رشحات

26. صفحة

بسـم الله الرحمن الرحيم

تنبيه:

إنَّ ما يعرّف لنا ربَّنا لا يعد ولا يحد، ولكن البراهين الكبيرة والحجج الكلية ثلاثة:

إحداها: هذه الكائنات، وقد سمعتَ بعض آيات هذا الكتاب الكبير.

وثانيتها: الآية الكبرى من هذا الكتاب، وهي خاتم ديوان النبوة، ومفتاح الكنوز الخفية عليه الصلاة والسلام.

وثالثتها: مفسّر كتاب العالم، وحجّة الله على الأنام، أي القرآن الحكيم.

فلابد أنْ نعرف هذا البرهان الثاني الناطق ثم نستمع إليه، فنذكر من بحر معرفته رشحات:

 

الرشحة الأولى

اعلم أنَّ ذلك البرهان الناطق له شخصية معنوية عظيمة.

فإن قلت: ما هو؟ وما ماهيته؟

قيل لك: هو الذي لعظمته المعنوية صار سطحُ الأرض مسجدَه، ومكةُ محرابَه، والمدينةُ منبرَه، وهو إمامُ جميع المؤمنين يأتمون به مصطفّين خلْفَهُ، وخطيبُ جميع البشر يبين لهم دساتير سعاداتهم، ورئيسُ جميع الأنبياء، يزكّيهم ويصدّقهم بجامعية دينه لأساسات أديانهم، وسيدُ جميع الأولياء، يرشدهم ويربيّهم بشمس رسالته، وقطبٌ في مركز دائرةِ حلقةِ ذكرٍ تركّبَتْ من الأنبياء والأخيار والصديقين والأبرار المتفقين على كلمته الناطقين بها، وشجرةٌ نورانية عروقها الحيوية المتينة هي الأنبياء بأساساتهم السماوية، وأغصانُها الخضرة الطرية وثمراتُها اللطيفة النيرة هي الأولياء بمعارفهم الإلهامية، فما من دعوى يدّعيها إلاّ ويشهد لها جميعُ الأنبياء مستندين بمعجزاتهم،

27. صفحة

وجميعُ الأولياء مستندين بكراماتهم، فكأن على كل دعوى من دعاويه خواتم جميع الكاملين؛ إذ بينما تراه قال: “لا إله إلا الله” وادعى التوحيد فإذا بنا نسمع من الماضي والمستقبل من الصفّين النورانيين - أي شموسِ البشر ونجومِه القاعدين في دائرة الذكر - عينَ تلك الكلمة، فيكررونها، ويتفقون عليها، مع اختلاف مسالكهم وتباين مشاربهم، فكأنهم يقولون بالإجماع: “صَدَقْتَ وبالحَق نَطقتَ”.

ولا حدّ للوهم أنْ يَمُدّ يَده لردّ دعوى تأيَّدتْ بشهاداتِ مَن لا يحد من الشاهدين الذين تزكّيهم معجزاتُهم وكراماتُهم.

 

الرشحة الثانية

اعلم أنَّ هذا البرهان النوراني الذي دل على التوحيد وأرشد البشر إليه، كما أنه يتأيَّد بقوة ما في جناحَيه: نبوةً وولايةً من الإجماع والتواتر، وكذا تصدّقه إشارات الكتب السماوية من بشارات التوراة والإنجيل والزبور وزُبُر الأولين، وكذلك تصدّقه رموزات الإرهاصات الكثيرة المشهودة، وكذا تصدّقه بشارات الهواتف الشائعة المتعددة، وكذا تصدّقه شهادات أهل الكهانة المنقولة بالتواتر، وكذا تصدقه دلالات ألف معجزات من أمثال شق القمر ونبعان الماء من الأصابع كالكوثر، ومجيء الشجر بدعوته، ونزول المطر في آن دعائه، وشبع الكثير من طعامه القليل، وتكلم الضب والذئب والظبي والجمل والحجر إلى ألفٍ مما بيّنَه الرواةُ الثقاة والمحدّثون المحققون، وكذا تصدّقه شريعته الجامعةُ لسعادات الدارين.

وقد سمعتَ ورأيت في الدروس السابقة شعاعاتٍ من شمس شريعته المفيضة للسعادات، فيكفيك إن لم يكن على عينك غين وفي قلبك رَين، فلا نطوّل هنا.


28. صفحة

الرشحة الثالثة

اعلم أنَّه كما تصدّقه الدلائل الآفاقية، كذلك هو كالشمس يدل على ذاته بذاته، فتصدّقه الدلائل الأنفسية؛ إذ اجتماع أعالي جميع الأخلاق الحميدة في ذاته بالاتفاق، وكذا جمعُ شخصيته المعنوية في وظيفته أفاضل جميع السجايا الغالية والخصائل النزيهة، وكذا قوة إيمانه بشهادة قوة زهده وقوة تقواه وقوة عبوديته، وكذا كمال وثوقه بشهادة سِيَره وكمال جدّيته وكمال متانته، وكذا قوة أمنيته في حركاته بشهادة قوة اطمئنانه، تصدّقه في دعوى تمسكه بالحق وسلوكه على الحقيقة، كما تصدّق الأوراقُ الخضرة والأزهار النضرة والأثمار الطرية حياةَ شجرتها.

