الشعاع الحادي عشر
التنقل
244. صفحة
الشعاع الحادي عشر
دفاع لرسائل النور ضد الزندقة والكفر المطلق، وكذلك هو دفاعنا الحقيقي في سجننا هذا، وما سعينا إلا لهذا.
هذه الرسالة ثمرة من ثمار سجن دنيزلي وذكرى من ذكرياته، وهي حصيلة يومين من أيام الجمعة.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾(يوسف:42)
إن يوسف عليه السلام رائد المسجونين بسر هذه الآية وإخبارها، فالسجن إذن "مدرسة يوسفية" نوعًا ما.
وبما أن طلابَ رسائل النور دخلوا هذه المدرسةَ مرتين وبعدد كبير، فلا شك أنه يجب التَّرَبِّي التامُّ بدراسةِ وتدريسِ الخلاصات القصيرة للمسائل التي أثبتتها رسائلُ النورِ، والتي لها علاقة بالسجن في هذه المدرسة التي فُتِحَتْ للتربية، فنبين خمسًا أو ستًّا من تلك الخلاصات.
245. صفحة
المسألة الأولى
كما وُضِّح في "الكلمة الرابعة" أن خالقنا يُحْسِن إلينا كل يوم أربعًا وعشرين ساعة من رأس مال الحياة، حتى نشتريَ برأس المال هذا كل ما يلزم لِكِلْتَيْ حياتَيْنا([1])؛ فأي خطأ نرتكبه إذن إذا ما صرفنا ثلاثا وعشرين ساعة للحياة الدنيوية القصيرة جدًّا، ولم نصرف ساعةً واحدةً تكفي للصلوات الخمس المكتوبة لحياتنا الأخروية الطويلة جدًّا؟! ولكم نعاني نتيجة هذا الخطأ معاناةً قلبيةً وروحيةً، ومن جرَّاءِ هذه المعاناة تَفسد أخلاقنا، ونقضي حياتنا يائسين، ومن ثَمَّ نخسر خسارةً كبيرة بمخالفتنا هذه التربية، ناهيك عن أننا لم نتلقَّها أصلا؛ فليُقارَن!
وإن صرفنا ساعة واحدة للصلوات الخمس المكتوبة، فكل ساعة من ساعات السجن والمصيبة تكون أحيانًا في حكم عبادة يوم، وساعة واحدة فانية منها تكون في حكم الساعات الباقية، ويزول اليأس والمعاناة القلبية والروحية إلى دٍّ ما، وتكون سبب العفو عن الأخطاء التي أدت بنا إلى السجن وكفارة لها، ونتلقَّى التربية التي هي حكمة السجن، فليفكر كل واحد في أن هذا ما يربحه من امتحان ودرس ومصاحبة لطيفة ومُسَلِّيةٍ مع أصدقائِه في المصيبةِ.
فكما قيل في "الكلمة الرابعة"، إن كان هناك من يدفع خمس ليرات أو عشر ليرات من أربع وعشرين ليرة من ماله الذي يملكه لقُمَارِ اليانصيب الذي اشترك فيه ألف شخص من أجل كسب جائزة قيمتها ألف ليرة، ولا يدفع ليرة واحدة من هذه الأربع والعشرين من أجل كسب تذكرة كنز الجواهر الأبدية، مع أن احتمال كسب ذلك الألف الليرة في قمار اليانصيب الدنيوي واحد من ألف؛ لأن هناك ألف مشترك غيره، أما في الاقتراع الأخروي للمقدرات البشرية فاحتمال كسب أهل الإيمان الذين نالوا حُسْنَ الخاتمةِ هو تسعمائة وتسعة وتسعون من الألف، بإخبار المخبرين الصادقين الذين لا حدَّ لهم من الأولياء والأصفياء الذين يُصَدِّقون بالكشف إخباراتِ مائةٍ وأربعة وعشرين ألفًا من الأنبياء؛ فليقارَن إذن كم يكون الرَّكْضُ إلى اليانصيب الأول، والهروبُ من الثاني مخالفا للمصلحة؟!
[1] يقصد الحياة الدنيا والآخرة.
246. صفحة
ومن هذه الناحية فلمديري السجون وحراسها وسجانيها، بل لمدبِّري إدارة البلاد، وحراس وحماة الأمن أن يُسَرُّوا بهذا الدرس من رسائل النور؛ لأنه ظهر بالتجارب أن ضبط وإدارة ألف من الملتزمين بالدِّينِ، ومن يتذكرون سجن جهنم كل وقت، أسهل من ضبط وإدارة عشرة من الذين لا صلاةَ ولا اعتقادَ لهم، والذين لا يفكرون إلا في السجنِ الدنيوي، ولا يعرفونَ الحرامَ ولا الحلالَ، والذين اعتادوا الطيشَ إلى حدٍّ ما.
خلاصةُ المسألةِ الثانيةِ
إن الموت -كما بيَّنَه مرشدُ الشباب من رسائل النور بيانًا جميلا- يَقِينِيٌّ، ووجوده ثابت وظاهر إلى حد أنه سيصيبنا كمجيء ليل هذا اليوم، وشتاء هذا الخريف.
وكما أن هذا السجنَ مضيف مؤقتٌ للذين يدخلونه ويخرجون منه دومًا، فإن وجهَ الأرض كذلك استراحةٌ للنزولِ والمغادرةِ، على طريق القوافلِ التي تتحركُ سريعًا.
فالموت الذي يُخْلِي كل مدينة وينقلها إلى المقبرة مائة مرة، لا بد أنه يريد منا شيئا أهم من حياتنا بكثير، وقد حَلَّتْ رسائلُ النورِ وكشفتْ مُعمَّى هذه الحقيقة الهائلة المُذْهِلَةِ.
فخلاصة قصيرة جدًّا لها فيما يلي:
بما أن الموت لا يُقتل، وأن بابَ القبر لا يُغلَق، وكان هناك حل للتخَلُّص من يدِ جلاَّد الأجل هذا، ومن سجن القبر الانفرادي؛ فلا شك أن هذه القضية هي أكبر وأهم همٍّ وقلق للإنسان، وتَفُوقُ عنده كل شيء.
أجل؛ إنَّ لها حلاًّ، وإنَّ رسائل النور قد أثبتتْ بسرِّ القرآنِ ذلك الحلَّ إثباتًا قاطعًا كضرب اثنين في اثنين يُسَاوِي أربعًا، وفيما يلي خلاصة قصيرة لهذا الحلِّ:
إنَّ الموت إما إعدام أبدي، ومِشْنَقَةٌ تشنق الإنسانَ وجميع أحبابه وأقاربه، وإما تذكرةُ تسريحٍ للذهابِ إلى عالمٍ آخرَ باقٍ، وللدخول في قصر السعادة بوثيقة الإيمان.
247. صفحة
أما القبرُ فإما أنه سجنٌ انفراديٌّ ذو ظلمات، وحفرة لا قَعْرَ لها، وإما أنه باب ينفتح من سجن هذه الدنيا إلى دار ضيافة وحدائق باقية نورانية، وقد أثبت "مُرْشِدُ الشبابِ" هذه الحقيقة بمثالٍ.
فمثلاً: لقد نُصِبَتْ المشانقُ للشنق في فناء هذا السجن، وأُقيمَ وراء الجدار الذي تستند إليه تلك المشانقُ دائرةُ اليانصيب الكبيرة جدًّا، وقد اشترك فيها جميع أفراد العالم، فسيدعوننا نحن الخمسمائة في هذا السجن فردًا فردًا حتما وبلا استثناء إلى ذلك الميدان وتلك الساحة، ولا مفرَّ من ذلك.
ويُعْلَن في كل مكان أنْ: "تعالَ واستلم إعلانَ الإعدامِ، واصعدْ المشنقة، أو أمسك بوثيقة السجنِ الانفرادي الدائمِ، وادخلْ من هذا الباب المفتوح".
أو:"بُشْرى لك، فُزْتَ بتذكرةٍ تُكسبك ملايينَ الليراتِ الذهبية، تعال فخذها".
وبينما كنا نرى بأعيننا أنهم يصعدون إلى المشانق واحدا تلو الآخر، ونعاين شنقهم، ونعرف أن بعضهم قد اتخذ المِشنقة درجاتٍ للصعود إلى دائرة الجائزة -وكأننا نراهم رأي العين- بإخبارات قاطعة من الموظفين الكبار الجادِّين الوقورين الموجودين هناك، فإذا بوفدين قد دخلا إلى سجننا هذا، مجموعة في أيديهم آلات العزف والطرب، وخمور، وحلوى لذيذة جدًّا في الظاهر، وحاولوا أن يطعمونا إياها، ولكنَّ تلك الحلوى مسمومةٌ، قد وضَعَ شياطينُ الإنس فيها السُّمَّ.
والمجموعة الثانية في أيديهم كتب ورسائل تربوية، والمأكولات الحلال، والمشروبات المباركة، ويُهدوننا إياها، ويقولون -معًا- لنا بالاتفاق وجازمين وبِجِدِّيَّةٍ تّامَّةٍ: "إن أخذتم الهدايا التي قَدَّمتْها لكم المجموعةُ الأولى -التي هي في حقيقتها اختبار لكم- وأكلتموها، فستُشنقون كما شُنِقَ هؤلاءِ أمامَكم بالمشانق".
وإن قبلتم الهدايا التي جئنا بها نحنُ بفرمان من حاكم البلاد بدلا من هدايا المجموعة الأولى، وقرأتم ما في تلك الكتب والرسائل التربوية من أدعية وأوراد؛ فستتخلَّصُونَ من ذلك الشنق. واعتقدوا يقينًا -كوضوحِ النهارِ- أن كلَّ واحد منكم سيأخذ تذكرةً تُكسب ملايين الليرات الذهبية في دائرة الجائزة هذه إحسانًا خاصا
248. صفحة
من ذلك الحاكم، وإن أكلتم تلك الحلوى المحرمة المشبوهة المسمومة فستعانون أيضا من وجعٍ في البطنِ من تأثير ذلك السمِّ لحين صعودكم إلى المشنقة.
وهكذا نخبركم نحن أوامرَ الحاكم إخبارًا قاطعًا وبالاتفاق".
فكما في هذا التمثيل؛ يُخبرنا -باتفاق- مائة وأربعة وعشرون ألفًا من الأنبياء -عليهم السلام- الذين يحملون بأيديهم معجزاتٍ لا حدَّ لها، وهي من علامات صدقهم، وأكثر من مائة وأربعة وعشرين مليونًا من الأولياء الصالحين (قَدَّسَ اللهُ أَسْرَارَهُم) الذين يصدقون -بعد مشاهدتهم بالكشف والذوق- آثارَ ما أخبره هؤلاء الأنبياءُ من أخبار، وظِلَّها كما في السينما، ويوقِّعون عليها، وملياراتٌ من العلماء المحققين([1]) والمجتهدين والصديقين الذين مضوا، والذين أثبتوا -متفقين- بدلائل قاطعة عقلاً، وبحجج قوية فكرًا، وبشكل يقيني؛ إثباتا يقينيا ما أخبر بهذان القسمان من مشاهير البشرية، وصدقوه ووقّعوا عليه؛ أنه ستظهر تذكرة تُكسب -باحتمال مائة بالمائة- أهل الإيمان والطاعة خزانةً أبديةً لا تَنْفَدُ من يانصيب مقدرات نوع البشر وراء مشنقة الأجل التي نراها كل وقت بشرط حسن الخاتمة، وأن من يتمادون في السفاهة والحرام والفسق وعدم الاعتقاد سيتلقون إما إعلامَ الإعدام الأبدي إن لم يتوبوا إلى الله (للذين لا يؤمنون بالآخرة)، وإما إعلام السجن الانفرادي الدائم المظلم والشقاوة الأبدية (للذين يؤمنون ببقاء الروح بَيْدَ أنهم يَتَمَادَونَ في اللهو)، باحتمال قاطع بنسبة تسعة وتسعين بالمائة.
فلا شك أن الشخص الذي لا يُصْغِي إلى ما أخبرت به -بالإجماع والتواتر واستنادًا إلى فرمانات- هذه الجماعاتُ العظيمةُ الثلاثةُ -التي أفرادها هم شموس نوع الإنسان وأقماره ونجومه- وهذه الطوائفُ الثلاثةُ وهم أهل الحقيقة، وهذه الوفود العالية العظيمة الثلاثة -الذين هم قُوَّاد مقدسون للبشر- والشخص الذي لا يسلك الصراط المستقيم الممتد إلى السعادة الأبدية الذي هو طريق يدلون عليه، والذي لا يهتم باحتمال الخطر العظيم بنسبة تسعة وتسعين بالمائة؛ -مع أنه قد يترك طريقا لقول مخبر واحد "إن في
[1] إن واحدًا فقط من بين هؤلاء المحققين هو رسائل النور، بأجزائها التي تسكت وتُلزم منذ عشرين سنة الفلاسفة المعاندين والزنادقة المتمردين في الميدان، فيمكن أن يقرأها الكل، ولا يستطيع أحد أن يعارضها. (المؤلف).
249. صفحة
هذا الطريق خطر" ويسلك طريقًا آخر أطول منه- نقول إن هذا الشخص يكون وضْعه كالآتي: إنه يختار الطريق الأكثر اضطرابًا ومشقةً وطولاً، المؤدِّي إلى سجن جهنم وإلى الشقاوة الدائمة باحتمال تسعة وتسعين بالمائة، تاركًا الطريق الأقصر والأسهل المؤدي إلى الجنة والسعادة الأبدية باحتمال مائة بالمائة حسب إخبارات قاطعة من مخبرين لا حصر لهم، مع أنه يترك في الدنيا بإخبار مخبر واحد –وقد يكون كَذِبًا- الطريق الأقصر من طَرِيقَيْهِ، لأن فيه احتمالَ الخطر بنسبة واحد بالمائة، واحتمال السجن لمدة شهر، ويختار الطريق الأطول الذي لا فائدة فيه لأجل عدم ضرره فقط.
فمثله في هذا كمثل رجل مخبول شقي سكران لا يعبأ بالتِّنِّيناتِ الرهيبة التي تُرى من بعيد، والتي تَسَلَّطَتْ عليه، فيشتغل بالذباب، ويحصر اهتمامه به فحسب، وكأنه قد فقد عقله وقلبه وروحه وإنسانيَّته.
وبما أن حقيقة الحال هكذا؛ فعلينا -نحن المسجونين- أن نقبل هدايا ذلك الوفد الثاني المبارك حتى نأخذ ثأرنا تمامًا من مصيبة السجن هذه؛ أي كما أن هذه المصيبة قد أدخلتنا إلى هذا السجن لمدة خمس عشرة سنة، أو خمس أو عشر سنوات، أو سنتين، أو ثلاث، بسبب لذة الانتقام لدقيقة واحدة، وبسبب لذائذ السفاهة لبضع دقائق أو ساعة أو ساعتين، وجعلت دنيانا سجنًا لنا؛ فعلينا نحن أن ننتقم تمامًا من تلك المصيبة رغما عن أنفها، وعنادًا لها، بتحويل ساعة أو ساعتين من مدة السجن إلى عبادة يوم أو يومين، وتحويل سنتين أو ثلاث سنوات من عقوبتنا إلى عشرين أو ثلاثين سنة من العمر الباقي بهدايا القافلة المباركة، ونجعل عقوبتنا في السجن لمدة عشر سنوات أو عشرين سنة وسيلةً لنجاتنا من سجن جهنم الذي يدوم لملايين السنين، مضحكين حياتَنَا الباقية مقابل بكاء دنيانا الفانية.
وعلينا أن نثبتَ أن السجن دار تربية، وأن نسعى لنَكُون أشخاصًا مهذّبين آمنين نافعين لوطنهم وشعبهم، حتى يعلم موظفو السجن ومديروه ومدبروه أن الأشخاص الذين ظنوهم جناة ولصوصًا وصعاليكَ وقتلةً وسفهاءَ وأصحابَ لهوٍ ولعبٍ ومضرين للوطن في الحقيقة هم طلبة يدرسون في مدرسة مباركة، فليفتخروا وليشكروا الله سبحانه.
250. صفحة
المسألة الثالثة
خلاصة حادثة ذات عبرة وُضِّحت في "مرشد الشباب":
كنت قد جلست في يوم عيد الجمهورية أمام نافذة سجن "أسكي شهر"([1])، والبنات الكبيرات في فناء المدرسة الثانوية التي تقع مقابل السجن كُنَّ يرقصن ضاحكات، وفجأة تراءت لي بواسطة سينما معنوية أحوالُهن بعد خمسين سنة، ورأيت أن أربعين أو خمسين من البنات والتلميذات الخمسين أو الستين يتحولن إلى تراب في القبر ويعذَّبن فيه، وعشر منهن بلغن السبعين أو الثمانين من عمرهن، وهن قبيحات دميمات، يثرن اشمئزاز الأنظار التي ينتظرن منها المحبة والمودة لعدم حفاظهن على عفتهن في شبابهن، فشاهدت هذا مشاهدة فعلية، وبكيتُ على أحوالهن التي تستوجبُ الرحمةَ والعطفَ، فسمع بعض الأصدقاءِ في السجن بكائي، فجاءوا يسألون، فقلت لهم: اذهبوا ودعوني وشأني الآن.
أجل؛ إن ما رأيتُه حقيقةٌ وليس خيالاً، فكما أن نهايةَ هذا الصيفِ والخريفِ الشتاءُ، فكذلك ما وراء صيفِ الشباب وخريفِ الشيخوخة هو شتاءُ القبر والبرزخ.
فلو كانت هنالك سينما تعرِض حادثات المستقبل التي ستحدث بعد خمسين عاما مثلما تُعرَض الآن حادثات الماضي التي حدثت قبل خمسين عاما بواسطة السينما؛ وعرضت على أهل الضلالة والسفاهة أحوالهم التي سيصيرون إليها بعد خمسين أو ستين سنة، لبكوا مُشْمَئِزِّين متألمين على ضحكهم الآن، وعلى متعهم غير المشروعة الحالية.
وبينما أنا منشغل بتلك المشاهدة في سجن أسكشهر؛ إذا بشخص معنوي يُرَوِّجُ للسفاهة والضلالة قد تمثل أمامي وكأنه شيطان إنسي، فقال لي:
إننا نريد أن نَذوق ونُذيق غيرنا كل ألوان لذائذ ومتع الحياة، دعنا وشأننا، ولا تتدخل في شئوننا.
[1] مدينة من مدن تركيا.
251. صفحة
فقلت ردًّا عليه: بما أنك لا تذكرُ الموتَ بسبب اللذة والذوق، وتُلْقِي بنفسك في الضلالة والسفاهة، فاعلم يقينًا أن الزمنَ الماضي بِرُمَّتِهِ بسبب ضلالتك ميت ومعدوم ومقبرة مفزعة تَفَسَّخَتْ([1]) فيها الجنائز.
فكما أن الآلام الناشئة عما لا حدَّ له من الفراق، وعن الموت الأبدي لأحبابك الذين لا حدَّ لهم، والتي تحل -بسبب العلاقة الإنسانية وعن طريق الضلالة- بعقلك وبقلبك -إن كان موجودًا ولم يمت بَعْدُ- تمحو اللذةَ الجزئيةَ التي تتلذذُ بها في سكرٍ وفي وقتٍ قصيرٍ جدًّا؛ فكذلك المستقبلُ معدومٌ ومظلمٌ وميتٌ، ومحلُّ فزعٍ لعدم اعتقادك، فالمساكين القادمون من هناك والذين يمدون رءوسهم إلى عالم الوجود، والذين يمرون بالزمن الحاضر تُقطَع رءوسهم بساطور جلاَّدِ الأجلِ، وتُلقى إلى العدمِ؛ لذا فهو يُمْطِرُ دومًا على رأسك عديمِ الإيمان ما لا حدَّ له من القلق الأليم بسبب انشغال العقل به دائمًا، ويدمر تلذذك الجزئي السفيه.
