حبّة

183. صفحة

حبّة

 

 

 

من نواتات ثمرة من ثمرات جنان القرآن

 

 

 

حبة مى كويد:

من شاخ درختم براز ميوهء توحيد      يك شبنمم أزيم بر از لئلؤ تمجيد ([1])

 

 

 

 

 


[1] الحبة تقول: أنا غصن شجرة محمل بثمرات التوحيد، أنا قطر ندى من بحر زاخر للآلئ التمجيد.

 




184. صفحة

إفادة المرام

 

اعلم أنَّه قيل لي إنَّ الناس يقولون: لا نفهم كثيرًا مما في آثاره فتصير ضائعة.

فأقول: لا تضيع بإذنه تعالى، وسيجيء زمان يفهمها أكثر المتفكرين المتدينين إنْ شاء من بيده مقاليد كل شيء؛ إذ أكثر هذه المسائل أدوية جرّبتها في نفسي أعطانيها القرآن الحكيم، لكن يمكن ألاَّ يفهمها الناس كما أفهمها بتمامها؛ لأنَّ نفسي -بسوء اختيارها- صارت من الرأس إلى القدم ملمَّعة([1]) بالجروح المتنوعة، فالسليمُ بحياة القلب لا يفهم درجة تأثير الترياق في السقيم بلدغ حية الهوى كما يفهمه هو.

وأيضا إنِّي لا أتصرف في السانحات للتوضيح؛ عجزًا من التحرير أو خوفًا من التغيير، فأكتبها كما سُنحت.

وأيضًا أتكلم في مكاني، لا في مقام السامع المواجه لي - خلافًا لسائر المتكلمين الذين يفرضون أنفسهم في مقام السامعين - فيصير أمام كتابي “الذي” وجههُ إليّ، ومعكوسه ومقلوبه إلى السامع، فكأنه يقرأ في المرآة فيتعسّر عليه؛ فإذا لم أذهب إلى مقامه، فليرسل هو خياله إليّ لأضيفه على عيني، في رأسي كي يرى كما أرى.

فأداء لحق الأمانة أقول بتوفيقه تعالى، أدرجتُ في “نقطة” و“قطرة” و“ذيلها” و“ذرة” و“شمة” و“حبة” تفاريق حدسيات، وقطعات مرآة إذا جاء بإذنه تعالى من يركّبها، بتحرير وتصوير، تظهر مرآة يظهر فيها وجه عين اليقين ويتحصل حدسٌ يزهر منه نور حق اليقين، كيف لا، وهو من فيض القرآن المبين!

 

اللّهم أرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتباعه وأرِنَا الباطلَ باطلاً وارزُقنَا اجتنابَه، آمين.





185. صفحة

بسـم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله على دين الإسلام وكمال الإيمان والصلاة والسلام على محمّد الذي هو مركز دائرة الإسلام ومنبع أنوار الإيمان وعلى آله وصحبه أجمعين مادام المَلَوان([1]) وما دار القمران([2]).

اعلم أنه بينما ترى العالم كتابًا كبيرًا ترى نور محمد “عليه الصلاة والسلام” مداد قلم الكاتب. وبينما ترى العالَم يلبس صورةَ الشجرة ترى نورَه “عليه الصلاة والسلام” نواتها أولاً، وثمرتها ثانيًا. وبينما ترى العالم يلبس جسم الحيوان ترى نوره “عليه الصلاة والسلام” روحه، وبينما ترى العالم تحوّل إنسانًا كبيرًا ترى نوره “عليه الصلاة والسلام” عقله، وبينما ترى العالم حديقةً مزهرةً ترى نوره “عليه الصلاة والسلام” عندليبه، وبينما ترى العالم قصرًا مزينًا عاليًا ذا سرادقات([3]) تتظاهر فيها شعشعة([4]) سلطنة سلطان الأزل وخوارق حشمته([5])، ومحاسن تجليات جماله، ونقوش خوارق صنعته، إذًا ترى نوره “عليه الصلاة والسلام” نظّارًا يرى لنفسه أولاً، ثم ينادي بـ“يا أيها الناس تعالوا إلى هذه المناظر النزيهة، وحَيهلوا([6]) على ما لَكُم فيه كل شيء من المحبة والحيرة والتنزه والتقدير، والتنور والتفكر وما لا يحد من المطالب العالية”، ويريها الناس، ويشاهِد ويشهَد لهم، يتحير ويُحيِّرهم، يُحب ويُحبِّبُ مالِكه إليهم، يستضيئ ويُضيء لهم، يستفيض ويفيض عليهم.

اعلم أنَّ الإنسان ثمرةُ شجرة الخِلقة، والثمرةُ تكون أكمل الأجزاء وأبعدها من الجرثوم([7])، وأجمعها لخصائص الكل، وهي التي من شأنها أن تبقى وتُسْتَبقى.





186. صفحة

ومن الإنسان، مَن هو نواةٌ أنبتَ القديرُ جل شأنه منها تلك الشجرة، ثم صيّر الفاطرُ جل جلالُه ذلك الإنسان ثمرةَ تلك الشجرة، ثم جعل الرحمنُ تلك الثمرة النورانية نواةً لشجرة الإسلامية([1])، وسراجًا لعالمها، وشمسًا لمنظومتها.

وأنه لا بد في الثمرة من نواةٍ تشتمل بالقوة على لوازمات شجرةٍ هي مثل أصلها، وأصغريةُ النواةِ لا تنافي أعظمية الشجرة، كنواة شجرة التينة.

وإنَّ في الإنسان حبةً، لو كان الإنسان ثمرةً، لكانت تلك الحبة نواتهُ، ألا وهي القلب.

فقد رأيت فيه بواسطة الاحتياج علاقاتٍ إلى أنواع العالَم، بل إلى أجزائها، وارتباطاتٍ إلى جميع أنوار الأسماء الحسنى باحتياج شديد وفقر عظيم لتجلي فردٍ فردٍ منها، حتى كأن له حاجات عدَد أجزاء العالَم، وله أعداء ملء الدنيا، فما يطمئن إلاَّ بمن يقتدر أنْ يُغنيه عن كل شيء، ويحفظه من كل شيء.

ورأيت فيه أيضًا قابلية تمثل مجموع العالم كالخريطة والفهرستة والأنموذج والتمثال، وإنَّ المركز فيه لا يقبل إلاّ الواحد الأحد، ولا يرضى إلاّ بالأبد والسرمد، فهذه النواة وهي حبة القلب -ماؤه الإسلام وضياؤه الإيمان- فإن اطمأنتْ تحت تراب العبودية والإخلاص، وسُقيت بالإسلام، وانتبهتْ بالإيمان، أنبتت شجرةً نورانيةً مثاليةً من عالم الأمر هي روحٌ لعالمه الجسماني، وإن لم تُسق بقيت نواةً يابسةً منكمشة لائقة للإحراق بالنار إلى أنْ تنقلب إلى النور.

وكم في النواة من أعصاب رقيقة وأشياء دقيقة لا يُبالى بها، وتُرى أقلَّ من أن يُهتَمّ بها، إلا أنَّ لكل منها -إذا انكشفت النواة- وظيفةً مهمةً بحشمة وعظمة، كذلك لحبةِ القلب خدّام كامنة نائمة إذا انتبهتْ وانبسطتْ بحياة القلب يجولون في بساتين الكائنات كطيور سيارة، وتنبسط بدرجة يقول المرء: الحمد لله على كل مصنوعاته، لأنها كلها لي نِعَمٌ، حتى إنَّ الفرض والخيال الذي هو من أضعف خدام القلب وأهونهم، له وظيفة عجيبة، يَدخل به صاحبهُ المتوكل - وهو في السجن مقيد -




187. صفحة

في حديقةٍ نزيهة، ويضع رأس صاحبه المتنبّه وهو يصلي في الشرق أو الغرب تحت “الحجر الأسود” ثم يودع في الحجر الأسود شهادتي صاحبه.

ومن المشهود أنَّ “البيدر([1])” يدور على رءوس “الأثمار” والثمرة هي التي تُنتَقى وتُستبقى، فبيدر الحشر ينتظر بني آدم.

اعلم أنَّ لكل أحد من هذا العالم العام؛ عالمًا خاصًّا، هو عين العالم، لكن مركزه هو الشخص، بدل الشمس، فمفاتيحُ ذلك العالم في نفس الشخص ومعلّقه بلطائفه، ولونُ ذلك العالم وصفاؤهُ وحسنه وقبحه وضياؤه وظلمته تابعةٌ لذلك المركز، فكما أنَّ الحديقة المرتسمة في المرآة تابعة في أحوالها من الحركة والتغيّر وغيرهما للمرآة، كذلك عالم الشخص تابعٌ لمركزه الذي هو الشخص كالظل والتمثال، فلا تحسبنّ صغر جِرمك سببًا لصغر جُرمك؛ إذ ذرة من قساوة قلبك تكدّر عليك نجوم عالمك.

اعلم أنَّ هذه ثلاثون سنة لي مجادلة([2]) مع طاغوتين وهما: “أنا” في الإنسان، و“الطبيعة” في العالم.

أما هذا، فرأيته مرآةً ظليًا حرفيًا، لكن نظر الإنسان إليه نظرًا اسميًا قصديًا بالأصالة، فتفرعن عليه وتَنَمرَدَ.

وأما هذه، فرأيتها صنعة إلهيّة وصبغة رحمانية، لكنْ نظرَ البشرُ إليها بنظر الغفلة فتحولت لهم “طبيعة” فتألّهتْ عند مادييهم، فأنشأتْ كفران النِعَم المنجرّ إلى الكفر.

فللّه الشكر والحمد وبتوفيق الأحد الصمد وبفيض القرآن المجيد أنتجت المجادلة قتل الطاغوتين وكسر الصنمين؛ بـ“النقطة”، و“القطرة”، و“الذرة”، و“الشمة”، و“الحبة”، و“الحباب”، فتكشَّفتْ الصنعةُ الشعورية الإلهية والشريعةُ الفطرية الربانية من حجاب الطبيعة الموهومة، وانسلختْ هي منها، أي نهارُها من ليلها، وتكشف “أنا” عن ظل “هو”، وانشقّ عنه فأشارت بـ“هو” إلى مَن ليس كمثله شيء جل جلاله.




