المناظرات

395. صفحة

 المناظرات

 

وصفة طبية لقارّةٍ عظيمة سيئة الحظ

ولدولةٍ مجيدة سيئة الطالع

ولقومٍ كرام لا حامي لهم

 

أو

مناظرات بديع الزمان

 

 

تأليف

بديع الزمان سعيد النورسي


396. صفحة

بسم الله الرحمن الرحيم

قسم من أجوبة سعيد القديم على أسئلة سألتها العشائر قبل خمسة وأربعين عامًا.

سؤال:

ليسلم الدين، فلا نبالي بأي شيء بعد ذلك!

الجواب: الإسلام كالشمس، لا ينطفئ بالنفخ، وهو كالنهار لا ينقلب إلى ليل بإغماض العين، فمن يغمض عينيه ير وحده الدنيا مظلمة!

يا ترى هل الاعتماد على سلطانٍ مهزومٍ مسكين، أو على موظفين مداهنين، أو على أفراد شرطةٍ أغبياء لا منطق لهم، وترك حماية الدين لهم أحسن وأولى أم الاعتماد على نخوة العمود النوراني، ذلك السيف الألماسي الحاصل من امتزاج الشرارات النيرة للنخوة الإسلامية، ومن اجتماع لمعات الأنوار الإلهية التي هي الشفقة الإيمانية الكامنة في قلب كل أحد، والتي هي معدن المشاعر الإسلامية المساندة للأفكار العامة للأمة؟ فلكم المقارنة!

أجل؛ إن هذا العمود النوراني[1] سيحمل حماية الدين على رأس شهامته، وفي عيون رقابته وعلى أكتاف نخوته، فها أنتم أولاء ترون أن اللمعات المتفرقة قد بدأت في التلألؤ، فستمتزج بالانجذاب شيئًا فشيئًا، ولقد تقرر في علم الحكمة[2] أن الشعور والوعي الديني -ولاسيما كلمة الدين الحق الفطري- أنفذ، وحُكمه أعلى، وتأثيره أشدّ.

الحاصل: إن من لا يعتمد على غيره يبادر بنفسه، وسأضرب لكم مثالا:

أنتم من البدو الرُحّل، ورأس مال البدو الرحَّل غنمهم، وأنتم تعرفون ذلك الأمر، ولقد عهد كل منكم ببعض غنمه إلى راع، بينما الراعي كسلان، ومعاونه متهاون،



[1]  لقد أحس برسائل النور حتى أجاب عنها بثلاث صفحات، إلا أن حجب السياسة أضفت عليه لونًا آخر.(المؤلف).

[2]  يقصد الفلسفة.


397. صفحة

وكلابه لا شأن لها، فإن اعتمدتم عليه كليًّا، ورقدتم في بيوتكم بكل راحة، وتركتم الغنم المسكينة بين الذئاب المستبدة وبين اللصوص والبلايا، أفهذا أولى؟ أم أن يعرف كل واحد عدم كفاءة الراعي، فيترك نوم الغفلة، وينطلق من منزله كالبطل، ويحيط بالغنم، فتكونون ألف حارس لها بدلا من راع واحد، ومن ثم لا يجرؤ أي ذئب أو أي سارق على سرقتها؟ أليس هذا السرّ هو الذي استتاب لصوص "مامه خوران"[1] وجعلهم صوفيين؟

أجل؛ لقد رغبت أرواحهم في البكاء وصار أحدهم سببًا لذلك فبكوا.

أجل؛ أجل؛ لو سكت البعوض عن طنينه، وتوقف النحل عن أزيزه، فلا تفترن حماستكم، ولا تتأسفوا! إذ الموسيقى الإلهية التي تهز أسرار الحقائق وتدفع الكون بنغماتها إلى الرقص؛ لا تفتر ولا تنقطع، بل تهدر وتدوي دائمًا.

إن السلطان الأزلي الذي هو سلطان السلاطين وملك الملوك قد ملأ العالم أجمع بموسيقاه الإلهية المسماة بالقرآن فدوت في قبة السماء، وضرب بها أدمغة العلماء والمشايخ والخطباء وقلوبهم وأفواههم الشبيهة بالمغارات، وانطلق رجع الصدى دويًّا هادرًا من ألسنة هؤلاء، وانسال وانحدر وهز الدنيا بأصديةٍ متنوعة، فتجسم وانطبع، وجعل الكتبَ الإسلامية جميعها كوَتَرٍ وشريط لطنبورٍ أو قانونٍ فأعلن كلُّ وترٍ نوعًا من تلك الموسيقى الإلهية، فالذي لا يسمع بأذن القلب ذلك الصدى السماوي الروحاني أو لا يستمع إليه؛ يا ترى هل يسمع دندنة أميرٍ كالبعوض، أو أزيز رجال الحكومة الذين هم كالذباب؟!

الحاصل: إن رجلا يخاف على دينه من الانقلابات السياسية نصيبه من دينه نصيب واهن كبيت العنكبوت، وجهل يخيفه، وتقليد يقلقه؛ إذ يظن أن سعادته في يد الحكومة وحدها لفقده الاعتماد على النفس، وعيشه بالعجز، فيتخيل أن قلبه وعقله كذلك في صرة الدولة، فيخاف.

س: لا يقول البعض مثلما تقول، بل يقولون: إنه لا بد من مجيء المهدي؛ لأن الدنيا صارت مشوَّشة لشيخوختها، والإسلام متزلزل بتنامي الأضغان وتنفسها؟





[1]  إحدى العشائر الكردية.

398. صفحة

ج: لو استعجل المهدي وحضر فعلى الرأس والعين فليحضر حالا؛ إذ الوقت مناسب والظروف مواتية، وليست غير مناسبة كما تظنون، فالأزهار الجميلة تزدهر في الربيع، ومن شأن الرحمة الإلهية أن تُنهي بؤس هذه الأمة.

ومن قال إن الزمن قد فسد كليًّا ومال إلى القديم؛ فقد أسند عن جهلٍ السيئات القديمة الناشئة عن مخالفة الإسلام إلى الإسلام نفسه كما هو ظن بعض الإفرنج.

س: من هم الذين يشوِّشون الأفكار ولا يقدِّرون "الحرية" و"المشروطية"[1]؟

ج: جمعيةٌ[2] تشكلت من بني البشر تحت رئاسة "الجهل" آغا، و"العناد" أفندي، و"سوء النية" بك، و"الانتقام" باشا، وحضرة "التقليد"، والأستاذ "ثرثرة"؛ وهي تجرح الشورى التي هي منبع سعادتنا وتخدشها.

والذين ينتسبون إليها من بني البشر هم مَن لا يضحون بخسارة درهمٍ واحد في سبيل ألف ليرة من منافع الشعب، ويرون منافعهم في ضرر الناس، ويؤولون الأمور بتأويلات لا ميزان لها ولا موازنة، ويدَّعون في غرور أنهم مستعدون لفداء الشعب بأرواحهم، مع أنهم لا يضحون بميل الانتقام والأضغان الشخصية، ويطلقون أفكارًا غير معقولة كالسيادة المطلقة والاستقلال الذي هو مقدمة طوائف الملوك، وكالجمهورية بمعنى الاستبداد المطلق، وهم الذين تظلموا فحقدوا فلم يستطيعوا أن يتقبلوا "العفو والاستراحة العامة" الذي هو العطاء الأول لـ"الحرية" و"المشروطية" بسبب ما يحملون من فكرة الانتقام، ومن ثم يضربون على أوتار الناس الحساسة كي يهيجوا ويثوروا حتى يعاقَبوا ويؤدَّبوا فيشفوا غليلهم.

س: لم تعدّ كل هؤلاء فاسدين؟ والظاهر أنهم يريدون لنا الخير؟




[1]  هي إعلان النظام البرلماني في الدولة العثمانية، وبموجبه أصبحت الوزارة مسئولة أمام البرلمان، وليس أمام السلطان، كما أن صلاحية تشريع القوانين أصبحت من اختصاص البرلمان، وقد أعلن السلطان عبد الحميد المشروطية مرتين، مرة عند بداية حكمه وهي المشروطية الأولى  سنة 1877، وفي سنة 1908 أعاد المشروطية والدستور مرة أخرى فيما سمي بـالمشروطية الثانية.

[2]  نبوءة تخبر -ضمن الإخبار عن جمعية الماسونية والدونمة- عن حُكم حَكم باستبداد مطلق لمدة ربع قرن من الزمن.(المؤلف).   


399. صفحة

ج: لا يوجد مفسد يقول إني مفسد، بل إنه يتظاهر دوما بالصلاح وبأنه صالح ومصلح، أو يرى الباطل حقًّا.

أجل؛ لا يعيب أحد صنعته فلا تأخذوا شيئًا إلا بعد وضعه على المحك وبعد أن تزنوه؛ إذ هنالك أقوالٌ مزيفة كثيرة تجوب الأسواق، وحتى كلامي أنا لا تقبلوه على عِلاّته بحسن ظنكم لكونه كلامي، وقد أكون مفسدًا، أو ربما أفسد عن جهل، إذن لا تفسحوا المجال لدخول كل كلامٍ إلى القلب، فليبق الكلام الذي أقوله لكم في يد الخيال، فضعوه على المحك أولا، فإن ظهر ذَهبًا فاحفظوه في القلب، وإن ظهر نحاسًا فعلِّقوا عليه كثيرًا من الاغتياب، وأرسلوا من ورائه كثيرًا من الدعوات عليه، واطردوه وردوه إلي.

س: لم تسيء الظن بحسن ظننا؟ ما استطاع السلاطين السابقون والحكومات السابقة أن يصدوك عن الحق، ولم يستطع أعضاء جمعية "تركيا الفتاة [1]"، أن يخضعوك لهم فتنجرف معهم وتداهنهم؛ فقد سجنوك وأرادوا أن يشنقوك ولكنك لم تتذلل لهم، ووقفت في وجههم برجولة، وأرادوا أن يعطوك راتبًا كبيرًا فرفضت، إذن فأنت لا تتكلم بانحياز إليهم، وإنما أنت منحاز إلى الحق.

ج: أجل؛ إن الذي عرف الحق لا يضحي به من أجل أي شيء آخر، فمقام الحق عالٍ وسامٍ، وينبغي ألاّ يضحى به من أجل أي شيء، ولكني لا أقبل حسن ظنكم هذا بي؛ إذ إنكم قد تحسنون الظن بمفسد أو دساس، فانظروا إلى الدليل وعاقبة من تحسنون الظن به.

س: كيف سنعرف ذلك، ونحن عوامّ جهلاء، نقلد أهل العلم من أمثالكم؟

ج: صحيح أنكم من العوام ولستم من العلماء، ولكنكم عقلاء، فإذا تقاسمت الزبيب مع أي واحد منكم فإنه يستطيع أن يحتال علي بذكائه، إذن فجهلكم ليس عذرًا لكم، والذي يميز الأشجار المتشابهة هو ثمارها، إذن فانظروا إلى نتائج أفكاري وأفكار هؤلاء؛ ففي إحداها الاستراحة والإطاعة، وفي الأخرى يكمن الاختلاف والأضرار، وسأضرب لكم مثالا آخر: تتراءى نارٌ في هذه الصحراء، وأنا أقول إنها نور، وحتى لو



[1] جمعية "تركيا الفتاة": هي اتحاد لمجموعات عديدة مؤيدة في ظاهرها لإصلاح الإدارة في الدولة العثمانية.


400. صفحة

كانت نارًا فإنها طبقةٌ عليا ضعيفة تبقَّت من نارٍ قديمة، تعالوا نتحلق حولها ونشاهدها ونستفيض منها حتى تتمزق الطبقة النارية فنستفيد منها، فإن كانت نورًا كما قلتُ فسنستفيد منها حتمًا، وإن كانت نارًا كما قالوا فنحن لَم نحركها فتحرقنا؟! إنهم يقولون إنها نارٌ حامية، فلو كانت نورًا فإنها تعمي قلوبهم وأبصارهم، فحيثما أشرق في الدنيا نور السعادة[1] الذي يسمونه نارًا فلن يطفأ حتى لو صبت عليه دماء ملايين من الناس قربة قربة مثل الماء، حتى إنهم قد حاولوا خلال هاتين السنتين في أراضينا مرةً أو مرتين إطفاءها إلا أن أنفس الذين حاولوا ذلك هي التي انطفأت[2]

س: إنك قلت إنه ليس بنار، ولكنك تنظر إليه حاليًّا على أنه نار؟

ج: أجل؛ إن النور نارٌ للتعساء الخبثاء.

س: ما نقول لأهل الفضل من تلك الفرقة؟ فهم طيبون أخيار.

ج: هنالك كثيرون من الطيبين الأخيار، يسيئون وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا.

س: كيف يأتي السوء من الخير؟

ج: طلب المحال إساءة إلى النفس، والحكومة التي تكوّنت ذراتها من المذنبين لا يمكنها أن تكون معصومة بكاملها، إذن إن محور النظر هو رجحان حسنات الحكومة على سيئاتها، فالحكومة غير ذات السيئات من المحال العادي.

وأنا شخصيًّا أعدّ هؤلاء الذين يبغون حكومةً بريئة معصومة إرهابيين فوضويين؛ لأنه لو عاش أحد منهم ألف سنة -لا قدَّر الله- ورأى جميع صور الحكومات الممكنة لما رضي بأي منها بتطلعاته الخيالية المثالية، وبميل التخريب الناتج عن تلك التطلعات سيحاول إفساد تلك الصورة(1)، وعلى هذا فإن أعضاء "جمعية تركيا الفتاة" الذين يظنهم أمثال هؤلاء فاسدين طالحين؛ سيعدّونهم أيضًا ملاعين وإرهابيين فوضويين، مسلكهم اختلال وفساد.



[1]  ولقد أحس هنا أيضًا برسائل النور إلا أنه قد نظر من خلال ستار السياسة فتغير شكل الحقيقة. (المؤلف).

[2]  ولقد صدّق هذا الظلمَ حزبٌ سحق سعيدًا لمدة خمس وعشرين سنةً بانطفائه. (المؤلف).

(1)  يخبر عن الثورة الكمالية بمعناها الشيوعي والفوضوي، وكأنه قد رأى عبدة الثور واليهود الدونمة. (المؤلف).


401. صفحة

س: ربما يريد هؤلاء الوضع القديم؟

ج: سأقول لكم كلمة وجيزة علكم تحفظونها؛ "من المحال أن تستمر الحال على هذا المنوال، إما الحال الجديدة، وإما الاضمحلال"، فالحكومة مسلمة، والأمة الحاكمة فيها مسلمة، وأس أساسها وسياستها هو هذا الدستور: "إن دين الدولة الإسلام"، فحفظ وصون هذا الأساس وظيفتنا وواجبنا؛ لأنه أساس حياة أمتنا.

س: نفهم من كلامك أن الحكومة ستستمر في خدمة الإسلام والدين؟

ج: بالطبع، إن هدف الحكومة -باستثناء بعض الملاحدة الحمقى- ولو كان بعيدًا ومتخفيًا هو تقوية سلسلة الإسلام النورانية التي تجعل ثلاثمائة مليون من الناس جسدًا واحدًا بسر الأخوة الإيمانية وحفظ تلك السلسلة؛ إذ هذه وحدها هي نقطة الاستناد ونقطة الاستمداد، فقطرات المطر ولمعات النور كلّما بقيت متناثرةً ومنتشرة جفَّت سريعًا وخفتت بسرعة، ولكن الفيَّاض المطلق يخاطبنا من جانب الأزل بـ﴿لا تتفرقوا﴾ و﴿لا تقنطوا﴾ حتى لا ننطفئ ولا نخبو ولا نزول.

نعم؛ إن الجهات الست تصدح بصدى ﴿لا تقنطوا﴾.

نعم؛ إن الضرورة، والانجذاب، والتمايل، والتجارب، والتجاوب، والتواتر ستجعل تلك القطرات واللمعات تتصافح، وستطوي المسافة بينها، فستشكل حوض ماء باعث للحياة، وكهرباء نوَّارةً تضيء الدنيا كلها؛ إذ إن جمال الكمال هو الدين، والدين ضياء السعادة، وترقي المشاعر، وسلامة الضمير[1]

س: نسأل الآن حول مسألة الحرية، فما هي هذه الحرية حتى تتنازع وتتعارك فيها تأويلاتٌ كثيرة؟ ويرى الناس بشأنها أحلامًا عجيبة غريبة؟

ج: يمكن لمن نشدها حتى في الأحلام وترك كل شيء في سبيلها منذ عشرين سنة أن يجيب عنها إجابة حسنة.