فإن تترك الضلالة والسفاهة وتدخل دائرة الاستقامة بوساطة الإيمان التحقيقي فسترى بنور الإيمان:
أن الزمن الماضي ليس معدومًا وليس مقبرة تُعفِّن وتفسِد كل شيء، بل يتراءى على أنه عالم موجود ونوراني قد تحوَّلَ إلى المستقبل، وصالة انتظار لدخول الأرواح الباقية إلى قصور السعادة التي في المستقبل؛ لذا فهو لا يُورث آلاما، بل يُذيقُ اللذائذَ المعنويةَ للجنة نوعًا ما حتى في الدنيا حسب قوة الإيمان.
فكذلك يشاهد الإنسان بسينما الإيمان أن المستقبل ليس عالما موحشًا ومظلما، بل يُرى بنظر الإيمان أنه قد بسطت في قصور السعادة الأبدية موائد الرحمن الرحيم ذي الجلال والإكرام الذي له رحمة وكرم لا حد لهما، والذي جعل كل ربيع وكل صيف مائدة، وملأهما بالنعم، وفتحت فيهما معارض إحساناته، ويساق الناس أفواجا إلى هناك؛ لذا فيمكنه أن يشعر ويحس -نوعًا ما- بلذائذ العالم الباقي حسب درجة إيمانه.
[1] تفسخت: فسدت.
252. صفحة
إذن فاللذة الحقيقية التي لا يشوبها([1]) ألم إنما هي في الإيمان وَحْدَهُ، ولا يمكن أن تتحقق إلا بالإيمان.
ونبين بتمثيل -كُتب حاشيةً في "مرشد الشباب" بمناسبة موضوعنا المذكور- فائدةً ولذةً واحدةً من آلاف الفوائد والنتائج التي يمنحُهَا الإيمانُ حتى في الدنيا، وذلك كالآتي:
فمثلا: بينما ولدُك الوحيد الذي تحبه حبًّا شديدًا يعاني سكرات الموت، وأنت تفكر يائسًا في فراقه الأبدي الأليم، وإذا بطبيب جاء كسيدنا الخضر أو لقمان الحكيم فجرَّعه علاجا كالترياق، ففتحَ ولدُك الحبيبُ اللطيفُ عينيه، ونجا من الموت، فتدرك كم يمنحك سرورًا وفرحًا هذا الوضع!
وكذلك بينما كان الملايين من الناس المحبوبين لديك والذين تحبهم مثل ذلك الولد، وترتبط بهم ارتباطًا وثيقًا يتفسَّخون ويهلكون في مقبرة الماضي في نظرك، إذا بحقيقة الإيمان بَعَثَتْ ضياءً من نافذة القلب -كلقمان الحكيم- إلى المقبرةِ التي يُتوهَّم أنها ميدان إعدام كبير، فبُعِثَ بذلك الضياء جميعُ الأموات من أولهم إلى آخرهم، وقالوا بلسان حالهم: إننا لم نمت ولن نموت، وسنلتقي بكم مرة أخرى، فإن الإيمان يثبت -ببعثه حتى في هذه الدنيا ما لا حد له من السرور والفرح الذي أصابك مما قالوه- أن حقيقة الإيمان نواة لو تجسمت لخرجت جنة خاصة منها، ولأصبحتْ شجرة طوبى تلك النواة.
وبعدما قلت لذلك المعاندِ هكذا، عادَ وقال لي:
سنعيشُ بالسفاهةِ واللهويات من دون أن نفكر في هذه الأمور الدقيقة، لنقضيَ حياتنا في الراحة واللذة كالحيوان على الأقل.
فقلتُ رَدًّا عليه: لا تستطيع أن تكون مثل الحيوان؛ لأنه لا ماضي ولا مستقبل للحيوان، فإنه لا يتألم من الماضي ولا يحزن عليه، ولا يأتيه من المستقبل قلق ومخاوف، فيتلذذ كامل اللذة، ويعيش في راحة وينام، ويشكر خالقَه، بل حتى إن الحيوان الذي يُمَدَّد للذبح لا يشعر بشيء، إلا أنه يحاول أن يشعر عند لحظة قطع
[1] يشوبها: يخالطها.
253. صفحة
السكين، ولكن ذلك الشعور وذلك الإحساس يذهب ويزول عنه أيضًا، فيتخلص من ذلك الألم.
إذن إن أكبر رحمة وشفقة إلهية هي عدم إِطْلَاعِ الله لنا على الغيب، وستر ما يحدث، وهذا يظهر في أكمل وجه خاصة عند الحيوانات البريئة.
ولكن أيها الإنسان، إنك محروم تمامًا من راحة الحيوان الناشئة عن احتجاب الغيب بسبب خروج ماضيك ومستقبلك عن الغيبية إلى حدٍّ ما من حيثُ العقل.
فالأحزان وأنواع الفراق الأليم الناشئة عن الماضي، ومخاوف وأنواع القلق النابعة من المستقبل تزيل لذَّتَكَ الجزئيةَ، وتُسقِطُك إلى منزلةٍ أدنى من الحيوان بمائة درجة من حيث التلذذ.
بما أن الحقيقة هكذا، إذن فإما أن تخرجَ عقلَك وترميَه، وتكون حيوانا لا أعباء عليه، وإما أن تعودَ إلى رُشْدِكَ بالإيمان، وتُصْغي إلى القرآن، فتكسب اللذائذَ الصافيةَ الخالصةَ حتى في هذه الدنيا الفانية أكثر من تلذذ الحيوان بمائة درجة، فبهذا ألزمته([1]).
فعاد ذلك المتمرد مرة أخرى وقال: إذن نعيش كالإفرنج الملحدين على الأقل!
فقلت ردا عليه: لا تستطيع أيضا أن تكون مثل ملاحدة الإفرنج؛ لأنهم حتى لو أنكروا نبيا من الأنبياء، فإنهم قد يؤمنون بسائر الأنبياء عليهم السلام، وإن لم يعترفوا بالأنبياء فإنهم قد يؤمنون بالله، وحتى إن لم يعترفوا بالله أيضًا؛ فإنهم قد يحملون بعض السجايا التي هي مدار للكمالات.
لكن المسلم لو أنكر نبيَّ آخر الزمان الذي هو خاتَمُ الأنبياء -عليه وعليهم الصلاة والسلام- وأعظمهم، والأعم دينا ودعوةً، وحلَّ رِبْقَتَهُ([2]) من عنقِهِ، فإنه بذلك لا يعترف بأي نبي من الأنبياء، بل لا يقبل وجود الله؛ لأنه قد عرف الله وجميع الأنبياء والكمالات بواسطته هو عليه الصلاة والسلام، فلا يبقون في قلبه بدونه عليه الصلاة والسلام، فلذلك يدخل الناس الإسلام من كل الأديان منذ
[1] ألزمته: أي أقمت عليه الحجة.
[2] الربقة: الحلقة أو الحبل يكون في عنق الحيوان ليقيده أو يمسك به.
254. صفحة
القدم، ولكن لا يمكن أن يكون أي مسلم يهوديًّا أو مجوسيًّا أو نصرانيًّا حقيقيًّا، بل يكون ملحدًا، وتفسد سجاياه، ويصبح مضرّا للوطن والناس.
وقد أثبتُّ له كل هذا، فلم يبق لذلك المعاند المتمرد شيء يتشبث به، فتوارى وانصرف وذهب إلى الجحيم.
فيا زملائي الدارسين في هذه المدرسة اليوسفية، بما أن الحقيقة هكذا؛ وأن رسائل النور قد أثبتت هذه الحقيقة إثباتًا واضحا كوضوح الشمس إلى درجة أنها تَكسر عناد المتمردين، وتدخلهم في حظيرة الإيمان منذ عشرين سنة؛ فعلينا نحن أيضًا أن نسلك طريق الإيمان والاستقامة الذي هو أنفع وأسهل وأسلم طريق لدنيانا ومستقبلنا وآخرتنا ووطننا وشعبنا، وأن نقضيَ أوقات فراغنا بتلاوة ما نحفظه ونعرفه من سور القرآن، وتعلّم معانيها من أصدقائنا الذين يعلمونها، بدلاً من الانشغال بأحلام وأفكار مزعجة، وأن نقضيَ الصلوات المكتوبةَ التي لم نؤدِّها في أوقاتها، ونستفيدَ من سجايا وأخلاق بعضنا البعض الحسنة، فنحوّل هذا السجن إلى حديقة مباركة تُنبِت شتلات ذات سجايا حسنة. وعلينا أن نقوم بمثل هذه الأعمال الصالحة ليُصبِحَ كل واحد من مدراء السجن ومن يقومون بأموره أستاذًا مستقيمًا، ومرشدًا شفوقا، وُظِّفوا في وظيفةِ إعدادِ الرجال لِلْجَنَّةِ، والإشراف على تربيتهم في المدرسة اليوسفية، وليسوا موظفي تعذيب كالزبانية([1]) على رءوس الجناة المجرمين والقتلة.
المسألة الرابعة
وكما وضِّح في "مرشد الشباب"، أنه وُجّه إليّ سؤال من قبل إخوتي الذين يخدمونني:
"لا تسألُ أبدًا منذ خمسين يومًا (والآن أكثر من سبع سنوات فالحالة هي هي)([2]) عن الحرب العالمية الرهيبة التي تسببت في الهَرْجِ والمَرْجِ على الكرة
[1] الزبانية: الملائكة التي تدفع أهل النار إلى جهنم.
[2] هذا باعتبار زمن كتابة وتأليف تلك الرسالة، وليس باعتبار وقتنا هذا.
255. صفحة
الأرضية، والتي لها علاقة بمقدرات الإسلام، ولا تُثير اهتمامك. والحال أن بعضًا من المتدينين والعلماء يتركون الجماعة والجامع ويُهْرعون إلى استماعِ الراديو. فيا ترى هل هناك أمر أعظم من ذلك؟ أم هل هناك ضرر بسبب الاشتغال بهذا الأمر؟"
فأجبتُ قائلاً: إن رأسَ مال العمر قليل جدًا، وأما الأمور الضروريةُ فكثيرة للغاية.
وهنالك دوائرُ كثيرة في عالمِ كل إنسان كالدوائر المتداخلِ بعضُها في بعض، ابتداءً من دائرة القلب والمعدة ودائرة الجسد والمنزل ودائرة الحيِّ والمدينة ودائرة الوطن والبلاد ودائرة الكرة الأرضية ونوع البشر إلى دائرة ذوي الحياة والدنيا.
ويمكن أن توجَد وظيفة لكل إنسان في كل دائرة إلى حدٍّ ما، ولكن كبرى هذه الوظائف وأدومها وأهمها هي في أصغر دائرة.
وقد يكون في كبرى تلك الدوائر أصغرُ وظيفةٍ، وقد تكون مؤقتةً من حينٍ لحينٍ.
أي يمكن أن تتناسب الوظائف من حيثُ صغرُها وكبرُها مع الدوائر تناسبًا عكسيا حسب هذا القياس.
ولكنَّ الدائرة الكبرى لها جاذبيةٌ، وبسبب جاذبيتها تلك تشغل الإنسان بما لا يعنيه من أمور زائدة وفضولية، فتعوقه عن أداءِ خدماتِهِ ووظائفه الضرورية والمهمة في الدائرة الصغيرة، ويُهدر رأسَ مال حياته ويضيعُه سُدًى، ويضيِّع عمرَه القيّم فيما لا قيمة له.
والذي يتابع صراعات تلك الحرب بلهفة قد ينحازُ قلبًا إلى أحدِ الطرفين أحيانًا، ولا يرى ظلمه، ويكون شريكًا في ذلك الظلم.
أما الجوابُ عن النقطة الأولى فهو: أجل؛ إنه رُفِعَتْ أمام كل واحد ولا سيما المسلمين قضية أعظم من تلك الحرب العالمية، وأهم من قضية السيطرة على الكرة الأرضية كلها، بحيث لو أن لكل واحد منهم ثروةً وقوةً بقدر ثروةِ وقوةِ الإنجليز والألمان، وله عقل، لأنفقها كلها بلا تردد من أجلِ كسب هذه القضيةِ وحدَها.
فأما تلك القضية فهي: أنه يخبر مائةُ ألف من مشاهير الإنسانية ومن لا حد لهم من نجوم البشرية ومرشديها باتفاقٍ مستندين إلى آلاف من وعودِ وعهودِ صاحب
256. صفحة
الكونِ ومصرّفه -وقد رأى بعضهم بأعينهم- أنه رفعت أمام كل واحد -مقابلَ الإيمان- قضيةُ كسب أو خسارةِ مزرعةٍ وملك باقيين أبديين ومزينين بالجنان والقصور عرضهما عرض الكرة الأرضية، وإن لم يحصلْ على وثيقةِ الإيمانِ كاملةً خسر تلك القضيةَ، حيث يخسر الكثيرون في هذا العصر قضيتهم تلك بطاعون المادية، وقد شاهدَ واحد من أهل الكشف والتحقيق أن بضعة أشخاص من بين أربعين شخصًا في بلدة ما، كسبوها في أثناء سكراتهم، وخسرها باقي الأربعين.
فيا تُرى؛ لو أُعطي هذا الرجلُ سلطنة العالم أجمع، فهل تستطيع هذه السلطنة أن تعوّضه شيئا عن تلك القضية التي خسرها؟!
ونحن -طلابَ النور- نعتقد أن الانشغال بما لا يعنينا من الأمور التافهة الفضولية -وكأننا سنبقى في الدنيا أبدا- تاركين الوظائفَ التي تكسبنا تلك القضية، وتاركين الخِدْمَاتِ التي تسوق إلى توكيل محام ماهر لا يخسر بتوكيله تسعون من مائة شخص تلك القضية؛ هو حماقةٌ محضةٌ.
لذا حصلت لدينا قناعة بأنه لو ازداد عقل كل واحد منا مائةَ درجة للزم استعماله في تلك الوظيفة وحدَها.
فيا إخواني الجدد في مصيبة السجن، إنكم لم تطلعوا على رسائل النور كما اطلع عليها إخواني القدماء الذين دخلوا معي السجن، وأنا أقول وأُشهد على قولي هذا هؤلاءِ وآلافًا من أمثالهم من تلامیٖذ النور، وأُثبِتُ -وقد أثبتُّ فعلا- أن رسائل النور المترشحة والنابعة من الإعجاز المعنوي للقرآن الحكيم، التي أَكْسَبَتْ تلك القضيةَ العظيمةَ لتسعين من مائة شخص، والتي سلَّمتْ ليدِ عشرين ألفَ شخصٍ في عشرينَ سنةً الإيمان التحقيقيَّ الذي هو وثيقة الفوز لتلك القضية وسَنَدُها وبراءتها، هي أَوْلَى المحامين بهذا الزمان.
وعلى الرغم من أن أعدائي والزنادقة والماديين خدعوا بعض أركان الحكومة بالمكائد الغدّارة منذ الثماني عشرة السنة الأخيرة هذه، وأدخلونا في السجون سابقًا بغيةَ إبادتنا كما أدخلونا هذه المرة، فإنهم لم يتمكنوا من التعرض لمائة
257. صفحة
وثلاثين جزءًا من الأجزاء التي في القلعة الفولاذية لرسائل النور باستثناء اثنين أو ثلاثة، إذن فمن أراد أن يوكِّل محاميًا فسيكفيه أن يحصل عليها.
ولا تقلقوا؛ فإن رسائل النور لن تكون ممنوعة.
تُتناقل الرسائل المهمة من "رسائل النور" -ما عدا رسالتين أو ثلاث- بحرية تامة في أيدي نواب حكومة الجمهورية وأركانها، وإن شاء الله سيأتي يوم يوزِّع فيه مدراء وموظفون سعداء تلك الأنوارَ على المسجونين كتوزيعهم الخبزَ والدواءَ ليحوِّلوا السجونَ إلى دارِ إصلاحٍ وتهذيبٍ.
المسألة الخامسة
إن الشباب ذاهب لا محالةَ كما وضِّح في "مرشد الشباب"؛ فلا شك أن الشباب سيتحول إلى الشيخوخة والموت؛ كقطعية فتح الصيف مجالا للخريف والشتاء، وانقلاب النهار إلى المساء والليل.
وإن الفرمانات السماوية كلها تبشِّر بأنه إذا صرف شابٌّ شبابَهُ الفانيَ والزائل بعفَّةٍ في الخير ضِمْنَ دائرةِ الاستقامةِ لفازَ بشبابٍ أبديٍّ باقٍ.
وكما أن القتل بسبب غضبٍ مدته دقيقة واحدة يجرِّع([1]) عذاب السجن لمدة ملايين من الدقائق؛ فكذلك يُصَدِّقُ كل شاب عاقل بالتجربة أن لَهْوَ الشباب ولذائذه في دائرة غير مشروعة تحمل آلاما في تلك اللذائذ أكثر من تلك اللذائذ نفسها، فضلاً عن أنه يتسبب في المساءلة الأخروية، والعذاب في القبر، ويُجَرِّعُ معاناةَ الحسرات الناشئة عن زوال اللذة، ويتسبب في الآثام والعقاب الدنيوي، وتلك حاله إذا صرفه في اللهو والضلال.
فمثلا: إن هناك عوارضَ كثيرةً في الحب المحرَّم كألم الغيرة، وألم الفراق، وألم عدم مقابلة الحب بالمثل، تجعل اللذةَ الجزئيةَ الكامنةَ في الحبِّ كعسلٍ مسمومٍ.
[1] يجرع: المراد يذيق.
258. صفحة
وإنْ أَرَدْتَ أن تعرف كيف أن هؤلاءِ الشبابَ سيدخلون المستشفيات بسبب أمراض نشأت عن سوء استعمالهم شبابَهم، والسجونَ بسبب طيشهم، والحانات وأماكن اللهو والمجون والمقابر بسبب ضيقٍ وكآبةٍ نشأتْ عن عدم وجود غذاءٍ للقلب والروح، وعدم توظيفهما في وظائفهما؛ فاذهب واسأل المستشفياتِ والسجونَ والحاناتِ والمقابرَ، فلا شك أنك ستسمع آهاتٍ وصيحاتِ بكاء، وأناتِ حسراتٍ من جَرَّاءِ صفعاتٍ ضربتهم -في الغالب- عقابًا على سوء استعمالهم شبابَهم، وعلى طيشهم، وعلى الملذات غير المشروعة.
فالكتب والفرمانات السماوية كلها، وعلى رأسها القرآن الكريم بآياته الكثيرة القاطعة، تُخبر وتبشِّر بأنه إذا مضى شابٌّ في دائرة الاستقامة يصبح الشبابُ لديه نعمةً إلهية في غاية اللطف والطيبة، وواسطةَ خيراتٍ حلوة وقوية، ويُوَرَّثُ في الآخرة شبابًا نضرًا باقيًا.
وبما أن الحقيقة هكذا، وبما أن دائرة الحلال كافية للسعادة والمتعة والهناء، وبما أن لذةَ ساعةٍ واحدة في دائرة المحرمات تتسبب في المعاقبة بالسجنِ لمدة سنة أحيانًا أو عشر سنوات أحيانا أخرى؛ فلا شك أنه يلزم أن تُصرف نعمة الشباب الحلوة اللطيفة في العِفَّةِ والاستقامةِ شُكْرا عليها.
المسألة السادسة
إشارة مختصرة إلى برهان واحد من آلاف البراهين الكلية لركن الإيمان بالله الذي له إيضاحات وحُجج قاطعة لا حد لها في أماكن كثيرة من رسائل النور.
زارني في "قسطموني"([1]) عدد من تلاميذ الثانوية، وقالوا لي: عرِّفْنا بخالقنا، لأن معلمينا لا يتحدثون عن الله.
