حباب

136. صفحة

 

بسـم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ لله ربّ العالَمينَ.

والصَّلاةُ والسَّلامُ على سيّد المُرسلينَ، وعلى آلهِ وَصَحبهِ أجمَعين.

اعلم أيها المؤمن المصلي الذاكر، إذا قلت: “أشهدُ أن لا إلهَ إلا الله” أو “محمدٌ رسولُ الله” أو “الحمد للهمثلاً: حكمتَ بحكمٍ، ادّعيتَ دعوى، وأعلنت اعتقادًا، يشهد لك في دعواك في آن تلفظك ملايين، وقبلك ملايين ملايين من المؤمنين المتكلمين بما تكلمت به؛ كأنهم يصدّقونك، وكذا يؤيدك في دعواك، ويُثبت حكمَك ويزكّي شهداءك، كلُّ ما قام على صدق الإسلامية([1])، وكلُّ ما أثبت حُكمًا من أحكامها، وكلُّ ما استند عليه جزءٌ من أجزاء قصر الإسلام من الشواهد والبراهين ومسامير الدلائل، وكذا اندمج في ملفوظك وتوضَّعَ عليه أمرٌ عظيم، ويُمنٌ جسيمٌ من الفيوضات والبركات القدسية، وكذا اتصل بملفوظك وأحاطَ به معنىً جاذب، وروحٌ جالب من شرارات جَذَبات توجهات جمهور المؤمنين، ومن رشاشات رشحات رشفات قلوب الموحّدين الشاربين ماء الحياة من عيون تلك الكلمات المباركة.

اعلم أنَّه قد تقرر في الأصول: “إنَّ الْمُثْبِت يرجَّح على النافي”، وسرّه أنَّ النفي ينحصر في موضعه، والإثباتُ يتعدى، ولو نفى ألفٌ، وأثبت ألفٌ كان كلٌّ من المثبتين كألفٍ، بسرّ: أنَّه إذا رأى واحدٌ الشمسَ من مشكاةٍ، وآخر من أخرى، وهكذا؛ فكلٌّ يؤيد كُلاًّ، لاتحاد المرئي والمشهود مع تعدد المناظر، وإذا لم يره واحدٌ لعدم المشكاة، وآخر لضعف البصر، وآخر لعدم النظر، وهكذا فقوةُ كل في نفسهِ فقط، والانتفاءُ عنده لا يدل على الانتفاء في نفس الأمر، فلا يؤيد أحدٌ أحدًا لاختلاف الأسباب مع تعدد المدَّعى؛ لأنَّ الانتفاء مقيّدٌ عند النافي بـ“عندي” مثلاً.

فإذا تفهّمت هذا السر؛ فاعلم أنَّ اتفاق كلِّ أهل الضلالة والكفر على نفي مسألةٍ من المسائل الإيمانية، فاتفاقهم لا تأثير فيه، بل كحُكم واحدٍ، مع أنَّه حجةٌ قاصرة




137. صفحة

ينحصر على النافي فقط، وأما اتفاقُ أهل الهدى على المسائل الإيمانية فكلٌّ يتأيد بكلّ، كأن الكلَّ شواهد كلِّ واحدٍ.

اعلم أنَّه كما أنَّ الأجزاء والأحجار في البناء المتساند، يستند كلُّ واحدٍ بقوة الكل، ويزول ضعفُ كل بتساند الكلِّ، كأن الكلَّ عَوَنَةُ([1]) كلّ واحدٍ ومساميره، وأيضًا كما أنَّ الأغصان والأثمار في الشجرة تستند معرفةُ صفاتِ كل واحدٍ بالكلّ، فكلٌّ للكلِّ معرِّفٌ، كأنَّ كلَّ واحدٍ لكلِّ واحدٍ منفذٌ نظّار، ولمعرفته معيار، كذلك إنَّ تفاصيل لمعات الإيمان والإسلام ومسائلهما يستند كلُّ جزئي بقوة الكل، فبازدياد التفاصيل والجزئيات يزداد وضوح فهم كل جزء وقوة معرفة كل جزئي، وإذعان كل حكم، وإيقان كل مسألة، ومع كل ذلك، فالنفسُ الشيطانة تعكس فتنتكس، فتزعم ضعفَ الجزء، سببَ ضعف الكل.

اعلم أنَّ كل جزء من كل الكون واحد قياسيّ لإمكانات سائر الأجزاء، وبالعكس، فأجزاء الكائنات مقاييس للإمكانات بينها كلٌّ لكلٍّ.

اعلم أنَّ أصغر جزءٍ؛ من أعظم كلٍّ يحتاج إلى ما يحتاج إليه كل الكل كمًّا، فالثمرةُ تحتاج إلى كلّ ما يحتاج إليه كل الشجرة، فخالق الثمرة بل حجيرة([2]) من حجيراتها لا بد أنْ يكون خالق الشجرة، بل خالق الأرض، بل خالق شجرة الخلقة.

اعلم أنَّ المسألة التي طرفاها في غاية التباعد، كل طرف كنواة تسنبلت وأشجرت وتفرعت، لا بد ألاَّ تتوضّع عليها الشكوك والأوهام؛ إذ التباس نواة بنواة ممكن ما بقيت النواةُ نواةً مستورة، وأما إذا صارت شجرة وأثمرت، ثم شككتَ في جنس النواة شهدت الثمراتُ عليها، ولو توهمتها غيرها، كذّبتْكَ تلك الثمرات.

مثلاً: لا يتيسر لك فرضُ النواة التي انقلبت شجرة التفاح نواةَ حنظلةٍ، إلا بتوهمها إياها، أو تبديل كل ما أثمرت من التفاحات حنظلات وهو محال.





138. صفحة

النبوة نواةٌ، أنبتت شجرةَ الإسلامية بأزاهيرها وثمراتها، والقرآنُ شمسٌ أثمرت سياراتِ([1]) أركان الإسلامية الأحد عشر.

اعلم أنَّه كما أنَّ مَنْ يرى قشر بيضة انقشعت عن طير همائي([2]) تكمَّل وطار في السماء، ثم يتحرى ما يسمع من كمالاتِ ذلك الطير الطائر في فضاء العالَم في تلك القشرة اليابسة، لابد أنْ يغالط نفسه، أو يكذّب، وكذا لو نظر إلى فلقتَي نواةٍ انكشفت عن شجرةٍ تكمّلت وأثمرت، ومدّت أغصانها في جو السماء، ثم تحرّى ما قرع سمعه من عظمتها وثمراتها وأزهارها في تلك القشرة المطروحة في التراب، لابد أن يتبلّه أو ينكر؛ كذلك إنَّ مَنْ نظر إلى صورة ما نقله التواريخ من مبادئ ظهور نبيّنا عليه الصلاة والسلام نَظرًا ماديًّا وسطحيًّا وصوريًّا، لا يتيسر له دركهُ وتقديرُ قيمته ومعرفة شخصيته المعنوية؛ بل لا بد أنْ ينظر إلى ما نقله التواريخ والسِير بنظر قشر رقيقٍ، انشقَّ عن قَمري -كقمر- في جو الملكوت، ويرى ما يرى من لوازم البشرية، والأحوال الصورية كقشر نواة انكشفت منها شجرة طوبى المحمدية، التي تُسقى بماء الفيض الإلهي، وتنمو بإمداد الفضل الرباني على مرّ الدهور، فكلما مرّ على سمعه شيء من الأحوال الصورية والمبدئية، فلا بد ألاَّ ينحبسَ عليه ذهنهُ، بل ليرفع رأسه بسرعة وفي كل مرة منه إلى ما ترقى وتصاعد إليه الآن مما لا يدرك منتهاه.

وكذا إنَّ ممّا يُشِطُّ([3]) النظر لا سيما نظر المتحري الشاك، أنَّه لا يفرق بين المصدرية والمظهرية، وبين المنبعية والمعكسية، وبين المعنى الاسمي والحرفي، وبين الذاتي والتجلّي، فكونه عليه السلام عبدًا محضًا، وأعبدَ خلق الله لله؛ يستلزم أنْ يُنظر إليه بأنَّه مَظهرٌ ومَعكَسٌ لتجلياته تعالى، وكل ما فيه من الكمالات من فيضه تعالى.

نعم؛ قد ذكرنا مرارًا أنَّ الذرة لا تسع مصدرية ولو رأس ذبابة، ولكن تسع مظهرية ولو نجوم سماوات، ونظر الغفلة ينظر أولاً وبالذات إلى الذاتي والاسمي والمصدرية، فيتوهم الصنعة الإلهية طبيعة طاغوتية.






139. صفحة

اعلم أنَّ الدعاء أنموذج لأسرار التوحيد والعبادة؛ إذ الداعي في نفسه خُفيةً، لا بد أنْ يعتقد سماع المدعو لهواجس نفسه وقدرته على تحصيل مطلبه، فيستلزم هذا الاعتقاد اعتقادَ أن المدعو عليمٌ بكل شيء، وقديرٌ على كل شيء.

اعلم أنَّه كما يمكن دخول هذه الشمس -سراج العالم- في عين الذباب بالتجلي فتتنور، ولا يمكن دخول شرارة من كبريتٍ في عينها بالأصالة، بل لو دخلتْ لانطفت العين، كذلك يمكن بل يجب مظهرية كل ذرة لتجليات أسماء شمس الأزل، ولا يمكن بل يمتنع أنْ تكون ذرةٌ مصدرًا وظرفًا لمؤثر حقيقي، ولو كان أصغر وأقل من الذرة.

اعلم يا “أنا” المتمرد المغرور المتكبر، انظر إلى درجة ضعفك وعجزك وفقرك ومسكنتك! إذ يبارِزك

ويصارعك - فتخرّ صعقًا - الْحُوَينُ([1]) الذي لا يُرى إلاّ بتكبيره مرات ودرجات.

اعلم، ومن صِغر الإنسان أنَّه يجول في خردلة حافظته([2])، وتصير تلك الخردلة عليه كصحراء عظيمة يسري دائمًا ولا يقطعها إلى جانب، فقس درجة مَن يسري دائمًا ولا يتم دَورَ خردلةٍ، ومع أنَّ الخردلة الحافظة تصير كصحراء عظيمة على عقل الإنسان، كذلك يصير ذلك العقل كبحر يبتلع الدنيا. فسبحان مَن جعل الخردلة لعقل الإنسان كالدنيا، وجعل الدنيا له كخردلة!.

اعلم أنَّ مِنْ أشد ظلم البشر إعطاء ثمرات مساعي الجماعة لشخصٍ، وتوهم صدورها منه، فيتولد من هذا الظلم شركٌ خفيٌ؛ إذ توهّم صدور محصّل كسب الجماعة، وأثَر جُزئهم الاختياري من شخصٍ، لا يمكن إلا بتصور ذلك الشخص ذا قدرة خارقة ترقت إلى درجة الإيجاد، وما آلهة اليونانيين والوثنيين، إلاّ تولدت من أمثال هذه التصورات الظالمة الشيطانية.





140. صفحة

اعلم أنَّ الإنسان كدوائر متداخلة متحدة المركز. ففي دائرةٍ: لباسه جسمهُ، وفي أخرى: بلدهُ، وفي أخرى: وجه الأرض، وفي أخرى: عالم الشهادة وهكذا، ولكنه لا فعلَ ولا تأثير له إلا في الدائرة الصغرى، وفيما سواها من الدوائر عاجزٌ مسكين، منفعلٌ وقابل لأخذ الفيض فقط. لو تَفَعَّل ما فعل إلاَّ تغييرَ صورة الفيض بالقصور والنقصان اللذين هما من ألوان العدم.

اعلم أنَّ في الذاكر لطائف مختلفة في الاستفاضة؛ فاستفاضة بعضها يتوقف على شعور العقل والقلب، واستفادة بعضٍ لا شعوري تحصل من حيث لا يُشعر، فالذكر مع الغفلة أيضًا لا يخلو من الإفاضة.

