثانٍ.

وكلمة "القرآن" وحدها وردت في القرآن كسبع سلاسل، وكلها متوافقة مع تلك الكلمة ما عدا اثنين منها، ولما كانت الكلمتان كلتاهما بمعنى القراءة فإن خروجهما عن التوافق زاد تلك النكتة قوة.





[1]  تعريف مصحف التوافقات، يمكن الاقتباس من الرخصة التي حصلنا عليها، قصة كتابة المصحف، تكليف الإمام النورسي لتلاميذه بكتابته، والمصحف تطبعه دار وقف الخيرات، وأن ما عداه من المصاحف التي يدعي أصحابها أنها مصحف التوافقات إنما هي مزورة غير حقيقية، ومصحف التوافقات منتشر في تركيا، ودار السنابل الذهبية هي التي تقوم بنشره حصرا في مصر، (معلومات عامة عن المصحف.


287. صفحة

أما لفظ "الرسول" فإن سورة محمد وسورة الفتح هما أكثر السور علاقة بتلك الكلمة؛ لذا فقد اقتصرنا في شأنه على السلاسل الظاهرة من هاتين السورتين، ولم يُدرج حاليًّا لفظ "الرسول" الذي يبقى خارج السلسلة، وستُكتب إن شاء الله تعالى الأسرار التي فيه إذا سمح الوقت.

النكتة الثالثة: وهي أربع نكات.

النكتة الأولى: لقد ذُكر لفظ "الله" في جميع القرآن الكريم ألفين وثمانمائة وستّ مرات، وذُكر لفظ "الرحمن" مائة وتسعًا وخمسين مرة مع ما في البسملة، ولفظ "الرحيم" مائتين وعشرين مرة، وذكر لفظ "الغفور" إحدى وستين مرة، ولفظ "الرب" ثمانمائة وستًّا وأربعين مرة، ولفظ "الحكيم" ستًّا وثمانين مرة، ولفظ "العليم" مائة وستًّا وعشرين مرة، ولفظ "القدير" إحدى وثلاثين مرة، ولفظ "هو" في "لا إله إلا الله" ستًّا وعشرين مرة([1]).

وفي عدد لفظ الجلالة "الله" أسرار ونكات كثيرة، منها على سبيل المثال:

إن أكثر الألفاظ ورودًا في القرآن بعد لفظ الجلالة "الله" ولفظ "الرب" هو لفظ "الرحمن"، و"الرحيم"، و"الغفور"، و"الحكيم"، وإن عدد لفظ الجلالة "الله" مع عدد هذه الألفاظ هو نصف عدد آيات القرآن الكريم، ومع أن لفظ "الرب" ذُكر ثمانمائة وستًّا وأربعين مرة، فإنه إذا أُمعن النظر فسيُرى أن خمسمائة ونيفًا منه ذُكِر في محل اسم الجلالة "الله"، وأن مائتين ونيفًا منه ليس كذلك.

ثم إن عدد لفظ الجلالة "الله"، و"الرحمن"، و"الرحيم"، و"العليم"، ولفظ "هو" في "لا إله إلا الله" هو نصف آيات القرآن، والفرق أربعة فقط، وكذا فهو نصف مجموع الآيات مع عدد لفظ "القدير" الذي ورد بدلا من "هو"، والفرق تسعة فقط.

والنكات في مجموع ألفاظ الجلالة كثيرة، ولكننا نكتفي بهذه النكتة حاليًّا.

النكتة الثانية: وهي خاصة بالسور، فلها أيضًا نكات كثيرة، ولها توافقاتٌ ظهرت بصورة تدل على انتظام وقصد وإرادة، ومنها:





[1])) إن كون مجموع عدد آيات القرآن ستة آلاف وستمائة وست وستين آية، وإن علاقة عدد الأسماء الحسنى المذكورة في الصفحة التاسعة والثمانين السابقة حسب النسخة التركية مع الرقم ستة؛ يشيران إلى سر مهم، ولكنه ظل مهملا في الوقت الحالي.(المؤلف). 


288. صفحة

إن لفظ الجلالة في سورة البقرة مساوٍ لعدد آياتها، والفرق أربعة؛ إذ فيها أربعة ألفاظ "هو" بدلا من لفظ الجلالة "الله"، كلفظ "هو" في لا إله إلا الله، وبها يتم التوافق.

وكذلك يتوافق عدد ألفاظ الجلالة في سورة آل عمران ويتساوى مع عدد آياتها، إلا أن لفظ الجلالة ورد مائتين وتسع مرات، وعدد الآيات مئتان، فالفرق تسع، ولا تضر الفروق الطفيفة في مثل هذه المزايا الكلامية والنكات البلاغية، بل التوافقات التقريبية تكفي.

وإن مجموع آيات السور الثلاث: النساء، والمائدة، والأنعام، في توافقٍ مع عدد ألفاظ الجلالة الواردة في مجموعها، حيث إن عدد الآيات أربعمائة وأربع وستون، وعدد ألفاظ الجلالة أربعمائة وواحد وستون، وبألفاظ الجلالة في بسملات هذه السور يكون التوافق مع عدد آياتها توافقًا تامًّا.

وكذلك فإن عدد ألفاظ الجلالة في السور الخمس الأولى، هو ضِعْف عدد ألفاظ الجلالة في سور: الأعراف، والأنفال، والتوبة، ويونس، وهود؛ إذن إن الخمسة الأخيرة هذه هي نصف الخمسة الأولى.

ثم إن عدد ألفاظ الجلالة في السور التالية: يوسف، والرعد، وإبراهيم، والحجر، والنحل، هو نصفُ ذلك النصف.

وكذا عددها في سور: الإسراء، والكهف، ومريم، وطه، والأنبياء، والحجّ([1])، هو نصفُ نصفِ ذلك النصف.

والسور التالية بعدها خمسة فخمسة، تستمر بتلك النسبة تقريبًا، إلا أن هناك فروقًا ببعض الكسور، ولا تضر مثل هذه الكسور في مثل هذا المقام الخطابي.

وعلى سبيل المثال، فإن في بعضها مائة وإحدى وعشرين، وفي بعضها مائة وخمس وعشرين، وفي بعضها مائة واثنتين وخمسين، وفي بعضها مائة وتسعًا وخمسين.

ثم إن عدد ألفاظ الجلالة في السور الخمس المبتدئة بسورة الزخرف تنزل إلى نصف نصف نصف ذلك النصف.





[1])) كان قد انكشف سرٌّ حسب التقسيم الخماسي هذا، إلا أنه قد سُجِّل هنا ست سور من دون علم أحد منا، فلم يبق لدينا شك في أن السادس قد دخل من جانب الغيب دون إرادتنا حتى لا يضيع هذا السر المهم للنصفية.


289. صفحة

وفي السور الخمس ابتداء من سورة النجم ينزل إلى نصف نصف نصف نصف ذلك النصف، إلا أنه تقريبي، ولا تضر فروق الكسور الطفيفة في مثل هذه المقامات الخطابية.

وفي كل ثلاث مجموعات من المجموعات الخمس في السور الخمس التالية القصيرة ثلاثة ألفاظٍ فقط من لفظ الجلالة.

وهذا الوضع يدل على أن المصادفة لم تتدخل قط في عدد ألفاظ الجلالة، بل عُيِّنت أعدادها بحكمةٍ وانتظام وإتقان.

النكتة الثالثة للفظ الجلالة، الله: وهي تعود إلى مناسبات الصفحات، وذلك أن عدد لفظ الجلالة الوارد في صفحة واحدة يناظر الوجهَ الأيمن لتلك الصفحة، والصفحةَ المقابلة لذلك الوجه، وأحيانًا الصفحةَ اليسرى المقابلة لها، والوجهَ الخلفي للصفحة المقابلة، وقد تتبعت هذا التوافق في نسخة من مصحفي، فرأيت في الغالب توافقًا بمناسباتٍ عددية لطيفة جميلة للغاية، وعلّمت عليها في مصحفي، وكثيرًا ما كانت تتساوى، وأحيانًا تكون نصفًا أو ثلثًا، وفيها وضعٌ يُشعِر بحكمةٍ وانتظام.

النكتة الرابعة: وهي التوافقات في الصفحة الواحدة، وقد قابلنا مع إخواني عدة نسخٍ مختلفة، وحصلت لدينا قناعةٌ بأن التوافقات مطلوبة في جميعها، إلا أنه قد حصل عدم التناسب إلى حدٍّ ما في التوافقات بسبب مراعاة مستنسخي المطابع مقاصد أخرى، فإذا نُسِّقت فستظهر التوافقات في ألفاظ الجلالة البالغة ألفين وثمانمائة وستة ألفاظًا في جميع القرآن باستثناء نادر جدًّا، وفي ذلك تتلألأ شعلة إعجاز ساطعة؛ لأن فكر البشر لا يستطيع أن يحيط بهذه الصفحة الواسعة جدًّا، ولا يقدر على التدخل فيها.

أما المصادفة فلا تبلغ يدها إلى هذا الوضع الحكيم ذي المغزى.

إننا نستنسخ نسخةً جديدة من المصحف الشريف لإظهار "النكتة الرابعة" إلى حد معين؛ إذ ستُنَسَّق المواضع التي اعتراها عدم الانتظام لتهاون الفنانين وتساهلهم، مع الحفاظ على الصفحات والسطور ذاتها لأكثر المصاحف انتشارًا، فسيُبرَز التناسق الحقيقي للتوافقات إن شاء الله تعالى، وقد أُظهِر بالفعل[1].

 

اللَّهُمّ يَا مُنَزِّلَ القُرْآنِ، بِحَقِّ القُرْآنِ فَهِّمْنَا أَسْرَارَ القُرْآنِ، مَادَارَ المَلَوَانِ.

وَصَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى مَنْ أَنْزَلْتَ عَلَيْهِ القُرْآنَ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، آمِين.





[1]  قد سبقت معلومات عن هذا المصحف قبل صفحات في هامش "الطبقة الثانية" من "المسألة الأولى".


290. صفحة

القسم الخامس

وهو الرسالة الخامسة

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿ اللهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ إلخ.

لقد شعرت بنورٍ من أنوار أسرار هذه الآية التي تفيض نورًا في حالةٍ روحانية في شهر رمضان الشريف، ورأيت في ذلك ما يشبه الخيال، وذلك كالآتي:

رأيت في واقعةٍ قلبية خيالية ما أورثني قناعةً أن جميع الموجودات الحية تناجي الله سبحانه وتعالى كما في مناجاة أويس القرني المشهورة ذاتها التي هي: إلهي أنت ربي، وأنا العبد، وأنت الخالق، وأنا المخلوق، وأنت الرزّاق وأنا المرزوق...إلخ، وأن ضياء كل عالمٍ من العوالم الثمانية عشر ألفًا هو اسمٌ من الأسماء الإلهية، وذلك أني رأيت أن هذا العالم ملفوفٌ في تلافيف آلاف الأستار، مثل البراعم ذات الأوراق الملتفّ بعضها في بعض، ورأيت العوالمَ المستتر بعضها تحت بعضٍ في هذا العالم، وكلما رُفع ستار كنت أرى عالمًا آخر، وذلك العالم كان يتراءى لي في ظلماتٍ ووحشة وفي ظلمة رعب ورهبة، كما تصوره هذه الآية الكريمة التي تلي آية النور: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾(النور:40)، فإذا بتجلي اسمٍ من الأسماء الإلهية يَظهر كنورٍ عظيم، ويضيء العوالم، فإذا رفع ستار أمام العقل تجلى اسمٌ من الأسماء الإلهية كالشمس ونوَّر ذلك العالم من أقصاه إلى أقصاه، مع أن ذلك العالم كان يتراءى أمام الخيال عالَمًا مظلمًا بسبب الغفلة، وهكذا فقد استمر هذا السير القلبي والسياحة الخيالية طويلا.

وعلى الجملة؛ فإنني عندما رأيت عالم الحيوانات، رأيت أنه قد أظهر ضعفُها وعجزها مع حاجاتها غير المحدودة وجوعها الشديد ذلك العالَمَ مظلمًا ظلامًا دامسًا

291. صفحة

وحزينًا حزنًا شديدًا، فإذا باسم "الرحمن" يطلع كالشمس الساطعة من برج "الرزاق" أي في معناه، ويزين ذلك العالم بضياء الرحمة من أقصاه إلى أقصاه.

ثم رأيت في عالم الحيوانات هذه عالَمًا آخر حزينًا في ظلامٍ يثير رقة الجميع ورحمتهم؛ يتقلب ويضطرب فيه الأطفال والصغار بين ضعفٍ وعجز وفاقة وحاجة، فإذا باسم "الرحيم" يطلع من برج "الشفقة"، وينوّر هذا العالم تنويرًا حلوًا لطيفًا، ويحوّل الدموع الناشئة عن الشكوى والرقة والحزن إلى دموع الفرح والسرور، وإلى دموعٍ تنبعث من لذة الشكر.

ثم رُفع ستارٌ آخر شبيه بشاشة السينما، فتراءى لي العالم الإنساني، فرأيت هذا العالم مظلمًا مرعبًا رهيبًا، حتى أطلقت صراخًا وعويلا من شدة فزعي، وقلت يا ويلتاه؛ ذلك لأني رأيت أن الإنسان مع رغباته وآماله التي تَمتدّ إلى الأبد، وتصوراته وأفكاره التي تحيط بالكون، وهِممه واستعداداته التي تطلب البقاء الأبدي والسعادة الأبدية والجنة بشدة، ومع فقره وحاجاته المتوجه إلى ما لا حد له من المقاصد والمطالب، ومع ضعفه وعجزه ومصائبه وأعدائه غير المحدودين الذين يتعرض لهجماتهم، وفي عمرٍ قصير جدًّا، وحياة مضطربة جدًّا، ومعيشة بائسة جدًّا، في خضم مصائب الزوال الدائم، والفراق المستمر، اللذين هما أشد الحالات إيلامًا وإفزاعًا للقلب؛ تنظر إلى القبر والمقبرة التي تبدو لأهل الغفلة في صورة باب الظلمات الأبدية، الذي يُلقون وحدانًا وزرافات في بئره.

وبينما كنت أرى هذا العالم غارقًا في هذه الظلمات وجميعُ لطائفي الإنسانية مع قلبي وروحي وعقلي، بل جميعُ ذرات جسمي على وشك البكاء بالاستغاثة، إذا باسم الله "العادل" يطلع من برج "الحكيم"، واسم "الرحمن" يشرق من برج "الكريم"، واسم "الرحيم" يبزغ من برج "الغفور"؛ أي في معناه، واسم "الباعث" يظهر من برج "الوارث"، واسم "المحيي" يسطع من برج "المحسن"، واسم "الرب" يطلع من برج "المالك"، ونوّرت وأضاءت هذه الأسماء العوالم الكثيرةَ التي في العالم الإنساني، وفتحت نوافذ من عالم الآخرة النوراني، ونثرت على عالم الإنسان المظلم أنوارًا.


292. صفحة

ثم رُفِع ستار آخر عظيم، فظهر عالم الأرض، فأظهرت قوانينُ الفلسفةِ العلميةُ المظلمة عالَمًا مرعبًا مفزعًا للخيال، فتراءت لي حال البشر المساكين الذين يسيحون في فضاء العالم غير المحدود في الكرة الأرضية المسِنَّة الهَرِمَة التي تقطع مسافة خمسة وعشرين ألف سنة في سنةٍ واحدة، بحركةٍ أسرع من القذيفة بسبعين مرة، والتي هي مستعدة للتشتت والتبعثر في أية لحظة، والتي في جوفها زلازل كثيرة؛ تراءت لي في ظلمةٍ موحشة، فدار رأسي، وأظلمتْ الدنيا أمام عيني، وإذا بأسماء خالق السماوات والأرض: "القدير"، و"العليم"، و"الربّ"، و"الله"، و"رب السماوات والأرض"، و"مُسخِّر الشمس والقمر"؛ تطلع في برج الرحمة والعظمة والربوبية، وتُنوِّر ذلك العالم بشكلٍ رأيتُ معه الكرة الأرضية في تلك الحال كسفينةٍ سياحية آمنة في منتهى الانتظام والتسخير، والروعة واللطافة، قد أُعدت وجُهِّزت للتّنَزّه والمتعة والتجارة.

الحاصل: إن كل واحد من ألف اسم واسم من الأسماء الإلهية المتوجهة إلى الكون هو بمنزلة شمسٍ تنور عالمًا من العوالم، وتنور ما فيه من العوالم، وكانت تتراءى ضمن تجلي كل اسم تجلياتُ سائر الأسماء أيضًا من حيث سر الأحدية إلى حدٍّ ما.

ثم إن القلب كان يرى وراء كل ظلمة أنوارًا متنوعةً مختلفة، فتنفتح شهيته للسياحة، فأراد أن يركب الخيال فيصعد إلى السماء، وعندئذ رُفع ستارٌ آخر واسع جدًّا، فدخل القلب عالم السماوات، فرأى أن النجوم النورانية التي تبدو متبسمة؛ هي أكبر من الكرة الأرضية، وتسيح وتدور أسرع منها متداخلة فيما بينها، فلو ضلت إحداها طريقها دقيقةً واحدة لاصطدمت بالأخرى، ولتسببت في انفجارٍ هائلٍ ينفطر منه قلب الكون، ويشتت العالم، ولأرسلت النار، بدلا من النور.

فهذه النجوم نظرت إليّ نظرةً موحشة مرعبة، غير مبتسمة، ورأيت السماوات كبيرةً شاسعةً بلا حدود خالية خاوية في ظلمات الرعب والغيظ والغضب، فندمت على مجيئي أشد الندم.

وإذا بالأسماء الحسنى ﴿رَبُّ السَّموَاتِ وَالأَرْضِ﴾ و"رَبّ المَلائِكَةِ وَالرُّوحِ" تظهر بتجلياتها في برج ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾، و﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾، فالنجومُ التي جثم عليها الظلام من حيث ذلك المعنى اقتبست لمعةً من تلك الأنوار

293. صفحة

العظيمة، فتنوّر عالم السماوات وكأن مصابيح كهرباء بعدد النجوم قد أنارت، وامتلأت السماوات التي يُتوهم أنها خالية خاوية بملائكتها وروحانياتها وعُمِّرَت بها، ورأيت الشموس والنجوم التي تتحرك كما يتحرك جيشٌ من الجيوش غير المحدودة لسلطان الأزل والأبد؛ تُظهِر عظمة ذلك السلطان ذي الجلال، وأبّهةَ ربوبيتِه، وكأنها تقوم بمناورة سامية راقية.

وكنت سأقول بكل ما أملك من قوة وبجميع ذراتي إن كان ممكنًا، وبألسنة جميع المخلوقات إن كانت تسمعني، بل قلت باسم أولئك جميعًا: ﴿اللهُ نُورُ السَّموَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾(النور:35).

وتلوت هذه الآية الكريمة، ورجعتُ، ونزلتُ، ثم أفقتُ، وقلت:

الحَمْدُ للهِ على نور الإيمان والقرآن.

 

القسم السادس

وهو الرسالة السادسة

كتب هذا القسم لتنبيه تلاميذ القرآن الحكيم وخدامه حتى لا ينخدعوا.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾(هود:113)

هذا "القسم السادس" يجعل ستًّا من دسائس شياطين الجن والإنس عقيمةً، ويسدّ ستة من طرق الهجمات إن شاء الله تعالى.

الدسيسة الأولى: إن شياطين الإنس بما يتلقون من درسٍ من شياطين الجن يريدون أن يخدعوا خدام حزب القرآن المضحين بواسطة حب الجاه، وأن يصرفوهم عن تلك الخدمة القدسية، وعن ذلك الجهاد المعنوي السامي؛ وذلك أن في كل فردٍ من أفراد أهل الدنيا رغبة كلية أو جزئية فيما هو كامنٌ في أكثر الناس من الحرص على الشهرة

294. صفحة

الذي يسمى بحب الجاه، وفي الظهور بالرياء الذي يسمى بالإعجاب بالنفس والسمعة والمجد أمام الناس، وفي إحراز مقام سامٍ في نظر العموم، حتى إن حسّ الحرص على الشهرة يسوق أحدهم إلى حدّ التضحية بحياته من أجل تلك الرغبة.

هذا الحسّ خطير جدًّا على أهل الآخرة، وبالنسبة لأهل الدنيا أيضًا له آلام وأوجاع، ومنبعٌ لكثير من الأخلاق السيئة، وهو أضعف عرقٍ في الناس؛ أي إن شياطين الإنس بملاطفة هذا العرق الضعيف في الإنسان يوقعونه في شَرَكهم، ويجذبونه إليهم، ويمسكون بأزمته، وبهذا يغلبونه ويهزمونه.

وإن أكثر ما أخشى على إخواني منه هو احتمال استغلال أهل الإلحاد لهذا العرق الضعيف لديهم، وهذا الأمر يقلقني جدًّا؛ إذ قد جذبوا إليهم مني بعض أصدقائي المساكين غير الحقيقيين بهذه الصورة، وألقوهم في المهالك معنىً([1]).

فيا إخواني، ويا أصدقائي في الخدمة القرآنية، قولوا لجواسيس أهل الدنيا الدساسين الذين يأتونكم من جانب حب الجاه هذا، ولدعاة أهل الضلال، أو لتلاميذ الشيطان: إن رضا الله سبحانه وتعالى والإكرام الرحماني والقبول الرباني لهو مقامٌ وأي مقام! يبقى إقبال الناس واستحسانهم بالنسبة إليه كالذرة، فإن كان هنالك توجه من الرحمة إليك واستحسان لك منها لكفى، أما إقبال الناس واستحسانهم فهو مقبولٌ من حيث كونه انعكاسًا وظلا لتوجه الرحمة واستحسانها، وإلا فهو ليس أمرًا مرغوبًا فيه؛ لأنه ينطفئ عند باب القبر، فلا يساوي فلسًا واحدًا.