 

الرشحة الرابعة

اعلم أنَّ للمحيط الزماني والمكاني تأثيرًا عظيمًا في محاكمات العقول، فإن شئت فتعال، نخلع هذه الخيالات الزمانية والعصرية والمحيطية، ونتجرّد من هذا اللباس الملوّث؛ ثم نخوض في بحر الزمان السيال، ونَسبَحُ فيه إلى أن نخرج إلى عصر السعادات التي هي الجزيرة الخضراء فيما بين العصور والدهور، فلننظر إلى جزيرة العرب التي هي المدينة الشهباء في تلك الجزيرة الزمانية، ولنلبس ما نسج لنا ذلك الزمانُ، وخاطه لنا ذلك المحيط، حتى نزور -ولو بالخيال- قطبَ مركزِ دائرةِ الرسالة، وهو على رأس وظيفته يعمل.

فافتح عينيك وانظر، فإنَّ أول ما يتظاهر لنا من هذه المملكة: شخصٌ خارقٌ، له حسنُ صورةٍ فائقة، في حُسن سيرة رائقة؛ فها هو ذا آخذ بيده كتابًا مُعجزًا كريمًا، وبلسانه خطابًا موجزًا حكيمًا يبلّغ خطبة أزلية ويتلوها على جميع بني آدم، بل على جميع الجن والإنس، بل على جميع الموجودات.

فيا للعجب! ما يقول؟ نعم؛ يقول عن أمر جسيم، ويبحث عن نبأٍ عظيم؛ إذ يشرح ويحل المعمّى العجيب في سرّ خِلقة العالم، ويفتح ويكشف الطلسم المغلق في


29. صفحة

سر حكمة الكائنات، ويوضح ويبحث عن الأسئلة الثلاثة المعضلة التي شغلت العقول وأوقعتها في الحيرة؛ إذ هي الأسئلة التي يَسأل عنها كلُّ موجود، وهي: مَن أنت؟ ومِن أين؟ وإلى أين؟

 

الرشحة الخامسة

انظر إلى هذا الشخص النوراني كيف ينشر من الحقيقة ضياءً نَوّارًا، ومن الحق نورًا مضيئًا؟! حتى صيّر ليل البشر نهارًا، وشتاءه ربيعًا، فكأن الكائنات تَبدَّل شكلُها فصار العالم ضاحكًا مسرورًا بعدما كان عبوسًا قمطريرًا؛ إذ: إذا لم نستضئ بنوره نرى في الكائنات مأتمًا عموميًّا، ونرى موجوداتها كالأجانب والأعداء، لا يعرف بعضٌ بعضًا، بل يعاديه؛ ونرى جامداتها جنائز دهاشة، ونرى حيواناتها وأناسيها أيتامًا باكين بضربات الزوال والفراق، ونرى الكائنات بحركاتها وتنوعاتها وتغيّراتها ونقوشها ملعبة التصادف مُنجرّة إلى العبثية مهملة لا معنى لها.

ونرى الإنسان قد صار بعَجزه المزعج وفقره المعجز وعقله الناقل لأحزان الماضي ومخاوف المستقبل إلى رأس الإنسان، أدنى وأخسر من جميع الحيوانات، فهذه هي ماهية الكائنات عند مَن لم يدخل في دائرة نوره.

فانظر الآن بنوره، وبمرصاد دينه، وفي دائرة شريعته، إلى الكائنات كيف تراها؟ انظر، قد تبدل شكلُ العالم، فتحول بيتُ المأتم العمومي مسجدَ الذكر والفكر ومجلس الجذبة والشكر، وتحول الأعداء الأجانب من الموجودات أحبابًا وإخوانًا، وتحول كلّ من جامداتها الميتة الصامتة حيًّا مؤنسًا مأمورًا مسخرًا، ناطقًا بلسان حاله آيات خالقه، وتحول ذوو الحياة منها - الأيتام الباكون المشتكون - ذاكرين في تسبيحاتهم، شاكرين لترخيصاتهم عن وظائفهم، وتحولت حركات الكائنات وتنوعاتها، وتغيراتها، من العبثية والمهملية وملعبة التصادف إلى صيرورتها مكتوبات ربانية، وصحائف آيات تكوينية، ومرايا أسماءٍ إلهية، حتى ترقى العالمُ وصار كتاب الحكمة الصمدانية.