اعلم أنَّ الله خلق الإنسان في تركيب عجيب، ووحدةٍ في كثرة؛ بسيطٌ وهو مركب، فردٌ وهو جماعة، له أعضاء وحواس ولطائف، لكل في ذاته ألمٌ ولذة مع تألمه وتلذذه من انفعالات الكل وتأثرات أخواته؛ بدليل سرعة التعاون والإمداد بينها، فمن حكمة هذه الخلقة جعل الإنسان مظهرًا لأنواع اللذائذ ولأقسام النِعَم ولأصناف الكمال - لاسيما في الآخرة - إنْ سلكَ في سبيل العبودية. وكذا جعله محلاً لأنواع الآلام ولأشكال العذاب ولأقسام النقم، إنْ ضلَّ في طريق الأنانية، فألمُ وَجَع السنِّ غيرُ ألم وجع الأذن، ولذةُ العينِ غير لذة اللسان، واللمس والخيال والعقل والقلب وهكذا.

اعلم أنَّ كثرة فوائد عدم تعيّن الآجال؛ دليل نيِّر على تعيُّنها في علم الباري، ولو تعينت لَتوهِّمَ عدمُ تعيُّنها من جهة العلم بتوهم تفويض تَعيّنها على القانون الفطري، وإذ لم تتعين فيما بين الحدين المعيّنين؛ لا حقّ للوَهم أنْ يدّعي عدمَ التعيّن.

اعلم أنَّ الذكر من شأنه أنْ يكون من الشعائر، والشعائر أرفع من أن تنالها أيدي الرياء.

اعلم أنَّ تكرار كلمة التوحيد؛ لتجريد القلب من أنواع العلاقات، وطبقات المعبودات الباطلة، ولأَنَّ في الذاكر أنواعًا من لطائف وطبقاتٍ من حواس؛ لكلٍّ توحيدٌ وتجريدٌ من الشرك المناسب له.


141. صفحة

اعلم أنَّ الفاتحة المقروءة، مثلاً؛ لا تفاوتَ بين إهداء مثل ثوابها لواحدٍ، ولألوفٍ، أو لملايين، كمثل الكلمة الملفوظة، سواءٌ في استماعها الفردُ والألوفُ، لسرٍّ لطيف في سرعة التناسل والاستنساخ في اللّطيف، ولرمزٍ شريفٍ في التكثر مع الوحدة في النوراني، كمصباح قابلته مرآة فردٍ، أو ألوف من المرايا.

اعلم أنَّ الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام كإجابة دعوة المنعم الذي أفاضَ فيضه، وبسطَ مائدة إنعامه على مقام صاحب المعراج. وإذا وصف المصلّي النبيَ بصفةٍ، لا بد أنْ يتأمل في مناط تلك الصفة ليشتاق المصلي لصلاة جديدة.

اعلم أيّها العالم الديني، لا تحزن على عدم الرغبة في علمك وقلّة أجرتك؛ إذ المكافأة الدنيوية تنظر إلى جهة الاحتياج، لا إلى درجة القيمة الذاتية؛ إذ جهة المزية الذاتية ناظرة إلى المكافأة الأخروية، لا يجوز لك أن تشتري بها ثمنًا قليلاً من متاع الغرور.

اعلم أيّها المحرّر والخطيب العمومي بلسان الجريدة، لك أنْ تتواضع وتهضم نفسك وتعلن قصورك تندمًا، ولا حقّ لك أنْ تتمرد بالتجاهر بما يضاد شعائر الإسلام، فكيف جاز لك، ومَن وكّلَكَ، وبأيّ حقّ تتجاسر على إعلان القصور الديني، بل إشاعة الضلالة بحساب المِلَّة([1]) وباسم الأمة، وتظن الملة على قلبك الضال؟!

فلا يجوز لأحدٍ -فضوليًّا- أنْ يهضم نفسَ غيره حتى نفسَ أخيه. فمن أين جاز لك أنْ تزيِّفَ([2]) عامة المِلَّة الإسلامية([3]) بإساءة الظن بهم بإعراضهم عن الشعائر الإسلامية، ولا ريب أنَّ نشر ما لا يقبله جمهور المؤمنين في الجرائد العمومية من المستحدثات دعوةٌ إلى الضلالة، فناشرها داعٍ إلى الضلالة، فلا يُجاب بالضرب على فمه فقط، بل يُعنّف بالأخذ على يده([4]).

اعلم أنَّ الكفار لاسيما الأوروبيون ولاسيما شياطين في إنجلترا وأباليس الفرنك([5])، أعداءٌ ألدّاء، وخصماء معاندون أبدًا للمسلمين وأهل القرآن بسر: أنَّ





142. صفحة

القرآن حَكَم عليهم وعلى آبائهم وأجدادهم بالإعدام الأبدي، فهم محكوم عليهم بالإعدام أبدًا، والحبس في جهنم سرمدًا بنصوص ذلك القرآن الحكيم، فيا أهل القرآن كيف توالون مَن لا يمكن أنْ يوالوكم أو يحبوكم أبدًا؟. فقولوا: ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣] ﴿نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنفال:٤٠].

اعلم أنَّ الفرق بين مدنية الكافرين ومدنية المؤمنين:

أنَّ الأولى: وحشةٌ مستحالة ظاهرها مزيّن، باطنها مشوّه، صورتها مأنوسة، سيرتها موحشة.

وأما مدنية المؤمنين باطنها أعلى من ظاهرها، معناها أتمّ من صورتها، في جوفها أنسية وتحبب وتعاون.

والسر أَنَّ المؤمن بسر الإيمان والتوحيد يرى أخوةً بين كل الكائنات، وأنسية وتحببا بين أجزائها، لاسيما بين الآدميين ولاسيما بين المؤمنين، ويرى أخوةً في الأصل والمبدأ والماضي، وتلاقيًا في المنتهى، والنتيجة والمستقبل.

وأما الكافر فبحكم الكفر له أجنبية ومفارقة بل نوعُ عداوةٍ مع كل شيء لا نفع له فيه، حتى مع أخيه؛ إذ لا يرى الأخوة إلاّ نقطة اتصال بين افتراق أزلي ممتد، وفراق أبدي سرمد؛ إلاّ أنَّه بنوع حميّةٍ ملّية([1]) أو غيرة جنسية([2]) تشتد تلك الأخوة في زمان قليل، مع أنَّ ذلك الكافر لا يحب في محبة أخيه، إلا نفس نفسه.

وأما ما يُرى في مدنية الكفار من المحاسن الإنسانية والمعالي الروحية، فمن ترشحات مدنية الإسلام، وانعكاسات إرشادات القرآن وصيحاته، ومن بقايا لمعات الأديان السماوية.

فإن شئت فاذهب بخيالك إلى مجلس “سيدا”([3]) قدّس سره في قرية “نورشين([4])”، وما أظهرت من المدنية الإسلامية بصحبته القدسية، تَرَ فيها ملوكًا في زي الفقراء





143. صفحة

وملائكة في زي الأناسي، ثم اذهب إلى “باريس” وادخل في لجنة الأعاظم تَرَ فيها عقارب، تلبسوا بلباس الأناسي، وعفاريت تصوروا بصور الآدميين، وقد بينتُ الفروق بين مدنية القرآن والمدنية الحاضرة في “لمعات” و“السانحات” فراجعهما لترى فيهما أمرًا عظيمًا، تغافل عنه الناس.

اعلم يا من يطلب الاجتهاد في مسائل الدين في هذا الزمان، أنَّ باب الاجتهاد مفتوح، لكن لا يجوز لكم الدخول فيه لستة أمور:

فأولاً: لأنَّ عند هبوب العاصفات في الشتاء تُسَدّ المنافذ الضيقة، فكيف تُفتح الأبواب؟ وعند إحاطة سيل المنكرات والبدعيات وتهاجم المخرّبات لا يُشق الجدار بفتح منافذ.

وثانيًا: إنَّ الضروريات الدينية التي لا مجال للاجتهاد فيها، والتي هي في حكم الغذاء والقوت للمسلمين قد أهملت وتزلزلت، فلابد من صرف كل الهمّة([1]) لإقامتها وامتثالها وإحيائها، ثم بعد اللَّتَيَّا والتي([2]) تَمَسّ الحاجة إلى الاجتهاد في النظريات التي توسعت باجتهادات السلف، بحيث لا يضيق عن حاجات كل الزمان.

وثالثًا: إنَّ لكل زمان متاعًا مرغوبًا، يشتهر في سوقه تُجلب إليه الرغبات وتُوجَّه وتنجذب الأفكار إليه، كالسياسة وتأمين الحياة الدنيوية الآن، وكاستنباط مرضيّات خالق العالم من كلامه، وتأمين السعادة الأبدية في زمان السلف، فلأجل توجُّه الأذهان والقلوب والأرواح في الجمهور إلى معرفة مرضيات ربّ السماوات والأرض في ذلك الزمان، صار كل مَن له استعداد جيد يتدرّس([3]) قلبهُ وفطرتهُ من حيث لا يشعر من كل ما يجري في ذلك الزمان من الأحوال والوقوعات والمحاورات، كأن كلَّ شيء معلّمٌ يلقّن فطرته استعدادًا إحضاريًّا للاجتهاد، حتى يكاد زيت ذهنه يضيء ولو لم تمسسه نارُ كسب، فإذا توجه إلى الاجتهاد صار له نورٌ على نور.





144. صفحة

وأما الآن فلتشتت الأفكار والقلوب، وانقسام العناية والهمة، وتحكّم السياسة والفلسفة في الأذهان، لا يمكن لمن كان في ذكاء “سفيان بن عيينه([1]) مثلا أنْ يحصِّل الاجتهاد إلاَّ بعشرة أمثال وقت ما حصل سفيان الاجتهاد فيه؛ إذ إنَّ سفيان يبتدئ تحصيله الفطري من حين التمييز، فيتهيأ استعدادهُ كالكبريت للنار، وأما نظيره الآن - فبسر ما مرّ آنفًا - يتباعد استعداده بدرجة تبحّره في الفنون([2]) الحاضرة ويتقاسى عن قبول الاجتهاد بدرجة تغلغله في العلوم الأرضية.

ورابعًا: إنَّ ميل التوسيع والاجتهاد إنْ كان من الداخلين بحق في دائرة كمال الإسلام بمظهرية التقوى الكاملة وامتثال الضروريات، يكون ذلك الميل كمالاً وتكملاً، وأما إنْ كان ممن يهمل الضروريات ويرجّح الحياة الدنيوية على الآخرة يصير ذلك الميل ميلَ تخريبٍ، ووسيلةً لحل ربقة التكليف عن عنقه.

وخامسًا: إنَّ المصلحة حِكمة مرجّحة، وليست بعلّة للحُكم، ونظرُ هذا الزمان يصيِّر المصلحة علّة للحكم.

وكذا نظرُ هذا الزمان يتوجه أولاً وبالذات إلى السعادة الدنيوية، مع أنَّ نظر الشريعة متوجه أولاً وبالذات إلى السعادة الأخروية، وثانيًا وبالعرض إلى الدنيا من حيث هي وسيلة الآخرة.

وكذا أنَّ كثيرًا من الأمور التي ابتلي الناسُ بها، وعمّت البليةُ بها حتى صارت من “الضروريات”؛ فلتولدها من سوء الاختيار، ومن الميول غير المشروعة “لا تبيح المحظورات” ولا تصير مدارًا للأحكام الرُّخصية، كما أنَّ مَن سَكر بشرب حرامٍ لا يُعذر في تصرفاته في حالة السُكر.


