ذيل الشعلة
التنقل
405. صفحة
ذيل الشعلة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة على نبيه.
اعلم أنه لا يتستر عن النور المحض المحيط شيء من الأشياء، وكذا لا يخرج أمر من الأمور عن دائرة القدرة الغير المتناهية؛ وإلا لزم تناهي غير المتناهي بالتحديد بالمتناهي، وهو محال بوجوه.
وكذا إن الحكمة تعطي كل شيءٍ الفيضَ بقدره كما يقال: “كلّ بقدره”، وإن بقدر الظرف يغترف من البحر، وإن المقدر القدير الحكيم لا يشغله صغير عن كبير، ولا خطير عن حقير، وإن المحيط الظاهر الباطن المجرد عن المادة لا يواري الأكبرُ عنه الأصغر، ولا النوعُ الفردَ، وإن الصغير مادةً قد يكون كبيرًا من جهة الصنعة، وإن نوع الصغير عظيم كثير كبير، وإن العظمة المطلقة لا تقبل الشركة أصلا ولا تتحملها.
وإن ما يُشاهَد من الجود المطلق في السهولة المطلقة في السرعة المطلقة في الإتقان المطلق، مع إرادة التعرف التام مع محبة ذي الجمال مشاهدةَ جماله المطلق وكماله المطلق وتشهيرهما، ومع الرحمة المطلقة والغناء المطلق بشهادة الآيات التكوينية، ومع وجود مالا يحد ولا يعد من الناظرين المتفكرين المشاهدين المعتبرين، يقتضي - بهذه الأسباب - بلا شك وجود أنواع الحوينات([1]) الطويرات أيضًا، بل أولى، إذ الصغيرُ الأدق أقربُ إلى الوجود، وإلى القدرة النورانية.
406. صفحة
اعلم يا “أنا” إذا كان نفسك أحب إليك، لأنها اقرب إليك من كل شيء؛ فلابد أن يكون ربك أحب إليك منك؛ إذ هو أقرب إليك من نفسك. ألا ترى أن ما لا يصل اختيارُك وخيالك إليه من أسرار ما رُكّب فيك، هو حاضر مشاهَد لربك؟!
اعلم أنه لا تصادف؛ فانظر إلى الرياض واستمع؛ كيف تقرأ على الناظر بنهاية الانتظام في غاية الاختلاط، وكمال الامتياز في كمال امتزاج أشتاتِ الأشياء آيات حكمة الصانع العليم المحيط!
اعلم أنك إن لم تُوَحِّدْ بنسبة كل شيء إلى الواحد، تضطر إلى فرض وجود آلهة بعدد تجليات الله على جميع أفراد الأنواع في العالم. كما إذا أغمضت عينيك عن الشمس، وتغافلت عنها، وقطعت عنها نسبةَ الشُميسات المتلمعات في قطرات وجه البحر بتجليها، اضطررت إلى قبول وجود شموس بالأصالة فيها بعدد تلك القطرات، مع أن القطرة لا تسع أصغر مصباح، فكيف بسراج العالم؟!
اعلم أنه يشاهد للمدقق؛ أن طوائف المخلوقات وأصناف المصنوعات تتسابق بالرقابة والاشتياق إلى التبرّج والتزين، للعرض والظهور، لنظر شاهد جليل يشاهدها كلها، ودائما، وبجميع دقائق محاسنها؛ إذ المصنوعات تظهر بالمشاهدة هيئة تتضمن ما لا يتناهى من لطائف اتقان الصنعة الجالبة لنظر الدقة، والاستحسان والحيرة. فما هذا التهالك بالمسابقة للظهور متزينةً إلاّ لأجل العرض لنظر لا يتناهى، وما هو إلا نظر الشاهد الأزلي الذي خَلَقَ الخلق ليشاهد في مرايا أطوارها جلوات أنوار جماله وجلاله وكماله، ثم يستشهد عليها شهداء تعرّف إليهم، بإراءة ذلك الكنز الخفي.
