مقدمة

1. صفحة

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

حمدا لمن أنعم بنعمة البيان على الإنسان، والصلاة والسلام على صاحب أفصح لسان سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه الكرام، وبعد؛

فلقد تبوأ الإمام بديع الزمان النورسي مقاما عليًّا بين علماء عصره وبيئته، وقد تميزت مؤلفاته وأعماله التي ألفها وأملاها على تلاميذه وطلابه باللغة التركية العثمانية بأدبية عالية وأسلوب راق جعله في مُقَدَّم صفوف العلماء والمفكرين والأدباء.

ولم يختلف الحال كثيرا ولا قليلا في مؤلفاته العربية، فكيف لرجل كان القرآن الكريم معلمه الأول، ومصدره ومستقاه في فكره وأفكاره، ورأيه وأقواله ألا يبز الأقران، وتبلغ مؤلفاته المبالغ العلِيّة من الفصاحة والبيان.

لقد حفظ الإمام النورسي القرآن الكريم كاملا في صباه، وأتم حفظ القاموس المحيط إلى باب السين، واستظهر مئات المجلدات العربية في مختلف العلوم والمعارف الإسلامية قبل أن يبلغ الرابعة عشرة من عمره، فكان في العربية كأحفظ أبنائها لشواردها وغرائبها، ودقائقها وعجائبها، وكأفصح أهلها في الكتابة والتأليف بها.

وليس أدل على ما نقول من خطبته الشامية التي دُعي لها وهو في مقتبل العقد الرابع من عمره؛ ليلقيها في الشام على محفل به أكثر من مائة عالم عربي، وقد أسرت تلك الخطبة عقولهم وأخذت بألبابهم.

 كما أن آثاره العربية التي تركها لنا شاهدة على ما نقول، ومثبتة لدعوانا نافية عنها البطلان أو الافتراء، فمما ألف بالعربية كتابه الرائع في بابه “إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز”، وهو في أصله كتاب تفسير كان ينوي الإمام النورسي أن ينجزه في ثمانين مجلدا يفسر فيه القرآن الكريم كاملا بطريقته العجيبة التي يعرضها الجزء الذي تم بالفعل من الكتاب.

وقد ألف الأستاذ النورسي هذا الكتاب وهو في ميدان الجهاد خلوا من أي سفر أو كتاب آخر يستمد منه أو يستعين به على التأليف، وإنما كان يملي من رأسه مباشرة أدق المسائل اللغوية المتعلقة بالإعجاز القرآني وعجائب نظم القرآن الكريم، ويداه تمسك بالبندقية وتحارب العدو، ومع ذلك فقد جاء كتابا عجيبا دقيقا.


2. صفحة

أما العمل العربي الآخر الذي خلفه لنا الإمام النورسي فهو المثنوي العربي النوري، تلك اللوحة الفنية الرائعة البديعة التي بين أيدينا الآن.

وقد قال عنه الإمام النورسي نفسه إنه مشتل لرسائل النور ونواة لها.

ويتميز المثنوي العربي النوري بأدبية عالية لفتت أنظار كثير من كبار متابعي الأعمال الأدبية الإسلامية الراقية، مما جعل عددا ليس بالقليل منهم يعده ضمن الأعمال الإنسانية الخالدة.

ونحن إذ نقدم هذه الطبعة من المثنوي العربي النوري للقارئ الكريم نقدمها طبعة جديدة محاولين فيها مجانبة ما في غيرها من قصور أو أخطاء، لهذا بذلنا فيها جهدنا سائلين الله القبول، ويمكننا أن نوجز عملنا فيها فيما يلي: 

 أولا: توفر لكتاب المثنوي نسخ كثيرة خطية بحكم كثرة تلاميذ الأستاذ النورسي وكتابتهم عنه، وقد اعتمدنا أصولا لتلك الطبعة مايلي:

أ- نسخة خطية بخط “جيلان جاليشقان” وهو أحد تلامذة الإمام الذين لازموه وكتبوا عنه بعضا من رسائله.

ب- نسخة خطية بخط “أحمد نظيف جلبي” وهو أحد طلاب الأستاذ أيضا.

ج- الطبعة الأولى للكتاب وكانت في إستانبول سنة 1340 - 1341 هـ.