[1] سفيان بن عيينة بن أبى عمران الهلالي أبو محمد من الموالي، وهم إخوة خمسة بنو عيينة حمل عن خمستهم العلم عدادهم جميعا في أهل مكة ومولدهم كلهم بالكوفة انتقل سفيان إلى مكة وكان مولده سنة سبع ومائة ليلة النصف من شعبان، جالس الزهري وهو بن ست عشرة سنة وشهرين ونصف، مات بمكة يوم السبت آخر يوم من جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين ومائة وكان سفيان رحمه الله من الحفاظ المتقنين وأهل الورع في الدين ممن عنى بعلم كتاب الله وكثرة تلاوته له وسهره فيه عنى بعلم السنن وواظب على جمعها والتفقه فيها إلى أن مات، قال الشافعي: لولا مالك وابن عيينة لذهب علم الحجاز. وقال أحمد بن حنبل: ما رأيت أحداً أعلم بالسنن من ابن عيينة.

 

 




145. صفحة

وهكذا فالاجتهادات بهذا النظر في هذا الزمان تصيرُ أرضية، لا سماويّة، فالتصرف في أحكام خالق السماوات والأرض وفي عباده بلا إذنه مردود.

مثلاً: يَستحسن بعض الغافلين الخطبة بالتركية لتفهيم السياسة الحاضرة لعامة المسلمين، فهذا الغافل المسكين لا يعلم أنَّ السياسة الحاضرة بكثرة الكذب والحيلة والشيطنة فيها صارت كأنها وسوسة الشياطين، فلا حقّ لهذه الوسوسة السياسية أنْ ترتقي إلى مقام تبليغ الوحي.

وكذا لا يَفهم هذا الجاهل أنَّ أكثر الأمة إنما يحتاجون لإخطار الضروريات وتذكير المسلّمات والتشويق على امتثال الحقائق المتعارفة بين المؤمنين، من أركان الإيمان والإسلام ومراتب الإخلاص والإحسان، فبكثرة التسامع يتساوى العوام والعلماء في التذكر والتخطر بسماع القرآن؛ إذ العجمي يفهم المآل([1]) إجمالاً وإنْ لم يعرف المعنى.

وكذا لا يعقل ذلك الغافل أنَّ عربية الخطبة وَسْمٌ سماوي مسدّد ومُزيَّن في سماء وحدة الإسلام، وبالتغيير يصير وَشمًا مشتِّتًا مشينًا([2]).

اعلم يا من أحاط به الغفلة وأظلمت عليه الطبيعة حتى صار “أعمى وأصم” يعبد الأسباب في ظلمات الطبيعة الموهومة، أنِّي أترجم لك لسانًا واحدًا من خمسة وخمسين لسانًا يتكلم بها كلُّ واحدٍ من مركَّبات الكائنات وذراتها شاهدات على وجوب وجوده تعالى ووحدته في ألوهيته وربوبيته جل جلاله([3])، وهو أنَّ اضطرابات الأرواح والعقول الناشئة من ضلالاتها الناشئة من استنكاراتها الناشئة من الاستبعاد والاستغراب والحيرة في إسناد الأشياء إلى أنفسها، وإلى الأسباب الإمكانية تلجئ الأرواح والعقول للفرار إلى الواجب الوجود الواحد الأحد الذي بقدرته يحصل إيضاح كل مشكل، وبإرادته يحصل فتح كل مغلق، وبذكره تطمئن القلوب.

فإنْ شئت تحقيقه فانظر إلى هذه الموازنة وهي: أنَّ الموجودات إما فاعلها جانبُ




146. صفحة

الإمكان والكثرة وإما جانبُ الوجوب والوحدة، فما يُتوهم بقصور النظر من الكلفة والاستبعاد والاستغراب في إسناد كل شيء إلى الواجب الوجود يصير محققًا عند عدم الإسناد إليه، فتلك الأمور الموهومة عند الإسناد إليه تصير محققة عند الإسناد إلى الكثرة، لقصور أي سبب كان، وضعفه عن تحمل أي مسبَّب كان في جانب الكثرة دون الوحدة، فما يُتوهمُ هناك، متحقق هنا.

ثم بعد هذا تتضاعف الكلفة والاستبعاد والاستغراب عدد أجزاء الكائنات مع أنَّها في الإسناد الأول كانت واحدة موهومة وصارت هنا حقيقة متضاعفة عدد أجزاء الكائنات؛ إذ في الإسناد إليه تعالى نسبةُ كثيرٍ غير محدود إلى واحدٍ مباين الماهية لها، وفي جانب الكثرة نسبةُ واحدٍ إلى كثير غير محدود متماثلة الماهية؛ إذ النحلة مثلاً، لو لم تُسند إلى الواجب الواحد، لزِمَ اشتراك السماوات والأرض في إيجادها لعلاقتها بأركان العالم، مع أنَّ صدور الكثير عن الواحد أسهلُ بمراتب من صدور الواحد عن الكثيرين المتشاكسين الصُّم العمي الذين لا يزيد اختلاطُهم إلاّ عماهم وصممهم.

ثم مع ذلك أنَّ الكلفة لو كانت في الإسناد الأول مثل ذرة، تترقى في الإسناد الثاني إلى أمثال الجبال؛ إذ الواحد بالفعل الواحد يحصل وضعية ونتيجة للكثير، لا يتيسر للكثير لو أحيلت عليهم أنْ يحصلوا تلك الوضعية، أو يصلوا إلى تلك النتيجة إلاّ بأفعال كثيرة وتكلفات عظيمة؛ كالأمير مع نفراته، والفوارة مع قطراتها، والمركز مع نقاط دائرته.

ثم مع ذلك إنَّ الاستبعاد والاستغراب الموهومَين في الإسناد الأول، ينقلبان في الإسناد الثاني إلى محالات متسلسلة.

من بعض المحالات: فرض صفات الواجب في كل ذرة؛ إذ كمال الصنعة ونقوشها وإتقانها تقتضي علمًا محيطًا، وبصرًا مطلقًا، وقدرة تامةً وإرادةً شاملةً.

ومنها فرض شركاء غير متناهين في الألوهية والوجوب اللذين لا يقبلان الشركة أصلاً؛ إذ لو لم تُسند الأشياء إلى الواحد الواجب، للزم أنْ يكون لكل واحدٍ وفي ضمنه واحد من الآلهة.


147. صفحة

ومنها فرض كل ذرة حاكمًا على الكل، ومحكومًا للكل ولكل، كالأحجار في البناء المعقد لو انتفى الباني، لزِمَ أنْ يكون كل حجر كالباني عالِمًا حاكمًا مهندسًا بانيًا؛ إذ النظام والانتظام والإتقان والحِكمُ هكذا تقتضي، لا محل للتصادف فيها.

ومنها فرض الشعور المحيط والعلم التام والبصر المطلق في كل ذرة وسبب؛ إذ الموازنة والتناظر والتساند والتعاون يقتضي شعورًا محيطًا وبصرًا مطلقًا وهكذا من الصفات المحيطة، فلو أسندت الأشياء إلى أنفسها لزم تصوّر هذه الصفات في أنفسها، ولو أسندت إلى الأسباب لزم تصور هذه الصفات في أسبابها، بل في كل ذرة من ذراتها وهكذا من المحالات المتسلسلة والممتنعات العقلية والأباطيل التي تمجها الأوهام.

وأما إذا أسندت إلى صاحبها الحقيقي وهو صاحب مرتبة الوجوب والوحدة، لا يلزم إلاّ أن تصير الذرات ومركباتها - كقطرات المطر الحاملة لتماثيل الشمس بالانعكاس - مظاهر لتجليات لمعات القدرة النورانية المطلقة المحيطة الأزلية غير المتناهية، المستندة بل المتضمنة للعلم والإرادة الأزليين غير المتناهيين، وهي القدرة التي شهدت عليها معجزات المخلوقات التي لمعتها الفذة أجلّ من شمس الإمكان والكثرة بسر التجزؤ والتوزيع والانقسام في جانب الإمكان والكثرة، دون جانب الوجود والوحدة، وإنَّ ذرةَ تلك القدرة أعظم من جبال الأسباب، بسر أن جزء تجلي النوراني مالكٌ لخاصية الكل، كأن الكلّ كليٌّ، ولو في جانب الإمكان، حتى ترى الشمس بتمامها في ذرة زجاجية، فكيف نور الأنوار المتظاهر من جانب الواجب الوجود الواحد الأحد؟!

فالفرق بين الإسناد الأول والإسناد الثاني، كالفرق بين تجلي الشمس بخاصيتها في قطرة بل في ذرة بالتجلي، وبين دعوى وجود شمس بالأصالة في تلك القطرة؛ ومحالية هذه الدعوى أظهر من أن تُخفى، ومع كل ذلك لا كلفة ولا معالجة ولا تَعَمّلَ في عمل تلك القدرة المجهولة الأزلية، بل تتساوى بالنسبة إليها الذراتُ والنجوم والجزء والكل والفرد والنوع والقليل والكثير والصغير والكبير وأنتَ والعالم والنواة والشجرة.

والسر في أنَّه لا كلفة بالنسبة إليها؛ أنَّ تلك القدرة لازمة ذاتية ضرورية ناشئة للذات الأزلي، فلذاتيتها محالٌ تداخل ضدّها في ما بينها. فإذ لا عجزَ فلا مراتب فيها

148. صفحة

فإذ لا مراتب فيها تتساوى بالنسبة إليها أصغرُ الأشياء وأعظمها.

فإنْ شئت تقريب هذه الحقيقة إلى الفهم بتمثيلات في دائرة الإمكان والكثرة، فاستمع مثلا ﴿وَللهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ﴾ يتساوى في أخذ تجلي الشمس في تمثالها الذراتُ الزجاجية، والبحور الأرضية، والسيارات السماوية بسر “الشفافية”، وإنَّ المصباح المركزي للمرايا المحيطة يتساوى بالنسبة إلى المصباح زجاجةٌ من زجاجات أصغر دائرة، ومجموع الزجاجات في أكبر الدائرة، بسر “المقابلة”، وإنَّ النور والنوراني تتساوى بالنسبة إلى الاستضاءة والاستفاضة، الواحدُ والألوفُ لا تزاحم فيه بسر “النورانية”، فلنوع نورانيةٍ في لطافة الكلمة يتساوى في الاستماع الواحدُ والألوف، ومثلاً: إنَّ الميزان الحساس بدرجةٍ يتحسس بذرة، لو كان في كفتيه شمسان أو جوزتان، ما تفاوت بين رفع كفةٍ إلى الثريا وكفة إلى الثرى، بوضع جوزة أخرى في كفة بسر “الموازنة”، ومثلاً: إنَّ أعظم السفن لا يتعسر سوقها وتحريكها على صبي كما لا يتعسر عليه تحريك سفينته التي هي ملعبته في كفه، أو تحريك ساعته بسر “الانتظام”، ومثلاً: إنَّ القائد لا فرق في أمره بـ“آرش”([1]) بين نفر وفيلق، يتساوى في التحريك والتحرك النفرُ، وكلّ العسكر بسر التزام “الامتثال”، ومثلاً: إنَّ الماهية المجردة في الأنواع والكليات، يتساوى بالنسبة إليها فردٌ من أصغر الأفراد وأكبرُ الأفراد وكلّ الأفراد غير المحدودة بسرّ “التجرد”، وهكذا من الأمثلة الدالة على أنَّه يمكن عدم التفاوت بين القليل والكثير والصغير والكبير بالنسبة إلى شيء.