188. صفحة

اعلم يا “أنا”، لك “ أمور تسعة ” في دنياك تعاميتَ عن ماهيتها وعواقبها:

أما جسدك؛ فكالثمرة المتزهرة المتزينة صيفًا، المنكمشة المتفسخة شتاءً.

وأما حيوانيتك؛ فانظر إلى جنس الحيوان كيف يسرع فيهم الموت والزوال.

وأما إنسانيتك؛ فمترددة بين الانطفاء والاصطفاء والزوال والبقاء، فاستحفظ على ما بقي بما من شأنه أنْ يبقى بذكر الدائم الباقي.

وأما حياتك؛ فكقامتك قصيرة معينة الحدود لا تُقدَّم ولا تُؤخَّر فلا تتألم ولا تحزن ولا تخف عليها ولا تحمّلها ما لا طاقة لها به مما تطاول إليه طول الأمل.

وأما وجودك؛ فليس ملكًا لك، فله مالكٌ، الملكُ له وأشفق به منك؛ فمداخلتك بغيرِ ما أمركَ به، فكما أنها من الفضول وشُغل فضولي فكثيرًا ما تضر؛ ألا ترى الحرص وحب النوم كيف يفعلان ويجلبان الخيبة والسهر.

وأما مصائبك؛ فلا تمر حقيقةً لأنها تَمُرُّ سريعًا، بل تحلو لأنها تَحوُل؛ فتحوِّلُ وجهكَ من الفناء في الفاني إلى البقاء بالباقي.

وأما أنت هنا الآن؛ فمسافرٌ([1]) ثم مسافرٌ، والمسافرُ لا يَعلقُ قلبه بما لا يتعلق به ويفارقه بسرعة، فكما ترتحل من هذا المنزل في هذا المسجد البتة، كذلك تفارق هذه البلدة قطعًا، إما إلى بطنها أو إلى خارجها، فكما ستفارقها بالضرورة، كذلك تذهب بل تُخرَج وتُطردُ - شئت أم أبيتَ - من هذه الدنيا الفانية؛ فاخرجْ وأنت عزيز قبل أن تُطرد وأنت ذليل.

وأما وجودك؛ فافْدِهِ لموجدهِ الذي يشتريه بثمنٍ غالٍ، فسارعْ إلى البيع بل الفداء:

أولاً: فلأنه يزول مجانًا.

وثانيًا: لأنه مالُه وإليه يؤول.






189. صفحة

وثالثًا: لأنه إن اعتمدتَ عليه سقطتَ في العدم لأنه “باب إليه”، وإذا فتحته بالتَرك وصلتَ إلى الوجود الثابت.

ورابعًا: لأنه إذا تمسكتَ به كان في يدك نقطة وجودٍ فقط، ويحيط بك ما لا يتناهى من الأعدام الهائلة، وإذا نَفَضْتَ يدك منه استبدلت لمعةً بشمس فينقلب محيطُكَ إلى ما لا يتناهى من أنوار الوجود.

وأما لذائذ الدنيا؛ فقِسمتُكَ تأتيك، فلا تَطِشْ في طلبها، ولزوالها بسرعة لا يليق بالعاقل تعليقُ القلب بها، وكيف ما كانت عاقبة دنياك فتركُ اللذائذ أولى؛ إذ إما إلى السعادة، وهي تستلزم تركها. وإما إلى الشقاوة، ومَن ينتظرُ الصَلبَ كيف يلتذُّ ويَستعذِبُ ما يزيد عذابهُ من تزيينات آلات الصَلب؟ وإن توهمتَ بالكفر العدمَ -والعياذ بالله- فأولى بالترك؛ إذ بزوال اللذة يحسُّ ذلك العدم الهائلُ ألمه الأليم آنًا فآنًا في ضمن زوال اللذائذ، وهذا الألمُ أثقلُ بمراتب من لذة الوصال إن كنت تشعر.

اعلم أنَّ مثلك وقد تصيب رأسَك المصائبُ المرماةُ “بالقدر”، كمثل أغنام مُرسَلة في المرعى، يراها الراعي قد تجاوزت، فيرمي الأحجار خلفها لترجع، فيقول المُصابُ رأسُه بلسان الحال: نحن تحت أمر الراعي، وهو أعرفُ بنا منا فلنرجع، فيرجع، فيرجعون.

فلا تكوني يا نفسي أضلّ من الغنم، فقولي عند المصيبة: ﴿إِنَّا للهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ﴾.

اعلم أنَّ من الدليل على أنَّ القلب ما خُلق للاشتغال بأمور الدنيا قصدًا؛ إنَّه: إذا تعلق بشيء تعلّق بشدةٍ، واهتمّ به اهتمامًا عظيمًا، ويتطلب فيه أبديةً ودوامًا، ويفنى فيه فناءً تامًّا، وإذا مدّ يده يَمُدّ يدًا تطيق أنْ تقبضَ على الصخور العظيمة وتَرفَعَها، مع أنَّ ما يأخذه بتلك اليد من الدنيا، إنما هو تينةٌ أو تبنةٌ أو ريشةٌ أو شعرةٌ أو هباءٌ أو هواءٌ.

نَعم؛ القلب مرآةُ الصمد؛ فلا يقبل حجرَ الصنم بل ينكسرُ به، والعاشق المجازي يرى ظُلمَ معشوقه في الأكثر، بسرّ: أنَّ المعشوق بفطرته - بلا شعور - يردّ ولا يرضى ما ليس له بحق، وهو ليس بلائقٍ من إسكانه في باطن قلب العاشق.


190. صفحة

اعلم أنَّ القرآن أُنزل وأنزلت به مائدة سماوية، يوجد فيها كل أنواع ما تحتاج إليه طبقاتُ نوع البشر المتفاوتين في اشتهاء الأفهام، ففي المائدة أطعمة مترتبة، قُدِّمَ أولاً في وجهِ السُفرة الإلهية رزق الأكثر المطلق والجمهور الأعظم، أي العوام، مثلا: ﴿أَنَّ السَّموَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء:٣٠]

الصفحة الأولى: أي هما رتقاوان([1])، أما هذه فنقية صحو صافية، وأما تلك فميتة غبراء يابسة، فازدوَجَتا بإذنه تعالى فأولدت هذه أمطارًا وتلك أثمارًا. والدليل على هذه الصفحة ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء:٣٠].

وخلف هذه الصفحة والصحيفة انفصال السيارات([2]) مع شمسها من عجين المادة التي خُِلقَت من نور سيّد الأنام صلى الله عليه وسلم([3])، والآية على هذه الصفحة حديث “أول ما خلق الله نوري. الخ”([4]).

مثلاً: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق: ١٥] الصحيفة الأولى المقدمة في النظر، أنهم مع إقرارهم بخلقهم الأول الأعجب المشهود، يستبعدون الخلق الجديد الأهون؛ إذ له مثال سبق.

وإنَّ خلف هذه الصحيفة برهانًا نيرًا على كمال سهولة النشر؛ أيها المنكرون


[4] أول ما خلق الله نوري: أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر – الحديث، رواه عبد الرزاق بسنده عن جابر بن عبد الله قال قلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، أخبرني عن أول شيء خلقه الله قبل الأشياء قال: يا جابر إن الله تعالى خلق قبل الأشياء نور نبيك من نوره إلى آخر الحديث، انظر كشف الخفاء ج1 رقم 827، وللحديث شواهد أخرى، انظر في سنن الترمذي رقم 3542 وغيره عن أبي هريرة أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم متى كنت أو كتبت نبيا؟ قال كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد، قال الترمذي حسن صحيح، وصححه الحاكم أيضا. وفي لفظ: وآدم منجدل في طينته، وفي صحيحي ابن حبان والحاكم من حديث العرباض بن سارية مرفوعاً: إني عند الله لمكتوب خاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته، وكذا أخرجه أحمد والدارمي في مسنديهما، انظر الطبراني في مسند الشاميين 2595، وفي المستدرك للحاكم رقم 4174عن ميسرة الفخر قال: قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: متى كنت نبيا؟ قال: “وآدم بين الروح والجسد”، هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وانظر الطبراني في المعجم الكبير ج15 رقم 17220 و17221، والبيهقي في دلائل النبوة ج1 رقم 434.

 



191. صفحة

للحشر، تُحشَرون، وتنشرون في عمركم مرات، بل في سنتكم، بل في يومكم، تلبسون وتخلعون هذا الجسم كلباسكم صباحًا ومساءً يتجدد عليكم جسمكم كلباسكم([1]).

اعلم، فيا عجبًا من بلاهة النفس، ترى في نفسها أثر المصنوعية والمملوكية والتربية من طرف ربّ مختار حكيم، ثم تنظر إلى أمثالها من سائر الأفراد والأنواع والأجناس، فيتظاهر سرّ كلية القاعدة وشمول الفيض، وتحلّب([2]) نوع إجماع وتصديق فعلي، فكان لازمًا عليها أن تطمئن بتفطن سر: “كلية القاعدة ودستورية الحادثة”، والحال أنها تتخيل ما يقوي تجليات الأسماء عليها من عموم تجلياتها في دائرة الآفاق سبب الضعف وواسطة التستر وإمارة الإهمال وعلامة أنَّه لا رقيب عليها فتقول: اتسعَ فامتنع، عَظُم فَعَدِم، فهذه مغلطة يخجل منها الشيطان أيضًا.

اعلمي أيتها النفس المتضجرة القلقة، أن كل أحوالك في التعين، والنقش في جبهتك بقلم القَدر، كطلوع الشمس وغروبها، فإنْ أردت أن تضربي سندان القدر برأسك العليل، فتضجّري، واعلمي يقينًا، أنَّ من لا يستطيع أنْ ينفذ من أقطار السماوات والأرض، لا بد أن يرضى رضاء محبةٍ بربوبيةِ مَن ﴿خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ [الفرقان: ٢].

