نقطة
التنقل
409. صفحة
الرسالة القيمة
نُقْطَةٌ
من نور معرفة الله جل جلاله
410. صفحة
إفادة المرام
إذا دخلتُ بستانًا فلا أختار إلا الأجود من ثمراتها، وإذا تعبت من جنيها فإنني أتمتع وأتلذذ، وإذا رأيت الفاسدة منها أو التي لم تنضج أقول “خُذْ مَا صَفَا”، وأريد أن يكون مخاطبي أيضا هكذا.
يقول قسم من مخاطبي: إن كلامك لا يفهم بسهولة ووضوح؟
أجل هكذا ترد الخواطر، إذ أجدني تارة أتكلم فوق منارة وأتكلم تارة أخرى في قعر بئر، فماذا عساي أفعل.
إن المتكلم في رسالة “الشعاعات” وفي هذا الكتاب هو قلبي العاجز، والمخاطب هو نفسي العاصية، والمستمع هو الرجل الياباني الذي يتحرى الحقيقة، فالمُشاهِد يجب أن يفكر في هذا.
لقد بيّنا شيئا من معرفة النبي # التي هي من براهين معرفة الله التي هي غاية الغايات في الشعاعات، أما في هذه الرسالة فسنشير إلى “أربعة براهين” عظيمة فحسب مما لا يحد من براهين التوحيد الذي هو المقصود بذاته. ولكي أجمع بين النظر العقلي والحدس القلبي أردت أن أبين بفهمي القاصر لمعةً واحدة لأربعة أركان من أركان الإيمان الستة كل على حدة بالإيماء إلى بعض من أدلة الإيمان بالملائكة والحشر.
آمنتُ بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشرّه من الله تعالى، والبعث بعد الموت حقٌّ، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله.
411. صفحة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين
إن مقصودنا ومطلوبنا هو ﴿اللهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، فنُورِد “أربعة براهين” كلية من براهينه التي لا تعد.
البرهان الأول: هو محمد #، إن هذا البرهان النيّر مرآة منورة في تنوير قضيتنا هذه وقد كان تنوَّر في رسالة “الشعاعات”.
البرهان الثاني: هو الكون الذي هو الكتاب الكبير والإنسان الأكبر.
البرهان الثالث: هو الكلام الأقدس الذي هو الكتاب المعجز البيان.
البرهان الرابع: هو الفطرة الشاعرة التي تسمى بالوجدان الذي هو نقطة التصاق لعالمي الغيب والشهادة وبرزخ لهما، وملتقى السيارات القادمة من كلا العالَميْن بعضهما من بعض.
أجل؛ إن الفطرة والوجدان نافذتان إلى العقل، ينشران شعاع التوحيد.
البرهان الأول: وهو حقيقة محمد # المجهَّزة بالرسالة والإسلام، وتتضمن من حيث الرسالة شهادة جميع الأنبياء عليهم السلام المحتوية على أعظم إجماع وأوسع سرّ تواتر، وتحمل من حيث الإسلام روح وتصديق جميع الأديان السماوية المستندة إلى الوحي.
412. صفحة
فالرسول الأكرم # يبين للبشر وجود الصانع ذي الجلال ووحدته بجميع أقواله المصدقة بشهادة جميع الأنبياء وتصديق جميع الأديان وبتأييد جميع معجزاته، إذن فهو يُظهر ذلك النور باسم جميع أفاضل البشرية المتّحِدين في هذه القضية، فيا ترى هل هناك أي احتمال لأن تكون الحقيقة التي رآها بصر عظيم عميق صاف حاد نافذ يرى الأشياء من بعيد ونال هذا القدر من التصديق ليست حقيقة؟!
البرهان الثاني: هو كتاب الكون.
أجل؛ إن جميع حروف هذا الكتاب وجميع نقاطه أفرادًا وتراكيب تدل على وجود الصانع ذي الجلال ووحدانيته، وتقرأ وتتلو بألسنتها الخاصة بها ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]، وبينما كل ذرة من ذرات الكائنات تتردد بين إمكانات لا حد لها بذاتها وصفاتها وسائر وجوهها إذا بها تتبع سبيلا معينًا وتتصف بصفة معينة وتتخذ كيفية خاصة بها وتُنتِج حِكَمًا تذهل وتحير العقول، فتُضيء وتنوّر بشهادتها على وجوب وجود الصانع مصباحَ الإيمان الذي يعلن عن وجود ذلكم الصانع في اللطيفة الربانية التي هي مثال عوالم الغيب.