فبسر “شفافية” الملكوتية في كل شيء، وبسر “مقابلة” وجه كل شيء للقدرة، وبسر “نورانية” تلك القدرة، وبسر “الموازنة” الإمكانية، وبسرّ “الانتظام” بقوانين القضاء والقدر، وبسر “امتثال” كل ذرة من ذرات الكائنات بكمال الشوق واللذة للأوامر التكوينية المندمجة في أمر “كن”، وبسرّ “تجرد” الواجب الوجود عن الماديات، فبهذه الأسرار الستة يتساوى بالنسبة إلى قدرته إحياء البعوضة وإحياء الأرض وخلق النحلة وخلق السماوات والأرض وإيجاد الذرة وإيجاد الشمس، بل إنَّ التساوي وعدم التفاوت ثابت بالحدس القطعي والمشاهدة؛ إذ تلك القدرة المجهولة بماهيتها، والمعلومة





149. صفحة

بمعجزاتها تفعل بمثل غصن دقيق - كخيط رقيق - أمثال العناقيد التمرية والعنبية وغيرهما، تلك الخوارق الحيوية التي لو أحيلت صنعتها على الأسباب لاحتاجت إلى ما لا يحد من التكلفات، وتتجلى تلك القدرة بجلوات([1]) الوجود في سمّ الخياط على الشفافات والعيون الناظرة إلى الخيال بالتماثيل البرزخية، لو أحيلت على الأسباب لامتنعت أو لاحتاجت إلى ما لا يحد من المعالجات.

الحاصل: إنَّ ما يُرى من إيجاد القدرة للأشياء الحيوية والوجودية والنورية يدل على “أمور ثلاثة”:

الأول: إنَّ الوسائط والأسباب الظاهرية حُجُبٌ ضعيفة وضِعَت لمحافظة عزة القدرة في المباشرة الظاهرية في وجه المُلك الكثيف الخسيس فقط.

والثاني: إنَّ الحياة والوجود والنور - لشفافية وجه مُلكها كملكوتيتها - ما وضعت الحُجُب الكثيفة على يد القدرة، بل ترقرقت الوسائط فيها.

والثالث: لا تكلّف ولا تَعمّل ولا معالجة في تأثير تلك القدرة؛ إذ من يصنع بنواة تينةٍ، شجرة تينة بعظمتها، وبخيط دقيق عنقودًا من حبات العنب، وكل حبة فيها ما فيها؛ لا يتعسر عليه شيء، ولا ريب في الحقيقة أنَّ ظهور صاحب تلك القدرة الأزلية أشد بمراتب من ظهور الكائنات؛ إذ كل مصنوع دلالته على نفسه بوجوه قليلة مرئية، وعلى صانعه بوجوه كثيرة مشهودة وعقلية وغيرهما. وأي مصنوع كان لو أحيل على الأسباب، واجتمعت عليه الأسباب الأرضية والسماوية لم يَأتُوا بمِثلِهِ وَلَو كانَ بعضُهَمْ لبَعضٍ ظهيرًا؛ إذ حبة نواة في حبة تينة ليست بأقل جزالة من شجرة تينة، وليس الإنسان أقل جزالة وأدنى صنعة من الأرض، فالقدرة التي أوجدت النواة والإنسان لا يتعسر عليها إبراز الشجر والعالم.

فيا مَنْ ضلّ بالاستبعاد والاستغراب والحيرة والاستنكاف في جانب الحق، قد سمعت بهذه التحقيقات أنَّ الاستبعاد بلا نهاية، والاستغراب بلا غاية، والحيرة بلا حد، وتحقق الكلفة بما لا يحصى مع محالات عجيبة، فقد سمعتَها موجودة في جانب باطلك


 




150. صفحة

الذي ابتليت به من نسبة الأشياء بالأصالة إلى أنفسها وأسبابها، فاضطرابات الأرواح والعقول الناشئة من هذه الضلالة؛ تلجئ القلوب إلى الفرار بالتسليم إلى الواجب الوجود الواحد الأحد الذي لا يحصل إيضاح شيء من الأشياء إلاّ بإضافته إلى قدرته، ولا يحصل فتح شيء من المغلقات إلاّ باتصاله بإرادته، ولا يطمئنُّ قلبٌ ولا يستقر يقينٌ في مسألة من المسائل إلاّ بربطها بذكره واسمه جل جلاله.

اعلم أن ميدان اشتغال الإنسان، ومساير جولان الهمة، أوسع من أن يُحاط به، فقد يجول في ذرة، ويسبَح في قطرة، وينحبس في نقطة، مع أنَّه قد يضع العالَم نصب عينيه، وقد يُدخل الكائنات في عقله حتى يتطاول إلى رؤية الواجب الوجود ومشاهدته، فقد يكون الإنسان أصغر من ذرة، وقد يصير أكبر من السماوات، فيدخُلُ في القطرة مع أنَّه يدخل فيه الفِطرةُ بأنواعها وأركانها.

اعلم أنَّ كل ما أنعم الله به على الإنسان، له شرائط ومفاتيح بعضها آفاقي وبعضها أنفسي مثلاً: إنَّ الله أنعم بالضياء والهواء والغذاء والصدى، وعلّق الاستفادة منها على فتح العين والأنف والفم والسمع وهكذا، مع أنَّ هذه الفتوح الأنفسية من كسبنا، فلا يتحصل إلاّ بخلقه وإيجاده تعالى.

فلا تتخيّلن أيها الغافل هذه النعم سدىً مهملة تسيم([1]) فيها كيف تشاء بلا منّة ولا حساب، كلا! بل تُساق إليك بقصدِ مُنعمها فتلتقم باختيارك ثم تنتشر على مظان حاجاتك بإرادة مُحسنها عمّ نواله.

اعلم أنَّ أواخر الأشياء ونهاياتها ليست بأقلّ انتظامًا وإتقانًا من أوائلها؛ ولا ظواهرها ولا صورها بأحسن صنعة وحكمة من بواطنها، فلا تحسبنَّ أواخر الأشياء وبواطنها سدىً مهملةً تلعب بها يد التصادف، ألا ترى الثمرة مع الزهرة، أظهر حكمةً من الجرثوم([2]) النابت من النواة، فالصانع جل جلاله هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم.





151. صفحة

اعلم أنَّ إعجاز القرآن، حَفظَ القرآن عن التحريف، فلا يتيسر لكلام مفسِّر أو مؤلّفٍ أو مترجم أو محرّف وغيرهم، أن يلتبس بالآيات أو يلبسَ زيّها كما التبست واختلطت سائر الكتب المنزلة حتى صارت محرفة.

اعلم أن تكرار آية: ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:١٣] في مقاطع الآيات التنزيلية المشيرة إلى الآيات التكوينية المتنوعة المختلفة في سورة “الرحمن” يدل على أنَّ أكثر عصيان الجن والإنس وأشدَّ طغيانهما وأعظم كفرانهما يتولد من: عدم رؤية الإنعام في النعمة، والغفلة عن المنعم، وإسناد النعم إلى الأسباب والتصادفات حتى يصيرا مكذّبين بالآء الله، فلا بد للمؤمن من أنْ يبسمل بَدء كلّ نعمةٍ قاصدًا بها أنها منه، وأنا آخذها باسمه وبحسابه، لا بحساب الوسائط، فله الشكر والمنة.

اعلم أيها المتوسوس المتخطر بإلقاءات الشيطان، وأخطار مرض القلب والخيال، وبإمرار خسة النفس ولؤمها مزخرفاتٍ شتّى على عين عقلك عند توجهك إلى الحقائق الإلهية، حتى قد تمر على عينيك سحائبُ مظلمة ممطرة رذائل وفواحش، وشتومًا تقشعر منها عند نظرك إلى شمس الحقائق([1])، كأنك تمدّ يد التنزيه والتقديس، وترسل عينك للتسبيح والتمجيد؛ والحال أنَّ يدك تتنجس بأرجاس خيالك، ويستقذر نظرك ممّا يمر عليه من سفاسف خبث نفسك، ثم تنعكس تلك المستقذرات على المقدسات في نظرك، فتتألم فتتأمل في المستقذرات.

لا تيأس ولا تتأثر([2]) ولا تلقِ نفسك في الغفلة للفرار من هذه الحال، والنجاة من هذا اللوم الأليم([3])؛ إذ لا ضررَ فيه إلاّ ضررُ توهّمِ الضرر، فتتكرر فتتضرر، ألا ترى أنك إذا نظرت إلى الشمس وضيائها، والسماء ونجومها والجنة وأزاهيرها في مسامات

[1] استخدام شائع في تركيا والمقصود هو الله سبحانه وتعالى.


[3] إن هذه الكلمات القبيحة البذيئة ليست بكلمات قلبك أنت؛ لأن قلبك محزون ومتأسف عليها، وإنما تأتي من اللَّمَّة الشيطانية التى هى قريبة من القلب. فمثلاً: بينما أنت في صلاة وفي مناجاة عند الحضرة الإلهية أمام الكعبة وتتفكر في الآيات؛ وإذا بتداعي الأفكار هذا يأخذك إلى أبعد مما لا يعنيك من الرذائل. ومثلا: لا تلدغ صورة الثعبان المنعكسة على المرآة، ولا تحرق صورة النار، ولا يلوّث انعكاسُ صورة النجاسةِ المرآةَ. (المؤلف)

 



152. صفحة

ثوب مستقذر بمزخرفات شتى، لا يمكن أن تسري تلك إليها وتتكدر هي بها، فلا تهتم بها لتذهب؛ إذ هذه الوهميات والهوائيات كالهوام والزنابير؛ إن دافعتَهم قاتلوك، وإن تركتهم فارقوك.

اعلم أيها المتفلسف المرجِّح للعقل على النقل، فتئول النقل بل تحرِّف؛ إذ لم يسعه عقلُك المتفسخ بالغرور والتغلغل في الفلسفيات، أنني كنتُ في حينٍ كما كنتَ، ثم شاهدتُ قصرًا شاهقًا شارقًا اتصل سطحهُ بسقف السماء، قد أرسلت متدلية من شبابيكها العالية زنابيل([1]) متفاوتة، حبالها في المبدأ والمنتهى، فبعضها قريب من الأرض فيقذف الإنسان الموفّق نفسه في ذلك الزنبيل([2]) فيرتفع إلى أعلى المنازل، وبعضها أخفض مبدأً وأرفع منتهىً، وهكذا، ثم رأيت بعض الناس الخاسرين المغرورين لا يبالون بتلك الزنابيل، فيتشبثون للصعود بجمع الأحجار والأشياء ويضعونها تحت أرجلهم، فيتصاعدون قليلاً ثم يتساقطون، وأنّى لهم الصعود! وشاهدت بعض المعتمدين على أنفسهم المتفرعنة، يدقّون مسامير في جدار القصر فيضعون أرجلهم عليها متصاعدين فيخرّون فتندق أعناقهم وهكذا، ورأيت أن ما جُهزوا به من مكاسبهم وآلاتهم إنما أعطوها ليستعملوها على قدر الاستعداد والتوفيق في الصعود إلى الزنبيل، لا إلى المنازل، فعقلكَ عقالُكَ، وبالنقل نَقْلَتُكَ، مَن توكّل على الله فهو حسبه.