فأعلى غايات وجود الشيء وأغلى حقوق حياة الحي؛ هو المشهودية والظهور لنظر فاطره، بمظهريته لآثار أسمائه، وألذّ لذائذ هذه الحياة، هو الشعور بهذا الشهود.
وأما الظهور لأنظار إخوانه من المخلوقات، فهو أيضًا غاية، لكن نسبتها إلى الغاية الأولى، كنسبة المتناهي إلى غير المتناهي.
407. صفحة
وأما ما اشتهر بين الناس من “حق الحياة”وهو حفظ الحياة مع نوع راحة؛ فأقل وأصغر وأدنى وأحقر من أن يكون جزءاً من ملايين أجزاء “حق الحياة” تلك الحياة التي هي من أعلى وأغلى وأعجب وأغرب وألطف وأشرف معجزات قدرة الحي القيوم الأحد الصمد. بل ما هو إلا وسيلة وإنما يتشرف ما بقي وسيلةً، فإذا ترقى إلى المقصدية، سقط بالزوال هباءً منثورًا.
أتظن أيها الغافل أن غاية عجيب صنعة الرمانة – مثلا - هي أكلُك ومضغك في دقيقة بغفلة؟! كلا، بل إنما هي كلمة أفادت معناها للمكوِّن سبحانه، وللكون؛ فوفّت فتوفّت فدفنت مِن فيكَ فيك، ويكفي من الزمان والبقاء لهذه الغاية آن سيال فلا عبثية.
وكذا فاعلم أن من له جمال فائق، فلذته الحقيقية في المشاهدة لجماله شهودًا بالذات، وشهودًا بإراءة مصنوعاته لمخلوقاته فيشهدونها، فيشهد أيضًا في شهودهم بشهودهم.
وأما لذة التفوق بملاحظة الغير فغير ذاتية، بل عرضية ضعيفة، ومشوبة مخصوصة بالأمور النسبية.
وأما ذو الكمال الذاتي والجمال الحقيقي المجرد السرمدي، المحبوب لذاته، لذاته الذي له المثل الأعلى، فقد اخبرنا على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام؛ “إنه خلق الخلق ليُعرف”([1])، أي صوّر مرايا ليشاهد فيها تجليات جماله المحبوب لذاته بذاته.
اعلم أيها الفاني، كفاك بقاءً، أنك مشهوده في علمه ومعلومه في شهوده بعد فنائك
[1] كنتُ كَنْزًا لا أُعرَف، فأَحْبَبْتُ أَن أُعرَف، فخَلَقْتُ خَلْقًا، فعرفتهم بي فعرفوني.
وفي لفظ: “فتعرفت إليهم فبي عرفوني”، لا يعرف له سند صحيح ولا ضعيف، وقال القاري لكن معناه صحيح مستفاد من قوله تعالى “وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون” أي ليعرفوني كما فسره ابن عباس رضي الله عنهما. والمشهور على الألسنة “كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت خلقًا فبي عرفوني”، انظر كشف الخفاء رقم 2016.
408. صفحة
من بعض الوجوه. يا هُو([1]) أعط كل شيء لصاحبه الحقيقي وانسُبْه أليه، وخذه باسمه، ثم استرح، وإلا اضطررت إلى قبول آلهة بعدد تجليات الله كما مر آنفًا، بل بعدد ذرات الكائنات كما مر مراراً أيضًا، وكذا بعدد أجزاء التراب. إذ أي جزء من التراب تراه يصلح لحصول ما لا يعد من المصنوعات المنتظمة المتنوعة.
فسبحان من تَنَزّه عن الأشباه ذاته،
وتقدست عن مشابهة الأمثال صفاتُه،
ودلّت على وحدانيته مصنوعاته،
وشهِدت بربوبيته آياته،
وأحاط بكل شيء علمُه وقدرته،
جل جلاله،
ولا إله إلا هو.