وأنا بدوري قلت لهم: إن كل علم من العلوم التي تدرسونها يتحدث عن الله دومًا بلسانه الخاص ويُعرِّفه، فأصغوا إليها، لا إلى المعلمين.
[1] مدينة من مدن تركيا.
259. صفحة
فمثلا: كما أن صيدلية بديعة تحتوي على قوارير، في كل منها مستحضرات كيمياوية وترياقات حيوية، قد أُخِذت بموازين خارقة وحسَّاسة، لا شك أنها تدل على صيدلاني ماهر وكيميائي وحكيم؛ فكذلك صيدلية الكرة الأرضية تُرِي -حتى للعيون العمياء- الحكيمَ ذا الجلال الذي هو صيدلانيها، وتعرِّفه حسب علم الطب الذي تدرسونه بنسبة بداعتها وضخامتها أكثر بكثير من الصيدلية الموجودة في السوق من حيث ما فيها من أربعمائة ألف نوع من المستحضرات والأدوية الحيوية الموجودة في قناني([1]) النباتات والحيوانات.
ومثلا: كما أن مصنعًا خارقًا بديعًا ينسج آلاف الأنواع من الأقمشة من مادة بسيطة يُرِي ويعرِّف بلا شك صاحبه وميكانيكيَّه الماهر؛ فكذلك هذه الماكينة الربانية السَّيَّارة التي تُسمَّى كرة الأرض التي لها مئات الألوف من الرءوس، وفي كل رأس من رءوسها مئات الآلاف من المصانع الخارقة البديعة؛ تُرِي وتُعرِّف صانعَها ومالكَها بدرجة ضخامتها وبداعتها وكمالها أكثر من المصنع البشري حسب علم الآلات الذي تدرسونه.
ومثلا: كما أن مستودَعًا على غاية الكمال للأغذية ومخزنًا لها ودكّانها الذي وُضِع ورُصَّ فيه بانتظام ألفُ نوع ونوع من الأغذية بعدما جُلِبت من الأطراف يُعرِّف بلا شك مالكَ الأغذية والأرزاق وصاحبَها وموظَّفَها؛ فكذلك هذا المخزن الرحماني للأغذية والأرزاق وهذه السفينة السُّبحانيَّة التي تسبح بنظام في سنة واحدة في دائرة تُقطَع في أربعة وعشرين ألف سنة، والتي تضم مئات الآلاف من الطوائف المحتاجة كلٌّ منها إلى أرزاق خاصة بها، والتي تمر بسياحتها على الفصول، وتملأ فصلَ الربيع كعربة قطار كبيرة بآلاف الأطعمة المختلفة المتنوعة، وتأتي بها إلى ذوي الحياة البائسين المساكين الذين انتهت أرزاقهم في الشتاء، وهذا المخزن والدكَّان الرباني الذي يحمل آلاف الأنواع من الأجهزة والبضائع والأموال وعُلَب مستخلصات الأغذية ومغلَّفاتها يُرِي ويُعرِّف ويحبب بنسبة كبره وضخامته وبداعته أكثر من الدكان المذكور في المثال وبنفس القطعية صاحبَ
[1] القناني: الأوعية.
260. صفحة
ومصرِّفَ ومدبِّر مخزن الكرة الأرضية حسب مقاييس وموازين علم التغذية الذي درستموه أو سوف تدرسونه.
وكما أنه لو كان هنالك جيش يضم أربعمائة ألف أمة، ولكل أمة أرزاقها الخاصة، وأسلحتُها الخاصة، وألبستُها الخاصة، وتدريباتُها الخاصة، وتسريحها الخاص، وكان قائد ذو خوارق شبيهة بالمعجزات لذلك الجيش يعطي وحده لكل أمة من تلك الأمم أرزاقَها المختلفة الخاصة وأسلحتها وألبستها وأجهزتها المتنوعة المتعددة دون أن ينسى أحدًا منهم، ودون أن يلتبس أويختلط عليه شيء.. أقول لا شك أن هذا الجيش وهذه الثُّكْنَة العسكرية([1]) تُرِي وتدل على ذلك القائد العظيم بداهة، وتحببه إلى غيره بإعجاب وتقدير.
وكما في هذا المثال تمامًا فإنه تُعطَى وتنظَّم من قبل قائد أعظم لكل أمة من أربعمائة نوع من أمم النباتات والحيوانات في الجيش السُّبحاني التي تُستَنفَر من جديد في الثكنة العسكرية للأرض في كل ربيع ألبستُها وأرزاقها وأسلحتها وتدريباتها وتسريحاتها المتنوعة المختلفة في غاية الإتقان والكمال والتناسق دون نسيان أحد، ودون التباس واختلاط.
إن هذه الثكنة العسكرية للأرض بدرجة كمالها وضخامتها من الجيش البشري ومن الثكنة العسكرية البشرية تُُعرِّف إلى النابهين والعاقلين حسب علم العسكرية الذي سوف تدرسونه حاكمَ كرة الأرض ومدبِّرَها وربَّها وقائدَها الأقدسَ بالإعجاب والتقديس، وتحبِّبه إلى غيره بالتحميد والتسبيح.
وكما أنه لو كان هنالك ملايين من مصابيح كهربائية في مدينة خارقة، وتتجول متحركة في كل الأماكن فيها، ولا ينفد وقودها؛ فلا شك أن مصابيح كهربائية كهذه ومصنع تلك المصابيح يُعرِّف بداهة وبالإعجاب ـ بالتهنئات ـ ويحبب بهتافات: "يحيا! يحيا!" صانعًا ذا خوارق شبيهة بالمعجزات، وكهربائيا ذا قدرة فائقة؛ يدير الكهرباءَ ويصنع المصابيح السيَّارة، ويؤسِّس المصنع ويأتي بالوقود.
[1] الثكنة: هي مركز تجمع للجنود، وجمعها ثكنات.
261. صفحة
وكما في هذا المثال تمامًا فإن مصابيح النجوم في مدينة العالم هذه وفي سقف قصر الدنيا، مع أن قسمًا منها أكبر من كرة الأرض بألف مرة، وتتحرك أسرع من قذيفة المدفع بسبعين مرة على حد قول علم الفلك؛ فإنها لا تخل بنظامها ولا يصطدم بعضها ببعض ولا تنطفئ، ولا ينفد وقودها.
وعلى حد قول علم الفلك الذي تدرسونه إنه يلزم لاستمرار اشتعال شمسنا كل يوم -التي هي أكبر من الكرة الأرضية أكثر من مليون مرة، والتي تعيش منذ أكثر من مليون سنة، والتي هي مصباح ومدفأة في دار ضيافة الرحمن- وقود بقدر بحار كرة الأرض، وفحم بقدر جبالها، وأكوام حطب بمقدار ألف أرض حتى لا تنطفئ.
إن المصابيح الكهربائية لقصر الدنيا في مدينة الكون العظيمة هذه -التي تُرِي بأصابع من نور قدرةً وسلطنةً غير متناهية تُشعل الشمسَ وأمثالَها من النجوم العالية بلا وقود وبلا حطب وبلا فحم، ولا تتركها تنطفئ، وتُسيِّرها معًا وبسرعة، ولا تسمح باصطدام بعضها ببعض- وإدارةَ تلك المصابيح؛ تُعرِّف بدرجة عظمتها وضخامتها وبداعتها عن المصابيح الكهربائية المذكورة في المثال -متخذةً تلك النجومَ النورانية شاهداتٍ- سلطانَ مَشهَرِ الكون العظيم ومنوِّرَه ومدبِّرَه وصانعَه حسب موازين علم الكهرباء الذي درستموه أو سوف تدرسونه، وتُحبِّبه إلى غيره بالتسبيحات والتقديسات بدرجة العبودية.
ومثلا: لو كان هنالك كتاب؛ كُتِب في كل سطر منه كتابٌ كامل بخط دقيق، وفي كل كلمة منه سورةٌ قرآنية بقلم دقيق، فلا شك أن مصنَّفا عجيبا كهذا -الذي يفيد معاني غزيرةً، وتُعاضِد([1]) كلُّ مسائلِه بعضها بعضًا ويبين أن كاتبه ومؤلفه صاحب مهارة فائقة وقدرة عالية- يعرِّف بلا ريب مثل النهار كاتبَه ومصنِّفَه بكمالاته ومهاراته ويشير إليه، ويجلب إليه التقديرات بجُمَل: ماشاء الله وبارك الله..
وكما في هذا المثال تمامًا فإننا نرى بعيوننا أن قلمًا يعمل في كتاب الكون الكبير هذا، ويكتب في وجه الأرض الذي هو صفحة واحدة منه، وفي الربيع الذي
[1] تعاضد: تساند وتؤيد.
262. صفحة
هو ملزمة([1]) واحدة منه ثلاثمائة ألف طائفة نباتية وحيوانية - وهي بمنزلة ثلاثمائة ألف كتاب بينها اختلاف وتباين - معًا متداخلةً بلا سهو ولا خطإ، وبلا خلط ولا التباس بإتقان وانتظام، ويكتب أحيانا قصيدة في كلمة كشجرة وفهرس كتاب كامل في نقطة كبذرة.
أقول إن كتاب الكون هذا والعالمَ الأكبر والقرآنَ المجسم هذا الذي يفيد معاني غير متناهية، والذي يحمل في كل كلمة من كلماته حِكَمًا غزيرة يُعرِّف بدرجة عظمته وضخامته وبداعته وكثرة معانيه وحِكَمه عن الكتاب المذكور في المثال؛ نقّاشَ كتاب الكون هذا وكاتبَه بكمالاته غير المتناهية حسب الموازين الواسعة، والعيون التي كالمناظير لعلم حكمة الأشياء الذي تدرسونه وفنِّ القراءة وفن الكتابة اللذين تباشرونهما فعلاً في المدرسة، ويُعرِّفه بتقديس سبحان الله، ويحببه بمدائح الحمد لله.
فقياسا على هذه العلوم؛ فإن كل علم من مئات العلوم يُعرِّف الخالق ذا الجلال لهذا الكون بأسمائه، ويُعرِّف صفاته وكمالاته بميزانه الواسع ومرآته الخاصة به، وبعينه الشبيهة بالمنظار، وبنظره المعتبِر.
وقلت لهؤلاء الشباب الطلبة: إن القرآن المعجز البيان يُعرِّف لنا خالقنا مرارًا وتكرارًا في أكثر الأحيان بآياته: ﴿رَبُّ السَّمٰوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ و﴿خَلَقَ السَّمٰوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ ليدرِّس هذه الحجة المذكورة التي هي برهان وحدانية عظيمة باهرة.
وهؤلاء بدورهم قبلوا وصدَّقوا تماما وقالوا: نشكر ربنا بلا حدود على أننا تلقينا درسًا قدسيًّا وحقيقة محضة، ليرضَ الله عنك.
وأنا قلت لهم:
إن الإنسان بينما كان ماكينة ذات حياة قابلة للتألم بآلاف أنواع الآلام، والتلذذ بآلاف أنواع اللذائذ، ومخلوقا مسكينا، له من الأعداء المادية والمعنوية ما لا حد له مع عجزه المطلق، وله من الاحتياجات الظاهرة والباطنة ما لا نهاية له مع فقره المطلق، ومخلوقا بائسا يتلقّى -متمادياً- صفعاتِ الزوال والفراق؛ فإذا به ينتسب
[1] الملزمة: الجزء الصغير من الكتاب.
263. صفحة
إلى سلطان ذي جلال بالإيمان والعبودية، فيجدُ نقطةَ استناد تجاه جميع أعدائه، ونقطةَ استمداد تكون مداراً لتحقيق جميع حاجاته.
وكم يكون مسرورًا وشاكرًا، وكم يفتخر في شكر -كما يفتخر الكل بشرف ومقام سيده الذي ينتسب إليه- إذا انتسب إلى سلطان مطلق القدرة والرحمة بالإيمان، وخدم له بالعبودية، وحوَّل إعلانَ الإعدام للأجل إلى تذكرة التسريح في حقه، فقِيسوا.
وكما قلت لهؤلاء الطلبة؛ أقول للمسجونين المبتَلَيْنَ من جديد:
الذي عرف الله سبحانه وأطاعه سعيد ولو كان في زنزانة، والذي نسيه في زنزانة وشقاء ولو كان في القصور.
حتى إن مظلومًا سعيدًا قال للظالمين الأشقياء في أثناء إعدامه: "إنني لا أُعدَم بل أرحل بالتسريح إلى السعادة، ولكنني أنتقم منكم تمامًا إذ أراكم محكومًا عليكم بالإعدام الأبدي" وسلَّم روحَه في سرور قائلا: لا إله إلا الله.
﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الحْكِيمُ﴾
المسألة السابعة
ثمرة ليوم جمعة في سجن دنيزلي
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ البَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾(النحل: 77)
﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾(لقمان: 28)
﴿فَانْظُرْ إِلىَ آثَارِ رَحْمَتِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذٰلِكَ لَمُحْيِي المَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
﴾(الروم: 50)
264. صفحة
لقد قرأ السجناء الذين استطاعوا أن يتصلوا بي في سجن "دنيزلي" الدرسَ الذي ألقيته بألسنة علوم المدارس الحديثة -في المسألة السادسة السابقة- ذات يوم في "قسطموني" على تلاميذ المدرسة الثانوية الذين قالوا عرِّفنا بخالقنا، وشعروا باشتياق نحو الآخرة لما حصلت لديهم قناعة إيمانية، وقالوا عرفنا بآخرتنا أيضًا تعريفًا تامًا حتى لا تُضِلَّنَا أنفسُنا وشياطينُ هذا الزمان، وحتى لا يدخلونا السجونَ مرَّة أخرى كما هو حالنا الآن، فاقتضى الأمر بيان خلاصة ركن "الإيمان بالآخرة" برغبةِ طلابِ رسائلِ النور في سجن دنيزلي، ورغبة من قرءوا المسائل الست السابقة، وأنا أقول بخلاصة قصيرة من رسائل النور:
إنه كما سألنا الأرضَ والسماواتِ عن خالقنا في "المسألة السادسة"، فعرّفتانا بخالقنا بوضوح كوضوح الشمس بلسان العلوم، فنحن هنا كذلك سنسأل أوَّلاً ربَّنا الذي نعرفه عن آخرتنا، ثم نبيَّنا صلى الله عليه وسلم، ثم قرآنَنا، ثم سائرَ الأنبياء عليهم السلام والكتبَ المقدَّسةَ، ثم الملائكةَ ثم الكونَ.
ففي المرتبة الأولى نسأل عن الآخرة الله، فيقول جل وعلا بكل الأنبياء الذين أرسلهم وبكل فرماناته وبجميع أسمائه وصفاته: نعم؛ الآخرةُ موجودة، وأنا أسوقُكم إليها.
ولقد أثبتتْ وأوضحتْ "الكلمةُ العاشرةُ" بالحقائق الاثنتي عشرة الساطعة القاطعة أجوبةَ بعض الأسماء الحسنى عن الآخرة، أما هنا فنشير إليها إشارة قصيرة جدًّا مكتفين بذلك الإيضاح.
أجل؛ بما أنه ما من سلطنة إلا ولها مكافأةٌ لمن يطيعونها وعقابٌ لمن يعصونها؛ فلا شك أن لسلطنة سرمدية في مرتبة الربوبية المطلقة مكافأة تناسبُ تلك الرحمةَ والجمالَ لمن ينتسبون إلى تلك السلطنة بالإيمان، ويستسلمون لفرماناتها بالطاعة، وعقابا يناسب تلك العزة والجلال لمن ينكرون تلك السلطنةَ ذات العزةِ بالكفرِ والعصيانِ، وهكذا تجيبُ أسماء الله كـ "رب العالمين" و"السلطان الدَّيَّان".
وبما أننا نرى بأعيننا كرؤيتنا للشمس والنهار رحمةً عامةً وشفقةً وكرمًا شاملين على وجه الأرض، فمثلا: لا شك أن تلك الرحمة والشفقة اللتين
265. صفحة
تكسوان وتزينان جميعَ الأشجار والنباتات المثمرة كالحور العين في كل ربيع، وتضعان في أيديها كل أنواع الثمرات، وتجعلانها تقول لنا مادةً أياديها: هيا خذوا وكلوا، وتُطعماننا العسل الحلو ذا الشفاء بيد ذبابة سامة، وتكسواننا أنعم الحرير بيد حشرة لا يد لها، وتخفيان آلاف الأطنان من الأطعمة في نُوَيَّات وبذيرات بملء اليد، وتدرجان تلك المطعومات في تلك المخازن الصغيرة جدًّا كطعام احتياطي؛ نقول لا شك أن هذه الرحمة والشفقة لن تُعدِما أو تُفنِيا أبدًا المؤمنين المحبوبين الشاكرينَ المتعبِّدينَ الذين تطعمانهم برقة ولطف إلى هذه الدرجة، بل تسرِّحانهم من وظيفة الحياة الدنيوية من أجل أن تتغمداهم بأوسع الرحمة، وهكذا يجيب اسم "الرحيم" و"الكريم" على سؤالنا ويقولان "إن الجنة حقٌّ".
وبما أننا نرى بأعيننا أن يد حكمة تعمل في جميع المخلوقات، وفي وجه الأرض، وتُدبَّر الأعمالُ بموازين عدالة لا يستطيع عقل البشر أن يُفَكِّر أفضل منها؛ فمثلا: إن الحكمة الأزلية التي تكتب -ضمن ما تُعلّق من حكم على آلاف أجهزة الإنسان- في قوة ذاكرة الإنسان الصغيرة التي هي بحجم نواة صغيرة كلَّ تاريخ حياته وسيرته، وما يقع له من أحداث لا حدَّ لها، وتجعلها كمكتبة، وتسلمها -بسر التذكير في كل وقت- ليد كل إنسان، وتضعها في جيب دماغه كسند صغير لدفتر أعماله الذي سيُنشَر لمحاكمته في الحشر، ونرى أن العدالة السرمدية التي تدرج أعضاء كل مصنوع بموازين غاية في الحساسية، والتي تُظهِر تناسبًا وموازنةً وانتظامًا وجمالاً وحُسن صنعةٍ بمقاديرَ لا إسرافَ فيها بدءًا من الجرثومةِ وانتهاء إلى وحيد القرن، ومن الذباب إلى طائر العنقاء، ومن النباتات المزهرة إلى زهرة الربيع التي تزهر بلايين وآلاف البلايين من الزهور، والتي تمنح حقَّ حياةِ كلِّ ذي حياة بميزان كامل، وتجعل الحسنات تثمر نتائج حسنة، كما تجعل السيئات تثمر نتائجَ قبيحةً، وتُظهر نفسها إظهارا قويًّا بصفعاتها التي تصفع بها الأمم الطاغية الظالمة منذ زمن آدم عليه السلام...أقول لا شك ولا ريب أن هذه الحكمة الأزلية وتلك العدالة السرمدية لا تكونان بدون الآخرة كما لا تكون الشمس بدون النهار،
266. صفحة
ولا تسمحان بأي وجه من الوجوه بالجور([1]) الشديد الذي لا نهاية له، ولا بالظلم والعبث في تساوي رحيل أشد الناس ظلمًا ورحيل المظلومين في الموت، وهكذا تجيب أسماء "الحكيم" و"الحكم" و"العدل" و"العادل" على سؤالنا إجابة قاطعة.
وبما أنه تُعطَى جميع حاجات جميع المخلوقات ذات الحياة، وجميعُ مطالبها الفطرية التي ليست ضمن نطاق اقتدارها، ولا تصل إليها أيديها وكل ما تسأله في الوقت الذي تطلب فيه -بلسان الاستعداد الفطري، والاحتياج الضروري اللذين هما نوع من الدعاء- من قبل يد غيبية في منتهى الرحمة والسمع والشفقة، ويُقبَل -خلافًا للعادة- ستة أو سبعة أدعية من بين عشرة أدعية اختيارية للبشر، ولا سيما أدعية الخواص منهم والأنبياء عليهم السلام، فيُفهَم من كل هذا أن هناك سميعًا مجيبًا وراء الحجب يسمع شكوى وهموم كلِّ مهموم، ودعاءَ كلِّ محتاج، حتى إنه ليقضيَ أبسط حاجة لأصغر ذي حياة، ويسمع أخفى شكوى له، ويشفق عليه، ويستجيب له بالفعل ويرضيه.