اعلم، لو كان صانع الشيء في الشيء لناسَبه، ولَتَنَوعَ بعدد الأشياء، وإذا لم يكن فيه فلا، كهذا الكتاب؛ يُكتب بقلم واحد مع أنَّه لا يُطبع إلا بحديدات مصنوعة، موضوعة تحته عدد حروفه، ولو تَنَبَّتَتْ نقوش الصنعةِ المتقنة في شيء منه وتحلّبت ثمراتُها وترشحت حروفُها من نفسه وإمكانه، لانبثت وانتثرتْ وانتشرتْ ولخرجت عن الانتظام، لكن فيها استقرارًا تامًّا وانتظامًا كاملاً فلم ينكتب نقش الشيء منه ولن ينكتب منه أبدًا، بل يُكتب عليه بقلم القُدرة على مِسطَر القَدَر.

اعلم! ومن الغرائب أنَّ العقل الذي يتطاول إلى الإحاطة بالعالم والنفوذ إلى الخارج والخروج من دائرة الإمكان، يغرق في قطرة، ويفنى في ذرة، ويغيب في شعرة، وينحصر الوجود عنده فيما فنى فيه، ويريد أنْ يدخل معه كل ما أحاط به في النقطة التي بَلَعته.





192. صفحة

اعلم أنَّه لو كان المُلك لك لتنغّص عليك التنعم بتكلف التعهد والتحفظ والتخوف، والمنعمُ الكريم يتعهد كل لوازمات النعمة، وما يفوّض إليك إلاّ التنعم والتناول من سُفرة إحسانه، والشكر الذي يزيد لذةَ النعمة؛ إذ الشكر رؤية الإنعام في النعمة ورؤية الإنعام تزيل ألمَ زوال النعمة؛ إذ تزولُ النعمة حينئذٍ فلا تعطي موضعها للعدم حتى تُؤلم، بل تُخلي الموقعَ لمجيء المثل كالثمرة، فتعطيك لذة التجدد. ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس:١٠] يدل على أنَّ الحمدَ عينُ اللذة. نعم؛ إنَّ سر الحمد؛ رؤية شجرةِ الإنعام في ثمرة النعمة، فيزول ألمُ تصوّر الزوال فيُلتَذ بنفس الحمد.

اعلم أنَّ المعلومات الآفاقية([1]) لا تخلو عن الأوهام والوساوس، وأما إذا استندت إلى الأنفس واتصلت بالوجدانيات المشعورة بالذات، تصفّت عن الاحتمالات المزعجة، فانظر من المركز إلى المحيط، ولا تعكس فتنتكس.

اعلم أنَّ هذه المدنية السفيهة المصيِّرة للأرض كبلدة واحدة، يتعارف أهلُها ويتناجون بالإثم وما لا يعني بالجرائد صباحًا ومساءً، غَلُظَ بسببها وتكاثفَ بملاهيها حجابُ الغفلة، بحيث لا يُخرق إلاّ بصرف همةٍ عظيمة، وكذا فتحت لروح البشر منافذ غير محدودة نظّارة إلى الدنيا يتعذّر سدُّها إلاّ لمن خصّه الله بلطفه.

اعلم أنَّ الذرة تسع الشمس بتجليها فيها بالمشاهدة، ولا تسع تلك الذرة ذرتين بالذات بالبداهة، فذراتُ الكائنات ومركباتها - كقطرات المطر ورشاشاتها المتشمّسة المتلألئة بتماثيل الشمس - قابلةٌ لأن تصير مظاهر للمعات تجليات القدرة النورانية الأزلية المطلقة المحيطة المستندة؛ بل المتضمنة للعلم والإرادة الأزليين غير المتناهيين، ولا يمكن أن تكون ذرة حجيرة([2]) عينك منبعًا ومعدنًا لقدرة وشعور وإرادة تتحمل وظائفها العشرة من خَدَمتها في الأعصاب المحركة والحساسة والأوردة والشرايين والأبصار والتصوير وغيرها مما يتيه فيه الفكر.





193. صفحة

فهذه الصنعة المتقنة العجيبة، والنقش المزيَّن المنتظم، والحكمة العميقة الدقيقة، تقتضي قطعًا:

إما أن يكون كل ذرة وكل مركَّب في الكائنات معدنًا ومنبعًا ومصدرًا لصفات محيطة مطلقة كاملة.

وإما أن يكون مظهرًا ومعكسًا ومجلّى للمعاتِ تجليات شمس الأزل الذي له هذه الصفات.

والشِق الأول فيه محالات بعدد ذرات الكائنات، فمن جاز عنده أنْ يحمل على جناحي نحلة جَبَلَي “سُبحانْ وآرارات”([1]) وأن ينبع من عيني بعوضة “النيل” و“الفرات”، فليذهب إلى الشق الأول؛ فتشهد كلُّ ذرةٍ بِعَجزها عن تحمل ما لا طاقة لها به، أنه: لا موجد ولا خالق ولا رب ولا مالك ولا قيوم ولا إله إلا الله، وكل ذرات الكائنات ومركَّباتها بألسنتها المختلفة ودلالاتها المتنوعة تتكلم بـ:

عباراتنا شتّى وحسنك واحد     وكل إلى ذاك الجمال يشير([2])

نعم؛ إنَّ كل حرف من كتاب الكائنات، يدل على وجود نفسه بوجهٍ واحدٍ، وبمقدار حرف، لكن يدل على كاتبه وصانعه بوجوه كثيرة، وينشدُ من أسمائه المتجلية عليه قصيدة طويلة:

تأمل سطور الكائنات فإنها      من الملأ الأعلى إليك رسائل([3])

اعلم أنَّ مرايا التجليات متنوعة منها: الزجاج، والماء، والهواء - لاسيما للكلمات - وعالم المثال، والروح، والعقل، والخيال، والزمان. وغيرها مما لا نعلم أو لا تعلم.

وتماثيل الماديات الكثيفة في المرايا منفصلة حُكمًا، وأمواتٌ حقيقةً، وليس لها خاصية الأصل، وغيرٌ للأصل أيضًا، بدليل انتقالها إلى الفطوغراف، دون النورانية الخالصة، وفي غير الخالصة تنتقل هوية صورتها المادية فقط.





194. صفحة

وأما تماثيل النورانيات فمتصلةٌ حكمًا، ومرتبطةٌ حقيقة، ومالكةٌ لخواص الأصل، وليستْ غيرًا له. فلو جعل الفاطرُ جل جلاله حرارةَ الشمس حياتها، وضياءها شعورَها، وألوان الضياء حواسَّها؛ لتكلمت الشمسُ معك في قلب مرآتك التي في يدك، كتلفونك ومرآة قلبك؛ إذ مثالها الذي في يدك له أيضًا بمقدار استعداده حرارة حياة، وضياء شعور، وألوان حواس، ومن هذا السر يطّلع النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو النور النوراني على صلوات كلّ مَن صلّى عليه في آن واحد، ومن هذا السر ينفتح مغلقات أسرار([1]).

اعلم أن “سبحان الله” و“الحمد لله” يتضمنان التوصيف بصفات الله: الجلال بالأول، والجمال بالثاني. “فسبحان الله” ينظر إلى بُعد العبد والممكن عن الله الواجب الوجود العلي العظيم، و“الحمد لله” ينظر إلى قُرب الله بالرحمة واللطف إلى العبد ومخلوقاته، فكما أنَّ الشمس قريبةٌ منك تُوصل حرارتها وضياءها إليك وتتصرف فيك بإذن خالقها الذى صيّرها مرآة لجَلوة([2]) اسمه “ النور” وظرفًا لنعمه التى هى الحرارة والضياء مع أنَّك بعيد عنها لا تصل يدك اليها، وأنت بالنسبة إليها قابل فقط لا فاعل ولا مؤثر، كذلك ﴿وَللهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ أنَّ الله جلّ جلاله قريبٌ منا فنحمده، ونحن بعيدون عنه فنسبّحه، فاحمده وأنتَ تنظر إلى قربه برحمته، وسبِّحه وأنتَ تنظر إلى بُعدك بإمكانك، ولا تخلط بين المقامين، ولا تمزج بين النظرين، لئلا يتشوش عليك الحق والاستقامة؛ لكن يمكن لك - بشرط عدم الالتباس والمزج - أنْ تنظر إلى القرب في جهة البُعد وإلى وجه البُعد في جهة القرب وإلى الوجهين معا فتقول: “سبحان الله وبحمده”.

اعلم يا طالب الدنيا، لا بد أن تتركها لأمور أربعة:

أولاً: فلأنها سريعة الزوال، وألم الزوال مذلّ ومزيل للذة الوصال.

وأما ثانيًا: فلأن لذائذها منغّصة بآلام مقارنة وأكدار متعاقبة.

وأما ثالثًا: فإنَّ ما ينتظرك وأنتَ تذهب إليه بسرعة بلا انحراف من القبر الذي هو باب إلى الآخرة، لا يقبل منك مزينات الدنيا هديةً؛ إذ تنقلب هناك قبائح.





195. صفحة

وأما رابعًا: فوازن بين سكونك ساعة في موقع بين الأعداء والمؤذيات والحشرات المضرة، وبين السكون في سنين كثيرة في موقع آخر قد اجتمع فيه كل أحبابك وكل عظمائك.

ومالك الملك أيضًا يدعوك إلى ترك لذة تلك الساعة ليريحك في تلك السنين مع أودّائك، فأجب داعي الله قبل أن تُساق إليه بالسلاسل.

فسبحان الله ما أعظم فضل الله على الإنسان يشتري بثمن غال من الإنسان مالاً له وديعة عند الإنسان ليحمله عنه، ويبقيه له، ويحميه مما يفسده، مع أنَّ الإنسان إنْ تملّكه ولم يبعه وقع في بلاءٍ عظيم في تعهّده بقدرة لا تكفي -من ألوف مصالحه- بواحد، ولو تحمله بنفسه على ظهره لأنقض ظهره، ولو أمسكه بنفسه لزال سريعًا وذهب مجانًا وفنى مورثًا لآثامه وأثقاله على مالكه الكاذب.

اعلم أنني مصداق لما قيل:

وعيني قد نامت بليلِ شبيبتي     ولم تنتبه إلاّ بصبح مَشيب([1])

إذ أشد أوقات انتباهي في شبيبتي رأيته الآن أعمقَ طبقات نومي! فالمتنورون المتنبهون في عرف المدنيين كانتباهي فيما مضى، مَثَلُهم كمثل مَن رأى في رؤياه أنه انتبه وقص رؤياه على بعض الناس. والحال أنَّه بهذا الانتباه مرّ من طبقة النوم الخفيفة إلى الطبقة الكثيفة. فمن كان هكذا نائمًا كالميّت كيف يوقظ الحي الناعس، وكيف يُسمع الناعس ما يتكلم به من وراء حُجب نومه المضاعف!