س: لقد فسروا لنا الحرية بتفسيرات غاية في السوء، حتى ذهبوا إلى القول بأن الإنسان مهما ارتكب من الفسق والفضائح والرذائل فإن ذلك مسموح له بشرط ألا يمس ضرره الآخرين، فهل هي كذلك؟



[1]  لا تستعجل، ففيها إشاراتٌ كالشفرات. (المؤلف).


402. صفحة

ج: هؤلاء لا يفسرون الحرية، بل يعلنون عن فسقهم وفضائحهم ورذائلهم، فيهذون بعللٍ وذرائع صبيانية؛ إذ الحرية الرقيقة متأدبةٌ ومتزينة بآداب الشريعة، وإلا فالحرية في الفسق والفضائح والرذائل ليست بحرية، وإنما حيوانية، واستبداد للشيطان، وأسرٌ من النفس الأمارة.

والحرية هي محصَّل ذرات حريات جميع الأفراد، وشأن الحرية ألا تضر بها نفسك أو غيرك.

"على أنَّ كمال الحرية ألاَّ يَتَفَرْعَنَ وألاّ يستهزئَ بحرية غيرِه... إن المرادَ حقٌّ، لكن المجاهدةَ ليست في سبيلها[1]"

س: هنالك أشخاص لا يفسرونها كما تفسر، ثم إن أعمال قسم من جمعية "تركيا الفتاة" وأطوارهم تفسَّر بتفسيرات فاضحة؛ إذ يفطر بعضهم في نهار رمضان، ويشربون الخمر، ولا يصلون، فكيف سيخلص الذين يخونون أوامر الله بهذه الصورة للشعب والأمة؟

ج: نعم؛ نعم؛ لكم الحق، ولكن النخوة شيء والعمل شيء آخر، فإن لم يتزين القلب والوجدان بالفضائل الإسلامية فلا يُتوقع منه نخوة ووفاء وعدالة حقيقية حسب رأيي، ولكن لما كان العمل والصنعة يختلفان عن النخوة والفضيلة؛ فإن رجلا فاسقًا قد يقوم برعي الأغنام بمهارة، وإن رجلا سكيرًا قد يصلح الساعات بإتقانٍ إن لم يكن سكران مخمورًا، أما الآن فالذين يجمعون الصلاح والمهارة، وبتعبيرٍ آخر الفضيلةَ والنخوة، ونورَ القلب ونور الفكر لا يكفون الوظائف؛ إذن إما المهارة وإما الصلاح، وأما في الصناعات فالمهارة هي المرجّحة.

ثم إن تاركي الصلاة السكارى هؤلاء ليسوا بـ"تركيا الفتاة"، بل هم "تركيا القبيحة"، أي إنهم أتراك فاسدون قبيحون، وهم روافض "تركيا الفتاة"؛ إذ لكل شيء روافض، فروافض "الحرية" هم السفهاء.

أيها الأتراك والأكراد، أنصفوا، هل ينبغي إنكار الحديث إذا ما أوَّله رافضيٌّ تأويلا خطأ، أو عمل به بصورةٍ خطأ، أم ينبغي تخطئة ذلك الرافضي وصون كرامة الحديث؟




[1]  لا تستعجل، فالجملة تعني أن صاحب صحيفة "الميزان" مراد محقّ، أما رئيس تحرير صحيفة "طنين" حسين جاهد فمخطئ. (المؤلف).


403. صفحة

وإن الحرية تعني ألا يتحكم أحدٌ في أحد غير قانون العدل وغير التأديب، وأن تبقى حقوق الكل محفوظةً مصونةً، ويظل الكل في حركاته المشروعة حرًّا طليقًا بمعنى الكلمة، وينال سرَّ نهي ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ﴾(آل عمران:64)

س: [1] إذن إننا نملك حريتنا منذ القديم، فحريتنا قد ولدت معنا توأمًا لنا؟! فليفرح الآخرون وليمرحوا فلا يهمنا.

ج: أجل؛ إن ذلك الشغف بالحرية قد جعلكم متحملين لمشقاتٍ تستعصي على التحمل، وإن مشربكم الشاقّ المنعزل قد جعلكم مستغنين عن محاسن المدنية البراقة الكثيرة، ولكن أيها البدو الرحل، الذي عندكم هو شطر الحرية، والشطر الآخر هو عدم الإخلال بحرية الآخر.

ثم إن الحرية القانعة بعيش الكفاف والمختلطة بالوحشة هي ما لدى الحيوانات التي هي جيرانكم الجبَلية كما عندكم، فإن كان لتلك الحيوانات الوحشية المسكينة لذةٌ وسلوان في الواقع فهي حريتها، ولكن الحرية التي هي ساطعة كالشمس، ومعشوقة لكل روح وكفؤ لجوهر الإنسانية هي تلك الحرية القابعة في قصر المدنية السعيد، وهي متزينة بحلل المعرفة والفضيلة والإسلام.

س: ماذا تقول؟ لقد قيل في حق الحرية التي تثني عليها: "الحُرِّيَّةُ حَرِيَّةٌ بالنار؛ لأنها تختصّ بالكفار

ج: لقد ظن ذلك الشاعر المسكين صاحب تلك المقولة الحريةَ مسلك البلشفية ومذهب الإباحية، كلا، إنها تنتج الحرية تجاه الإنسان والعبوديةَ تجاه الله.

ولقد رأيت أشخاصًا كثيرين كانوا يهاجمون السلطان عبد الحميد أكثر من الأحرار[2]، وكانوا يقولون إنه سيئ؛ لأنه قَبِل الحرية والقانون الأساسي[3] قبل ثلاثين سنة، فما قيمة كلام من ظن الاستبداد الذي اضطر إليه السلطان عبد الحميد حريةً، ومن يهاب القانون الأساسي الذي هو اسم بلا مسمى؟




[1]  هذا سؤال البدو الرحّل الساكنين في الخيام السوداء. (المؤلف).

[2]  الأحرار؟؟؟؟؟

[3]  القانون الأساسي؟؟؟؟ ؟


404. صفحة

ثم إن واحدًا من فدائيي الإسلام قد قال منذ عشرين سنة: "الحُرِّيَّةُ عطية الرحمن؛ إذ إنها خاصية الإيمان"، وهو تعريفٌ جميل.

س: كيف تكون الحرية خاصية الإيمان؟

ج: لأن الذي يكون خادمًا لسلطان الكون برابطة الإيمان لا تتركه عزته وشهامته الإيمانية للسقوط إلى التذلل، والدخول تحت تحكم الآخر واستبداده، كما لا تسمح شفقته الإيمانية بالتعدي على حرية الآخر وحقوقه.

أجل؛ إن خادمًا صادقًا للسلطان يترفع عن أن يَذِلَّ لراعٍ، كترفعه عن أن يُذِلَّ مسكينًا، إذن كلما كان الإيمان كاملا مكملا كانت الحرية ساطعة، فها دونكم عصر السعادة وخير القرون!

س: كيف نكون أحرارًا تجاه رجال كبار أو أولياء عظامٍ أو شيوخٍ مبجلين أو علماء أجلاء، فلهم حق في التحكم فينا من أجل مزاياهم، ونحن أسرى لهم ولفضائلهم؟

ج: شأن الولاية والشياخة والعظمة هو التواضع ونكران الذات، وليس التكبر والتحكم، إذن فالذي يتكبر صبي يدعي الشياخة، ولا تعدوه كبيرًا.

س: ولم يكون التكبر علامة الصغر؟

ج: لكل إنسان مرتبةُ كرامة وشرف وشهرة يتظاهر فيها ويشاهد الناس من خلالها، فإذا كانت تلك المرتبة أرفع وأرقى من قامة استعداده فسيتطاول إليها وسيتكبر حتى يَظهر في ذلك المستوى، أما إذا كان شأنه واستحقاقه أرفع وأرقى منها فسيتقوس متواضعًا وينحني لها.

س: أجل؛ لقد قبلنا أن الحرية حسنة جميلة، ولكن حرية هؤلاء الأرمن والروم تبدو قبيحة وتقلقنا، فما رأيك فيها؟

ج: أولا: إن حريتهم هي ألا نظلمهم ونتركهم على حالهم، فهذا شرعي، وما يمكن أن يقال بعد هذا فهو تعدّيهم على تقصيركم وسوء تصرفكم، واستغلالهم لجهلكم.

ثانيًا: لنفترض معكم أن حريتهم مضرة كما تعتبرون، فلسنا نحن أهل الإسلام متضررين منها؛ لأن الأرمن بيننا لا يتجاوزون ثلاثة ملايين، كما لا يبلغ عدد غير المسلمين بيننا عشرة ملايين، ولكن أمتنا وإخواننا الأبديين مقيدون بثلاثة قيود استبدادية

405. صفحة

مذهلة، فيرزحون تحت أسر الاستبداد المعنوي للأجانب مع أن عددهم أكثر من ثلاثمائة مليون، فحرية غير المسلمين التي هي إحدى شعب حريتنا رشوة حرية أمتنا جميعًا، وهي دافع ذلك الاستبداد المعنوي المذهل[1]، ومفاتيح تلك القيود، ورافع الاستبداد المعنوي الرهيب الذي جثم به الأجانب الإفرنج على صدورنا.

أجل؛ إن حرية العثمانيين هي كشاف طالع آسيا الكبيرة، ومفتاح حظ الإسلام، وأساس سور الاتحاد الإسلامي.

س: وما هي تلك القيود الثلاثة التي قيَّد بها الاستبداد المعنوي العالمَ الإسلامي؟

ج: إن استبداد حكومة الروس مثلا قيدٌ، وإن تحكم قوم الروس قيدٌ ثانٍ، وإن عاداتهم الكافرة الظالمة هي الأخرى قيد ثالث، وإن لم تكن الحكومة الإنجليزية غير مستبدة في الظاهر فإن شعبها متحكم، وعاداتهم متغلبة، فهاكم الهند برهان واحد لكم، والمصريون نصف برهان.

وبناء عليه فإن أمتنا مقيدة؛ إما بقيودٍ ثلاثة، وإما بقيدٍ ونصف قيد، وليس لنا مقابل ذلك إلا قيدٌ كاذب على أقدام غير المسلمين، فتحمَّلنا بدلا منه دلالهم كثيرًا، وإلى جانب ذلك فإنهم ازدادوا نسلا وثروة، ولكننا بسبب الوظيفة الحكومية والعسكرية اللتين هما خدمةٌ نوعًا ما هبطنا نسلا وثروة إلى الأسفل.

ثم إن الفكر القومي أبو الحرية، فكان الأسير هو الأكراد والأتراك، فها نحن أولاء نحل ذلك القيد الكاذب عن أقدام ثلاثة ملايين أو عشرة ملايين، حتى ينفتح المجال لحرية ثلاثمائة مليون من المسلمين المقيدين بثلاثة قيود[2]، فالذي يعطي ثلاثة عاجلا ويكسب ثلاثمائة آجلا لا يخسر، "وسيأخذ الإسلام بيمينه من الحجة سيفًا صارمًا جزَّارًا مهنَّدًا، وبشماله من الحرية لجامَ فرسٍ عربي مشرق اللون، فالقًا بفأسه وقوسه رءوس الاستبداد الذي به اندرست بساتينُنا".[3]




[1]  لقد قال آنذاك الكلام الذي ينبغي أن يقوله بعد أربع وأربعين سنة. (المؤلف).

[2]  لقد بدأ ينفتح والحمد لله. (المؤلف).

[3]  فانظر إنها فقرةٌ مشفرة تخبر عن مجلدات رسائل النور كـ"ذو الفقار" و"حجة الله البالغة"، كما تخبر عن شعوب الإسلام مثل اليمن ومصر والجزائر والهند والمغرب والقوقاز والفرس والعرب. (المؤلف).


406. صفحة

س: هيهات، كيف تكون حريتنا مقدمة لحرية جميع العالم الإسلامي وفجره الصادق؟

ج: بجهتين:

إحداهما؛ إن الاستبداد الذي مورس ضدنا كان قد وضع سدًّا مظلمًا أمام حرية آسيا، وإن ضياء الحرية لم يكن ليستطيع أن ينفذ من ذلك الستار المظلم حتى يفتح العيون ويريها الكمالات، وبتخريب هذا السد قد انتشر فكر الحرية حتى في الصين، وسينتشر، إلا أن الصين قد أفرطت وصارت شيوعيّةً.

ولما كانت كفة الحرية لميزان العالم قد ثقلت؛ خف فورًا الاستبداد الوحشة الموجودان في الكفة الأخرى، وستخف شيئًا فشيئًا تلك الكفة بمرور الزمن، فإذا قرأتم صحيفة الأفكار، ورأيتم طريق السياسة، واستمعتم إلى الجرائد الناطقة بصدق والتي هي بمنزلة الخطباء العموميين؛ فهمتم أن فوران فكر الحرية في الجزيرة العربية والهند وجاوا ومصر والقوقاز وإفريقيا وأمثالها قد أنتج في أفكار العالم الإسلامي تحولا عظيمًا، وانقلابًا عجيبًا، ورقيًّا فكريًّا، وتيقظًا تامًّا، لو كنا قد صرفنا مائة عام ثمنًا لها لكانت رخيصة؛ إذ الحرية قد أظهرت القومية، وبدأ جوهر الإسلام النوراني الذي في صدف القومية يتجلى، وأخبر عن حركة كيان الإسلام؛ بحيث إن كل مسلم ليس سائبًا طليقًا كالجزء الفرد، بل إن كل واحد من المسلمين جزءٌ من مركَّباتٍ متداخلة متصاعدة، ولها صلة رحم مع سائر الأجزاء من حيث الجاذبية الإسلامية العامة، فهذا الإخبار يوحي بأملٍ قوي بأن نقطة الاستناد ونقطة الاستمداد هما في غاية القوة والمتانة، فهذا الأمل قد أحيا قوتنا المعنوية التي قُضي عليها باليأس، وهذه الحياة ستمزق[1] ستائر الاستبداد المعنوي العامّ الجاثم على العالم الإسلامي كله، مستمدةً من فكر الحرية الذي يفور فيه "على رغم أنف أبي اليأس".

الجهة الثانية: كان الأجانب يتذرعون ويتعللون فيسحقون أمتنا منذ القديم، أما الآن فلا يجدون ذرائع وعللا تثير عروقهم الإنسانية أو أوتارهم المتعصبة أو أعصابهم الدسَّاسة، ولو وجدوها فلا يقدرون أن يتذرعوا أو يتعللوا بها، وخاصة أن المدنية تولِّد حب الإنسانية.



[1]  له الحمد، وقد بدأت تُمَزِّقها بعد خمس وأربعين سنة. (المؤلف).


407. صفحة

س:[1] هيهات، ماذا سنقول عن الثعابين الرهيبة التي أحاطت بنا فاغرة أفواهها لتسمم حياتنا وتمزق دولتنا، والتي تحوِّل هذا الأمل السامي الذي يعزينا ويسلينا إلى يأس؟

ج: لا تخافوا، ولما كانت المدنية والفضيلة والحرية بدأت تسيطر في عالم الإنسانية فبالضرورة ستخفّ الكفة الأخرى للميزان شيئًا فشيئًا، ولو مزقونا إربًا إربًا، وقتلونا بفرض المحال -لا قدر الله- فليستيقنوا أننا سنموت عشرين ونحيا ثلاثمائةً، وسننفض غبار الرذائل والاختلافات عن رءوسنا، وسنكون قدوة لقافلة بني البشر متنورين متحدين حقيقة.

إننا لا نخاف من ذلك الموت الذي ينتج حياةً أشد وأقوى وأبقى، ولو متنا لبقي الإسلام حيًّا سالماً.

س: كيف نكون متساوين مع غير المسلمين؟

ج: ليست المساواة في الفضيلة والشرف، بل في الحقوق، والحقوق يتساوى فيها السلطان مع الصعلوك، فالشريعة التي تأمر بألا تدوسوا النمل عن علمٍ، وتمنع من تعذيبه؛ كيف لها أن تهمل حقوق بني آدم ؟

كلا، إننا لم نمتثل بها!

أجل؛ أظن أن محاكمة الإمام علي رضي الله عنه مع يهودي عادي، ومرافعة مدار فخركم صلاح الدين الأيوبي مع نصراني مسكين تصحح خطأكم هذا[2]!  