وإن محمدًا عليه الصلاة والسلام الذي هو أهم المخلوقات، وضم أهمّ وأعم أدعية النوع البشري حول البقاء الأخروي الذي يتعلق بجميع الكون وجميع الأسماء والصفات الإلهية، وجعل جميع الأنبياء الذين هم شموس البشر ونجومهم وقوّادهم يؤيدونه، ويقولون لدعائه آمين آمين، والذي يؤمِّنُ كل فرد دَيِّنٍ من أمته كل يوم على دعائه بالصلاة عليه مرات كثيرة على الأقل، بل تشترك جميع المخلوقات في دعائه، وتقول: أجل يا ربنا، أجب دعاءه، ونحن أيضًا نسألك ما يسأله؛ أقول فلا شك ولا ريب أنه لا يبقى شبهة بأي وجه من الوجوه في أن دعاءً واحدًا فحسب من أجل البقاء الأخروي والسعادة الأبدية -تحت كل هذه الشروط التي لا تُردُّ- لمحمد عليه الصلاة والسلام من بين ما لا حصر له من الأسباب التي تقتضي الحشر؛ لهو سببٌ كافٍ لوجود الجنة، وإيجاد الآخرة التي هي سهلة على قدرته سبحانه وتعالى كسهولة إيجاد الربيع. وهكذا تجيب أسماء "المجيب" و"السميع" و"الرحيم" على سؤالنا.
[1] الجور: الظلم.
267. صفحة
وبما أن الموت والبعث الكليين في تبدل الفصول في وجه الأرض يُريان متصرفا وراء الحجاب يتصرف فيها كما يُظهر النهارُ الشمسَ بالبداهة، ويخلق كرة الأرض الضخمة كحديقة بكمال الانتظام، بل بسهولة وانتظام شجرة واحدة، ويخلق الربيعَ الواسعَ العظيمَ كسهولة خلق زهرة واحدة وفي زينتها الموزونة، ويُظهران أن هناك قلمَ قدرةٍ يكتبُ على صحيفةِ الأرضِ طوائفَ النباتاتِ والحيواناتِ التي هي بمنزلة ثلاثمائة ألف كتاب يمثل ثلاثمائة ألف نموذج ومثال للحشر والنشر، يكتبها بديعةً منتظمةً وذات معانٍ، معًا ومتداخلة بلا خطأ، وبلا خلط مع أنها مختلطة، وبلا التباس وسهو وخطأ مع أنها متشابهة، ويعمل برحمة لا حدَّ لها، وحكمة لا نهاية لها في هذه الإجراءات العظيمة، وأَوْلَى([1]) الإنسان مقامًا رفيعًا جدًّا بتسخير الكون الكبير له وتزيينه وفرشه وكأنه بيت له، وبجعله خليفةَ الأرض بإعطائه الأمانةَ الكبرى التي أَشْفَقَتْ الجبال والسماوات والأرض من أن تحملها، وبتكريمه بمرتبة الضابط -إلى حد ما- لسائر الأحياء الأخرى، وتشريفه بخطاباته السبحانية وكلامه، ووَعَدَه وتعهد له بالسعادة الأبدية والبقاء الأخروي وعدًا وتعهدًا قاطعًا في جميع الفرمانات السماوية؛ فلا شك ولا شبهة بأي وجه من الوجوه من أنه سيوجِد وسيفتح دار السعادة لأولئك البشر المكرَّمين المشرَّفين، وسيأتي بالحشر والقيامة، وأن هذا سهل على قدرته كسهولة خلق وإيجاد الربيع.
وهكذا تجيب أسماء "المحيي" و"المميت" و"الحي" و"القيوم" و"القدير" و"العليم" على سؤالنا عن خالقنا.
أجل؛ إن القدرة التي تحيي في كل ربيع جميعَ الأشجار وجذورَ كل النباتات بعينها، وتُوجِدُ ثلاثمائة ألف نموذج حيواني ونباتي للحشر والنَّشْر، سيُرَى أنها تُظهر في ألفي ربيع([2]) ألفَ مثال للحشر والنشر، وألفَ دليل له إذا ما وُضع خيالاً ألفُ سنة قضتها أمة محمد -عليه الصلاة والسلام -مقابل ألف سنة قضتها أمة موسى -عليه السلام- وأُمْعِنَ النظرُ فيهما.
[1] أولى: أعطى ومنح.
[2] إن كل ربيع مضى يكون قد قامت قيامته ومات، والربيع الذي يليه هو بمنزلة حشر له. (المؤلف)
268. صفحة
فاستبعاد الحشر الجسماني عن هذه القدرة عَمًى وحماقة أَية حماقة.
وبما أن مائة وأربعة وعشرين ألف نبيٍّ -الذين هم أشهر البشر- أعلنوا باتفاق عن السعادة الأبدية والبقاء الأخروي مُستندِينَ إلى آلافٍ من وعود الحقِّ تعالى وتعهداته، وأثبتوا بمعجزاتهم أنهم صادقون، وكذلك من لا حصر لهم من أهل الولاية يوقعون على نفس الحقيقة بالكشف والذوق؛ فلا شك أن تلك الحقيقة ظاهرة كالشمس، وأن الذي يشك فيها مجنون مخبول.
أجل؛ كما أن أحكام وأفكار متخصص أو متخصصين في علم من العلوم وفن من الفنون حولَ ذلك العلم والفن تَدْحَضُ([1]) وتلغي الأفكار المخالفة لألف رجل غير متخصص في هذا العلم أو ذاك الفن حتى لو كانوا علماء ومتخصصين في العلوم الأخرى، وكما أن مُثْبِتَيْنِ اثنين يتغلبان في مسألة على ألف منكر وناف، ويكسبان القضية، كمسألة إثبات هلال رمضان في يوم الشك مثلا، وكادِّعاء أنَّ في الأرضِ حدائقَ جوز الهند الذي يُشْبِه معلباتِ اللبن؛ لأن المثبت يكسب القضية بسهولة إذا أظهر ثمرةَ جوزِ هندٍ واحدةً فقط، أو إذا ما أشار إلى حديقة الجوز الهندي، أما النافي والمنكر فلا يستطيع أن يثبت قضيته إلا بعد طول بحث وعملية استقصاء في كل وجه الأرض ليدلَّ على أنه غير موجود في أي مكان؛ فكذلك الذي يخبر عن الجنة ودار السعادة ويثبتهما يكسب القضية بإظهاره أثرا من آثارهما، وظلا من ظلالهما كَشْفًا كما في السينما، وتَرَشَّحًا من ترشحاتهما فحسب، والذي ينفيهما وينكرهما لا يستطيع أن يكسب القضية إلا بإثبات إنكاره ونفيه برؤيته وإراءته دلائل ذلك النفي من جميع الكون وجميع الأزمنة من الأزل إلى الأبد.
ومن هذا المنطلق المهم قد اتفق أهل التحقيق وقبلوا كدستور أساسي أن النفيَ والإنكار غيرَ المتوجهين إلى مكانٍ مخصوصٍ، أو المتوَجِّهين إلى جميع الكون كالحقائق الإيمانية؛ لا يمكن إثباتهما، وذلك بشرط ألا يكونا محالا في ذاتهما.
فبناءً على هذه الحقيقة القاطعة كم من الحماقة والجنون يَرْتَكِبُ من يَقَعونَ في الشبهة في الأركانِ الإيمانيةِ التي أثبتها مائة وعشرون ألفًا من المُخْبِرينَ
[1] تدحض: ترد وتلغي.
269. صفحة
الصادقينَ المتَّفِقينَ الذين هم أهل الاختصاص، ومن لا حصر لهم ولا عدَّ من أهل الحقيقةِ وأصحابِ التحقيق المثبِتين المتخصصين. يقعون في الشبهة بسبب إنكار بعض الفلاسفةِ المنحدرةِ عقولُهم إلى عيونهم، عديمي القلب، الذين عَمُوا عن المعنويات وبعدوا عنها، مع أنه يجب ألا تُورِثَ أفكارٌ معارِضةٌ من آلاف الفلاسفة أية شبهة أو وسوسة في مثل هذه المسائل الإيمانية مقابل إخبار مخبر صادق واحد، فقيسوا.
وبما أننا نشاهد بعيوننا في أنفسنا وفي ما حولنا رحمةً عامةً وحكمةً شاملة وعنايةً دائمةً كما نشاهد النهار، ونرى آثارَ وتجلياتِ سلطنةِ ربوبيةٍ مذهلة مهيبة، وعدالة عالية دقيقة، وإجراءات جلالية ذات عزة، حتى إن الحكمة التي قلّدتْ([1]) شجرة واحدة حكمًا بعدد ثمارها وأزهارها، والرحمةَ التي وهبت كلَّ إنسان إحسانات وإنعامات بعدد أجهزته وأحاسيسه وقواه، والعدالةَ ذات العزة والعناية التي صَفَعَتْ أقوامًا عُصَاة كقوم نوح وهود وصالح، وقوم عاد وثمود وفرعون، وحفظت حقوقَ أصغرِ ذي حياة، والآية ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾(الروم:25) كلها تقول بإيجاز عظيم: "كما أن الجنود المطيعين الذين يرقدون ويسكنون في ثكنتين ينفرون ويهبون إلى وظائفهم باستنفار قائد بصوت بوق، فكذلك السماوات الواسعة الشاسعة والأرض الضخمة تشبهان الثكنتين المذكورتين في المثال في إطاعتهما الأوامر، وتئويان جنود السلطان الأزلي، فمتى ما استُنفِر الذين يرقدون رقود الموت في تلك الثكنة بصُور([2]) سيدنا إسرافيل عليه السلام؛ فإنهم يلبسون لباس الجسد فورًا، وينطلقون إلى الخارج؛ إذ إن ثكنة الأرض تثبت هذا وتدل عليه، بإظهارها نفس الوضع في كل ربيع ببوق مَلَك الرعد".
فلا شك ولا ريب -وبدون أية شبهة- لا يمكن أن تقبل سلطنة الربوبية السرمدية -التي تُرى وتُدْرَكُ عظمتُها المطلقة غير المتناهية بإظهار الأرض نفس
[1] قلدتها: ألبستها قلادة.
[2] الصور: بوق النفخ للبعث.
270. صفحة
الوضع في كل ربيع- عدمَ انفتاح دار الآخرة، ودارِ الحشرِ والنشرِ التي تستلزمها تلك الرحمةُ والحكمةُ والعنايةُ والعدالةُ والسلطنةُ السرمديةُ استلزامًا قاطعًا جازمًا -بناءً على إثباتها في "الكلمة العاشرة"- ومن ثم لا تقبل انقلابَ جمال الرحمة الذي لا نهايةَ له إلى قسوةٍ في منتهى الشناعة، وتحوُّلَ كمال الحكمة الذي لا حدَّ له إلى عبث في منتهى التقصير، وإلى إسراف لا فائدة منه، وتَبَدُّلَ تلك العناية التي هي في منتهى اللطفِ إلى غدر في منتهى الألم والمرارة، وانقلابَ ذلك العدل الذي هو في منتهى التوازن والعدالة والحقانية إلى ظلم في منتهى الشناعة، وسقوطَ السلطنةِ السرمديةِ التي هي في منتهى العظمة والقوة؛ إذ تزول عظمة السلطنة السرمدية كليا، ويُشابُ كمالُ ربوبيتها بالعجز والتقصير بعدم مجيء الحشر، وهذا لا يمكن بأي وجه من الوجوه، ولا يقبل أيُّ عقل احتمالاً له، وهو محال مائة في المائة، وباطل وممتنع وخارج عن دائرة الإمكان؛ إذ كم هو ظلمٌ وقسوة غادرة بلا رحمة إعدامُها –أي الرحمة والحكمة والعناية والعدالة والسلطنة السرمدية- الإنسانَ إعدامًا أبديًّا، مع تربيتها إياه تربية في منتهى الرقَّةِ واللطافةِ، وإيحائها له بالشوق إلى السعادة الأبدية، والبقاء الدائم في الآخرة بأجهزة كالعقل والقلب، وكم هو مخالف للحكمة تضييع جميع أجهزته واستعداداته التي لها آلاف الفوائد تضييعًا كليًّا بلا فائدة ولا نتيجة ولا حكمة بموت نهائي لا بعث بعده مع أنه عُلِّقَ على دماغه وحده مئات من الحكم والفوائد، وكم هو منافٍ لعظمة تلك السلطنة وكمال ربوبيتها إظهارُ العجز والجهل -حاشا لله- بعدم الوفاء بآلاف الوعود والتعهدات التي وَعَدَتْ وتَعَهَّدَتْ بها.
يفهم ذلك كلُّ ذي شعور، فَطَبِّقْ أنت العنايةَ والعدالةَ قياسًا على هذه الأمور.
وبهذه الحقيقةِ المذكورةِ تجيبُ أسماءُ "الرحمن" و"الحكيم" و"العدل" و"الكريم" و"الحاكم" على سؤالنا لخالقنا عن الآخرة، وتُثْبِتُ الآخرةَ بلا شكٍّ ولا شبهةٍ كوضوحِ الشمسِ.
وبما أننا نشاهد بأعيننا أن هناك حَفِيظِيَّةً محيطةً ذات عظمة تحكم وتُجري أحكامها؛ إذ تُسَجِّلُ وتكتب صورًا كثيرة لكل كائن حي ولكل حادث، وتسجِّلُ
271. صفحة
وظيفته الفطرية التي يؤديها، وصحيفةَ أعمالِه للتسبيحاتِ التي يؤديها بلسانِ حالِه تجاهَ الأسماءِ الإلهيةِ، تُسَجِّلُ وتكتبُ كلَّ هذا على الألواحِ المثالية، وفي نواته وبُذَيْرَاته، وفي كلِّ الحافظاتِ التي هي نماذجُ مصغرةٌ للّوح المحفوظِ، ولا سيَّما في قوةِ ذاكرةِ الإنسانِ التي هي مكتبتُه الكبيرة الصغيرةُ([1]) جدًّا في دماغه، وفي مرايا الانعكاس المادية والمعنوية الأخرى، تحفظها بالضبط والتسجيل، ثم إنه كلما جاء وقتها تُظهر جميعَ تلك الكتابات المعنوية بشكل ماديٍّ أمام أعيننا.
وكلُّ ربيع -ذلك الربيع الذي هو زهرة من أزهار القدرة- يعلن بزهرته الكبرى أمام العالَمين بقوة ملايين الأمثلة والدلائل والنماذج، وببلايين الألسنة عن أعجبِ حقائق الحشر في الآية ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾(التكوير:10)، ويُثبِت إثباتا قويا أن الأشياء -وفي مقدمتها الإنسان- لم تُخلق من أجل السقوط في الفناء والسقوط في العدم، والهلاك فيه، ولم يخلق ذوو الحياة وفي مقدمتهم البشر من أجل الإعدام، بل خلقوا من أجل الدخول في البقاء بالترقِّي، والدوام بالتَّصَفِّي، والوظيفة السرمدية بالاستعداد.
أجل؛ إننا نشاهد في كل ربيع أن النباتات غير المحدودة التي ماتت عند قيامة فصل الخريف، وكل شجرة وكل جذر وكل نواة وكل بَذْرةٍ في حشر الربيع؛ تقرأ الآية ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ وتُفَسِّرُ معنىً من معانيها، وفردا من أفرادها، بلسانها، وبأمثلة الوظائف التي أدَّتْها في السنوات الماضية، وبذلك تشهد على تلك الحفيظية العظيمة، وتُظهِر في كل شيء الحقائقَ الأربعة العظيمة في الآية ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ﴾(الحديد: 3) وتُعلِّمنا الحفيظيةَ في أعظم درجاتها، وتُعلِّمنا أن الحشرَ سهلٌ وحَتْمٌ كسهولة الربيع وحتميته.
نعم؛ إن تجلياتِ هذه الأسماءِ الأربعةِ تَظْهَرُ في جميعِ المخلوقات ابتداء من أصغر جزئي وانتهاء إلى أكبر كلي.
فمثلا: كما أن النواة التي هي منشأ هذه الشجرة هي صنيديق جامع -بتجلي اسم "الأول" عليها- لبرنامج تلك الشجرة البديع، وأجهزة إيجادها التي لا نقص
[1] يقصد الكبيرة من حيث محتواها الصغيرة من حيث مساحتها.
272. صفحة
فيها، وجميع شروط تكونها، وتُثبِت عظمة الحفيظية، وكما أن ثمرتها التي يتجلى عليها اسم "الآخر" -هي أيضا- صنيديق يحتوي - بما فيها من نواة- على فهرس جميع الوظائف الفطرية التي أدَّتْها تلك الشجرة، وقائمة أعمالها، ودساتير حياتها الثانية، وتشهد على الحفيظية في أعظم درجاتها.
وكما أن الصورة الجسمانية لتلك الشجرة التي يتجلى عليها اسم "الظاهر"، هي حُلَّة ولباس منسَّق بديع، ولباسُ حور مزينٌ بنقوش وزينة مختلفة وأوسمة مذهبة وكأنه مُلَوَّنٌ بسبعين لونًا، بما يُظْهِرُ للأعينِ عظمةَ القدرة وكمالَ الحكمة وجمال الرحمة ضمن الحفيظية.
وكما أن ما في داخل الشجرة من ماكينة -هي مرآة لاسم "الباطن"- هو مصنع ومعمل ومختبر كيميائي بديع رائع معجز، وإناء أرزاق ذو ميزان لا يترك أي غصن وثمرة وورقة بلا غذاء، بما يثبت ضِمنَ الحفيظية كمال القدرة والعدالة وجمال الرحمة والحكمة كالشمس؛ فالكرة الأرضية([1]) كذلك شجرة من حيث الفصول السنوية.
وجميع البذور والنوى التي تُستَودَع أمانة للحفيظية في فصل الخريف بتجليات اسم "الأول" هي مجموعاتٌ صغيرة للأوامر الإلهية حول تشكّل شجرة وجه الأرض الملتحف بمِلْحَفَةِ الربيع التي أنبتت بلايين الأغصان والفروع، وأثمرت بلايين الثمار، وأَزْهَرَتْ بلايين الأزهار.
وهي قوائم للدساتير الآتية من القدر، وصحيفةُ أعمال، ودفتر خدمات صغير لما قام به فصلُ الصيف الماضي من وظائف، حيث يُرِي بالبداهة أن الحفيظَ ذا الجلال والإكرام يفعل كل شيء عن قدرة وعدالة وحكمة ورحمة لا حدَّ لها.
أما آخِر شجرة الأرض السنوية فتُودِعُ جميعَ ما أدَّت تلك الشجرة في الخريف الثاني من وظائف، وكل ما قامت به من التسبيحات الفطرية تجاه الأسماء الإلهية، وصحائفَ أعمالها القابلة للنشر في حشر الربيع القادم، تُودِعُ كل هذا في الصناديق الصغيرة جدًّا كالذَّرَّة، وتسلمها ليد حكمة الحفيظ ذي الجلال، وتقرأ على وجه الكون اسم "هو الآخر" بألسنة لا حدَّ لها.
[1] هذه العبارة هي تمام الكلام المتعلق بـ"كما" في الفقرة قبل السابقة.
273. صفحة
أما ظاهر هذه الشجرة فيُزهِر ثلاثمائة ألف من الأزهار الكلية المتنوعة التي تُرِي ثلاثمائة ألف مثال ونموذج وأمارة للحشر، ويبسط ويمد ما لا حدَّ له من موائد الرحمانية والرزّاقية والرحيمية والكريمية، فيقيم المآدب لذوي الحياة، وبذلك يذكر اسم "هو الظاهر" بألسنته التي هي بعدد ثماره وأزهاره ومأكولاته، ويمدح ويثني عليه، ويُري حقيقة ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ كالنهار.