وإن لم يستطع المرء التمكن من إسكات حسّ حبّ الجاه، ولم يستطع إزالته؛ فلابد حينئذ من صرف وجهه إلى وجهة أخرى، وذلك كالآتي:

قد يكون لهذا الحس وجهٌ مشروع بنية كسب دعاء الناس من أجل الثواب الأخروي، وحسن تأثير الخدمات الدعوية فيهم، بناء على ما في المثال الآتي من سرّ:





[1])) إن أولئك المساكين يظنون أنفسهم بمعزل عن الورطة والخطر بقولهم: إن قلوبنا مع "الأستاذ"؛ مع أن قول من يؤازر تيار أهل الإلحاد، وينجر وراء دعاياتهم، بل من هو في خطرِ أن يُستغلّ في التجسّس من دون أن يشعر: "إن قلبي خالص نقي، وصادق لمسلك أستاذي"؛ يشبه هذا المثال: كان أحدهم يصلي، ولم يستطع أن يمسك الريح في بطنه، فخرج منه، ووقع الحدث، ولما قيل له: لقد بطلت صلاتك، أجاب: لِمَ تبطل؟ إن قلبي خالص نقي!(المؤلف).


295. صفحة

نفترض أن جامع آياصوفيا مليء بأشخاص محترمين أجلاء من أهل الفضل والكمال، وأن في الباب والأروقة بعضًا من الصبيان المستهترين، والسفهاء الماجنين، وعلى شبّاك الجامع وبالقرب منه مشاهدون مغرمون باللهو واللعب من الأجانب.

فإذا ما دخل شخص إلى هذا الجامع وانضم إلى تلك الجماعة، وتلا ما تيسر من القرآن بأعذب صوت تلاوة حلوة لطيفة؛ فإن أنظار آلاف من أهل الحقيقة تتوجه إليه، ويكسبونه ثوابًا بحسن إقبالهم إليه وثنائهم عليه ودعائهم المعنوي له، إلا أن هذا الأمر لا يروق الصبيان المستهترين، والملحدين السفهاء، وبعض الأجانب.

ولكن لو بدأ هذا الرجل يصرخ بغناءٍ سافل ماجن بمنتهى الوقاحة، وأخذ يرقص ويقفز بعدما دخل هذا الجامع المبارك، وانضم إلى تلك الجماعة العظيمة؛ فإنه سيُضحك أولئك الصبيان المستهترين، وسيرضي أولئك السفهاء الماجنين، لما يحثهم به على الفحش والمجون، وسيجلب ابتسامات هازئة ساخرة من الأجانب الذين يفرحون ويتلذذون برؤية عيوب المسلمين وأخطائهم، إلا أنه سيجلب نظرة بغض واستنكار وازدراء من جميع أفراد تلك الجماعة العظيمة المباركة، وسيكون في نظرهم دنيئًا سافلا لحد أسفل سافلين.

وعلى غرار هذا المثال؛ فإن العالم الإسلامي وقارة آسيا جامع عظيم، ومن فيهما من أهل الإيمان وأهل الحقيقة هم تلك الجماعة الفاضلة في ذلك الجامع.

أما أولئك الصبيان المستهترون فهم المتزلفون المتملقون ذوو العقول الصبيانية.

وأما أولئك السفهاء الماجنون فهم أشخاص متفرنجون أنذال لا دين لهم ولا ملة.

وأما المشاهدون الأجانب فهم الصحفيون الذين ينشرون أفكار الأجانب الإفرنج.

وكل واحد من المسلمين، ولاسيما إن كان من ذوي الفضل والكمال، له موقع يَظهر فيه في هذا الجامع حسب درجته، وتتجه الأنظار إليه، وإذا ما صدرت منه تصرفاتٌ وأعمال تتعلق بالأحكام والحقائق القدسية التي يعلِّمه إياها القرآن الحكيم من حيث الإخلاص والرضا الإلهي اللذان هما سران أساسيان من أسس الإسلام، ونطق لسان حاله الآيات القرآنية معنى؛ فيدخل حينئذ معنىً ضمن الدعاء الذي يلهج به لسان كل

296. صفحة

فرد من أفراد العالم الإسلامي، وهو: "اللّهُمّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ"، ويكون له نصيب فيه، وتكون له علاقةٌ أخوية معهم جميعًا، إلا أن قيمته لا تظهر في نظر بعض أهل الضلالة الذين هم من نوع الحيوانات المضرة، وبعض الحمقى الذين ما هم إلا أطفال ملتحون.

أما إذا ما ترك ذلك الرجل جميعَ أجداده الذين يعدهم مبعث مجده، وجميعَ آبائه الذين يعدهم منبع فخره، وتخلى عن جادّة السلف الصالح النورانية الذين يعدُّهم نقطة استنادٍ لروحه، وقام بأمور وتصرفات ملوثة بالبدع وبدافع من رغبات النفس وهواها والرياء وحب الشهرة؛ فإنه يسقط معنويًّا إلى أسفل الدركات في نظر جميع أهل الحقيقة وأهل الإيمان؛ إذ إن قلوب أهل الإيمان -حتى لو كانوا من العوام ومن الجهلاء- إذا ما رأت أمثال هؤلاء الرجال المغرورين المعجبين بأنفسهم، حسب سرّ "اتّقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله([1])" جَفَتْهم واستثقلتهم، وأبغضتهم –معنىً- ولو لم تدرك عقولهم.

فيا أيها المفتون بحب الجاه، والمبتلى بحب الشهرة، إن الرجل الثاني يتردى إلى أسفل سافلين في نظر جماعةٍ غفيرة لا حدَّ لأفرادها ولا عدّ، ويكسب موقعًا مؤقتًا ومنحوسًا في نظر بعض السفهاء التافهين الساخرين السخفاء الهاذين، ويلقى الخسارة في الدنيا، والعذاب في البرزخ، وبعض الأصدقاء المزيَّفين الصوريين الأعداء في الآخرة بسرّ ﴿الأَخِلاّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاّ الْمُتَّقِينَ﴾(الزخرف:67).

أما الرجل الأول فحتى لو لم يُخرِج حب الجاه من قلبه -فرضًا- فإنه يكسب مقامًا معنويًّا مشروعًا نوعًا ما، بل مقامًا عظيمًا جليلا، يُشبِع عرق حب الجاه هذا إشباعًا تامًّا، وذلك بشرط أن يتخذ الإخلاص والرضا الإلهي أساسًا له، ولا يتخذ حب الجاه هدفًا وغاية.

فهذا الرجل يفقد شيئًا قليلا، بل ضئيلا وتافهًا، ولكنه يجد مقابل ذلك أشياء قيمة، بل غالية ونفيسة لا ضرر فيها، وربما يتسبب ذلك في هروب بعض الثعابين منه، ويجد




[1])) رواه الترمذي برقم 3127، والطبراني في المعجم الأوسط برقم 3254 و7843، وفي المعجم الكبير برقم 7497، وورد في مسند الشاميين برقم 2042، وفي مسند الشهاب برقم 663. 


297. صفحة

مقابل ذلك كثيرًا من المخلوقات الطيبة المباركة أصدقاء له، ويستأنس بها، أو يطرد الزنابير اللاسعة، ولكن يجذب إليه النحل الذي هو سُقاة مباركون لشراب الرحمة كأنه يأكل من أيديهم العسل، ويجد أصدقاء وتُسقَى روحُه الفيوضات كالكوثر من جميع أنحاء العالم الإسلامي بأدعيتهم الدائمة له، وتسجَّل في سجل أعماله.

وكان ارتكب -ذات مرة- رجل صغير يشغل مقامًا دنيويًّا كبيرًا ذنبًا جسيمًا في سبيل الشهرة فصار موضع خزي وسخرية في نظر العالم الإسلامي؛ فلقّنتُه ذلك الدرس التمثيلي السابق، وضربت به رأسه، فهزّه هزًّا شديدًا، ولكن إيقاظي هذا لم يوقظه لعدم تمكني من إنقاذ نفسي من حب الجاه.

الدسيسة الثانية: إن من أهم أحاسيس الإنسان وأرسخها حس الخوف، فالظالمون الماكرون الكائدون يستغلون غريزة الخوف هذه كثيرًا، ويلجمون بها الجبناء، وإن جواسيس أهل الدنيا، ودعاة أهل الضلال يستفيدون من هذه الغريزة كثيرًا لدى العوام، ولا سيما العلماء، ويخيفونهم، ويثيرون هواجسهم وأوهامهم، فمثلا:

كما أن رجلا ماكرًا دسّاسًا يُبرِز شيئًا يبدو مضرًا في نظر رجل وهَّام على سطح الدار، ويثير هواجسه وأوهامه حتى يُلقيَه إلى الهلاك والخطر، ويطارده به ويدفعه شيئًا فشيئًا إلى حافة السطح، فيُسقِطه على رأسه، وتنكسر رقبته؛ كذلك فأهل الضلال وأهل الدنيا يثيرون الأوهام والهواجس التافهة لدى الناس، ويدفعونهم إلى التضحية بأمور مهمة غالية جدًّا، حتى إن الرجل ليدخل فم الثعبان خشية أن تلسعه البعوضة.

ولقد كان شخص جليل -رحمه الله تعالى- يخاف من ركوب الزورق، وذات مساء وصلنا معًا إلى جسر في إسطنبول، واقتضى الأمر أن نركب الزورق، ولم تكن توجد عربات وقتئذ، وكان علينا أن نذهب إلى حي أبي أيوب الأنصاري، فألححت عليه.

فقال: إنني أخاف، ولربما نغرق.

فقلت له: كم زورقًا في هذا الخليج في تقديرك؟

قال: ربما ألف زورق.

قلت: فكم منها يغرق في السنة؟

قال: زورق أو زورقان، ولا يغرق منها شيء في بعض السنين أصلاً.


298. صفحة

قلت: وكم يومًا في السنة؟

قال: ثلاثمائة وستون يومًا.

قلت: إن احتمال الغرق الذي يعترض أوهامك ويمس خوفك هو احتمالٌ واحد من بين ثلاثمائة وستين ألف احتمال، فالذي يخاف من مثل هذا الاحتمال لا يمكن أن يكون حيوانًا فضلا عن أن يكون نسانًا!

ثم أضفت: ترى كم سنة تعتقد أن تعيش؟

قال: إنني شيخ عجوز، ولربما أعيش عشر سنوات أخرى.

قلت له: إن احتمال الموت قائم في كل يوم؛ لأن الأجل مخفي، إذن من المحتمل وفاتك في كل يوم من ثلاثة آلاف وستمائة يوم، فمن المحتمل أن تموت اليوم باحتمالٍ واحد من بين ثلاثة آلاف احتمال، وليس باحتمالٍ واحد من بين ثلاثمائة ألف احتمال كما في الزورق، فارتجِفْ إذن واهتَزّ وابكِ، واكتب وصيتك، فعاد إلى رشده، فأركبته الزورق وهو يرتجف.

وقلت له ونحن في الزورق: إن الله تعالى قد وهب لنا الشعور بالخوف من أجل حفظ الحياة، لا لهدمها أو تدميرها، ولم يمنحها لجعل الحياة ثقيلة وصعبة وأليمة ومعذّبة، فإن كان الخوف احتمالا واحدًا من بين احتمالين أو ثلاثة أو أربعة، بل من خمسة أو ستة فربما يكون خوفًا مشروعًا في حيطة وحذر، ولكن الخوف لاحتمالٍ واحد من بين عشرين أو ثلاثين أو أربعين احتمالا لا يكون إلا وهمًا يحوِّل الحياة إلى عذاب.

فيا إخواني، إذا هجم عليكم متملقو أهل الإلحاد ومتزلفوهم كي يصدوكم عن جهادكم المعنوي القدسي بزرع الخوف في قلوبكم فقولوا لهم:

نحن حزب القرآن، وضمن حصن القرآن بسرّ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾(الحجر:9)، وإن ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾(آل عمران:173) سُورٌ محكم يحيط بنا، فلن تستطيعوا أن تسوقونا باختيارنا إلى طريقٍ يُلحق بحياتنا الأبدية -مائة في المائة- آلافًا من الأضرار خشية أن يَلحق ضرر طفيف بهذه الحياة الفانية القصيرة باحتمالٍ واحد من بين آلاف الاحتمالات.


299. صفحة

وقولوا لهم أيضًا:

يا ترى من لحق به ضررٌ ممن هم رفقاء له في درب الحق من أمثالنا من أهل الحق بسبب سعيد النورسي الذي هو رفيقنا في الخدمة القرآنية، ومرشدنا وناظرنا في تدابير أمور الخدمات القدسية؟ ومن أصابه مصيبة ومشقة من خواص تلاميذه، حتى نصاب بها نحن أيضًا، ونقلقَ ونضطرب من احتمال أن تصيبنا؟

إن لأخينا هذا آلافًا من الأصدقاء والإخوان الأخرويين، ولم نسمع منذ ثلاثين سنة تقريبًا أن أحدًا من إخوانه تضرر بسببه هو على الرغم من خوضه غمار الحياة الاجتماعية بشكلٍ مؤثر فعال، ولاسيما أنه كان بيده مطرقة السياسة آنذاك، ولكن الآن ليس بيده إلا نور الحقيقة بدلا من تلك المطرقة.

وعلى الرغم من أنهم وضعوا اسمه في حادثة الواحد والثلاثين من آذار، وعذبوا بعض أصدقائه؛ فإنه قد تبين فيما بعد أن الحادثة قد أثيرت من قبل أشخاص آخرين، فلم يلقَ أصدقاؤه البلاء بسببه هو، بل بسبب أعدائه، وهو قد أنقذ آنذاك كثيرًا من أصدقائه.

وبناء على هذا فعليكم أن تخرسوا متزلّفي أهل الضلال، وتطردوهم قائلين: يجب ألا يخطر ببال الشياطين من أمثالكم أننا سنُفَوِّتَ ونُضَيِّعَ كنزًا أبديًّا من أيدينا مخافة احتمال خطرٍ واحد وتهلكة واحدة من بين ألف احتمال، بل من بين آلاف الاحتمالات! 

وقولوا كذلك لأولئك المتملقين المتزلفين:

لو أصابنا الهلاك، ليس باحتمالٍ واحد من بين مئات الآلاف من الاحتمالات، بل باحتمالٍ بنسبة مائة بالمائة؛ فلن نخاف ونهرب ونتخلى عنه إن كنا نملك ذرة من عقل؛ ذلك لأنه قد ظهر بالتجارب الكثيرة –ولم يزل يظهر- أن الذين خانوا إخوانهم الكبار أو أستاذهم أومرشدهم حين المخاطر؛ تنفجر الدواهي عليهم أولا، فضلا عن أنهم عوقبوا بلا رحمة، وعوملوا معاملة الخونة السفلة، وماتت أجسادهم، وفي الوقت نفسه هلكت أرواحهم معنى في ذل ومهانة.

والذين يعاقبونهم لا يشعرون في قلوبهم برحمة تجاههم؛ لأنهم يقولون: بما أن هؤلاء خانوا أستاذهم ومرشدهم الوفي لهم والعطوف عليهم؛ فلابد أنهم خونة سفلة، ولا يستحقون الرحمة، بل الإهانة والتحقير.


300. صفحة

وبما أن الحقيقة هكذا؛ وبما أن الرجل الظالم الطاغي وعديم الضمير لو طرح أحدَهم أرضًا، وسحق رأسه بقدمه بشدة، وقبّل هذا الرجل الملقى على الأرض قدَمَ هذا الظالم الطاغي المتوحش، فإن قلبه ينسحق قبل رأسه بهذا الذل، وتموت روحه قبل جسده، ويفقد رأسه، وفي الوقت ذاته تضيع كرامته وعزته، ثم إنه يشجع هذا الظالم الطاغي ذا الضمير المفترس على سحقه إذا ما أظهر أمامه الضعف، ولكن إذا بصق هذا الرجل المظلوم في وجه ذلك الظالم الطاغي الذي هو ملقى تحت قدمه، فإنه ينقذ قلبه وروحه، ويصبح جسده شهيدًا مظلومًا.

ألا فابصقوا في الوجوه الوقحة الصفيقة لهؤلاء الظالمين الطغاة!

وحينما دمرت دولة بريطانيا مدافع مضيق البسفور فاحتلت إسطنبول وُجِّه من قبل رئيس أساقفة الكنيسة الإنجيلية التي هي أعلى مجلس ديني في تلك الدولة آنذاك ستة أسئلة إلى المشيخة الإسلامية، وكنت عضوًا في دار الحكمة الإسلامية آنذاك.

فقالوا لي: أجبهم، إنهم يريدون جوابًا بستّمائة كلمة على أسئلتهم الستّة؟

فقلت: لن أجيب بستمائة كلمة، ولا بست كلمات، ولا بكلمة واحدة، بل لن أجيب إلا بالبصاق؛ لأن تلك الدولة عندما داست مضايقنا بأقدامها كما ترون؛ فإنه ينبغي البصق في وجه أسقفها على أسئلته التي سألها بغرور وتكبر علينا، فابصقوا في الوجوه القاسية لهؤلاء الظالمين!

والآن أقول يا إخواني:

إن خطر مواجهة حكومةٍ متجبرة كبريطانيا بلسان المطابع -الذي هو في حقيقته بصق في وجهها- كان بنسبة مائة بالمائة عندما تحتل بلادنا، ولكن الحفظ القرآني قد كفاني، فلابد أنه كافٍ لكم أيضًا بمائة ضعف إزاء الأضرار التي تصدر عن هؤلاء الظالمين التافهين باحتمال واحد بالمائة.

ثم إنكم يا إخواني قد أدى أغلبكم الخدمة العسكرية، والذين لم يؤدوها سمعوا عنها حتمًا، والذين لم يسمعوا عنها فليسمعوا مني:

إن أكثر من يصابون بجروح في الحرب هم أولئك الذين يتركون خنادقهم ويفرون، وأقلّ من يصابون بجروح هم أولئك الذين يثبتون في خنادقهم، والمعنى الإشاري لهذه

301. صفحة

الآية ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾(الجمعة:8) يشير إلى أن الفارِّين من الموت يَلقَوْنَه أكثر من غيرهم.

الدسيسة الشيطانية الثالثة: إن شياطين الإنس يصيدون الكثيرين بسبب الطمع، وقد أثبتنا في كثير من الرسائل بالبراهين القاطعة التي استفضناها من الآيات البينات للقرآن الحكيم أن الرزق المشروع لا يأتي بنسبة الاقتدار والاختيار، بل بنسبة العجز والافتقار، وهناك أمارات ودلائل على الإشارات غير المحدودة التي تشير إلى هذه الحقيقة، منها:

أن الأشجار التي هي نوع من الأحياء والتي تحتاج إلى الرزق تقف في مكانها منتصبة، ويأتيها رزقها سعيًا، ولكن الحيوانات التي تلهث وراء رزقها بحرص لا تتغذى تغذية كاملة مثل الأشجار.

ثم إن تغذي الأسماك التي هي نوع من الحيوانات تغذيةً كاملة رائعة وظهورها في الغالب مكتنِزَةً، مع أنها بليدة عاجزة تعيش في الرمال، وكون الحيوانات الذكية المقتدرة كالقردة والثعالب هزيلة ضعيفة بسبب سوء معيشتها؛ يدل على أن واسطة الرزق ليست القدرة، وإنما الافتقار.

وإن حسن معيشة جميع الصغار، سواء كانوا من البشر أو الحيوانات، ونيلهم إحسان ألطف هدية من الخزانة الربانية كاللبن من حيث لا يحتسبون رأفةً بضعفهم وعجزهم، وضيقَ معيشة الحيوانات المفترسة؛ يدل على أن وسيلة الرزق الحلال هي العجز والافتقار، وليست الذكاء والاقتدار.

ثم إنه ما من أمة من الأمم في الدنيا أكثر سعيًا وراء الرزق من اليهود المشهورين بشدة الحرص، ولكنهم مع ذلك يتعرضون لسوء المعيشة في ذل وبؤس أكثر من غيرهم، حتى إن أغنياءهم أيضًا يعيشون حياة ذليلة، والأموال التي يكسبونها بطرق غير مشروعة كالربا ليست من الرزق الحلال حتى تجرح مسألتنا هذه.

وإن فقر كثير من الأدباء وكثير من العلماء، وثراء كثير من البلهاء وغناهم؛ يدل على أن وسيلة جلب الرزق ليست الذكاء والاقتدار، وإنما العجز والافتقار، والتسليم في توكل، والدعاء بلسان المقال، وبلسان الحال، وبلسان الفعل.


302. صفحة

وهذه الآية ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾(الذاريات:58) التي تعلن هذه الحقيقة هي برهان قوي متين على دعوانا هذه، حتى إنها تُقرأ بلسان جميع النباتات والحيوانات والأطفال، وكل طائفة تطلب الرزق تقرأ هذه الآية بلسان الحال.

وبما أن الرزق مقدَّر، ويُمنح ويعطى، وأن المعطي هو الله تعالى، وهو رحيم وكريم؛ فالذي يهدر ماء وجهه، بشكلٍ غير مشروع، لحد اتهام رحمته سبحانه وتعالى، وبصورة استخفاف بكرمه عز وجل، ويعطي ضميره، بل بعضَ مقدساته رشوة، ويقبل مالا حرامًا منحوسًا عديم البركة؛ عليه أن يفكر كيف أن هذا جنونٌ مضاعف!

أجل؛ إن أهل الدنيا، ولاسيما أهل الضلال، لا يعطون نقودهم رخيصة، بل يبيعونها غالية جدًّا، والمرء يصبح أحيانًا وسيلة لدمار الحياة الأبدية غير المحدودة مقابل مال سيُعِين إلى حد ما على حياة دنيوية لسنة واحدة، وبذلك الحرص القذر يجلب الغضب الإلهي، ويحاول أن يكسب رضا أهل الضلال.