أيها المتنبهون النائمون، لا تتقربوا إلى المدنيين([2]) بالمسامحة الدينية والتشبه ظنًا منكم أنكم تصيرون جسرًا بيننا وبينهم وتملأون الوادي بيننا، كلاّ، إن المسافة بين المؤمنين والكافرين غير محدودة، والوادي بيننا في غاية العمق لا تملأونه، بل تلتحقون بهم أو تضلون ضلالاً بعيدًا!


[1] البيت منسوبا للحجام في الذخيرة في محاسن الجزيرة 6/823.

 

[2] يقصد الذين يتبنَّوْنَ الحضارة الغربية وثقافتها.

 




196. صفحة

اعلم أن في ماهية المعصية - لاسيما إذا استمرت وكثرت - بذر الكفر؛ إذ المعصية تولد ألفةً معها وابتلاء بها، بل تصير داءً، دواؤها الدائمي نفسها، فيتعذر تركُها، فيتمنى صاحبُها عدَم عقابٍ عليها، ويتحرى بلا شعور ما يدل على عدم العذاب، كالغريق يتمسك بثعبان، فتستمر هذه الحال حتى تنجر إلى إنكار العذاب وردّ دار العقاب.

وكذا إن خجالة المعصية - بغير الندامة والقلع - تُلجئ صاحبَها إلى إنكار كون المعصية معصيةً، وإنكار مَن يطلع عليها من حَفَظة الملائكة وغيرها، فمن شدة الخجالة يتمنى عدمَ الحساب، فإن صادف وهمًا ينفيه تلقَّاه برهانًا، وهكذا إلى أن يسودَّ القلب، والعياذ بالله.

اعلم أن من لمعات معجزات القرآن كما في “لَمَعات” المشتملة على الإشارة إلى أربعين نوعًا من إعجازه، ومن كمال بلاغته:

أنه جمع السلاسة الرائقة، والسلامة الفائقة، والتساند المتين، والتناسب الرصين، والتعاون بين الجمل وهيئاتها، والتجاوب بين الآيات ومقاصدها بشهادة علم البيان وعلم المعاني مع أنه نزل في عشرين سنة منجمًا لمواقع الحاجات نزولاً متفرقًا متقاطعًا بتلائمٍ كأنه نزل دفعةً، ولأسباب نزولٍ مختلفة متباينة مع كمال التساند، كأن السبب واحدٌ.

وجاء جوابًا لأسئلة مكررة متفاوتة، مع نهاية الامتزاج والاتحاد، كأن السؤال واحدٌ.

وجاء بيانًا لحادثات أحكامٍ متعددة متغايرة، مع كمال الانتظام كأن الحادثة واحدة.

ونزل متضمنًا لتنزلات إلهية في أساليب تناسب أفهام المخاطبين، لاسيما المنزَل عليه # بحالات في التلقي متنوعة متخالفة، مع غاية التماثل والسلاسة، كأن الحالة واحدة.

وجاء متكلمًا متوجهًا إلى أصناف مخاطبين متعددة متباعدة، مع سهولة البيان وجزالة النظام ووضوح الأفهام كأن المخاطب واحد، بحيث يظن كلُّ صنف كأنه المخاطب بالأصالة. 


197. صفحة

ونزل مهديًّا وموصلاً لغايات إرشادية متدرجة متفاوتة، مع كمال الاستقامة والنظام والموازنة كأن المقصد واحد؛ تدور تلك المقاصد والغايات على الأقطاب الأربعة: وهي “التوحيد”، و“النبوة”، و“الحشر”، و“العدالة”، فبسر امتلائه من التوحيد، التَأَمَ وامتزج وانتظم واتحد.

ومن كان له عين في بصيرته، يرى في التنزيل عينًا ترى كل الكون، كصحيفة مبصرة واضحة.. وقد جاء مكررًا ليقرّر، ومردّدًا ليحقق قصصًا وأحكامًا، مع أنه لا يُملُّ تكرارهُ، ولا يُزيل عَوْدهُ ذَوْقَه ولا يُسئمُ تردادُه، كلما كرّر حقّق وقرّر، بل ما كررته تحلو وتفوحُ أنفاسُ الرحمن منه إن المسك ما كررته يتضوّع”، وكلما استعدتَه استَلذْتَه؛ إن كان لك ذوق سليم بقلب غير سقيم، والسر فيه: أنه قُوتٌ وغذاءٌ للقلوب، وقوة وشفاء للأرواح، والقوت لا يُملُّ تكرارهُ، فمألوفه آنس وألذ، خلاف التفكّه الذي لذتُه في تجدده، وسآمتهُ في تكرره.

وكما أن الإنسان في حياته المادية يحتاج في كل آنٍ إلى الهواء، وفي كل وقتٍ إلى الماء، وفي كل يوم إلى الغذاء، وفي كل أسبوع إلى الضياء، في الأكثر، فتتكرر هذه الأمور لتكرر الحاجات، فلا تكون تكرارًا، كذلك إن الإنسان بجهة حياته الروحانية أيضًا؛ يحتاج إلى أنواع ما في القرآن؛ فإلى بعضٍ في كل دقيقة بل في آن سيال كـ: “هو الله” فبه يتنفس الروحُ، وإلى بعضٍ في كل ساعة كـ: “باسم الله”، وإلى بعض في كل وقت، وإلى بعض في كل زمان متدرجًا بدرجات الاحتياج، فيكرر القرآن على ما تقتضيه حياة القلب تكراره.

مثلاً: “باسم الله” كالهواء النسيمي يطهِّر الباطن داخلاً ويثمر خارجًا في نَفْسِك كَنفَسِك في جسمك، وأيضًا في تكرار القرآن بعض الحادثات الجزئية إشارة إلى أن الحادثة الجزئية تتضمن دستورًا كليًّا، كما أشرتُ إلى بعض من جمل “قصة موسى” عليه السلام التي هي أجدى من تفاريق العصا في “لَمَعات”.

والحاصل: إن القرآن الحكيم كتاب ذكر، وكتاب فكر، وكتاب حُكم، وكتاب علم، وكتاب حقيقة، وكتاب شريعة، وشفاء لما في الصدور، وهدىً ورحمة للمؤمنين.


198. صفحة

اعلم أن من أعاجيب فطرة الإنسان في وقت الغفلة، التباس أحكام اللطائف والحواس، كالمجنون الذي يصل نظرُه إلى شيء، فيمدّ يدهُ إليه ظنًا منه - لمجاورة العين لليد - أن ما يحصل بتاك، يحصل بهذه أيضًا، فالإنسان الغافل الذي لا تصل يد اقتداره إلى تنظيم أدنى جزء من أجزاء نفسه يتطاول بغروره وبسعة خياله إلى الحكم والتحكم في أفعال الله في الآفاق.

وكذا من أعجب فطرة البشر أن أفراده، مع تقارب درجاتها في الصورة الجسمية، تتفاوت معنىً بدرجات، كما بين الذرة إلى شمس الشموس خلافًا لسائر الحيوانات؛ إذ هي مع تفاوت أفرادها في الصور الجسمية، كالسمك والطير، تتقارب في قيمة الرّوح؛ فكأن الإنسان الذي قام من “مخروط الكائنات” في حاق الوسط([1])، منه إلى الذرة ومنه إلى شمس الشموس سواء؛ إذ لم تُحدَّد قواه ولم تُقيّد، أمكَنَ له أن يتنزل ويتسفل “بالأنانية” إلى أن يكون هو والذرة سواء، وكذا جاز له أن يتجاوز بالعبودية وبترك “أنا” ويتصاعد بإذنه تعالى إلى أن يصير بفضل الله كشمس الشموس مثل محمد عليه الصلاة والسلام.

اعلم أن الأصل في الشيء؛ البقاءُ، حتى إن الأمور السيالة السريعة الزوال كالكلمات والتصورات لها أيضًا مواضعَ أُخر يتحصنون فيها من الزوال، لكن يتطوّرون في الصور، حتى كأن الأشياء موظفون لحفظ الشيء إما بتمامه كالنوراني، أو وجهٍ من الشيء، يسارعون بكمال الاهتمام لأخذه ووضعه في قلوبهم الشفافة.

والحكمة الجديدة([2]) تفطنت لهذا السرّ لكن بلا وضوح، فلهذا أخطأت بالإفراط فقالت: لا عدم مطلقًا، بل تركّبٌ وانحلال، كلا، بل تركيب بصُنعه تعالى، وتحليل بإذنه، وإيجادٌ وإعدام بأمره، يَفعَلُ مَا يَشاء ويَحكُم مَا يُريدُ.

اعلم أيها السعيد الشقي، أن القبر بابٌ؛ باطنُه الرحمة، وظاهره من قِبله العذاب، وأودّاؤك ومَن تحبهم أكثرهم -حتى كلهم- ساكنون خلف هذا الباب، ألَمْ يأنِ لك أن تشتاق إليهم وإلى عالمَهم فَتنظَّفْ، وإلاّ استقذروك.





199. صفحة

لو قيل لك مثلاً: إن “الإمام الرباني أحمد الفاروقي([1]) قُدس سره، ساكن الآن في الهند، لاقتحمتَ المهالك وتركتَ الأوطان لزيارته، مع أن تحت اسم أحمد فقط ألوفُ نجوم حول شمس مَن في الإنجيل اسمه “أحمد” وفي التوراة “أحيد” وفي القرآن “محمد”، وتحت اسم محمّد ملايين، وهكذا كلهم خلف باب القبر في رحمة الله ساكنون، فلا بد أن يكون نصب عينك دائمًا “هذه الأساسات” وهي:

إن كنتَ له تعالى كان لك كلُّ شيء، وإن لم تكن له كان عليك كلُّ شيء.

وكلُّ شيء بِقَدَرٍ، فارضَ بما آتاك تزدد يُسْرًا على يُسْرٍ، وإلاّ زدْتَ مرضًا على مرض.

المُلكُ له، ويشتريه منك ليبقيه لكَ، ويزول مجانًا لو بقي عندك.