وأما باطن هذه الشجرة العظيمة الباسقة فهو إناء ومعمل يشغِّل بدقة ونظام كاملين ما لا يعد ولا يحصى من ماكينات بديعة ومصانع موزونة؛ حيث يطبخ من درهم واحد آلاف الأرطال والأطنان من الأطعمة ويقدِّمُها للجياع، ويعمل بميزان ودقة بحيثُ لا يَدَعُ مجالاً لتدخل مقدارِ ذرةٍ من المصادفة، ويعلنُ ويثبتُ اسمَ "هو الباطن" بالوجهِ الباطن للأرض بمئات الآلاف من الطرق والأشكال مثل بعض الملائكة الذين يسبحون بمائة ألف لسان.
ثم إن الأرض كما أنها شجرة من حيث حياتها السنوية، وكما أنها تري الحفيظيةَ ضمن تلك الأسماء الأربعة، وتجعلها مفتاحًا للحشر؛ فكذلك هي شجرة بديعة تُرْسَلُ ثمراتها إلى سوق الآخرةِ باعتبارِ حياتها الدَّهْرِيَّةِ والدنيوية، وهي مظهر ومرآة لتلك الأسماء الأربعة، وتفتح وتشق طريقًا ممتدًّا إلى الآخرة؛ بحيثُ تعجزُ عقولُنا عن الإحاطةِ بسَعَتِهَا والتعبير عنها، إلا أننا نقول بهذا القدر: كما أن عقارب الساعة الأسبوعية التي تَعدُّ الثواني والدقائق والساعات والأيام يشبه بعضها بعضا، ويثبت بعضها بعضا، وتكون مضطرة لتصديق سائر العقارب التي ترى حركات الثواني؛ فكذلك تتشابه الأيام التي تعدُّ ثوانيَ هذه الدنيا التي هي ساعة كبرى لخالق السماوات والأرض ذي الجلال، والسنوات التي تحسب دقائقها، والعصور التي تشير إلى ساعاتها، والدورات التي تخبر عن أيامها، يشبه بعضها بعضا ويثبت بعضها بعضا، وتخبر بأمَارات لا حد لها عن مجيء ربيع باقٍ، وصباحٍ سرمديٍّ للشتاءِ المظلمِ للدنيا الفانيةِ، تخبر عن هذا بحتمية مجيء صباح هذه الليلة وربيع هذا الشتاء.
وهكذا تجيبُ أسماءُ "هو الأَوَّلُ والآخِرُ والظَّاهِرُ والبَاطِنُ" مع اسم "الحَفِيظ" على سؤالنا لخالقنا حول قضية الحشر بالحقيقة المذكورة.
274. صفحة
وبما أننا نرى بأعيننا وندرك بعقولنا أن الإنسان هو آخِرُ وأجمعُ ثمرة لشجرة هذا الكون، وهو نواتُها الأصلية من حيث الحقيقة المحمدية على صاحبها الصلاة والسلام، والآيةُ الكبرى لقرآن الكون، وآيةُ الكرسي منه؛ إذ يحمل الاسمَ الأعظم، وأكرمُ ضيف في قصر الكون، وأنشط موظف مأمور في ذلك القصر؛ فهو الذي يُسمَح له بالتصرف في سائر السكان فيه، وناظرٌ أكثر قيمة وذيوع صيت وشهرة ومسئولية؛ إذ زُوِّد بمئات العلوم وآلاف الفنون، فوُظِّف في الإشراف والنظارة على واردات وصرفيات وزرع حديقة ومزرعة حي الأرض في مدينة الكون، ومفتشٌ لسلطان الأزل والأبد في قطر الأرض من وطن الكون فيعمل تحت مراقبته، وخليفةٌ له نوعًا ما، ومتصرفٌ له تُسجَّل حركاته الجزئية والكلية، وعبدٌ كليٌّ مكَلَّفٌ بالعبودية الكلية الشاملة جدًّا وقد أخذَ على عاتقه حملَ الأمانةِ الكبرى التي امتنعت السماواتُ والأرضُ والجبالُ عن حملها، وفُتِح أمامه طريقان عجيبان؛ فهو في أحدهما أشقى ذوي الحياة، وفي الآخر أسعدُهم، وأجمع مرآة لأسمائه كلها، حيثُ تَحْظَى بتجلِّي الاسم الأعظم لسلطان الكون، ومخاطَبٌ خاصٌّ له، فهو أكثر فهمًا وإدراكا لخطاباته السبحانية وكلامه، وأكثر ذوي الحياة في الكون احتياجًا، وذو حياة مسكينٌ، له -مع عجزه وفقره اللذين لا نهاية لهما- ما لا حدَّ له من المقاصد والرغبات، وما لا عدَّ له من الأعداء والأشياء المُضِرَّة التي تؤذيه، وأغناهم -أي ذوي الحياة- استعدادًا، وأكثرُهم تألمًا من حيث التلذذ بالحياة، وملذاته مشوبة بالآلام الشديدة، وأكثرُهم اشتياقًا وحاجة إلى البقاء، وأكثرهم لياقة واستحقاقًا له، والذي يسأل الخلود والسعادة الأبدية بأدعية لا حدَّ لها، ويتضرع طلبا لها، والذي لو أُعْطِيَ جميعَ متعِ وملذاتِ الدنيا لما أشبعتْ رغبته في البقاء، والذي هو معجزة قدرة صمدانية، وأعجوبة خلقة إلهية بديعة جدًّا، يحب من يحسن إليه لدرجة العبادة، ويحبب نفسه إليه فيُحَبُّ، والذي يستوعب الكون، وتشهد جميعُ أجهزتهِ الإنسانيةِ على أنه خلق للذهاب إلى الأبد، والذي يتعلق ويرتبط باسم "الحق" من أسماء الله تعالى بعشرين حقيقة كلية كهذه الحقائق، والذي يُمْلِي دومًا للكتابة بأفعاله المتعلقة
275. صفحة
بالكون على اسم "الحفيظ" للحفيظ ذي الجلال الذي يقضي أبسط حاجة لأصغر ذي حياة، ويسمع دعاءه وتضرعه وطلبه، ويستجيب بالفعل لدعائه، ويسجل أعماله، والذي يستكتب كراما كاتبين لذلك الاسم بأعماله المهمة، والذي ينال ويحظى بنظر دقة ذلك الاسم أكثر من أي شيء آخر..
أقول فلا شك ولا ريب ولا بد وبدون أية شبهة أنه سيكون حشر ونشر للإنسان بحكم تلك الحقائق العشرين، وسيكافأ على ما قدم من خدمات سالفة ويعاقب على خطاياه حسب اسم "الحق"، وسيحاسَب وسيُستَجوَب على كل عمله المسجل جزئيا كان أو كليا حسب اسم "الحفيظ"، وستُفتَح أمامه أبواب دار ضيافة السعادة الأبدية في دار البقاء، وأبواب سجون الشقاء الأبدي، ولن يختفي ضابط قاد كثيرا من الطوائف في هذا العالم، وتدخل فيها وأفسدها وخلط أمورها بعض الأحايين؛ لن يختفي داخلا في التراب راقدا فيه بلا إيقاظ للسؤال عن كل أعماله.
وإلا فإن توّهم عدم سماع (الله) ما لا حدَّ له من أدعية للحقوق الإنسانية التي تتوجه إلى البقاء، والتي تُرْفَعُ بألسنة الحقائق العشرين المذكورة، ويجلجل صداها العرش والفرشَ([1])، وهي بقوة الرعد -مع أنه يسمع صوت الذباب ويستجيب لدعائه فعلا بمنح حق الحياة له- وإن توهم تضييع تلك الحقوق غير المحدودة، وتَضييع الحكمة -التي لا تُضَيِّعُ شيئًا ولو بقدر جناح ذبابة بشهادة انتظام وبداعة جناح الذبابة- تضييعًا كليا الاستعداداتِ الإنسانية التي ارتبطت بها جميع تلك الحقائق، ورغبات الإنسان وآماله التي تمتد إلى الأبد، وكثيرًا من روابط الكون وحقائقه التي تغذي تلك الاستعدادات والرغبات؛ نقول إن توهم تضييع كل هذه الأمور كليًّا جور وقبح في ظلم خارج عن دائرة الإمكان، بحيث إن جميع الموجودات التي تشهد على أسماء "الحق" و"الحفيظ" و"الحكيم" و"الجميل" و"الرحيم" تَردُّ هذا، وتقول: إن هذا محال مائة في المائة، وممتنع بألف وجه.
[1] الفرش: المراد الأرض.
276. صفحة
فتجيب أسماء "الحق" و"الحفيظ" و"الحكيم" و"الجميل" و"الرحيم" على سؤالنا لخالقنا عن الحشر، وتقول: كما أننا حق وحقيقة؛ فإن الحشر كذلك حق ومحقَّق كتحقق الموجودات التي تشهد علينا.
وبما أن...
كنت سأكتب أكثر من هذا، ولكني اختصرت لكونه أمرا واضحا ومعروفا كوضوح الشمس.
فكما أن كل قسم من أقسام أسماء الله الحسنى المائة بل الألف المتوجهة إلى الكون يُثبِت بالبداهة مسميات تلك الأسماء -قياسًا على الحقائق التي ذُكِرَت في الأمثلةِ السابقةِ و"بما أن" السابقة- بواسطة مرايا تلك الأسماء وتجلياتها على الموجودات؛ فإنه يدل كذلك على الحشر والدار الآخرة، ويثبتهما إثباتًا قاطعًا.
وكما أن ربنا يجيب إجابة قدسية قاطعة على السؤال الذي سأَلْنا خالقَنا عنه بكل فرماناته وبجميع الكتب التي أنزلها، وبأسمائه التي هو مسمّاها، فيجيب كذلك بألسنة ملائكته، أي يُنطِقهم بطريقة أخرى وهم يجيبون على سؤالنا قائلين: "إن هناك حوادثَ ووقائعَ كثيرةً بقوة مئات التواترات لملاقاتكم مع الروحانيين ومعنا منذ عهد آدم عليه السلام، وأمارات ودلائلَ لا حدَّ لها تدل على وجودنا وعبوديتنا نحن والروحانيين، وقلنا ونقول دائمًا متفقين فيما بيننا عندما التقينا بقائديكم: إننا نتجول في صالات الآخرة وفي بعض منازلها"؛ إذن فلا شك أن هذه الصالات الباقية البديعة الرائعة التي نتجول فيها، وما وراءها من القصور والمنازل المفروشة المزينة، تنتظر قدوم ضيوف أعزاء كرام؛ لاستضافتهم، ولا نَشُكُّ في ذلك البتة.
وبما أن خالقنا عيَّن لنا محمدًا كأعظم معلم وأكمل أستاذ، وأصدق مرشد، لا يَضلّ ولا يُضلّ، وأرسله خاتمًا للأنبياء عليهم السلام، فيجب علينا أن نسأل أولاً وقبل كل شيء أستاذنا هذا عمَّا سألنا خالقَنا عنه؛ لعلنا نرتقي من مرتبة علم اليقين إلى مراتب عين اليقين وحق اليقين، ونصل إلى الكمال؛ فكما أنه عليه الصلاة والسلام -وهو معجزة من معجزات القرآن- يثبت بمعجزاته الألف التي كل منها
277. صفحة
علامة تصديق له من قبل خالقه أن القرآن حقٌّ وأنه كلام الله، فالقرآن أيضًا -وهو أكبر معجزة له عليه الصلاة والسلام- يثبت بأربعين نوعا من أنواع إعجازه أنه صادق أمين، وأنه رسول الله، فلا شك أن حقيقة الحشر التي ادعاها وأثبتها كل منهما بآلاف الآيات -أحدهما لسان عالم الشهادة وهو يعني تصديق جميع الأنبياء والأولياء في جميع حياته، والآخر لسان عالم الغيب وهو يعني تصديق جميع الفرمانات السماوية والحقائق الكونية- ثابتة ومؤكدة كالشمس والنهار.
أجل؛ إن قضية كقضية الحشر التي هي من أعجب المسائل وأخطرها، والتي هي خارجة عن طور العقل؛ إنما تُحلُّ وتفهم بدروس أستاذين عظيمين كهذين الأستاذين.
أما سبب عدم إيضاح الأنبياء السالفين هذه الحقيقة لأممهم كالقرآن؛ فهو أن تلك الأطوار كانت أطوار البداوة والطفولة بالنسبة للبشر؛ ويكون الإيضاح بسيطًا في الدروس الابتدائية.
الحاصل: بما أن أكثر أسماء الله تعالى تقتضي الآخرة وتتطلبها؛ فلا شك أن جميع الحجج التي تدل على تلك الأسماء؛ تدل أيضًا على تحقق الآخرة من جهة.
وبما أن الملائكة يخبرون أنهم رأوا منازل الآخرة وعالم البقاء؛ فلا شك أن الأدلة التي تشهد على وجود الملائكة والأرواح والروحانيات وعبوديتهم تدل أيضًا على وجود الآخرة.
وبما أن الدعوى والقضية الأساس والأَدْوَم في حياة محمد كلها هي الآخرة بعد الوحدانية؛ فلا شك أن جميع المعجزات والحجج التي تدل على نبوته وصدقه تشهد كذلك -من جهة وبطريقة غير مباشرة- على تحقق الآخرة ومجيئها.
وبما أن رُبْعَ القرآن الحشرُ والآخرةُ، ويسعى لإثباتهما بآلاف آياته، ويخبر عنهما؛ فلا شك أن جميع حججه وأدلته التي تشهد وتدل على أن القرآن حق تدل وتشهد كذلك بطريقة غير مباشرة على وجود الآخرة وتحققها وانفتاحها.
فانظر الآن كيف أن هذا الركن الإيماني قويٌّ وقاطعٌ، وأبصر.
278. صفحة
خلاصةُ المسألةِ الثامنةِ
كنا سنسأل المقامات الكثيرة عن الحشر في "المسألة السابعة"، ولكن إجابة خالقنا بأسمائه منحتنا يقينًا وقناعة قويّةً إلى حدٍّ لم تدع معه حاجة إلى أسئلة أخرى؛ لذا اكتفينا بهذا القدر هناك.
فالآن سَيُلَخَّص في هذه المسألة واحدٌ بالمائة من الفوائد والنتائج التي يحققها الإيمان بالآخرة حول سعادة الآخرة وسعادة الدنيا.
أما القسم الذي يتعلق بالسعادة الأخروية فنحيله إلى القرآن المعجز البيان؛ إذ إيضاحاته لم تدع حاجة إلى بيان آخر، ونبيِّن هنا -بخلاصة قصيرة- ثلاثَ أو أربعَ نتائج فقط من مئات النتائج التي تتعلق بالحياة الشخصية والاجتماعية للإنسان، محيلين إيضاحَ القسمِ الذي يتعلق بالسعادة الدنيوية إلى رسائلِ النورِ.
أولاها:
إن الإنسان -خلافًا لسائر الحيوانات- كما أنه ذو علاقة مع بيته فهو كذلك ذو علاقة مع الدنيا، وكما أنه ذو صلة مع أقاربه فهو أيضًا ذو صلة وثيقة وقوية وفطرية مع نوع البشر، وكما أنه يرغب في بقائه المؤقت في الدنيا؛ فهو يرغب كذلك رغبة بدرجة العشق في بقائه في دارٍ أبديةٍ، وكما أنه يسعى لتوفير حاجة معدته إلى الغذاء؛ فهو كذلك مُضْطَرٌّ بفطرته إلى أن يوفِّر الموائد والأغذية الواسعة سعة الدنيا بل الممتدة إلى الأبد لمعدة العقل والقلب والروح والإنسانية، ويسعى لذلك فعلاً، وله رغبات ومطالب لا يشبعها شيء إلا السعادة الأبدية، وحتى سألت يومًا خيالي في صغري -كما أُشِيرَ إلى ذلك في الكلمة العاشرة- قائلاً: أتُفضِّل أن تُمنَح عمرًا يدوم ألف ألف سنة مع سلطنة الدنيا وينتهي بك بعد ذلك إلى العدم والفناء، أم تفضِّل وجودًا باقيًا ولكنه عاديٌّ وذو مشقات؟ فرأيته يرغب في الثانية ويتأفَّفُ من الأولى قائلاً: "أريد البقاء ولو كان في جهنم".
فبما أن لذائذ هذه الدنيا لا تُشبِعُ القوةَ الخياليةَ التي هي خادمة من خدام الماهية الإنسانية؛ إذن فلا شك أن الماهية الإنسانية الجامعة ذات علاقة بفطرتها مع الأبدية.
279. صفحة
إن الإيمان بالآخرة بالنسبة للإنسان الفقير فقرًا مطلقًا -الذي رأس ماله جزء من الاختيار الجزئي، والذي ارتبط بتلك الرغبات والآمال غير المحدودة- ثمرة وفائدة؛ بحيث إنه كنز عظيم كافٍ ووافٍ، وهو مدارُ سعادة ولذة، ومرجعية استمداد، ومدارُ سلوان تجاه هموم الدنيا غير المحدودة؛ لذا فلو ضَحَّى الإنسان بحياته الدنيوية في سبيل الفوز به لكانت رخيصة.
ثمرته الثانية وفائدة من فوائده المتوجهة إلى الحياة الشخصية:
(نتيجة مهمة جدًّا وُضِّحتْ في "المسألة الثالثة" وفي هامش من هوامش "مرشد الشباب").
نعم، إن أهمَّ همٍّ يشغل فكرَ كل إنسان دومًا هو كيفية الدخول إلى دار الإعدام كما دخل أحبته وأقرباؤه الذين دخلوا من قبلُ إلى تلك المقبرة.
إن هذا الإنسان المسكين الذي يُضَحِّي بروحه من أجل حبيب واحد له، حين يتوهم إعدام آلاف بل ملايين ومليارات من أحبائه في فراق أبدي فإنه يتعذَّب أشدَّ من عذاب جهنم بسبب هذا التفكير، فإذا بالإيمان بالآخرة يأتي إليه، ويفتح بصره، ويزيل الستار عنه، ويقول له: "انظر" فينظر بنور الإيمان، فإذا به يتلذذ بلذة روحانية تنمُّ عن لذة الجنة بمشاهدته أن أحبته نَجَوا من الموت الأبدي والبِلَى([1])، وينتظرونه مسرورين في عالم نوراني.
ونكتفي بهذا القدر إذ وضِّحت هذه النتيجة بالحجج في رسائل النور.
فائدة ثالثة له تتعلق بالحياة الشخصية:
إن تفوق الإنسان على سائر ذوي الحياة، وعلو منزلته وسمو رتبته إنما هو باعتبار سجاياه العالية، واستعداداته الجامعة، وعباداته الكلية، ودوائره الوجودية الواسعة، والواقع أن هذا الإنسان يتحلى بسجايا مثل الْحَمِيَّة والمحبة والأخوة والإنسانية بحسب الزمن الحاضر القصير المحصور بين الزمن الماضي والمستقبل اللذين هما معدومان وميِّتَان ومُظْلِمَان.
[1] البلى: المراد الفناء والضياع.