أجل؛ إن كل ذرة من الذرات - مثل الجندي في نفسه وفرقته وفوجه وكتيبته وجيشه - كما أنها تعلن وحدها من حيث الإمكانات التي في ذاتها وصفاتها وكيفياتها عن وجود الصانع ذي الجلال، فتظهر قصد الصانع وحكمته، وتقرأ الآيات الدالة على وجوده ووحدانيته، إذ تحافظ كل ذرة من الذرات الموجودة في كل مقام ونسبة ودائرة لمركبات الكون المتشابكة المتصاعدة الشبيهة بالصور المتداخلة على التوازن العام الجاري، وتؤدي وظائف مختلفة وتنتج حكمًا مختلفة ضمن جميع نِسَبها وأفواجها، ومن أجل ذلك كله أصبحت البراهين على وجود الصانع ذي الجلال أضعاف أضعاف عدد الذرات، إذن إن “الطُّرُق إلى الله بعَدَد أَنفاس الخلائق” حقيقةٌ، ولا مبالغة فيها، بل ربما ناقصة.
سؤال: لماذا لا يرى الجميع بعقولهم الخالق ذا الجلال؟
413. صفحة
الجواب: لشدة ظهوره سبحانه وتعالى ولعدم وجود الضد.
تأَمَّل سطور الكائنات فإنها مِن الملأ الأعلى إليك رسائلُ
أي، انظر بنظر الحكمة إلى سطور سلسلة الحوادث التي كتبها النقاش الأزلي على الأبعاد الواسعة لصحيفة العالم، وتمسك بها بتأمل الحقيقة حتى ترقى بك سلاسل الرسائل المتدلية من الملأ الأعلى إلى أعلى عِلِّيِّي التوحيد.
إن في هذا الكتاب بأكمله نظامًا باهرًا يتجلى فيه نَظَّامُه كالشمس، وفي تأليف هذا الكتاب -الذي كل كلمة من كلماته وكل حرف من حروفه معجزةُ قدرةٍ - إعجازٌ بحيث لو أصبح كل سبب من الأسباب الطبيعية فاعلا مختارًا مقتدرًا بفرض المحال لسجد أمام ذلك الإعجاز بكمال العجز قائلا: “سُبْحَانَكَ لاَ قُدْرَةَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ”، وإن هذا الكتاب الذي كل كلمة من كلماته ذات علاقة مع كلماته الأخرى كلها، ولكل حرف من حروفه، ولاسيما ذوي الحياة منها، وجه متوجه وعين ناظرة إلى جميع جُمَله..أجل إن لهذا الكتاب نظما متساندًا مشتبكًا اشتباكًا مضاعفًا بحيث يجب لإيجاد نقطة واحدة في مكانها قدرةٌ غير متناهية قادرةٌ على إيجاد جميع الكون، إذن إن الذي خلق عين البعوضة هو الذي خلق الشمس، والذي نظَّم معدة البرغوث هو الذي نظَّم المنظومة الشمسية، راجع في هذه المسألة سرَّ الآية ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨] في كتاب “السانحات”.
ولكن انظر إلى النحل التي هي كلمة صغيرة لهذا الكتاب؛ كيف أن الشهد يشهد على النحل، وكيف أن شهد الشهادة يسيل من لسان تلك المعجزة معجزة القدرة؟! أو انظر إلى الكائن الدقيق الذي هو نقطة واحدة لهذا الكتاب، والذي لا يُرى إلا بعد تكبيره مرات كثيرة، وتأمل فيه، كيف أنه مثال مصغر للكون يُظهِر معجزات ويبهر العقولَ، فهو نقطة موجَزة جامعة ذات جزالة، مثل كتابة سورة “يس” بخط دقيق في صورة لفظة “يس”، فالذي كتبها هو الذي كتب الكون برمته.
414. صفحة
فلو تأملت بإنصاف لرأيت أن حصول هذا الحيوان الدقيق الصغير، والماكينة الدقيقة البديعة الإلهية التي تحت صور الكائنات الدقيقة وحدوثَها محال من الأسباب الطبيعية، مع أنها أسباب بسيطة قليلة جامدة لم تتعين مجاريها، ولم تتحدد محاركها مع ترددها بين ألوف من الإمكانات التي لا أولوية لبعضها، فكيف تجري في مجرى معين وتتحرك على مَحرك محدود، وكيف يترجح بعض وجوه الإمكانات حتى تتولد هذه الماكينة العجيبة المنتظمة التي حيرت العقول في دقائق حِكمها؟!
بل إنما تقنع نفسك وتطمئن بتولدها منها إن أعطيت لكل ذرة شعور الحكماء وحكمة الأطباء وسياسة الحكام، واعتقدت بين تلك الذرات مخابرة عمومية، مع أن أس الأسباب المادية وجود القوة الجاذبة والقوة الدافعة معا في جزء لا يتجزأ والجوهر الفرد، وأن هذا كاجتماع الضدين.
نعم؛ قانون الجاذبية والدافعة وأمثالهما أسماء لقوانين عادات الله تعالى وشريعته الفطرية المسماة بالطبيعة، فهذه القوانين مقبولة بشرط ألا تنتقل من القاعدية إلى الطبيعية، وألا تخرج من الذهنية إلى الخارجية، وألا تتحول من الاعتبارية إلى الحقيقة، وألا تترقى من الآلتية إلى المؤثرية.