وجدير بالذكر هنا أن شقيق الأستاذ النورسي واسمه الملا عبد المجيد، قام بترجمة المثنوي إلى التركية، ونظر الأستاذ النورسي بنفسه في تلك الترجمة؛ إلا أنها لم ترقه، فدفع بها إلى كاتبه الأول وكاتب المصحف الشريف الأستاذ أحمد خُسْرَوْ أفندي ليعيد صياغتها من جديد، وبالفعل نظر فيها الأستاذ خُسْرَوْ أفندي وأعاد صياغتها بما يتوافق مع روح رسائل النور، وقد رضي الأستاذ رضا كبيرا عن تلك الصياغة الجديدة للترجمة التركية من الأستاذ خُسْرَوْ أفندي.

وقد اعتمدنا على هذه الترجمة التركية ذات الصياغة الخُسْروية في إيضاحات كثير من الالتباسات، كما ترجمنا منها خطاب الأستاذ الموجه إلى مجلس الأمة التركي، ورسالة “نقطة من نور معرفة الله”؛ إذ كان الإمام قد أضافهما إلى تلك الترجمة التركية للمثنوي، فترجمناهما وأضفناهما إلى نصه العربي.


3. صفحة

ثانيا: مع أن المثنوي أُلِّف باللغة العربية؛ فإن الأستاذ النورسي -تأثرا بثقافة بيئته وعصره- قد استخدم بعض العبارات والألفاظ العربية بمعانيها ومدلولاتها التركية، وقد قمنا بتتبع تلك التعبيرات والألفاظ التركية وبيان معانيها ومقصوده منها في الهامش.

ثالثا: هناك مناجاة باللغة الفارسية ترجمها الأستاذ النورسي بنفسه إلى اللغة التركية وأوردها في المثنوي العربي النوري بفارسيتها، ولأن ترجمته لها كانت ترجمة تفسيرية وتوضيحية وليست ترجمة حرفية؛ أي كانت له إضافات وتعليقات وتوضيحات على تلك المناجاة خلال نقله لها إلى التركية؛ آثرنا ترجمة هذه المناجاة من التركية إلى العربية، ولم نترجمها من الفارسية مباشرة، وبهذا نكون قد ترجمنا ما أراد الإمام قوله وأصل المناجاة.

رابعا: قمنا بمكملات النشر الأخرى من وضع علامات الترقيم المناسبة، وضبط ما يلبس من النص، ووضع الهوامش للألفاظ الغريبة أو الصعبة، وتخريج الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة والأقوال المأثورة والأبيات الشعرية ما أمكن ذلك.

كما وضعنا فهرسا تفصيليا للموضوعات، وقد تحرينا فيه التفصيل الشديد لموضوعات الكتاب وأفكاره حتى يكون عونا للقارئ على الوقوف على ما يشاء من موضوعات.

وأخيرا، يقول الأستاذ النورسي في كتابه هذا “.... يا من يقرأ هذا الاستغفار أولا لنفسه، اقرأه ثانيًا بدلا عني في سبيل الله.. فإني في قبري ساكن، ولساني ساكت ناطق بكتابي مستعيرًا لسانك فانطق بحسابي أيضًا حسبةً لله...”

ونحن نرجو منك أيها القارئ الكريم الرجاء نفسه، فليس من وراء العمل إلا وجه الله، نسأله القبول والنفع، وأن يكون شفيعا لنا يوم يعز الشفيع إنه وحده أكرم مسئول نعم المولى ونعم النصير.

لجنة الترجمة والبحوث العلمية


4. صفحة

مقدمة المؤلف

 

إن مقدمة هذه المجموعة التي هي بمنزلة “المثنوي العربي” الشريف لرسائل النور عبارة عن خمس نقاط

النقطة الأولى: كان سعيد القديم -قبل حوالي أربعين أو خمسين سنة- لزيادة اشتغاله بالعلوم العقلية وبالفلسفة يتحرى مسلكًا إلى حقيقة الحقائق كما تحرى أهل الطريقة وأهل الحقيقة، ولم يستطع كأكثر أهل الطريقة أن يقنع بالسلوك القلبي وحده؛ لأن عقله وفكره كانا مجروحين إلى حدٍّ ما بسبب الاشتغال بحكمة الفلسفة، وكان لا بد من المداواة، ثم إنه أراد أن يتبع بعضًا من كبار أهل الحقيقة الذين يسلكون الحقيقة بالقلب والعقل، فوجد أن لكل واحد منهم خاصية ذات جاذبية خاصة به، فتحير في اتّباع أي منهم، فتذكر قول الإمام الرباني له بصورة غيبية: “وَحِّدْ القبلة”، أي اتبع أستاذًا واحدًا، فخطر على قلب سعيد القديم المجروح بجروح بالغة أن ذلك الأستاذ الحقيقي هو القرآن، وأن توحيد القبلة إنما يكون بهذا الأستاذ، فأخذ قلبُه وروحه يسلكان سلوكًا غريبًا بإرشاد من هذا الأستاذ القدسي، واضطرته نفسُه الأمارة بشكوكها وشبهاتها إلى المجاهدة المعنوية والعلمية، فتجول وأبصار قلبه وروحه وعقله مفتوحةٌ مثل الإمام الغزالي ومولانا جلال الدين الرومي والإمام الرباني في الأماكن والمقامات التي أغمض فيها أهل الاستغراق عيونهم، فوجد بحمد الله تعالى حمدًا لا حد له طريقًا إلى الحقيقة بدرس وإرشاد من القرآن الكريم، بل حتى إن سعيدًا الجديد قد أظهر برسائل النور أنه نال حقيقة:



5. صفحة

وفي كل شيء له آية   تدل على أنه واحد

النقطة الثانية: لقد سلك باتفاق العقل والقلب كجلال الدين الرومي والإمام الرباني والإمام الغزالي قدس الله سرهم، فداوى جروح القلب والروح أولا، فأنقذ النفس من أوهامها، ولله الحمد قد انقلب سعيد القديم إلى سعيد الجديد، وقد ألف بإيجاز شديد في ذلك الزمان رسائل باللغة العربية هي بمنزلة “المثنوي” الشريف الذي هو أصلا باللغة الفارسية، وتلك الرسائل هي: “قطرة”، و“حباب”، و“حبة”، و“زهرة”، و“ذرة”، و“شمة”، و“شعلة”، و“لمعات”، و“رشحات”، و“لاسيما”، و“الكلمة الثانية والعشرون المؤلفة باللغة العربية”، ورسالتا “النقطة” و“اللوامع” المؤلفتان باللغة التركية، وقد طبع كل هذه الرسائل كلما أتيحت له فرصة، فاستمر في مسلكه هذا بنهج رسائل النور خلال ما يقرب من نصف قرن من الزمن، وإن رسائل النور التي ألفها للحيارى المحتاجين ولأهل الفلسفة السالكين في الضلال، فضلا عن مجاهدة النفس والشيطان في الداخل أصبحت كل واحدة منها بمنزلة مثنوي واسع كلي.

 

النقطة الثالثة: وكما غُلبت النفس والشيطان غلبة تامة وألزمَا إلزامًا تامًّا بواسطة مناظرة سعيد الجديد معهما؛ فإن رسائل النور كذلك تداوي طالب الحقيقة الجريح في وقت وجيز، وتُسْكِتُ وتُلْزِمُ أهل الإلحاد والضلال إسكاتًا وإلزامًا تامًّا.

إذن إن هذه المجموعة -مجموعة المثنوي العربي- هي بمنزلة نواة ومشتل لرسائل النور، وإن مجاهدة هذه المجموعة النفس والشيطان في الداخل فقط، تنقذ القلب والروح من شبهات النفس الأمارة بالسوء وشياطين الجن والإنس إنقاذًا تامًّا، وتورث تلك المعلومات اطمئنانًا وقناعة وكأنهما مشهودات، ويورثهما العلم اليقين بدرجة حق اليقين.




6. صفحة

النقطة الرابعة: كان سعيد القديم يشتغل بالمسائل العميقة الدقيقة جدًّا لعلم الحكمة والحقيقة، ويناظر العلماء الكبار في أدق المسائل، وكان يكتب حسب درجة أفهام تلاميذه القدامى الذين يدرسون العلوم العالية في المدارس، وقد كتب تلك المجموعة مستخدمًا أقصر الجمل وأوجز العبارات ومشيرًا إلى الحقائق الطويلة بكلمات قصيرة وجيزة بحيث يفهمها هو فحسب؛ لذا لا يفهم بعضها إلاّ العلماء المدققون المتبحرون، فلو كانت قد وُضِّحت توضيحًا كاملا لكانت قد أدّت وظيفة مهمة لرسائل النور، إذن قد سعت تلك المجموعة -التي هي كالمشتل- في الوجه الأنفسي والداخلي للإنسان كالطرق الخفية، فوُفِّقَت إلى شق الطريق من القلب والروح، أما رسائل النور التي هي بستانها فتوجهت كالطرق الجهرية إلى الآفاق والدائرة الخارجية فضلا عن توجهها إلى الوجه الأنفسي، وشقت طريقًا واسعًا إلى معرفة الله تعالى من كل مكان، فكأنها عصا موسى عليه السلام تُفجِّر الماء أينما ضربت.