280. صفحة
فمثلا، إنه يحب ويخدم أباه وشقيقه وزوجته وأمته ووطنه الذين لم يكن يعرفهم من قبل، ولن يتمكن من رؤيتهم بعد فراقه إياهم، ولا يوفَّق في الصداقة والإخلاص التام معهم إلا نادرًا جدًّا، فتصغر سجاياه وكمالاته بتناسب طردي مع ذلك؛ إذ ينقلب رأسًا على عقب ويسقط إلى منزلة أدنى وأضعف من الحيوان من حيث العقل بدلاً من أن يكون أفضل وأكرم منه، فإذا بالإيمان بالآخرة يغيثه، ويحوِّل زمنه الضيق كالقبر إلى زمن واسع جدا يستوعب الزمن الماضي والمستقبل، ويريه دائرةَ وجودٍ واسعةً سَعةَ الدنيا، بل تمتد من الأزل إلى الأبد، ويحب أباه لكونه أبًا حتى في دار السعادة وفي عالم الأرواح، ويحب أخاه باعتبار أخوتهما الممتدة إلى الأبد، ويحب زوجهُ معتقدا أنها أجمل رفيقة حياة في الجنة كذلك، ويحترمهم، ويشفق عليهم، ويعاونهم ويساندهم.
ولا يجعل تلك الخدمات المهمة التي هي من أجل العلاقات في دائرة الوجود والحياة العظيمة الواسعة آلةً وأداة للأمور التافهة للدنيا، ولأغراضه ومنافعه الجزئية، فيوفَّق في الصداقة الجادة والإخلاص التام، وتبدأ كمالاته وخصاله بالسمو -بتناسب طردي مع ذلك، وكل حسب درجته- وتسمو إنسانيته، فهذا الإنسان الذي لا يستطيع أن يرتقي إلى مستوى عصفور في التلذذ بالحياة، يكون أسعد ضيف وأكرمه في الكون وفوق جميع الحيوانات، ويكون أفضل وأحب عبد إلى صاحب الكون.
واختُصر هنا اكتفاءً بإيضاح هذه النتيجة أيضا مع حججها في رسائل النور.
فائدة رابعة له تتعلق بالحياة الاجتماعية للإنسان:
إن خلاصة تلك النتيجة التي بُيِّنت في "الشعاع التاسع" من رسائل النور هي:
إن الأطفال الذين هم ربع البشرية لا يمكنهم أن يعيشوا عيشا يليق بكرامة الإنسان، وأن يحملوا استعدادات الإنسانية إلا بالإيمان بالآخرة. وإلاّ فسيعيش عيشة طائشة، وسيلعب بألعابه الطفولية لينوِّم نفسه، وينسى همومًا وقلقا أليمًا؛ لأن موت أمثاله من الأطفال دومًا حوله، يؤثر في دماغه الرقيق، وفي قلبه
281. صفحة
الضعيف الذي يحمل آمالاً بعيدة، وفي روحه الواهنة التي لا تستطيع المقاومة، وبينما يجعل -هذا التأثيرُ- الحياةَ والعقلَ آلة عذاب وتعذيب لذلك المسكين فإذا به يشعر بسرور وانشراح بدرس الإيمان بالآخرة بدلاً من تلك الهموم وذلك القلق الذي يتخفى وراء ألعابه حتى لايراه، ويقول: "إن أخي أو صديقي هذا قد مات فأصبح طيرًا من طيور الجنة، يتلذذ ويتمتع أحسن منا، و يتجول فيها، وأمي أيضا قد ماتت ولكنها ذهبت إلى الرحمة الإلهية فستضمّني إلى صدرها مرة أخرى وستلاطفني، وسأرى والدتي الحبيبة الشفوق". وهكذا يمكنه أن يعيش عيشة تليق بكرامة الإنسان.
وكذلك الشيوخ الذين هم ربع البشرية لا يجدون السلوان إزاء انطفاءِ حياتهم في وقت قريب، ودخولِهم تحت التراب، وانغلاقِ دنياهم الجميلة اللطيفة إلاّ في الإيمان بالآخرة، وإلاّ لكان هؤلاء الآباء المشفقون المحترمون، والأمهات المشفقات المضحِّيات سـيعانون من صراخات روحية، وخلجات([1]) واضطرابات قلبية، تجعل الدنيا زنزانةً في كآبة ويأس، والحياةَ عذابًا شديدًا قاسيًا عليهم.
ولكن الإيمان بالآخرة يقول لهم: "لا تقلقوا، فإن لكم شبابًا أبديًّا سيأتي، وحياة ساطعة، وعمرًا لا نهاية له ينتظركم، وستتلاقون -مسرورين- مع أولادكم وأقاربكم الذين فقدتموهم، وجميعُ حسناتكم محفوظة، وستأخذون أجرها".
وهكذا يمنحهم الإيمانُ بالآخرة سلوانًا وانشراحًا لو اجتمعت مائة شيخوخة على رأس كل منهم لما استطاعت أن تيئسهم.
والشباب الذين هم ثلث البشرية، ونزواتهم ثائرة، ومغلوبون على مشاعرهم، ولا يتعقلون بعقولهم الجريئة كل الوقت، إن فقدوا إيمانَهم بالآخرة، ولم يتذكروا عذاب جهنم؛ فإنَّ أموال وأعراض أهل العفة وراحةَ الشيوخ والضعفاء وشرفهم في المجتمع ستصبح في خطر؛ إذ يدمر بعض منهم سعادةَ أسرة سعيدة لأجل لذة تدوم دقيقة واحدة، فيتعذب في مثل هذا السجن لمدة أربع أو خمس سنوات، ويكون مثل حيوان مفترس.
[1] خلجات قلبية: أي هموم وشواغل تشغل القلب وتهمه وتحزنه.
282. صفحة
وإذا أغاثه الإيمان بالآخرة فسيعود إلى رشده سريعًا، وسيشعر بالشفقة والاحترام تجاه الأشخاص الذين كان يريد أن يتعدَّى عليهم ظلمًا، وسيقول: "إن عيون الحكومة لا تراني وأستطيع أن أتخفى عنهم، ولكن ملائكة السلطان ذي الجلال الذي له زنزانة كجهنم تراني وتسجل سيئاتي، فأنا لستُ حرًّا طليقًا، وإنما مسافر ذو وظائف، وأنا كذلك سأكون مثل هؤلاء شيخًا وضعيفًا".
ونقتصر على هذا اكتفاءً بإيضاح هذا المعنى كذلك في رسائل النور مع براهينها.
وكذلك الذين يمثلون قسمًا مهمًا من البشرية، وهم المرضى والمظلومون وأمثالنا من ذوي المصائب والفقراء والمسجونين الذين حكم عليهم بالعقوبات المشدَّدة، إن لم يُغثهم الإيمان بالآخرة فالموتُ الذي يَمْثُلُ([1]) دوما أمام نَاظِرَيْ([2]) الواحد منهم بتذكير الأمراض إياه، وغدر الظالم المغرور الذي لم يتمكن الواحد منهم من الثأر منه، والذي لم يستطع أن يُنقذ عرضه من تعرضه له، واليأسُ الأليم الناشئ عن ضياع أولاده وأمواله سدًى في الكوارث الكبرى، والضيق المضجر النابع من عذاب سجن كسجننا هذا لمدة خمس أو عشر سنوات من أجل لذة دامت بضع دقائق أو ساعة أو ساعتين؛ لا شك أن كلَّ ذلك يحوِّل الدنيا إلى زنزانة، والحياة إلى عذاب قاس على هؤلاء المساكين.
وإذا أغاثهم الإيمان بالآخرة فسيتنفسون الصُّعَدَاءَ، ويزول عنهم ضيقهم ويأسهم وقلقهم وثورة ثأرهم إلى حد ما، وأحيانًا يزول كل ذلك تمامًا حسب درجة إيمان كل منهم.
وحتى يمكنني أن أقول: "لو لم يُغثنا -أنا وعددا من إخواني- الإيمانُ بالآخرة في سجننا هذا الذي دخلناه بلا سبب، وفي مصيبتنا الرهيبة هذه؛ لثقل علينا تحملُها يومًا واحدًا كثقل الموت، ولساقنا ذلك إلى الاستعفاء([3]) من الحياة.
[1] يمثل: يظهر ويشخص.
[2] ناظريه: أي عينيه.
[3] الاستعفاء: أي طلب الخروج منها.
283. صفحة
ولكنني أحمد الله حمدًا لا نهاية له؛ إذ على الرغم من أنني أتألم بالآلام الناشئة عن تلك المصيبة لإخواني الكثيرين الذين هم أحب إليّ من نفسي، وتأسفتُ على ضياع و بكاء كتبي القيِّمة جدًّا والمذهَّبة المزينَّة وآلاف من رسائل النور التي هي أحب إليَّ من عيني، و على الرغم من أنني لا أستطيع منذ القديم أن أتحمل الإهانة وتحكم غيري فيّ ولو قليلاً، فإنني أُؤكِّد لكم مُقسِمًا بالله أن نور الإيمان بالآخرة وقوته منحاني صبرًا وتحمُّلاً وسلوانًا وصلابة، بل ربما منحاني رغبة وهمة ونشاطا لأفوز بالأجر الأعظم، مجاهدًا في امتحان مربح، إذ أعُدُّ نفسي في مدرسة لطيفة طيبة مباركة تليق بأن يُطْلَق عليها "المدرسة اليوسفية" كما قلت في مُسْتَهَلِّ هذه الرسالة، فلولا الأمراض التي تصيبني أحيانًا، والحساسيات الناشئة عن الشيخوخة؛ لذاكرتُ دروسي أكثر، وبراحة القلب وبصورة رائعة، وعلى كل حال.. إننا خرجنا عن الموضوع بمناسبة هذا المقام فأرجو السماح وعدم المؤاخذة."
وكذلك إن لكل إنسان دنيا صغيرة بل جنة صغيرة هي بيته؛ فإن لم يسيطر الإيمان بالآخرة على سعادة هذا البيت لَقَلِقَ وتألَّم كل فرد من أفراد هذا البيت بصورة مذهلة حسب درجة شفقته ومحبته وعلاقته بالآخرين فيه، ولَتَحَوَّلَتْ جنته تلك إلى جهنم، أو نوِّم عقله باللهو والسفاهة المؤقتة، مَثَلُهُ في هذا كمثل النعامة التي ترى الصيَّادَ ولا تستطيع الفرار أو الطيران فتُدخل رأسها في الرمل حتى لا يراها الصيَّاد، فكذلك كل فرد من أفراد هذا البيت الخالي من الإيمان يُدخل رأسه في الغفلة حتى لا يراه الموت والزوال والفراق، أي يجد حلاً ساذجا مؤقتًا كإلغاء المشاعر وإبطال الحواسِّ مؤقتا؛ لأن الوالدة مثلاً ترتعش هلعًا([1]) كلما رأت أبناءها -الذين من أجلهم تضحي بروحها- يتعرضون للخطر، وكذلك الأولاد الذين لا يستطيعون أن يُنقذوا آباءهم وإخوانهم من البلايا والمصائب التي لا تنقطع، يشعرون بحزن وخوف دائمين، وقياسًا على هذا فإن حياة تلك الأسرة التي يُظن أنها سعيدة في هذه الحياة الدنيوية المضطربة التي لا قرار لها، تفقد سعادتها
[1] هلعا: خوفًا.
284. صفحة
من جهات كثيرة، فالعلاقة والقرابة في حياة قصيرة لا تمنح صداقة حقيقية ولا إخلاصًا تامًّا ولا خدمة ومحبة خالصتين صافيتين خاليتين من الغرض، فتضعف الأخلاقُ بتناسب طردي مع ذلك، بل تسقط وتنحطُّ.
وإذا دخل الإيمان بالآخرة هذا البيتَ ينوِّرُه ويضيئُه في الحال، ولا يكون ما بين أفراد ذلك البيت من علاقة وشفقة وقرابة ومحبة مؤقتًا باعتبار مدة قصيرة جدًّا يقضونها معًا، بل يحترم كل واحد منهم الآخر احتراما حقيقيا ويحبه ويشفق عليه ويشعر ويبدي صداقة تجاهه باعتباره استمرارَ تلك العلاقات حتى في دار الآخرة وفي السعادة الأبدية، ويتجاوز عن تقصيراته ولا يُحَدِّقُ في أخطائه، بل يسامحه، وهلم جرًّا.. وعندئذ تسمو الأخلاق فتبدأ سعادة الإنسان الحقيقية بالازدهار في هذا البيت. اكتُفي بهذا بناءً على إيضاح هذا المعنى كذلك في رسائل النور مع حججها.
وكذلك كل مدينة بيتٌ واسع لسكانها، فإنْ لم يسيطرْ الإيمان بالآخرة على أفراد تلك الأسرة الكبيرة، لانتشرت أحوال وتصرفات كالنوايا السيئة والمنفعة والغش والتزوير والأنانية والتصنع والرياء والرشوة والخداع بدلاً من الإخلاص والصدق والفضيلة والنخوة والتضحية والثواب الأخروي ورضى الله الذي هو أساس الأخلاق الحسنة، وعندئذ تحكم معاني الإرهاب والوحشية باسم الأمن الظاهري والإنسانية، وتتسمَّمُ حياة تلك المدينة، ويبدأ الأطفال يُشَاكِسون، والشباب يسكرون، والأقوياء يظلمون، والشيوخ يبكون.
وقياسًا على هذا فالبلاد كذلك بيت والوطن كذلك بيت لأسرة الأمة، وبمجرد أن يحكم الإيمان بالآخرة هذه البيوت الواسعة يظهر في تلك الحياة الاحترامُ الخالص والشفقة الجادة، والمحبة والمعاونة من غير رشوة، والخدمة والمعاشرة بدون احتيال، والإحسان والفضيلة من غير رياء، والعظمة والفضيلة بلا أنانية؛ حيث يقول -الإيمانُ بالآخرة- للأطفال: "إن هناك جنةً، فاترك المشاكسة"، فيُنضِجهم ويهذبهم بدرس القرآن، ويقول للشباب: "إن هناك جهنم، فاترك السُّكْرَ"، فيجعلهم يعودون إلى رشدهم، ويقول للظالم: "إن هناك عذابًا شديدًا، فستتلقى لطمات"، فيجعله يخضع للعدل، ويقول للشيخ: "إن سعادةً أخرويةً خالدة أعظم من جميع
285. صفحة
أنواع سعادتك التي خَرَجَتْ من يدك وشبابًا نضرًا باقيًا في انتظارك، فاسع للفوز بهما" فيحوِّل بكاءه إلى ضحك.
وقياسًا على هذا فإن الإيمان بالآخرة يظهر تأثيره الحسن في كل طائفة من الطوائف الكلية والجزئية، وينوِّرها ويضيئها، فلتصغ آذان الاجتماعيين والأخلاقيين الذين لهم اهتمام بالحياة الاجتماعية للبشر.
فإذا قيست آلاف الفوائد الأخرى للإيمان بالآخرة على خمسة أو ستة نماذج من التي أشرنا إليها لفُهم قطعًا أن مدار سعادة الدارين والحياتين هو الإيمان فحسب، ليس غير.
ونقول هنا بإشارة قصيرة فقط إزاء الشبه الضعيفة من حيث جسمانية الحشر، مكتفين بالأجوبة القوية في "الكلمة الثامنة والعشرين" وفي سائر الرسائل من "رسائل النور":
إن أكثر المرايا جامعية للأسماء الإلهية هي في الجسمانية، وأغنى مقصد من المقاصد الإلهية في خلقة الكون ومركزها الفعال هو في الجسمانية، وأكثر أنواع الإحسانات الربانية المزركشة هي في الجسمانية، والبذور الغزيرة للأدعية التي دعا بها البشرُ خالقَهم بألسنة الاحتياجات والشكر الذي قدَّموه لخالقهم هي كذلك في الجسمانية، وأكثر أنواع النوى للعوالم المعنوية والروحانية هي كذلك في الجسمانية.
وقياسًا على هذا، ولأن مئات الحقائق الكلية تتمركز في الجسمانية؛ فإن الخالق الحكيم يكسو الموجودات -قافلة تلو الأخرى- وجودًا بفعالية سريعة ومذهلة جدًّا لإكثار الجسمانيات في الكرة الأرضية، وليجعلها مظهرًا للحقائق المذكورة، فيرسلهم إلى ذلك المشهر، ثم يسرِّحهم، ويرسل الآخرين مكانهم، وبهذا يجعل مصنع الكون يعمل دائمًا، وينسج المحصولات الجسمانية، ويجعل الأرض كمشتل للآخرة والجنة، حتى إنه لكي يُرضي معدة الإنسان الجسمانية، ويسمعَ ويقبلَ -بكمال الاهتمام- دعاءَ تلك المعدة من أجل بقائها بلسان حالها، ولكي يستجيب له فعلاً، يحضر إلى الجسمانية الأطعمةَ الرائعةَ جدًّا، والنعم القيمة للغاية بأعداد لا
286. صفحة
حد لها، وبمئات الآلاف من الأشكال، وبآلاف الأنواع من اللذائذ، كلُّ هذا يُظهر بالبداهة وبلا شك أن أكثر لذائذ الجنة وأكثر أنواعها في دار الآخرة هي جسمانية، وأهم النعم -التي يرغب فيها الكل ويأنس بها- للسعادة الأبدية هي جسمانية([1]).
فيا ترى هل هناك أي احتمال و أي إمكان لئلا يقبل القدير الرحيم والعليم الكريم -الذي يقبل دعاء تلك المعدة العادية لبقائها بلسان حالها، ويجعلها ممتنًّة([2]) بأطعمة مادية ذات معجزات لا نهاية لها، ويستجيب لها فعلاً ودومًا وبدون مصادفة، وإنما بقصد- جميعَ([3]) الأدعية الكلية السامية الجامعة غير المحدودة التي دعا بها الإنسان بمعدة الإنسانية الكبرى -وهو أهم نتيجة للكون، وخليفة الله في الأرض، وأفضل مخلوق لذلكم الخالق وعابده- لتُعطى له في دار البقاء اللذائذُ الجسمانية التي يرغب فيها دومًا ويأنس بها ويريدها ويطلبها فطرة؟ وألا يستجيب له فعلاً بالحشر الجسماني؟! وألا يجعله ممتنا للأبد؟! فهو كمن يسمع صوت الذبابة ولا يسمع صوت الرعد، وكمن يهتمّ بلوازم جندي عادي بكمال الاهتمام ولا يهتم بالجيش مطلقًا! وهذا محال وباطل مائة بالمائة.
نعم؛ إن الإنسان بنص الآية الصريح القاطع: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾(الزخرف:71) سيرى ويذوق اللذائذ الجسمانية التي أَنِسَها أكثر من أي شيء آخر وذاق نماذجها في الدنيا بشكل يليق بالجنة، وسيُعطى أجر العبادات الخاصة والشكر الخالص الذي قامت به الأعضاء كاللسان والعين والأذن بلذائذ جسمانية خاصة بتلك الأعضاء، فالقرآن المعجز البيان يبيِّن بصورة صريحة تلك اللذائذَ الجسمانيةَ حيث لا يمكن تأويل المعنى الظاهري بتأويلات تحول دون قبوله.
فثمار الإيمان بالآخرة ونتائجه تدل على ما يلي:
كما أن حقيقةَ المعدة التي هي عضو من أعضاء الإنسان واحتياجاتها تدلُّ دلالة قاطعة على وجود الأطعمة؛ فكذلك حقيقةُ الإنسان وكمالاته واحتياجاته
[1] يقصد التحقق المادي للنعيم في الجنة.
[2] ممتنة: سعيدة مسرورة.
[3] مفعول (يقبل).
287. صفحة
الفطرية ورغباته وآماله الأبدية وحقائق الإيمان بالآخرة التي تتطلب النتائجَ والفوائدَ المذكورة واستعداداتُه تدلّ دلالة أكثر قطعية على الآخرة والجنة واللذائذ الجسمانية الباقية وتشهد على وقوعها و تحققها. وكذلك أجزاء رسائل النور -ولا سيما "الكلمة العاشرة" منها ومقامان اثنان من"الكلمة الثامنة والعشرين" و"الكلمة التاسعة والعشرين" و"الشعاع التاسع" و"رسالة المناجاة"- أثبتت بالحجج وبصورة باهرة لا تدع مجالاً للشبهة أن حقيقة كمالات هذا الكون وآياته التكوينية ذات المعاني، وجميع الحقائق الإنسانية التي لها علاقة بالحقائق المذكورة، تدلّ وتشهد على وجود الدار الآخرة وتحققها، ومجيء الحشر وانفتاح الجنة وجهنم، وسنوجز هذه القصة الطويلة محيلين إليها.