سؤال: كيف يعتقد الإنسان وجود أمور باطلة كأزلية المادة وتشكل الأنواع من حركات الذرات؟
الجواب: إنهم لا يدركون بالنظر السطحي الثانوي الأسس الفاسدة لتلك الأمور، وذلك أنهم لا يرغبون إلا إقناع أنفسهم بأمور أخرى، وهذا يسوقهم إلى الأمور الباطلة، وإن توجه الإنسان إلى هذه الفكرة قصدًا وبالذات وهو يريد بذلك أن يقنع نفسه، فإنه سيحكم أن ذلك محال وغير معقول، وحتى لو قبل هذه الفكرة فلا يقبلها إلا بالاضطرار الحاصل من التغافل عن الصانع ذي الجلال.
وما أعجب الضلال! كيف يَنسُب مَن لا يستطيع عقله أن يستوعب الأزليةَ - التي هي لازمة وضرورية للذات الجليلة - والإيجادَ - الذي هو من خواصّه تعالى - إلى الذرات غير المتناهية وإلى الأشياء العاجزة؟!
415. صفحة
أجل؛ من المشهور أن الناس ذات يوم كانوا يرصدون هلال العيد، ولم يَرَ أحد شيئًا، وإذا بشيخ يحلف أنه رآه، والحق أن الهلال الذي رآه كان شعرة بيضاء قد تقوست من حاجبه، فأين الشعرة من القمر؟! وأين حركات الذرات من أن تكون أسبابا لتشكيل الأنواع؟!
إن الإنسان لكونه مكرّمًا بفطرته يبحث عن الحقّ وينشده، وفي أثناء بحثه عن الحقَّ يعثر على الباطل أحيانًا فيظنه حقًّا ويخفيه في صدره، وقد يقع الضلال على رأسه من غير إرادة منه في أثناء تنقيبه عن الحقّ، فيظنه حقيقة ويُلبسها على رأسه.
سؤال: ما هذه “القوانين” و“القُوى” - التي يطلقون عليها اسم “الطبيعة” - حتى يخدعون بها أنفسهم؟!
الجواب: إن الطبيعة هي الشريعة الإلهية الكبرى التي تنظم وتضبط أفعال عناصر وأعضاء جسد الخلقة الذي يسمى بعالم الشهادة، فهذه الشريعة الفطرية - التي تسمى بـ“سنة الله” و“الطبيعة”- هي عبارة عن محصلة ومجموع القوانين الاعتبارية الجارية في خلق الكون.
وأما ما يطلقون عليه “القُوى” فكل واحدة منها حكم من أحكام هذه الشريعة.
وما يسمونه بـ“القوانين” فكل واحد منها مسألة من مسائل هذه الشريعة.
ولكن الوهم والخيال تسلّطا على النفس مستندَين إلى استمرار أحكام تلك الشريعة استمرارًا مُطَّرِدًا وضيَّقا عليها، فتجسمت هذه الطبيعة الهوائية[1] وتجسدت، ولبست وجودا خارجيا وانتقلت من الخيال إلى الحقيقة. واتخذت وضع الفاعل والمؤثِّر بسبب الاستعداد المقفر للنفوس التي ترى الخيال حقيقة وتريه هكذا، وتخيل الناس أن الآثار الباهرة للقدرة الأزلية صادرةٌ عن الطبيعة -وهي فكرة مذهلة ومحيرة للعقول- بسبب اضطرارهم الناشئ عن افتراض نفي وجود الصانع، مع أن الطبيعة العمياء التي لا شعور ولا وعي لها فاقدةُ القابلية لأن تكون مصدرا لآثار القدرة، وليس هناك أي مبرر ومسوغ أصلاً عندها حتى تُقنِع به القلبَ، وتجعل الأفكار
416. صفحة
معجبةً به، ويأنَس به نظرُ الحقيقة، إذ الطبيعة مطبعةٌ مثالية وليست طابعةً، ونقشٌ وليست نقَّاشَةً، وقابلةٌ وليست فاعلةً، ومِسطَرٌ وليست مَصدرًا، ونِظَامٌ وليست ناظمًا، وقانونٌ وليست قدرةً، وشريعةٌ إرادية وليست حقيقةً خارجيةً.
فمثلا: لو أتى شاب إلى هذا العالم فجأة وعمره عشرون عاما، ودخل في مكان خالٍ قصرًا رائعًا مزينًا بآثار الصناعات النفيسة، وافترض أن هذا القصر ليس أثرًا لأي فاعل قادم من الخارج أبدًا، ثم وجد كتابًا جامعًا لقوانين نظام القصر في أثناء بحثه عن سبب وجود الأشياء المنظَّمة فيه؛ لاعتقد ذلك الكتاب فاعلا وعلة ضرورية لكل ذلك لكونه مَعكسًا للوعي والإدراك والشعور.
وهكذا وبسبب التغافل عن الصانع ذي الجلال قد خدعوا أنفسهم بالطبيعة التي هي عِلَّة اضطرارية غير معقولة وغير منسجمة مع العقل كما ذكرنا.
إن الشريعة الإلهية اثنتان:
أولاهما: هي الشريعة الآتية من صفة “الكلام”، وهي تنظم أفعال البشر الاختيارية.