 س: إن حرية الروم والأرمن تقلقنا، فتارة يعتدون علينا، وتارة يدعون ملكية الحرية والمشروطية ويقولون بإنهما من صنيعهما، فيدفعوننا إلى اليأس؟





[1]  سؤالٌ مذهل ذو حقيقة. (المؤلف).

[2]  حينما كان يعمل سعيد القديم بحماسةٍ في سبيل الحرية بغية أن يجعل السياسة خادمة للإسلام من حيث أمل قوي وسلوان تام نابع من نورٍ ساطع باهر أشعره بحسٍّ مسبق أنه قد أخبر قبل ثمانية وأربعين عامًا بحسٍّ مسبق آخر حسب معنى أحد الأحاديث الشريفة عن مجيء استبداد مطلق رهيب ملحد، وأحس بأن قائدًا سيَظهر وسيكذِّب بالفعل في خلال خمس وعشرين سنة ما أحس به سعيد القديم من أخبارٍ مسلية، ولذلك فقد ترك السياسة قائلا منذ ثلاثين سنة: "أعوذ بالله من الشيطان والسياسة"، فصار سعيدًا الجديد. (المؤلف).


408. صفحة

ج: أظن أن تجاوزاتهم هي انتقام مما يرتسم في أذهانهم من تجاوزات منكم ضدهم في الماضي، وثورة ضد ما يتوهمون وقوعه من تجاوزات منكم ضدهم في المستقبل.

أما إذا استيقنوا أنه لا يصدر منكم تجاوزاتٌ بحقهم فإنهم سيقتنعون بالعدالة، وإن لم يقتنعوا بالعدالة فإن الحق بقوته سيرغم أنوفهم ويقنعهم.

ثم إن قولهم بأنهم هم الذين أحدثوا المشروطية كذبٌ؛ إذ الحرية والمشروطية قد برزت في صفحة الوجود بحراب عساكرنا وبأقلام مجتمعنا القومي، بل كانت أمنية هؤلاء المهذارين "اللامركزية السياسية" التي هي ابنة عم "الإمارة" و"الاستقلال شبه الذاتي"، إلا أنهم قد خضعوا لنا تسعين بالمائة، وظل خمسة منهم ثرثارين، وبضعة أشخاص آخرون يهذرون، ولا يريدون أن يتخلوا عن أحلامهم القديمة.

س: إن في القرآن نهيًا عن محبة اليهود والنصارى؛ ﴿لاَ تَتَّخِذُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾، فكيف تنصحنا بصداقتهم؟

ج: أولا: يجب أن يكون الدليل قطعي الدلالة كما يجب أن يكون قطعي النص، ولكن هناك مجالات للتأويل والاحتمالات؛ إذ النهي القرآني ليس بعام، وإنما مطلق، والمطلق قابل للتقييد، والزمن مفسر عظيم، فإذا أظهر قيدَه فلا اعتراض عليه.

ثم إن الحكم إذا كان مبنيًّا على المشتق فإن علة الحكم هي التي تشير إلى مأخذ الاشتقاق، إذن إن هذا النهي عن موالاة اليهود والنصارى هو باعتبار مرآتهم التي هي اليهودية والنصرانية.

ثم إنه لا يُحَبُّ الرجل من أجل ذاته، بل من أجل صفته أو صنعته، إذن كما لا ينبغي أن تكون كل صفة من صفات كل مسلم مسلمةً فكذلك لا ينبغي أن تكون كل صفة من صفات كل كافر وصنعته كافرة.

وبناء على ذلك فلِمَ لا يجوز استحسان صفةٍ مسلمة فيهم أو صنعة واقتباسها؟! وإن كانت لك زوجة من أهل الكتاب فستحبها لا محالة!

ثانيًا: قد حصل انقلابٌ ديني عظيم في زمان السعادة، فحوَّل الأذهان جميعها إلى نقطة الدين، فكان الناس يجمعون المحبة والعداوة كلها في تلك النقطة، ثم يحبون أو يعادون؛ لذا كانت تُشم رائحة النفاق من المحبة تجاه غير المسلمين، ولكن الذي

409. صفحة

في العالم في الوقت الراهن انقلابٌ عجيب مدني ودنيوي، يهيمن على الأذهان كلها، ويشغل العقول كلها، فنقطة المدنية هي الرقي والدنيا، ومعظم هؤلاء في الحقيقة ليسوا ملتزمين بدينهم، وبناء عليه تكون صداقتنا معهم اقتباسًا من مدنيتهم ورقيهم بالاستحسان، والحفاظ على الأمن الذي هو أساس كل سعادةٍ دنيوية، وهذه الصداقة ليست ضمن نهي القرآن قطعًا.

س: يقول بعض من "تركيا الفتاة": لا تخاطبوا النصارى بـ"يا كافر"، فهم أهل الكتاب، فلم لا نخاطب الكافر بـ"يا كافر"؟

ج: مثلما لا تخاطبون الأعمى بـ"يا أعمى".. لأنه أذى له، فهناك نهي عن الأذى: "من آذى ذميًّا... الخ[1]"

ثانيًا: للكافر معنيان؛ أحدهما وأكثرهما تبادرًا إلى الذهن هو الملحد والمنكر للصانع سبحانه، فلا يحق لنا إطلاق الكفر بهذا المعنى على أهل الكتاب، أما ثانيهما فيعني منكر نبينا والإسلام، فيحق لنا إطلاق الكفر عليهم بهذا المعنى، وهم أيضًا راضون به.

ولكن بسبب تبادر المعنى الأول إلى الذهن عرفًا قد صارت تلك الكلمة كلمة تحقير وأذى.

ثم إنه لا ضرورة لخلط دائرة الاعتقاد بدائرة المعاملات، فيمكن أن يكون ذلك مراد هؤلاء البعض من "تركيا الفتاة".

س: نسمع أشياء كثيرة سيئة، ولاسيما في بلاد غير المسلمين، من قبيل أنهم تزوجوا بنتًا مسلمة، وقد حصل ذلك في المكان الفلاني، وكذا وكذا في مكانٍ آخر، وكذا وكذا وكذا، إلخ؟

ج: نعم؛ للأسف يبدو وكأن وقوع مثل هذه الأمور القبيحة السيئة ضروري في دولةٍ جديدة مبهمة الحال، وفي أمةٍ جاهلة بائسة، وقد كانت في الماضي أمور أسوأ مما في الوقت الحالي، إلا أنها تظهر الآن، فالأدواء إذا كانت ظاهرةً فدواؤها سهل يسير.




[1]  من آذى ذميًّا فأنا خصمه: روى أبو داود  عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَبْنَاءِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ آبَائِهِمْ دِنْيَةً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَلَا مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا أَوْ انْتَقَصَهُ أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، برقم 2654، وروى البيهقي في السنن الصغرى برقم 2977.


410. صفحة

ثم إن الذي ينظر إلى التقصيرات فقط في الأمور الكبيرة ينخدع بالجربزة[1] أو يخدع، فشأن الجربزة أنها تُسنبل السيئة الواحدة وتغلِّبها على الحسنات، فثمة طور عجيب للجربزة، وأنها تجمع الأشياء المتفرقة في الأزمنة والأمكنة وتجعلها شيئًا واحدًا، وتنظر إلى الأشياء من خلال ذلك الستار الأسود.

حقًّا إن الجربزة بأنواعها هي ماكينة الغرائب، ألا ترى كيف أن الكائنات كلها منجذبةٌ بحب بعضها البعض ومتراقصة متضاحكة في نظر العاشق المتلبس بالجربزة، وكيف أن الكائنات كلها تبكي بكاء حزينًا في نظر أمٍّ ثكلى؟ إذ كل واحد يقطف ما يشتهيه وما يراه ملائمًا لنفسه من الثمار، وسأورد لكم مثالا في هذا المقام:

إذا ما دخل أحدكم في حديقةٍ غنّاء للتنزه لمدة ساعة واحدة ولا غير، وكان في بعض جوانب هذه الحديقة بعض الأشياء القذرة المتعفنة -إذ البراءة من النقائص خاصةٌ بجنان الجنة، ومزجُ النقص لكل كمالٍ هو من مقتضيات عالم الفساد هذا- فإنه بدافع انحراف المزاج وأمره يتحرى التعفنات، ويديم النظر إلى أشياء قذرة، وكأنها ليس فيها إلا هذه، وإذا به يتوسع خياله الفاسد المتشائم بحكم الأحلام فيصور تلك الحديقة وكأنها مسلخةٌ ومزبلة، فيأخذه الغثيان فيتقيأ، ويخرج منها هاربًا كارهًا، فهل تبش الحكمة والمصلحة راضيةً عن مثل هذا الخيال الذي يحوِّل لذة حياة البشر إلى غصة وألم؟!

فمن ينظر نظرةً متفائلة طيبة يفكر تفكيرًا طيبًا، ومن يفكر تفكيرًا طيبًا يحلم أحلامًا طيبة، ومن يحلم أحلامًا طيبة يتلذذ بحياته.

س: كيف يجوز تجنيد غير المسلمين؟

ج: بأربعة أوجه:

أولا: الجندية للنزال والقتال، فحينما تعاركتم بالأمس مع ذلك الدبّ[2] الهائل المرعب وعاونكم النساء والغجر والأطفال والكلاب، هل لحق بكم عار؟

ثانيًا: كان للرسول عليه الصلاة والسلام معاهدون وحلفاء من مشركي العرب، وكانوا يخرجون معًا إلى الحرب والنزال، أما هؤلاء فمن أهل الكتاب، ولأنهم



[1]  الجربزة: الغش، والخب.

[2]  يقصد حربهم ضد الروس في الحرب العالمية الأولى.



411. صفحة

يتفرقون في الجيش ولا يجتمعون فقوة حسياتنا وكثرتنا الغالبة تحول بينهم وبين المضرة الموهومة.

ثالثًا: لقد استُخدم غير المسلمين في الدول الإسلامية في الجيش ولو نادرًا، والجيش الإنكشاري شاهد على هذا. 

س: كان المسلمون أغنياء قديمًا وكان هؤلاء فقراء، أما الآن فانقلب الوضع تمامًا في الأماكن كلها، فما السبب في هذا؟

ج: أعرف سببين:

الأول: لقد انكسر ببعض التلقينات من بعض الناس ميلان السعي المستفاد من الفرمان الرباني القائل: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ كما انكسر ميلان الكسب المستفاد من الفرمان النبوي القائل: "الكاسب حبيب الله"، وانطفأ حماس السعي والكسب؛ إذ الذي لا يعرف أن إعلاء كلمة الله في هذا الزمان متوقفٌ على التقدم المادي، والذي لا يقدر قيمة الدنيا من حيث هي مزرعة الآخرة، ولا يقدر على التفريق بين ضروريات ومتطلبات القرون الوسطى والقرون الأخيرة، والذي لا يميز بين القناعة في التحصيل والكسب وبين القناعة في المحصول والأجرة اللتين إحداهما في غاية البعد عن الأخرى؛ إذ إحداهما ممدوحة والأخرى مذمومة، والذي يلتبس عليه التوكلان اللذان أحدهما في غاية البعد عن الآخر، فأحدهما عنوان الكسل والآخر صدف الإخلاص الحقيقي؛ بحيث إن أحدهما توكل في تكاسلٍ في ترتيب المقدمات، وهو في حكم التمرد على النظام القائم بين الأسباب الذي هو من مقتضى المشيئة الإلهية، والآخر توكل في إيمانٍ في ترتب النتائج مع عدم التدخل فيما يخص الله سبحانه من تقديراتٍ؛ راضيًا منتظرا التوفيق الإلهي الذي هو من مقتضى الإسلام.

نعم؛ إن من يلتبس عليهم هذان الأمران ولم يتبينوا حقيقتهما من بعض الرجال والوعاظ الذين لم يدركوا بفراستهم سر "أمتي، أمتي[1]"، ولم يفهموا حكمة "خير الناس من ينفع الناس"[2] وجهلوهما؛ قد كسروا ذلك الميل، وأطفأوا ذلك الحماس.




[1]  أمتي أمتي: رواه البخاري في صحيحه برقم 6956، ومسلم في صحيحه برقم 286.؟؟؟؟؟؟

[2]  خير الناس من ينفع الناس: ورد بلفظ :خير الناس أنفعهم للناس، رواه القضاعي في مسنده، حديث رقم 1140.


412. صفحة

السبب الثاني: لقد دخلنا في الوظيفة الحكومية التي هي معيشةٌ غير طبيعية وملائمةٌ للكسل وملاطفة للغرور فوقعنا في المشكلات.

س: كيف؟

ج: الطريق الطبيعي الحي المشروع للمعيشة هو الصنعة، والزراعة، والتجارة، أما غير الطبيعي فهو الوظيفة الحكومية بكل أنواعها، وفي رأيي أن الذين جعلوا الوظيفة الحكومية بكل أنواعها وأشكالها مدار معيشتهم هم شحاذون وعجزةٌ متسولون نوعًا ما، ولكن في قسم الدواهي المحتالين منها، وفي رأيي أن الذي يدخل الوظيفة الحكومية أو الإدارة عليه أن يدخلها للنخوة والخدمة، ولو دخلها للمعيشة والمنفعة فحسب فإنه يكون متسولا نوعًا ما[1].

ومن أجل وجود الوظيفة الحكومية والعسكرية بالجملة فينا فإننا قد وضعنا ثرواتنا في أيدي الإسراف، ونشرنا نسلنا في الآفاق وضيعناه، ولو استمر الأمر على هذا لصرنا ضائعين منقرضين.

وعلى هذا فإن تجنيد هؤلاء غير المسلمين مصلحةٌ مرسلة قريبة من الضرورة، وفي الوقت ذاته نحن مضطرون إلى ذلك، والمصلحة المرسلة يمكن أن تكون علةً شرعية حسب مذهب الإمام مالك.

س: يشغل الأرمن مناصب الوالي والمحافظ في الوقت الراهن، فكيف يكون هذا؟

ج: كما يكونون ساعاتيين وميكانيكيين وكنَّاسين؛ إذ الحاكم في المشروطية هو الشعب، والخادم هو الحكومة، وإذا طُبِّقت المشروطية تطبيقًا صحيحًا سليمًا فالولاة والمحافظون لا يكونون رؤساء، بل خدَّامًا مأجورين، فغير المسلم لا يكون بهذا رئيسًا، وإنما خادم.

ولو افترضتم أن المأمورية رئاسةٌ وسيادة، فإننا حين نشرك ثلاثة آلاف رجل من غير المسلمين في سيادتنا ورئاستنا، فإن هذا يمهد الطريق إلى رئاستنا على ثلاثمائة



[1]  أيها الموظفون والمأمورون، لا تستاءوا من هذا الكلام الذي قاله سعيد القديم قبل خمسة وأربعين عامًا. (المؤلف).


413. صفحة

ألف شخصٍ من الأمة الإسلامية في أقطار العالم، فالذي يخسر الواحد ويكسب الألف ليس بخاسر.

س: ولكن بعض أحكام الشريعة تتعلق بوظائف الولاة مثلا؟

ج: إن دائرة المشيخة الإسلامية والديانة التي تمثل الخلافة ستكون بالضرورة عاليةً سامية ومقدسة ومستقلة وناظرة مشرفة، فالحاكم ليس بشخصٍ في الوقت الراهن، وإنما الرأي العام؛ لذا فالشخص المعنوي يتطلب أمين الفتوى من نوعه.

فأمين الفتوى لهذا الحاكم سيكون مجلس نواب علميًّا مشكلا من أربعين أو خمسين عالما من العلماء المحققين من المذاهب الأربعة في المشيخة، وسيكون الشخص المعنوي لهم أمين الفتوى للشخص المعنوي الآخر.

وإلا فإن الحاكم والمفتي إن لم يكونا من جنس واحد فإنه لا يفهم أحدهما لسان الآخر؛ لأن الشخص الواحد لا يمكن أن يخدع الشخص المعنوي كما لا يستطيع أن ينوره. 

س: نسمع منذ القديم أن بعضًا من أفراد جمعية "تركيا الفتاة" من الماسونيين، ويضرون بالدين؟

ج: لقد ألقى الاستبداد هذه التلقينات[1] إبقاءً لنفسه، فبعض التهاون والتقصير يقوي هذا الوهم، ولكن اطمئنوا، فإن مقصد من لم ينضم منهم إلى الماسونية ليس إلحاق الضرر بالدين، بل تحقيق سلامة الأمة، إلا أن بعضهم يهجمون –مفرطين- على التعصب البارد غير اللائق بالدين.