وأنت فقيرٌ إليه من كُلِّ وجهٍ.

وأنت مقيّدٌ بجهات أربع مسدودة، تُساق إلى باب القبر المفتوح لك.

لا لذّة للقلب حقيقةً فيما لا دوام فيه؛ تزول أنتَ، وتزول دنياك، وتزول دنيا الناس.

وستُنْزَع من الكائنات هذه الصورة، وسيُخلَع عليها أخرى، كالثانية، والدقيقة، والساعة، واليوم، كأن الكائنات ساعة كبرى كما ذكر في “النكتة الرابعة” من “الكلمة التاسعة”، فلا تهتم بما يبقى لك أثرًا في الفاني ويفنى عنك في الباقي.

ولا تنظر من بُعدِك وخستك ومن عظمته وعزته تعالى - ونقطة نظرك هذه الحيثية - إلى تصرفاته وتنزّلاته برحمته ونعمته؛ إذ حينئذٍ لا يليق إلاّ التسبيحُ.

ولا تنظر من حيثية قربه وإحاطته بعلمه ورحمته، ومن مخلوقيتك ودخولك في عنايته وكرمه، إلى صفات جلاله، لئلا تستهوي بك الأوهام والأهواءُ.


[1] هو الإمام الرباني الشيخ أحمد بن عبد الأحد الفاروقي السرهندي النقشبندي الحنفي، ولد سنة 971هـ، وتوفي سنة 1034هـ، ظهر في الهند، ويعدُّ مجدد الألف الثاني.

 



200. صفحة

فسبحان من تقدّست وتنزّهت عن أن تحيط به الأفكارُ والعقول،

والحمد لله الذي وسعت رحمتهُ كلَّ شيء.

لا إلهَ إلا الله وَحْدَهُ لا شَريكَ لهُ، لهُ المُلكُ ولهُ الحمدُ يُحيي ويُميت بيدهِ الخَير

وهوَ على كلِّ شيء قدير.([1])

 

اعلم أن مَن في قلبه حياةً إذا توجه إلى الكائنات يرى من عظائم الأمور ما لا يحيط به، ويعجز عن إدراكه ويتحيّر فيه، فللتشّفي من ألم الحيرة يشتاق إلى “سبحان الله” كتعطش العليل الغليل إلى الماء الزلال.

ويرى من لطائف النِعم واللذائذ ما يجبرهُ على إظهار تلذذه وتزييد تلذذه واستيزاد لذته بالدوام برؤية الإنعام في النعمة، والمنعم في الإنعام بعنوان الحمد، فيتنفس بـ“الحمد لله” كما يتنفس المظفر السالم الغانم.

ويرى من عجائب المخلوقات وغرائبها ما لا يطيق مقاييس عقله وزنَها ويضيق ذهنهُ عن محاكمتها، وحسُّ تجسس الحقيقة يشغله بها، فينادي: “الله أكبر” فيستريح، أي خالقها أعظمُ وأكبرُ فلا يثقل عليه خلقُها وتدبيرها، كمثل من يرى القمر يدور حوله فيغشاه ألم تعجب، أو خروج جبل بالزلزلة فيتدهش فيكبّر، فيلقي عن ظهره أثقال العَجب والتدهش على سفينة القدير القوي المتين جل جلاله.

اعلم أنك بسيئاتك لا تضر الله شيئًا إنما تضر نفسك، مثلاً: ليس في الخارج شريكٌ حتى تقوّيه باعتقادك فتؤثّر في كمال ملكهِ تعالى، بل في ذهنك وفي عالمك فقط، فيخرّب بيتك على رأسك.

اعلم أنه من توكّل على الله فهو حسبه، فقل: “حسبي الله ونعم الوكيل”:

فأولاً: لأنه الكامل المطلق، والكمال محبوب لذاته وتُفدى له الأرواحُ.


[1] تأمل في هذه الكلمات التوحيدية المأثورة كيف اشتملت على ثمانية تأكيد للتوحيد. (المؤلف).

 




201. صفحة

وثانيًا: لأنه محبوب لذاته وهو المحبوب الحقيقي، والمحبة تقتضي الفداء.

وثالثًا: لأنه الموجود الواجب، وبقربه أنوارُ الوجود، وببُعده ظلماتُ العَدَمات، وألمٌ أليم في أفول آمال الروح الإنساني.

ورابعًا: لأنه الملجأ والمنجى للروح الذي ضاقت عليه الأكوانُ، وآلمَته مزخرفات الدنيا، وعادَتْهُ الكائنات وأنقض ظهره تحت الشفقة اليتمية والمرحمة المأتمية.

وخامسًا: لأنه الباقي الذي به البقاء، وبدونه الزوال، وكل العذاب في الزوال، وبدونه يتراكم على الروح آلامٌ بعدد الموجودات، وبه يتظاهر على المتوكل أنوارٌ بعددها.

وسادسًا: لأنه المالك يحمل عنك مُلكه الذي عندك؛ إذ لا تطيق حمله، فبتوهم التملّك تقع في عذاب أليم، فلبقائه ودوام إنعامه لا تغتم بفناء ما في يدك، كما لا تحزن الحباباتُ المتشمسة بالتحول والانحلال، فلإظهار تجددات تجليات الشمس يفدي الحبابُ صورتَه بكمال النشاط بل يموت وهو يضحك، وكما لا تغتم الثمرات بفراق الشجرة ولا النواة بانحلال الثمرة ولا أنت بزوالها إذ تقولون فلتحي الشجرة؛ إذ في حياتها موتُنا حياةٌ.

يا هذا أنت ثمرة إنعاماته بل مجسَّمُ إنعاماته.

وسابعًا: لأنه الغني المغني وبيده مقاليد كل شيء، إذا صرتَ عبدًا خالصًا له، ثم نظرت إلى الكائنات ترها ملكَ مالكك وحَشمته([1]) وحواشيه فتتنزه بها، كأنها ملكٌ لك بل أعلى، بلا كلفة ولا ألم زوال؛ إذ الخادمُ الخالص للمَلِك والفاني في محبته يفتخر بكل ما للمَلِك.

وثامنًا: لأنه ربّ الأنبياء والمرسلين والأولياء والمتّقين وكلهم مسعودون في رحمته، فعِلْمك بسعادتهم يعطيك في شقاوتك سعادةً ولذةً إن كنتَ ذا قلب.



 




202. صفحة

اعلم أنه لا يليق بك إن كان لك عقلٌ سليم أن تهتم وتغتم وتغضب وتصخب لما يأتيك أو يفوتُك من أمور الدنيا، لأن الدنيا تزول لاسيما دنياك، ولاسيما أنت؛ إذ لست بأبدي هنا، ولستَ من حديدٍ ولا شجر حتى يطول بقاؤك، بل من لحم متجدّد ودم متردد وروابط في غاية رقة تتأثر بأدنى شيء، وقد تنقطع تلك، وينجمد هذا، ويتفسخ ذلك باختلال ذرتين، ولاسيما تَنفس فيك صبحُ المشيب وكَفنَ نصف رأسك، ولاسيما تضيّفَتْ بل توطنت فيك العللُ التي هي طليعة الموت، والأمراض التي هي مخالبُ هادم اللذات، مع أن أمامك عمرًا أبديًّا ألقيته خلفك ظِهريًا، إنما ترتّبت راحته على سعيك هناك، مع أنك في حرصك وشَرهك كمن هو خالد وخَلُدَت له الدنيا خاصة، فانتبه قبل أن تُنبّهك سكراتُ الموت.

اعلم أنك إذا توجهت إليه تعالى بعنوان المعلوم والمعروف يصير لك مجهولاً ومنكرًا؛ إذ هذه المعلومية والمعروفية نتيجة الألفة العُرفية والتسامع التقليدي، والتداول الاصطلاحي، وهي لا تغني من الحقيقة شيئًا؛ بل ما يتراءى لك فيها مقيد لا يتحمل الصفات المطلقة، بل إنما هو نوع عنوان لملاحظة الذات الأقدس.

وأما إذا توجهت إليه بعنوان الموجود المجهول، تكشّف لك عن أشعة المعروفية، وعن بروق شروق موصوفٍ لا تثقل ولا تتعاظم عليه هذه الصفات المطلقة المحيطة المتجلية في الكائنات، كما لا يثقل عليك حمل قميصك من الحرير الرقيق ومنديلك من الخزّ الْمُنَمْنم.

اعلم كفاك فخرًا بلا نهاية - لا كفخرك بكمال كبريائك - أن يكون لك مالكٌ قدير على كل شيء، ومن اقتداره وهو هو الذي السماوات مطويات بيمينه، والأرض قبضته يوم القيامة، أنه يربيك بشفقة أتمّ من شفقة أبويك، وأنت أنت كقطرة في بحر، والبحر كنقطةٍ في صحراء، والصحراء كذرةٍ بين عظائم مصنوعاته؛ إذ هو نور الأنوار العالمُ بالأسرار، وليس من عظمة السلطان الإنساني عدم اشتغاله بتفاصيل جزئيات الأمور، بل من عَجزه وعدم اقتداره، ومن عظمة سلطان الأزل أنه كما يكتب بقلم

203. صفحة

صُنعه على صحيفة السماء بمداد النجوم الدراري آيات ألوهيته، كذلك يكتب بذلك القلم على صحيفة سواد العين بمداد الجواهر الفردة آيات ربوبيته.

فسبحان مَن هذه الأجرام العلوية والكواكب الدرية نيّرات براهين ألوهيته وعظمته، وهذه المصابيح المزينة والنجوم المتبسمة شعاعات شواهد ربوبيته وعزته جلّ جلاله.

اعلم أن الأسماء الحسنى كلٌّ منها يتضمن الكلَّ إجمالاً، كتضمن الضياء للألوان السبعة، وكذا كلٌّ منها دليل على كلّ منها، ونتيجةٌ لكل منها، بينها تعاكسٌ كالمرايا، فيمكن ذكرها كالقياس الموصول النتائج متسلسلاً، وكالنتيجة المترتبة الدلائل، إلا أن الاسم الأعظم الواحد يتضمن الكلَّ فوق هذا التضمن العام، فيمكن للبعض الوصول إلى نور الاسم الأعظم بغيره من الأسماء الحسنى، فيتفاوت الاسم الأعظم بالنظر إلى الواصلين، والله أعلم بالصواب.