اعلم يا من تحير في سبب غلبة الفجّار على الأبرار، وتفوّق الطالحين على الصالحين في الحياة الدنيوية، أني قد شاهدت في واقعةٍ قصورًا، في كل قصر سرادقات([3]) متداخلة متصاعدة، سكان طبقاتها متفاوتون في اللطافة والعلوية والنورانية، فمن في المركز العالي كالسلطان، وتحته منازل فيها سكان متفاوتون في القيمة والنورانية، وهكذا إلى الباب، ومن عند الباب خادم مظلم كثيف، وقدام الباب كلب متملق، ثم رأيت بعض القصور تلألأت ساحة بابه، فتأملت فيها فرأيت ملك القصر يلعب


[2] إن إيضاح هذه المسألة قد ذكر في بيان الطرق الثلاثة في آخر الفاتحة في رسالة “أنا” (الكلمة الثلاثون) وفي “لمعات” في سياحة خيالية، والزنابيل المتدلية إشارة إلى الحقائق القرآنية التي هي الصراط المستقيم. (المؤلف)





153. صفحة

مع الكلب قدّام الباب، والمخَدّرات([1]) يداعبن مكشوفات رءوسهن مع الصبيان، وقد تعطلت الوظائف النزيهة في الطبقات، وتشعشعت([2]) وظائف الكلب والصبيان وسَفَلة الخدام، فتفتق القصر عن مكنوناته متفسقًا، مشرقًا مقتدرًا قويًّا ظاهر الباب، مظلمًا معطلاً ذليلاً في الداخل، وفسوقه كفتوق فلقتي الرمان مثلا عن حباته، فعلمت أن تلك القصور هي الأناسي، حتى رأيت كل إنسان قصرًا، حتى رأيت نفسي العاصية أيضًا قصرًا، وسقوط أهل القصور على مراتب مختلفة نزولاً أدنى فأدنى، فشاهدت أن ما يزعمه أهل المدنية ترقيًّا ما هو إلاّ سقوط، واقتدارًا ما هو إلا ابتذال، وانتباهًا ما هو إلاّ انغماس في نوم الغفلة، وحسنَ معاملة ما هو إلاّ رياء نفاقي، وذكاوةً([3]) ما هي إلاّ دسيسة شيطانية، وإنسانيةً ما هي إلاّ قلبُ الإنسانيةِ حيوانيةً، لكن يلوح على هذا الشخص الساقط العاصي لوائح اللطافة والجاذبية لاختلاط لطائفه النورانية بنفسه الظلمانية؛ خلافاً للمتدين المطيع الذي عند الباب نفسهُ المتكدرة فقط، إلاّ أنه قد يتنازل لطائف الصالح أيضًا، لا للهوسات([4]) السفلية، بل لإرشاد الناس الخارجين عن الحدود وإمدادهم بإرجاعهم إلى ما هم خلقوا لأجله، إن الله سبحانه إذا أحب عبدًا لا يحبب إليه محاسن الدنيا بل يُكرهها إليه بالمصائب.

واأسفا! قد أظهرت هذه المدنية السفيهة خوارق جلابة وملاهي جذابة، يتساقط إليها سكان قصور الإنسان ومخدراتها، كتساقط الفراش على النور المشرق المنقلب إلى النار المحرقة.

اعلم! أيها السعيد الشقي، ما هذا الغرور والغفلة والاستغناء؟! ألا ترى أن ليس لك من الاختيار إلاّ شعرة، وليس من الاقتدار إلاّ ذرة، وليس من هذه الحياة إلاّ شعلة تنطفئ، وليس من العمر إلاّ قليل مثل دقيقة تنقضي، وليس من الشعور إلاّ لمعة تزول، وليس من الزمان إلا آن يسيل، وليس من المكان إلا مقدار القبر؟! ولك من العجز ما لا يُحدّ، ومن الاحتياج ما لا يتناهى، ومن الفقر ما لا يُحصى، ومن الآمال ما لا غاية له!




154. صفحة

وهكذا، فمن كان بهذه الحالة من العجز، وفي هذه الدرجة من الحاجة، هل يتوكل على ما في يده ويعتمد على نفسه؟ أو يتوكل على الله الرحمن الرحيم الذي من ظروف خزائن رحمته وصناديق نعمته هذه الشموس وهؤلاء الأشجار المملوءة من الأنوار والأثمار، ومن مآزيب([1]) حوض فيضه ومسيلات رحمته الماء والضياء؟.

 

 

هذه المناجاة

 تخطرت إلى القلب باللسان الفارسي([2])

يَا رَبْ بَشَشْ جِهَتْ نَظَرْ مِيكَرْدَمْ دَرْدِ خُودْرَا دَْرمَانْ نَمِي دِيدَمْ

دَرْ رَاسْت مِي دِيدَمْ كِه دِي رُوزْ مَزَارِ پَدَرِ مَنَسْتْ

وَدَرْ جَبْ دِيدَمْ كِه فَرْدَا قَبْرِ مَنَسْتْ

وَاِيمرُوزْ تَابُوتِ جِسْمِ پُرْ اِضْطِرَابِ مَنَسْتْ

بَرْ سَرِ عُمُرْ جَنَازَهءِ مَنْ اِيسْتَادَه اَسْتْ

دَرْ قَدَمْ آبِ خَاكِ خِلْقَتِ مَنْ وخَاكِسْتَرِ عِظَامِ مَنَسْتْ

چُونْ دَرْ پَسْ مِينِكَرَمْ بِينَمْ اِينْ دُنْيَايِ بِي بُنْيَادْ هِيچْ دَرْ هِيچَسْتْ

وَدَرْ پِيشْ اَنْدَازَهِ نَظَرْمِيكُنَمْ دَرِ قَبْرْ كُشَادَه اَسَت وَرَاهِ اَبَدْ بَدُورُ دِرَازْ بَدِيدَارَسْتْ

مَرَاجُزْ جُزْءِ اِخْتِيَارِي چِيزِي نِيسْت دَرْدَسْتْ

كِه اُو جُزْءْ هَمْ عَاجِزْ هَمْ كُوتَاهُ هَمْ كَمْ عَيَارَسْتْ

نَه دَرْ مَاضِي مَجَالِ حُلُولْ نَه دَرْ مُسْتَقْبَلْ مَدَارِ نُفُوذَاسْتْ


[1] مآزيب: جمع ميزاب، أي مرزاب وهو أنبوبة من الحديد ونحوه تركب في جانب البيت من أعلاه لينصرف منها ماء المطر المتجمع.

 

[2] هذه المناجاة الفارسية على الرغم من قصرها تحتوي على حقائق طويلة جدًّا، وعندما طُبعَت في آنقرة قبل 35 سنة أُعجِب بها سفير أفغانستان سلطان أحمد أيما إعجاب، وأَرسَل نسخة من هذه المناجاة إلى ملك أفغانستان، تَرجَمَتُها باللغة التركية في الكلمة السابعة عشرة وفي اللمعة السابعة والعشرين التي هي رسالة الشيوخ.(المؤلف).

 



155. صفحة

مَيْدَانِ اُو اِينْ زَمَانِ حَالْ ويَكْ آنِ سَيَّالَسْتْ

بَا اِينْ هَمَه فَقْرهَا وضَعْفِهَا قَلَمِ قُدْرَتِ تُو آشِكَارَه نُوِشْتَه اَسْتْ دَرْ فِطْرَتِ مَا مَيْلِ اَبَدْ واَمَلِ سَرْمَدْ

بَلْكِه هَرِچه هَسْت هَسْتْ

دَائِرَهِ اِحْتِيَاجْ مَانَنْدِ دَائِرَهِ مَدِّ نَظَرْ بُزُرْ كِي دَارَسْتْ

خَيَالْ كُدَامْ رَسَدْ اِحْتِيَاجْ نِيزْ رَسَدْ دَرْدَسْتْ هَرْچه نِيسْتْ دَرْ اِحْتِيَاجْ هَسْتْ

دَائرَهِ اِقْتِدَارْ هَمْچُو دَائرَهِء دَسْتِ كُوتَاهْ كُوتَاهَسْتْ

پَسْ فَقْرُ وحَاجَاتِ مَا بَقَدَرِ جَهَانَسْتْ

وَسَرْمَايَهء مَا هَمْ چُو جُزْءِ لاَ يَتَجَزَّى اَسْتْ

اِينْ جُزْؤْ كُدَامْ وَاِينْ كَائِنَاتِ حَاجَاتْ كُدَامَسْتْ

پَسْ دَرْ رَاهِ تُو اَزْ اِينْ جُزْءْ نِيزْ بَازْ مِي كُزَشْتَنْ ﭼارَهِء مَنْ اَسْتْ

تَا عِنَايتِ تُو دَسْتْكِيرِ مَنْ شَودْ رَحْمَتِ بِي نِهَايتِ تُو پَنَاهِ مَنْ اَسْتْ

اَنْ كَسْ كِه: بِحَرْبِي بِي نِهَايتِ رَحْمَتْ يَافْتَ اسْتْ تَكْيهَ نَه كُنَدْ بَرْاِينْ جُزْءِ اِخْتِيَارِي كِه: يَكْ قَطْرَهءِ سَرَابَسْتْ

اَيْوَاهْ اِينْ زِنْدِ كَانِي هَمْ ﭼو خَابَسْتْ اِينْ عُمْرِ بِي بُنْيَادْ هَمْ ﭼو بَادَسْتْ

اِنْسَانْ بَزَوَالْ دُنْيَا بَفَنَااَسْتْ آمَالْ بِي بَقَاءِ آلاَمْ بَبَقَااَسْتْ

بِيَا اَيْ نَفْسِ نَا فَرْجَامْ وُجُودِ فَانِئِ خُودْ رَافِدَاكُنْ خَالِقِ خُودْ رَاكِه اِينْ هَسْتيِ وَدِيعَه هَسْتْ

وَمُلْكِ اُو وَاوُدَادَه فَنَاكُنْ تَا بَقَايَا بَدْاَزْ اَنْ سِرِّي كِه: نَفْيِ نَفْيْ اِثْبَاتْ اَسْتْ

خُدَايِ پُرْكَرَمْ خُودْ مُلْكِ خُودْرَامِي خَرَدْ اَزْ تُو بَهَايِ بِي كَرَانْ دَادَهَ بَرَايِ تُو نِكَاهْ دَارَسْتْ


156. صفحة

ترجمة المناجاة

يَا رَبْ بَشَشْ جِهَتْ نَظَرْ مِيكَرْدَمْ دَرْدِ خُودْرَا دَْرمَانْ نَمِي دِيدَمْ

يا رب، أجلتُ النظر في الجهات الستة بحثًا عن دواء لدائي، معتمدًا على اقتداري واختياري بغفلة وبلا توكل، ولكنني لم أستطع - مع الأسف - أن أجد دواء لدائي، فقيل لي ضمنيًّا: ألا يكفي أن يكون داؤُك دواءَك؟

دَرْ رَاسْت مِي دِيدَمْ كِه دِي رُوزْ مَزَارِ پَدَرِ مَنَسْتْ

نعم؛ نظرت إلى الزمن الماضي الذي على يميني بغفلة؛ لأجد السلوانَ، إلا أنه تراءى لي الأمسُ وكأنه قبر أبي، والزمنُ الماضي كمقبرةٍ كبرى لأجدادي، فبدلاً من أن يُسَلِّيَنِي أورثَني وحشة([1]).

وَدَرْ جَبْ دِيدَمْ كِه فَرْدَا قَبْرِ مَنَسْتْ

ثم نظرت إلى المستقبل الذي على اليسار فلم أجد الدواء، بل تراءى يومُ الغدِ قبرًا لي، والمستقبلُ مقبرةً كبرى لأمثالي وللجيل الآتي، ولم تورثني الأنسَ بل الوحشة ([2]).

وَاِيمرُوزْ تَابُوتِ جِسْمِ پُرْ اِضْطِرَابِ مَنَسْتْ

ولأنه لم يتراءَ خيرٌ في اليسار أيضًا؛ نظرت إلى اليوم الحالي، فرأيت هذا اليوم وكأنه تابوت يحمل جنازة جسمي الذي يتحرك كالمذبوح([3]).

بَرْ سَرِ عُمُرْ جَنَازَهءِ مَنْ اِيسْتَادَه اَسْتْ

لم أجد دواء في هذه الجهة كذلك، فرفعت رأسي ونظرت إلى أعلى شجرة عمري، فرأيت أن الثمرة الوحيدة لتلك الشجرة هي جنازتي الواقفة المطلة عليّ من فوق تلك الشجرة([4]).


[1] إن الإيمان يظهر تلك المقبرة الكبرى الموحشة مجلسًا منورًّا مؤنسا ومجمعًا للأحباب. (المؤلف).

 

[2] إن الإيمان والطمأنينة الإيمانية يُريان تلك المقبرة الكبرى المرعبة ضيافة رحمانية في قصور السعادة المحبوبة.(المؤلف).

 

[3] إن الإيمان يري ذلك التابوت متجرًا ودار ضيافة عامرة فاخرة.(المؤلف).

 

[4] إن الإيمان يُري أن ثمرة تلك الشجرة ليست جنازة بل إنها خروج روحي النائلة الحياة الخالدة والمرشحة للسعادة الأبدية؛ من عشها القديم لتتجول بين النجوم. (المؤلف).