إذن إنكم تطلقون على من سبقت خدمتهم بالحرية والمشروطية، أو الذين يقبلون بهما اسم "تركيا الفتاة"، فاعلموا أن بعضًا من هؤلاء فدائيو الإسلام، وأن قسمًا منهم فدائيو سلامة الأمة، فأكثرهم -الذين هم غير الماسونيين والذين يشكلون العقدة الحياتية لهم- هم "الاتحاد والترقي"[2]، وإن هناك علماء ومشايخ بين أفراد "تركيا الفتاة" بعدد



[1]  مثلما أن الذين مارسوا الاستبداد المطلق منذ خمسة وعشرين عامًا يتهمون المتدينين بالرجعية الآن، فيُخفُون ارتدادهم المضمر تحت الاستبداد المطلق. (المؤلف).

[2]  الاتحاد والترقي: هي اسم للحزب الذي كان يحكم الدولة العثمانية منذ إعلان المشروطية عام 1908 حتى سقوطها.



414. صفحة

عشائركم هذه، وفي الواقع يوجد فيهم عدد من الماسونيين الفاجرين السفهاء، ولكنهم عشرة بالمائة، فتسعون بالمائة منهم مسلمون ملتزمون مثلكم، "والحُكْمُ للأَكْثَرِ بقَاعِدَةِ "أَنَّ زَيْنَ عَيْنَ الرِّضَا حُسْنُ النَّظَرِ بِاللُّطْفِ والشَّفَقَة، وأَنَّ نُورَ الفُؤَادِ بالرِّفْقِ والرَّحْمَةِ، وَلَقَدْ سَمَا عَلَى الحقِّ بِأَقْدَامِ التَّوْفِيقِ وَسَعِدَ مَنْ اخْتَارَ الاسْتِضَاءَةَ بِمِصْبَاحِ: أَنَا عِنْدَ حُسْنِ ظَنِّ عَبْدِي بِي"[1]، وأحسنوا الظن، فإن سوء الظن يضركم ويضرهم.

س: لم يضرهم سوء ظننا؟

ج: لأن قسمًا منهم يعرفون ظواهر الإسلام عن تقليد بلا تحقيق مثلكم، أما التقليد فيتمزق بالتشكيكات، فإذا اتهمتم بعضهم بالإلحاد، وخاصة السطحيين منهم في الدين المتوغلين في الفلسفة، فمن المحتمل أن يقع في التردد ويتوسوس ويقول ليكن ما يكون، وكأن مسلكه خارج عن الإسلام، فيشرع يائسًا بل معاندًا بتصرفاتٍ منافية للإسلام.

فيا أيها الجائرون البعيدون عن الإنصاف، أرأيتم، كيف تتسببون في ضلالة بعض المساكين؟

ولقد حدث كثيرا أن صلح فاسد عندما قيل له بكثرة: أنت صالح، أنت طيب فاضل، وحدث أن فسد صالح عندما قيل له بكثرة: أنت فاسد، أنت طالح فاجر.

س: لماذا؟

ج: ينبغي ألا يُهاجموا حتى لو كان بعضهم يحملون –افتراضًا- في جوانحهم سيئاتٍ كبيرة؛ إذ هنالك سيئاتٌ كثيرة تظل محدودةً ومحصورة كلما ظلت تحت ستار المعاملة الطيبة وغض الطرف عنها ولم يُمزق الستار، وصاحبها هو الآخر يحاول تحت ستار الخجل والحياء إصلاح نفسه، ولكنه إذا ما مُزِّق الستار رُفع الحياء، وإذا هُجم عليه توسع السوء توسعًا كبيرًا، ولقد رأيت في حادثة 31 مارس[2] حالةً قريبة من هذا؛ إذ قام فدائيو الإسلام الشهام العابدون للمشروطية ببعض التلقينات وتطبيق الفروعات من أجل إرشاد أهل الحكومة إلى القبلة في صلاة العدالة بتطبيق نعمة



[1]  أعد النظر فيها، فإن تلك الفقرة العربية مشفَّرة، وفيها إشارات. (المؤلف).

[2] حادثة 31 مارس: هو  حركة تمرد في إسطنبول شارك فيها بعض الجنود وبعض من الناس، ولكنها أخمدت من قبل حكومة الاتحاد والترقي بصورة دموية.



415. صفحة

المشروطية على الشريعة، تلك النعمة التي يعدونها في مقام جوهر الحياة، ومن أجل إعلاء الشريعة المقدسة بقوة المشروطية، وإبقاء المشروطية بقوة الشريعة، وإلقاء السيئات السابقة على مخالفة الشريعة، ثم إن الذين لم يستطيعوا تمييز يمينهم عن شمالهم ظنوا الشريعة قابلةً للاستبداد، حاشاها! فبدأوا يرددون شعاراتٍ مثل الببغاء من أنهم يريدون الشريعة، فظل المقصد غامضًا غير واضح، والحق أن الخطط كانت قد وضعت؛ لذا فإن بعضًا من الأوغاد الذين تقنعوا حينها بقناع النخوة زورًا اعتدوا على ذلك الاسم المقدس، فدونكم نقطة سوداء جديرة بالاعتبار: "ولقد قعدت الهمَّة بتلك النقطة ولم تقتدر على النهوض، ولقد شوَّشت طنطنة الأغراض صدى موسيقى الحرية، ولقد تقلصت المشروطية منحصرة اسمًا على قليلين، فتفرق عنها حماة ذِمارها"[1]

س: لِمَ نتضرر من بعضهم ونحن نرى أنهم ملحدون؟

ج: سأحكي لكم مضرتها ممثلا صورةً ثمثيلية على شاشة الخيال؛ تخيلوا أن هناك قصرًا وسط حديقةٍ غناء باهرة في هذه الصحراء، وفي زاويةٍ من زوايا القصر حمامٌ للمياه المعدنية كما عندكم في محافظة "بيت الشباب"، فأنتم في الخارج مضطرون للدخول في القصر طوعًا أو كرهًا بسبب البرودة وصفعات الثلوج وأزيز الرياح، ولكنكم رأيتم أو سمعتم أن بالباب عدة أشخاصٍ عميان، وفي الحوض بضعة رجال عريانين، فتتوهمون من هذا أن ذلك القصر بيت للعميان أو دار للعراة، فإذا ما دخلتموه تخلعون لباس الطاعة حتى تكونوا مثلهم، وتغمضون عين الحقيقة التي تسمى بالعقيدة حتى لا تروا عوراتهم، والحقيقة أنهم يتشاورون في غرفٍ ومنازل فاخرةٍ متفكرين، عيونهم مبصرة وعوراتهم مستورة، محاولين ستر بعض العراة ومداواتهم في بعض الزوايا، فإذا ما دخلت عليهم وأنت على هذه الصورة الوحشية البلهاء؛ مكشوف العورة مغمض العينين فهل ستكون سخرية أفضح من هذا أو ضرر أكبر منه؟

والحق أنني أعتقد أن من انحدر من نسلٍ مسلم لا تتخلى فطرته ووجدانه عن الإسلام أبدًا حتى لو تجرد عقله وفكره من الإسلام.



[1]  قف على هذه الفقرة وأنعم النظر فيها. (المؤلف).


416. صفحة

بل إن أشدهم بلاهةً وسفاهة يوالي بكل كيانه الإسلام الذي هو سدٌّ رصين لمستندنا، ولاسيما الملمون بالسياسة؛ إذ لا يخبرنا التاريخ من زمان السعادة حتى الآن أن مسلمًا واحدًا رجَّح بتفكيره دينًا آخر على الإسلام، ودخل في غيره عن دليل.

نعم؛ هناك من يمرق من الدين، فتلك مسألةٌ أخرى، أما التقليد فلا أهمية له، بينما أهل سائر الأديان قد دخلوا بالفعل في الإسلام عن تفكير وتأمل وبرهان أفواجًا وجماعات، ولا يزالون يدخلونه، فلو أظهرنا الإسلام الصحيح، والصدق والاستقامة اللائقة به، فسيدخلون في الإسلام أفواجًا وجماعات.

فالتاريخ يخبرنا أنّ تحضُّر أهل الإسلام وتمدنهم هو بنسبة اتباعهم لحقيقة الإسلام، أما تمدن الآخرين فيتناسب تناسبًا عكسيًّا مع دينهم.

ثم إن الحقيقة تخبرنا أن البشر المتنبهين لا يمكن أن يكونوا ملحدين، ولاسيما أن الذي تنبه منهم واستيقظ وعرف الإنسانية وترشح للمستقبل والأبد لا يمكن أن يكون ملحدًا؛ إذ البشر اليقظ إن لم يحصل على النقطة التي يستند إليها مقابل هجمات الكائنات والتي تنمي آماله غير المحدودة وتكون نقطة استمداده، أي إن لم يحصل على حبة الحقيقة التي هي الدين الحق فليس بحي ولا يعيش.

ومن هذا السر فقد تنبه لدى الجميع ميل التحري عن الدين الحق، إذن إن هناك مقدمة بارعة رائعة عن أن الدين الفطري سيكون الإسلام في المستقبل.

فيا أيها الجائرون، البعيدون عن الإنصاف!

كيف ضاقت في نظركم حقيقة الإسلام التي هي على استعدادٍ لأن تستوعب العالم أجمع، وتوحده وتغذيه، وتضيء به، حتى تحصروها في الفقراء والمتعصبين الشيوخ، فترغبون في طرح نصف أهله إلى الخارج؟!

وبأية جرأةٍ تتخيلون ذلك القصر النوراني للإسلام الذي هو جامعٌ لجميع الكمالات ومحيط بالمواد المغذية الحسيات السامية لجميع البشر وكأنه خيمة مأتمٍ سوداء اختصت بقسمٍ من الفقراء والبدويين والرجعيين؟!

أجل؛ كلٌّ يتبع ما تريه مرآته، فمرآتكم السوداء الكذابة إذن أرتكم الأمر هكذا.


417. صفحة

س: إنك تفرط فترى الخيال وكأنه حقيقةٌ، وتهيننا برمينا بالجهل، والوقت آخر الزمان، فكلما مر الزمان سوف تؤول الأمور والأحوال إلى أسوأ مما هي الآن؟[1]

ج: لِـمَ تكون الدنيا ميدان ترقٍّ وتقدم لغيرنا، بينما هي ميدان تدنٍّ لنا وحدنا؟

فها أنا ذا لا أخاطبكم، وسأوَلِّي وجهي إلى هذه الناحية وأخاطب الذين هم في المستقبل:

فيا من تواروا وراء عصرٍ شامخ لما بعد ثلاثمائة سنة يستمعون إلى كلامي في صمتٍ، ويلمحونني بطرفٍ خفي غيبي، ويا من يُطلَق عليهم: سعيد، وحمزة، وعمر، وعثمان، ويوسف، وأحمد، وأمثالهم، إنني أوجه خطابي إليكم، ارفعوا رءوسكم وقولوا: صدقتَ، فهذا القول دين في أعناقكم، فلا أبالي إذا لم يستمع إليّ معاصري هؤلاء، فسأدعهم وشأنهم، وإنني أخاطبكم باللاسلكي الممتد من وديان الماضي المسمى بالتاريخ إلى مستقبلكم السامي، فما حيلتي؟ لقد استعجلت وحضرت في الشتاء، ولكنكم سوف تأتون في ربيعٍ كالجنة، فالنويات المبذورة الآن سوف تزدهر في أرضكم، وأنا أرجو منكم لقاء خدماتي الدعوية حينما تحضرون للعبور إلى رحاب الماضي أن تعرجوا على قبري، وتضعوا بعضًا من تلك الزهور على رأس بوابة التراب الذي يطلق عليه شاهد القبر، والذي يستضيف عظامي، وسأوصي البواب، فنادُوني، فستسمعون صدى "هنيئًا لكم" "ولو من الشاهد على طيف الضيف"[2].

أما هؤلاء الصبيان الذين لم يرضعوا ثدي هذا الزمان معنا، وأبصارهم ترنو إلى الوراء وإلى الماضي، وتصوراتهم مثلهم خالية من الحقيقة ومختلفةٌ، فليتوهموا حقائق هذا الكتاب خيالا؛ إذ إنني على يقين تام من أن مسائل هذا الكتاب سوف تتحقق فيكم حقيقةً(1).




[1]  إن هذا الاعتراض قد ورد من شخص كان حاضرًا في المجلس آنذاك يحتمل أن يكون وليًّا عظيمًا؛ إذ كان سعيد القديم يرى قبل خمسة وأربعين عامًا بحسٍّ مسبق دائرة رسائل النور الضيقة دائرةً سياسية واسعة جدًّا، فكثيرٌ من أجوبته الواردة في هذه الرسالة كان ينشأ من ذلك الحس؛ لذا فقد اعترض ذلك الولي على هذه النقطة فقط. (المؤلف).

[2]  لا تذهب، إنه يناديك. (المؤلف).

(1)  تخبر عن كليات رسائل النور التي ستؤلف في المستقبل بحس مسبق. (المؤلف).


418. صفحة

فيا مخاطبي، أنا أصرخ عاليًا؛ إذ إنني واقفٌ على ذروة مئذنة القرن الثالث عشر، أنادي وأدعو إلى الجامع من هم مدنيون صورةً، وهم في أودية الماضي السحيقة فكرًا.

فيا أيها الأشقياء الذين هم قبر متحرك على قدمين، لا تعوقوا الجيل القادم، فالقبر في انتظاركم، فتنحَّوا عن الطريق حتى يأتي الجيل الجديد الذي سوف يرفع بحقٍّ راية حقيقة الإسلام خفاقة عالية في الكون.

س: كان سلفنا أحسن منا أو مثلنا، أما خلفنا فسيكونون أسوأ منا؟

ج[1]: أيها الأتراك والأكراد والنوريون، لو نظمتُ مؤتمرًا الآن ودعوت إلى المجلس الصاخب لهذا العصر الراهن أجدادكم السالفين قبل ألف عام، وأولادكم القادمين بعد عصرين، فسيقول لكم أجدادكم القدماء: أيها الأولاد العاقون المضيعون لإرثكم، أأنتم نتيجة حياتنا، هيهات هيهات، لقد جعلتمونا نموذجًا عقيمًا!

وسيقول أولادكم المصطفون على الصف الأيسر والقادمون من معرض المستقبل مصدقين قول الواقفين على اليمين: أيها الآباء الكسالى، أأنتم حياتنا الصغرى والكبرى؟ أأنتم الحد الوسط الذي يربطنا بأجدادنا الأمجاد؟ هيهات هيهات، فقد أصبحتم نموذجًا مليئًا بالخداع!

فيا أيها الأكراد البدويون، ويا عبّاد الثورة، لقد رأيتم على شاشة الخيال[2] أن الطرفين في هذا المؤتمر الكبير قد احتجّوا عليكم ورفضوكم.

س: إننا لا نستحق هذا القدر من الإهانة والتحقير، سنقطع عهدًا على أنفسنا ألا نتخلف عن مبادرات الأخلاف، وسنتمسك بأذيال الأسلاف، "ففتحنا السمع لكلامك، فمرحبًا به"[3].

ج: ولأنكم أبديتم الندامة، فيمكنكم أن تستأنفوا أسئلتكم مرة أخرى!

س: هل تحدث علماؤنا الأسلاف عن مساوئ الاستبداد[4]؟



[1]  لقد كتب هذا الجواب أيضًا لغرابته. (المؤلف).

[2]  وخيال هذا أيضًا مثل آلة تصوير سينمائية. (المؤلف).

[3]  من تعبيرات فن المنطق، فقد استعملها لوجود دارسي علم المنطق في ذلك المجلس. (المؤلف).

[4]  ولما كان هذا السؤال والجواب قابلين للحياة في كل زمان، فذلك الدرس الذي ألقي قبل أربعين عامًا هو أيضًا ضروري في الوقت الراهن، وسيعيش/سيبقى. (المؤلف).


419. صفحة

ج: نعم؛ وألف مرة نعم، إن أغلب الشعراء في قصائدهم، وكثيرًا من المؤلفين في ديباجات كتبهم قد اشتكوا من الزمان، واعترضوا على الدهر، وهاجموا الأقدار، وألقوا الدنيا تحت أقدامهم وداسوها وسحقوها، فلو استمعتم إليهم بأذن القلب ونظرتم بعين العقل لرأيتم أن سهام الاعتراضات كلها تتوجه إلى صدر الاستبداد الملفوف في أثناء الستار المظلم للماضي، ولسمعتم أن الشكاوى والصرخات كلها تنبعث من تأثير مخالب الاستبداد.