 

تضرّع

إلهي لازم عليّ ألاَّ أبالي ولو فات مني حياةُ الدارين وعادَتْني الكائناتُ بتمامها؛ إذ أنتَ: “ربي وخالقي وإلهي”؛ إذ أنا مخلوقُك، ومصنوعُك، لي جهةُ تعلّق وانتساب، مع قطع نهايةِ عصياني وغايةِ بُعدي لسائر روابط الكرامة. فأتضرع بلسان مخلوقيتي:

يا خالقي، يا ربي، يا رازقي، يا مالكي، يا مصوري، يا إلهي!

أسألك بأسمائك الحسنى واسمك الأعظم، وبفرقانك الحكيم وبحبيبك الأكرم، وبكلامك القديم، وبعرشك الأعظم، وبألف ألفِ “قُل هُوَ الله أحدْ”

ارحمني يا الله، يا رحمنُ، يا حنّانُ، يا منّانُ، يا ديّانُ،

اغفر لي يا غفّارُ، يا ستّارُ، يا توّابُ، يا وهّابُ،

اعفُ عني يا ودودُ، يا رءوفُ، يا عفوّ، يا غفورُ،

الطف بي يا لطيفُ، يا خبيرُ، يا سميعُ، يا بصيرُ،


204. صفحة

وتجاوز عني يا حليمُ، يا عليمُ، يا كريمُ، يا رحيمُ،

“اهدنا الصّراطَ المستَقيم” يا رب، يا صمدُ، يا هاد،

جُد عليَّ بفضلِكَ يا بديعُ، يا باق، يا عدلُ، يا هو،

أحي قلبي وقبري بنور الإيمان والقرآن يا نورُ، يا حقّ، يا حيُّ، يا قيّومُ، يا مالكَ الملكِ يا ذا الجلال والإكرام، يا أوّلُ، يا آخرُ، يا ظاهرُ، يا باطنُ، يا قويُّ، يا قادرُ، يا مولايَ، يا غافرُ، يا أرحمَ الراحمين!

أسألك باسمك الأعظم في القرآن، وبمحمد عليه الصلاة والسلام الذي هو سِرُّكَ الأعظم في كتاب العالم أنْ تفتحَ من هذه الأسماء الحسنى كواتٍ([1]) مُفيضةً لأنوار الاسم الأعظم إلى قلبي في قالبي، وإلى روحي في قبري، فتصير هذه الصحيفة كسقف قبري، وهذه الأسماء ككوات تُفيضُ أشعةَ شمسِ الحقيقة([2]) إلى روحي.

إلهي أتمنى أن يكون لي لسانٌ أبدي ينادي بهذه الأسماء إلى قيام الساعة، فاقبل هذه النقوش الباقية بعدي نائبًا عن لساني الزائل.

اللّهم صلِّ وسلِّم على سيدِنا محمدٍ صلاةً تُنجينا بها من جميع الأهوال والآفات، وتقضي لنا بها جميعَ الحاجات، وتُطهّرنا بها من جميع السيئاتِ، وتغفرُ لنا بها جميع الذنوب والخطيئات.

يا الله، يا مجيب الدعوات، اجعل لي في مدة حياتي وبعد مماتي، في كل آن أضعافَ أضعاف ذلك، ألف ألف صلاةٍ وسلامٍ مضروبَين في مثل ذلك وأمثال أمثال ذلك، على سيدنا محمد وعلى آلِهِ وأصحابه وأنصاره وأتباعه، واجعل كل صلاةٍ من كل ذلك تزيد على أنفاسي العاصية في مدة عمري، واغفر لي وارحمني بكلِّ صلاةٍ منها برحمتك يا أرحمَ الراحمين، آمين.


205. صفحة

ذيل الحبة

 

 

 

 

يا ناظر،

أظنني أحفر بآثاري المشوّشة عن أمرٍ عظيم بنوع اضطرارٍ مني.

فيا ليت شعري هل كشفت، أو سينكشفُ، أو أنا وسيلة لتسهيل الطريق لكشّافه الآتي.

لا حولَ ولا قوّةَ إلاّ بالله.

حَسْبُنا الله ونِعمَ الوَكيل.

اللّهمَّ لا تُخرِجنا مِنَ الدُّنيا إلاّ مَعَ الشَّهادة والإيمانِ.

 


206. صفحة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله على نعمةِ الإيمان والإسلام، بِعدَدِ قطراتِ الأمطار، وأمواجِ البحار وثَمراتِ الأشجار، ونُقوش الأزهار ونَغماتِ الأطيار، ولَمعاتِ الأنوار، والشُّكرُ لهُ على كُلِّ نِعمهِ في الأطوار، بعدد كُلِّ نِعمهِ في الأدوار.

والصلاة والسّلامُ على سيّد الأبرار والأخيار مُحمّدٍ المختار، وعلى آلهِ الأطهارِ وأصحابه نُجومِ الهداية ذوي الأنوار، مادارَ اللّيلُ والنهار.

اعلم أن المسافر كما يُصادف في سيره منازلَ، لكلِّ منزلٍ شرائط تخصّهُ، كذلك للذاهب في طريق الله مقامات ومراتب وحالاتٌ وحُجبٌ وأطوار، لكل واحدٍ طورٌ يَخصهُ؛ مَن خلَطَ غلطَ، كمثل مَن نزل في قرية إسطبلاً([1]) سمع فيه صهيل الفرس، ثم في بلدٍ نزل قصرًا فسمع تَرَنُّم العندليب، فتوهم الترنم صهيلاً، وأراد أن يستمع منه صهيل الفرس مغالطًا لنفسه.

اعلم أنَّ مما زيّن في عينك هذه الحياة تلألؤ تماثيل نجوم الهداية من أماثل الأسلاف في مرآة الدنيا، بسرّ: أنَّ المستقبل مرآة الماضي، والماضي يلتحق بالبرزخ - بمعناه - ويُودع صورته ودنياه في مرآة الاستقبال والتاريخ وأذهان الناس، مثلك في حب الحياة بحبهم كمثل مَن صادف في وجه طريقه مرآة عظيمة فرأى فيها تماثيل رفقائه وأحبابه الذاهبين إلى الشرق مغرّبين في المرآة فيتوحش من الشرق فيهرول مغربًا، ولو كُشِفَ عن وجهك غطاءُ الغفلة لرأيتك تسرع في بيداء([2]) خالية يابسة لسراب وعذاب، لا لِعَذْبٍ وشراب.

اعلم أن من عظيم علو القرآن وأصدق دليل على حقانيته:

محافَظَته لكلِّ لوازمات التوحيد بمراتبه، ومراعاتُهُ لموازنة الحقائق العالية الإلهية، واشتماله على مقتضيات الأسماء الحسنى، والتناسب بينها، وجمعهُ لشئونات الربوبية





207. صفحة

والألوهية بكمال الموازنة، وهذه خاصيّةٌ ما وُجدَت قطُّ في أثر البشر وفي نتائج أفكار أعاظم الإنسان من الأولياء المارين إلى الملكوت، والإشراقيين الذاهبين إلى بواطن الأمور، والروحانيين النافذين إلى عالم الغيب، فإنهم لا يحيطون بالحقيقة المطلقة بأنظارهم المقيدة، بل إنما يشاهدون طَرفًا منها فيتشبثون به وينحبسون عليه ويتصرفون فيه بالإفراط والتفريط، فتختل الموازنة ويزول التناسبُ.

مَثلهم كمثل غوّاصين في البحر لكشف كنزٍ متزين ممتلئ بما لا يحصى من أصناف الجواهر، فبعضٌ صادف يدهُ ألماسًا مستطيلاً مثلاً، فيحكمُ بأن الكنزَ عبارةٌ عن ألماسٍ طويل، وإذا سمع من رفقائه وجود سائر الجواهر فيه يتخيلها فصوص ألماسه، وصادف آخرُ ياقوتا كرويًّا وآخر كهربا([1]) مربعًا وهكذا، وكل واحد يعتقد مشهودَه جرثوم([2]) الكنز ومعظمه، ويزعم مسموعَه زوائده وتفرعاته، فتختل الموازنة ويزول التناسب، فيضطرون للتأويل والتصلف([3]) والتكلف حتى قد ينجرّون إلى الإنكار والتعطيل، ومَنْ تأمل في آثار الإشراقيين والمتصوفين المعتمدين على مشهوداتهم بلا توزين بميزان السُّنة لم يتردد فيما قلت.

ثم انظر إلى القرآن فإنه أيضًا غواص لكن له عينٌ مفتوحة تحيط بالكنز وما فيه، فيصف الكنزَ كما هو عليه، بتناسب وانتظام واطراد مثلا:

يشتمل على ما تقتضيه عظمةُ مَن ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧] وكما قال: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء:١٠٤] مع أنه ﴿يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [آل عمران:٦] ﴿مَا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ [هود:٥٦] ﴿خَلَقَ السَّموَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [الأنعام: ١] مع أنه ﴿خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦] ﴿يُحْيِي الأَرْضَ﴾ [الروم:٥٠] ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: 68] ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾ [الأعراف:٥٤]

[1] الكهرب: مادة راتينجية صفراء اللون شبه شفافة قوية العزل للكهربائية وهي أولى المواد التي عرف تكهربها بالدلك ومنها اشتقت كلمة الكهربائية.

 





208. صفحة

﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ [الملك: ١٩] ويكتب صحيفة السماء بنجومها وشموسها ككتابة صحيفة جناح النحلة بحجيراته([1]) وذراته ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّموَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥] مع أنه ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [الحديد: ٤] و ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣] وهكذا، وقس عليها، وما يشاهد في نوع البشر من أنواع الفرق الضالة، إنما نشأت من قصور أئمتهم المارين إلى الباطن المعتمدين على مشهوداتهم الراجعين من أثناء الطريق المصداقين لما قيل: “حفظت شيئًا وغابت عنك أشياء”.

اعلم أن توصيفَ السماء بالدنيا في: ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا﴾ [فصلت:١٢] ومقابلة الدنيا للآخرة، تشير إلى أنَّ السماوات الست الأخر ناظرة إلى عوالم أخرى، من البرزخ إلى الجنة، والمشهودة بنجومها وطبقاتها سماء الدنيا، والله أعلم.