ثم إن رسائل النور لم تَنهَج منهج الحكماء والعلماء ولم تَسلُك مسالكهم، بل نهجت وسلكت بالإعجاز المعنوي للقرآن، ففتحت نافذةَ معرفةٍ من كل شيء، وفهمت سرًّا من أسرار القرآن الخاصة به، وهو أداؤه وظيفة تستغرق سنة في ساعة واحدة، ولم تُهزَم في هذا الزمان أمام هجمات أهل العناد الذين لا حدَّ لهم ولا عد، بل قَهَرَتْهم وهزَمتْهم جميعًا.

 

النقطة الخامسة: إن سعيدًا القديم كان يذكر كل حقيقة من آلاف الحقائق في سطر واحد أو في بضعة أسطر، وأحيانًا في بضع صفحات مبتدئا بـ“اعلم، اعلم، اعلم” في رءوس المسائل، مع أن تلك الحقائق تتعلق بمئات العلوم ومع أن كل واحدة منها تستحق أن تكون موضوعًا لرسائل مستقلة، وكأن كل “اعلم” شفرة لرسالة معينة.

ثم إن ألفاظ “اعلم” لا يتعلق بعضها ببعض، بل كتبت كفهرس لمختلف العلوم والحقائق، فالذين يقرءون تلك المجموعة عليهم أن يدركوا هذه الحقائق حتى لا يعترضوا.

سعيد النورسي

7. صفحة

تنبيه وإخطار واعتذار

 

اعلم أن هذه الرسالة نوعُ تفسيرٍ شهودي لبعض الآيات القرآنية، وما فيها من المسائل أزاهير اقتطفت من جنّات الفرقان الحكيم، فلا يوحشنك ما في عباراتها من الإشكال والإجمال والإيجاز، فكرر مطالعتها حتى ينفتح لك سر تكرار القرآن؛ أمثال ﴿له مُلْكُ السَّموَاتِ وَالأَرْضِ [البقرة: 107].

ولا تخف من تمرد النفس؛ لأن نفسي الأمارة المتمردة المتجبرة انقادتْ وذلّلت تحت سطوة ما في هذه الرسالة من الحقائق، بل شيطاني الرجيم أفحم وانخنس.

كُن مَن شئت، فلا نفسُك أطغى وأعصى من نفسي، ولا شيطانُك أغوى وأشقى من شيطاني.

أيها القارئ؛

لا تحسبَنّ براهين التوحيد ومظاهره في “الباب الأول” يغني بعضها عن بعضٍ مطلقًا؛ إذ شاهدتُ الاحتياج إلى كل واحدٍ في مقام مخصوص؛ إذ قد تلجئ الحركة الجهادية إلى موقع لا بد للخلاص من فتح باب في ذلك الموقع؛ إذ لا يتيسّر في ذلك الآن التحول إلى الأبواب الأُخر المفتوحة.

وكذا لا تظنَّنَّ أني باختياري أشكلتُ عليك عبارةَ هذه الرسالة؛ إذ هذه الرسالة مكالمات فجائية مع نفسي في وقت مدهش، والكلمات إنما تولدتْ في أثناء مجادلة هائلة كإعصار تتصارع فيها الأنوارُ مع النيران، يتدحرج رأسي في آن واحد من الأوج إلى الحضيض، ومن الحضيض إلى الأوج، من الثرى إلى الثريا؛ إذ سلكتُ طريقًا غير مسلوك، في برزخٍ بين العقل والقلب، ودار عقلي من دهشة السقوط والصعود،



8. صفحة

فكلما صادفتُ نورًا نصبتُ عليه علامة لأتذكّره بها، وكثيرًا ما أضع كلمةً على ما لا يمكن لي التعبيرُ عنه، للإخطار والتذكير، لا للدلالة، فكثيرًا ما نصبتُ كلمة واحدة على نور عظيم.

ثم شاهدت أن أولئك الأنوار الذين يمدونني في بطون أرض الظلمات ما هم إلاّ شعاعات شمس القرآن تمثلوا لي مصابيح.

اللهم اجعل القرآن نورًا لعقولنا، وقلوبنا، وأرواحنا، ومرشدًا لأنفسنا، آمين.

يا من نظر في كتابي، إن استفدت منه شيئًا لابد أن تفيدني فاتحةً أو دعاءً خالصًا في سبيل الله.


9. صفحة

 

 

 

 

 

 

 

لمعات

 

 

 

من أنوار شمس التوحيد

 

 

 

النص العربي للكلمة “الثانية والعشرين”