ثانيتهما: هي الشريعة الفطرية الآتية من صفة “الإرادة” والتي تسمى بـ“الأوامر التكوينية”، وهي عبارة عن محصلة قوانين سنة الله الجارية في الكون كله.
وكما أن الشريعة الأولى عبارة عن القوانين العقلية، فإن الشريعة الثانية التي يطلق عليها “الطبيعة” هي الأخرى عبارة عن مجموع القوانين الاعتبارية، فهذه القوانين لا تملك التأثير والإيجاد اللذين هما من خواص صفة القدرة.
لقد قلنا سابقًا في بيان سر التوحيد؛ أن كل شيء مرتبط بجميع الأشياء، ولا يمكن أن يحدث شيء من دون الأشياء كلها، فخالق شيء واحد هو خالق جميع الأشياء، إذن فمن الضروري أن يكون خالق شيء واحد واحدًا أحدًا فردًا صمدًا.
أما الأسباب الطبيعية التي يقدمها أهل الضلالة فهي متعددةٌ، ولا يعلم بعضها بوجود بعض، ويداها في يد أعميين هما المصادفة العمياء والاتفاق الأعور ﴿قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: ٩١].
417. صفحة
الحاصل: إن النَّظم والنِّظام والانتظام التي في كتاب الكون الكبير -الذي هو برهانُنا الثاني- والإعجازَ الذي في تأليفه يرينا كالشمس أنها آثار قدرة غير متناهية، وعلم غير متناهٍ، وإرادة أزلية.
سؤال: بما يَثبُت النَّظم التام والنظام الكامل؟
الجواب: إن البشر كشفوا ذلك النظام بالاستقراء التام وبالعلوم الكونية التي هي بمنزلة حواسّهم وجواسيسهم؛ لأنه قد أُسّس علم مستقل خاص بكل نوع من أنواع الكائنات أو يمكن أن يُؤسَّس، فكل علم يُظهر النظام والانتظام في نوعه حسب كلية القاعدة؛ إذ إن كل علم من العلوم عبارة عن القواعد الكلية، فالمرء إذن وإن لم يُحِط بالنظام بنظره يرى بواسطة جواسيس الفنون أن الإنسان الأكبر([1]) مُنظَّم مثل الإنسان الأصغر، وأن كل شيء قد خُلق وصنع بحِكَم، ولا شيء عبثًا بلا فائدة.
فبرهاننا هذا([2]) -أي النظم والنظام- يَضم صوته إلى الصوت العالي للبرهان الكبير -الذي جميع أركانه وأعضائه بل جميع خلاياه بل بجميع ذراته لسانٌ ذاكر للتوحيد- ويذكران معا “لا إله إلا هو”.
البرهان الثالث: وهو القرآن العظيم الشأن.
فإن ألصقت أذنك إلى صدر هذا البرهان الناطق فستسمع أنه يذكر في أعماق قلبه: “ الله لا إله إلا هو”، بصدى سماوي في غاية السمو وفي غاية الجدية وفي غاية الصدق والإخلاص وفي نهاية الإيناس والإقناع مجهّزٍ بالبرهان.
وكل شجرة مثمرة بثمرات في منتهى الإبداع والإتقان لا تثمر إن لم تكن لها الجذور التي هي مصدر حياتها أو إذا كانت فاسدة، فعلى أغصان برهاننا هذا ثمرات الحق والحقيقة وهي كثيرة وحق وقويمة إلى حد أنها لا تدع شكًّا في أن مسألة التوحيد التي في جذورها وأصلها قوية وقويمة وحق وحقيقة.
[2] إن ملامح وجهه من حيث الدلالة تشبه لفظ “هو”، فكل جزء من أجزاء لفظ “هو” متكون من أنواع “هو” الصغيرة، وكل نوع صغير متكونٌ من أنواع “هو” الصغيرة جدًّا. (المؤلف)
418. صفحة
ثم إن الغصن المتدلي إلى عالم الشهادة والمتعلق بالأحكام من أغصان هذا البرهان كلُّه صدقٌ وحقٌّ وحقيقةٌ كما أن غصنه الأعظم الممتد إلى عالم الغيب والمتعلق بالتوحيد والغيب هو أيضا مثمر بالضرورة بالحقائق الثابتة.
ثم إن هذا البرهان لو وُصف بإسهاب وتفصيل لتبيَّن أن الذي يُظهِرُه هو على يقين تام في التوحيد الذي هو نتيجته بحيث لا يَشعُر أحد بأية شائبةِ ترددٍ من أي جانب من جوانبه، ويجعل تلك النتيجة أساسًا لجميع الحقائق، ويبين بجميع قوة بيانه وبإصرار أنها مسلَّمة وضرورية، ويرجِع الأمور الأخرى إليها، إذن فإن القوة الشديدة التي هي أساسه لا يمكن أن تكون متكلَّفة مصطنعة، وإن ختم الإعجاز الذي يَظهَر عليه يصدِّق كل ما يُخبِره، ويُغنِيه عن التزكية، وكأن إخباراته من الأمور الثابتة بنفسها.