فيا إخواني:

إذا اصطادكم متملقو أهل الدنيا ومنافقو أهل الضلال بسبب الطمع، ذلك الوتر البشري الضعيف؛ ففكروا في الحقيقة السابقة، واتخذوا أخاكم الفقير هذا مثالا يُحتذَى به، وإني أؤكد لكم وأطمئنكم بكل قوتي أن القناعة والاقتصاد يديمان حياتكم ويوفران لكم الرزق أكثر من الراتب، ولاسيما أن تلك النقود غير المشروعة المعطاة لكم، سيطلب منكم مقابلها ثمن مضاعف ألف مرة، وقد تعيق الخدمةَ القرآنية التي يمكنها أن تفتح لكم كل ساعةٍ من ساعاتها خزانة أبدية، أو تورث الفتور تجاهها، وهذا ضرر كبير، وفراغ لا يمكن أن يملأه أحد حتى لو أعطي كل شهر آلاف الرواتب.

تنبيه: إن أهل الضلالة لا يستطيعون أن يواجهوا ويقابلوا ما نشرناه من الحقائق الإيمانية والقرآنية التي استقيناها من القرآن الحكيم، فيستعملون فخّ الإغفال ومصيَدة الحيلة في نفاقٍ ودسائس، ويريدون أن يخدعوا أصدقائي بحب الجاه، والطمع، والخوف، وأن يحطوا من شأني بالزور والبهتان.


303. صفحة

إننا نتصرف في دعوتنا وخدماتنا القدسية تصرفًا إيجابيًّا دومًا، ولكن وظيفة دفع الموانع التي تعيق كل أمر من أمور الخير تدفعنا للأسف إلى التصرف السلبي أحيانًا؛ ولذلك أنبّه إخواني إلى النقاط الثلاث السابقة تجاه دعايات أهل النفاق الخادعة الماكرة، وأسعى لدفع الهجمات التي يتعرضون لها.

ولكن أخطر هجوم الآن هو الهجوم على شخصي، فهم يقولون: إن سعيدًا كردي، فلِمَ توقرونه وتجلونه إلى هذا الحد، ولم تتبعونه؟

ولكي أُسكِتَ أمثال هؤلاء الأوغاد أضطرّ إلى أن أذكر الدسيسة الشيطانية الرابعة بلسان سعيد القديم دون رغبة مني في ذلك.

الدسيسة الشيطانية الرابعة: إن بعض الملحدين الذين يهاجمونني بالادعاءات من تلقينات الشيطان وإلقاءات أهل الضلالة، والذين يشغلون المناصب المهمة، يقولون حتى يخدعوا إخواني ويثيروا فيهم العصبية القومية:

إنكم أتراك، وفي الأتراك كل صنف من أصناف العلماء وأهل الكمال بفضل الله سبحانه وتعالى، وإن سعيدًا هذا كردي، والعمل مع من ليس من قوميتكم ينافي الحمية والنخوة القومية.

فالجواب: أيها الملحد الشقي، إنني ولله الحمد مسلم، ولأمتي القدسية في كل زمن ثلاثمائة وخمسون مليونًا من الأفراد، وإنني أعوذ بالله سبحانه وتعالى بمائة ألف مرة أن أضحي بثلاثمائة وخمسين مليونًا من إخواني الذين يؤسسون مثل هذه الأخوة الخالدة، ويعينونني بأدعيتهم، وفيهم أغلبية مطلقة للأكراد، وأن أكسب بدلا من أولئك الإخوان الميامين الطيبين غير المحدودين بعضًا ممن يسلكون مسلكًا ملحدًا أو مسلكًا لا يعترف بمذهب من المذاهب ممن يحملون صفة الكردي، ويُعدون من الأكراد.

فيا أيها الملحد، لابد من وجود الحمقى من أمثالك، حتى يتخلوا عن الأخوة الخالدة لجماعة حقيقية نورانية نافعة تبلغ ثلاثمائة وخمسين مليونًا، كي يكسبوا مؤقتًا ما لا ينفع -حتى في الدنيا- من أخوة كفار المجر، أو بعض الأتراك الذين صاروا ملحدين ومتفرنجين.


304. صفحة

وقد وضّحنا ماهية القومية السلبية وأضرارها بدلائلها في "المسألة الثالثة" من "المكتوب السادس والعشرين"؛ لذا نحيل إليها، إلا أننا نبين هنا إلى حدّ ما الحقيقة التي ذُكرت بإجمال في نهاية تلك "المسألة الثالثة" وهي:

إنني أقول لأولئك الملحدين الذين يدّعون الحمِيّة والنخوة، ويتسترون تحت ستار القومية التركية، وهم في الحقيقة أعداء للأتراك:

إنني على علاقة مع الأمة الإسلامية بأخوة أبدية وحقيقية، ولي علاقة حقيقية خالصة ووثيقة جدًّا مع أهل الإيمان في هذا الوطن والذين يسمون بالأتراك، وأكن حبًّا بافتخار وولاء باسم الإسلام لأبناء هذا الوطن الذين طافوا براية القرآن منتصرين منذ ألف سنة تقريبًا حول الجهات الست للعالم!

أما أنت أيها المخادع المدعي للحمية والنخوة، فليس لك إلا أخوة مجازية عنصرية مؤقتة مُغرِضة بصورة تُنسِي مفاخر أمة الأتراك الحقيقية، وأنا أسألك:

هل الأمة التركية عبارة عن شبابٍ غافلين تابعين لأهوائهم ممن هم بين العشرين والأربعين من أعمارهم فقط؟!

وهل مصلحتهم، والخدمة التي تقتضيها الحمية القومية تجاههم في تربية إفرنجية تزيد من غفلتهم وتعوّدهم على الفساد والأخلاق السيئة، وتشجعهم على المحرمات، وهل هي في إضحاك مؤقت سيبكيهم في الشيخوخة؟!

فإذا كانت الحمية القومية عبارة عن هذه الأمور، وإذا كان التقدم وسعادة الحياة هي هذه... أجل؛ إن كنت مدعيًا مثل هذه القومية التركية، وإن كنت قوميًّا على هذه الصورة، فإني أفرّ من دعوى القومية التركية هذه، ولك كذلك أن تفر مني، ولو كان لديك مثقال ذرة من حمية وإدراك ووعي وإنصاف فانظر إلى هذا التقسيم، وأجبني، وهو:

إن أبناء هذا الوطن الذين يسمون بالأمة التركية على ستة أقسام:

القسم الأول: أهل الصلاح والتقوى.

القسم الثاني: طائفة أهل المصائب والمرضى.

القسم الثالث: صنف الشيوخ.

القسم الرابع: طائفة الأطفال.


305. صفحة

القسم الخامس: طائفة الفقراء والضعفاء.

القسم السادس: الشباب.

فيا ترى، أليست الطوائف الخمس الأولى أتراكًا؟! أوليس لهم حظّ من الحمية القومية؟

وهل إيذاء الطوائف الخمس الأولى وتنغيص عيشهم وتعكير صفوهم وكسر سلوانهم في سبيل إمتاع الطائفة السادسة إمتاعًا مسكرًا؛ حمية قومية؟ أم عداء لتلك الأمة؟ إن الذي يُلحِق الضرر بالأغلبية عدوّ، وليس بصديق حسب دستور "الحكم للأكثرية".

إنني أسألك:

هل المنفعة العظمى للقسم الأول، وهم أهل الإيمان والتقوى، في حضارة متفرنجة؟ أم في التطلع إلى السعادة الأبدية بأنوار الحقائق الإيمانية، والسلوك في طريق الحق الذي يشتاقون إليه ويهوونه، والعثور على السلوان والعزاء الحقيقي؟

إن المسلك الذي يتبعه مدّعو الحمية والنخوة السائرون في طريق الضلال من أمثالك يطفئ الأنوار المعنوية لأهل الإيمان المتقين، ويفسد سلوانهم الحقيقي، ويُرِي الموتَ إعدامًا أبديًّا، والقبرَ بابًا لفراق لا يزالي.

وهل منفعة القسم الثاني، وهم أهل المصائب والمرضى واليائسون من حياتهم، في تربيةٍ حضارية متفرنجة في إلحاد؟ إن هؤلاء المساكين البائسين يطلبون نورًا، ويطلبون سلوانًا، ويطلبون مكافأةً على مصائبهم، ويطلبون الثأر ممن ظلمهم، ويريدون أن يدفعوا الهول والفزع عند باب القبر الذي يقتربون منه، إلا أنكم بحميتكم الكاذبة تغرزون إبرًا في قلوب أهل المصائب هؤلاء الذين هم أجدر الناس بالشفقة والرأفة واللطف والرعاية والخدمة، والذين هم في أمس الحاجة إليها، وتضربون بالمطارق فوق رءوسهم، وتكسرون آمالهم ورجاءهم بلا رحمة، وتلقونهم في يأسٍ مطلق، أهذه هي الحمية القومية؟! أهكذا تنفعون الأمة؟

والطائفة الثالثة، وهم الشيوخ، وهم يشكلون ثلث الأمة، وهم على مقربة من القبر، ويقتربون من الموت، ويبتعدون عن الدنيا، ويركنون إلى الآخرة، هل

306. صفحة

منفعة هؤلاء ونورهم وسلوانهم في الاستماع إلى القصص الظالمة للظالمين من أمثال هولاكو وجنكيز خان؟! وفي تصرفاتكم الراهنة التي تنسي الناس الآخرة، وتجعلهم يتعلقون بالدنيا، وهي تصرفاتٌ عقيمة، يُطلَق عليها التقدم والتحضر وما هي إلا سقوط معنى؟! وهل النور الأخروي في السينما؟! وهل السلوان الحقيقي في المسرح؟!

وإذ كان هؤلاء العجائز المساكين يطلبون الاحترام من أهل الحمية القومية، فإيهامهم بفكرة أنهم يساقون إلى الإعدام الأبدي، وتحويل باب القبر الذي يتصورونه بابًا للرحمة إلى فم أفعى، والنفث في الأذن المعنوية لأحدهم: إنك راحل إلى هناك، بما يشبه تقطيعهم بالسكاكين المعنوية؛ إن كان ذلك حمية قومية، فالعياذ بالله من مثل هذه الحمية القومية مائة ألف مرة! 

والطائفة الرابعة، وهم الأطفال؛ وهؤلاء يريدون الرحمة وينتظرون العطف والشفقة من الحمية القومية، وبمعرفة الخالق القدير الرحيم تنبسط أرواحهم وتنمو استعداداتهم في سعادةٍ وسرور من حيث العجز والضعف الكامن فيهم، وبتلقين التوكل الإيماني والتسليم الإسلامي اللذين بهما تكون مواجهة الأهوال والأحوال المرعبة في الدنيا يمكن أن ينظر هؤلاء الأبرياء إلى الحياة نظرة أمل واشتياق.

فيا ترى هل كل ذلك في دروس التقدم الحضاري التي علاقتهم بها ضئيلة، وفي تعليم دساتير الفلسفة المادية المظلمة الحالكة وحدها التي تكسر قوتهم المعنوية، وتطفئ أرواحهم؟!

فلو كان الإنسان عبارة عن الجسد الحيواني، ولم يكن يحمل عقلا في رأسه، لربما كان هذا المنهج الإفرنجي الذي يُمتّع هؤلاء الأطفال الأبرياء مؤقتًا، والذي تطلقون عليه اسم التربية المدنية، وتزينونه وكأنه التعليم القومي، لربما كان يفيدهم وينفعهم نفعًا دنيويًّا كلعبة الأطفال.

وبما أن هؤلاء الأبرياء سيخوضون غمار الحياة المائجة، وبما أنهم بشر؛ فلابد أنه ستكون في قلوبهم الصغيرة آمالٌ عريضة بعيدة جدًّا، وتتولد في عقولهم الصغيرة أهداف ومقاصد كبيرة.


307. صفحة

وبما أن الحقيقة هكذا، وأنهم فقراء وعاجزون فقرًا وعجزًا غير محدودين؛ فلابد أن العطف عليهم يقتضي ترسيخ نقطة استنادٍ قوية، وتثبيت نقطة استمداد لا تنفد في قلوبهم بصورة الإيمان بالله والإيمان بالآخرة، وبهذه الصورة تتحقق الشفقة عليهم والرحمة بهم، وإلا فهو ذبحٌ معنوي لأولئك الأبرياء المساكين بسكر الحمية القومية، كقيام الأم المجنونة بذبح ولدها بالسكين، وظلمٌ وجور كإخراج دماغ الطفل وقلبه، ثم إطعامه لتغذية جسمه.

والطائفة الخامسة، وهي طائفة الفقراء والضعفاء:

فيا ترى؛ أليس هنالك حظٌّ من الحمية القومية للفقراء الذين يقاسون تكاليف الحياة الثقيلة مقاساة أليمة بسبب الفقر، والضعفاء الذين يتألمون تألمًا بالغًا من قلاقل الحياة وتقلباتها واضطراباتها الشديدة؟!

وهل حظ هؤلاء المساكين منها في التصرفات التي تمارسونها تحت اسم التحضر والتمدن بالحضارة المتفرنجة الفرعونية الممزِّقة لحجاب الحياء، والتي تزيد هؤلاء المساكين يأسًا وآلامًا، والتي هي مرتع الأهواء النفسية لبعض الأغنياء السفهاء، ووسيلة شهرةٍ وشقاء لبعض الأقوياء الظالمين؟!

إن البلسم الناجع لجروح الفقر لهؤلاء الفقراء المساكين لا يمكن أن يصدر عن فكر العنصرية، وإنما من الصيدلية القدسية للإسلام، ولا يمكن أن تُستمد قوة الضعفاء ومقاومتهم من الفلسفة الطبيعية المظلمة غير الواعية المستندة إلى المصادفة، وإنما من الحمية والقومية الإسلامية القدسية.

والطائفة السادسة وهم الشباب، فلو كان شباب هؤلاء الشباب دائمًا، لكان للخمر التي تسقونهم إياها بالقومية السلبية منفعةٌ ومصلحةٌ مؤقتة بالنسبة لهم، ولكن سكر هذه الخمر وآلامها سيُبكي الشباب كثيرًا عندما يُفِيق من سكر الشباب اللذيذ بألم الشيخوخة، ويصحو من ذلك النوم الحلو بالتأسف والحسرات في صبح الشيخوخة، وذلك الألمُ الكامن في زوال ذلك الحلم اللذيذ الممتع سيجعل الشابَّ يتحسر ويتأسف في حزن شديد، وسيجعله يقول: وا أسفاه، لقد ذهب الشباب، وضاع العمر، فأنا أدخل القبر مفلسًا، فيا ليتني عدت إلى رشدي وصوابي!


308. صفحة

فيا ترى؛ هل حظ هذه الطائفة من الحمية القومية، هو دفعهم إلى البكاء بحسرةٍ وأسف في مدة طويلة جدًّا من أجل تَمتّعٍ مؤقت في وقتٍ قصير؟!

أم أن سعادتهم الدنيوية ومتعتهم الحياتية، في الفوز بالشباب الأبدي في دار السعادة بإبقاء -معنًى- هذا الشباب الفاني بالعبادة بإنفاق هذه النعمة في طريق الاستقامة وليس في طريق اللهو والمتع، وبقضاء عهد الشباب في استقامةٍ، مما يعني الشكر على نعمة الشباب الجميلة اللطيفة الحلوة؟

أجبني إن كان لك مثقال ذرة من والوعي والإدراك!

الحاصل: لو كانت الأمة التركية عبارةً عن الطائفة السادسة وهي الشباب، وظلت شبابيتهم دائمةً، وليس لهم دارٌ غير الدنيا، لعُدَّت تصرفاتكم المتفرنجة التي تقومون بها تحت ستار القومية التركية من الحمية القومية، ولاستطعتم أن تقولوا عن شخصٍ مثلي ولد في منطقةٍ أخرى، ولا يولي اهتمامًا للحياة الدنيوية إلا قليلا، ويعدّ فكرة العنصرية مرضًا كمرض التفرنج، ويسعى إلى صرف الشباب عن الأهواء والرغبات النفسية غير المشروعة؛ لاستطعتم أن تقولوا عنه: إنه كردي، لا تتبعوه.

ولكن لما كان أبناء هذا الوطن الذين يدخلون تحت صفة الترك ستة أقسام كما بينا سابقًا، كان إلحاق الضرر بالأقسام الخمسة، وإفساد راحتهم، وجلب راحةٍ ومتعة مؤقتة دنيوية مشئومةِ العاقبة لقسمٍ واحد فقط، بل إسكاره، عداوةٌ لهذه الأمة التركية، وليس صداقةً لها!

أجل؛ إنني لا أُعَدّ تركيًّا من حيث العنصر، ولكني عملت وما زلت أعمل بكل قوتي وبكمال الشوق، وبعطفٍ ورأفة وأخوة من أجل طائفة أهل التقوى من الأتراك، وقسم أهل المصائب، وصنف الشيوخ، وطائفة الأطفال، وزمرة الضعفاء والفقراء منهم، وأنا أريد أن أصرف القسم السادس وهم الشباب عن التصرفات والسلوكيات غير المشروعة التي تسمم حياتهم الدنيوية، وتدمر حياتهم الأخروية، وتتسبب في بكاءٍ لمدة سنة كاملة مقابل ساعة من الضحك،

والآثار التي نشرتها باللغة التركية مستقيًا إياها من القرآن الحكيم ليس فقط منذ هذه السنوات الست أو السبع، بل منذ عشرين سنة؛ في الميدان!


309. صفحة

أجل؛ إن أشد ما ترجوه طائفة الشيوخ من الأنوار يتم إظهاره بالآثار المقتبسة من معدن أنوار القرآن الحكيم ولله الحمد، وإن أنجع الأدوية -كالترياق- التي يحتاج إليها أهل المصائب والمرضى يتم إظهارها في الصيدلية القدسية القرآنية، وإن باب القبر الذي هو أكثر ما يقلق الشيوخ قد أُظهِرَ بالأنوار القرآنية أنه بابُ رحمة، وليس بابَ إعدام، وأُخرِجت من معدن القرآن الحكيم في قلوب الأطفال الرقيقة نقطةُ استناد قوية جدًّا تجاه ما لا حد له من المصائب والأمور المضرة، ونقطة استمدادٍ هي مدار لما لا حد له من آمالهم ورغباتهم، وأُظهرت لهم، ووُضعت لاستفادتهم واستفادوا فعلا، وخُفِّفت بالحقائق الإيمانية للقرآن الحكيم عن الفقراء والضعفاء تكاليفُ الحياة الثقيلة التي هي أكثر ما يسحقهم ويحزنهم ويؤلمهم.

وهذه الطوائف الخمس هي خمسة أقسام من الأقسام الستة للأمة التركية، فنحن نسعى لمصلحتهم ومنفعتهم، وأما القسم السادس وهو الشباب، فنُكِنّ محبة خالصة للصالحين منهم، ولا صداقة لنا بأي وجه من الوجوه مع الملحدين من أمثالك؛ لأننا لا نعدّ الملحدين الذين يريدون أن يمرقوا من الأمة الإسلامية التي تحمل كل المفاخر الحقيقية للأمة التركية من الأتراك، بل نعدّهم من الإفرنج الذين يتسترون بستار القومية التركية؛ ذلك لأنهم لو ادعوا أنهم من القوميين الأتراك قائلين ذلك مائة ألف مرة فلن يستطيعوا أن يخدعوا أهل الحقيقة؛ إذ إن أفعالهم وتصرفاتهم تُكذِّب دعواهم.

فيا أيها المتفرنجون، ويا أيها الملحدون الذين تَسعَوْن بدعاياتكم إلى تنفير إخواني الحقيقيين مني!

ما نفعكم لهذا الشعب؟

إنكم تطفئون نور أهل التقوى والصلاح وهم الطائفة الأولى، وتنثرون السم على جروح من يستحقون الرحمة والعطف والرعاية والخدمة وهم الطائفة الثانية، وتكسرون سلوان الطائفة الثالثة التي تستحق الاحترام والتوقير كل الاستحقاق، وتلقونهم في يأس مطلق، وتكسرون كليًّا معنويات الطائفة الرابعة التي هي في أمس الحاجة إلى الشفقة والرأفة، وتطفئون إنسانيتهم الحقيقية، وتجعلون آمال الطائفة الخامسة واستمداداتهم وهم في أمس الحاجة إلى العون والمساعدة والسلوان والعزاء

310. صفحة

عقيمة، وتحوِّلون الحياة في نظرهم إلى صورةٍ أفزع وأدهى من الموت، وتسقون الطائفة السادسة التي هي في أمس الحاجة إلى الإيقاظ والإفاقة خمرًا أليمًا وشديدًا جدًّا سكرها في نوم الشباب.

فيا ترى هل هذه هي حميتكم القومية حتى تُضحّون بكثير من المقدسات في سبيلها؟! أهكذا يكون نفع القومية التركية للأتراك؟! فالعياذ بالله تعالى مائة ألف مرة!

أيها السادة، إني أعلم أنكم إذا انهزمتم في الحقّ تلجئون إلى القوة، فلو حولتم الأرض إلى كرة من النار على رأسي فلن ينحني لكم هذا الرأس الذي هو فداءٌ للحقيقة القرآنية، بسر "القوّة في الحقّ، وليس الحقّ في القوّة"!

وإني أخبركم أيضًا أنه ليس لو عاداني ليس فقط أناس محدودون مبغوضون من الشعب بغضًا معنويًّا مثلكم، بل لو عاداني الآلاف من أمثالكم عداوةً مادية فلن أبالي، ولن أقيم لهم وزنًا أكثر مما أقيم لبعض الحيوانات الضارّة؛ لأنه ماذا يمكنكم أن تفعلوا بي؟!