والحقيقة أن الاستبداد لم يكن يُرى، ولم يكن اسمه ظاهرًا بارزًا، إلا أن روح الجميع كانت تتسمم بمعناه، وتعرف من يلقي السم، وكان بعض العباقرة الأفذاذ يطلقون صرخاتٍ من الأعماق مع كل نفَس من أنفاسهم، غير أن العقل لم يكن يعرفه معرفةً كاملة؛ لأنه كان في الظلام، ولم يكن مجتمِعًا، وحينما ظنوا معنى الاستبداد هذا كارثةً سماوية تستحيل على الدفع؛ شرعوا بالهجوم على الزمان، وانهالوا بالصفعات على وجه الدهر، وبدأوا يطلقون السهام صوب صدر الأقدار؛ إذ إنه من القواعد المقررة أنه إذا خرج شيءٌ من دائرة الجزء الاختياري والخصوصية ودخل في دائرة الكلية، أو كان دفعه محالا بحسب العادة؛ فإنه يسند إلى الزمان، ويلقى اللوم على الدهر، وتُرشق قبة الأقدار بالأحجار، فإن تابعت الأمور بدقةٍ وإمعان فسترى أن الأحجار المرمية إلى الأقدار تتحجر في القلب يأسًا بعدما تعود؛ "انظر كيف أطالوا فيما لا يلزم، كلما أضاءت لهم السعادة أثنوا على من سادهم، وكلما أظلمت عليهم شتموا الزمان"[1].

س: ألا تعني هذه الشكاوى من الدهر والزمان الاعتراضَ على الصنعة البديعة للصانع ذي الجلال؟

ج[2]: كلا، بل معناها كأن المشتكي يقول: إن الأمر الذي أريده، والشيء الذي أرغب فيه، والحال التي أشتهيها؛ هو أن ماهية العالم التي تُنظَّم بدساتير الحكمة الأزلية ليست مستعدة لأن يقطف عالم الإمكان هذا من يد قدرة الفياض المطلق الثمراتِ



[1]  تمهل، لا تعبر، وافهمها، أي إنهم يسندون الحسنات إلى الرؤساء، ويلصقون السيئات بالزمان، فيشتمون ويشكون. (المؤلف).

[2]  جوابٌ في غاية الأهمية. (المؤلف).


420. صفحة

التي نطلبها بهندسة عقولنا وشهية هوانا، وإن قوانين الأقدار التي تُرسَم وتُنقَش ببركار العناية الأزلية لا تسمح بهذا، وطبيعة الزمان التي تُطبع في مطبعة المشيئة الأزلية غير موافقة عليه، والحكمة الإلهية التي تؤسِّس المصالح العمومية غير راضية به، ولو أعطت يد القدرة هذه الثمرات لما استطاع عالم الإمكان أن يمسكها، ولو سقطت لما استطاع أن يرفعها.

نعم؛ إن الحركة المهمة في الدائرة المحيطة[1] لا توقف من أجل هوى المرء.

س: إن كثيرًا من الشعراء والعلماء قد مدحوا بإفراطٍ الأمراء والحكام الكبار في زمانهم، ولكنك ترى كثيرًا منهم مستبدين، إذن هم لم يحسنوا التصرف؟

ج: إنه بحسب قاعدة "ولولا خِلالٌ سَنَّها الشِّعرُ ما دَرَى  بُناةُ العُلا كيف تُبنَى المكارمُ[2]".

فكانت نية هؤلاء صرف الأمراء عن السيئات بتدبيرٍ وحيلة لطيفين، ووضع عطايا الأمراء الغريبة نصب أعينهم حتى يتسابقوا في الحسنات، غير أن تلك العطايا قد سُلبت من حرم أمةٍ عظيمة فتصرفوا في استبداد، إذن إنهم كانوا على نيةٍ حسنة، إلا أنهم أخطأوا في العمل!

س: لماذا؟

ج: لأنهم نهبوا -معنى- في قصائدهم وفي بعض تأليفاتهم محاسن قومٍ عظماء وأعطوها لمستبد ونسبوها إليه، فهم بذلك صفقوا للاستبداد من حيث هذه النقطة من دون وعي منهم.

س: نحن معاشر الأتراك والأكراد نحمل ملء قلوبنا، بل ملء أجسادنا من الشجاعة ما لو انبسط وتجسم لكان مثل تلك القلعة المتحجرة جبلا في تلك الوديان، ولنا ذكاء بملء رأسنا، ولنا هِمَّةٌ وحماس بملء صدورنا، ولنا طاعة تملأ أبداننا وأعضاءنا، ولنا أفرادٌ[3] تحيي الوديان وتزين الجبال، فلِمَ صِرنا هكذا بائسين أشقياء ومفلسين أذلاء؛ إذ ظللنا على الطريق؛ يدوسنا مَن رَكِبُوا الترقي ويسعون نحو المستقبل، وإن الأمم



[1]  الدائرة المحيطة: المقصود بها دائرة الأحداث والأقدار العامة.

[2]  البيت لأبي تمام في ديوانه.

[3]  إذن لم تضعف معنوياتهم. (المؤلف).  


421. صفحة

المجاورة مع أنهم أقل منا عددًا ومع أن قوتهم أضعف منا بكثير فإنهم يتطاولون علينا، "إن ركسهم يغلب على طاهرنا"[1].

ج: إن باب التوبة مفتوح في وقت المشروطية، والتائبون كثيرون، وليس لي حقٌّ في توبيخ وتعنيف الرؤساء الحاليين، وإنني أرمي الأحجار إلى السابق، فإن انجرح مقام البعض فليعذروني؛ فليبق مقام الحق سالماً مصونًا؛ إذ مقام الأمة أعلى وأغلى من مقام هؤلاء، فإن سببًا مهمًّا لذلك التدني هو بعض الرؤساء وأدعياء النخوة الذين يدَّعون الفداء والتضحية في سبيل الأمة كذبًا وزيفًا، أو بعض المتاشيخين المدعين للولاية، إلا أن هذه السنة السيئة المخالِفة للسنة السنية هي الأخرى من سيئات الاستبداد.

س: كيف؟

ج: لكل أمة حوضٌ معنوي يشكل شجاعتها القومية ويحافظ على عرضها القومي، وتجتمع قوتها فيه، ولها خزانةٌ معنوية تشكل سخاوتها القومية وتحقق منافعها العامة وتتخزن أموالها الزائدة فيها، فذانكما القسمان من الرؤساء خرقوا منافذ وثغرات في أطراف ذلك الحوض وتلك الخزانة عن وعي أو دون وعي منهم وسحبوا منها خميرة البقاء وعصارة الحياة، فجففوا الحوض وأفرغوا الخزانة، فإن استمر الحال على هذا المنوال فإن الدولة سترزح تحت أثقال مليارات من الديون وستنهار، فكما أن الرجل إذا خلا من الدافعة التي هي قوته الغضبية، ومن الجاذبة التي هي قوته الشهوية فإنه يكون من عداد الموتى، أو يكون ميتًا مع أنه حي، وكما أن خزان البخار للقاطرة إذا كان مثقوبًا مخروقًا يكون منهكًا متعبًا وتتعطل هي عن الحركة، وكما أن المسبحة إذا انقطع خيطها تبعثرت حباتها؛ كذلك الأمر في الأمة التي هي شخصية معنوية؛ إذ الرءوس التي تفرغ حوض وخزانة قوة الأمة وأموالها تجعل تلك الأمة سائبةً بائسة بلا كيان، فتقطع خيط فكر الأمة وتجعلها إربًا إربًا، نعم؛ "حقيقت كتم نمى كنم براى دل عامى جند"، لن أجرح مقام الحقيقة من أجل بعض العوام.

س: هذا المقام يليق بتفصيل شديد، فلا تدعه مجملا ومبهمًا.




[1]  أمعن النظر إن شئت، فهي إشارة إلى النائب الأرمني "وارتكس" آنذاك، وإلى نائب محافظة حكّاري سيد ملا "طاهر".(المؤلف).  


422. صفحة

ج: إن العهد السابق قد استغل بداوتكم وجهلكم، فقسمٌ من الأكابر والمتشايخين التافهين ثقبوا بطرقٍ خبيثة ومكايد مدروسة وبقوةٍ إجبارية ذلك المنبع وذلك المعدن، وأسالوا زلال الحياة في صحراء رملية قاحلة جرداء، فنبت فيها بعض الشحاذين الكسالى، حتى إنهم كانوا يضعون أصابعهم في سبيل التنفير من ثروة الدنيا على العروق الضعيفة الحساسة للمساكين الذين يغرزون مخالبهم في صيدٍ صغير، حتى يبسط هؤلاء المساكين مخالبهم عن الصيد، فيفلت الصيد من أيديهم.

أجل؛ إن لكل أمة كرمًا وسخاء يجعلها تبذل قدرًا من مالها في سبيل مصلحتها، فسخاؤنا القومي قد استُغل استغلالا سيئًا، بينما السخاء القومي لأمم أخرى يعود إليها –كالإسفنج- ويتخزن في جوفها، ويسقي أرض العلوم والمعارف.

وكذا فإن قسمًا من الأكابر في العهد السابق قد استغلوا الشجاعة القومية والوطنية التي تحافظ على كرامة الأمة وعرضها استغلالا سيئًا، فألقوها في الصحراء الرملية التي هي أرض الخلافات فأضاعوها، فكل واحد منهم ضرب عنق الآخر بجانب من تلك القوة فكسره، وانكسر، حتى إن القوة العظيمة التي كانت مستعدةً بقوة خمسمائة ألف من الأبطال لحماية كرامة الأمة وعرضها كانوا يصرفونها فيما بينهم ويفنونها على أرض الخلافات، فيجعلون أنفسهم مستحقين للتأديب والتأنيب.

وإن استفدتم من المشروطية والحرية الشرعية، وسددتم تلك المنافذ والثقوب والخروق، أو حولتموها إلى إسفنج، ووضعتم تلك القوة المهمة الثمينة بيد دولتنا من أجل صرفها تجاه الخارج؛ فستكسبون مقابلها الرحمة والعدالة والمدنية، والآن إن شئتم نغير مواقفنا، فأنا أسألكم، وأنتم تجيبون.

ج: "فاسأل ولا تجد به خبيرًا".

س[1]: هل يمكن أن تكون أمة الأرمن أشجع منكم؟




[1]  ولما كان الأتراك والأكراد جهابذة في فنّ الشجاعة، فيمكنني أن أكون سائلا ويكونوا مجيبين. (المؤلف).


423. صفحة

ج: كلا أبدًا، لم تكن، ولا يمكن أن تكون، والعالم شاهد على ذلك.

س: إذن فلماذا لم يكن فدائيهم يفشي أسراره، ولم يَشِ بأصدقائه على الرغم من أنه كان يصلى النار ويمزق إربًا إربًا؟ بينما لو طعن شجاع منكم لفجر وأراق جميع أسراره مع دمه، وهذا تفاوت كبير في الشجاعة، فما سببه؟

ج: إننا لا نقدر على تحديد السبب الحقيقي، ولكننا نعلم أن هنالك نقطة تجعل الذرة كالجبل، والأسد مهزومًا أمام الثعلب، فلا نطيق حمل وظيفتك، فقد عرفنا وجودها، فاشرح أنت ماهيتها.

ج: إذن فاسمعوا وأصغوا، إن همة أرمني استيقظ وتنبه بالقومية والعنصرية هي مجموع أمته، وكأن أمته صغرت وصارت نفسَه، أو استقرت وتأصلت في قلبه، فمهما كانت روحه غاليةً ونفيسة عنده وعزيزةً عليه فإنه يعتقد أن أمته أغلى وأنفس وأعظم من روحه، فلو كان له ألف روح لافتخر بالفداء والتضحية بها في سبيل أمته؛ إذ إنه يفكر تفكيرًا ساميًا حسب فكره، ولكن شجاعًا منكم في السابق -ولا أقصد الحاليين- والذي لم يستيقظ ولم يتنور ولم يعرف كرامة أمة الإسلام؛ كان يُعمِل النظر في منفعةٍ أو حقد أو كرامةِ رجل أو كرامة عشيرته فحسب، وكان يفكر تفكيرًا قصيرًا، فلابد أنه لا يفدي كل واحد بحياته العزيزة الغالية لمثل تلك الأمور الصغيرة، فلو نظرتم إلى الإسلام -افتراضًا مثل هؤلاء- بفكر القومية[1]؛ لجعلتم العالم يصدق شجاعتكم وبسالتكم، ولترقَّيتم إلى العلا، ولو كان الأرمن يفكرون تفكيرًا سطحيًّا وقصيرًا مثلكم لكانوا جبناء أذلاء في النهاية.

حقًّا إن عندكم استعدادًا للشجاعة الخارقة، فلو استيقظ وتنبه من يستخف بحياته لأمورٍ صغيرة كمنفعة خمسة قروش أو عزة جزئية أو شرف اعتباري أو لسماع قول الناس عنه إنه شجاعٌ باسل، وضحى بنفسه لتعظيم كرامة سيده؛ أفلا يستخف بحياته في سبيل أمته التي لا تُقدَّر بثمن، أي أمة الإسلام التي تُكسِب أخوة ثلاثمائة مليون ومساعداتهم المعنوية ولو كان له آلاف الأرواح؟ فلا شك أن الذي يبيع حياته بعشرة قروش يعطيها بعشر ليرات بكمال الرغبة.



[1]  إن الشعب وجود، روحه الإسلام، وعقله العثمانية، وجسده عندكم التركية والكردية. (المؤلف). 


424. صفحة

إنه مثلما تملك غير المسلمين أمورنا الحسنة؛ قد سرقوا أخلاقنا الحسنة أيضًا، وكأن أخلاقنا السامية لم تجد رواجًا عندنا فاستاءت منا ولاذت بهم، كما أن رذائلهم لم تجد رواجًا عندهم فجُلبت إلى سوق جهلنا.

أفلا ترون مندهشين أنهم سرقوا الكلمة البيضاء أو الخصلة الحمراء القائلة: "إن مت أنا فلتحي أمتي"، تلك العبارة التي هي أس أساس الترقي الحاضر، بل هي مقتضى الدين الحق؛ إذ الفدائي منهم يقول: "إن مت أنا فلتحي أمتي؛ إذ فيها حياتي المعنوية الأبدية!"، وألا ترون أن الكلمة الحمقاء والسجية العوراء القائلة: "بعدي الطوفان" أو "إن مت عطشا فلا نزل القطر" والتي هي أساس الذل والأنانية بجميع أنواعها؛ قد مسكت بيد هممنا تقودها وترشدها.

ألا فإن الخصلة الحسنة التي هي من مقتضى ديننا هي أن نقول بروحنا ومهجتنا ووجداننا وفكرنا وبكل ما أوتينا من قوة: "إنْ متنا فإن الإسلام الذي هو أمَّتنا حي وباقٍ إلى الأبد"، و"لتحي أمتي، فحسبي الثواب الأخروي، فحياتي المعنوية ضمن حياة الأمة تبقيني وتخلدني، وتجعلني أتمتع وأتلذذ في العالم العلوي"، و"الموت يومُ عيدنا"، ونتخذ مرشدي النور والنخوة المنوَّرين مرشدين لنا.

س: وكيف نستجمع قوانا فنحافظ على كرامة الأمة الإسلامية؟

ج[1]: اصنعوا بالفكر الملي في جوف الأمة حوض معرفةٍ ومحبة كحوض الكوثر، وسدوا بالمعارف المنافد والثغرات الساحبة للماء من تحته، وافتحوا من فوق الحوض بالفضائل الإسلامية المجاريَ المدرَّة للماء فيه، وهناك نبع كبير فوار قد أسيء استخدامه فبعثر الماء في الصحراء، فأنبت المتسولين والعجزة حتى الآن، فاصنعوا لذلك النبع مجرى جميلا فصبوه بالمسعى الشرعي في هذا الحوض، ثم اسقوا حديقة كمالاتكم، فهذا نبع لا ينضب ولا ينفد.

س: وما هو ذلك النبع؟




[1]  قد أُلهم القلب أن هذه الدروس التي أُلقيت على العشائر البدو قبل خمسة وأربعين عامًا يمكنها أن تكون في الوقت الراهن درسًا لتلاميذ النور، فأفوض الأمر إلى أركان مدرسة الزهراء؛ فليمحوا الكلمات الزائدة غير المناسبة، وليبقوا القسم الموافق للزمن الحالي والنوريين حتى يصبح سعيد القديم هو الآخر نوريًّا، ولا يبقى منفردًا في ذلك الزمان. (المؤلف).   