إن البيانات القرآنية حول جهنم واضحة وظاهرة لدرجة أنها لم تدع حاجة إلى إيضاحات أخرى، إلاّ أننا سنبيِّن خلاصة قصيرة للغاية لبضع نكات تُزيل بعض الشبهات الضعيفة، محيلين تفصيلات ذلك إلى رسائل النور.
النكتة الأولى: إن مفهوم جهنم لا يزيل بتخويفه لدى الإنسان لذائذ الثمار السابقة للإيمان؛ إذ إن الرحمة الربانية غير المحدودة تقول للشخص الخائف: "هلمَّ إلي، ادخل من باب التوبة"، حتى لا يُخيفك وجود جهنم، وإنما يجعلك تعرف لذائذ الجنة تمامًا، وينتقم لك وللمخلوقات غير المحدودة التي تُعُدِّي على حقوقها، فيشفي غليلكم ويُسعدكم.
وإن كنتَ غارقا في الضلال، ولا تستطيع الخلاص منه، فكذلك وجود جهنم خير من الإعدام الأبدي بألف درجة، وأيضًا هو نوع من الرحمة للكفار؛ لأن الإنسان -وحتى الحيوانات ذوات الصغار- يتلذذ بلتذذ وسعادة أقربائه وأولاده وأحبابه، ويسعد بها نوعًا ما.
فالآن يا أيها الملحد، إما أنك ستنتهي إلى العدم بالإعدام الأبدي من حيث ضلالك، وإما ستدخل النار، أما العدم الذي هو شر محض فيحرق روحك وقلبك
288. صفحة
وماهيتك الإنسانية أشد من نار جهنم بآلاف الدرجات؛ حيث إن جميع أحبائك وجميع أقربائك وأصلك ونسْلِك -الذين تُسَرُّ بسعادتهم وتسعد بهم نوعًا ما- سينعدمون معك.
لأنه لو لم تكن هناك جهنم لما كانت الجنة كذلك، فكل شيء ينتهي بسبب كفرك إلى العدم، وأما لو دخلتَ النار وبقيت في دائرة الوجود فأحباؤك وأقرباؤك إما سيكونون في الجنة مسرورين، وإما أنهم سيحظون بنوع من الرحمة في دوائر الوجود، إذن -فعلى كل حال- يجب أن تنحاز إلى وجود جهنم؛ إذ اتخاذ الموقف ضدّ جهنم انحيازٌ إلى العدم، ومن ثَمَّ انحياز إلى عدم سعادة الأحباء الذين لا حصر لهم.
نعم؛ وأما جهنم فبلدةٌ موجودة مذهلة ذات جلال تقوم بدور السجن بصورة حكيمة وعادلة للحاكم ذي الجلال لدائرة الوجود التي هي خير محض، ولها وظائف أخرى كثيرة بالإضافة إلى قيامها بدور السجن، ولها حكم كثيرة وخدمات متعلقة بعالم البقاء، وهي مسكنٌ ذو جلال لذوي الحياة الكثيرين كالزبانية.
النكتة الثانية: إن وجود جهنم وعذابها الشديد لا ينافيان الرحمة غير المحدودة والعدالة الحقيقية والحكمة المتزنة التي لا إسراف فيها، بل الرحمة والعدالة والحكمة هي التي تقتضي وجودها؛ فكما أن معاقبةَ ظالمٍ تعدّى على حقوق آلاف من الأبرياء، وقَتْلَ وحشٍ مزَّق مئات من الحيوانات المظلومة؛ إنما هو ألفُ رحمةٍ للمظلومين ضمن العدالة، وكما أن العفوَ عن ذلك الظالم وإطلاق سراح هذا الوحش إنما هو قسوة -بمائة درجة- لمئات من المساكين مقابل رحمة -في غير موضعها- لشخص واحد؛ فكذلك الكافر الذي دخل سجن جهنم مع من دخلوها يكون مستحقًّا لتهديد الآية ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾(النساء:48) من حيث تعدِّيه -بكفره المطلق- على حقوق الأسماء الإلهية بإنكاره إياها، ومن حيث تعديه على حقوق الموجودات التي تشهد لتلك الأسماء بتكذيبه شهاداتها، ومن حيث تعديه على حقوق المخلوقات بإنكاره وظائفَها السامية التي هي كالتسبيحات تجاه تلك الأسماء، ومن حيث تعديه على حقوق الكائنات -نوعًا ما- بتكذيبه
289. صفحة
غاية خلقهم وسبب وجودهم وبقائهم وهي استجابتهم بالعبودية لتجليات الربوبية الإلهية ومرآتيتهم([1]) لها وهذا جناية عظيمة وظلم شنيع غير قابل للعفو.
وعدم إدخاله جهنم بسبب رحمة في غير موضعها يكون قسوةً لا حدَّ لها على المشتكين غير المحدودين الذين تُعدّي على حقوقهم، فكما أن هؤلاء المشتكينَ يريدون وجود جهنم فعزة الجلال وعظمة الكمال كذلك تريدانه([2]) قطعًا.
نعم؛ كما أن شخصًا أرعن عاصيًا تعدى على حقوق أهل بلدة ما، لو أنه أساء إلى حاكم تلك البلدة العزيز الجليل قائلا: "لا تستطيع أن تُدخلني السجن، ولن تستطيع"، فلا شك أنه سيبني سجنًا لعديم الأدب هذا فيُدخله فيه حتى وإن لم يكن يوجد سجن في تلك البلدة، فكذلك الكافر يسيء -بكفره المطلق- إساءة شديدة إلى عزة الجلال الإلهي، ويسيء إلى عظمة قدرته بإنكاره، وينال من كمال ربوبيته بتعدّيه؛ فلا شك أن خلق جهنم لمثل هؤلاء الكفار وإدخالهم فيها هو من شأن تلك العزة وذلك الجلال؛ حتى ولو لم تكن هناك أسباب وحِكم موجبة لوجود جهنم لأجل وظائف كثيرة.
ثم إن ماهية الكفر كذلك تخبر عن جهنم، أجل؛ فكما أنه لو تجسمت ماهيةُ الإيمان فيمكنها أن تكون بلذائذها في شكل جنة خاصة، فتخبر إخبارًا ضمنيا عن الجنة من هذه الناحية، كذلك قد أُثبت في رسائل النور بالدلائل، وقد أُشير إليها في المسائل السابقة أن هناك آلامًا مظلمة ومذهلة وعذابًا معنويًّا للكفر، وبالأخص للكفر المطلق منه، وللنفاق والارتداد، حيث لو تجسمت لأصبحت جهنمَ خاصة بهذا الشخص المرتد، فتخبر ضمنيا عن جهنم الكبرى، وهذه النواة السامّة تشير إلى شجرة الزقوم من حيث تَسَنْبُلُ([3]) هذه الحقائق المصغرة الموجودة في مزرعة ومشتل هذه الدنيا في الآخرة، وتقول: "إنني خميرتها، وثمرة من ثماري نموذج خاصّ لشجرة الزقوم تلك لشقي يحملني في قلبه".
[1] أي كونهم مرايا يعكسونها.
[2] الهاء هنا عائدة إلى وجود جهنم.
[3] أي صيرورتها كالسنبلة في النمو والنماء.
290. صفحة
بما أن الكفر تعدٍّ على حقوق غير محدودة؛ فلا شك أنه جناية لا حد لها، إذن يجعل من يرتكبه مستحقًّا لعذاب لا حد له.
و بما أن العدالة البشرية تَقبل عقوبة سجن لمدة ما يقرب من ثمانية ملايين دقيقة في خمس عشرة سنة لمن ارتكب جريمة قتل في دقيقة واحدة، وتعتبره موافقًا للمصلحة والحقوق العامة؛ فلا شك أن دقيقة واحدة من الكفر المطلق تجعل صاحبها يتعذب ما يقرب من ثمانية مليارات دقيقة، من حيث كون الكفر ألف قتل، ويكون هذا التعذيب موافقًا لقانون تلك العدالة.
ومن قضى سنة واحدة من عمره في هذا الكفر فسيكون مستحقًّا لعذاب ما يقرب من ترليونين([1]) وثمانمائة وثمانين مليارًا من الدقائق، ويناله بسر الآية ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، وما إلى ذلك..
إن الإيضاحات المعجزة للقرآن الحكيم حول الجنة وجهنم، والحجج الواردة في "رسائل النور" -التي هي تفسير للقرآن- ونابعة منها حول وجود الجنة وجهنم؛ لم تدع حاجة لبيان آخر. إن الآيات الكثيرة مثل: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمٰوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾(آل عمران:191)
و﴿رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا _ إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ (الفرقان:65-66)، واستعاذة جميع الأنبياء -وفي مقدمتهم الرسول عليه الصلاة والسلام- وأهلِ الحقيقة دائمًا من جهنم التي حازت حتمية الوجود عندهم بناء على الوحي والشهود، قائلين في أدعيتهم كثيرًا: "أَجرنا من النار"، "نَجِّنا من النار"، "خلِّصنا من النار"، تبيِّن أن أعظم قضية للبشرية هي الخلاص من جهنم، والحقيقة المهمة جدًّا والعظيمة والمدهشة للغاية للكون هي جهنم، حيث إن بعضًا من أهل الشهود وأهل الكشف وأهل التحقيق يشاهدونها، وبعضهم الآخر يرون ترشحاتها وظلالها، فيصرخون من هولها قائلين: "خلصنا منها".
أجل؛ إن تقابل الخير والشر واللذة والألم والضياء والظلام والحرارة والبرودة والحسن والقبح والهداية والضلالة، وتداخل كل زوج منهما بعضهما في بعض
[1] الترليون: مليون مليون.
291. صفحة
في هذا الكون، لِحِكمة عظيمة جدًّا؛ إذ لو لم يكن الشر لما عُرف الخير، ولو لم يكن الألم لما أُدركت اللذة، ولا أهمية للضياء بدون الظلام، وبوجود البرودة تتحقق درجات الحرارة، وحقيقة واحدة للحسن تصبح ألف حقيقة بوجود القبح، وآلاف الأنواع من مراتبه تأتي إلى الوجود، وتبقى لذائذ كثيرة للجنة مخفية بدون جهنم، وقياسًا على هذا فإن كل شيء يُعرف بضده من جهة، وحقيقة واحدة تتسنبل وتكون حقائق كثيرة.
وبما أن هذه الموجودات المختلطة تسيل وتمضي من الدار الفانية إلى دار البقاء، وكما أن أشياء كالخير واللذة والضياء والحسن والجمال والإيمان تسيل إلى الجنة، وكذلك المواد المضرة كالشر والألم والظلمة والقبح والكفر تسيل إلى جهنم؛ فلا شك أن سيول هذا الكون الهائج المتماوج دائمًا تنصبُّ في هذين الحوضين فتتوقف هناك، ونوجز هنا محيلين إلى النكات ذات الرموز في آخر "الكلمة التاسعة والعشرين".
فيا زملائي في الدراسة في هذه المدرسة اليوسفية، إن وسيلةً سهلة وحلاًّ للنجاة من هذا السجن الأبدي المذهل هو -علاوة على أننا نستفيد من سجننا الدنيوي هذا إذ ننجو من الذنوب الكثيرة التي تَقْصُرُ أيدينا عنها قسرا- الاستغفار من الذنوب السابقة، وأداء الفرائض، ومن ثَمَّ تحويل كل ساعة من عمرنا في هذا السجن إلى عبادة يوم.
فهذه أفضل فرصة لنجاتنا من ذلك السجن الأبدي، ولدخولنا تلك الجنة النورانية، وإذا أضعنا هذه الفرصة فستبكي آخرتنا كما بكت دنيانا، وسنتلقى لطمة ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾(الحج: 11).
وقد حان وقت عيد الأضحى حين كتب هذا المقام وقد تخيلت وأحسست بل اقتنعت أنَّ جعْلَ الحق تعالى خمس البشرية -أي ثلاثمائة مليون إنسان- يكبرون جميعًا: "الله أكبر" "الله أكبر" "الله أكبر"، وتكبير الحجاج الذين يزيد عددهم عن عشرين ألف حاج في العيد في عرفات جميعًا "الله أكبر" وكأنهم يُسمعون تلك الكلمة القدسية "الله أكبر" الكبيرة كبر الكرة الأرضية الضخمة زميلاتِها السيارةَ
292. صفحة
في السماوات، هو مقابلة تجاه التجلي الكلي للربوبية الإلهية بعنوان العظمة ﴿رَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾(الجاثية: 36) بعبودية واسعة وكلية كصدى كلمة "الله أكبر" التي قالها الرسولُ عليه الصلاة والسلام مع آله وأصحابه قبل ألف وثلاثمائة سنة وأمر بقولها.
ثم قلت في نفسي: "فيا ترى هل هناك علاقة لهذه الكلمة القدسية بمسألتنا نحن؟" فخطر على بالي فورا أن سائر الكلمات الكثيرة من الشعائر -وفي مقدمتها تلك الكلمة المذكورة- مثل "سبحان الله" و"الحمد لله" و"لا إله إلا الله" التي تحمل عنوان الباقيات الصالحات تذكِّر بمسألتنا جزئيًّا أو كليًّا وتشير إلى تحققها، فمثلاً: إن وجهًا من معاني "الله أكبر" هو أن قدرة الحق تعالى وعلمه أكبر وأعظم من كل شيء، حيث لا يستطيع أن يخرج أي شيء عن دائرة علمه، ولا يستطيع أن يهرب من تصرف قدرته، ولا يمكنه أن يفلت، وأكبر من أكبر الأشياء التي نخافها، إذن فهو أكبر من الإتيان بالحشر، وإنقاذنا من العدم، وإعطائه لنا السعادة الأبدية، وأكبر من كل شيء عجيب خارج عن العقل؛ حيث إن حشر نوع البشر ونشرهم سهل على تلك القدرة كسهولة إيجاد نفس واحدة بنص الآية الصريح القاطع ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾(لقمان:38). وبناء على هذا المعنى يقول كل واحد كالمثل "الله أكبر" "الله أكبر" تجاه المصائب الكبيرة والمقاصد والغايات العظيمة، فيجعلها لنفسه سلوانًا وقوة، ونقطة استناد له.
أجل؛ فكما أن هذه الكلمة مع زميلتيها "سبحان الله" و"الحمد لله" نوى وخلاصات للصلاة التي هي فهرس جميع العبادات، وهي بتكرارها في الصلاة وفي تسبيحاتها لتقوية معنى الصلاة؛ فإنها تشير إلى ثلاث حقائق عظيمة، وتجيب إجابة قوية على أسئلة الإنسان الناشئة عن الحيرة واللذة والهيبة التي يشعر بها ويجدها تجاه الأشياء العجيبة الجميلة العظيمة الخارقة للعادة التي يراها في الكون والتي هي مدار الحيرة والشكر والعظمة والكبرياء كما ذكر في "الكلمة التاسعة".
293. صفحة
وكما وُضِّح في أواخر "الكلمة السادسة عشرة" أنه قد يدخل جندي مع مشير إلى حضرة السلطان في العيد، أما في سائر الأوقات فيعرفه عن طريق مقام ضابطه؛ فكذلك كل شخص في الحج يبدأ يتعرف على الحق تعالى بعنوانه "رَبِّ الْأَرْضِ ورَبِّ الْعَالَمِينَ" كالأولياء إلى حد ما، وكلما انكشفت مراتب الكبرياء لقلبه تجيب كلمة "الله أكبر" على جميع الأسئلة المكررة المحيرة الملحة التي تسيطر على روحه.
وكما وُضِّح في أواخر "اللمعة الثالثة عشرة": فإن كلمة "الله أكبر" كما أنها هي التي تقلع جذور أخطر الدسائس للشياطين وتجيب عليها إجابة قاطعة، وكما أنها هي التي تجيب إجابة مختصرة ولكنها قوية على سؤالنا حول الآخرة؛ فكذلك كلمة "الحمد لله" تذكِّر بالحشر وتتطلّبُه، وتقول لنا: "إن معناي لا يتم بدون الآخرة، ولا يخلو منها، لأن الحمد والشكر من الأزل إلى الأبد -أيًّا كان الشاكر والمشكور- له وخاص به، وحيث إنني أفيد هذا المعنى فإن رأس جميع النعم والذي يجعل النعم نعما حقيقية والذي ينقذ جميع ذوي الشعور مما لا حد له من مصائب العدم إنما هو السعادة الأبدية، وهذه السعادة تقابل معناي الكلي".
نعم، إن قول كل مؤمن كل يوم أكثر من مائة وخمسين مرة على الأقل عقب الصلوات المكتوبة "الحمد لله" "الحمد لله"حسبما يقرر الشرع، وتضمّن معناها حمدًا وشكرًا واسعين سعة الأزل والأبد، ليس إلاّ أجرة نقدية للجنة وللسعادة الأبدية وثمنهما المعجَّل، ولا تقتصر عبارة "الحمد لله" على نِعم الدنيا القصيرة الفانية المشوبة بالآلام، وليست خاصة بها، وإنما يتوجه المؤمن إلى تلك النعم لكونها سببًا للنعم الأبدية، فيشكر عليها.
وأما كلمة "سبحان الله" القدسية -التي تفيد بأن الحق تعالى مقدس ومنزه عن الشريك والقصور والنقص والظلم والعجز والقسوة وعن الاحتياج والخداع وعن جميع التقصيرات التي تخالف كماله وجماله وجلاله- فتذكّر بالسعادة الأبدية والدار الآخرة التي هي مدار لجلال الحق تعالى وجماله وكماله وعظمة سلطنته، والجنة الموجودة فيها، وتدل عليها، وتشير إليها.
294. صفحة
وإلاّ فلو لم تكن هناك السعادة الأبدية -كما أُثبت سابقًا- لشابت([1]) سلطنتَه وكمالَه وجلاله وجماله ورحمته شوائبُ القصور والنقص.
فكل واحدة من "باسم الله" و"لا إله إلا الله" وسائر الكلمات المباركة -مثل تلك الكلمات الثلاثة([2]) القدسية- كما أنها نواةٌ لأركان الإيمان وخلاصتها وخلاصة الحقائق القرآنية كخلاصة اللحم والسكر التي اكتشفت في زماننا هذا، وكما أن هذه الثلاثة نواة الصلاة ونواة القرآن، وتظهر في بداية بعض السور كماس لامع؛ فكذلك هي معادن حقيقية لرسائل النور -التي تبدأ معظم سنوحاتها بالتسبيحات- وأساساتُها ونوى حقائقها.
وكذلك هي أوراد الطريقة المحمدية على صاحبها الصلاة والسلام -من حيث الولاية الأحمدية والعبودية المحمدية على صاحبهما الصلاة والسلام- في حلقة الذكر في التسبيح بعد الصلاة؛ حيث يرددها أكثر من مائة مليون مؤمن جميعًا في كل أوقات الصلاة في تلك الحلقة الكبرى للذكر، وبأيديهم مسبحة قائلين: "سبحان الله" ثلاثا وثلاثين مرة، و"الحمد لله" ثلاثا وثلاثين مرة، و"الله أكبر" ثلاثا وثلاثين مرة.
فلا شك أنكم أدركتم مدى قيمة قراءة تلك الكلمات الثلاثة المباركة -التي هي خلاصات ونوى للقرآن والإيمان والصلاة كما بيّنّاها سابقًا- بعد الصلاة ثلاثا وثلاثين مرة في مثل تلك الحلقة الذكرية العظيمة، ومدى ثوابها العظيم.
وكما أن "المسألة الأولى" في مستهلِّ هذه الرسالة درس جميل حول الصلاة، فآخرها كذلك أصبح درسًا مهمًا حول تسبيحات الصلاة دون أن أفكِّر أو أخططَ لذلك، وكأنما دون اختيار وقصد.