30. صفحة

وانظر إلى الإنسان كيف ترقى من حضيض الحيوانية العاجزة الفقيرة الذليلة إلى أوج الخلافة، بقوة ضعفه، وقدرة عجزه، وسَوق فقره، وشوق فاقته، وشوكة عبوديته، وشعلة قلبه وحشمة إيمان عقله، ثم انظر كيف صارت أسبابُ سقوطه من العجز والفقر والعقل أسبابَ صعوده بسبب تنورها بنور هذا الشخص النوراني!

ثم انظر إلى الماضي، ذلك المزار الأكبر في ظلماته، كيف استضاء بشموس الأنبياء وبنجوم الأولياء؟!، وإلى استقبال تلك الليلة الليلاء في ظلماته، كيف تنور بضياء القرآن وتكشف عن بساتين الجنان؟!

فعلى هذا؛ لو لم يوجَد هذا الشخص لسقطت الكائناتُ والإنسان وكل شيء إلى درجة العدم، لا قيمة ولا أهمية لها، فيلزم لمثل هذه الكائنات البديعة الجميلة من مثل هذا الشخص الخارق الفائق المعرِّف المحقق، فإذا لم يكن هذا فلا تكن الكائنات؛ إذ لا معنى لها بالنسبة إلينا، فما أصدق ما قالَ مَنْ “قوله الحق وله الملك”: “لولاكَ لَولاكَ لَما خَلقتُ الأَفلاكَ([1])”!


[1] في الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة للملا علي القاري 295: “قال الصغاني إنه موضوع كذا في الخلاصة لكن معناه صحيح فقد روى الديلمي عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا: أتاني جبريل فقال يا محمد لولاك ما خلقت الجنة ولولاك ما خلقت النار وفي رواية ابن عساكر لولاك ما خلقت الدنيا”.

      وفي كشف الخفاء للعجلوني 2/214: “قال الصغاني موضوع وأقول: لكن معناه صحيح وإن لم يكن حديثا”.

    وجاء في الآثار المرفوعة للكنوي: مما لم يثبت لفظا ولكن ورد معنى “ ما اشتهر على لسان القصاص والعوام والخواص من حديث (لولاك لما خلقت الأفلاك) قال علي القاري في تذكرة الموضوعات حديث لولاك لما خلقت الأفلاك قال العسقلاني موضوع، كذا في الخلاصة لكن معناه صحيح فقد روى الديلمي عن ابن عباس مرفوعا: أتاني جبريل فقال قال الله يا محمد لولاك ما خلقت الجنة ولولاك ما خلقت النار انتهى. ذكر القسطلاني في المواهب اللدنية والزرقاني في شرح أن الحاكم أخرج في مستدركه عن عمر مرفوعا أن آدم رأى اسم محمد مكتوبا على العرش وأن الله قال لآدم لولا محمد ما خلقتك. وروى أبو الشيخ في طبقات الأصفهانيين والحاكم عن ابن عباس أوحى الله إلى عيسى آمن بمحمد ومر أمتك أن يؤمنوا به فلولا محمد ما خلقت آدم ولا الجنة ولا النار ولقد خلقت العرش على الماء فاضطرب فكتبت عليه لا إله إلا الله محمدا رسول الله وفي سنده عمر وابن أوس لا يدري من هو، قال الذهبي وعند الديلمي عن ابن عباس رفعه أتاني جبريل فقال إن الله يقول لولاك ما خلقت الجنة ولولاك ما خلقت النار”. انظر الآثار المرفوعة 44-45.



31. صفحة

الرشحة السادسة

فإن قلتَ: مَن هذا الشخص الذي نراه قد صار شمسًا للكون، كاشفًا بدينه عن كمالات الكائنات، وما يقول؟

قيل لك: انظر واستمع ما يقول، ها هو ذا يخبر عن سعادة أبدية ويبشّر بها، ويكشف عن رحمة بلا نهاية، ويعلنها ويدعو الناس إليها، وهو دلاّلُ محاسن سلطنة الربوبية ونظّارُها، وكشافُ مخفيات كنوز الأسماء الإلهية ومعرِّفها.

فانظر إليه من جهة وظيفته تَرَه برهانَ الحق وسراجَ الحقيقة وشمس الهداية ووسيلة السعادة.

ثم انظر إليه من جهة شخصيته تره مثال المحبةِ الرحمانية، وتمثال الرحمة الربانية، وشرفَ الحقيقة الإنسانية، وأنورَ وأزهر ثمراتِ شجرة الخلقة.

ثم انظر كيف أحاط نورُ دينه بالشرق والغرب في سرعة البرق الشارق، وقد قَبِل بإذعان القلب قريبٌ من نصف الأرض ومن خُمس بني آدم هديةَ هدايته بحيث تُفدي لها أرواحها.