425. صفحة

ج: هو الزكاة، فأنتم أحناف وشافعية.

س: حبذا ونعمت إن لم تذهب غائضةً، بل فاضت إلى تلك الخزانة[1]؟

ج: "إن لكم ذكاء، إنما يتزاهر بالزكاة".

س: كيف؟

ج: لو صرف الأذكياء زكاة ذكائهم، وصرف الأغنياء ولو زكاةَ زكاةِ أموالهم في منفعة الأمة ومصلحتها لاستطاعت أمتكم أن تصحب في الدرب ركب الأمم الأخرى.

س: ثم ماذا؟

ج: النذور والصدقات التي يطلق عليها الإعانات الإسلامية القومية هي ابنة عم الزكاة، تجذب العصبية، وتعين في الخدمات.

س[2]: لم تُحقِّر كثيرًا من عاداتنا المستمرة؟

ج: لكل زمان حُكم، فهذا الزمان يحكم على موت ونسخ قسمٍ من العادات التي شاخت وهرمت؛ إذ ترجُّح مضراتها على منافعها يفتي بإعدامها.

س: ما الذي نحتاج إليه قبل أي شيء؟

ج: الصدق.

س: ثم؟

ج: عدم الكذب.

س: ثم؟

ج[3]: الصدق والإخلاص والوفاء والثبات والتساند.

س: فقط؟

ج: نعم.

س: ولِمَ؟





[1]  لا تغضب، فهذا الكلام لبس لباس الزكاة. (المؤلف).

[2]  يبدو قسمٌ من الأسئلة مجاوِرًا بعضُها بعضًا، إلا أن بينها واديًا سحيقًا، فلن يجد الخيال مواطن الأسئلة إلا بعد أن يركب منطادًا، ويأخذ بيده منظارًا. (المؤلف).

[3]  بما أن النوريين قد صاروا من المخاطبين فينبغي إضافة  كلمات "الإخلاص والوفاء والثبات والتساند" إلى كلمة "الصدق".(المؤلف).


426. صفحة

ج: الكفر كذبٌ، والإيمان صدق، أفلا يكفي هذا البرهان دليلا على أن بقاء حياتنا يكون بدوام الإيمان والصدق والتساند.

س: ينبغي إصلاح رؤسائنا أولا.

ج: أجل؛ إن رؤساءكم كما حبسوا أموالكم في جيوبهم فقد وضعوا عقولكم هي الأخرى في جيوبهم، أو حبسوها في دماغكم؛ لذا فسأتكلم بعقولكم التي عندهم؛ فيا أيها الرءوس والرؤساء، اجتنبوا التوكل التكاسلي، ولا تفوضوا الأمور إلى بعضكم البعض، فاخدمونا بأموالنا وعقولنا التي في أيديكم؛ لأنكم قبضتم أجركم باستخدام هؤلاء المساكين، فالوقت وقت الخدمة؛ "فعليكم بالتدارك لما ضيعتم في الصيف".

س: لقد استيقظت في خلال سنة أو سنتين في نفوس الكل رغبة التدين وميلان الحق، حتى إن لصوص "كودان مامه خوران" عندنا قد صاروا صوفيين بنصيحةٍ من الشيخ أحمد: "وقد قطع الطريقَ على الشقاوة هذا الميلانُ".        

ج: هذا بفضل مولانا المشروطية، والشيخ رسائل النور(1)؛ إذ المشروطية الشرعية قد صعدت على عرش الأفكار، فهزت الحبل المتين للأمة، فاهتز الإسلام الذي هو العروة النورانية الوثقى، ففهم كل مسلم أنه ليس سائبًا طليقًا، وإنما مرتبط بغيره بالمنافع المشتركة والحس المجرد، فالمسلمون جميعًا مربوطون ببعضهم كعشيرة، وإن فردًا من أفراد العشيرة إذا قام بأمرٍ محمود فالعشيرة بكاملها تفتخر بهذا الشرف، وتشترك معه فيه، فذلك الشرف لا يظل واحدًا، بل يكون آلافًا كالشمعة الواحدة التي تتراءى في آلاف المرايا، وتمد الرابطة الحياتية لتلك العشيرة نورًا وقوة، وإذا ما ارتكب أحدهم جنايةً يصير أفراد العشيرة كلهم في عداد المتهمين معه إلى حد ما، فمثلا لو كان الرجال الجالسون في هذا المجلس مرتبطين بعضهم ببعض، وألقى أحدهم نفسه في الطين، فإما أن يوقع أصدقاءه معه، وإما أن يعجزهم بتحركاته، فبناء عليه فإن السيئة الواحدة لا تبقى في الوقت الحالي واحدةً، بل تبلغ الألف، والخير الواحد يكون ﴿كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة﴾ (البقرة: 261).




(1)  بما أن تلاميذ رسائل النور دخلوا مامه خوران؛ فلابد أن يقال بدلا من "الشيخ المشروطية" "الشيخُ رسائل النور" الذي هو تحت حجاب الأحرار وضمن دائرة النخوة الإسلامية والقومية والاتحاد المحمدي. (المؤلف).


427. صفحة

فهذا السر هو الذي دفع المتيقظين فكرًا أو روحًا إلى البكاء؛ إذ هم يبكون بأية وسيلة، ويكونون من التوابين، ولكن العقل الذي في قمة المئذنة لا يقدر على رؤية السبب الموجود في قعر بئر القلب واضحًا بينًا.

الحاصل[1]؛ قد استيقظ المسلمون ومازالوا في اليقظة، وقد عرفوا الخبيث خبيثًا، والطيب طيبًا.

أجل؛ إن الذي جعل عشائر هذه الوديان توابين هو هذا السر.

ثم إن المسلمين عامةً آخذون في تلقي هذا الاستعداد وكسبه شيئًا فشيئًا، أما أنتم فأقرب إلى القومية؛ إذ بسبب بداوتكم لم تفسد فطركم الأصلية إلى حدٍّ كبير.

س[2]: لِمَ لا تنزل ضيفًا عند أحدٍ منا على الرغم من معرفتك بأن إكرام الضيف عادة مستحسنة عندنا؟ ولِمَ تمنع تلامذتك من أكل طعامنا وأخذ هدايانا؟ والحقّ أن إكرامكم والإحسان إليكم واجبٌ علينا، كما أنه حقكم علينا، فلِمَ تزيِّف عادتنا المستمرة على مدى الدهر "قد أكَل عليها الدهرُ وشَرِبَ

ج: أولا: العلم عزيز ولا أريد إذلاله.

ثم إنني أود أن أريكم أن من أهل العلم من يترفع عن متاع الدنيا، ولا يجعل مهنة العلم وسيلة للعيش، وأن الطلبة غير الشحاذين والمتسولين.

ثانيًا: أود أن أسدي نصائح فعليةً لبعض الموظفين الذين يظهرون القناعة في وظائفهم بالإهمال، ولا يقنعون بأجورهم ورواتبهم، ولم تجعلهم مصاريف الانتقال ينفضون أيديهم عن أن يعيشوا كالضيف.

ثالثًا: أدل بعض الكبار الذين انقطعت وارداتهم الظلمية على سد أبواب المصاريف المنفتحة على مصراعيها بسبب انحرافهم إلى ظلمات الظلم.

رابعًا: أدلكم بإظهار الميزان على محك للحيلة والنخوة؛ حتى تتبين لكم حقيقة أمر السائحين بين ظهرانيكم؛ هل هؤلاء يسيحون من أجل الشعب أم من أجل الهوى والمتعة؟




[1]  أجل؛ لقد ظفرت عشائر باكستان والبلدان العربية أيضًا بالحكم الذاتي والاستقلال بعد خمسة وأربعين عامًا، فهم يصدقون سعيدًا القديم في هذا الدرس، وسيستمرون في التصديق. (المؤلف). 

[2]  قد يتعود خيالك على القفز والجمباز بسبب هذه الأسئلة المتباعدة، فاحذر حتى لا يكون شيءٌ عقبة تحت قدميك، فتقعَ وتكسر ساقك، أي لا تفسر الكلام خطأ مثل أعضاء النيابة العامة. (المؤلف). 



428. صفحة

س: إنك تحول دون إحسان الناس، ألا يعني هذا أنك تستخف بالسخاء؟

ج: الإحسان هو الإحسان، والسخاء سخاءٌ تام إن كان للشعب أو للمحتاج أو الفقير، وإن كان السخاء للأمة أو للفرد الذي يتضمن الأمة فهو حسن طيب، وإن كان لغير المحتاج فإنه يجعله كسولا ويعوِّده على الصعلكة.

وخلاصة القول أن "الأمة باقية وما أمدَّها، والفرد فانٍ وما يتمثله".

س: ما تقول في الإحسانات الشخصية في السلف، أمناء الأمة ورشدائها، وسيوف الدولة وصلاحها، تجلَّت العبوسيةُ بمكارمها بإهداء عشرة دنانير لشعر لا يوازن شعيرة؟[1]

ج: فيه ما فيه، "مع أنها بالنهاية قد انجرت إلى النوع والقومية؛ لأن اللسان الذي خدمه الشعر خيط الأمة، مع أن هذا الزمان هو الذي كشف عن الحاجة إلى فكر الأمة، وفتح الباب لهذا المقصد العالي".

س: قد سقطت الرءوس المتغلبة تلقائيًّا بلا سبب، وأُوصد باب الظلم في وجوههم، ولا يُركل من سقط، فدع الذين يعانون السكرات وشأنهم حتى يكملوها.

ج: أود أن أجعلهم يحفظون سنّة الحرية الشرعية، حتى يتمثلوها إن لم يموتوا بعد.

أجل؛ إن الرءوس التي ما رُبِّيَتْ إلا بقوة الاستبداد، قد سقطت مستحقة السقوط، إلا أن بينهم من يحملون النخوة إلى حدٍّ كبير، "نعم؛ إن بينهم حماة لفكر الأمة فنشكرهم، ومتكاسلين فنشكوهم، ومتحيرين فنرشدهم، وأمواتًا فنحافظ على ميراثهم لئلا يأخذه مَن لا حقّ له" .

س: ما معنى هذا؟

ج: أخشى أن يأخذ الذين يدعون التشايخ والنجابة مع عدم أهليتهم ميراث أولئك الرؤساء في العشائر بادعائهم أنهم إخوان لهم، ويصبحوا مصيبة ذات رأسين؛ لأن ما فيكم من جهل أعور وطاعة عمياء ينسب الرئاسة والتحكم إلى التناسخ، وكأن الرجل إذا مات بصورة الرئيس يحيا بقالب السيد أو بجسم المتشايخ أو صورة ابن أسرة عريقة، فغايتي أن أقتل نزعة السيادة و نزعة التحكم ونزعة الرئاسة قتلا لا يبعث بعده إلى يوم الدين.  




[1]  هذه العبارة لبست أسلوبًا محليًّا نتج عن مصنع الموضوع، وأهدي إليها. (المؤلف).


429. صفحة

س: في السابق كنتَ تحب الشيوخ عامة، بل كنت تحسن الظن حتى بالمتشايخين، فلم تهجم الآن على قسم من المتاشيخين الذين وقعوا في البدع؟

ج: قد ينبعث العداء من شدة المحبة في بعض الأحايين، أجل؛ وكما كنت أحبهم من أجل نفسي أيما حب، كنت أعشقهم من أجل الإسلام أكثر مما لأجل نفسي بألف درجة؛ "ولقد انتقش في سويداء قلوبهم الطاهرة الصبغةُ الربانية، وفي خلدهم ضياءُ الحقيقة[1]"، "نديمان بادها خردند رفتند    تهي خمخانخا كردند رفتند"[2]. ولكن مسلكهم الأصلي والأساسي تنوير القلوب وربطها بعضها ببعض، أي السلوك على الفضيلة الإسلامية،  أي التختم بالنخوة الإسلامية، أي الزهد في الحياة وترك الراحة من أجل الإسلام، أي ترك المصالح الشخصية لكسب الإخلاص، أي التوجه إلى تأسيس المحبة العامة، أي السعي والخدمة للاتحاد الإسلامي والإرشاد إليه، "فَتَأَسُّفًا قَدْ أسَاءوا مُتَّكِئِينَ وَتَكَاسَلُوا فِي خِدْمَتِهِمْ فَحِينَئِذٍ أُرِيدُ تَحْوِيلَ هِمَمِهِمْ إلَى مَجْرَاهَا الحَقِيقِيِ القَدِيمِ".

س: إنك تتحدث دائمًا عن الاتحاد الإسلامي، فهلا عرَّفته لنا.

ج: عرّفته في كتابي "شهادة مدرسَتَيْ المصيبة"، وسأظهر الآن حجرًا من أحجار ذلك القصر الشاهق الماثل في المستقبل، ونقشًا من نقوشه، فالحجر الأسود للاتحاد الإسلامي المنوَّر الذي هو كعبة سعادتنا هو الكعبة المشرفة، ودرّته البيضاء هي الروضة المطهرة، ومكته المكرمة هي الجزيرة العربية، ومدينة مدنيته المنورة هي الدولة العثمانية التي تطبق الحرية الشرعية التامة.

وإن كنت تبغي القومية الإسلامية وحجر الاتحاد الإسلامي ونقشه، فانظر، فالخجل الشهم الناشئ عن الحياء والنخوة، والابتسام البريء المتولد عن التوقير والرحمة، والحلاوة الروحية النابعة من الفصاحة والملاحة، والجذل السماوي الناشئ عن العشق الفَتِيّ والشوق الربيعي، واللذة الملكوتية المتولدة من الحزن الغروبي والفرح السَّحري،



  [1]  هذا الأسلوب نسج من قطع الرداء المبارك لسلسلة ما، أي إشارة إلى أولياء من أمثال الشاه النقشبندي، والإمام الرباني، والشيخ خالد ضياء الدين، والسيد طه، والسيد صبغة الله، والسيدا قدس سره. (المؤلف).

[2]  أي: إن الندماء شربوا الخمر (حب الله) وتركوا مخزن الخمر (حب الدنيا) خاليًا.


430. صفحة

والزينة المقدسة(1) النابعة من الحسن المجرد والجمال المشرق، كل منها يمتزج بعضها ببعض فيخرج منه اللون النوراني، فهذا اللون والتمثل للون اللازوردي[1] من بين الألوان السبعة لقوس قزح قاب قوسي الشرق والغرب والطاق(1) المعلّى لكعبة سعادتهما، بل منظر ومشهد ذلك اللون، فيمكن إراءتهما إلى حدٍّ ما، ولكن الاتحاد لا يمكن أن يتحقق بالجهل؛ إذ الاتحاد امتزاج الأفكار، وامتزاج الأفكار إنما يتحقق بشعاعات كهرباء أفكار المعرفة.  

س: لم سكتّ في السابق؟

ج[2]: لأن الاستبداد كان مانعًا للاتحاد فكنت سكتُّ على جمر الغضى.

س: الهجوم على الشيوخ الذين وقعوا في البدع خطر؛ لأن فيهم أولياء، ألا تخاف أن تصيبهم بجهالة فتصبح على ما فعلت من النادمين؟

ج: إن المولى جل جلاله قد وسم بقدرته على جباههم الرفيعة نقش الحقيقة، ومرادي أن أرشد من طاش فهمه عن ذلك النقش[3].

أجل؛ إن هجومي ليس عليهم، بل هو في صالحهم، حتى لا يحط من شأنهم من تزيا بزيهم ممن ليسوا بأهلٍ لذلك، فهم لا يستطيعون أن يثنوني بتهديداتهم، فسأقتحم بعزمٍ قاطع كل مهلكة تقع على طريق غايتي.

مع أن أدنى أرمني يضحي بهذه الحياة الدنيوية من أجل قومه، فلِمَ لا أضحي بها؛ إذ علاقتي بهذه الحياة ضعيفة جدًّا، وقد كادت تطير هذه الحياة من يدي سبع مرات، ولكن أُبْقِيَت في يدي أمانةً، فليس من حقي أن أمتنع عن التضحية بها، ومع أن هذه الروح أرادت أن تطير من القفص إلى الشجرة، والعقل أراد أن يفر من الرأس إلى اليأس، ولكن



(1)  هذه الفقرات التي في هذا الأسلوب المتسلسل كل منها إشارة إلى شعاع من أشعة الإسلام، وإلى حسن، وسجية ، ورابطة، وأساس منه.