أجل؛ إن الجهات الست لهذا البرهان المنور شفافة، فعليه الإعجازُ، وتحته المنطقُ والدليلُ، وفي يمينه استنطاقُ العقل، وفي يساره استشهادُ الوِجْدان، وأمامه وهدفه الخيرُ وسعادةُ الدارين، ونقطة استناده الوحيُ المحض، فأنى للوهم أن يتسلل إليها!
إن أصول المعاريج الممتدة إلى عرش الكمالات الذي يُسمَّى بـ “معرفة الصانع” أربعة:
أولها: منهج محققي الصوفية المؤسَّس على تزكية النفس والإشراق.
ثانيها: طريق المتكلمين المبني على “الإمكان” و“الحدوث”.
فمع أن هذين الأصلين قد تشعبا من القرآن إلا أن فكر البشر أفرغهما في صورة أخرى مختلفة فأصبحا طويلين واستشكلا، ولم يبقيا محفوظين من الأوهام.
ثالثها: مسلك الفلاسفة المشوب بالشبهات.
رابعها وأولاها: المعراج القرآني الذي يعلن المرتبة العليا لبلاغة القرآن والذي هو أسطع تلك الطرق جزالةً، وأقصرها استقامة، وأشملها لجميع البشر وضوحًا.
وهناك “أربع وسائل” للعروج إلى ذلك العرش وهي:
الإلهام، والتعليم، وتزكية النفس، والنظر الفكري.
وإن طريق القرآن نوعان:
أولهما: دليل العناية والغاية؛
419. صفحة
إن جميع الآيات القرآنية التي تعد منافع الأشياء وتذكر حكمها إنما هي نساجة لهذا الدليل ومظاهر لتجلي هذا البرهان، فزبدة هذا الدليل هي: إتقان الصنعة الذي في النظام الأكمل للكون، ورعاية المصالح والحِكَم، فكل هذا يثبت قصد الصانع وإرادته وحكمته، وينفي وَهْمَ التصادف الأعمى والاتفاقية العمياء، إذ الإتقان لا يكون بلا إرادة واختيار.
أجل؛ إن المصالح والثمرات المتدلية كالعناقيد في حلقات سلاسل موجودات الكون الشاهدات على النظام لا يمكن أن تختفي في معاطف انقلابات الأحوال، فتلك المصالح والثمرات تشهد على قصد الصانع ذي الجلال وإرادته وحكمته شهادة قاطعة بإظهارها تلك الحكم والفوائد.
فمثلا؛ كما أن علم الحيوان وعلم النبات يشهدان على حدوث المبدأ الذي هو بمنزلة الجد الأكبر والآدم -أي الأب- لكل نوع من أنواع المخلوقات البالغة مائتي ألف نوعٍ، فإن كل فرد من الأفراد وكل نوع من الأنواع يعلن ويظهر أنه يصدر بذاته عن يد قدرة الصانع الحكيم من حيث عدم قابلية القوانين الموهومة الاعتبارية والأسباب الطبيعية العمياء -التي لا شعور ولا وعي لها- لإيجاد وإنشاء سلاسل الموجودات المحيرة للألباب وأفراد تلك السلاسل وكل واحد منها كماكينة إلهية عجيبة بديعة مذهلة للعقول، فالقرآن الكريم يشير إلى هذا الدليل قائلا ﴿فَارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ [الملك: 3].
إن دليل العناية يرد في القرآن الكريم على أكمل وأفضل وجه من الوجوه الممكنة، فهو كما أنه يأمر بالتفكر في الكون فإنه يرسخ برهان العناية في الأذهان في خواتيم الآيات التي تذكّر الفوائد وتعدّ النعم مثل؛ ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾، ﴿أَفَلاَ يَتَذَكَّرُونَ﴾، ﴿أَفَلاَ يَعْقِلُونَ﴾، ﴿أَوَلاَ يَعْلَمُونَ﴾ كي يحيل العقل إلى التفكر، والوجدانَ إلى المراجعة.
الدليل القرآني الثاني: دليل الاختراع، وخلاصته:
إنه قد مُنِح لكل نوع ولكل فرد من المخلوقات وجودٌ مناسب لإنتاج آثاره المخصوصة المخوَّلة إلى ذلك النوع وإلى ذلك الفرد ولاستعداده وكماله، ولا يتسلسل أي نوع تسلسلا أزليا، ولا مجال لأزليته أصلا، ولا يمكن أن تنقلب الحقائق إلى أضدادها، ولا تستمر سلسلة الأنواع المتوسطة، وتحوُّل الأصناف غير انقلاب الحقائق،
420. صفحة
وما يسمونه مادة ولأنه لم يتجرد من الصور المتغيرة ومن الحركات المحوِّلة للأحداث فإنه حادث قطعًا.