كل ما يمكنكم أن تفعلوه؛ هو إما وضع الخاتمة لحياتي، وإما هدم أعمالي الدعوية، وليس لي علاقة في الدنيا إلا مع هذين الأمرين، أما الأجل الذي يصيب الحياة فقد آمنت إيمانًا قاطعًا جازمًا بدرجة الشهود أنه لا يتغير؛ إذ هو مقدَّر.

وبما أنه كذلك فإنني لا أتحفظ من الموت شهيدًا في سبيل الحق، بل أنتظره بشوق، وخاصة أنني قد أصبحت شيخًا، ولا أظنّ أنني سأعيش أكثر من سنة، فتبديل سنةٍ من العمر الظاهري إلى عمر باقٍ غير محدود يُكتسب بواسطة الشهادة هو أعلى مقصد وأقصى غاية لأمثالي.

أما الدعوة إلى الله، فلله، الحمد فقد وهب لي الله سبحانه وتعالى برحمته إخوانًا في الخدمة القرآنية والإيمانية، بحيث إن هذه الخدمة ستقوم بوفاتي في مراكز كثيرة بدلا من مركز واحد، فلو أُسكِتَ لساني بالموت، فإن ألسنة قوية كثيرة جدًّا ستتكلم بدلا من لساني، وستديم تلك الخدمة، بل يمكنني القول: كما أن بذرة واحدة بعد ما دخلت تحت التراب وماتت تثمر حياة السنبل، وتبدأ مائة من البذور بدلا من بذرة واحدة في الوظيفة؛ كذلك فإني آمل أن يكون موتي وسيلةً للخدمة القرآنية والإيمانية

أكثر من حياتي.

311. صفحة

الدسيسة الشيطانية الخامسة: إن أنصار أهل الضلالة ومن يوالونهم يحاولون أن يجذبوا ويسلبوا إخواني عني مستفيدين من الأنانية والغرور المغروزين في الإنسان.

حقًّا إن أخطر عرقٍ في الإنسان هو الأنانية، وإن أضعفه أيضًا هو الأنانية؛ إذ يمكنهم أن يسوقوه إلى القيام بأمور شريرة وسيئة جدًّا بالتربيت عليه.

فيا إخواني، انتبهوا، واحذروا، أن يصيبوكم بالأنانية، وأن يصيدوكم به.

واعلموا أيضًا أن أهل الضلالة في هذا العصر قد ركبوا "الأنا" يَجرُون به في أودية الضلالة، فأهل الحق لا يمكنهم أن يقوموا بالدعوة إلى الحق والخدمة له إلا بترك الأنانية بالضرورة، وحتى لو كان المرء على حق في استعمال "الأنا"، فبما أنه يشبه الآخرين، وأنهم سيظنونه أنانيًّا مثلهم، فهذا يكون ظلمًا وإجحافًا لخدمة الحقّ.

وبالإضافة إلى ذلك فإن الخدمة القرآنية التي اجتمعنا حولها لا تقبل "الأنا"، وإنما تريد "نحن"، وتقول: لا تقولوا "أنا"، بل قولوا "نحن"، ولا شك أنه قد حصلت لديكم قناعة بأن أخاكم الفقير هذا لم يَبرز إلى الميدان بـ"أنا"، ولا يجعلكم خادمين لأنانيته، وإنما أظهر نفسه إليكم كالخادم القرآني المجرد من "أنا"، واتخذ عدم الإعجاب بنفسه وعدم الانحياز إلى أنانيته منهجًا له.

وإلى جانب هذا فإنه قد أَثبت لكم بالدلائل القاطعة أن الآثار الموضوعة لإفادة الناس هي ملك للجميع، أي إنها ترشحاتٌ من القرآن الحكيم، ولا يستطيع أحد أن يتملكها بأنانيته.

 ولنفترض فرضًا محالا أنني أتملك تلك الآثار بأنانيتي، ولكن فبما أن باب الحقيقة القرآنية هذا قد فُتِح؛ فلا شك أنه ينبغي ألا يلتفت أهل العلم والكمال إلى نقائصي وتواضع شأني، وألا يتحفظوا من مساندتي، وألا يستغنوا عني كما قال أحد إخواني.

وعلى الرغم من أن آثار السلف الصالح والعلماء المحققين خزانة عظيمة كافية ووافية لمعالجة كل معضلة ومشكلة؛ فإنه أحيانًا قد يكون المفتاح أهمّ من الخزانة نفسها؛ لأن الخزانة مقفولة، ولكن المفتاح الواحد يمكن أن يفتح خزائن كثيرة جدًّا.


312. صفحة

وإني إخالُ أن الذين يملكون غرورًا علميًّا بشكلٍ كبير هم أيضًا أدركوا أن "الكلمات" المنشورة كل واحد منها مفتاحٌ للحقائق القرآنية، وسيف ألماسي يهوي على رءوس من يسعون إلى إنكار تلك الحقائق.

فليعلم أهل الفضل والكمال هؤلاء، ومن يحملون أنانيةً علمية قوية، أنهم ليسوا طلابًا وتلاميذ لي، وإنما طلاب وتلاميذ للقرآن الحكيم، وأنا كذلك زميل دراسة لهم.

وحتى لو ادعيتُ الأستاذية بفرض المحال، فبما أننا وجدنا في الوقت الراهن حلاًّ ووسيلة لإنقاذ طبقات أهل الإيمان -عوامهم وخواصهم- من الأوهام والشبهات التي يتعرضون لها، فليجدْ أولئك العلماء وسيلةً أسهل منها، أو ليلتزموا بهذه الوسيلة، وليدرّسوها، وليساندوها وليوالوها.

وهناك وعيدٌ شديد لعلماء السوء، فيجب أن يحذر أهل العلم كثيرًا في هذا الزمان! ولو فرضتم أني أقوم بهذه الدعوة لحساب الأنانية والغرور كما يظن أعداؤنا، فيا تُرى إذا كان كثيرٌ من الناس يتركون الأنانية ويجتمعون من أجل مقصد دنيوي وقومي حول رجل يتصرف كالفراعنة اجتماعًا بكمال الوفاء والإخلاص، ويقومون بالأعمالٍ بتساند قوي متين؛ فهل ليس لأخيكم هذا حقٌّ في أن يطلب منكم التساند حول الحقيقة القرآنية والحقائق الإيمانية بترك الأنانية مثل نشطاء تلك العصابة الدنيوية؟! أوليس أكبر علمائكم غير محقين في عدم تلبية دعوته؟!

يا إخواني، إن أخطر جانب للأنانية في عملنا هو الحسد، فإن لم يكن العمل لله وحده فالحسد يتدخل ويفسد، فكما أن يدي الإنسان لا تحسد إحداهما الأخرى، ولا تحسد عينُه أذنَه، ولا ينافس قلبُه عقلَه؛ كذلك فإن كل واحد منكم بمنزلة حاسة وعضو في الشخص المعنوي لهيئتنا هذه، وواجبكم الوجداني ليس تنافس بعضكم مع بعض، بل افتخار بعضكم بمزايا بعض، والتلذذ بها.

بقي أمرٌ آخر، وهو أخطر الأمور، وهو: وجود الحسد فيكم وفي أحبابكم تجاه أخيكم الفقير هذا، فهذا أخطر الأمور، وفيكم العلماء الأجلاء، وفي بعض أهل العلم غرور علمي، حتى لو كان الشخص نفسه متواضعًا فيكون مغرورًا من هذا الجانب، ولا يتخلى عن غروره بسهولة، ومهما تمسك قلبه وتشبث عقله بهذه الدعوة، فإن نفسه لا

313. صفحة

تزال تطلب تميزًا من حيث غروره العلمي، وتريد أن تروِّج وتسوِّق نفسها، بل تود أن تعارض الرسائل المكتوبة، وعلى الرغم من أن قلبه يحب الرسائل، وأن عقله يعجب بها ويجدها رفيعة سامية، إلا أن نفسه تتمنى أن تحط من شأن "الكلمات" وكأنها تُكِنّ عداوة ضمنية بالحسد الناشئ عن الغرور العلمي، حتى تبلغها محصولاته الفكرية، وتروَّج وتباعَ مثلها.

وإني أخبركم مضطرًّا أن الذين هم ضمن دائرة هذه الدروس القرآنية، حتى لو كانوا علماء متبحرين ومجتهدين، فإن وظيفتهم من حيث العلوم الإيمانية هي شرح هذه "الكلمات" المكتوبة وإيضاحها وتنظيمها فحسب؛ ذلك لأننا أدركنا بأماراتٍ كثيرة أننا قد وُظِّفنا بوظيفة الفتوى في العلوم الإيمانية، فإنْ كتب أحد ممن هم في دائرتنا شيئًا غير الشرح والإيضاح بدافع شعورٍ تلقته النفس من الغرور العلمي؛ فإن ذلك يكون بمنزلة معارضةٍ باردة، وتقليد ناقص؛ لأنه قد تحقق وثبت بالدلائل والأمارات الكثيرة أن أجزاء رسائل النور ترشحاتٌ من القرآن، وقد تولى كل واحد منا وظيفةً معينة حسب قاعدة تقسيم الأعمال، ونوصل للمحتاجين ترشحات الماء الباعث لهذه الحياة.

 الدسيسة الشيطانية السادسة: إن الشياطين يستغلون جانب الكسل، وحب الراحة والدَّعَة، واهتمام الوظيفة.

أجل؛ إن شياطين الإنس والجنّ يهجمون من كل النواحي، فإذا رأوا أصدقاءنا ثابتي الجنان، ورَأَوْا وفاء وولاء قويين، ونية خالصة، وهمة عالية، فإنهم يهجمون عليهم من ناحية أخرى؛ إذ هم يستغلون ما عندهم من جانب الكسل وحب الدعة والراحة والاهتمام بالوظيفة من أجل عرقلة أعمالنا، وإيقاف دعوتنا وإيراثنا الكسل فيها، وهم يصرفونهم عن الخدمة القرآنية بدسائس ومكايد خبيثةٍ؛ بحيث يحدثون لبعض منهم أعمالا أخرى كثيرة من دون أن يعرفوا أو يدركوا، حتى لا يجدوا وقتًا للقيام بالخدمات القرآنية، ويبرزون لبعضهم أشياء دنيوية جذابة مغرية، حتى تستيقظ أهواؤهم، وتصيبهم الغفلة في الخدمة، وهلم جرًّا.. وعلى أية حال فطُرق الهجوم وأساليبه كثيرة وتطول؛ لذا نختصرها على طولها، ونحيلها إلى أفهامكم المتيقظة.


314. صفحة

فيا إخواني، فلتحذروا ولتنتبهوا! إن وظيفتكم قدسية، وخدمتكم سامية، وكل ساعة من ساعاتكم ثمينة غالية؛ بحيث يمكن أن تكون بقيمة عبادة يومٍ كامل، فاعلموا هذا حتى لا يفلت من أيديكم!

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾(آل عمران:200)

﴿وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾(البقرة:41)

﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ_ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ _ وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾(الصافات180 -182)

﴿سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاّ مَا عَلّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ

اللّهُمّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمّدٍ النّبِيّ الأُمّيّ الحَبِيبِ، العَالِي القَدْرِ، العَظِيمِ الجَاهِ،

وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ، آمِين.

 

 

ذيل القسم السادس

 

الأسئلة الستة

كُتب هذا الذيل الخصوصي السرّي لتجنب ما سيحصل في المستقبل من كره وإهانة؛ أي إنه كتب حتى لا يصيب وجوهَنا بصاقُ من سيقولون: "تبًّا لرجال ذلك العصر عديمي العزم والهمة والاجتهاد"، أو لنمسح هذا البصاق إذا أصابنا!

عريضةٌ كتبت لتَرِنّ في الآذان الصمّاء لرؤساء أوربا المتوحشين المتسترين تحت قناع النزعة الإنسانية، ولتدخل في العيون العمياء للظالمين القساة الفاقدين للرحمة الذين سلَّطوا علينا هؤلاء الطغاة الفاقدين للضمير، ولتهوي على رءوس عبدة المدنية الدنية الذين جعلوا الناس يقولون بمائة ألف جهة في هذا العصر: لتحي جهنم ولتعش.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿وَمَا لَنَا أَلاّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾(إبراهيم:12)

315. صفحة

لقد اتخذت الاعتداءات التي يمارسها أهل الإلحاد تحت الستار في الآونة الأخيرة صورةً شنيعة جدًّا؛ إذ تدخلوا في الأذان والإقامة اللذين نرفعهما سرًّا في أثناء عبادتنا الخصوصية مع بعض إخواني الخواص في معبدي الخاص غير الرسمي الذي رَمَّمْتُه وعمَّرته بنفسي، مثلما يعتدون على أهل الإيمان المساكين بشكلٍ قاس إلحادي، فقالوا: لِمَ ترفعون الإقامة باللغة العربية، وترفعون الأذان سرًّا باللغة العربية أيضًا؟

وقد نفد صبري في السكوت، وإني لا أخاطب مثل هؤلاء السفلة الفاقدين للضمير الذين لا يستحقون الخطاب، بل أخاطب زعماء عصابة المتفرعنين الذين يلعبون بمقدرات الشعب باستبدادٍ اعتباطي حسب أهوائهم، وأقول:

يا أهل البدعة والإلحاد، إنني أطالبكم بالجواب على أسئلتي الستة التالية:

السؤال الأول: إن لكل قوم يحكمون في الأرض، حتى لأولئك الهمجيين الذين يأكلون لحم الإنسان، حتى لزعيم عصابة متوحش شرس؛ منهجًا ودساتير يحكمون وفْقها، أما أنتم فبأي منهج تقومون بهذه الاعتداءات العجيبة؟ فهيا أبْرِزوا قانونكم!

أم تعدون أهواء بعض الموظفين السفلة قانونًا؟ لأنه لا يمكن وضع قانون في مثل هذه العبادات الخاصة، ولن يكون في شأنها قانون.

السؤال الثاني: أية قوة تستندون إليها في الجرأة على الإخلال بدستور حرية الضمير السائد في جميع البشر تقريبًا، ولا سيما في عصر الحريات هذه، وبخاصة في نطاق الحضارة، وعلى الاستخفاف به، ومن ثَمّ تحقير البشر، واللامبالاة باعتراضاته؟ وأية قوة لكم حتى اعتديتم على الدين وأهله وكأنكم اتخذتم الإلحاد دينًا لكم في تعصب، على الرغم من أنكم سَمّيتم أنفسكم "اللادينيين" وأعلنتم عدم التعرض لا للدين ولا للإلحاد على السواء، فلا شك أن مثل هذا الاعتداء لن يبقى مخفيًّا ألبتة، ولتُسألن عنه، فبماذا ستجيبون؟

إنكم تحاولون الإخلال بحرية الضمير قسرًا وكأنكم لا تبالون باعتراض عشرين حكومة معًا، بيد أنكم لا تستطيعون مواجهة اعتراض أصغر حكومة من هذه الحكومات العشرين!


316. صفحة

السؤال الثالث: بأي منهج تكلِّفون من هو شافعي المذهب مثلي باتباع الفتاوى الخطأ التي أفتى بها بعض من علماء السوء الذين باعوا ضمائرهم للدنيا، وهي فتاوى تنافي سموّ المذهب الحنفي ونقاءه؟

فلو كلِّفت بالمذهب الحنفي قسرًا بعد إلغاء المذهب الشافعي الذي له ملايين الأتباع في هذا المسلك، وبعد جعلِ جميع هؤلاء الشافعيين أحنافًا، فيمكن أن يقال حينئذ: إنه منهج من مناهج الملحدين من أمثالكم، وإلا فهو سفالة اعتباطية حسب الأهواء، ونحن لسنا تابعين لأهواء أمثال هؤلاء، ولا نعترف بها!

السؤال الرابع: بأي قانون من قوانينكم وبأي دستور من دساتيركم تكلِّفون من هم من قوم آخرين مثلي، بإقامة الصلاة باللغة التركية، استنادًا إلى فتوى محرفة مبتدعة، باسم القومية التركية التي تتبنونها بمعنى التفرنج، بصورةٍ تنافي منافاة تامّة القومية التركية الملتزمة بدينها التزامًا قويًّا والمحترمة له احترامًا خالصًا، والتي امتزجت بالإسلام واتّحدت معه منذ القديم؟

أجل؛ إنه لا علاقة لي أبدًا بتركية المتفرنجين من أمثالكم، على الرغم من أنني على صلة وعلى علاقة قوية مع الأتراك الحقيقيين بصداقةٍ وأخوة حقيقية خالصة، فكيف تكلِّفونني بذلك، وبأي قانون؟

إنْ أزلتم قومية الأكراد الذين لهم ملايين من الأفراد، والذين لم ينسوا قوميتهم ولسانهم منذ آلاف السنين، والذين يعايشون الأتراك في نفس الوطن معايشة أخوية صادقة، والذين رافقوهم في الجهاد منذ القديم، وأنسيتموهم لسانهم؛ فإن تكليفكم هذا لأمثالنا ممن يعدون من عنصر آخر يكون دستورًا همجيًّا نوعًا ما، وإلا فهو تصرف اعتباطي بحت ومجرد هوى، وإن أهواء الأشخاص لا تتّبَع، ولا نتّبعها نحن أيضًا.

السؤال الخامس: إن أية حكومة إن كانت تطبق أي قانون من قوانينها على رعيّتها ومن تعتبرهم من رعيّتها، فلن تستطيع أن تطبق قوانينها على من لا تعتبرهم من رعيتها؛ إذ يحق لهم أن يقولوا: بما أننا لسنا من رعيتكم، فأنتم كذلك لستم بحكومتنا!

وإن أية حكومة لا تعاقب شخصًا بعقابين معًا في وقت واحد؛ فإما أن تلقي القاتل في السجن، وإما أن تعدمه، والعقاب بالسجن والإعدام معًا لا يوجد في أي دستور من الدساتير.


317. صفحة

وعلى الرغم من أنني لم أُلحِق أي ضرر بالوطن والشعب؛ فإنكم قد وضعتموني منذ ثماني سنوات تحت أسرٍ لا يعامَل بمثله أدنى مجرم من أبعد الأقوام وأكثرهم أجنبية، وعلى الرغم من أنكم عفوتم عن المجرمين فإنكم سلبتموني حريتي، وأسقطتموني من الحقوق المدنية، ولم تقولوا عني: إن هذا أيضًا من أبناء الوطن، فبأي قانون من قوانينكم وبأي أساس من أسسكم تكلفون رجلا مثلي غريبًا عنكم بكل النواحي بدساتيركم هذه المحطمة للحريات التي تطبقونها خلافًا لرضا شعبكم المسكين.

وبما أنكم اعتبرتم كثيرًا من التضحيات التي حصلت بواسطتنا، وجهادنا في سبيل الوطن جهادًا بالنفس والنفيس كما يشهد على ذلك قواد الجيش في الحرب العالمية الأولى جريمةً، واعتبرتم كذلك الحِفاظ على حُسن أخلاق هذه الأمة المسكينة، والعمل المؤثر الجادّ الفعّال لتحقيق سعادتها الدنيوية والأخروية خيانةً، وعاقبتم خلال ثماني سنوات[1] من يرفض في نفسه الطريقة الإفرنجية الإلحادية الضارّة الخطيرة الاعتباطية التي تطبقونها حسب أهوائكم والتي لا نفع لها معنويًّا، فالعقاب لا يكون إلا واحدًا، وأنا لم أقبل تطبيقه، ولكنكم جرعتموني إياه، فعلى أي مبدأ يكون تنفيذ عقوبة أخرى بالقسر والإكراه؟

السؤال السادس: وبما أن بيننا وبينكم خلافًا كلِّيا حسب اعتقادكم ونظرًا لما تعاملونني به، وأنتم تضحُّون بدينكم وآخرتكم في سبيل دنياكم؛ فنحن أيضًا مستعدون خلافًا لكم للتضحية بدنيانا في سبيل ديننا وآخرتنا في أي وقت، بسرّ الخلاف القائم بيننا وبينكم حسب تخمينكم.

إن التضحية ببضع سنوات من حياتنا التي ستنقضي في ذلة تحت حكمكم الغاشم الوحشي لنظفر بشهادة مقدسة، لهي بمنزلة ماء الكوثر بالنسبة لنا، ولكني أخبركم استنادًا إلى فيض القرآن الحكيم وإشاراته إخبارًا قاطعًا لتهتزوا وترتجفوا:

إنكم لن تستطيعوا أن تعيشوا بعد قتلي، بل ستُطردون بيدٍ قهارة من الدنيا التي هي جنتكم ومحبوبتكم، وستُلقَوْن بسرعةٍ في الظلمات الأبدية، وسيُهلك من



[1]  والآن أصبحت ثماني وعشرين سنة.(المؤلف).



318. صفحة

بعدي رؤساؤكم المتنمردون في أسرع وقت، وسيرسلون عندي، وأنا سأمسك بتلابيبهم في الحضرة الإلهية، وسأنتقم منهم بإلقاء العدالة الإلهية إياهم إلى أسفل سافلين!

فيا أيها الأشقياء الذين بعتم دينكم وآخرتكم بالدنيا، إذا أردتم أن تعيشوا، فلا تمسوني بسوءٍ ولا تتعرضوا لي، وإن تعرضتم فاعلموا أن انتقامي وثأري سيؤخذ منكم أضعافًا مضاعفة، اعلموا هذا، واهتزوا وارتجفوا!

إني آمل من الرحمة الإلهية، أن يخدم موتي الدين أكثر من حياتي، وأن ينفجر موتي على رءوسكم كالقنبلة، وسيحطمها!

فإن كانت لكم جسارة فتعرضوا لي، وإن فعلتم فسترون!