فهل يمكن للنفس والشيطان أن يناقشا بدون مغالطة في مدّعيات مثل هذا الشخص، لاسيما في دعوى هي أساس كل مدعياته وهي “لا إله إلا الله” بجميع مراتبها؟

 

الرشحة السابعة

فإن شئت أن تعرف أنَّ ما يحرّكه، إنما هو قوّة قدسية، فانظر إلى إجراءاته في هذه الجزيرة الواسعة! ألا ترى هذه الأقوام الوحشية في هذه الصحراء العجيبة، المتعصبين لعاداتهم، المعاندين في عصبيتهم وخصامهم، القاسية قلوبُهم لدرجة أن يدفن أحدُهم بنتَه حيةً بلا تأثّر! كيف رفع هذا الشخص جميع أخلاقهم السيئة والوحشية، وقلعَها في زمان قليل! وجهّزهم بأخلاق حسنة عالية، فصيّرهم معلمي العالم الإنساني وأساتيذ

32. صفحة

الأمم المتمدنة، فانظر ليست سلطنته على الظاهر فقط، بقوة الخوف كسائر الملوك، بل ها هو ذا يفتح القلوب والعقول، ويسخِّر الأرواح والنفوس حتى صار محبوبَ القلوب ومعلم العقول ومربي النفوس وسلطان الأرواح.

 

الرشحة الثامنة

من المعلوم أن رفع عادةٍ صغيرة كالتدخين مثلا، من طائفة صغيرة بالكلية قد يَعسرُ على حاكم عظيم بهمّة عظيمة، مع أنّا نرى هذا الذات قد رفع بالكلية عاداتٍ عظيمة كثيرة، من أقوام عظام متعصبين لعاداتهم، معاندين في حسياتهم، بقوة جزئية، وهمّةٍ قليلة وفي زمان قصير، وغَرسَ بدلها برسوخ تام في سجيتهم عادات عالية، وخصائل غالية، فانظر إلى عمر رضى الله عنه قبل الاهتداء وبعده، تَرَه نواةً قد صار شجرةً باسقة، وهكذا يتراءى لنا من خوارق إجراءاته الأساسية ألوف أضعاف ما رأينا، فمن لم يَرَ هذا العصر نُدخل في عينه هذه الجزيرة!. فليجرّب نفسه فيها، فليأخذوا مائة من فلاسفتهم وليذهبوا إليها وليعملوا مائة سنة هل يتيسر لهم أن يفعلوا بالنسبة إلى هذا الزمان جزءا من مائة جزءٍ مما فعل سيدُنا # في سنةٍ بالنسبة إلى ذلك الزمان؟

 

الرشحة التاسعة

اعلم، إنْ كنت عارفًا بسجية البشر، أنَّه لا يتيسر للعاقل أنْ يدَّعي في دعوى فيها مناظرة كذبًا يخجل بظهوره، وأنْ يقوله بلا حجاب وبلا مبالاة وبلا تأثر يشير إلى حيلته، وبلا تصنّع وتهيّج يُومئان إلى كذبه، في أنظار خصومه النقادة، ولو كان شخصًا صغيرًا، ولو في وظيفة صغيرة، ولو بحيثية حقيرة، ولو في جماعة صغيرة، ولو في مسألة حقيرة، فكيف يمكن تداخل الحيلة ودخول الخلاف في مدّعيات


33. صفحة

مثل هذا الشخص الذي هو موظف عظيم، في وظيفة عظيمة، بحيثية عظيمة، مع أنه يحتاج لأَمْنِيّةٍ عظيمة، وفي جماعة عظيمة، وفي مقابلة خصومة عظيمة، وفي مسألة عظيمة، وفي دعوى عظيمة وها هو يقول ما يقول بلا مبالاة بمعترض، وبلا تردّد، وبلا حجاب، وبلا تخوف، وبلا تأثر، وبصفوةٍ صميمية، وبجدية خالصة، وبطرزٍ يحرِّك أعصاب خصومه بتزييف عقولهم وتحقير نفوسهم وكسر عزّتِهم، بأسلوب شديد علوي، فهل يمكن تداخل الحيلة في مثل هذه الدعوى من مثل هذا الشخص في مثل هذه الحالة المذكورة؟ كلاَّ ﴿إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:4].

نعم؛ إنَّ الحقَّ أغنى من أنْ يُدلِّس، ونظر الحقيقة أعلى من أنْ يُدلَّس عليه.

نعم؛ إنَّ مسلكه الحق مستغنٍ عن التدليس، ونظرهُ النفّاذ منزّهٌ عن أنْ يلتبس عليه الخيال بالحقيقة.