[1]  اللون اللازوردي درجة من درجات اللون الأزرق الغامق الناتجة عن إضافة اللون الأحمر إليه. (المؤلف).

(1)  هو ما عطف وجعل كالقوس من الأبنية والطيلسان.

[2]  قد قلت ذلك في وقتٍ كنت أفكر فيه في أن اللسان العربي ضروري لازم. (المؤلف).

[3]  قد اجتمع المرشدون في هذه الزاوية، أي في هذه الفقرة، فلا تمر من دون أن تعرج عليهم، أي فيها إشارة إلى المولوي وإلى القادري وإلى النقشبندي وإلى البكتاشي. (المؤلف).



431. صفحة

أبقيت الروح والعقل للتضحية بهما في المستقبل، فالتهديد بسلب هذه الحياة لا قيمة له، ولا أهمية، ولو هددوني بسلب الحياة الأخروية أيضًا، فلن أحجم عنه، فلتكن روحي روحًا تحترق بنار التأسف، ولتحترق في جهنم بدعائهم عليّ، فالضمير إذا ما أُشعِل فيه نار التأسف؛ فسيتضمن فردوسًا من المقصد، وكذلك الخيال سيكوِّن جنةً من الأمل.

ليعلم الجميع أنني قبضت حياتَيّ بيديّ مشغولا بحربين مع عدوين في ميدانَي المبارزة، فلا يبرز في الميدان من يملك حياةً واحدة.

س: ماذا تريد من الشيوخ المعاصرين؟

ج: أريد منهم الإخلاص الذي يرددونه دومًا، والجهاد الأكبر الذي يرابطون له في المعسكر المعنوي المسمى بالتكية، والثكنة الروحانية المسماة بالطريقة، وترك التزام النفس، وترك المنافع الشخصية التي هي معنى الزهد الذي هو شعارهم، والمحبة التي يدَّعونها، والتي هي خميرة طبيعة الإسلام؛ لأنهم قبضوا الأجر باستخدامهم إيانا، فقيامهم بخدمتنا الآن دَين عليهم.

س: وكيف سيخدمون؟

ج: إما أن يتركونا وينصرفوا عنا، أو يرفعوا العناد والغيبة والانحياز فيما بينهم؛ إذ قد تسبب بعض المتشايخين المبتدعين في تأسيس بعض فرق الضلال والبدع.

س: كيف سيتفقون ويتحدون فيما بينهم، ويكفر بعضهم بعضًا، ومن دساتيرهم أن محبة المنكر، بل حتى الأنس معه حرام، فمسألة الإنكار مهمة؟

ج: فلي حق مخاطبتكم بما يلي إذن:

أيها المجانين الحمقى، ألم تسمعوا وتدركوا أن "إنما المؤمنون إخوة" ناموسٌ إلهي، أم تعاميتم حتى لا تروا أن "لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبّ لأخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ(1)" دستورٌ نبوي؟ فيا ترى كيف نسخت مسألة التكفير المترددة بين الصدق والكذب هذين الأساسين العظيمين المتينين؟ فهي ليست كلام الله حتى لا تكون منسوخة، فها هو ذا الزمان ينسخها، وغلبة ضررها على فوائدها تجيز نسخها، والعمل بالمنسوخ غير جائز.



(1)   من حديث أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه سلم، صححه البخاري وأخرجه في باب: "الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، حديث رقم 13.


432. صفحة

س: ربما عداوة بعضهم لبعض هي بسبب ما لقي بعضهم من بعض من أفعال غير مشروعة؟

ج: فيا ترى كيف انهزمت المحبة التي تحصل بسبب ما هو بثقل جبل سُبْحَانْ[1] وعظمه وهو الإيمان والإسلام والإنسانية والجنسية، وصارت ضعيفة ومغلوبة أمام العداوة التي تحصل من جراء بعض التصرفات غير المشروعة بحججٍ طفولية.

أجل؛ إن الإسلام والإنسانية التي تقتضي المحبةَ عظيمةٌ عظم جبل أحد، والأسباب التي تنتج العداوة كبعض الحصيات الصغيرة، والذي يجعل المحبة تنهزم أمام العداوة يتصرف بحماقةٍ في نظر الحقيقة بإسقاط جبل أحدٍ إلى قدر أدنى من الحصاة، والعداوة والمحبة لا تجتمعان كما لا يجتمع الضياء والظلام، فإذا ما غلبت العداوةُ انقلبت المحبة إلى المجاراة والمداراة، أما إذا ما غلبت المحبة انقلبت العداوة إلى الرحمة والعطف، فمذهبي أنا محبة المحبة، وعداوة العداوة، أي إن أحب شيء إلي في الدنيا هو المحبة، وأبغض شيء إلي هو العداوة والخصام.    

س: ما الفرق بين الشيخ الولي وبين المتشايخ المدعي؟

ج: من الممكن أن يكون مرشدًا وشيخًا حقيقيًّا إن كان غايته وهدفه الاتحاد مع الضياء الذي يمنحه الإسلام للقلب والنور الذي يمنحه للفكر، ومسلكه المحبة، وشعاره ترك التزام النفس، ومشربه نكران الذات، وطريقته النخوة الإسلامية، أما إذا كان مسلكه إظهار مزاياه بتنقيص غيره، وتلقين محبته بعداوة غيره، وأن يبدي الشعور بالانحياز الذي يستلزم انشقاق العصا، ويتصرف وكأن حبه لنفسه متوقف على عداوة الآخرين الأمر الذي ينتج الميل إلى الغيبة؛ فهو متشايخ متسيد، وذئب متغنِّم، يخرج إلى صيد الدنيا بالدين، وقد غرته لذةٌ منحوسة أو اجتهاد خاطىء، فظن نفسه صالحًا ومهَّد السبيل إلى سوء الظن بالمشايخ العظام والأشخاص المباركين.

س: إن كلامك طيب ولكن أين السامع؟ إذ المسلك سام رفيع والمتبعون في الأسفل.

ج: "إنما الأعمال بالنيات"، "ما لا يدرك كله لا يترك كله"، "الملام على من اتبع الهوى، والسلام على من اتبع الهدى".



[1]  يقع في شرق تركيا.


433. صفحة

س: ما تقول في الخلافات الشديدة الدائرة بين العلماء في العالم الإسلامي، وما رأيك فيها؟

ج: إنني أنظر إلى العالم الإسلامي على أنه مجلس نواب أو مجلس شورى غير منظم أو اختل نظامه، ونحن نسمع من الشريعة أن رأي الجمهور كذا، والفتوى على هذا، فهذا نظيرٌ لرأي الأكثرية في هذا المجلس، والأقوال التي غير رأي الجمهور إن لم تكن خالية من الحقيقة واللبّ تُترك لآراء استعدادات أصحابها، حتى يختار كل استعداد ما يراه مناسبًا لتربيته، ولكن هنا نقطتان مهمتان(1):

أولاهما: إن القول المنتخَب بميل الاستعداد هذا، والذي يتضمن الحقيقة إلى حدٍّ ما، ويبقى ضمن الأقلية؛ قد أهمله صاحبه وتركه مطلقًا مع أنه مقيد في نفس الأمر وخاص بذلك الاستعداد، إلا أن أتباعه التزموه فعم، ومقلدوه تعصبوا، وسعوا لهدم آراء المخالفين لحفظ ذلك القول، ومن ثم برز في الساحة التصادم والتشاغب والجرح والرد والرفض حتى صار الغبار الذي يثور من تحت أقدامهم والدخان الذي يفور من أفواههم والبروق التي تنتشر من ألسنتهم سحابًا يصاحبه البرق أو تصاحبه الرحمة، فصار حجابًا يمنع ظهور شمس الإسلام، ولكن لم يبق في درجة سحابٍ تصاحبه الرحمة فيمنحهم استعداد التفيض من ضياء الشمس، فهو يمنع الضياء كما أنه لم يهب الغيث.

ثانيتهما: إن الحقيقة الكامنة واللب في القول الذي يبقى في الأقلية إذا لم يغلبا على ما في الاستعداد الذي يختاره مِن هوى ونوازع والمرآة الموروثة والمزاج؛ فذلك القول يبقى على خطرٍ عظيم؛ إذ بينما كان ينبغي أن ينصبغ به الاستعداد وينقلب إلى مقتضاه فإنه -أي الاستعداد- يحوِّل هذا إليه ويلقحه، ويسخِّره لأوامره، ومن هذه النقطة يتحول الهدى إلى الهوى، والمذهب يتشرب من المزاج، فـ"النحلة تشرب الماء وتقطر العسل، والحية هي الأخرى تشرب الماء، ولكنها تقطر السمّ"[1].

س: ألن يجد هذا المجلس الإسلامي العالي نظامًا واستقرارًا مرة أخرى في العالم في مدينة الأرض هذه الدائخ رأسها؟



(1)   أمعن النظر في هاتين النقطتين، وإن اهتممت بهما فبها ونعمت. (المؤلف).

[1]  مثل تركي.


434. صفحة

ج: إنني أؤمن بأن العالم الإسلامي كله سيكون كمجلس نوّابٍ مقدس بين بني آدم في البشرية، وسيشكل الخلف والسلف مجلس شورى فيما بينهم اقتداءً ببعضهم البعض على مرّ العصور، ولكن الآباء العجائز الذين هم القسم الأول سيستمعون إليهم ساكتين مثنين عليهم.

س(1): إن بعض المسائل كتعدد الزوجات والأسر والرقّ يتخذها بعض الأجانب وسيلةً لإيراد بعض الأوهام والشبهات في الشريعة من ناحية الحضارة الحديثة.

ج: سأقول لكم –بإجمال- قاعدةً في الوقت الحالي، وأنا على فكرة بيان تفصيلها في رسالة مستقلة.

إن أحكام الإسلام "قسمان":

الأول: ما أسسته الشريعة، وهذا هو الحسن الحقيقي والخير المحض.

الثاني: ما عدلته الشريعة من قوانين سائدة بين الناس، أي إن الشريعة تستسقي الشيء من الزمان والمكان فتعدّله وتُخرِجه من صورةٍ في غاية الوحشية والظلم إلى صورةٍ قابلة للتطبيق في الطبيعة البشرية، وتجعلها أهون الشرّين للانتقال به إلى الحسن الحقيقي الكامل؛ لأن أمرًا مسيطرًا على الطبيعة البشرية عامة يقتضي رفعُه فجأة قلبَ الطبيعة البشرية رأسًا على عقب؛ وبناء عليه فالشريعة ليست واضعة الأسر، بل حولته من صورةٍ في غاية الوحشية إلى صورةٍ تؤدي إلى الحرية التامّة، وعدلتها، فمثلا: إنها لم ترفع عدد الزوجات من الواحدة إلى الأربع مع أن تعدد الزوجات إلى أربع موافق للطبع والعقل والحكمة، بل أنزلت من الثماني أو التسع إلى الأربع، وقد وضعت في التعدد شروطًا لا تؤدي إلى المضرة إذا روعيت، فحتى لو كان لها بعض المضرة من بعض الوجوه فإنها أهون الشر، فأهون الشر عدالةٌ إضافية، فهيهات أن يكون في كل حال من أحوال العالم خيرٌ محض.

ومع الأسف فقد صادفت بسوء المصادفة أهل الإفراط والتفريط ممن يعترضون على الحكومة، فبعضٌ من أهل الإفراط كانوا يتهمون الأتراك الذين هو قِوَام الإسلام بعد العرب بالضلال، حتى إن بعضهم وصل بهم الأمر إلى أن كفروا أهل القانون؛ إذ استدلوا



(1)  سؤال سأله أحد الألبان. (المؤلف).


435. صفحة

على تكفيرهم بإعلان القانون الأساسي والحرية قبل ثلاثين سنة، وكانوا يحتجون بالآية ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ ...إلخ﴾، فلم يعلم المساكين أن ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بمعنى "وَمَنْ لَمْ يُصَدِّقْ".

فيا ترى كيف لا أعترض على من يظنون الاستبداد السابق حريةً ويعترضون على القانون الأساسي؟ والحق أنهم كانوا يعترضون على الحكومة إلا أنهم أرادوا استبدادًا أشدّ، ومن أجل ذلك كنت أردهم وأرفضهم، ومن يتهمون أهل الحرية بالضلال الآن هم من هذا القسم.

ثم نظرت إلى أهل التفريط الذين هم القسم الثاني، فوجدتهم لا يعلمون الدين، ويعترضون على أهل الإسلام بغير إنصاف، ويستدلون على اعتراضهم بالتعصب، فالذين يحملون فكرة التجرد من العثمانية والانسلاخ منها ويريدون أن يتشبهوا بأروبا تشبهًا كاملا هم من هذا القسم.

أيها العوامّ، أودعكم الآن، ولكن انتظروا، فلي قضية مع الخواص سنتحدث حولها، قضية مع الحكومة والأشراف ومع جمعية الاتحاد والترقي ولاسيما الذين لا ينتمون إلى الماسونية منهم.

فيا طبقة الخواص، إننا العوام وأهل المدرسة نطالبكم بحقّنا.

س: ماذا تطلب؟

ج: أن تصدق أفعالُكم أقوالَكم، وألا تجعلوا قصور الآخرين عذرًا لكم، وألا تتدافعوا في الوظيفة، وألا تتكاسلوا في خدمتنا الواجبة عليكم، وأن تعوّضوا ما فات وضاع بسببكم، وأن تستمعوا لأحوالنا، وتستشيروا في حاجاتنا، وأن تتركوا بعضًا من راحتكم واستراحتكم، وأن تسألوا عن أحوالنا وأوضاعنا.

الحاصل؛ نريد تأمين مستقبل الولايات الشرقية وعلمائها، ونطلب حصتنا من الاتحاد والترقي، ونريد شيئًا خفيفًا عليكم ولكنه عندنا عظيم جدًّا.

س: أفصح عن مرادك ولا تتركه مبهمًا، ماذا تريد؟

ج: نريد في "بِتْلِيس" التي هي مركز كردستان وفي "وَانْ" و "دِيَارْ بَكر" جناحي بتليس ورفيقتيها تأسيس مدرسةٍ عليا باسم المدرسة الزهراء تكون شقيقة لجامعة الأزهر،

436. صفحة

وتتضمن دار العلوم، واطمئنوا فنحن الأكراد لا نشبه الآخرين، فنحن نعلم أن حياتنا الاجتماعية متعلقة بحياة الأتراك وسعادتهم.

س: كيف، ومثل ماذا، ولماذا؟

 ج: لها بعض الشروط والواردات والثمرات.

س: وما شروطها؟

ج: إنها ثمانية:

الأول: تسمية تلك الجامعة بذلك الاسم المبارك الذي يحيي ويوقظ الرغبات والهمم؛ لأن "المدرسة" اسمٌ مألوف ومأنوس وجذّاب ومثير للشوق والحماس، ويتضمن حقيقةً عظمى مع أنه اعتباري.

الثاني: مزج العلوم الحديثة بعلوم المدارس الأهلية الدينية، وجعل اللغة العربية واجبةً واللغة الكردية جائزةً واللغة التركية لازمة.

س: وما الحكمة في هذا المزج، حتى تدعو إليه دائمًا وتردده؟

 ج: إنقاذ الفكر من ظلم السفسطة الذي يحصل من أربعة قياسات فاسدة(1)، وإزالة مغالطة الملكة الفلسفية للتقليد الطفولي.

 س: مثل ماذا؟

ج: ضياء الوجدان العلوم الدينية، ونور العقل العلوم الحديثة، فبامتزاجهما تتجلى الحقيقة، وبهذين الجناحين تحلق همة الطالب، وإذا افترقا يتولد التعصب في الأول، والحيل والشبهات في الثاني.

الثالث: اختيار علماء الأكراد من ذوي الجناحين الذين يعتد بهم الأكراد والأتراك معًا ويعتمدون عليهم، أو الذين يعرفون اللغة المحلية للاستئناس بهم؛ كمدرسين فيها.

الرابع: الاستشارة باستعدادات الأكراد ووضع صباوتهم وبساطتهم نصب العين؛ ذلك أن هنالك لباسًا كثيرًا، فما يُستحسن على قامةٍ يستقبح على قامة أخرى، ولا يكون



(1)  تلك القياسات الفاسدة التي هي قياس الماديات بالمعنويات، والاحتجاج بأقوال الأوربيين حتى في المعنويات، ورفض أقوال العلماء الذين لا يعلمون شيئًا عن بعض العلوم الحديثة، وردّها حتى في العلوم الدينية، والاغترار بالمهارة في العلوم الحديثة والاعتماد على النفس، والاعتداد بها حتى في الدين، وقياس الخلف على السلف والحاضر على الماضي؛ هي كالاعتراض بغير حق. (المؤلف).