والقوى والصور ولأنها عرضية فإنها لا تستطيع أن تشكل التباين الجوهري في الأنواع، ولا يمكن أن يكون العرض جوهرا، ففصائل الأنواع إذن والخواصُّ المميِّزة لجميع أعراضها مختَرَعة بالضرورة من العدم الصِّرف، أما التناسل في التسلسل هو من حيث الشرائط العادية الاعتبارية فحسب.
فيا عجبا! كيف يستطيع هؤلاء الذين لا يستطيعون أن يستوعبوا بعقولهم أزلية واجب الوجود التي هي من ألزم لوازم ذاته الضرورية أن يستوعبوا بعقولهم أزلية المادة التي هي مناف للأزلية؟!
ثم كيف حصل أنْ وجدت ذرات الكون الرقيقة اللطيفة الصغيرة صلابة شديدة حتى تقاوم إعدام يد القدرة الأزلية في حين أن الكون الكبير نفسه لا يستطيع أن يقاوم يد القدرة؟!
وكيف يمكن إسناد الإبداع والإيجاد -اللذين هما من خواص القدرة الأزلية- إلى أعجز الأسباب وأهونها وأضعفها بدون أي مبرر معقول يقتضيه؟!
فالقرآن الكريم ينظم هذا الدليل في الأذهان بآياته التي تبحث عن الخلق والإيجاد ويؤكد أن المؤثر الحقيقي إنما هو الله، وأنه لا يوجد عند الأسباب تأثير حقيقي، والأسباب ستائر عزة القدرة وعظمتها حتى لا يرى العقل مباشرة يد القدرة بأمور خسيسة بنظره الظاهري.
إن في كل شيء جهتين:
إحداهما: جهة الملك، وهي كالوجه الملون للمرآة؛ تَرِده الأضداد، والأسباب كلها قبيحها وشرها وحقيرها وعظيمها هي في هذه الجهة؛ إذ حكمة إظهار عظمة القدرة وعزته تريد هكذا.
الجهة الثانية: جهة الملكوت، وهي كالوجه الشفاف للمرآة، هذه الجهة جميلة في كل شيء، حتى إن كلا من الحياة والروح والنور والوجود يخرج ملكا وملكوتا من يد القدرة مباشرة بلا واسطة إذ إن وجهيه شفافان.
421. صفحة
البرهان الرابع: الفطرة الشاعرة التي يطلَق عليها وجدانُ الإنسان.
خذ بعين الإعتبار “أربع نكات” في هذا البرهان.
أولاها: إن الفطرة لا تكذب، فإذا قال ميلان النمو الكامن في البذرة -مثلا- سأتسنبل وسأثمر فهو صادق، وفي البيضة -مثلا- ميلان الحياة، وهو يقول سأكون فرخا، فيكون بإذن الله، وهو صادق، ويقول ميلان الانبساط بالتجمّد لحفنة من ماء: سأحتل مكانا أوسع فلا يستطيع أن يكذِّبه الحديد القوي الصلب، فيمزق صدق قوله الحديدَ، فهذه الميول إنما هي تجليات وظهور الأوامر التكوينية الآتية من الإرادة الإلهية.
ثانيها: إن لدى الإنسان نوافذ كثيرة جدا تنفتح على عالم الغيب علاوة على حواسه الخمسة الظاهرة والباطنة، وله حواس كثيرة جدا لا يعرفها ولا يشعر بها، وإن لدى البشر حس سادس صادق وهو “سائقة”، وله حس سابع بارق وهو “شائقة”، فهذان الحسان “الشوق” و “السوق” هما لا يكذبان، ولا يخطئان.
ثالثها: لا يستطيع أن يكون شيء موهوم مبدأً لحقيقة خارجية، ففي الفطرة والوجدان حقيقتان ضروريتان وهما نقطة الاستناد ونقطة الاستمداد، ولو لم توجد هاتان النقطتان في روح البشر التي هي صفوة الخلقة وأكرمها لكان الإنسان أدنى المخلوقات وأسفلها وأحقرها، والحال أن الحكمة والنظام والكمال في الكائنات ترد هذا الاحتمال.
رابعها: لا يستطيع أن ينسى الوجدان صانعه ولو تعطّل العقل وأهمل نظره، ويبصر صانعه ويتعلق به ويتوجه إليه ولو أنكر نفسه، والحدْس -الذي هو انتقال سريع كالبرق- يحركه دومًا، والإلهام -الذي هو حدس مضاعف- ينوره دوما، والرغبة التي هي ميلان مضاعف، والاشتياق الذي هو رغبة مضاعفة، والعشق الإلهي الذي هو اشتياق مضاعف تسوقه وتدفعه دوما إلى معرقة الصانع ذي الجلال، والإنجذاب والجذب الكامن في الفطرة إنما بجذب الحقيقة الجذّابة.
وبعدما عرفت هذه النكات فارجع إلى هذا الوجدان الذي هو برهان أنفسي لترى أن القلب كما أنه ينشر الحياة في أقطار البدن فمعرفة الصانع التي هي العقدة الحياتية
422. صفحة
فيه هي كذلك تنشر الحياة في الآمال والميول المتشعبة التي تتناسب الإستعدادات الإنسانية غير المحدودة، فتلقي فيها اللذة وتهتم بها وتبسطها وتوسعها، فهذه هي نقطة الاستمداد.