 

الرشحة العاشرة

انظر واستمع ما يقول، ها هو ذا يبحث عن حقائق مدهشة عظيمة، ويُنذرُ البشر ويبحث عن مسائل جاذبة للقلوب، لازمة جالبة للعقول إلى الدقة فيبشّر البشر، ومن المعلوم أنَّ شوقَ كشفِ حقائق الأشياء، قد ساق الكثيرين من أهل المَرَق إلى فداء الأرواح، ألا ترى أنَّه لو قيل لك: إن أفديتَ نصفَ عمركَ أو نصف مالك، لنزل من القمر أو المشتري شخصٌ يخبرك بغرائب أحوالهما ويخبرك بحقيقة استقبالك، أظنك ترضى بالفداء؟ فياللعجب! ترضى لدفع مَرَقِك بترك نصف العمر والمال، ولا تهتم بما يقول هذا ويصدِّقه إجماعُ أهل الشهود وتواتر أهل الاختصاص من الأنبياء والصديقين والأولياء والمحققين؛ فيبحث عن شئون سلطانٍ ليس القمرُ في مملكته إلاّ كذبابٍ يطير حول فراشٍ، يطير ذلك الفراشُ حول سِراج ٍمن القناديل التي أسرجها في منزلٍ أعدّه

34. صفحة

لضيوفه المسافرين من ألوفِ منازله! وكذا يخبر عن عالمٍ هو محل الخوارق والعجائب، وعن انقلاب عجيب، فرضًا لو انفلقت الأرض وتطايرت جبالها كالسحاب ما ساوتْ عُشر معشار عشير غرائب ذلك الانقلاب.

فإنْ شئت فاستمع من لسانه أمثال: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ و﴿إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ﴾ و﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ و﴿الْقَارِعَةُ﴾، وكذا يخبر بتحقيقٍ عن استقبال ليس الاستقبال الدنيوي بالنسبة إليه إلاَّ كقطرةِ سرابٍ بلا طائلٍ بالنسبة إلى بحر بلا ساحل، وكذا يبشّر عن شهودٍ بسعادةٍ ليست السعادة الدنيوية بالنسبة إليها إلاَّ كبرقٍ زائل بالنسبة إلى شمس سرمدية.

نعم؛ تحت حجاب هذه الكائنات - ذات العجائب - عجائبٌ، تنتظرنا وتنظر إلينا، ولابد لإخبار تلك العجائب والخوارق شخصٌ عجيب خارق يشاهِد ثم يشهَد، ويبصُر ثم يُخبر.

نعم؛ نشاهد من شئونه وأطواره أنَّه يشاهد ثم يشهَد فينذر ويبشّر، وكذا يخبر عن مرضيات رب العالمين ومطالبه منّا وهكذا من عظائم مسائل لا مفرّ منها، وعجائب حقائق لا منجى منها، ولا سعادة بدونها.

فيا حسرةً على الغافلين، ويا خسارة على الضالين، ويا عجبًا من بلاهة أكثر الناس، كيف تَعامَوا عن هذا الحق وتصامّوا عن هذه الحقيقة؟ لا يهتمون بمثل هذا الذات في عجائبه، مع أنَّ من شأن مثله أن تُفدى له الأرواحُ ويُسرع إليه بترك الدنيا وما فيها.

 

الرشحة الحادية عشرة

اعلم أنَّ هذا الشخص، المشهود لنا بشخصيته المعنوية، المشهور في العالم بشئونه العلوية؛ كما أنَّه برهانٌ ناطقٌ صادقٌ على الوحدانية، ودليلٌ حقٌّ بدرجة حقّانية التوحيد، كذلك هو برهان قاطع ودليل ساطع على السعادة الأبدية؛ بل كما أنه

35. صفحة

بدعوته وبهدايته سببُ حصول السعادة الأبدية ووسيلة وصولها، كذلك هو بدعائه وعبوديته سببُ وجود تلك السعادة ووسيلة إيجادها.

فإن شئت فانظر إليه وهو في الصلاة الكبرى، التي بعظمة سعَتها صيّرت هذه الجزيرة، بل الأرض، مصلين بتلك الصلاة الكبرى.

ثم انظر أنَّه يصلي تلك الصلاة بهذه الجماعة العظمى، بدرجةٍ كأنَّه هو إمامٌ في محراب عصره واصطفّ خلفَه مقتدين به جميعُ أفاضل بني آدم، من آدم إلى هذا العصر إلى آخر الدنيا، في صفوف الأعصار مؤتَمّين به ومؤمّنين على دعائه.

ثم استمع ماذا يفعل في تلك الصلاة بتلك الجماعة، فها هو ذا يدعو لحاجةٍ شديدةٍ عظيمةٍ عامةٍ بحيث يشترك معه في دعائه الأرض، بل السماء، بل كل الموجودات، فيقولون بألسنة الأحوال: نعم يا ربَّنا تقبل دعاءه، فنحن أيضًا نطلبه، بل مع جميع ما تجلى علينا من أسمائك، نطلب حصول ما يطلب هو.

ثم انظر إلى طوره في طرز تضرعاته كيف يتضرّع بافتقار عظيم في اشتياق شديد وبحزن عميق في محبوبية حزينة، بحيث يهيّج بكاء الكائنات فيبكيها فيُشركها في دعائه.

ثم انظر لأيّ مقصدٍ وغاية يتضرع؛ ها هو ذا يدعو لمقصدٍ لولا حصول ذاك المقصد لسقط الإنسان بل العالم بل كل المخلوقات إلى أسفل سافلين لا قيمة لها ولا معنى، وبمطلوبه تترقى الموجوداتُ إلى مقامات كمالاتها.