وإنني أتلو تجاه جميع تهديداتكم هذه الآية الكريمة بكل ما أملك من قوة:

﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾(آل عمران:173)   

 

القسم السابع

الإشارات السبع

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (الأعراف:158)

﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (التوبة:32)

سبع إشارات كتبت جوابًا على "ثلاثة أسئلة"، والسؤال الأول عبارة عن "أربع إشارات".

 

السؤال الأول:

الإشارة الأولى: إن مستند الذين بادروا إلى تغيير الشعائر الإسلامية وحجتهم تنشأ من التقليد الأعمى للأجانب كما في كل الأمور السيئة الفاسدة، فهم يقولون: إن

319. صفحة

المهتدين في لندن، ومن يسلمون من الأجانب؛ يترجمون في بلادهم كثيرًا من الأمور مثل الأذان والإقامة للصلاة، ويعملون بها، والعالم الإسلامي ساكت إزاءهم، ولا يعترض عليهم، إذن فهناك جوازٌ شرعي، لذا يسكتون؟

الجواب: إن لهذا القياس فرقًا ظاهرًا بحيث إن قياس الأمور عليهم وتقليدهم ليس من شأن ذوي الوعي والإدراك بأي وجه من الوجوه؛ لأن بلاد الأجانب تسمى "دار الحرب" في لسان الشريعة، ويمكن أن يكون جواز لكثير من الأمور في دار الحرب، ولا مساغ لها في ديار الإسلام.

ثم إن ديار الإفرنج دائرة شوكة النصرانية، وهي ليست بيئة تلقن وتشعر معاني الاصطلاحات الشرعية ومفاهيم الكلمات المقدسة بلسان الحال؛ لذا فبالضرورة قُدِّمت المعاني القدسية على الألفاظ المقدسة، وتُرِكت الألفاظُ من أجل المعاني، واخْتيِر أهونُ الشرين.

أما في ديار الإسلام، فإن البيئة تلقّن بلسان الحال المعاني المجملة لتلك الكلمات المقدسة لأهل الإيمان، والمحاورات الدائرة بين المسلمين حول العادات والتقاليد الإسلامية، والتاريخ الإسلامي، وجميع الشعائر الإسلامية، وأركان الإسلام تلقن دائمًا المعاني المجملة لتلك الكلمات المقدسة، حتى إن شواهد المقابر في هذا البلد فضلا عن دُور عبادتها ومدارسها الدينية إنما هي كملقّنٍ ومدرس يذكر أهل الإيمان بتلك المعاني المقدسة.

فيا ترى إذا كان الذي يسمي نفسه مسلمًا يتعلم من أجل منفعةٍ واحدة من منافع الدنيا خمسين كلمة من لغات الإفرنج في يوم واحد، ولم يتعلم الكلمات المقدسة مثل "سبحان الله"، و"الحمد لله"، و"لا إله إلا الله والله أكبر" التي يكررها خمسين مرة كل يوم خلال خمسين سنة؛ أفلا يسقط إلى أدنى من الحيوان بخمسين مرة، فهذه الكلمات المقدسة لا تُترجَم، ولا تُحرَّف، ولا تُهجَر لمثل هذه الحيوانات! وإن هجرانها يعني طمس جميع شواهد المقابر، وتحويل أهل القبور المرتجفين في المقبرة إزاء هذا التحقير وهذه الإهانة إلى أعداء.

إن علماء السوء الذين انجرفوا وراء أهل الإلحاد يقولون كي يخدعوا الناس:


320. صفحة

إن الإمام الأعظم قد قال خلافًا لسائر الأئمة: "يجوز قراءة الفاتحة بترجمتها إلى اللغة الفارسية، بحسب درجة الحاجة واقتضائها لمن هم في بلاد بعيدة ولا يعرفون العربية على الإطلاق"[1]، ونحن أيضًا محتاجون، فيجوز لنا أن نقرأ باللغة التركية؟

فالجواب: إن أهم أعاظم الأئمة والأئمة الاثني عشر المجتهدين يفتون بخلاف فتوى الإمام الأعظم هذه، والجادة الكبرى للعالم الإسلامي هي جادة عموم هؤلاء الأئمة، والسواد الأعظم للأمة يسيرون في الجادة الكبرى، أما الذين يسوقونهم إلى جادةٍ خاصة وضيقة، فيُضِلّون.

إن فتوى الإمام الأعظم خاصةٌ من "خمسة أوجه":

أوّلها: إنها تخص الذين يعيشون في ديار أخرى بعيدة عن مركز الإسلام.

ثانيها: إنها مبنية على الحاجة الحقيقية.

ثالثها: إنها خاصة بترجمتها إلى الفارسية التي تُعدّ -في رواية- من لسان أهل الجنة.

رابعها: إن الجواز خاص بالفاتحة، حتى لا يترك الصلاة من لا يعرف الفاتحة.

خامسها: إن الجواز صادر بحميةٍ إسلامية منبعثةٍ من قوة الإيمان حتى يفهم العوامّ المعاني المقدسة.

أما ترجمتها بدافع الميل إلى الهدم النابع عن ضعف الإيمان، والناشئ عن القومية السلبية، والمتولد من الكره والبغض للغة العربية، وترك أصلها العربي؛ فهو دفع للناس إلى ترك الدين.

الإشارة الثانية: إن أهل البدعة الذين غيَّروا الشعائر الإسلامية طلبوا الفتوى أولا من علماء السوء، فهؤلاء أبرزوا الفتوى التي بينا سابقًا أنها خاصة بخمسة أوجه.

ثم إنهم استلهموا من الثوريين الأجانب فكرًا مشئومًا، وهو:

إن أوربا لَمْ تُعجَب بالمذهب الكاثوليكي، فالتَزَم الأوروبيون وعلى رأسهم الثوريون والانقلابيون والفلاسفة بالمذهب البروتستانتي الذي كان يُعَدّ من البدع والاعتزال في نظر المذهب الكاثوليكي، واستفادوا من الثورة الفرنسية الكبرى، وهدموا من المذهب الكاثوليكي إلى حد ما، وأعلنوا البروتستانتية. 





[1]  أصل العبارة؟؟؟؟


321. صفحة

فأدعياء الحمية هنا، وهم قد تعودوا على التقليد الأعمى، يقولون: بما أنه قد حدث مثل هذه الثورة في دين النصرانية، وسُمّي الثوريون في البداية مرتدين، ثم قُبِلوا في النصرانية مرة أخرى؛ إذن فيمكن أن يحدث في الإسلام أيضًا ثورة دينية.

الجواب: إن الفرق في هذا القياس أظهر من القياس الذي في الإشارة الأولى؛ لأن الأسس الدينية فقط قد أخذت من سيدنا عيسى عليه السلام في الدين العيسوي، أما أكثر الأحكام الخاصة بالحياة الاجتماعية والفروع الشرعية فقد وضعت من قبل الحواريين وسائر الرؤساء الروحانيين، والقسم الأعظم منها قد أُخِذ من الكتب المقدسة السابقة، فسيدنا عيسى عليه السلام لم يكن حاكمًا وملكًا دنيويًّا، ولم يكن مرجعًا للقوانين الاجتماعية العامة؛ لذا فقد أُخذت القوانين العرفية والدساتير المدنية باسم الشريعة النصرانية، وكأن أسس دينه قد أضفيت عليها صورة أخرى كما لو أنها ألبست ثيابًا خارجية، فلو بُدِّلَت هذه الصورةُ، وغُيِّر هذا اللباسُ؛ فإن الدين الأصلي لعيسى عليه السلام يمكنه أن يظل باقيًا، ولا يؤدي هذا إلى إنكار عيسى عليه السلام وتكذيبه.

بينما كان فخر العالم عليه الصلاة والسلام الذي هو صاحب الدين والشريعة الإسلامية سلطان العالَمين، وكان كل من الشرق والغرب والأندلس والهند عرشًا من عروشه، فهو الذي بيَّن أسس الإسلام بنفسه، كما أنه هو الذي أتى وأخبر وأمر بفروع الدين، وسائر أحكامه، بل بأصغر أدب من آدابه.

إذن إن مسائل الإسلام الفرعية ليست كلباسٍ قابل للتغيير حتى يمكن أن تظل أسس الدين باقيةً بعدما بُدِّلت، بل هي جسد لأسس الدين، أو جلدها على الأقل، وقد امْتَزَجت والْتَحَمَت بها امتزاجًا والتحامًا لا يمكن معه انفصالها وانفكاكها عنها، وإن تبديلها يفضي حتمًا إلى إنكار صاحب الشريعة وتكذيبه.

أما اختلاف المذاهب فقد تنشأ عن طريقة التفهم والتفقه للدساتير النظرية التي بيّنها صاحب الشريعة، وأما الدساتير التي تسمى بـ"المحكمات"، والتي يطلق عليها الضروريات الدينية، والتي ليست قابلة للتأويل، فهي غيرُ قابلة للتغيير بأي وجه من الوجوه، ولا يمكن أن تكون موضع اجتهاد أبدًا، فالذين يبدلونها يحلّون رقابهم من ربقة الدين، ويدخلون ضمن قاعدة: "يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية[1]".





[1]  ورد في صحيح البخاري برقم 3095، و3341، وفي صحيح مسلم برقم 1763، و1771. 


322. صفحة

إن أهل البدعة يجدون لكفرهم وإلحادهم مثل هذه الذريعة، فهم يقولون:

لقد هوجم الرهبانُ والقسيسون والرؤساء الروحانيون، وكذلك المذهب الكاثوليكي الذي هو مذهبهم الخاص، وهُدم ذلك المذهب خلال الثورة الفرنسية الكبرى التي تسببت في الأحداث المتسلسلة في العالم الإنساني، ثم استُصوِبَ هذا الهجومُ من قبل الكثيرين، وقد تقدم الإفرنج وتَرَقّوْا كثيرًا بعد ذلك.

والجواب: إن فرق هذا القياس هو الآخر ظاهر كالأقيسة السابقة؛ لأن النصرانية عامة والمذهب الكاثوليكي خاصة قد أصبحا وسيلة تحكمٍ واستبداد بيد الخواص ورجال الحكومة مدة طويلة لدى الفرنسيين، فكان الخواصّ يواصلون نفوذهم على العوام بهذه الوسيلة، وقد أصبح المذهب الكاثوليكي وسيلة لسحق أصحاب الحمية المنتبهين من العوام الذين كانوا يطلقون عليهم اسم "الصعاليك"، وطائفةِ المفكرين من دعاة الحرية الذين حَمَلوا على استبداد الظالمين الخواصّ، وعُدّ سببًا لإفساد راحة الناس وتخريب الحياة الاجتماعية بالثورات التي قامت في بلاد الإفرنج خلال ما يقرب من أربعمائة سنة؛ لذا فقد هوجم هذا المذهب ليس باسم الإلحاد، بل باسم مذهبٍ آخر للنصرانية، وحصل السخط والعداء لدى العوامّ والفلاسفة تجاهه، حتى وقعت تلك الحادثة التاريخية المعروفة.

بينما لا يحقّ لأحد من المظلومين، أو أحد من المفكرين أن يشكو من الدين المحمدي -على صاحبه الصلاة والسلام- والشريعة الإسلامية؛ لأن الإسلام لا يسخطهم، بل يحميهم، والتاريخ الإسلامي في الميدان بين يدي الجميع، ولم تحدث بين المسلمين حروب دينية داخلية سوى بضعة وقائع، أما المذهب الكاثوليكي فقد تسبب في الاضطرابات والاختلالات الداخلية خلال أربعمائة سنة.

ثم إن الإسلام قد أصبح ملاذ العوام أكثر من الخواص؛ لأنه لا يجعل الخواص مستبدين على العوام، بل يجعلهم خادمين نوعًا ما بوجوب الزكاة وتحريم الربا، ويقول:

"خير الناس أنفعهم للناس([1])"، و"سيد القوم خادمهم ([2])".





[1])) انظر مسند الشهاب 2/223 رقم 1234، وله شواهد كحديث "الخلق عيال الله وأحبهم الى الله أنفعهم لعياله"، انظر كشف الخفاء 1/472 رقم 1254.

[2])) أورده الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد10/187، عن يحيى بن أكثم عن المأمون عن الرشيد عن المهدي عن المنصور عن عكرمة عن أبي قتادة عن ابن عباس رضي الله عنه. 


323. صفحة

وإنه يستشهد العقل بإحالاتٍ قدسية من مثل " أفلا يعقلون، أفلا يتدبرون، أفلا يشكرون" على لسان القرآن، وينبهه، ويحيل إلى العقل، ويسوق إلى التحقيق، ويمنح أهل العلم وأصحاب العقل مقامًا، ويوليهم أهمية باسم الدين، ولا يعزل العقل، ولا يُسكِت أهل التفكر، ولا يطلب التقليد الأعمى كما في المذهب الكاثوليكي.

إن أسس النصرانية الحاضرة، وليست النصرانية الحقيقية، تفترق عن أسس الإسلام من نقطة مهمة؛ لذا فإن كل واحد منهما يسير في طريق آخر من وجوه كثيرة جدًّا كالفروق السابقة، وتلك النقطة المهمة هي:

إن الإسلام دين التوحيد الحقيقي بحيث يُسقط الوسائط والأسباب، ويكسر الأنانية، ويؤسس العبودية الخالصة، ويقطع كل نوع من أنواع الربوبية الباطلة ويردها بدءًا من ربوبية النفس.

ولهذا السر، فلو أصبح كبير من أكابر الخواص ملتزمًا بالدين التزامًا تامًّا لاضطر إلى ترك الأنانية، والذي لا يترك أنانيته يترك الصلابة الدينية، ويترك دينه إلى حد ما.

أما النصرانية الحاضرة ولأنها قد قبلت بعقيدة البنوة فإنها تمنح الوسائط والأسباب تأثيرًا حقيقيًّا، ولا تكسر الأنانية والغرور باسم الدين، بل تضفي على تلك الأنانية قدسية؛ معتبرة أنها وكيلٌ مقدّس لعيسى عليه السلام؛ ولذلك فإن خواص النصارى الذين يشغلون أرفع المناصب الدنيوية يمكنهم أن يكونوا متدينين تدينًا كاملا، حتى إن هناك الكثيرين كرئيس أمريكا الأسبق "ولسن"، ورئيس وزراء بريطانيا الأسبق "لويد جورج" اللذين أصبحا متدينين كقساوسةٍ متعصبين.

أما في المسلمين؛ فالذين يرتقون إلى أمثال تلك المناصب قلما يكونون ملتزمين التزامًا كاملا، ويبقون على صلابةٍ دينية؛ لأنهم لا يستطيعون أن يتركوا الغرور والأنانية، والتقوى الحقيقية لا تجتمع مع الغرور والأنانية.

أجل؛ كما أن تعصب خواص النصارى لدينهم وتساهل خواص المسلمين في دينهم وعدم صلابتهم فيه يُظهِر فرقًا مهمًّا؛ كذلك فإن عدم مبالاة الفلاسفة الذين ظهروا

324. صفحة

في النصرانية بدينهم، أو اتخاذهم موقفًا معارضًا له، وبناء القسم الأعظم من فلاسفة المسلمين حكمتهم وفلسفتهم على الأسس الإسلامية، يُظهِر فرقًا كبيرًا أيضًا.

ثم إن الذين يقعون في السجون والزنزانات من عوام النصارى المنكوبين لا ينتظرون مددًا وعونًا من دينهم، فكان أكثرهم يتحولون إلى ملاحدة في الماضي، حتى إن الثوريين المشهورين في التاريخ الذين قاموا بالثورة الفرنسية الكبرى والذين يسمون بالملحدين الصعاليك، هم أولئك العوام المنكوبون.

أما في الإسلام؛ فإن أكثر الذين يقعون في السجن، والذين تنزل عليهم المصائب ينتظرون مددًا وعونًا من الدين، ويصبحون ملتزمين به.

فهذه الحال هي الأخرى تُظهِر فرقًا كبيرًا.

الإشارة الثالثة: أهل البدعة يقولون:

هذا التعصب الديني هو الذي جعلنا متخلفين، والتقدم إنما يكون بترك التعصب، فأوربا تقدمت بعدما تركت التعصب.

والجواب: إنكم مخطئون، وقد خُدِعتم، أو تخدعون؛ لأن أوربا متعصبة لدينها، فلو قيل لبلغاري عادي، أو جندي بريطاني، أو متسكع فرنسي: البس العمامة، وإلا فستلقى في السجن، لقال بمقتضى تعصبه: لن أهين ديني وقومي حتى لو قتلتموني، وليس مجرد السجن.

ثم إن التاريخ شاهد على أن المسلمين متى ما تمسكوا بدينهم بقوةٍ تقدموا وتَرقَّوْا بالنسبة لذلك الزمان، ومتى ما تركوا الصلابة في دينهم تخلفوا وتدنوا، أما النصرانية فهي عكس ذلك، وهذا ناشئ عن فرق أساسي مهم.

ثم إن الإسلام لا يقاس بسائر الأديان؛ لأن المسلم إذا مرق من الإسلام وترك دينه، فلا يستطيع أن يقبل بأي نبي بعدُ، بل لا يستطيع أن يُقِرّ حتى بوجود الله تعالى، بل لا يعترف بأي شيء مقدس، بل لا يبقى في نفسه وجدان يكون معكس الكمالات ومدارها، ويتفسخ، ولذلك فالكافر المحارب له حق الحياة في الإسلام، فإن كان صالَحَ وعاهَدَ وهو في الخارج، أو أعطى الجزية وهو في الداخل فإن حياته محفوظةٌ ومصونة في الإسلام؛ أما المرتد فليس له حق الحياة؛ لأن وجدانه يتفسخ، ويكون كالسمّ للحياة الاجتماعية.


325. صفحة

ولكن الملحد من النصارى يمكن أن يبقى في حال نافعة للحياة الاجتماعية، ويقبل ببعض المقدسات، وقد يؤمن ببعض الأنبياء، وقد يصدق بوجود الله تعالى من جهة ما.

فيا ترى، أية مصلحة ومنفعة يجدها أهل البدعة هؤلاء -بل الأصحّ أهل الإلحاد- في هذا الإلحاد؟ فإن كانوا يرومون إدارة البلاد وأمنها، فإن إدارة عشرة من الملحدين السائبين المتسكعين الذين لا يعرفون الله تعالى ودفع شرورهم، أصعب من إدارة ألفٍ من أهل الدين، وإن كانون يرومون الترقي والتقدم، فإن مثل هؤلاء الملحدين كما أنهم مضرون بإدارة الحكومة، فإنهم عوائق وموانع للتقدم والترقي أيضًا، ويُخلّون بالأمن والنظام اللذين هما أساس الترقي والتجارة، والحق أنهم هدامون ومخربون مسلكًا.

وإن أكبر الحمقى في العالم هو من يتوقع من أمثال هؤلاء الملحدين المتسكعين التقدم والسعادة الحياتية.

وقد قال أحد هؤلاء الحمقى، وهو يشغل منصبًا مهمًّا:

إننا تخلفنا بترديدنا لفظ: الله، الله، بينما تقدمت أوربا بترديدها ألفاظ: المدفع والبندقية!

والجواب على هؤلاء السكوت حسب قاعدة "جواب الأحمق السكوت"، ولكن لما كان وراء بعض الحمقى عقلاء أشقياء فإننا نقول:

 أيها المساكين البائسون، إن هذه الدنيا دار ضيافة، وفي كل يوم يوقِّع ثلاثون ألف شاهد على حكم "الموت حق" بجنائزهم، ويشهدون على تلك الدعوى، فهل تستطيعون أن تقتلوا الموت؟ وهل تَقدرون على تكذيب هؤلاء الشهود؟ وبما أنكم لا تستطيعون، فإن الموت يجعلكم ترددون: الله، الله.

فأي مدفع من مدافعكم وأية بندقية من بنادقكم تنور الظلمات الأبدية أمام المحتضر الذي يعاني السكرات بدلا من ترديده: الله، الله، أو تستطيع تحويل يأسه المطلق إلى الأمل المطلق.

بما أن الموت موجود، وأن المسير إلى القبر لا مفر منه، وأن هذه الحياة تنقضي وتمضي، وأن حياة باقية تأتي، فإنه إن قيل مرة واحدة: المدفع والبندقية، فلابد أن يقال ألف مرة: الله، الله!


326. صفحة

والبندقية نفسها ستقول: "الله"، إن كانت في سبيل الله تعالى، والمدفع كذلك سيصيح بـ: "الله أكبر"، ويفطر ويمسك بذكر "الله".

الإشارة الرابعة: إن أهل البدعة الهدامين المخربين قسمان:

قسم: يتظاهرون بموالاة الدين قائلين: "إننا نريد أن نغرس شجرة الدين النورانية -التي ضعفت- في تراب القومية وبذلك نريد أن نقويها"، وكأنهم يريدون تقوية الدين بالقومية باسم الدين والإخلاص للإسلام.

القسم الآخر: إنهم بناءً على فكرة تقوية فكر العنصرية والقومية باسم الأمة ولحساب القومية يُحدِثون البدع قائلين: "إننا نريد أن نطعِّم الأمة بلقاحات الإسلام".

فنقول للقسم الأول: يا علماء السوء البائسين الذين يَصدُق عليهم إطلاق "الأحمق المخلص"، ويا أيها المتصوفون الجهلاء المجذوبون الأغبياء!

 إن شجرة طوبى الإسلام التي ترسخت جذورها في حقيقة الكون، وأرسلت جذورها إلى حقائقه؛ لا يمكن أن تُغرس في تراب العنصرية الموهومة المؤقتة الجزئية الخاصة السلبية، بل الظالمةِ المظلمة غير الأصيلة المغرضة التي تحمل نوايا سيئة، وإن محاولة غرسها فيها محاولة سخيفة هدامة مبتدعة.