 



157. صفحة

دَرْ قَدَمْ آبِ خَاكِ خِلْقَتِ مَنْ وخَاكِسْتَرِ عِظَامِ مَنَسْتْ

يئست من تلك الجهة كذلك فَطَأْطَأْتُ رأسي([1])أسفل، ونظرت فرأيت أن تراب عظامي قد اختلط في الأسفل تحت الأقدام بتراب مبدأ خلقتي، فلم يكن دواءً بل زاد داءً على دائي([2]).

چُونْ دَرْ پَسْ مِينِكَرَمْ بِينَمْ اِينْ دُنْيَايِ بِي بُنْيَادْ هِيچْ دَرْ هِيچَسْتْ

صرفت نظري عنها كذلك ونظرت ورائي، فرأيت دنيا فانية لا أساس لها تذهب وترحل متدحرجة في وديان العدم وظلماته، فلم تمسح على دائي بمرهمٍ بل زادته سمَّ الوحشة والدهشة([3]).

وَدَرْ پِيشْ اَنْدَازَهِ نَظَرْمِيكُنَمْ دَرِ قَبْرْ كُشَادَه اَسَت وَرَاهِ اَبَدْ بَدُورُ دِرَازْ بَدِيدَارَسْتْ

لأنني لم أر في تلك الجهة كذلك خيرًا؛ أرسلت بصري إلى جهة القدَّام أمامي، فتراءى لي باب القبر على رأس طريقي مفتوحًا، ولاحت من ورائه الجادّةُ([4]) المؤديةُ إلى الأبد، من بُعد([5]).

مَرَاجُزْ جُزْءِ اِخْتِيَارِي چِيزِي نِيسْت دَرْدَسْتْ

فلم أجد أُنسًا وسلوانًا في تلك الجهات الست، بل أخذتني الدهشة والوحشة، لا أملك تجاهها إلا اختيارًا جزئيًّا حتى أعتمد عليه فأقابلَها به([6]).


[1] فطأطأت رأسي: خفضت رأسي ناظرا للأسفل.

 

[2] إن الإيمان يُري هذا التراب باب رحمة وستار ساحة الجنة. (المؤلف).

 

[3] إن الإيمان يُري الدنيا المتدحرجة في تلك الظلمات أنها مكتوبات صمدانية وصحائف نقوش سبحانية انتهت وظيفتها وأفادت معانيها وتركت نتائجها في عالم الوجود بدلاً من ذاتها. (المؤلف).

 

[4] الجادة: الطريق.

 

[5] إن الإيمان لكونه يُظهر باب القبر هذا بابًا لعالم النور والجادةَ هذه طريقَ السعادةِ الأبدية، فهو يصبح دواء لأدوائي ومرهمًا لها. (المؤلف).

 

[6] إن الإيمان يمنح وثيقة للاستناد إلى قدرة غير متناهية مكان الجزء الاختياري الذي هو في حكم جزء لا يتجزأ، بل الإيمان هو تلك الوثيقة نفسها. (المؤلف).

 



158. صفحة

كِه اُو جُزْءْ هَمْ عَاجِزْ هَمْ كُوتَاهُ هَمْ كَمْ عَيَارَسْتْ

والحال أن ذلك السلاح الإنساني الذي يُسمَّى بالاختيار الجزئيِّ عاجز وقاصر وناقصٌ ضبطُه، ولا يستطيع الإيجاد، وليس باستطاعته إلا الكسب([1]).

نَه دَرْ مَاضِي مَجَالِ حُلُولْ نَه دَرْ مُسْتَقْبَلْ مَدَارِ نُفُوذَاسْتْ

لا يستطيع الحلولَ في الزمان الماضي، ولا النفوذ إلى المستقبل، ولا فائدة له في آمالي وآلامي المستقبلية([2]).

مَيْدَانِ اُو اِينْ زَمَانِ حَالْ ويَكْ آنِ سَيَّالَسْتْ

إن ميدان تجوال ذلك الاختيار الجزئي هو هذا الزمن الحالي القصير للغاية سريع الانقضاء.

بَا اِينْ هَمَه فَقْرهَا وضَعْفِهَا قَلَمِ قُدْرَتِ تُو آشِكَارَه نُوِشْتَه اَسْتْ دَرْ فِطْرَتِ مَا مَيْلِ اَبَدْ واَمَلِ سَرْمَدْ

وهكذا؛ فقد كُتِبَتْ رغبات ممتدة إلى أبد الآباد وآمال متصلة إلى غايات سرمدية على صحيفة فطرتي بقلم القدرة وبصورة واضحة، وأُدْرِجَتْ في ماهيتي وأنا في حالة تَعِسَةٍ بائسة من جَرَّاء([3]) الدهشة والوحشة الناجمتين عن تلك الجهات الست مع شدة احتياجي وضعفي وفقري وعجزي.

بَلْكِه هَرِچه هَسْت هَسْتْ

بل كل ما في الدنيا له نماذج في فطرتي، وأنا مرتبط بعلاقة مع كل ما فيها، وأستعمل تلك النماذج من أجل ما في الدنيا، وأعمل من أجلها.


[1] إن الإيمان يجعل ذلك الاختيار الجزئي كافيًا تجاه كل شيء باستعماله باسم الله، كقيام جندي بأعمال تفوق قوته الذاتية بآلاف الأضعاف حين استعماله قوته الجزئية باسم الدولة. (المؤلف).

 

[2] إن الإيمان يستطيع النفوذ إلى الماضي والحلول في المستقبل؛ لأنه يأخذ زمام الجسم الحيواني ويسلمه للروح والقلب؛ إذ دائرة حياة القلب والروح واسعة. (المؤلف).

 





159. صفحة

دَائِرَهِ اِحْتِيَاجْ مَانَنْدِ دَائِرَهِ مَدِّ نَظَرْ بُزُرْ كِي دَارَسْتْ

إن دائرة الاحتياج واسعة وكبيرة كدائرة النظر.

خَيَالْ كُدَامْ رَسَدْ اِحْتِيَاجْ نِيزْ رَسَدْ دَرْدَسْتْ هَرْچه نِيسْتْ دَرْ اِحْتِيَاجْ هَسْتْ

وأينما تذهب دائرة الخيال، فثم دائرة الاحتياج، والحاجة قائمة، بل كل ما لا يوجد في اليد له احتياج، وما لا يُوجَد في اليد موجود في الاحتياج، وما ليس في اليد لا حد له.

دَائرَهِ اِقْتِدَارْ هَمْچُو دَائرَهِء دَسْتِ كُوتَاهْ كُوتَاهَسْتْ

والحال أن دائرة الاقتدار ضيقة بقدر ضيق دائرة يدي وقِصرها.

پَسْ فَقْرُ وحَاجَاتِ مَا بَقَدَرِ جَهَانَسْتْ

بمعنى أن فقري واحتياجاتي بقدر الدنيا.

وَسَرْمَايَهء مَا هَمْ چُو جُزْءِ لاَ يَتَجَزَّى اَسْتْ

وأما رأس مالي فهو شيء جزئي كالجزء الذي لا يتجزأ.

اِينْ جُزْؤْ كُدَامْ وَاِينْ كَائِنَاتِ حَاجَاتْ كُدَامَسْتْ

فأين هذا الاختيار الجزئي الذي لا يساوي فلسًا واحدًا من الحاجة التي هي بقدر الدنيا والتي لا يمكن أن يتُحَصَّل عليها إلا بالمليارات؟

وحتى لا يليق الذهاب به لابتياعها، ولا يمكن به كسبها؟ إذن لابد من البحث عن حل آخر.

پَسْ دَرْ رَاهِ تُو اَزْ اِينْ جُزْءْ نِيزْ بَازْ مِي كُزَشْتَنْ ﭼارَهِء مَنْ اَسْتْ

إن ذلك الحل هو التمسك بحقيقة التوكل متخلِّيًا عن ذلك الاختيار الجزئي، ومفوِّضًا أمره إلى الإرادة الإلهية، ومتبرّئًا مِن حوله وقوته الذاتية، وملتجئًا إلى حول الله وقوته.

160. صفحة

يا رب، مادامت هذه هي وسيلة النجاة؛ فإنني أتخلى في سبيلك عن ذلك الاختيار الجزئي، وأتبرأ من أنانيتي.

تَا عِنَايتِ تُو دَسْتْكِيرِ مَنْ شَودْ رَحْمَتِ بِي نِهَايتِ تُو پَنَاهِ مَنْ اَسْتْ

حتى تأخذ عنايتُك بيدي، رحمةً بعجزي وضعفي، وحتى تكون رحمتك مُسْتَنَدًا لي مشفقةً بفقري واحتياجي، وتفتح لي أبوابها.

اَنْ كَسْ كِه: بِحَرْبِي بِي نِهَايتِ رَحْمَتْ يَافْتَ اسْتْ تَكْيهَ نَه كُنَدْ بَرْاِينْ جُزْءِ اِخْتِيَارِي كِه: يَكْ قَطْرَهءِ سَرَابَسْتْ

نعم، فمن وجد بحر الرحمة غير المتناهي لا يعتمد البتة على اختياره الجزئي الذي بمنْزلة قطرة من سراب، ولا يراجعه تاركًا الرحمة.

اَيْوَاهْ اِينْ زِنْدِ كَانِي هَمْ ﭼو خَابَسْتْ اِينْ عُمْرِ بِي بُنْيَادْ هَمْ ﭼو بَادَسْتْ

واأسفاه! انخدعنا وظننا هذه الحياة الدنيا ثابتة، وأضعنا بسبب ذلك الظن كل شيء، نعم؛ فالحياة العابرة غفوة([1]) قد مضت كرؤيا عابرة، وهذا العمر الذي لا أساس له ينقضي بسرعة الريح.

اِنْسَانْ بَزَوَالْ دُنْيَا بَفَنَااَسْتْ آمَالْ بِي بَقَاءِ آلاَمْ بَبَقَااَسْتْ

إن الإنسانَ المغرورَ الذي يعتدُّ بنفسه، ويظن أنه أبدي؛ محكومٌ عليه بالزوال ويفنى بسرعة، أما الدنيا التي هي مسكن الإنسان فتسقطُ في ظلمات العدم، وتبقى الآمالُ عقيما وتبقى الآلام في الروح.

بِيَا اَيْ نَفْسِ نَا فَرْجَامْ وُجُودِ فَانِئِ خُودْ رَافِدَاكُنْ خَالِقِ خُودْ رَاكِه اِينْ هَسْتيِ وَدِيعَه هَسْتْ

ما دامت الحقيقة هكذا؛ فتعالي يا نفسي الشقية المشتاقة للحياة بشدة، والطالبة للعمر بقوة، والعاشقة للدنيا بولع، والمبتلاة بآمال وآلام لا حد لها، أَفِيقِي وارجعي

 




161. صفحة

إلى رشدك، فكما أن اليراعة([1]) تعتمد على ضوئها الخافت فتبقى في ظلمات الليل غير المحدودة، وكما أن النحلة تجد شمس النهار لعدم اعتمادها على نفسها فتشاهد كل أحبابها - التي هي الأزهار - مزينة بضياء الشمس؛ فأنتِ كذلك إن اعتمدتِ على نفسكِ ووجودكِ وأَنَانِيَّتِكِ تكوني كاليراعة، أما إن ضحَّيتِ بوجودكِ الفاني في سبيل الخالق الذي وهبكِ إياه تكوني كالنحلة فتجدي نور وجود لا حد له، فضحي به لأن ذلك الوجود وديعة وأمانة عندكِ.

وَمُلْكِ اُو وَاوُدَادَه فَنَاكُنْ تَا بَقَايَا بَدْاَزْ اَنْ سِرِّي كِه: نَفْيِ نَفْيْ اِثْبَاتْ اَسْتْ

وكذا فهو مُلكه، وهو الذي وهبه، إذن فأفنيه وضحّي به دون تحرّج ودون منّة([2]) حتى ينال البقاء؛ لأن نفي النفي إثبات؛ أي إن انعدام العدم وجود، وحين يصبح العدم عدمًا فإنه يكون وجودًا.