ثم انظر كيف يتضرع باستمدادٍ مديد، في غياث شديد، في استرحام بتودد حزين، بحيث يُسمع العرشَ والسماوات، ويهيّج وجدَها، حتى كأن العرش والسماوات تقول: آمين اللهم آمين.

ثم انظر ممّن يطلب مسئولَه؟ نعم؛ يطلب من القدير السميع الكريم ومن العليم البصير الرحيم، الذي يسمع أخفى دعاءٍ من أخفى حيوانٍ في أخفى حاجة؛ إذ يجيبه بقضاء حاجته بالمشاهدة، وكذا يبصر أدنى أملٍ في أدنى ذي حياة في أدنى غاية؛ إذ

36. صفحة

يوصله إليها من حيث لا يحتسب بالمشاهدة، ويُكرم ويَرحم بصورة حكيمة، وبطرز منتظم؛ لا يبقى ريب في أن هذه التربية والتدبير من سميع عليم، ومن بصير حكيم.

 

فيا للعجب، ما يطلب هذا الذي قام على الأرض وجمَعَ خلفَه جميع الأنبياء، أفاضل بني آدم، ورفع يديه متوجهًا إلى العرش الأعظم، ويدعو دعاءً يُؤمِّن عليه الثقلان، ويُعلَم من شئونه أنَّه شرف نوع الإنسان، وفريد الكون والزمان، وفخر هذه الكائنات في كل آن؛ ويستشفع بجميع الأسماء القدسية الإلهية المتجلية في مرايا الموجودات، بل تدعو وتطلب تلك الأسماء عين ما يطلب هو، فاستمع! ها هو ذا يطلب البقاء واللقاء والجنة والرضاء، فلو لم يوجَد ما لا يُعد من الأسباب الموجبة لإعطاء السعادة الأبدية من الرحمة والعناية والحكمة والعدالة المشهودات - المتوقف كونها رحمة وعناية وحكمة وعدالة - على وجود الآخرة، وكذا جميع الأسماء القدسية، أسبابًا مقتضية لها؛ لكفى دعاءُ هذا الشخص النوراني لأنْ يبني ربُّهُ له ولأبناء جنسه الجنة، كما يُنشئ لنا في كل ربيع جنانًا مزينة بمعجزات مصنوعاته.

فكما صارت رسالته سببًا لفتح هذه الدار الدنيا للامتحان والعبودية، كذلك صار دعاؤه في عبوديته سببًا لفتح دار الآخرة للمكافأة والمجازاة.

فهل يمكن أنْ يتداخل في هذا الانتظام الفائق، وفي هذه الرحمة الواسعة، وفي هذه الصنعة الحسنة بلا قصور، وفي هذا الجمال بلا قبح، بدرجة أن أنطق أمثال الغزالي بـ“ليس في الإمكان أبدع مما كان”، وأنْ تتغير هذه الحقائق بقبحٍ مشين، وبظلم مُوحش، وبتشوش عظيم؛ إذ سماع أدنى صوت في أدنى خلق في أدنى حاجة وقبولها بأهمية تامة، مع عدم سماع أرفَع صوتٍ ودعاءٍ في أشد حاجة، وعدم قبول أحسن مسئول، في أجمل أمل ورجاء؛ قبحٌ ليس مثله قبح، وقصورٌ لا يساويه قصور، حاشا ثم حاشا وكلاّ، لا يقبل مثلُ هذا الجمال المشهود بلا قصور مثل هذا القبح المحض، وإلاّ لانقلبت الحقائقُ بانقلاب الحُسن الذاتي قبحًا ذاتيًّا.


37. صفحة

الرشحة الثانية عشرة

يا رفيقي في هذه السياحة العجيبة، ألا يكفيك ما رأيت؟! فإنْ أردت الإحاطة فلا يمكن، بل لو بقينا في هذه الجزيرة مائة سنة ما أحطنا ولا مَلَلْنا من النظر بجزءٍ واحد من مائة جزء من عجائب وظائفه، وغرائب إجراءاته، فلنرجع قهقرى، ولننظر عصرًا عصرًا، كيف اخضرّت تلك العصور واستفادت من فيض هذا العصر؟

نعم؛ نرى كلَّ عصرٍ نمرُّ عليه قد انفتحت أزاهيره بشمس عصر السعادة وأثمَر كلّ عصرٍ من أمثال أبي حنيفة، والشافعي، وأبي يزيد البسطامي، والجنيد البغدادي، والشيخ عبدالقادر الكيلاني، والإمام الغزالي، ومحيي الدين بن عربي، وأبي الحسن الشاذلي، والشاه النقشبند، والإمام الرّباني ونظائرهم ألوف ثمراتٍ منورات من فيض هداية ذلك الشخص النوراني.