ونقول للقسم الآخر من القوميين:

يا أدعياء القومية السكارى، كان من الممكن أن يكون العصر الماضي عصر القومية، ولكن العصر الحاضر ليس عصر القومية، فقضايا البلشفية والاشتراكية تستولي على الأفكار، وتهدم الفكر العنصري، فعصر العنصرية ينصرم وينقضي.

إن أمة الإسلام الخالدة الدائمة لا تُربَط بالعنصرية المؤقتة المضطربة، ولا تُطعَّم بها، فإن حدث التطعيم فإنه يُفسِد أمة الإسلام، كما لا يقدر على إصلاح الفكر العنصري كذلك ولا على إدامته.

أجل؛ إنه يبدو في التطعيم المؤقت ذوقٌ، وقوة مؤقتة، ولكنه مؤقت جدًّا وذو عاقبة وخيمة.

ثم إنه سيحدث في قوم الترك انشقاقٌ أبدي بصورة غير قابلة للالتئام، فعندئذ ولأن كل طرف يحاول أن يحطم قوة الآخر فستسقط قوة الأمة كليًّا، فإذا كان الجبلان في كفتي ميزان، فإن قوة ضئيلة يمكن أن تعبث بهاتين القوتين، فترفع، وتُنْزِل.


327. صفحة

السؤال الثاني: وهو عبارة عن "إشارتين".

الإشارة الأولى منهما وهي "الإشارة الخامسة"، وهي جواب مختصر جدًّا عن سؤال مهم.

سؤال: هناك روايات صحيحة متعددة عن مجيء المهدي في آخر الزمان، وإصلاحه العالم الذي يسود فيه الفساد، إلا أن هذا الزمان زمان الجماعة، وليس زمان الشخص الفرد، ومهما كان الفرد عبقريًّا، بل لو كان في قوة مائة عبقري، إن لم يكن ممثلا لجماعة ما، ولا يمثل الشخصية المعنوية لجماعة ما؛ فإنه مغلوب أمام الشخصية المعنوية لجماعةٍ مخالفة، فكيف يتمكن المهدي من الإصلاح في خضمّ هذا الإفساد العظيم في هذا المجتمع البشري في الوقت الراهن مهما كانت قوة ولايته سامية عظيمة، فلو كانت كل أفعال المهدي خارقةً؛ فإنها تكون مخالِفةً للحكمة الإلهية وقوانين سنن الله الجارية في هذه الدنيا، إننا نريد أن نفهم سر مسألة المهدي؟

الجواب: إن الله سبحانه وتعالى قد بعث من كمال رحمته كأثر حمايةٍ لبقاء الشريعة الإسلامية في كل فترة من فترات فساد الأمة؛ مصلحًا، أو مُجدِّدًا، أو خليفة عظيمًا ذا شأن، أو قطبًا أعظم، أو مرشدًا أكمل، أو أشخاصًا مباركين فضلاء كالمهدي، فرفع الفساد وأصلح الأمة، وحفظ الدين الأحمدي على صاحبه الصلاة والسلام.

وبما أن سنة الله تعالى تجري على هذا النحو؛ فلاشك أنه سيبعث عند أعظم فسادٍ في آخر الزمان مَن هو أعظم مجتهد، وأكبر مجدد، وحاكم، ومهدي، ومرشد، وقطب أعظم، وهذا الشخص الكريم المبارك سيكون من أهل البيت النبوي.

فكما أن الله سبحانه وتعالى في دقيقة واحدة يملأ ما بين السماء والأرض ويفرغه، فإنه يسكّن كذلك هيجان البحر في ثانية واحدة، وإن القدير ذا الجلال الذي يوجِد في ساعةٍ واحدة نموذج فصل الصيف في فصل الربيع، ويخلق خلال ساعة واحدة عاصفة الشتاء في الصيف؛ يقدر على تبديد ظلمات العالم الإسلامي بالمهدي، وقد وعد بذلك، ولاريب أنه سيفي بوعده.

وإذا ما نظرنا إليه من ناحية القدرة الإلهية فهو سهلٌ وهين جدًّا، وإذا ما تأملنا فيه من خلال دائرة الأسباب والحكمة الربانية فهو معقول كذلك ويليق بالوقوع

328. صفحة

بحيث إن أهل التفكر حكموا بأنه ينبغي أن يكون كذلك ولا محالة، وسيكون بالفعل، وإن لم تكن هناك رواية عن المخبر الصادق صلى الله عليه وسلم، وذلك أن دعاء "اللّهُمّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ فِي العَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ"، الذي تدعو به جميع الأمة، في جميع الصلوات، خمس مرات في اليوم -ولله الحمد- قُبِل بالمشاهدة، بحيث إن آل محمد عليه الصلاة والسلام النورانيين قد اتخذوا وضعًا كآل إبراهيم عليه السلام؛ إذ يتولون القيادة على رأس جميع السلاسل المباركة، في جميع الأقطار والعصور([1])، ولهم من الكثرة بحيث إن مجموع هؤلاء القادة السادة يشكل جيشًا عظيمًا، فإن تلبّسوا شكلا ماديًّا، واتخذوا وضع فرقة بالتساند، وجعلوا دين الإسلام رابطة اتفاق ووسيلة انتباه وكأنه الملية المقدسة، فلا يستطيع جيش أية أمة من الأمم أن يقاومهم أو يصمد أمامهم.

فهذا الجيش الضخم المقتدر هو آل محمد عليه الصلاة والسلام، وأخص جيوش المهدي عليه السلام.

أجل؛ إننا لا نرى اليوم في تاريخ العالم ذريةً متصلا بعضها ببعضٍ بالشجرة والسند والعنعنة، تمتاز بأعلى شرفٍ وأرفع حسب ونسب أصيل مجيد، ولها من القوة والأهمية مثل ذرية السادة المنحدرين من آل البيت.

وهؤلاء على رأس فِرَق أهل الحقيقة برمتها منذ القديم، وهؤلاء رؤساء مشهورون لأهل الكمال منذ سالف الأزمان، كما أنهم يشكلون اليوم ذريةً طيبة مباركة يزيد عددهم عن الملايين، وهم المتيقظون المتنبهون ذوو القلوب المشبعة بالإيمان والمليئة بالحب النبوي، وهم العظماء ذوو الرءوس الشامخة بالتشرف بالانتساب إليه صلى الله عليه وسلم، ذلك الانتساب الذي يعدل العالم.





[1])) حتى إن أحدهم وهو السيد أحمد السنوسي يقود ملايين المريدين، وشخص عظيم آخر وهو السيد إدريس يقود أكثر من مائة ألف من المسلمين، وآخر منهم وهو السيد يحيى أميرٌ على مئات الآلاف من الأشخاص، وهكذا ففي أفراد قبيلة السادة أهل البيت أبطال ظاهرون كثيرون من أمثال هؤلاء، كذلك فيهم بطل الأبطال المعنويين كالسيد عبد القادر الجيلاني، والسيد أبي الحسن الشاذلي، والسيد أحمد البدوي.(المؤلف).


329. صفحة

وتقع حوادث عظيمة تحرك القوة المقدسة التي في مثل هذه الجماعة العظيمة وتوقظها، فلا ريب أن الحمية العالية التي في هذه القوة العظيمة ستفور، ويتولى السيد المهدي قيادة هذه القوة، وستوجهها إلى طريق الحقّ والحقيقة، ونحن نرجو وننتظر ذلك من سنة الله تعالى ورحمته، كما ننتظر الربيع بعد هذا الشتاء، ونحن محقون في هذا الانتظار.

الإشارة الثانية، أي الإشارة السادسة: إن الجمعية النورانية للسيد المهدي ستصلح النظام المبتدع الهدام لجماعة السفياني، وستحيي السنة السَّنِيَّة؛ أي إن جماعة السفياني التي تسعى في العالم الإسلامي إلى هدم الشريعة الأحمدية على صاحبها الصلاة والسلام بقصد إنكار الرسالة الأحمدية ستُقتل بالسيف المعنوي ذي المعجزات لجماعة السيد المهدي، وسيُشتَّت شملها.

وإن الجماعة ذات الحَميَّة والتضحية التي تعمل تحت اسم الجماعة العيسوية، والتي تستحق أن يطلق عليها اسم "العيسويون المسلمون"، والتي تسعى إلى الجمع والتوفيق بين الدين الحقيقي لعيسى عليه السلام وبين حقيقة الإسلام، ستَقتُل تحت رئاسة عيسى عليه السلام جماعةَ الدجال التي تدمر المدنية والمقدسات البشرية في العالم الإنساني بقصد إنكار الألوهية، وستشتت شملها، وستنقذ البشر من إنكار الألوهية.

هذا السر المهم طويل جدًّا، نكتفي هنا بهذه الإشارة القصيرة؛ إذ بيناه إلى حدٍّ ما في مواضع أخرى.

الإشارة السابعة، أي السؤال الثالث:

يقولون: إن طُرز وأساليب دفاعاتك ومجاهداتك في سبيل الإسلام في الماضي ليست كما هي الآن، ولا تنهج منهج المتفكرين الذين يدافعون عن الإسلام ضد أوربا، فلم غيّرتَ أسلوب "سعيد القديم"[1]؟ ولم لا تعمل مثلما كان يعمل المجاهدون المسلمون المعنويون؟





[1]  سعيد القديم يقصد ما قبل أربعين عامًا من عمره؛ إذ إنه عاش في عمر الأربعين انقلابًا روحيًّا وفكريًّا وغيَّر قسمًا من أساليبه الدعوية كما هو مذكورٌ في مواضع مختلفة من رسائله.


330. صفحة

والجواب: إن "سعيدًا القديم" وشريحة المتفكرين يقبلون إلى حدٍّ ما دساتير الفلسفة البشرية والفلسفة الغربية، ويبارزونها بأسلحتها، ويعترفون بها إلى حد ما، ويسلِّمون ببعض دساتيرها على أنها علومٌ وضعية ثابتة لا تتزلزل ولا تتزعزع، فلا يستطيعون بهذه الصورة إظهارَ قيمة الإسلام الحقيقية، وكأنهم يُلقّحون الإسلام بأغصان الفلسفة التي يحسبونها عميقة الجذور، كما لو أنهم يقوون بها الإسلام.

 ولما كان الانتصار قليلا ما يحدث بهذا المنهج، وهو يعني الحطّ من شأن الإسلام إلى حد ما؛ قد تركت ذلك المسلك، وبينتُ بالفعل أن أسس الإسلام من العمق بمكان، ولا تستطيع أعمق أسس الفلسفة أن تبلغها، بل تبقى سطحية.

ولقد أثبتت "الكلمة الثلاثون"، و"المكتوب الرابع والعشرون"، و"الكلمة التاسعة والعشرون" هذه الحقيقة ببراهينها؛ إذ كان يُظن في المسلك القديم أن الفلسفة عميقة، والأحكام الإسلامية ظاهرية، وأنها لا يمكن إقامتها والحفاظ عليها إلا بربطها بأغصان الفلسفة، ولكن أنّى لدساتير الفلسفة أن تبلغها!

سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاّ مَا عَلّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ

﴿الحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾(الأعراف:43)

اللّهُمّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ فِي العَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ

 

القسم الثامن

الرموز الثمانية

رسالة مستقلة لم تدرج هنا

 


331. صفحة

القسم التاسع

التلويحات التسعة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (يونس:62)

هذا القسم حول طرق الولاية، وعبارة عن "تسعة تلويحات".

التلويح الأول: هنالك حقيقةٌ قدسية حلوة لطيفة نورانية روحانية مفعمة باللذة والنشوة تحت أسماء "التصوف، والطريقة، والولاية، والسير والسلوك"، وقد ألَّف محقِّقو أهلِ الذوق والكشف آلافًا من المجلدات التي تعلن تلك الحقيقة القدسية وتعلمها وتصفها، وأخبرونا وأخبروا الأمة بتلك الحقيقة، فجزاهم الله خيرًا كثيرًا.

ونحن بدورنا سنبين بعض الرشحات، كقطرات من ذلك البحر المحيط، بناء على ما تلجئنا إليه أحوال هذا الزمان.

السؤال: ما الطريقة؟

الجواب: إن غاية الطريقة ومقصدها معرفةُ الله وانكشافُ الحقائق الإيمانية، والظفر بالحقائق الإيمانية والقرآنية بشكلٍ ذوقي وحالي وشهودي إلى حدٍّ ما نتيجة السير والسلوك بخُطَا القلب في ظل المعراج الأحمدي وتحت حمايته، فالطريقة سرٌّ إنساني رفيع، وكمال بشري سامٍ تحت اسم التصوف.

أجل؛ لما كان الإنسان فهرسًا جامعًا في هذا الكون؛ فإن قلبه كخريطةٍ معنوية لآلاف العوالم.

أجل؛ كما أن الدماغ الذي في رأس الإنسان هو كمركزٍ معنوي للكون مثل مركزٍ لما لا حد له من اللاسلكيات والهواتف والبرق -مما يطلق عليه السنترال الآن- كما تبينه العلومُ البشرية التي لا حد لها؛ كذلك فإن قلب الإنسان الذي في ماهيته هو مَظهر

332. صفحة

مدار ونواة لما لا حد له من حقائق الكون كما تبينه ملايين الكتب النورانية التي ألّفها من لا حد لهم من أهل الولاية.

وبما أن قلب الإنسان ودماغه على هذه الحال والكيفية، وهما يتضمنان جهازات شجرةٍ عظيمة هي في حالة نواة، وأُدرجت فيهما الآلات والتروس لماكينةٍ عظيمة أخروية أبدية؛ فلاريب ولا محالة أن فاطر هذا القلب قد أراد تشغيله وترقيته من طور القوة إلى طور الفعل، وانكشافَه وتحريكَه، فخلقه وصنعه على ذلك الوضع، وبما أنه أراد ذلك؛ فلاريب أن هذا القلب أيضًا سيعمل ويشتغل كالعقل، وأن أعظم واسطةٍ لتشغيل القلب هي التوجه إلى الحقائق الإيمانية في طريق الطريقة بالذكر الإلهي في مراتب الولاية.

التلويح الثاني: إن مفاتيح هذا السير والسلوك القلبي والحركة الروحانية، ووسائلَها هي ذكر الله تعالى والتفكر، فمحاسن هذا الذكر والفكر لا تعد ولا تحصى، وبغضّ النظر عن فوائدهما الأخروية وكمالاتهما الإنسانية التي لا حد لها؛ فإن فائدةً جزئية واحدة فقط من فوائدهما التي تعود إلى هذه الحياة الدنيوية المضطربة هي:

إن كل إنسان يطلب حتمًا سلوانًا وعزاء، وينشد ذوقًا ولذة، ويتحرى عن أُنسٍ يزيل الوحشة؛ كي يتخلص إلى حدٍّ ما من اضطرابات الحياة وتقلباتها، ومن تكاليفها الثقيلة المرهقة، ويتنفس، بيد أن اجتماعات المؤانسة التي ولدتها الحضارة الإنسانية قد تورث أنسًا وألفة وسلوانًا مؤقتًا في غفلةٍ وسكر لواحد أو اثنين من كل عشرة من الناس، ولكن الثمانين بالمائة منهم إما يعيشون منفردين في الجبال والوديان، أو يسوقهم هَمُّ المعيشة إلى أماكن نائية قاصية، أو هم محرومون من الأنس الناشئ عن اجتماعات الناس بسبب المصائب والشيخوخة التي تسوقهم إلى التفكر في الآخرة؛ لذا فاجتماعات المؤانسة الحضارية لا تورثهم أنسًا ولا سلوانًا ولا عزاء، فالسلوان الحقيقي والأنس الخالص الكامل والذوق اللذيذ الحلو لأمثال هؤلاء هو في تشغيل القلب بالذكر والفكر حيث يتوجه إلى القلب ويستأنس به بترديد "الله، الله" في تلك الأماكن النائية والجبال الموحشة والوديان الخانقة، فبواسطة هذا الأنس يتفكر في أن الأشياء التي تنظر إليه نظرةً موحشة إنما تبتسم ابتسامة أنس، ويقول: إن ما لا حد لهم من عباد خالقي الذي أذكره منتشرون في كل الأماكن، فهم كثيرون في وحشتي هذه أيضًا، إذن فلست وحيدًا، ولا معنى

333. صفحة

للاستيحاش، ومن ثَمّ يتلذذ في الحياة المفعمة بالإيمان تلذذًا مِلؤه الأنس، فيدرك معنى سعادة الحياة، ويشكر لله سبحانه وتعالى.

التلويح الثالث: إن الولاية حجة الرسالة، والطريقة برهان الشريعة؛ لأن الولاية ترى بدرجة عين اليقين بشهودٍ قلبي وذوقٍ روحاني نوعًا ما الحقائقَ الإيمانية التي تبلّغها الرسالة فتصدقها، وتصديقها حجةٌ قاطعة على أحقية الرسالة، والطريقة بأذواقها وكشفها واستفادتها واستفاضتها من حقائق الأحكام التي تبلغها الشريعة؛ برهانٌ باهر على أن تلك الحقائق حقّ، وأنها جاءت من عند الحقّ تعالى.

أجل؛ كما أن الولاية والطريقة حجتان ودليلان على الرسالة والشريعة، كذلك فإنهما سرّ كمالٍ للإسلام، ومَدار أنوارٍ له، ومعدن رقي ومنبع فيوضات للإنسانية بسرّ الإسلام.

وعلى الرغم من أهمية هذا السر العظيم إلى هذا الحد؛ فقد ذهبت بعض الفرق الضالة إلى إنكاره، وتسببوا في حرمان الآخرين من الأنوار التي ظلوا محرومين منها.

ومما يؤسف أشد الأسف: أن بعض العلماء ذوي النظرة غير العميقة من أهل السنة والجماعة، وبعضًا من أهل السياسة الغافلين المنتسبين إلى أهل السنة والجماعة يسعون إلى إغلاق هذه الخزانة العظيمة، بل إلى هدمها، وتجفيف ذلك المنبع الكوثري الذي ينشر نوعًا من الماء الباعث على الحياة، متذرعين بما يرونه بين أهل الطريقة من بعض التصرفات السيئة وبعض الأخطاء، والحال أنه من النادر أن توجد في الأشياء أمورٌ ومسالك ومشارب كل جوانبها خير وخالية من النقائص والأخطاء، وعلى أية حال فإنه سيكون هناك بعض الأخطاء والتقصيرات والتصرفات السيئة؛ لأنه إذا ما تدخل في أمرٍ ما من ليس أهلا له فسيسيء التصرف فيه، ولكن الله سبحانه وتعالى يُظهِر عدالته الربانية في الآخرة بموازنة الحسنات والسيئات بدستور محاسبة الأعمال، أي إذا ثقلت الحسنات ورجحت يكافئ المرء عليها ويقبلها، وإذا رجحت السيئات وثقلت يجازي المرء بها ويردّها، ولا يتوقف وزن الحسنات والسيئات على الكمّية، بل على الكيفية والنوعية، وقد تفضل أحيانًا حسنةٌ واحدة ألف سيئة، وتُذهبها.

وبما أن العدالة الإلهية تقضي بهذه الشاكلة، وأن الحقيقة هي الأخرى تراها على أنها حقّ؛ فإن الدليل على أن حسنات الطريقة -الطريقة التي هي ضمن دائرة السنة

334. صفحة

السنية- راجحةٌ على سيئاتها؛ هو حفاظ أهل الطريقة على إيمانهم عند هجوم أهل الضلالة، حتى إن رجلا عاديًّا مخلصًا من أهل الطريقة ليحافظ على نفسه أكثر من متعالم صوري ظاهري، فبواسطة ذلك الذوق الطرقي ومحبة الأولياء ينقذ إيمانه، فإذا ما ارتكب الكبائر يكون فاسقًا، ولكن لا يكون كافرًا، ولا يقترب من الزندقة بسهولة، ولا تستطيع أية قوة أن تجرح في نظره سلسلة المشايخ الذين يعتقدهم أقطابًا بمحبةٍ شديدة واعتقادٍ متين، ولذلك فلا يقدر على حجب الثقة بهم والاعتماد عليهم، وإن لم تنقطع ثقته بهم فلا يدخل في الزندقة.

ومن لم يكن له حظّ من الطريقة، ولم يتحرك قلبه؛ فإنه من الصعب أن يحافظ على نفسه حفاظًا كاملا ضد دسائس ومكر الزنادقة الحاليين حتى وإن كان عالمًا محققًا.

بقي شيء آخر، وهو أنه لا يُحكَم على "الطريقة" من سيئات بعض المشارب التي اتخذت صورةً خارج دائرة التقوى، بل خارج دائرة الإسلام، وبسيئات الذين أطلقوا على أنفسهم اسم الطريقة بغير حقّ.

وبصرف النظر عن نتائجها الدينية الأخروية الروحانية المهمة السامية جدًّا، فإن الطرق هي في مقدمة الوسائل المؤثرة الفعالة لانكشاف وانبساط الأخوة التي هي رابطةٌ قدسية بين المسلمين في العالم الإسلامي، كما أنها إحدى قلاع الإسلام الثلاثة المهمة التي لا تتزعزع تجاه الهجمات الشديدة الهائلة لعالم الكفر والسياسة النصرانية لإطفاء نور الإسلام.

إن ما حفظ طوال خمسمائة وخمسين سنة إسطنبول التي كانت مركز الخلافة تجاه العالم النصراني برمته هو أنوار التوحيد التي كانت تتفجر في خمسمائة مكانٍ في إسطنبول، وإن نقطة الاستناد المهمة لأهل الإيمان في ذلك المركز الإسلامي ذلك القوة الإيمانية لمن يرددون "الله، الله" في الزوايا التي وراء المساجد الكبرى، وفورانهم وجيشانهم وطربهم بالمحبة الروحانية النابعة من المعرفة الإلهية.