ونقطة الاستناد الوحيدة تجاه آلاف من مصائب العالم ومشقاته التي تهجم على تقلبات الحياة ودواماتها هي أيضا معرفة الصانع.
أجل؛ لو لم يعتقد الإنسان بالصانع الحكيم الذي يعمل كل شيء بحكمة وانتظام، وأحال بعمىً الأمور إلى المصادفة العمياء، وفكر في نقص القدرة التي بيده أمام المصائب والبلايا فتوحش رغما عنه ووقع في حالة جهنمية مركبة من فزع وقلق وخوف تخرق الأكباد، فهذه الحال تستلزم أن تكون الروح الإنسانية -التي هي أشرف المخلوقات وأحسنها- بائسة شقية أكثر من أي شيء آخر، وهذا يخالف الانتظام الكامل والنظام الأكمل الجاري في الكون.
ولأن السيطرة إلى هذا الحد في نظام العالم بنقطة الاستناد ونقطة الاستمداد هي من الخصائص الخاصة لحقيقة نفس الأمر؛ فإن الصانع ذا الجلال ينشر أنوار معرفته في كل وجدان من النقطتين اللتين هما نافذتان، ولو أغمض العقل عينه فإن عيون الوجدان مفتحة دوما.
وكما أن الصانع ذا الجلال واجب الوجود وأزلي وواحد وأحد وفرد وصمد وعليم وقدير ومريد وسميع وبصير ومتكلم وحي وقيوم بشهادة هذه البراهين العظيمة شهادة قاطعة فهو متصف كذلك بأوصاف جلالية وجمالية؛ إذ من المقرر أن فيض الكمال في المصنوعات هو مقتبَس من تجلي ظل الصانع، إذن فالصانع ذو الجلال متصف بجميع الأوصاف الجمالية والكمالية الموجودة في الكائنات بما هو أعلى وأرفع منها بدرجات لا تحد؛ إذ كما أن الإحسان دليل الثروة وفرعها، والإيجاد دليل الوجود وفرعه، والإيجاب للوجود، والإيجاب للوجوب، والتحسين للحسن، والتنوير للنور فجميع الكمال والجمال في جميع الكائنات ظل ظليل لكمال الصانع ذي الجلال وكماله، وبرهان لهما.
423. صفحة
ثم إن الصانع ذا الجلال منزه عن جميع النقائص؛ إذ النقائص تنشأ عن عدم استعداد ماهيات الماديات، والصانع ذو الجلال مجرد ومنزه عن الماديات، ومقدس عن أوصاف ولوازم ناشئة عن الماهيات الممكنة للكائنات.
ليس كمثله شيء Y،
سبحان من اختفى لشدة ظهوره،
سبحان من استتر بعدم ضده،
سبحان من احتجب بالأسباب بعزته.
سؤال: كيف ترى وحدة الوجود؟
الجواب: إنه استغراق في التوحيد، وتوحيد ذوقي لا يسعه النظر، في الحقيقة تحصل شدة الاستغراق ووحدة القدرة بالذوق في التوحيد بعد توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، أي؛ يحصل وحدة الإرادة بعد “لا مؤثر في الكون إلا الله”، ثم وحدة الشهود، ثم وحدة الوجود، ومن ثم لا يعود يرى إلا وجودا واحدا وموجدا واحدا.
لا يمكن الاستدلال بشطحات محققي الصوفية التي هي من قبيل المتشابهات، فروح لم تنفذ من دائرة الأسباب خارقة إياها ولم تتخلص من تأثيراتها إذا تشدقت بوحدة الوجود فتكون قد تجاوزت حدها. والذين يتكلمون بوحدة الوجود قد حصرو أنظارهم في واجب الوجود إلى حد لم يروا إلا وجودا واحدا متجرِّدين عن الممكنات.
أجل؛ بينما كانت رؤية النتيجة في الدليل، ومشاهدة الصانع في العالم، وجريان التجليات الإلهية في جداول الأكوان من حيث طريق الاستغراق، وسريان الفيوضات الإلهية في ملكوتية الأشياء، وتجلي الأسماء والصفات في مرايا الموجودات؛ هي حقائق
424. صفحة
لا يُعرف ولا يُفهم إلا بالذوق عبروا عنها بـ“ألوهية سارية” و“حياة سارية” لسبب ضيق الألفاظ، وحيث إن أهل الفكر وضعوا تلك الحقائق الذوقية في قوالبِ مقاييسِ النظر فتسببوا في أوهام باطلة.
إن وحدة الوجود لفلاسفة الماديين ولأهل النظر من ضعاف الاعتقاد ووحدة الوجود للأولياء متضادتان كليا، وبينهما “خمسة فروق”:
أولاها: إن محققي الصوفية قد حصروا أفكارهم في واجب الوجود إلى حد كبير واستغرقوا فيه استغراقا واهتموا به اهتماما شديدا حتى أنكروا وجود الكائنات لحساب واجب الوجود.