فلنؤخر تفصيلات مشهوداتنا في رجوعنا إلى وقت آخر، لنصلي ونسلم على هذا الذات النوراني، ذي المعجزات، أعني سيدنا محمدًا عليه الصلاة والسلام:

اللهم صلّ وسلّم على هذا الذات النوراني الذي أُنزل عليه القرآن الحكيم من الرحمن الرحيم من العرش العظيم، أعني سيدنا محمدًا ألفَ ألفِ صلاة وسلام بعدد حسنات أمته، على مَنْ بَشَّر برسالته التوراةُ والإنجيل والزبور والزُّبُر، وبشَّر بنبوته الإرهاصاتُ وهواتفُ الجن وأولياءُ الإنس وكواهنُ البشر، وانشقَّ بإشارته القمرُ سيّدِنا ومولانا محمد ألف ألف صلاة وسلام بعدد أنفاس أمته، على مَنْ جاء لدعوته الشجرُ، ونزل سريعًا بدعائه المطرُ، وأظلته الغمامةُ من الحرّ، وشبعَ من صاع ٍمن طعامه مئاتٌ من البشر، ونبع الماءُ من بين أصابعه كالكوثر، وأنطقَ الله له الضّبَّ، والظبي، والذئب، والجذع، والذراع، والجمل، والجبل، والحجر، والمدر، والشجر، صاحبِ المعراج وما زاغ البصر، سيدِنا وشفيعنا محمد ألف ألف صلاة وسلام بعدد كل الحروف المتشكلة في الكلمات المتمثلة بإذن الرحمن في مرايا تموجات الهواء عند قراءة كل كلمة من القرآن من كل قارئٍ من أول النزول إلى آخر الزمان واغفر لنا، وارحمنا، يا إلهنا بكل صلاة منها. آمين. آمين. آمين.


38. صفحة

اعلم أنَّ دلائل النبوة الأحمدية لا تعد ولا تحصى، وقد ذكرنا قسمًا منها في “الكلمة التاسعة عشرة” و“المكتوب التاسع عشر” فمع شهادة “معجزاته” البالغة إلى ألف، ومع شهادة “القرآن” البالغة وجوهُ إعجازه إلى أربعين، السابق تفصيلها في “الرسالة الخامسة والعشرين” على رسالة محمّد عليه الصلاة والسلام، كذلك تشهد هذه الكائناتُ بآياتها على نبوته؛ إذ كما أنَّ في هذه المصنوعات المبثوثة في الكائنات([1]) آياتٍ لا تُحد، تشهد على وحدانية الذات الأحدية، كذلك فيها بيّنات لا تعد، تشهد على رسالة الذات الأحمدية على صاحبها الصلاة والسلام.

منها كمال حسن الصنعة؛ إذ كمال حُسن الصنعة في هذه المصنوعات، يدل على الرسالة الأحمدية دلالة قطعية؛ لأنَّ جمال هذه المصنوعات المزينات يُظهر للناظر حُسنَ صنعةٍ وزينة صورة بالمشاهدة، وأنَّ حسن الصنعة وزينة الصورة يدلان بالبداهة على أنَّ في صانعها إرادةَ تحسينٍ وطلبَ تزيينٍ في غاية القوة، وإنَّ إرادة التحسين وطلبَ التزيين يدلان بالضرورة على أنَّ في صانعها محبةً علويةً لصنعته، ورغبةً قدسية لإظهار كمالاتِ صنعته، وإنَّ تلك المحبة والرغبة تدلان بالقطع على أنَّ الإنسان الذي هو أكمل المصنوعات وأبدعها وأجمل المخلوقات وأجمعها، هو المظهرُ الجامعُ والمدارُ البارعُ لتلك المحبة والرغبة، وهو الذي تتمَرْكَزان فيه، وإنَّ الإنسان لكونه أجمع وأبدع المصنوعات فهو الثمرة الشعورية لشجرة الخلقة، أي هو لها كثمرةٍ ذات شعور، فلكونه كالثمرة، فهو ما بين أجزاء الكائنات جزء أجمع وأبعد من جميع الأجزاء، فلكونه أجمعَ وأبعدَ وذا شعور، فله نظرٌ عام وشعور كلي، فلكون نظره عامًّا يرى مجموع شجرة الخلقة، ولكون شعوره كليًا يعرف مقاصد الصانع، فهو المخاطَب الخاص للصانع، فلكون عموم النظر وكلية الشعور سببًا لخصوصية الخطاب، فالفرد الذي يَصرِف كلَّ نظرهِ العام وعموم شعوره الكلي إلى التعبد للصانع، والتحبب إليه، والمحبة له، ويوجّه تمام شعوره ودقة نظره إلى استحسان صنعة الصانع وتقديرها وتشهيرها، ويستعمل جميع نظره وشعوره

39. صفحة

ومجموع قوته وهمّته إلى شكر نعمةِ ذلك الصانع الذي يطلب الشكر في مقابلة إنعامه، وإلى دعوة الناس كافةً إلى التعبد والاستحسان والشكر، فبالبداهة يكون ذلك الفرد الفريد هو المخاطب المقرَّب والحبيب المحبَّب.