اعلم أنه جيء بك من العدمِ إلى الوجود، ثم رقّاك موجِدُك من أدنى أطوارِ الوجود حتى أوصَلكَ بإنعامه إلى صورة الإنسان المسلم، فما تخلل بينك وبين مبدأ حركتك من المنازل الكثيرة المتعددة كلٌّ منها نعمةٌ عليك، وفيك ثمرةٌ وصبغةٌ من كلِّ واحدٍ، فصرتَ كقلادةٍ منظّمة، وعنقودٍ نضيدٍ بحبات النِعَم، وسنبلةٍ منضدة من الرأس إلى القدم، كأنك فهرستة لطبقات نِعَمه تعالى؛ ولأن الوجودَ يقتضي علّةً، والعدم لا يقتضي، كما تقرر في العقول، تُسأل ويُسألُ عنك في كل منزل في مراتب الوجود من الذرة إلى العدم: كيف وصلت إلى هذه النعمة؟ وبِمَ استحقيتها وبـ“هل شكرت؟” ولا يَسأل من له مسحةُ عقلٍ عن حَجَر لماذا ما صار شجرًا، وعن شجرةٍ لماذا ما صارت إنسانًا.

فيا أيها السعيد المسكين المغرور، أنت نقطةٌ في وسط سلسلةِ الموجودات، فعليك نِعَمٌ بعددِ ما تحتَك إلى العدم الصرف، وأنت مسئولٌ عن شُكرها، وأما ما فوقك فليس لك ولا لأحدٍ أن يسأل لماذا ما وصلت إلى أعلى مما أنت فيه، كما لا حقَّ للذرة أن تقول:“آيْ وَاهْ([2])” لِمَ ما صرتُ شمسًا، ولا للنحلةِ أن تقول لصانعها: هلا خلقتَني




209. صفحة

نخلةً مثمرة؟ إذ ما تحتك وقوعاتٌ، وما فَوقك عدمات إمكانات شبيهة الممتنعات.

اعلم يا أنا، أن مما أهلككَ وأهواكَ وأوهمك وأهزاك وأذلك وأضلك؛ أنك لا تعطي كل ذي حقٍّ مقدارَ حقّه، وكل ذي حِمل حملَهُ بوسعه، بل تَفرُطُ وتُفرِّطُ فتحمِّل على نفرٍ ممثلٍ للجيش كلّ لوازمات الجيش العَرَمْرم([1])، وتتحرى في تمثال الشمس في عين القطرة أو وجه الزهرة كلّ لوازمات عظمة شجرة الشمس المثمرة بالسيارات، نعم؛ القطرة والزهرة تصفان ولا تتصفان.

اعلم أن الْمُلكَ له، وأمانتُه، واشتراه، لا فائدة في المرق([2])، ولا خير فيما لا يبقى، وإياك ونقض العهد معه، وعليك بالموت، والموت المنجر إلى الحياة أولى من هذه الحياة المنقلبة إلى الموت.

اعلم أن ما في المرآة كما أنه “ليس عينًا ولا غيرًا” فهو “عين وغيرٌ”، فمن حيث إنه مظروف ملكوت المرآة “عين” فأحكامه أحكام الأصل، ومن حيث إنه صفة ملك المرآة المتلألئة به “غيرٌ”، فله أوصاف ناظرة إلى المرآة، لا إلى الأصل فقط، ومن الحيثيتين “لا عينٌ ولا غيرٌ”، كما أن الشيء في مرآة الذهن - من وجه أنه مظروفه - معلومٌ، ومن جهة أنه صفته علمٌ مع تغاير لوازمهما.

اعلم أنه لا تزاحم بين العوالم المختلفة في نوع الوجود، فإن شئت فادخل في ليلة مظلمة منزلاً منورًا بالمصابيح وجدرانه الأربع من الزجاجة التي هي نوع مشكاةٍ للعالم المثالي.

فأولاً: ترى فيها باتصال - الحقيقي بالمثالي - منازل عديدة متنورة عمّت البلد كأنه لا ظلمة بمقدار مد النظر.

وثانيًا: تراك تتصرف بالتغيير والتبديل بكمال السهولة في تلك المنازل.

وثالثًا: ترى السراج الحقيقي أقرب إلى أبعد السُرُج المثالية من لصيقهِ، بل من نفسه لأنه قيّومه.





210. صفحة

ورابعًا: ترى أن حبةً من هذا الوجود تقتدر أن تُقِلّ([1]) وتحمل عالمًا من ذلك الوجود.

فهذه الأحكام الأربعة تجري في مواد كثيرة حتى بين الواجب وعالم الممكنات التي وجوداتها ظلال أنوار الواجب، فوجودها في مرتبة الوهم، لكن استقرّ وثَبتَ - بأمره تعالى له - وجودٌ خارجي، فليس خارجيًّا حقيقة بالذات ولا وَهميّا محضًا ولا ظليًّا زائلاً بل له وجودٌ بإيجاد الواجب الوجود، فتأمل.

اعلم أنه كما أنه محال ألاَّ يكون لهذا الْمُلك الْمُعتنى به مالك، كذلك محالٌ ألاَّ يتعرف ذلك المالك إلى الإنسان الذي يدرك درجات محاسن الملك الدالة على كمالات المالك، مع أن ذلك الإنسان كالخليفة في مهده الممهّد له يتصرف فيه كيف يشاء؛ بل في السقف المحفوظ السماوي أيضًا بعقله. ومع ذلك إن الإنسان أشرفُ المخلوقات بشهادة تصرفاته العجيبة الخارقة مع صغره وضعفه، وإنه أوسعُ الأسباب اختيارًا بالبداهة، فبالضرورة يرسل المالك من يعرّف المالك إلى مماليكه الغافلين عنه ويخبرهم ما يرضى به ويطلبه منهم ذلك المالك جل جلاله.

اعلم أن كل الحواس حتى الوهم والفرض والخيال يتفقون في النهاية على الحق ويلتجئون إليه، ولا يبقى عندهم للباطل إمكان، فيقرون بأن الكائنات لا يمكن أن تكون إلاّ على ما أخبَر به القرآن، هكذا شاهدتُ وعقلي معي.

اعلم أنه كما لا تزاحم ولا تصادم بين عالم الضياء وعالم الحرارة وعالم الهواء وعالم الكهرباء وعالم الجاذبة إلى عالم الأثير والمثال والبرزخ، يجتمع الكلُّ بلا اختلاط معك في مكانك بلا تشكّ من أحدٍ منكم، من مزاحمةِ أخيه، فهكذا يمكن أن يجتمع كثيرٌ من أنواع العوالم الغيبية الواسعة في عالم أرضنا الضيقة. وكما لا يعوقنا الهواء من السير ولا يمنعنا الماءُ من الذهاب ولا يمنع الزجاجُ مرورَ الضياء، ولا يعوقُ الكثيف أيضًا نفوذَ شعاع “رونتكن”([2]) ونورِ العقل وروح المَلَك، ولا يمنع الحديدُ سيلانَ الحرارة

 




211. صفحة

وجريان الكهرباء ولا يعوق شيء سريانَ الجاذبة وجولان الروح وخدّامه وسيران نور العقل وآلاته، كذلك هذا العالَمُ الكثيف لا يمنع ولا يعوق الروحانيات من الدوران، والجن من الجولان، والشيطان من الجريان، والمَلَك من السيران.

اعلم أن النور والنوراني كالعين والسراج والشمس، يتساوى لها الجزئي والنوع والجزء والكل والواحد والأُلوف، فانظر إلى الشمس كيف انصبغت بتماثيلها السياراتُ([1]) والبحورُ والحياضُ والحبابات والقطرات والرشاشات وقطرات الندى والذرات الزجاجية، دفعةً بالسهولة والمساواةِ بين السيارات والذرات.

كذلك ﴿وَللهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ تصرفات شمس الأزل نور الأنوار([2]) في كتاب الكائنات هكذ، يكتُب كلَّ أبوابه وفصوله وصحفه وسطوره وجمله وحروفه دفعةً بلا كُلفة كما قال: ﴿ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان:٢٨] آمَنّا.

اعلم أن من تأمل في ذرات الأشياء وسَرَيانها إلى حدود، ثم توقفها عندها لفوائدٍ وثمرات، تيقّن أن عند الحدود من يأمر الذرات بـ: قفي وانثني! كما يأمر القالبُ الذهبَ الذائبَ بلسان حديد، وينهى بـ: لا تَسِل واستقر، فيما عَيَّنَتْه لك معاطفي وتلافيفي([3]) المصنوعة لحِكم.

وآمرُ الذرات ما هو إلا علمٌ محيطٌ يتجلى ذلك العلمُ قدرًا، فينعكس القدَرُ مِقدارًا فينطبع المقدارُ قالبًا.

اعلم أن القرآن كما يفسّر بعضه بعضًا، كذلك أن كتاب العالم يفسِّر بعضُ آياته بعضها، فكما أن العالم المادي يحتاج احتياجًا حقيقيًّا إلى شمس تفيض منها عليه أنوارُ نعمته تعالى، كذلك العالمُ المعنوي يحتاج أيضًا إلى شمس النبوة لفيضان أضواء رحمته تعالى، فنبوةُ أحمد عليه الصلاة والسلام في الظهور والوضوح والقطعية بدرجة الشمس في وسط النهار، وهل يحتاج النهارُ إلى دليل؟!




212. صفحة

اعلم أن الثمرات المترتبة على وجود الحي لا تنظر إلى الحي وبقائه ونفعه وكماله فقط، بل إليه بحصةٍ ودرجة، وإلى المحيي جل جلاله بدرجات غير محصورة، فحصةُ الحي قد لا تحصل إلاّ بزمان مديد، لكن ما ينظُرُ إلى المحيي قد يحصل في آنٍ سيال، كإظهار الحي - بمعكسيته ومظهريته لتجليات الأسماء الحسنى - حمدَ خالقهِ بتوصيفه بأوصافِ كماله وجماله وجلاله بلسان الحال.