فيا سماسرة الحمية الأغبياء، ويا أدعياء القومية المزيّفين، أخبرونا، أية سيئة للطرق تبطل هذه الحسنة في حياتكم الاجتماعية؟!


335. صفحة

التلويح الرابع:

إن مسلك الولاية مع سهولته فيه مشكلات كثيرة جدًّا، ومع قصره فهو طويل جدًّا، ومع قيمته وثمانته فهو ذو مخاطر شديدة جدًّا، ومع سعته فهو ضيق جدًّا، وبناء على هذه الأسرار يغرق فيه السالكون أحيانًا، ويتضررون أحيانًا، ويَضِلون ويُضِلّون الآخرين أحيانًا، فعلى سبيل المثال:

 هناك مشربان اثنان في الطريقة تحت اسم السير الأنفسي والسير الآفاقي.

فالمشرب الأنفسي يبدأ من النفس، ويصرف سالك هذا المشرب بصره عن الخارج، وينظر إلى القلب، وينفذ من الأنانية ويخرقها، ويشقّ طريقًا من القلب، ويجد الحقيقة، ثم يدخل في الآفاق، وحينئذ يرى الآفاق نورانيةً، وينتهي من هذا السير بسرعة، والحقيقة التي رآها في دائرة الأنفسي يراها كذلك فيها بمقياس كبير، وأغلب الطرق الخفية تسلك هذا المسلك، وأهم أساس له هو تحطيم الأنانية، وترك الهوى، وإماتة النفس.

والمشرب الثاني يبدأ من الآفاق، ويشاهد سالك هذا المشرب تجليات الأسماء والصفات في مظاهر تلك الدائرة الكبرى، أي دائرة الآفاق، ويشاهد تلك الأنوار بمقاسٍ صغير في دائرة قلبه، ويشق فيها أقصر طريقٍ إلى الله تعالى، ويشاهد أن القلب مرآة الصمد، فيصل إلى مراده المطلوب.

فالذي يسلك المشرب الأول إن لم يوفَّق إلى إماتة النفس الأمّارة، ولم يترك الهوى ولم يحطم الأنانية، فإنه يسقط من مقام الشكر إلى مقام الفخر، ومنه يهوي إلى الغرور، وإذا كان لديه انجذابٌ نابع من المحبة مع نوع من السُّكْر الناشئ عن الانجذاب، فإنه تصدر عنه ادعاءات كثيرة أكبر من حده، تلك التي يُطلق عليها الشطحات، فيتضرر.

أجل؛ إنه يتضرر ويضرّ الآخرين، فمثلا:

كما أن الملازم إذا ما اغترّ بلذةِ ونشوة ما يتمتع به من قيادةٍ، ظنّ نفسه مشيرًا، فتلتبس عليه دائرته الصغيرة جدًّا مع تلك الدائرة الكلية، كما تلتبس الشمس التي تشاهَد في مرآةٍ صغيرة مع الشمس التي تشاهَد تجلياتُها بعظمتها على سطح البحر بسبب نوعٍ من التشابه بينهما؛ كذلك فإن هنالك كثيرًا من أهل الولاية يرون أنفسهم أكبر وأعظم ممن هم أكبر وأعظم

336. صفحة

منهم بكثيرٍ كما في الفرق بين الذباب وبين الطاوس، ويشاهد نفسه هكذا، ويرون أنفسهم محقين.

حتى إنني رأيت رجلا كان قد انتبه قلبه فقط، وكان يشعر في نفسه سر الولاية من بعيد، ويعد نفسه القطب الأعظم[1]، ويتقلد أطواره ويتقمص أحواله، فقلت له: يا أخي، كما أن قانون الملك له نوعٌ من تجلياتٍ كلية وجزئية بدءًا من دائرة الوزير الأعظم وانتهاءً إلى دائرة عمدة القرية؛ كذلك فإن الولاية والقطبية هي الأخرى لها دوائر وتجلياتٌ مختلفة، ولكل مقامٍ ظلال كثيرة كلٌّ على حدة، فإنك قد رأيت التجلي الأعظم للقطبية الشبيهة بالوزير الأعظم ضمن دائرتك الشبيهة بدائرة العمدة، وانخدعت، فما رأيتَه وشاهدته حقٌّ، ولكن حكمك خطأ؛ إذ إن إناءً من الماء كبحرٍ صغير بالنسبة للذباب، فانتبه هذا الأخ بجوابي هذا بإذن الله، ونجا من هذه الورطة.

ثم إنني رأيت عددًا من الناس كانوا يظنون أنهم المهدي، وكل منهم كان يقول سأصبح المهدي، فهؤلاء ليسوا كاذبين ولا خادعين، وإنما ينخدعون، ويخالون ما يرونه حقيقةً.

فكما أن الأسماء الإلهية لها تجليات بدءًا من العرش الأعظم وانتهاءً إلى الذرّة، وأن مظاهر تلك التجليات تتفاوت بحسب تلك النِّسب؛ كذلك فإن مراتب الولاية التي هي عبارة عن مظهرية الأسماء هي الأخرى متفاوتة.

وأهم سببٍ لذلك الالتباس هو:

 هنالك مقامات لها روابط وعلائق ببعض المشاهير، مثلما توجد مزايا وظيفة "المهدي" وخواصّها في بعضٍ من مقامات الأولياء، وتَظهر فيها علاقتُها الخاصة بالقطب الأعظم، وعلاقةٌ خاصة بسيدنا الخضر، فتلك المقامات تسمى بمقام الخضر، ومقام الأويس، ومقام المهدي، وبناء على هذا السرّ، فالذين يدخلون في ذلك المقام وفي نموذجٍ جزئي لذلك المقام أو في ظلٍّ من ظلاله، يظنون أنفسهم مشاهير مرتبطين بذلك المقام بروابط خصوصية، ويحسب أحدهم أنه الخضر، أو يعتقد أنه المهدي، أو يتخيل أنه القطب الأعظم، فإن لم تكن له أنانيةٌ تتطلع إلى حب الجاه، فلا مؤاخذة عليه، وادعاءاته ومزاعمه التي تفوق حده تُعدّ من الشطحات، بل لا يكون مسئولا عنها.





[1] ؟؟؟؟ القطب الأعظم


337. صفحة

وإن كانت أنانيته تتطلع إلى حب الجاه تحت الستار، فغُلب أمام الأنانية، وترك الشكر وافتخر، فسيسقط تدريجيًّا من الفخر إلى الغرور، فإما أن يهوي إلى دركة الحمق والجنون، وإما أن يحيد وينحرف عن طريق الحقّ؛ لأنه يظن الأولياء العظماء مثله، فيضعف حسن ظنّه بهم؛ إذ النفس مهما كانت مغرورة؛ فإنها بذاتها تدرك نقائصها، وتقيس هؤلاء العظماء الكبار على نفسها، فتتوهم أن لهم أخطاء وقصورًا، حتى إن احترامه وإجلاله للأنبياء -عليهم السلام- يقل ويتناقص.

فالذين يصابون بهذه الحال لابد أن يتمسكوا بموازين الشريعة، وأن يتخذوا دساتير علماء أصول الدين ميزانًا لهم، وتعليمات الأولياء المحققين كالإمام الغزالي والإمام الرباني مرشدًا لهم، وأن يتهموا أنفسهم دائمًا، وألا ينسبوا إلى النفس غير الأخطاء والقصور والعجز والفقر.

وما في هذا المشرب من شطحاتٍ تنشأ عن حب النفس؛ لأن عين المحبة لا تبصر النقائص والقصور، ولأنه يحب نفسه فيظن نفسه المقصرة الشبيهة بقطع زجاج تافهة لا قيمة لها درة وألماسًا.

إن أخطر خطأ في هذا النوع هو أن المرء يتخيل المعاني الجزئية التي تَرِد إلى قلبه على صورة إلهام على أنها كلام الله، ويعبُرُها على أنها آيات، وبذلك يتولد لديه عدم احترام مرتبة الوحي السامية القدسية.

أجل؛ إن جميع الإلهامات، بدءًا من إلهامات النحل والحيوانات الأخرى، وانتهاء إلى إلهامات عوام الناس وخواصّ البشر، ومن إلهامات عوام الملائكة إلى خواص الملائكة المقربين؛ نوعٌ من الكلمات الربانية، ولكن الكلام الرباني تجلياتٌ مختلفة للخطاب الرباني تتلمع من خلال سبعين ألف حجاب حسب قابلية المظاهر والمقامات.

أما إطلاق اسم "الآيات" الخاص بنجوم القرآن -الذي هو الاسم الخاص للوحي ولكلام الله تعالى وأبهر مثال مشخص له- على تلك الإلهامات؛ فهو خطأ محض.

إن الإلهام الذي في قلوب أولئك المدعين بالنسبة لآيات شمس القرآن الذي هو الكلام الإلهي مباشرة، هو كصورة الشمس الصغيرة الخافتة المضمرة المعكوسة على

338. صفحة

المرآة الملونة التي في أيدينا، بالنسبة للشمس التي في السماء، كما بُيِّن وأُثبِت في "الكلمة الثانية عشرة"، و"الكلمة الخامسة والعشرين"، و"الكلمة الحادية والثلاثين".

أجل؛ إذا قيل: إن جميع تمثلات الشمس التي تشاهَد في جميع المرايا كلها؛ تعود إلى الشمس الحقيقية، وذات علاقة وصلة بها؛ فهذا حق وصواب، ولكن الكرة الأرضية لا تُعلَّق بمرايا تلك الشميسات، ولا ترتبط بجاذبيتها.

التلويح الخامس: إن "وحدة الشهود" المندرجة تحت اسم "وحدة الوجود" التي هي مشربٌ مهم جدًّا في الطرق الصوفية؛ تحصر النظر في وجود واجب الوجود، وترى الموجودات الأخرى ضعيفةً وظلا بالنسبة لوجود ذلك الواجب إلى حدٍّ يبلغ به الأمر إلى أن تحكم عليها بأنها لا تستحق أن تحمل اسم الوجود، وتلفها بستار الخيال، وتعتبرها عدمًا في مقام ترك ما سوى الله تعالى، بل تتصورها معدومة، إلا أنها تعتبر تجليات الأسماء الإلهية مرايا خيالية.

وهذا المشرب له حقيقة مهمة وهي:

إنه بمعرفة وجود واجب الوجود بقوة الإيمان وبانكشاف الولاية العالية السامية في درجة حق اليقين، يسقط وجود الممكنات([1]) -عند أصحاب هذا المشرب- إلى دركاتٍ هابطة لحدٍّ لا يبقى معه في نظرهم مقامٌ للممكنات غير الخيال والعدم وكأنهم ينكرون وجود الكائنات لحساب واجب الوجود.

غير أن لهذا المشرب مخاطر، وأولها وأهمها:

أن الأركان الإيمانية ستة، وهناك أركان أخرى غير الإيمان بالله تعالى كالإيمان باليوم الآخر، أما هذه الأركان فتتطلب وجود الممكنات، وهذه الأركان الإيمانية المحكمة لا تبنى على الخيال؛ ولذا فصاحب هذا المشرب عندما ينتقل من عالم الاستغراق والسكر إلى عالم الصحو والإدراك، فيجب ألا يصحب معه هذا المشرب، وينبغي ألا يعمل بمقتضاه، وألا يحول هذا المشرب القلبي والحالي والذوقي إلى مشربٍ عقلي وقولي وعلمي؛ لأن الدساتير العقلية والقوانين العلمية والأصول الكلامية النابعة من الكتاب والسنة لا تتحمل هذا المشرب، ولا يكون قابلا للتطبيق؛ ومن ثم فلا يُرى هذا المشرب



[1])) ؟؟؟؟؟الممكنات



339. صفحة

صراحةً عند الخلفاء الراشدين والأئمة المجتهدين وكبار السلف الصالحين، مما يعني أنه ليس المشرب الأعلى والأسمى، فهو عال ولكنه ناقص، ومهم جدًّا ولكنه ذو مخاطر كثيرة، وله وزنه وثقله العظيم ولكنه ذو أذواق كثيرة، فالذين يدخلون هذا المشرب بدافع تلك الأذواق؛ لا يريدون أن يخرجوا منه، ويظنونه المرتبة العليا بسبب الأنانية والعُجْب، ولما كنا قد بينا أساس هذا المشرب وماهيته إلى حدٍّ ما في رسالة "النقطة" وفي قسم من "الكلمات" و"المكتوبات"؛ فإننا نكتفي بها، ونبين هنا ورطةً مهمة لهذا المشرب المهم، وهي:

إن هذا المشرب مشربٌ صالح يحصل في حالة الاستغراق المطلق لأخصّ الخواصّ الذين نفذوا من دائرة الأسباب، وقطعوا علاقتهم بالممكنات بسرّ "ترك ما سوى الله تعالى"، وتلقين هذا المشرب تلقينًا علميًّا لأنظار من غرقوا في الأسباب، وافتتنوا بالدنيا، ووقعوا في الطبيعة بالفلسفة المادية يعني إغراقَهم في الطبيعة والمادة، وإبعادهم عن الحقيقة الإسلامية؛ لأن النظر المفتتن بالدنيا والمتعلق بدائرة الأسباب يرغب في أن يضفي على هذه الدنيا الفانية نوعًا من البقاء، ولا يريد أن يضيِّع محبوبتَه الدنيا من يديه، ويتوهم لها وجودًا باقيًا متذرعًا بحجة "وحدة الوجود"، وبناءً على إسناده البقاءَ والخلود إسنادًا كاملا إلى الدنيا التي هي محبوبته؛ فإنه يرفعها إلى درجة المعبودية، وهذا يؤدي إلى ورطة إنكار وجود الله تعالى والعياذ بالله.

وقد استولى الفكر المادي على العقول في هذا العصر إلى حدّ أنهم يعدون المادة مرجع كل شيء، فلو رُوِّج مشرب وحدة الوجود في مثل هذا العصر الذي يرى فيه الخواص من أهل الإيمان المادياتِ تافهةً إلى حدٍّ ما وكأنهم يعدمونها، فلربما دافع عنه المادّيون وناصروه، وقالوا: نحن أيضًا نقول بهذا، ونرى هكذا، والحق أن أبعد مشربٍ من مشارب الدنيا عن مسلك الماديين وعبدة الطبيعة هو مشرب وحدة الوجود؛ لأن أهل وحدة الوجود يهتمون بوجود الله تعالى بقوة الإيمان إلى حدّ أنهم ينكرون الكون والموجودات، أما الماديون فإنهم يهتمون بالموجودات إلى حدّ أنهم ينكرون الله لحساب الكون، فأين هؤلاء من أولئك؟!


340. صفحة

التلويح السادس: وهو "ثلاث نقاط".

النقطة الأولى: إن أجمل طريقة بين طرق الولاية وأقومها وأسطعها وأغناها؛ هو اتّباع السنة السَّنِيَّة؛ أيْ أن يُراعي المرء السُّنّة السَّنِيّةَ في أعماله وحركاته، ويتبعها ويقلدها، ويراعي الأحكام الشرعية في معاملاته وأفعاله، ويتخذها مرشدًا له، وبواسطة هذا الاتّباع والاقتداء فإن أحواله العادية ومعاملاته العرفية وحركاته الفطرية تتحول إلى عبادة، ومع ذلك فإن كل عمل من أعماله يسوقه من خلال ذلك الاتباع إلى تذكر السنة والشرع، ومن ثَمَّ يؤدي إلى تذكر الحكم الشرعي، وهذا التذكر يسوق إلى تذكر صاحب الشريعة، أما هذا التذكر فيذكّر بالله تعالى، وهذا التذكر يؤدي إلى نوعٍ من الحضور[1]، وعلى هذا فإن دقائق العمر يمكن أن تحوَّل إلى عبادةٍ في حضورٍ باستمرار.

فهذه الجادة الكبرى هي جادة الصحابة والسلف الصالح الذين هم أهل الولاية الكبرى وأهل وراثة النبوة.

النقطة الثانية: إن أهم أساسٍ لطرق الولاية وشُعَب الطريقة هو الإخلاص؛ لأن المرء بالإخلاص ينجو من أنواع الشرك الخفي، والذي لا يظفر بالإخلاص لا يستطيع أن يتجول في تلك الطرق، وإن أقوى وأنفذ قوةٍ في تلك الطرق هي المحبة.

أجل؛ إن المحبّ لا يبحث عن علل وأخطاء عند محبوبه، ويتغاضى عن عيوبه، بل يَعدّ الأمارات الضعيفة الدالة على كماله حُجَجًا قوية، وينحاز دائمًا إلى محبوبه.

وبناء على هذا السرّ فالذين يتوجهون إلى معرفة الله عن طريق خطوات المحبة لا يعيرون الشبهات والاعتراضات سمعهم، وينجون منها بسهولة ويسر، وحتى لو اجتمعت آلاف الشياطين ضدهم؛ فلا يستطيعون أن يبطلوا في نظرهم أمَارةً تشير إلى كمال محبوبهم الحقيقي، وإن لم تكن المحبة فسيضطرب المرء في غمرة الاعتراضات التي تأتي من نفسه وشيطانه والشياطين الخارجيين، ولا يستطيع أن ينقذ نفسه إلا بصلابةٍ بطولية وقوة إيمان ودقة نظر.

وبناء على هذا السرّ فإن المحبة النابعة من معرفة الله هي أهم جوهرٍ وأهم إكسير في جميع مراتب الولاية، إلا أن للمحبة ورطةً، وهي أن المحبّ يقفز من التضرع والتذلل



[1]  الحضور: هو حضور القلب لما غاب عن عيانه بصفاء اليقين، فهو كالحاضر عنده وإن كان غائبا عنه، انظر موسوعة المصطلحات الصوفية 291.


341. صفحة

اللذين هما سرّ العبودية إلى الدلال والادعاء، ويتحرك بلا ميزان، ويتصرف بلا ضوابط، وتكون المحبة سمًّا بعدما كانت ترياقًا بانتقال المحب من المعنى الحرفي إلى المعنى الاسمي في أثناء توجهه إلى ما سوى الله تعالى؛ أي إذا كان يحب ما سوى الله تعالى فإنه ينبغي أن يربط قلبه بما يحب لحساب الله وباسمه ومن حيث مرآتية ما سوى الله لأسماء الله الحسنى، وقد يفكر أحيانًا في محبوبه لحساب ذلك المحبوب ولكمالاته الشخصية وجماله الذاتي، فيحبه بالمعنى الاسمي، وقد يحب ما سوى الله تعالى من دون أن يتذكر الله ورسوله، فهذه المحبة لا تكون وسيلة لمحبة الله، وإنما حجاب وستار لها، ولكن إذا كانت بالمعنى الحرفي فتكون وسيلةً لمحبة الله، بل يمكن أن يقال: إنها تجلٍّ من تجليات محبة الله تعالى.

النقطة الثالثة: إن هذه الدنيا دار الحكمة ودار الخدمة، وليست دار الأجرة والمكافأة، فأجرة الأعمال والخدمات التي تقام هنا هي في البرزخ والآخرة، وهذه الأعمال الحاصلة هنا تثمر هناك.

وبما أن الحقيقة هكذا، فيجب ألا تُطلَب النتائج التي تخصّ الأعمال الأخروية في الدنيا، وحتى لو أُعطِيت فيجب قبولها بحزنٍ وأسى، لا بسرور ورضًا؛ لأن أكل ثمرات الأعمال الأخروية -التي هي باقية كثمار الجنة بسرِّ أنه كلما قُطِفت جاء مكانها مثلها- في هذه الدنيا بصورةٍ فانية؛ ليس من العقل في شيء، إذ يشبه هذا استبدالَ مصباح لا يبقى إلا دقيقةً واحدة ثم ينطفئ بمصباحٍ باق دائم.

وبناء على هذا السرّ فإن أهل الولاية يستعذبون الخدمة والعمل والمشقة والمصائب والمصاعب، ولا يتدللون، ولا يشتكون، بل يقولون الحمد لله على كل حال، وإذا ما أُعطوا الكشف والكرامة والأذواق والأنوار قبلوها على أنها إكرامٌ إلهي ويحاولون سترها وإخفاءها، ولا يتمادون في الفخر والغرور بل يزدادون شكرًا وعبودية، وقد أراد الكثيرون استتار هذه الأحوال وانقطاعها حتى لا يصيب الإخلاصَ في عملهم خدش أو خلل.

أجل؛ إن أهم إحسانٍ إلهي لإنسانٍ مقبول عند الله هو عدم إشعاره تعالى بإحسانه إليه، حتى لا يتحول من التضرع إلى الدلال، ومن الشكر إلى الفخر. 


342. صفحة

وبناء على هذه الحقيقة فالذين يطلبون الولاية والطريقة إذا طلبوا الأذواق والكرامات التي هي بعضٌ من ترشحات الولاية، وتوجهوا إليها، وأعجبوا بها، فهذا يعني فقدان الإخلاص الذي هو جوهر الولاية، ومن ثم فقدان الولاية وضياعها، فضلا عن أنه من قبيل أكل الثمرات الأخروية الباقية بصورةٍ فانية في الدنيا الفانية.

التلويح السابع: وهو "أربع نكات".

النكتة الأولى: إن الشريعة نتيجة الخطاب الإلهي الصادر مباشرةً من حيث الربوبية المطلقة بسرّ الأحدية من دون ظلٍّ وحجاب، فأعلى مراتب الطريقة والحقيقة تعدّ كأجزاء الشريعة، وإلا فهما بحكم وسيلةٍ ومقدمة وخادمة دومًا، ونتائجُهما محكماتُ الشريعة؛ أي إن مسلك الطريقة والحقيقة بمنزلة الوسيلة والخادم والدرجات للوصول إلى حقائق الشريعة، وينقلبان شيئًا فشيئًا في أعلى المراتب إلى ما في نفس الشريعة من معنى الحقيقة وسر الطريقة، وعندها يصبحان أجزاء للشريعة الكبرى، وإلا فإن تصورَّ أن الشريعة قشرٌ خارجي ظاهري، وحقيقتها هي لبها ونتيجتُها وغايتُها كما يظن بعض من أهل التصوف؛ ليس بصواب.