437. صفحة

تعليم الصغار إلا بالجبر أو ملاطفة ومداعبة رغباتهم.

الخامس: تطبيق قاعدة تقسيم الأعمال تطبيقًا كاملا حتى يتخرج من كل فرع المتخصصون، مع تداخل الفروع بعضها مع بعض.

السادس: إيجاد مصدر مادي، مع تحقيق الفيض المعنوي للمداومين، ومساواة تلك المدارس بالمدارس العليا الرسمية، وجعل امتحاناتها مثمرة مثلها وليست عقيمة.

السابع: جعل دار المعلمين مركزًا في نطاق الجامعة مؤقتًا ومزجها بها، حتى ينتقل النظام والتفيض من تلك إلى هذه، والفضيلة والدين من هذه إلى تلك، وتعطي كل منهما جناحًا بالتبادل، فتصبح كل منهما ذات جناحين.

س: وما وارداتها؟

ج: النخوة والجدّ.

س: ثم ماذا؟

ج: هذه المدرسة تتضمن كالبذرة شجرة طوبى بالقوة، فإن اخضرت بالجد والنخوة والهمة تجذب بطبيعة الحال حياتها المادية فتستغني عن جيوبكم الجافة.

س: من أي وجه؟

ج: من وجوه كثيرة.

الأول: إذا انتظمت أمور الأوقاف حق الانتظام فإنها ستدر في هذا الحوض عينًا مهمة عن طريق توحيد المدارس.

الثاني: الزكاة؛ فنحن أحناف وشافعية، وهذه المدرسة الزهراء لا شك أنها ستجذب بعض الزكاة خصيصًا لها بالاستحقاق لخدمتها للإسلام والإنسانية، ولو كانت زكاة الزكاة لكفت أيضًا.

الثالث: هذه المدرسة كما أنها ستكون أعلى مدرسة لدى العقول بما ستنشر من ثمراتٍ، وبما ستغمر من ضياء، وبما ستقدم من خدمات للإسلام، فإنها ستمثل لدى القلوب أعظم مدرسة، وأقدس زاوية في نظر الضمائر؛ ولأنها مدرسةٌ دينية ومدرسة حديثة وتكية في وقتٍ واحد، فسيتوجه إليها بعضٌ من النذور والصدقات التي هي المعونات القومية للإسلام.


438. صفحة

الرابع: ولأن هذه المدرسة اندمجت بدار المعلمين لأجل التبادل المذكور، فإن أمكن إعارة واردات دار المعلمين لهذه المدرسة إعارة مؤقتة ببعض التوسيعات فبعد مدة ستستغني هذه، وستعيد تلك الإعارة.

س: وما ثمرات هذا حتى تصرخ وتنادي بها منذ عشر سنوات، بل خمسين سنة؟

ج: هي بالإجمال ضمان مستقبل علماء الأكراد والأتراك، وإدخال المعارف في كردستان من خلال باب المدرسة، وإظهار محاسن المشروطية والحرية، ونفع الناس بها(1).

س: من المستحسن أن توضِّحها أكثر.

ج:

الأول: توحيد المدارس وإصلاحها.

الثاني: إنقاذ الإسلام مما يصدئه من الحكايات والقصص والإسرائيليات والتعصبات الباردة.

أجل؛ من شأن الإسلام الصلابة الدينية التي هي المتانة والثبات والتزام الحقّ، وليس التعصب الناشئ عن الجهل وعدم التفكير المتوازن.

وإن أخطر أنواع التعصب حسب رأيي هو ما عند قسم من مقلدي أروبا والملحدين؛ بحيث إنهم يصرون إصرارًا عنيدًا على شبهاتهم السطحية، وليس ذلك من شأن العلماء المتمسكين بالبرهان.

الثالث: فتح بابٍ لنشر محاسن المشروطية.

نعم؛ ليس عند العشائر نيةٌ تجرح المشروطية، ولكن إذا لم تستحسن لا يستفاد منها، وهذا هو الضرر الأكبر، فالمريض إذا ظنّ الترياق مخلوطًا بالسم لم يتناوله البتة.

الرابع: فتح طريقٍ لإدخال العلوم الحديثة في المدارس، وفتح منبع صاف للعلوم لا يبغضه أهل المدارس، وقد قلت مرارًا إن فهمًا سقيمًا وتوهمًا مشئومًا حال دون ذلك حتى الآن. 





(1)   لقد ألقيتُ هذه المباحث التي تدور حول المدرسة الزهراء في السنة الثالثة من الحرية كخطب للأهالي في كل من "بتليس" و"وان" و"دياربكر" وغيرها من الأماكن الكثيرة، وقالوا جميعًا، إنها حقيقة وممكنة، أي إنني أستطيع أن أقول إنني في هذه المسألة ترجمان لهم. (المؤلف). 


439. صفحة

الخامس: لقد قلت مائة مرة وأقول مرة أخرى: يجب أن يتصالح أهل المدارس الدينية وأهل المدارس الحديثة وأهل التكايا والزوايا، حتى يتحدوا على الأقل في المقصد بالتمايل والتبادل الفكري، ولكن مع الأسف تبين أن تباين أفكارهم كما فرق الاتحاد فإن اختلاف مناهجهم هو الآخر أوقف الرقي والتقدم؛ لأن كل واحد منهم تعصب لمسلكه وأفرط أو فرّط بسبب نظره السطحي إلى مسالك الآخرين، فنسب هذا ذاك إلى الضلال ونسب ذاك هذا إلى الجهل.

الحاصل: إن الإسلام لو تجسد خارجًا لظهر في صورة قصرٍ مشيد منور، أحد منازله مدرسة حديثة، وإحدى غرفه مدرسة دينية، وصالته مجمع الكل، كمجلس شورى يكمل أحدهم نقص الآخر، فإن هذه المدرسة الزهراء تجسد ذلك القصر الإلهي كما أن المرآة تمثل الشمس حسب قابليتها.

أيها الأشراف، اخدمونا كما نخدمكم، وإلا، فيا أهل الحكومة الذين تنظرون إلينا كطفل يحتاج إلى الوصاية، حقِّقوا لنا سعادتنا كما أطعناكم، وإلا، فيا جمعية الاتحاد والترقي القديمة التي أخذت بالاستحقاق على عاتقها وظيفة جمعية الأكراد والأتراك القومية، قد أحسنتم حين مزجتم، فإن أحسنتم أحسنتم، وإلا فَرُدُّوا الأَمَانَاتِ إلَى أهْلِهَا(1).

س: يعاتَب العلماءُ كثيرًا، حتى....؟

ج: إنه ظلم عظيم وأي ظلم!

س: لماذا؟

ج: إنه حماقة كحماقة إسناد ذنب العدم إلى الوجود.

س: ما معنى هذا؟

ج: كما أن اتهام العلم بسبب خطأ ناشئ عن عدم الحلم عند من له علم بلاهة؛ كذلك فإن اتهام العلماء المساكين الذين يلقنون دائمًا قدسية الإسلام، ويبغلون الأحكام الدينية على قدر استطاعتهم، ويستحقون التوقير والمحبة والرحمة أكثر من غيرهم بين الشعوب



(1)   يا أهل السياسة والحكومة، يا من تظنون أنفسكم من الخواص، لا تتسلوا باتخاذ هذا الكتاب الذي هو درس وخطاب للعوام لتحطيم اليأس مستندًا لكم؛ لأن سوء استخدامكم يؤثر تأثيرًا سيِّئًا أكثر من سوء فهم هؤلاء، وقد وكَّلت الزمان لإلقاء الدرس لكم، ولكنكم لم تستمعوا إلى درسه، فتلقيتم منه صفعة قوية. (المؤلف). 



440. صفحة

الإسلامية بالخطأ والذنب الناشئ عن عدم وجود العلماء الذين يليقون بهذا العصر، وتحميل هؤلاء المساكين ذلك الخطأ والذنب؛ إن لم يكن حماقةً فما يكون إذن؟

أجل؛ إنه لم يأت من وجودهم ضرر، بل من عدم وجود العلماء الذين ننشدهم؛ ذلك أن الأذكياء ذهبوا إلى المدارس الحديثة في الغالب، والأغنياء ترفعوا عن أوضاع المدارس الدينية، ولما كان الانتظام والفيض والمصدر المادي مفقودًا في المدارس الدينية؛ فإنها لم تنشئ علماء أكفاء حسب حاجة العصر، واحذروا فبغض العلماء خطر(1).

س: قليلون هم الذين يحملون نياتٍ خالصة، فإن كانت نيتك خالصةً فستوفق، فانظر إلى نيتك.

ج: لله الحمد ولا فخر(1)، إن عناصر الضغينة وما يُخِلّ بنية الإخلاص من النسب والذرية والطمع والخوف لا يعرفني، ولا أنا أعرفها، أو لا أريد أن أتعرف عليها؛ لأنه ليس لي نسب معروف حتى أحاول الحفاظ على ماضيه، وأنا أبو لا شيء، فليست لي ذرية حتى أعمل لتحقيق مستقبلهم، وبي جنون لم تستطع المحكمة العسكرية بإفزاعها وتخويفها أن تداويه، وبي جهل جعلني أميًّا لا أستطيع أن أقرأ نقش الدنانير والدراهم، ولم يبق إلا التجارة الأخروية، وقد عهدت عهدًا أنني لن أرجع عن منهجي ومسلكي حتى لو فقدت رأس المال، ومن الآن بدأت أخسر، وأقع في ذنوبٍ كثيرة، وبقي شيء وهو الشهرة الكاذبة، فأنا قد سئمتها، أفر منها؛ لأنها تحملني وظائف كثيرة لا أستطيع أن أقوم بها.

س: لِمَ تحسن الظن ما أمكن بالحكومة المشروطية، وبجمعية تركيا الفتاة التي ليست ملحدة؟

ج: إنني أحسن الظن لأنكم تسيئون الظن ما أمكن، فإن كانت كذلك فهذا حسن، وأما إذا كانت غير ذلك فإني أرشدها كي تكون عند حسن ظننا.

س: ما رأيك في جمعية الاتحاد والترقي؟

ج: إنني مع تقديري لهم أعترض على الشدة والعنف لدى سياسييهم(1)، ولكن أقدر



(1)  يا أهل المدارس الدينية لا تيأسوا، المهيمن الآن هو العلم والمعرفة، وسنتطور بكل أنواعهما، وسيرتقي الأعلى إلى طبقة أعلى. (المؤلف).

(1)  كرامة الشيخ مروية عن الشيخ، ولكن التحدث بالنعمة أيضًا شكر. (المؤلف). 

(1)  إن لم يكن في توزيع العدالة عدالة ظهر الظلم، لا يكسر ألف خاطر من أجل خاطرٍ واحد، فالعنف شيء والنخوة شيء آخر، ولو التزم شخصٌ مغرور معجب بنفسه الحقَّ لساق الكثيرين إلى الظلم، بل لأرغمهم عليه. (المؤلف).  



441. صفحة

وأهنئ إلى حد ما فروعهم الاقتصادية والعلمية، ولاسيما في الولايات الشرقية.

س: ما سبب وقوعنا في زنزانة العطالة؟

ج: الحياة صراع، والحماس مطيتها، وعندما تركب همتكم الشوق والحماس وتخرج وتبرز إلى ساحة المبارزة تلقى أولا اليأس الذي هو أشد الأعداء، فيكسر قوتها المعنوية، فاستخدموا أنتم تجاه هذا العدو سيف "لاَ تَقنَطُوا"[1].

 ثم إن استبداد ميل التفوق الذي يحل محل خدمة الحقّ التي لا تَزَاحُم فيها يبدأ بالهجوم على الهمّة، ويضرب رأسها، ويسقطها عن فرسها، فأرسلوا أنتم حقيقة "كُونُوا للهِ"[2] على ذلك العدوّ.

ثم يبرز التعجل الذي يشوش على الهمة بترك مراعاة الترتيب في العلل المتسلسلة، ويُزحْلِقُ قدمَ الهمّة، فاتخذوا أنتم "اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا"[3] متراسًا لكم.

ثم يبرز في الساحة الفكر الانفرادي والرأي الشخصي اللذان يبددان الآمال أمام الإنسان الذي هو مكلَّف بالحفاظ على حقوق أبناء جنسه، وبالبحث عن حقه بين تلك الحقوق بسبب طبعه المدنيّ، فسوقوا المجاهد العالي الهمة الذي هو مصداق "خيرُ النّاس أنفعُهم للنّاس"[4] إلى مبارزتهما.

ثم يغتنم تقليد تكاسل الآخرين الفرصةَ، ويبدأ بالهجوم ويقصم ظهر الهمة، فاجعلوا أنتم "عَلَى اللهِ لاَ عَلَى غَيْرِهِ فَليَتَوَكَّلِ المتَوَكِّلُونَ"[5] الذي هو حصنٌ حصين ملجأً للهمة.

ثم يبرز عدو لدود، وهو ترك العمل للآخرين الذي ينشأ عن العجز وعدم الثقة بالنفس، فيأخذ بيد الهمة ويُقعدها، فغلبوا أنتم الحقيقة الشاهقة "لاَ يَضُرّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ"[6] على هذا العدو، حتى لا تصل يده إلى ذيل تلك الهمة.

ثم يبرز العدو الملحد الذي يتدخل فيما هو موكول إلى الله تعالى، فيصفع وجه الهمة، ويعشي بصرها، فأرسلوا أنتم عليه الحقيقة الرابحة والمتقنة لعملها "اسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ"[7]، "وَلاَ تَتَأَمَّرْ عَلَى سَيِّدِكَ"[8] حتى توقفه عند حده.




[1] ؟؟؟؟ هل تحتاج إلى الهامش

[2] ؟؟؟؟ هل تحتاج إلى الهامش

[3] ؟؟؟؟هل تحتاج إلى الهامش

[4] انظر مسند الشهاب 2/223 رقم 1234، وله شواهد كحديث "الخلق عيال الله وأحبهم الى الله أنفعهم لعياله"، انظر كشف الخفاء 1/472 رقم 1254.bu hadise dikkat baska lafizlarla da geciyor dosyada

[5] ؟؟؟؟هل تحتاج إلى الهامش

[6] ؟؟؟؟هل تحتاج إلى الهامش

[7] ؟؟؟؟هل تحتاج إلى الهامش

[8] ؟؟؟؟هل تحتاج إلى الهامش


442. صفحة

ثم يبرز ميل الراحة الذي هو أصل جميع المشقات ومعدن كل المفاسد، فيقيد الهمة، ويرمي بها في زنزانة البؤس والشقاء، فأرسلوا المجاهد المغوار "وأنْ لَيْسَ للإنْسَانِ إلاَّ مَا سَعَى"[1] على ذلك الجلاد السحار، نعم؛ "إنّ لَكُمْ فِي المشقّةِ الرَّاحَةَ، إِنّ الإنسانَ المُتَهَيِّجَةَ فِطْرَتُهُ رَاحَتُهُ فِي السَّعْيِ والجِدَالِ[2]".

إن الذين لا يعرفونني في أثناء سياحتي وترحالي كانوا ينظرون إلى ملابسي ويظنونني تاجرًا فيقولون:

س: هل أنت تاجر؟

ج: نعم؛ أنا تاجر، وكيميائي كذلك؟

س: كيف؟

ج: هناك مادتان أمزج بينهما، إحداهما تولد الترياق الشافي، والأخرى تولد المصباح المنير.

س: وأين توجَدان؟

ج: في علبةٍ سوداء أو ألماسية مكتوب عليها "القلب" داخل صندوق يمشي على قدمين مكتوبٌ على جبهته "الإنسان" في سوق الحضارة والفضيلة.

س: ما أسماؤها؟

س: الإيمان، والمحبة، والوفاء، والنخوة.

الجريدة السيارة، أبو لا شيء

ابن الزمان، أخو العجائب

ابن عم الغرائب

سعيد الكردي

النورسي




[1] ؟؟؟؟هل تحتاج إلى الهامش

[2]  أدرك الآن أنكم لا تفهمون ما أقول؛ لأني أتصور نفسي مكانكم فلا أفهم، ورسالة وصفة العلماء التي هي الأخت الكبرى لهذه الرسالة تتحدث أكثر إبهامًا، إذن يجب علي أن أتجول معكم، فها أنا ذا الآن جعلت خيالي رفيقًا لي. (المؤلف).