اعلم أن فرد الإنسان كنوع سائر الأنواع، بسر: أن فرد الإنسان له ماض ومستقبل يجتمع في الشخص معنىً كلُّ مَن مات منه من أفراد نفسه؛ إذ في كل سنةٍ يموت منه فردان صورةً ويورثان فيه معنَييْهما من الآلام والآثام والآمال وغيرها، فكأنه فردٌ كلي، وإحاطةُ فكره وعقله وسعة قلبه وغيرها تعطيه نوعَ كليةٍ، وكون فرده كنوعه في الخلافة والمركزية لعالمٍ خاص كالعالم العام، والعلاقة الشعورية مع أجزاء العالم وتصرفه في كثير من الأنواع النباتي والحيواني والمعدني تحويلا وتغييرًا خلافًا لسائر الحيوانات وغيرها، أيضًا تعطي له نوع كليةٍ، كأنَّ كلَّ فردٍ نوعٌ منحصر في الشخص، ودعاء المؤمن لعموم أهل السماوات والأرض يشير إلى أن الشخص يصير بالإيمان كعالَم، أو مركزه، فما تجري في نوع الحيوان من القيامات المكررة النوعية المشهودة في كل سنة - فإن شئت فَانظُر إلى آثارِ رحمة الله في كل سنة في الثمرات المتجددة الأمثال كأنها أعيانها، وإلى حشر أنواع الهوام والحشرات بكمال سهولة من القيامة - تجري بالحدس القطعي في كل فرد من أفراد الإنسان، فيدل كتاب العالَم في هذه الآيات التكوينية على قيام القيامة الكبرى لأبناء البشر، كما يدل القرآن عليه بالآيات التنزيلية.

 فالدلائل العقلية على القيامة ذكرتُها في “إشارات الإعجاز”، وفي الباب الثالث في “نقطة”، فراجعهما إن شئت، فإن فيهما ما يطرد عنك الوساوس ويطيّر عنك الأوهام.

اعلم أنك إذا استمعت القرآن فألبس لكلّ نغمةٍ من نغماتهِ المتطوّرة على الْحُجُب، والمتنوعة في المراتب الإرشادية، والمنصبغة بحسيات الوسائط، من جبرائيل عليه السلام

213. صفحة

إلى من تسمع منه، ما يناسبها.

فلك أن تَمُرّ بسمعك من القارئ في مجلسك إلى الاستماع من النبيِّ عليه الصلاة والسلام الذي يقرأُه في ذروة شاهق النبوة في مجلس الأرض على أبنائها من بني آدم وغيرهم.

ولك أيضا أن تستمع من جبرائيل وهو يخاطب النبيَّ في الأفق الأعلى “عليهما الصلاة والسلام”.

ولك أن تستمع من خلف سبعين ألف حجابٍ من المتكلم الأزلي، وهو يتكلم مع النبي في قاب قوسين أو أدنى، فألبس إن استطعتَ لكلٍّ ما يليقُ به!.

اعلم أن ما يتعلق بك منك من الشعور والعلم، إنما هو بدرجة ما يرجع إليك منك، بسر عدم الإسراف، ومناسبة السبب للمسبَّب، والقوة للعمل، وما يرجع إليك منك بالنسبة إلى ما يرجع إلى مَن خَلَقَك كنسبة شعرةٍ إلى حبل، وخيط إلى ثوب، فنسبة علمِك وشعورك المتعلقين بك بالنسبة إلى علمِه وبصره المتعلقين بك كنسبة تنوُّر اليراعة التي يبرق منها النور كنُجيمة بتلمعها في النهار تحت ضياء الشمس المحيط بها، وأنت في ظلمات الغفلة، وليل الطبيعة ترى لمعتك نجمًا ثاقبًا.

اعلم أن فيما بين أفعال الله تناسبًا، وبين آثاره تشابهًا، وبين أسمائه تعاكسًا، وبين أوصافه تداخلاً، وبين شئوناته تمازجًا، إلاّ أن لكلّ طورًا يخصُّه، يستتبع ما سواه في طوره، فلا يُتوجّه قصدًا في بيته ودائرة حُكمه إلى غيره، ولا يُطلب لوازم غير منه، لأن لازم اللازم ليس بلازم إلاّ بقصدٍ جديد؛ إذ التابع لا يُستتبع، كما أن الحرف التبعي لا يُحكم عليه.

فإذا نظرت من آثاره إلى الجامدات فتوجّه قصدًا إلى القُدرة والعظمة، ويتراءى لك تجليات سائر الأسماء استطرادًا وتَبَعيًّا.

فإذا نظرت إلى الحيوانات غير الناطقة فألبس لها طورها، فهكذا ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد:٨] ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ [الفرقان:٢].


214. صفحة

اعلم أن “لاَحَولَ ولاَقُوّةَ إلاّ بالله” تنظر إلى مراتب أطوار الإنسان وأدوار وجوده من الذرات إلى الوجود الحي، معدنًا جامدًا، ونباتًا ناميًا، وحيوانًا حساسا، وإنسانًا مؤمنًا، ففي كل مقام من تلك المنازل، ولكل لطيفة من لطائفه آلامٌ وآمال:

فلا حول عن العدم ولا قوةَ على الوجود إلاّ بالله.

لا حول عن الزوال ولا قوةَ على البقاء إلاّ بالله.

لا حول عن المضار ولا قوةَ على المنافع إلاّ بالله.

لا حول عن المصائب ولا قوةَ على المطالب إلاّ بالله.

لا حول عن المعاصي ولا قوةَ على الطاعات إلاّ بالله.

لا حول عن النقم ولا قوةَ على النعم إلاّ بالله.

لا حول عن المساوئ ولا قوةَ على المحاسن إلاّ بالله.

لا حول عن الآلام ولا قوةَ على الآمال إلاّ بالله.

لا حول عن الظلمات الهائلة ولا قوة على الأنوار المتلألئة إلاّ بالله العلي العظيم.

 

اعلم! من توكل على الله فهو حسبه: ([1])

﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران:١٧٣]؛ لأنه مالكنا ومالك الكل، فالكلُّ كمُلكنا إن كنّا له تعالى.

﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾؛ لأنه الكامل المطلق، والكمال محبوب لذاته، من شأنه أن يُفدى له الوجود.

﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾؛ لأنه الجليل الجميل ذو الكمال والجلال، والجمالُ محبوب لذاته، فلشوق تجديد تجليات جماله نموت ضاحكين ونحيا مسرورين.


[1] إن الإيضاح المفصل لهذا القسم الذي يتعلق بـ”حسبنا الله” هو في “اللمعة التاسعة والعشرين” العربية، وفي الشعاع الرابع، وفي الرجاء الرابع عشر والخامس عشر من رسالة الشيوخ. (المؤلف)

 



215. صفحة

﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾؛ لأنه الواجب الوجود الموجد لكل موجود فعلمنا بوجوب وجوده يعطينا كل الوجود، وبعدم العلم يصير في يدنا نقطة وجود يتحامل عليها إعدام هو ملء الدنيا.

﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾؛ لأنه القديم الأبدي الدائم الباقي ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨].

﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾؛ لأن الدنيا فانية والحياة زائلة.

﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾؛ لأن بدونه يصير كلُ لذائذ الدنيا منغّصة بآلام هائلة، وبالتوجه إليه والارتباط برحمته لا تزيد اللذائذُ الزائلة إلاّ لذة تجدّد الأمثال خالصة عن آلام الزوال.

﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾؛ لأن به أنوارَ الوجود وبدونه ظُلمات الأعدام الهائلة.

﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾؛ لأنه إن عرفناه وشكونا إليه وأرضيناه كفانا كلّ حاجاتنا إلى أنواع الكائنات، وأما إذا توجّهنا إلى الأسباب - التي حاجاتُنا عندها في النظر الظاهري - وشكونا إليها فمع أنها عمي صم لا تسمعنا ولا ترانا، تتشوش علينا الأمورُ وتتشتت بنا الطرقُ، كمثل مَن شكا إلى سلطان فأنفذ في آن، ومَن شكا إلى كلّ أهل البلد فردًا فردًا ليتفقوا على إمداده، ولو اتفقوا ما اتفقوا إلاّ في زمان طويل وتكلف عظيم.

اعلم أن من لطائف إعجاز القرآن ومن دلائل أنه رحمة عامة للكافة:

إنه كما أن لكل أحد من العالم عالمًا يخُصُّه، كذلك لكل باعتبار مَشْرَبه من القرآن قرآن يخُصُّه ويربّيه ويُداويه.

ومن مزايا لطف إرشاده:

إن آياته مع كمال الانسجام وغاية الارتباط وتمام الاتصال بينها، يتيسرُ لكل أحدٍ أن يأخذَ من السّوَر المتعددة آياتٍ متفرقة لهدايته وشفائه، كما أخذَها عمومُ أهل

216. صفحة

المشارب وأهل العلوم؛ فبينما تراها أشتاتًا باعتبار المنازل والنزول، تراها قد صارت كقلادةٍ منظمةٍ ائتلفت واتصلت مع أخواتها الجديدة، فلا بالفصل من الأصلِ تنتقص، ولا بالوَصْل بالآيات الأخر تَستوحش، فهذا السر يشير إلى أن لأكثر الآيات الفرقانية مع سائر الآيات مناسبات دقيقة يجوز ذكرها معها واتصالها بها.

فكما أن سورة “الإخلاص” اشتملت على ثلاثين سورة بضمّ جُمَلها بعض إلى بعض دليلاً ونتيجةً، كما ذكر في “لَمَعات” كذلك القرآن الكلّي الجزئي والنوع المنحصر في الشخص يشتمل بجامعية الآيات للمعاني المتعددة ومناسبة الكل للكل يحتوي على ألوف ألوف من القرآن في نفس القرآن، فلكل ذي حقيقة فيه كتابٌ يخصُّه ومن اتبعه.

 

اللهم يا منزلَ القرآن،

بحقّ القرآن،

اجعلْ القرآنَ مؤنِسًا لي في حياتي وبعد مماتي،

ونورًا في قلبي وقبري.

لا إله إلاّ الله مُحمّدٌ رسُولُ الله.

 

الوداع([1])

 


[1] ظننت بشدة مرضي قرب الأجل في ذلك الوقت، فقلت: الوداع، أنا أسافر من باب القبر إلى مجمع أحبابي وأساتيذي ورفقائي من طلبة المدارس والنور. (المؤلف)