فيا أيها الناس، هل يمكن عندكم ألاَّ يكون محمّد عليه الصلاة والسلام ذلك الفرد الفريد؟! وهل يستطيع تاريخكم أنْ يظهر فردًا آخر أليقَ بهذا المقام من محمّد عليه الصلاة والسلام؟ فيا مَن له بصر بلا رَمَد، وبصيرة بلا عمى، انظر إلى عالم الإنسان في هذه الكائنات، حتى تشاهد بالعيان دائرتين متقابلتين، ولوحين متناظرين:

فأما إحدى الدائرتين، فدائرة ربوبية محتشمة([1]) منتظمة في غاية الاحتشام([2]) والانتظام، وأما أحد اللوحين فلوح صنعةِ مصنّعٍ مرصّع في غاية الإتقان والاتزان.

وأما الدائرة الأخرى فهي دائرة عبودية منوّرة مزهرة في غاية الانقياد والاستقامة، وأما اللوح الآخر، فهو لوح تفكر واستحسان في غاية السعة، وصحيفة تشكر وإيمان في غاية الجمع.

فإذ شاهدت هاتين الدائرتين وهذين اللوحين، فانظر إلى مناسبة الدائرتين واللوحين حتى تشاهد بالعيان:

إنَّ دائرة العبودية تتحرك جميعُ جهاتها باسم الدائرة الأولى، وتعمل بجميع قوتها بحسابها، وحتى تشاهد بأدنى دقة أنَّ لوح التفكر والتشكر والاستحسان والإيمان ينظر بجميع معانيه وإشاراته إلى لوح الصنعة والنعمة.

فإذ شاهدتْ عينُك هذه الحقيقة فهل يمكن لعقلك أنْ ينكر أعظَم المناسبة بين رئيس دائرة العبودية وصاحب دائرة الربوبية؟! وهل يجوز لقلبك ألاَّ يوقن بأنَّ ذلك الرئيس الذي يخدم بالإخلاص لمقاصد الصانع في تشهير صنعته وتقديرها، له مناسبة عظيمة مع الصانع، وانتساب قوي إليه، وله معه مكالمة ومنه إليه رسالة؟ نعم؛ فبالبداهة يُعْلَمُ أنه محبوبٌ مقبولٌ عند مالك الملك بل أحب الخلق إليه وأقربهم منه.


40. صفحة

فيا أيها الإنسان، هل يمكن في عقلك ألاَّ يبالي ولا يهتم صانعُ هذه المصنوعات المزيّنات بأنواع المحاسن، ومُنعِمُ هذه النعم المُراعي لدقائق الأذواق في أفواه الخلق، بمثل هذا المصنوع الأجمل الأكمل المتوجه إليه بكمال الاشتياق والتعبد والتحبب، وبمثل هذا المخلوق الذي أطرب الفرشَ والعرشَ بوَلوَلة استحساناته، ودمدمة تقديراته، لمحاسن صنعة ذلك الصانع، واهتز البرُّ والبحرُ جذبةً من زمزمة تشكراته لإحسانات ذلك الفاطر، ومن شعشعة تكبيراته لعظمة ذلك الخالق المنعم؟!

فهل يمكن ألاَّ يبالي مثلُ ذلك الصانع المحسن المقتدر بمثل هذا المصنوع المستحسن المتشكر؟!

وهل يمكن ألاَّ يتوجه إليه؟!

وهل يمكن ألاَّ يتكلم معه؟!

وهل يمكن ألاَّ يحبه؟!

وهل يمكن ألاَّ يقرّبه إليه؟!

وهل يمكن ألاَّ يريد سرايَة وضعيته الحسنة وحالته الجميلة إلى عموم الخلق؟!

وهل يمكن ألاَّ يجعله قدوةً للناس حتى ينصبغوا بصبغته ووضعيته وحالته؟!

وهل يمكن ألاَّ يجعله رسولا إلى الناس كافة؟!

أم هل يمكن ألاَّ يكون لصانع هذه المصنوعات المنتظمة -الدالة نقوشُ صنعتها على علم بلا نهاية وعلى حكمة بلا غاية- شعورٌ واطلاعٌ على الفرد الأكمل والأجمل من مصنوعاته؟!

أم هل يمكن أن يعلَم ويبصر ولا يتكلم معه؟!

أم هل يمكن أن يتودد ويتعرف بتزيينات مصنوعاته ولا يودّ ولا يعرف مَن يودّه كما يحق، ويعرفه كما يليق، ويتودد إليه بالصدق، ويتعبّد له بالحق؟!


41. صفحة

 

 

 

 

 

 

لاسيما

 

 

“المقام الثاني” العربي من “الكلمة الثامنة والعشرين”

 

وأساس “الكلمة العاشرة”