وأما الذين هم ضعاف الاعتقاد حُكماً فقد حصروا أنظارهم في المادة حصرا وغرقوا في المادة غرقا حتى ابتعدوا عن فهم الألوهية، واهتموا بالمادة اهتماما شديدا حتى سلكوا في طريق تعسفي إلى حد لا يرون معه إلا المادة، بل مزجوا الألوهية في المادة، بل استغنو عن الألوهية لحساب الكائنات.
ثانيها: إن وحدة الوجود لمحققي الصوفية تتضمن وحدة الشهود، ولكن وحدة الوجود للآخرين تتضمن وحدة الموجود.
ثالثها: مسلك الأولين ذوقي، ومسلك الآخرين نظري.
رابعها: الأولون يوجهون أنظارهم أولا وبالذات إلى الحق، وينظرون إلى الخلق نظرا تبعيا، ولكن الآخرين ينظرون أولا وبالذات إلى الخلق.
خامسها: الأولون يعبدون الله، والآخرون يعبدون أنانيتهم، فأين الثرى من الثريا، وأين الضياء الساطع من الظلمة الدامسة؟!
تنوير: ولو افترضت الكرة الأرضية -مثلا- عبارة عن قطع زجاجات مختلفة متنوعة ملونة صغيرة فكل واحدة منها ستقتبس فيضا من الشمس بحيثية خاصة مختلفة
425. صفحة
عن غيرها حسب لونها وجرمها وشكلها، فهذا الفيض الخيالي ليس الشمس بذاتها وليس ضيائها بعينها.
ثم إنه لو نطقت ألوان هذه الأزهار الزاهية المتنوعة التي هي تَمثُّلات الضياء وصور ألوانه السبعة وتجليات الشمس لقال كل واحد منها: إن الشمس مثلي، أو: أنا الشمس.
آن خيالاتي كه دام أولياست عكس مهروبان بستان خداست
ولكن مشرب أهل وحدة الشهود هو الفَرق والصحو، ومشرب أهل وحدة الوجود هو المحو والسكر، والمشرب الصافي هو مشرب أهل الفَرق والصحو.
تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في ذاته فإنكم لن تقدروا([1]).
حقيقة المرء ليس المرء يدركها فكيف كيفية الجبار ذي القِدم
هو الذي أبدع الأشياء وأنشأها فكيف يدركه مستحدَث النَّسَمِ
والقسم الثاني الذي يخص الحشر والملائكة وبقاء الروح من رسالة “نقطة” لم يدرَج هنا حيث أوضحت “الكلمة التاسعة والعشرون” و “الكلمة العاشرة” تلك الحقائق بصورة باهرة، فنحيل إليهما
وأما القسم الثالث فعبارة عن أربعة عشر درسا وقد نشر مستقلا باسم “الباب الأول لعالم النور”.
[1] الطبراني في المعجم الكبير ج3 رقم683، وفي المعجم الأوسط6501، وله شواهد أخرى كثيرة، ففي فتح الباري في بَاب مَا يُذْكَرُ فِي الذَّاتِ وَالنُّعُوتِ وَأَسَامِي اللَّهِ: “تَفَكَّرُوا فِي كُلّ شَيْء وَلا تَفَكَّرُوا فِي ذَات اللَّه” مَوْقُوف وَسَنَده جَيِّد، والبيهقي في شعب الإيمان 113 و848، وفي مجمع الزوائد ومنبع الفوائد باب في التفكر في الله تعالى، وفيض القدير 3348، وفي تفسير ابن أبي حاتم: “تَفَكَّرُوا فِي آلاءِ اللَّهِ، وَلا تَفَكَّرُوا فِي اللَّهِ” 12961، 4705،
426. صفحة
بسم الله الرحمن الرحيم
يا الله يا رحمن يا رحيم يا فرد يا حي يا قيوم
يا حكم يا عدل يا قدوس
بحق الاسم الأعظم، وبحرمة القرآن المعجز البيان، وبكرامة وشرف الرسول الأكرم # أَدخِلْ خُسْرَوْ الذي كتب خمسمائة نسخة بقلم واحد، وأَدخِلْ مساعديه المباركين ورفقاءه وأصدقاءه النوريين في السعادة الأبدية في جنات الفردوس. آمين. ووفّقهم في خدمة الإيمان والقرآن دومًا. آمين. واكتب في صحيفة حسناتهم ألف حسنة لكل حرف من حروف كتاب المثنوي العربي النوري. آمين. وأحسن إليهم بالثبات والدوام والإخلاص في نشر الأنوار “رسائل النور”. آمين.
يا أرحم الراحمين، أسعِد جميع طلاب النور في الدنيا والآخرة، واجعلهم سعداء. آمين.
واحفظهم وَقِهِمْ شرَّ شياطين الجن والإنس. آمين.
وتجاوز عن تقصيراتِ هذا العبد المسكين سعيد. آمين.
باسم جميع طلاب النور
ســعيد النورسي