خُدَايِ پُرْكَرَمْ خُودْ مُلْكِ خُودْرَامِي خَرَدْ اَزْ تُو بَهَايِ بِي كَرَانْ دَادَهَ بَرَايِ تُو نِكَاهْ دَارَسْتْ

يشتري الخالق الكريم مُلْكَه منك، ويعطيك ثمنًا عظيمًا وهو الجنة، وكذا يحفظ لك ذلك الملك خير حفظ، ويرفع قيمته وثمنه، وسيعيده لك كاملاً مكملا وبصورة خالدة؛ إذن يا نفسُ، زاولي فورًا وبلا توانٍ([3]) هذه التجارة المربحة ربْحًا مركّبًا من خمسة أرباحٍ متداخلةٍ؛ حتى تنجي من خمس خسائر وبذلك تربحين خمسة أرباح دفعة واحدة.

 

 





162. صفحة

خطاب إلى مجلس النواب ([1])

 

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً[النساء: ١٠٣].

أيها المبعوثون، إنكم مبعوثون ليوم عظيم.

ويا أيها المجاهدون في سبيل الإسلام، ويا أهل الحل والعقد، أرجو أن تسمعوا إلى عَشرِ كلمات وبضع نصائح في مسألة واحدة من هذا الفقير.

أولا: إن النعمة الإلهية الرائعة الكبرى في هذا الانتصار تستلزم الشكر حتى تستمر وتزيد، فإذا لم تقابَل النعمةُ بالشكر زالت وذهبت، وبما أنكم قد أنقذتم القرآن من هجوم العدو بتوفيق من الله تعالى فعليكم أن تمتثلوا لأمر من أوامر القرآن الصريحة القاطعة وهو أمر الصلاة، حتى يستمر ويدوم عليكم فيضه استمرارًا منقطع النظير.

ثانيًا: لقد سَرَرْتم العالم الإسلامي بهذا الانتصار، وكسبتم محبته لكم وثناءه عليكم، ولكن استمرار هذه المحبة وهذا الثناء إنما يكون بالالتزام بالشعائر الإسلامية؛ إذ إن المسلمين يحبونكم من أجل الإسلام.

ثالثًا: لقد توليتم قيادة المجاهدين والشهداء الذين هم بمنزلة أولياء الله في هذا العالم، فالسعي لنيل صحبة تلك القافلة النورانية ومرافقتهم في العالم الآخر بالامتثال لأوامر القرآن القاطعة هو من شأن أمثالكم من ذوي الهمة العالية، وإلا فستضطرون إلى استمداد النور من جندي عادي مع أنكم قادة هنا، فهذه الدنيا الدنية بما فيها من صيت وشهرة وشرف ليست متاعًا مرغوبًا حتى يشبع رغبات أناس من أمثالكم ويرضيها.


[1] ألقى الأستاذ النورسي هذا الخطاب أمام مجلس النواب التركي في 19/1/1923، وتأثر كثير من النواب به في الوقت الذي كانت تركيا تموج فيه بالفتن والاضطرابات، فأقبلوا على الصلاة، والحفاظ على الفرائض.

 




163. صفحة

رابعًا: إن فئات هذا الشعب المسلم تريد أن يكون رؤساؤها صالحين حتى لو كانت هي لا تقيم الصلاة وكانت فاسقة، بل إن أول سؤال لسكان الولايات الشرقية عن جميع الموظفين هو: هل يؤدون الصلوات أم لا؟ فإن كانوا يقيمون الصلوات فإنهم يشعرون بالأمن والاطمئنان، وإلا فإنهم متهمون في نظر هؤلاء ولو كانوا متقنين كل الإتقان في أداء وظائفهم.

ولقد حدث ذات يوم تمرد في عشائر محافظة “بيت الشباب([1])”، فذهبت إليهم وسألتهم عن السبب فقالوا لي، إن محافظنا لا يصلي، بل يشرب الخمر، فكيف نطيع مثل هذا المرتد المارق من الدين؟ مع أن الذين قالوا هذا الكلام كانوا لا يؤدون الصلوات بل كانوا قطاع طرق.

خامسًا: إن ظهور أكثر الأنبياء في الشرق، ومعظم الفلاسفة في الغرب رمز لحكمة القدر الإلهي في أن الذي ينهض بالشرق هو الدين والقلب وليس العقل والفلسفة.

إنكم قد أيقظتم أهل الشرق، فأثيروا إذن همتهم بانسجام مع فطرتهم، وإلا لذهبت محاولاتكم ومساعيكم هباء منثورًا، وظلت مؤقتة وسطحية.

سادسًا: إن الإفرنج الذين هم أعداؤكم وأعداء الإسلام قد استغلوا -ومازالوا يستغلون- تهاونكم وعدم مبالاتكم في دينكم، بل يمكنني القول إن الذين يضرون الإسلام بمثل ما يضره الأعداء هم الذين يستفيدون من تهاونكم ويستغلونه، فعليكم أن تحوِّلوا هذا الإهمال إلى أعمال باسم مصلحة الإسلام وسلامة الشعب.

فأنتم ترون أن أعضاء جمعية الاتحاد والترقي([2]) قد تلقوا نفورًا وازدراء من الشعب في الداخل بسبب تهاونهم في الدين إلى حد ما مع أنهم كانوا سببًا من أسباب الصحوة الإسلامية بعزمهم وثباتهم وتضحياتهم العظيمة، أما الشعوب الإسلامية الأخرى في الخارج أَوْلَتْهُم الاحترام والتوقير؛ لأنها لم تَرَ تهاونهم في الدين.



 

[2] جمعية ظهرت في آواخر الخلافة العثمانية، كان زعماؤها في أول الأمر يرفعون شعارات دينية ولكن تبين بعد ذلك أنهم ضد الخلافة والدين، وأصبحت الجمعية حزبًا وأخذت بيدها مقاليد الحكم، وكانت من العوامل التي تسببت في سقوط الخلافة العثمانية. 

 



164. صفحة

سابعًا: إن عالم الكفر بجميع وسائله وحضارته وفلسفته وعلومه ومنصّريه قد هاجم الإسلام وتغلب على المسلمين في التقدم المادي منذ أمد بعيد، إلا أنهم لم يتغلبوا على العالم الإسلامي من الناحية الدينية.

وإن التيار البدعي غير المكترث وغير المبالي بالدين والمترشح من الجانب الخبيث للحضارة الأوربية لن يجد مجالاً له في صدر العالم الإسلامي في هذا الزمان الذي ظلت فيه كل فرقة من الفرق الإسلامية الضالة داخل المجتمعات الإسلامية أقلية مضرة، وحافظ فيه الإسلام على متانته وقوته وصلابته بالسنة والجماعة، إذن إن القيام بعمل عظيم شبيه بالانقلاب داخل العالم الإسلامي لا يمكن أن يكون إلا بالانقياد لدساتير الإسلام لا غير، فهو لم يحدث أصلا، وحتى لو كان قد حدث فإنه خمد وانطفأ بسرعة.

ثامنًا: لا يمكن القيام بعمل إيجابي مع اللامبالاة والتهاون والإهمال في وقت قد أخذت الحضارة الدنيئة الأوربية التي تسببت في ضعف الدين في التمزق، وأوشكت فيه الحضارة القرآنية على الظهور.

أما العمل السلبي الذي يتسبب في الدمار والفساد فليس الإسلام الذي تعرض إلى هذا الحد من المصائب بحاجة إليه.

تاسعًا: إن الذين يُقدِّرون انتصاركم في حرب التحرير هذه وأعمالكم وخدماتكم العظيمة ويحبونكم حبًا كبيرًا بكل قلوبهم، هم جمهور المؤمنين، ولا سيما طبقة العوام الذين هم مسلمون صادقون، فكل هؤلاء يحبونكم حبًّا خالصًا ويشجعونكم ويشكرون لكم ويقدرون تضحياتكم، ويقدمون لكم أعظم قوة متنبهة وأكبرها، فتواصلكم معهم واستنادكم إليهم امتثالا لأوامر القرآن ضروري باسم مصلحة الإسلام، وإلا فإن تفضيل مقلدي الإفرنج الأشقياء التعساء الذين ابتعدوا عن هويتهم الأصلية والمفتونين المعجبين بأوربا والمتجردين من الإسلام على عوام المسلمين مناف لمصلحة الإسلام، وسيصرف ذلك وجه العالم الإسلامي إلى وجهة أخرى ليستمد العون والمساعدة من الآخرين.


165. صفحة

عاشرًا: إن كان في طريقٍ ما تسعةُ احتمالات للهلاك، واحتمال واحد للنجاة فلا يسير في هذا الطريق إلا مجنون متهور لا يبالي بحياته، فإقامة الفرائض الدينية كالصلاة التي لا تشغل إلا ساعة واحدة من أربع وعشرين ساعة احتمالُ النجاة فيها تسعة وتسعون بالمائة، إلا أنه يمكن أن يكون هناك ضرر دنيوي بسبب الغفلة والتكاسل، مع أن احتمال الضرر في ترك الفرائض تسعة وتسعون بالمائة، فالاستناد إلى الغفلة والضلال يمكن أن يكون الاحتمال الوحيد للنجاة فحسب، فيا ترى أي مبرر يمكن أن يسوغه الإنسان في إهمال الفرائض وتركها الذي يضر بالدين والدنيا؟، وكيف تسمح شهامته ونخوته بهذا؟

إن أفعال قافلة المجاهدين وهذا المجلس العالي تُقلَّد، فالشعب إما سيقلد أخطاءهم وإما سينتقدها، وكلاهما ضرر وخسارة، إذن إن حقوق الله في تلك الأفعال تتضمن حقوق العباد أيضًا، فلا يمكن قيام العمل مع رجال لا يصغون إلى الإخبارات والدلائل التي تتضمن سر التواتر والإجماع ويَقبَلون بوهم صادر عن سفسطة النفس ووسوسة الشيطان.

إن الحجر الأساس لهذا الانقلاب العظيم يجب أن يكون قويًّا متينًا، وإن الشخصية المعنوية لهذا المجلس العالي بما لها من قوة قد تعهدت معنى السلطنة، فإن لم تتعهد كذلك معنى الخلافة -بالوكالة- بامتثالها الشعائر الإسلامية وبجعلها الآخرين يمتثلون بها، وإن لم يُلَبِّ هذا المجلسُ الحاجة الدينية لهذا الشعب الذي يحتاج إلى أربعة أشياء من أجل العيش، ويشعر بالحاجة إلى الدين خمس مرات في اليوم على الأقل بسبب التقاليد والعادة الاجتماعية، والذي لم تفسد فطرته ولم يَنْسَ حاجته الروحية بسبب ألاعيب الحضارة ومتعها وملذاتها فإنه -أي الشعب- سيضطر إلى أن يمنح معنى الخلافة لما قبلتموه من اسم ولفظ تمامًا، وسيمنح كذلك القوة لإدامة ذلك المعنى، ولكن مثل هذه القوة التي ليست بيد المجلس ولم تحصل عن طريقه ستتسبب في شقّ العصا، والانشقاق يخالف ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾ [آل عمران:١٠٣]، وإن هذا العصر عصر الجماعة، فالشخصية المعنوية التي هي روح الجماعة أكثر متانة من شخصية الفرد

166. صفحة

وأقوى منها، وأكثر قدرة على تنفيذ الأحكام الشرعية، ومن ثم فالخليفة لا يمكن أن يتولى القيام بوظائفه إلا بالاستناد إلى تلك الشخصية المعنوية، فإن كانت الشخصية المعنوية التي هي روح الجماعة مستقيمة فإنها تكون أكثر تألقًا وكمالا من شخصية الفرد، وإن كانت فاسدة فإن فسادها يكون أشد من فساد الفرد؛ لأن صلاح الفرد وفساده محدودان، أما صلاح الجماعة وفسادها فليسا محدودين، فلا تفسدوا الخير الذي كسبتموه تجاه الخارج بالشر الذي في الداخل.