أجل؛ إن انكشافات الشريعة مختلفةٌ ومتفاوتة حسب طبقات الناس، فالظن أن ظاهر الشريعة هو حقيقة الشريعة حسب العوامّ، وإطلاق تسمية الحقيقة والطريقة على مرتبة الشريعة المنكشفة للخواص خطأ، وللشريعة مراتب متوجهة إلى جميع الطبقات.

وبناء على هذا السرّ فإن أهل الطريقة وأصحاب الحقيقة كلما تقدموا فيها يزداد انجذابهم إلى حقائق الشريعة ورغبتهم فيها واتباعهم لها، ويعدّون أدنى السنن السنية كأعظم غاية وهدف لهم، فيسعون إلى اتباعها، ويقلدونها؛ لأن الآداب الشرعية التي هي ثمرة الوحي هي أسمى وأعلى من آداب الطريقة التي هي ثمرة الإلهام وأهم منها، بقدر سمو الوحي عن الإلهام، ولذلك فإن أهم أساس في الطريقة هو اتباع السنة السَّنِيَّة.

النكتة الثانية: إن الطريقة والحقيقة يجب ألا يخرجا عن كونهما وسيلةً وواسطة، فإن أصبحتا غايتين بذاتهما فعندئذ تبقى محكمات الشريعة ومعاملاتها واتباع السُّنّة السَّنِيّة صوريةً فحسب، والقلب يتوجه إلى الطرف الآخر، بمعنى أن الإنسان يفكر في حلقة الذكر أكثر مما يفكر في الصلاة، وينجذب إلى الأوراد أكثر من الفرائض، ويجتنب

343. صفحة

ويجتنب مخالفة آداب الطريقة أكثر من تجنبه الكبائر؛ والحق أن أوراد الطريقة لا تستطيع أن تقابل فريضة واحدة من الفرائض التي هي محكمات الشريعة، ولا أن تحل محلها، بل يجب أن تكون آداب الطريقة وأوراد التصوف وسيلة للذوق الحقيقي الذي في تلك الفرائض، لا أن تكون منشأ ومنبعًا لها؛ أي ينبغي أن تكون زاويته وسيلةً للذوق الكامن في الصلاة في المسجد، وأداء الصلاة بحقٍّ على الوجه المطلوب، وإلا فالذي يؤدي الصلاة في المسجد بسرعة وبشكل صوري، ويفكر في أن يجد ذوقها وكمالها الحقيقي في الزاوية؛ يبتعد عن الحقيقة.

النكتة الثالثة: يُطرَح سؤال؛ هل يمكن أن تكون طريقةٌ خارج السُّنّة السّنِيّة وأحكام الشريعة؟

الجواب: نعم، ولا.

نعم؛ لأن بعض الأولياء الكاملين أعدموا بسيف الشريعة.

ولا؛ لأن المحققين من الأولياء قد اتفقوا على هذا الدستور الذي عند السعدي الشيرازي:

مُحَالَسْت سَعْدِي بَرَاهِ صَفَا    ظَفَر بُرْدَنْ جُزْ دَرْ پَيِ مُصْطَفَى

أي من المحال أن يصل إلى الأنوار الحقيقية للحقيقة من يَتبّع طريقًا خارج جادة الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام ولا يتبعه، وسرّ هذه المسألة هو:

بما أن الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام خاتم الأنبياء، ومخاطَب الإله باسم جميع نوع البشر؛ فلابد أن البشر لا يمكن أن يسير خارج جادته، بل لابد أن يكون تحت لوائه، وبما أن أهل الجذب والاستغراق ليسوا مسئولين عن مخالفاتهم، وبما أن في الإنسان بعض اللطائف لا تخضع للتكليف، فإن تلك اللطائف لو تحكمت فيه فلا يُؤَاخذ على مخالفته التكاليف الشرعية، وبما أن في الإنسان بعض اللطائف لا تخضع لحكم الإرادة مثلما لا تخضع للتكليف، بل لا تدخل حتى تحت تدبير العقل، يعني أن هذه اللطائف لا تسمع للقلب والعقل؛ فلا ريب أن تلك اللطائف إذا تحكمت في إنسانٍ؛ فإنه في تلك الأثناء فقط لا يسقط من درجة الولاية لمخالفته الشريعة، بل يعد معذورًا،

344. صفحة

بشرط ألا يكون هناك إنكارٌ وتزييف لحقائق الشريعة والقواعد الإيمانية واستخفاف بها، ولا بد أن يعترف بأن الأحكام حقّ وإن لم يعمل بها؛ وإلا فإذا غلبت عليه هذه الحال فتلبَّس بحالٍ يُشمّ منها إنكارٌ لتلك الحقائق المحكمة وتكذيبٌ بها -والعياذ بالله- فإن ذلك علامةُ السقوط والتردي.

الحاصل: إن أهل الطرق الذين هم خارج دائرة الشريعة "قسمان":

قسم منهم: إما أن الحال والاستغراق والجذب والسكر غلب عليهم، وإما أنّهم رهائن اللطائف التي لا تصغي إلى التكليف الشرعي أو لا تسمع للإرادة كما سبق ذلك، ومن أجل ذلك فهم يخرجون خارج دائرة الشريعة، ولكن هذا الخروج لا ينبع من عدم الإعجاب والرضا بأحكام الشريعة، أو من عدم الرغبة فيها ورفضها، وإنما يتركونها من غير إرادتهم واختيارهم مضطرين، وهناك بعضٌ من أهل الولاية في هذا القسم، وكان بعض الأولياء العظماء ضمن هؤلاء مؤقتًا، حتى إن بعض الأولياء المحققين قالوا بأنه يوجد في غير دائرة الشريعة، بل في غير دائرة الإسلام أيضًا أولياء عظماء من هذا النوع؛ ولكن بشرط ألا يكذِّبوا بأي حكم من الأحكام التي جاء بها محمد عليه الصلاة والسلام.

وهؤلاء ربما لا يفكرون في الشريعة، أو لا يستطيعون التوجه إليها، أو لا يقدرون على معرفتها، ويجهلونها، أما إن علموا بها ثم رفضوها، فهذا غير مقبول.

أما القسم الثاني: فهم يستغرقون في الأذواق النيرة الساطعة للطريقة والحقيقة وينجذبون بها، فلا يستطيعون أن يبلغوا درجة أذواق حقائق الشريعة التي هي أعلى وأرقى من مذاقهم كثيرًا، ومن ثم يظنون أنها جافة وخالية من الأذواق، وأنها صورية وشكلية، فلا يبالون بها، ويعتقدون شيئًا فشيئًا أن الشريعة قشرٌ ظاهري، ويخالون أن الحقيقة التي وجدوها هي الأساس والمقصود، ويقول أحدهم حسبي ما وجدته، ويتصرفون تصرفًا مخالفًا لأحكام الشريعة، فالذين هم على صحوٍ ولم يفقدوا صوابهم من هذا القسم مسئولون عن تصرفاتهم، وقد يتردون، بل يكونون أحيانًا موضع سخرية للشيطان.

النكتة الرابعة: إن بعضًا ممن هم من فرق أهل الضلالة والبدعة يكونون من المقبولين في نظر الأمة، وهناك من هم من أمثالهم، ولكن الأمة ترفضهم على الرغم

345. صفحة

من عدم وجود فرق بين هؤلاء وأولئك في الظاهر، وكنت أتعجب من هذا الأمر وأحار فيه، فمثلا:

الزمخشري الذي هو من أشد المتعصبين في الاعتزال في مذهب المعتزلة لا يكفره المحققون من أهل السنة والجماعة ولا يتهمونه بالضلال على الرغم من اعتراضاته الشديدة عليهم، بل يلتمسون له طريقًا للنجاة، غير أنهم يعدون بعضًا من أئمة المعتزلة -كأبي علي الجبائي الذي هو أقل بكثيرٍ من درجة تشدد الزمخشري- مردودين مطرودين، وقد كان هذا السر يثير شغفي بالمعرفة في كثير من الأحيان، ثم فهمت بإكرامٍ إلهي:

أن اعتراضات الزمخشري على أهل السنة كانت ناشئةً عن حب الحقيقة في مسلكه الذي يظنه حقًّا؛ أي على سبيل المثال: إن التنزيه الحقيقي عنده لا يتحقق إلا بأن تكون الحيوانات خالقةً لأفعالها، ومن ثم فهو من أجل محبته لتنزيه الله تعالى لا يقبل بدستور أهل السنة في مسألة خلق الأفعال، أما سائر أئمة المعتزلة المردودين فإنهم مردودون من أجل أنهم لم ينكروا دساتير أهل السنة العالية السامية لحب الحق بالذات، وإنما لعدم بلوغ عقولهم القاصرة إياها وعدم استيعاب أفكارهم الضيقة قوانينَ أهل السنة الواسعة.

وكما هو الحال في مخالفة أهل الاعتزال لأهل السنة والجماعة هكذا في علم الكلام؛ فإن مخالفة أهل الطريقة الذين هم خارج جادة السنة السنية أيضًا قسمان:

أحدهما: أنهم من حيث افتتانهم بحالهم ومشربهم –كالزمخشري- لا يبالون إلى حدٍّ ما بآداب الشريعة التي لا يستطيعون أن يبلغوا ويدركوا درجة أذواقها.

والآخر: أنهم ينظرون إلى آداب الشريعة على أنها غير ذات أهمية بالنسبة لدساتير الطريقة، لأن فهمهم الضيق لا يستطيع أن يحيط بالأذواق الواسعة، ومقامهم المنخفض يعجز عن بلوغ تلك الآداب السامية الراقية.

التلويح الثامن: يبين "ثماني ورطات".

أولاها: إن قسمًا من أهل السلوك الذين لا يراعون السنة السنية مراعاةً كاملة يقعون في ورطةٍ بتفضيلهم الولايةَ على النبوة، وقد أُثبِتَ في "الكلمة الرابعة والعشرين" و"الكلمة الحادية والثلاثين" مدى علو النبوة وسموها، ومدى خفوت الولاية بالنسبة إليها.


346. صفحة

ثانيتها: إنهم يفضِّلون بعض الأولياء المُفْرِطين من أهل الطريقة على الصحابة، بل يرونهم في مرتبة الأنبياء، فيقعون في ورطةٍ، وقد أثبت في "الكلمة الثانية عشرة"، و"الكلمة السابعة والعشرين" و"ذيلها" الخاص بالصحابة إثباتًا قاطعًا أن للصحابة ميزة الصحبة بحيث لا يمكن بلوغها بالولاية، وأنه لا يمكن التفوق على الصحابة، وأن الأولياء لا يمكنهم أن يبلغوا درجة الأنبياء أبدًا.

ثالثتها: إن قسمًا ممن يحملون تعصبًا مفرطًا للطريقة يفضلون آداب الطريقة وأورادها على السنّة السَّنِيَّة، فبذلك يخالفون السنة، فهم يتركون السنة ولا يتركون أورادهم.

وكما أُثبت في كثيرٍ من "الكلمات" فإن المحققين من أهل الطريقة مثل الإمام الغزالي والإمام الرباني[1] يقولون: إن ما يحصل من قبولٍ في اتباع سنةٍ سنية واحدة لا يحصل من اتباع مائة من الآداب والنوافل الخصوصية، فكما أن فريضةً واحدة أفضل من ألف سنة؛ كذلك فإن سنةً سَنِيَّةً واحدة أفضل من ألف أدب من آداب التصوف.

رابعتها: إن بعضًا من المفرطين من أهل التصوف يظنون الإلهام كالوحي، ويعدونه نوعًا من أنواعه، فيقعون في الورطة، وقد أثبت مدى سمو درجة الوحي، ومدى كونه كليًّا وقدسيًّا، ومدى كون الإلهام جزئيًّا وخافتًا بالنسبة إليه إثباتًا قاطعًا في "الكلمة الثانية عشرة"، وفي "الكلمة الخامسة والعشرين" الخاصة بالمعجزات القرآنية، وغيرهما من الرسائل.

خامستها: إن بعضًا ممن لا يفقهون سر الطريقة من المتصوفين يستحبون الأذواق والأنوار والكرامات التي توهب من غير سؤالٍ من أجل حث الضعفاء، وتشجيع المتقاعسين، وتخفيف التضجر والمشقة الناشئين عن الخدمة الشاقة الشديدة، فيفتتنون بها، ويفضلونها على العبادات وأعمال الدعوة والأوراد فيقعون في الورطة.

وقد بُيِّن بإجمالٍ في "النقطة الثالثة" من "التلويح السادس" من هذه الرسالة، وأثبت في سائر الكلمات إثباتًا قاطعًا أن دار الدنيا هذه هي دار الخدمة، وليست دار الأجرة، فالذين يطلبون أجرتهم هنا؛ يحوِّلون الثمرات الباقية الدائمة إلى ثمراتٍ فانية مؤقتة، فضلا عن أن البقاء في الدنيا يروقهم، ولا يستطيعون أن ينظروا إلى البرزخ




[1]  هو الشيخ أحمد بن عبد الأحد بن زين العابدين الفاروقي السرهندي، وهو المعروف بمجدد الألف الثاني، كان عالِمًا عاملا عارفًا كاملا، ينتهي نسبه إلى الفاروق رضي الله عنه، ولد في سنة 971هـ.


347. صفحة

بشوقٍ أو اشتياق، وكأنهم يحبون حياة الدنيا من ناحيةٍ؛ إذ إنهم يجدون فيها حياة الآخرة نوعًا ما.

سادستها: إن قسمًا من أهل السلوك الذين هم ليسوا من أهل الحقيقة تلتبس عليهم ظلالُ مقامات الولاية ونماذجها الجزئية بالمقامات الأصلية الكلية، فيقعون في الورطة.

وقد أثبت في "الغصن الثاني" من "الكلمة الرابعة والعشرين" وغيرها من الكلمات إثباتًا قاطعًا أنه:

كما أن الشمس تتعدد بواسطة المرايا، وكما أن آلافًا من الشموس المثالية تكون مالكةً للضياء والحرارة كالشمس ذاتها، إلا أن تلك الشموس المثالية خافتة جدًّا بالنسبة للشمس الحقيقية؛ كذلك فإن لمقامات الأنبياء ومقامات أعاظم الأولياء بعضًا من الظلال، يدخل فيها أهل السلوك فيرون أنفسهم أعظم من أولئك الأولياء العظام، بل يظنون أنهم سبقوا الأنبياء فيقعون في الورطة.

وحتى لا يتضرر المرء من جميع هذه الورطات السابقة لا بد من أن يتخذ الأصول الإيمانية وأسس الشريعة مرشدًا وأساسًا له دائمًا، وأن يتهم مشهوداته وأذواقه حين مخالفتها تلك الأسس.

سابعتها: إن بعضًا من أهل الذوق والشوق يفضلون الافتخار والدلال والشطحات وكسب توجه الناس والمرجعية في سلوكهم على الشكر والدعاء والتضرع والاستغناء عن الناس، فيقعون في الورطة، بينما المرتبة العليا هي العبودية المحمدية -على صاحبها الصلاة والسلام- التي تسمى باسم "المحبوبية".

أما العبودية فإن سرها الأساسي ينال كمال تلك الحقيقة بالدعاء والشكر والتضرع والخشوع والعجز والفقر والاستغناء عن الخلق، وقد دخل بعض الأولياء العظماء في الافتخار والدلال والشطحات مؤقتًا دون اختيارهم وإرادتهم، إلا أنه لا يقتدى بهم بالاختيار من هذه الناحية، فهم مهتدون ولكن ليسوا هادين، فلا يُتّبعون.

الورطة الثامنة: إن قسمًا من الأنانيين المتعجلين من أهل السلوك يريدون أن يأكلوا ثمرات الولاية في الدنيا، وهي أحرى بأن تُجنى وتقطف في الآخرة، ويطلبونها في

348. صفحة

سلوكهم فيقعون في الورطة، وقد أُثبت في كثير من الكلمات بصورة قاطعة -كما تعلن أمثال هذه الآية الكريمة ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾(الحديد:20)- أن ثمرةً واحدة في عالم البقاء أفضل من ألف من حدائق الدنيا الفانية، لذا ينبغي ألا تؤكل تلك الثمرات المباركة هنا، وإذا أُطعِمها الإنسان دون رغبةٍ واختيار منه فعليه الشكر، وعليه أن يعدها نعمةً إلهية وُهبت للحث والتشجيع لا للمكافأة والثواب.

التلويح التاسع: سنبين هنا بإجمالٍ "تسع ثمرات وفوائد" فقط من الثمرات والفوائد الكثيرة جدًّا للطريقة.

أولاها: انكشاف الحقائق الإيمانية ووضوحها وظهورها بدرجة عين اليقين بواسطة الطريقة المستقيمة، تلك الحقائق التي هي مفاتيح الخزائن الأبدية الموجودة في السعادة الأبدية ومنبعها ومعدنها.

ثانيتها: الوصول إلى درجة الإنسان الحقيقي، وذلك بتحريك القلب الذي هو مركز الماكينة الإنسانية وزُنْبُرُكها بواسطة الطريقة، ومن ثم تحريك اللطائف الإنسانية، وتوجيهها إلى ما خُلِقَت من أجله.

ثالثتها: الالتحاق بسلسلةٍ من سلاسل الطريقة في سفر عالم البرزخ والآخرة، وصحبة ذلك الركب النوراني في طريق أبد الآباد، والتخلص من وحشة الانفراد والوحدة، والأنس بهم في الدنيا والبرزخ أنسًا معنويًّا، والاستناد إلى إجماعهم واتفاقهم ضدّ هجمات الأوهام والشبهات وتحدياتها، وعد كلِّ مرشد من المرشدين كسندٍ قوي وبرهان متين، ومن ثم دفع ما يخطر بالبال من الضلال والشبهات بهم.

رابعتها: يدرك المرء بواسطة الطريقة النقية الخالصة معرفة الله التي هي في الإيمان، ويشعر بالأذواق التي في معرفة الله الكامنة في محبة الله، وبذلك الإدراك وذلك الشعور يتخلص من الوحشة المطلقة للدنيا، ومن الغربة المطلقة في الكون.

وقد أثبتنا في كثير من الكلمات أن سعادة الدارين، واللذة الخالصة التي لا يشوبها ألم، والأنس الذي لا تخالطه وحشة، والذوق الحقيقي، والسعادة الخالصة؛ إنما هي في حقيقة الإيمان والإسلام، فكما بُيِّن في "الكلمة الثانية" أن الإيمان يحمل نواة شجرة طوبى الجنة؛ فكذلك بتربية الطريقة تنمو تلك النواة وتنكشف.


349. صفحة

خامستها: الشعور بما في التكاليف الشرعية من حقائق لطيفة وتقديرها بواسطة انتباه القلب الناشئ عن الطريقة، والنابع من ذكر الله تعالى، وعندها يؤدي الإنسان الطاعة والعبودية ليس كالسُّخرة، وإنما بشوقٍ ورغبة.

سادستها: نيل مقام التوكل ورتبة التسليم، ودرجة الرضا، التي هي وسيلة وواسطة حقيقية للذوق الحقيقي، والعزاء والسلوان الخالص الجاد، واللذة التي لا يشوبها الكدر، والأنس الذي لا تشوبه الوحشة.

سابعتها: إنه بواسطة الإخلاص الذي هو أهم شرط وأهم نتيجة في السلوك في الطريقة يتخلص السالك من الشرك الخفي ومن الرذائل كالرياء والتصنع، وبواسطة تزكية النفس التي هي الماهية العملية للطريقة ينجو من مخاطر النفس الأمّارة والأنانية.

ثامنتها: وهي أن يجعل الإنسان دقائقَ عمره كنوى تتفتح عن سنابل الحياة الأبدية بحسن استخدامه رأس ماله الذي هو عمره، وذلك بتحويل عاداته إلى عبادات، ومعاملاته الدنيوية إلى أعمال أخروية بالتوجه والحضور والنيّات الصادقة القوية التي ينالها بواسطة الذكر القلبي والتفكر العقلي اللذين في الطريقة.

تاسعتها: أن يسعى المرء لبلوغ درجة الإنسان الكامل بالسير والسلوك القلبيين والمجاهدة الروحية والترقيات المعنوية؛ أي أن يكون مؤمنًا حقيقيًّا ومسلمًا كاملا؛ بمعنى أن يظفر بحقيقة الإيمان وحقيقة الإسلام وليس بشكلهما الصوري فحسب، أي أن يكون الإنسان في هذا الكون، كممثلٍ عن الكائنات من جهة ما، عبدًا للخالق ذي الجلال ومخاطَبًا ووليًّا وخليلا ومرآة له مباشرة، وأن يُظهِر أنه في أحسن تقويم، ومن ثم يُثبِت رجحان بني آدم على الملائكة، وأن يحلق في المقامات العالية بجناحي الشريعة الإيماني والعملي، والنظر إلى السعادة الأبدية من هذه الدنيا، بل ربما الدخول في تلك السعادة.

 

سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ

اللّهُمّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى الغَوْثِ الأَكْبَرِ فِي كُلِّ العُصُورِ، والقُطْبِ الأَعْظَمِ فِي كُلِّ الدُّهُورِ، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الّذِي تَظَاهَرَتْ عَظَمَةُ وَلاَيَتِهِ وَمَقَامُ مَحْبُوبِيَّتِهِ فِي مِعْرَاجِهِ، وَانْدَرَجَت كُلُّ الوَلاَيَاتِ فِي ظِلِّ مِعْرَاجِهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ،

آمِين، وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.