فأنتم تعلمون أن أعداءكم ومخالفيكم وخصومكم الأبديين يهدمون شعائر الإسلام، إذن فإن وظيفتكم الضرورية هي إحياء هذه الشعائر والحفاظ عليها، وإلا فستساعدون العدو الواعي من دون أن تشعروا.

إن التهاون في إقامة الشعائر يدل على ضعف الدين، والضعف لا يوقف العدو بل يشجعه.

 

﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ

﴿نِعْمَ المَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ

 

اعلم! يا من يستعظم النتيجة ويستضعف دليلها، إنه ما من دليل يشهد على حقيقةٍ من الحقائق الإيمانية، إلاّ ويزكّيه ويؤيّده ويقوّيه ويمدّه كلُّ ما قام على صدق شيء ما من الإسلامية([1])، فكأن كلَّ ما لا يعد من الشواهد والشهداء والبراهين والأمارات، كل منها يضعُ إمضاءه على سند كلّ من أخواتها، فيختم كلٌّ منها خاتمَ تصديقه على منشور كلِّ واحدٍ بسرّ ما مرّ في بداية هذه الرسالة خلافًا للنافي؛ إذ للمنافاةِ بين النافي والمثبتِ يُنفى منَ النَّافي ما يُثبِتُ للمُثبتِ، فألفُ نافٍ كفردٍ.

اعلم أنه قد تصير شدة محبة الشيء سببًا لإنكاره، وكذا شدة الخوف، وكذا غاية العظمة، وكذا عدم إحاطة العقل.


 




167. صفحة

اعلم، أني قد تيقنتُ كأني شاهدتُ بحدس قطعي: أن جهنم مندمجةٌ بالقوة([1]) في بذر الكفر كاندماج شجرة الحنظلة في نواتها، وأن الجنة مندمجة في حبة الإيمان([2]) كاندراج شجرة النخلة في نواتها. فكما لا غرابة في استحالة النواة وانقلابها إلى الشجرة الملعونة أو الميمونة، كذلك لا استبعاد في تحول معنى الضلالة متجسماً جهنماً تعذِّب، ولا في تمثل أنوار الهداية جنةً تُستَعذب، وفي “لمعات” نبذة من هذه الشهود في هذا العالم ايضًا.

اعلم! كما أن الحبة من بذور الحبوبات ونوى الثمرات إذا ثقبت في قلبها، لا تتكبر بالتنبت. كذلك حبة ”أنا“ اذا ثُقبت بشعاع ذكر: الله، الله، لا تتعاظم تلك الأنانية متفرعةً بالانتعاش ومتفرعنةً بالغفلة، ومستحصنةً ومستندةً بآثار النوع، ومبارزةً بالعصيان لجبّار السماوات والأرض. والأولياء النقشبنديون موفَّقون لفتح حبة القلب وكشف طريقٍ قصير بثقب جبل “أنا” وكسر رأس النفس بمثقاب الذكر الخفي، كما أن بالذكر الجهري يُخرّب طاغوت الطبيعة ويمزَّق.

اعلم أن أبعد وأوسع وأرق دوائر الكثرة وطبقاتها يتلألأ عليها أيضًا أثرُ الحكمة والإتقان والاهتمام، فإن شئتَ فانظر إلى نهاية ما انبسط وانتشر إليه التكثر من جلد الإنسان وصورته، لترى كيف يحشّي([3]) قلم القدرة صحيفة جبهته ووجهه وكفيه بخطوط ونقوش وآلات دالات على معانٍ في روح الإنسان، وعلى طائره المعلق في عنقه المشير إلى القَدر المكتوب في فطرته، حتى لم تترك هذه التحشية منفذًا لدخول التصادف الأعمى والاتفاقية العوراء.

اعلم يا من ابتلي بحب هذه الحياة حتى حسبتَ أن العلة الغائية في الحياة هي الحياة وبقاؤها، وأن كل ما أودعته القدرة الأزلية في جوهر الإنسانية وذوي الحياة من الجهازات العجيبة والتجهيزات الخارقة، إنما أعطاها الفاطر الحكيم لحفظ هذه الحياة السريعة الزوال، ولأجل البقاء، كلا ثم كلا! إذ لو كان بقاء الحياة هو المقصود من

[1] المقصود بالقوة: الاستعداد والقابلية الكامنة في الشيء، أما بالفعل فيعني: المشاهَد والماثل أمام العين.

 

[2] لقد أثبتت رسائل النور هذه المسألة والدعوى بعقد كثير من الموازنات والمقارنات.(المؤلف).

 

 




168. صفحة

كتاب الحياة، لصار أظهر وأبهرُ وأنورُ دلائل الحكمة والعناية والانتظام وعدم العبثية بإجماع شهادات نظامات الكائنات؛ أعجَبَ وأغربَ وأنسَب مثال العبثية والإسراف، وعدم الانتظام وعدم الحكمة، كمثل شجرة -كجبل- ليس لها إلاّ ثمرة فردة كخردلة، بل يرجع إلى الحي من ثمرات الحياة وغاياتها بمقدار درجة مالكية الحي للحياة وتصرفه الحقيقي فيها، ثم سائر الثمرات والغايات راجعة إلى المحيي جل جلاله بالمظهرية لتجليات أسمائه، وبإظهار ألوان وأنواع جلوات([1]) رحمته في جنته في الحياة الأخروية التي هي ثمرات بذور هذه الحياة الدنيوية وهكذا.

وكما أن الشخص الموظف لأن يجس ويضع أصبعه عند اللزوم على الجهازات([2]) التي تتحرك بها السفينة العظيمة للسلطان، لا يرجع إليه من فوائد السفينة إلا بمقدار علاقته وخدمته، أي من الألوف واحداً، كذلك درجة تصرّف كل حي في سفينة وجوده، بل هناك يمكن أن يستحق من الألوف واحداً، لكن لا يستحق بالذات هنا من ملايين الملايين واحدًا أيضًا.

اعلم يا قلبي أن لذائذ الدنيا وزينتها بدون معرفة خالقنا ومالكنا ومولانا ولو كانت جنة، فهي جهنم، هكذا ذقت وشاهدت، حتى في نعمة الشفقة كما في ”قطرة”، ومعرفته تُغني عن كل ما في الدنيا حتى عن الجنة أيضًا.

اعلم يا قلبي أن كل ما يجري في هذه الدنيا له وجهان: وجه إلى الدنيا والنفس والهوى، ووجه إلى الآخرة، فأما الوجه الدنيوي فأعظم الأمور وأثقلها وأثبتها هو في نفس الأمر بدرجة من الصغر والخفة والزوال، بحيث لا يساوي ولا يوازي ولا يليق لأن يُشوَّش له القلب بالمرق([3]) والتضجر، والتألم وشدة التأمل.

اعلم يا قلبي، هل ترى أحمق وأبله وأجهل ممن يرى تمثال الشمس مثلاً في ذرة شفافة، أو تجليها في صبغة زهرة؛ ثم يطلب في الشُميسة المرئية في الذرة ومن لون الزهرة وصبغتها، كلَّ لوازم السراج الوهاج في سقف العالم، حتى جذبها للسيارات




169. صفحة

ومركزيتها للعالم، ثم إذا زال بعارضٍ ما رآه في هذه الذرة والزهرة شرع - بسبب قصر النظر وانحصاره - ينكر وجود الشمس في وسط النهار، مع وجود شهادات سائر الذرات وكل قطرات الندى والرشاشات والقطرات والحبابات والحياض والبحور والسيارات في ضحوة النهار الصحو.

ثم إن ذلك الأجهل يلتبس عليه “الوجود الظلي بالتجلي” بمقدار لياقة قابلية الشيء المرسمة بالقَدَر “بالوجود بالأصالة”، فإذا رأى الشمس في ذرة شفافة يقول: أين عظمة الشمس، وأين حرارتها الخارقة، وكيف وكيف؟ إلى آخر بلاهاته!.

وقد يريد أن يقتبس من نارها أو يحسها بيده أو يؤثر في ذاتها تأثيراً بوجه ما، ولا يتفطن أن قربها منه بالتأثير فيه، لا يستلزم قربه منها حتى تتأثر الشمس من فعله، ثم إنه يرى في صغار الأشياء وخسائسها إتقاناً عجيباً واهتماماً غريباً وصنعة فائقة وحكمة رائقة، فيزعم بالقياس الباطل أن صانع هاتيك تكلَّف في صنعها وتعمَّل كثيرًا؛ فيقول: ما قيمة الذباب مثلا، حتى يُصرف له هذا المصرف([1]) المهم من صانع حكيم؟ حتى يصير ذلك المسكين سوفسطائيا.

فيا هذا! ولله المَثَلُ الأعلى إن ﴿اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر:٦٢] لابد أن تعلم “أمورًا أربعة” ينحل بها الإشكال:

الأول: إن كل شيء من الذرات إلى الشموس يصفه تعالى بما له في كمال ربوبيته، لكن لا يتصف بما له لأجل مظهريته لتجليه.

والثاني: إنه ينفتح من كل شيء إلى نوره تعالى بابٌ، لكن بانسداد باب واحد في نظر قاصر لا ينسد ما لا يحد من الأبواب، وإن أمكن فتح الكل بفتح واحدٍ.

والثالث: إن القدر المنعكس من العلم المحيط قد قيَّد ورَسَم لكل شيء حصة لائقة من فيض تجلي الأسماء المطلقة النورانية.

والرابع: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]، و

﴿ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [لقمان:٢٨]. وأما إذا

 




170. صفحة

أسند بالغفلة الأشياء إلى أنفسها وإلى الأسباب الإمكانية، للزم على كل العقلاء أن يقبلوا المحالات الناشئة من حكم ذلك الأجهل الأبله؛ إذ حينئذ يكون الحق معه.

اعلم أن القرآن المعجز البيان يعبّر كثيراً عن تبيين الحقائق بضرب المثل، بسر أن الحقائق المجردة الإلهية متمثلة في دائرة الممكنات بقيود الأمثال، فالممكن المسكين ينظر إلى الأمثال في دائرة الإمكـان، ويلاحظ من خلفها شـئون دائرة الوجوب “ولله المَثَل الأعلى”.

اعلم أن العرش كالقلب، فقلبك فيك مُلكًا وأنت في قلبك ملكوتًا ففي دائرة الاسم “الظاهر” العرش العظيم محيط بالكل، وفي دائرة الاسم “الباطن” كالقلب للكون، وفي الاسم “الأول” يشار إليه بـ ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء﴾ [هود: ٧] وفي الآخر يرمز اليه بـ“وسقف الجنة عرش الرحمن([1])” إذ لعرش من ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد: ٣] حصة من الأولية والآخرية والظاهرية والباطنية.

اعلم أن العجز معدن النداء، وأن الاحتياج منبع الدعاء.

فيا ربي ويا خالقي ويا مالكي،

حجّتي عند ندائي حاجتي،

وعُدّتي عند دعائي فاقتي،

ووسيلتي انقطاع حيلتي،

وكنزي عجزي،

ورأس مالي آمالي وآلامي،

وشفيعي حبيبك ورحمتك،

فاعف عني واغفر لي وارحمني

يا الله، يا رحمن، يا رحيم.

 


[1] انظر صحيح البخاري 2581 و6873، والترمذي 2453، وأحمد 8067، ورواه غيرهم.

 




171. صفحة

 

ذيل الحباب

 

 

 

 

مَن كان لله كان له كل شيء.

ومَن لم يكن له، يكن عليه كلُّ شيء.

والكونُ له بتركِ الكلّ له والإذعانِ بأن الكلَّ ماله ومنه وإليه.