فالحمد لله على إنعامه
﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الحْكِيمُ﴾
[1] شابت: خالطت.
[2] يقصد الكلمات الثلاثة السابقة: (الله أكبر) و(سبحان الله) و(الحمد لله).
295. صفحة
المسألة التاسعة
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ (البقرة: ٢٨٥) إلى آخر الآية.
إن سؤالا معنويًّا مذهلاً، وحالة قد نشأت عن ظهور نعمة إلهية عظيمة؛ قد تسببا في بيان نكتة جامعة وعالية وكبيرة وكلية طويلة من نكات هذه الآية، وذلك أنه خطر على الروح معنويًّا؛ لِمَ يكون كافرًا من ينكر حقيقة إيمانية جزئية؟ ولم لا يكون مسلمًا من لا يقبلها؟ إذ الحال أنه ينبغي أن يُزِيل الإيمان بالله وبالآخرة تلك الظلمات كالشمس!
ثم لِمَ يكون مرتدًّا من ينكر ركنًا من أركان الإيمان وحقيقةً من حقائقه؟ ولِمَ يقع في الكفر المطلق؟ ولِمَ يمرق من الإسلام من لا يقبلهما؟
إذ الحال أنه إن كان مؤمنًا بالأركان الإيمانية الأخرى؛ فينبغي أن يخلصه ذلك الإيمان من الكفر المطلق؟
الجواب: إن الإيمان حقيقة وحدانية تنشأ عن أركانه الست، ولا يقبل التفريق، وهو كُلِّي لا يتحمل التجزيء، وكلٌّ لا يمكن انقسامه؛ لأن كل ركن من أركان الإيمان يُثبِت الأركان الأخرى بحججه التي تُثبِته هو نفسه، وكل واحد منها يصبح حجة عظمى تُعَضِّدُ الآخر وتقويه.
إذن ففكر باطل لا يستطيع زعزعة جميع الأركان بجميع دلائلها، ولا يستطيع أن يبطل وينكر ركنًا واحدًا بل حقيقة واحدة من حقائقه من وجهة نظر الحقيقة، بل ربما يرتكب كفرًا عناديًا بإغماض عينيه تحت ستار "عدم القبول"، ويسقط شيئا فشيئا في الكفر المطلق، وتُمْحَى إنسانيته، فيهوي إلى جهنم ماديًّا ومعنويًّا.
فنحن في هذا المقام سنبين هذه النكتة العظمى في ست نقاط بفَذْلَكات([1]) مجملة وخلاصات مختصرة بعناية الله تعالى، كما بينا في هذا المقام بإشارات في
[1] فذلكات: خلاصات.
296. صفحة
غاية الاختصار وفي أثناء إثبات الحشر في "رسالة الثمرة" بخلاصات مختصرة جدا أن الأركان الأخرى تثبت الحشر أيضًا.
النقطة الأولى: إن الإيمان بالله يثبت بحججه الأركان الأخرى ويثبت الإيمان بالآخرة، إذ بُيِّن ذلك في "المسألة السابعة" من "رسالة الثمرة" بيانًا واضحًا.
أجل؛ إن سلطنةَ الربوبية الأزلية الباقية وحاكميةَ الألوهية الأبدية الدائمة التي تدير هذا الكون الذي لا تحده الحدود كالقصر أو المدينة أو البلد بكل ما فيه من مشتملات واحتياجات، وتدوّره في فلك الميزان والانتظام، وتجدده وتغيره بالحِكم، وتجهِّز الذراتِ والكواكب والذباب والنجوم وتديرها معًا كجيش منظَّم، وتحركها وتبعث فيها النشاط بالتدريب والتوظيف ضمن مناورات عالية دائمًا في دائرة أمرها وإرادتها، وتسيِّرها وتجوِّلها وتسوقها إلى الاستعراض والسياحة في عبودية..أقول هل من الممكن، وهل يقبل العقل، وهل من المحتمل ألَّا يكون وجود للدار الآخرة التي هي مقر باقٍ ومدار دائم ومظهر سرمدي لسلطنة أبدية سرمدية باقية دائمة؟! حاشاه آلاف المرات.
إذن إن سلطنة الحق تعالى وربوبيته وأكثرَ أسمائه وحججَ وجوب وجوده تشهد على الآخرة وتتطلبها، كما بُيِّن في "المسألة السابعة".
فأبصر وأيقن ما لهذا القطب الإيماني من نقطة استناد قوية، وآمِن به وكأنك تراه.
ثم إن الإيمان بالله تعالى فضلاً عن أنه لا يكون دون الآخرة؛ كذلك -وكما بُيِّن في "الكلمة العاشرة" بإشارات قصيرة- فهل من الممكن بأي وجه من الوجوه، بل هل يقبل العقل في حق الله تعالى المعبود الحق الذي جعل هذا الكون كتابًا صمدانيًّا مجسمًّا من أجل إظهار ألوهيته ومعبوديته، بحيث إن كل صفحة منه تفيد بقدر ما في كتاب من المعاني، وكل سطر منه يعبر بقدر ما في صفحة من المعاني، وجعله قرآنًا سبحانيًّا مجسمًّا، بحيث إن كل آية تكوينية وكل كلمة بل حتى كل نقطة وكل حرف منه كمعجزة، وجعله مسجدًا رحمانيًّا عظيمًا حُلّيَ داخله بآيات لا حد لها، ونقوش ذات معان لا نهاية
297. صفحة
لها بحيث تشتغل في كل زاوية من زواياه طائفة من الطوائف بنوع من أنواع العبادات الفطرية..أقول هل من الممكن بأي وجه من الوجوه بل هل يقبل العقل في حق الله تعالى المعبود الحق ألاّ يبعث أساتذة رسلاً يدرِّسون معاني ذلك الكتاب الكبير، ومفسرين رسلاً يفسرون آيات ذلك القرآن الصمداني؟! وألَّا يعيِّنَ أئمة للذين يعبدون بعبادات متنوعة لا حد لها في ذلك المسجد الأكبر؟! وألَّا يسلِّمَ لأولئك الأساتذة والمفسرين والأئمة فرمانات؟! حاشاه مائة ألف مرة حاشاه.
ثم إن الصانع الرحيم الكريم الذي خلق الكون مَضيفًا([1]) ومعرضًا ومتنَزَّهًا، وقد رُصَّت فيه نعمٌ لذيذة متنوعة لا حد لها، وفنون وتحف عتيقة بديعة لا حد لها، خلقه كي يظهر جمال رحمته وحسن شفقته وكمال ربوبيته لذوي الشعور ويسوقهم إلى الشكر والحمد، هل من الممكن بل هل يقبل العقل ألا يتكلم مع المخلوقات ذات الشعور في ذلك المضيف؟! وألا يخبرهم بواسطة الرسل بوظائف الشكر مقابل تلك النعم، ووظائف العبودية تجاه تجلي رحمته وتحبيبه إياهم؟! حاشاه آلاف المرات حاشاه.
ثم إن الصانع الذي يحب صنعته، ويريد أن يحببها للآخرين زين هذا الكون ببدائع صنعته بطرز ملائم لإظهار أنه يريد أن يقابَل بالتقدير والاستحسان بدلالة رعايته أذواقَ الأفواه المتنوعةَ بآلاف الأنواع، ويريد أن يعرّف ذاته ويحببها بوساطة كل صنعة من صنائعه، ويظهر جماله المعنوي نوعا ما؛ أفمن الممكن مع كل هذا ألَّا يتكلم مع بعض من عظماء البشر؛ هؤلاء البشر الذين هم قادة ذوي الحياة في الكون، وألَّا يبعثهم إليهم رسلاً، فتبقى بدائع صنعته بلا إعجاب وتقدير، وأسماؤه الحسنى العالية والسامية بلا استحسان، وتعريفه وتحبيبه بلا مقابل؟! حاشاه مائة ألف مرة حاشاه.
ثم إن المتكلم العليم الذي يستجيب بإنعاماته التي لا حد لها، وإحسانه الذي لا نهاية له لأدعية جميع ذوي الحياة التي يرفعونها من أجل قضاء حاجاتهم
[1] مضيف: مكان ضيافة واستضافة.
298. صفحة
الفطرية، وجميع تضرعاتهم ورغباتهم التي يؤدونها بلسان الحال، يستجيبها في وقت مناسب وبطرز ينم عن القصد والاختيار والإرادة، ويتكلم معهم صراحة فعلا وحالا، فهل من الممكن وهل يقبل العقل أن يتكلم مع أصغر ذوي الحياة فعلا وحالا، وأن يسمع شكواه بإحسانه الذي يلبي حاجته تلبية كاملة، وأن يرى حاجته ويعرفها، وألا يتقابل مع الرؤساء المعنويين للبشر الذي هم أخلص نتيجة لجميع الكون، وخلفاء الأرض، وقادة أغلب المخلوقات الأرضية؟! وألا يتكلم معهم قولا وكلامًا كما يتكلم مع كل ذوي الحياة فعلاً وحالاً؟! وألا يرسل إليهم الصحف والكتب؟! حاشاه بلا حد حاشاه.
إذن إن الإيمان بالله تعالى يثبت حقيقةَ "وبكُتُبِهِ ورُسُلِهِ" أي يثبت الإيمان بالأنبياء عليهم السلام وبالكتب المقدسة إثباتًا قاطعًا كقطعيته، وبحجج لا حد لها.
ثم هل من الممكن بأي وجه من الوجوه بل هل يقبل العقل ألَّا يكون محمد -عليه الصلاة والسلام- المخلوقَ المصطفى لله تعالى وأفضلَ أنبيائه، وأعظمَ رسول له؟! وهو الذي عرف على أكمل وجه ذلكم الصانع ذا الجلال -الذي يريد تعريف وتحبيب نفسه للآخرين بجميع مصنوعاته، ويطلب منهم الشكر فعلاً وحالاً- بالحقيقة القرآنية التي تملأ الكون وتهزه، وعرّفه وشكر له وجعل الآخرين يشكرونه، وأحبَّه وحبَّبه، وأنطق الأرض بـ"سبحان الله" و"الحمد لله" و"الله أكبر" لدرجة أن أسمعت السماوات، والذي جمع وراءه خُمس البشر كمًّا، ونصفَهم كيفًا وإنسانيةً خلال ألف وثلاثمائة سنة إلى حد يثير الجذبة لدى البرّ والبحر، وقابل جميع تجليات ربوبية ذلكم الخالق سبحانه وتعالى بعبادة شاملة كلية، ونادى بأعلى صوته الكون والعصور ودرَّس لها وعلمها وأرشدها بسور القرآن إلى جميع مقاصده الإلهية سبحانه وتعالى، والذي أظهر كرامة نوع الإنسان وقيمته ووظيفته، والذي صُدِّق بألف معجزة له؟ حاشاه وكلا بمائة ألف مرة.
إذن إن حقيقة "أشهد أن لا إله إلا الله" تثبت بكل حججها حقيقة "أشهد أن محمدًا رسول الله".
299. صفحة
ثم أمِنَ الممكن أن يجعل صانع هذا الكون مخلوقاته تتحدث بعضها مع بعض بمئات الآلاف من الألسنة، ويسمع أحاديثها ويعلمها، ولا يتكلم هو نفسه؟! حاشاه.
ثم هل يقبل العقل ألَّا يخبر مقاصده الإلهية في الكون بفرمان، وألا يرسل كتابا كالقرآن الذي يكشف عن معمى الكون ويجيب إجابة حقيقية على الأسئلة الثلاثة الخطيرة العامة التي هي: من أين تأتي المخلوقات؟ وإلى أين تذهب؟ ولماذا تأتي هنا قافلة وراء قافلة هكذا وتلبث([1]) قليلا ثم ترحل؟ حاشاه.
ثم أمن الممكن ألَّا يكون القرآن المعجز البيان الذي أضاء ثلاثة عشر قرنًا من الزمان، والذي يجري كل ساعة على مئات الملايين من الألسنة بكمال الاحترام، والذي سُجِّل في قلوب الملايين من الحُفَّاظ بقدسية، والذي أدار بقوانينه القسم الأعظم كيفيَّةً مِن البشر، وربَّى نفوسهم وأرواحهم وقلوبهم وعقولهم وزَكَّاها وصفّاها وعلّمها، والذي أثبِت في رسائل النور أربعون وجها من وجوه إعجازه، والذي بُيِّنت معجزاته في "المكتوب التاسع عشر" ذي الكرامة والخوارق الذي بيَّن نوعًا من أنواع إعجازه لأربعين طائفة، ولكل طبقة من طبقات البشر، وأُثبت أنه كلام الله الحق إثباتًا قاطعًا، وأن محمدًا عليه الصلاة والسلام بمعجزاته الألف هو معجزة من معجزاته.. أقول أفمن الممكن بأي وجه من الوجوه ألَّا يكون القرآن المعجز البيان كلام ذلكم المتكلم الأزلي والصانع السرمدي وفرمانه؟! حاشاه مائة ألف مرة حاشاه وكلا.
إذن إن الإيمان بالله يثبت بكل حججه أن القرآن كلام الله.
ثم أمن الممكن أن يترك السلطان ذو الجلال السماوات والنجوم فارغة خالية، وهو الذي يملأ وجه الأرض ويفرغه بذوي الحياة دائمًا وباستمرار، ويعمر أرضنا بذوي الشعور من أجل أن يعرِّف نفسه وأن يعبدوه ويسبّحوه؟! أمن الممكن ألَّا يخلق سكانًا مناسبين لها، وألا يسكنهم في تلك القصور السماوية؟! وأن يترك سلطنة ربوبيته في أعظم ملكه من دون خدام، ومن دون عظمة، ومن دون
[1] تلبث: تقيم.
300. صفحة
موظفين، ومن دون رسل ومشرفين، ومن دون مشاهدين، ومن دون عابدين، ومن دون رعية؟! حاشاه وحاشاه بعدد ملائكته.
وأمن الممكن بأي وجه من الوجوه ألَّا يكتب الحاكم الحكيم والعليم الرحيم الذي كتب الكون ككتاب، والذي يسجل جميعَ تاريخ حياة كل شجرة في جميع نَوَاتِها، ويكتب جميع وظائف حياة كل عشب وزهرة في جميع بذورها، ويسجِّل جميعَ أحداث حياة كل ذي شعور في قوة ذاكرتهم الصغيرة كالخردل تسجيلا رائعًا، ويحفظ كل عمل وكل حادثة تحدث في جميع ملكه ودوائر سلطنته ملتقطا صورها بآلات تصوير متعددة، وخلق الجنة وجهنم الهائلة والصراط والميزان الأكبر من أجل تجلي وتحقق العدالة والحكمة والرحمة التي هي من أهم أسس الربوبية..أقول أمن الممكن بأي وجه من الوجوه ألَّا يكتب ذلكم الحاكم الحكيم العليم الرحيم أعمال البشر المتعلقة بالكون؟! وألا يسجل أفعالهم من أجل العقاب والثواب؟! وألا يكتب سيئاتهم وحسناتهم في ألواح القدر؟! حاشاه بعدد الحروف المكتوبة في اللوح المحفوظ للقدر.
إذن إن حقيقة الإيمان بالله تعالى تثبت بحججها حقيقةَ الإيمان بالملائكة والإيمان بالقدر أيضًا إثباتًا قاطعًا، وتثبت كل أركان الإيمان بعضها بعضًا كما تدل الشمسُ على النهار، والنهارُ على الشمس.
النقطة الثانية: إن جميع دعاوى جميع الكتب والصحف السماوية وعلى رأسها القرآن الحكيم، ودعاوى جميع الأنبياء وعلى رأسهم محمد -عليه الصلاة والسلام- تدور على خمسة أوستة أسس، يدأبون([1]) دائماً على تدريس تلك الأسس وإثباتها، وإن كل الحجج والأدلة التي تشهد على نبوتهم وصدقهم تتوجه إلى تلك الأسس، فيمدون صدقهم وأحقيتهم قوةً.
أما تلك الأسس فهي الإيمان بالله والإيمان بالآخرة وسائر الأركان، إذن فلا يمكن أن تنفك أركان الإيمان الستة بعضها عن بعض، فكل واحد منها يثبت جميعها، ويستلزمها ويقتضيها، فهذه الأركان الستة كل وكلي ولا تقبل التجزئة، وانقسامها خارج عن الإمكان.
[1] يدأبون: يحرصون ويجتهدون.
301. صفحة
فكما أنه لو كانت هنالك شجرة، كشجرة طوبى، جذورُها في السماء؛ يعتمد كلُّ غصن من أغصانها وكل ثمرة من ثمارها وكل ورقة من أوراقها على حياة تلك الشجرة العظيمة الكلية التي لا تنتهي، فالذي لا يستطيع أن ينكر تلك الحياة القوية والظاهرة كالشمس لا يستطيع أن ينكر حياة ورقة واحدة متصلة بها، حتى ولو أنكر فإن تلك الشجرة ستكذّب ذلك المنكر وستسكته بعدد أغصانها وثمارها وأوراقها، وكذلك الإيمان بأركانه الستة فهو على هذا الوضع.
كنت قد نويت أن أُبَيِّن أركان الإيمان الستة في ست وثلاثين نكتة في مقدمة هذا المقام، كستة مقامات لكل مقام خمس نكات، وكنت قد أردت أن أجيب على السؤال الخطير الذي ورد في المقدمة بالتفصيل، ولكن بعض العوارض حَالَت دون ذلك.
وأنا إخال([1]) أنه لم يبق هناك حاجة بعدُ لمزيد من الإيضاح للأذكياء؛ لأن النقطة الأولى تُعدُّ مقياسًا كافيًا، وأُدرِكَ تمامًا أن المسلم لو أنكر حقيقة من الحقائق الإيمانية لوقع في الكفر المطلق؛ لأنه وردت إيضاحات كاملة لتلك الحقائق في الإسلام في حين أنها وردت مجملة في الأديان الأخرى، وارتبطت تلك الأركان بعضها ببعض بالسلاسل، والمسلم الذي لا يعترف بمحمد -عليه الصلاة والسلام- ولا يصدق به لم يعد يعرف الله أيضًا بصفاته، ولم يعد يعرف الآخرة.
إن إيمان المسلم يستند إلى ما لا حد له من حجج راسخة لا تتزعزع، حيث لا يكون له أي عذر في الإنكار حتى ينكر، وكأن العقل مضطرٌّ لقبوله.
النقطة الثالثة: قلت ذات مرة: "الحمد لله"، ثم بحثت عن نعمة تضاهي معناها الواسع سعة لا حد لها، وفجأة وردت إلى الخاطر تلك الجملة: "الحمد لله على الإيمان بالله، وعلى وحدانيته، وعلى وجوب وجوده، وعلى صفاته وأسمائه حمدًا بعدد تجليات أسمائه من الأزل إلى الأبد"، فنظرت ووجدتها مطابقةً تمامًا، كما يلي.
[1] إخال: أظن.
302. صفحة
المسألة العاشرة من رسالة الثمرة
زهرة أميرداغ([1])
جواب قوي على الاعتراضات الواردة حول تكرارات القرآن
إخواني الأعزاء الصديقين،
على الرغم من أن هذه المسألة قد أصبحت مشوشة وغامضة بسبب أوضاعي التعسة، فإنني علمت يقينًا أن تحت تلك العبارات المشوشة نوعًا من أنواع الإعجاز القيمة جدًّا، وللأسف لم أقدر على التعبير عنه، ومهما كانت عباراته خافتة فإنها عبادة تفكرية وصدف جوهر قدسي سام لامع من حيث إنها ملك للقرآن، فليُنظَر إلى الألماس الذي بيدها، لا إلى لباسها الخَلِق([2])، فإن كان مناسبًا فلتجعلوها "المسألةَ العاشرة"، وإلا فاعتبروها رسالة مقابل رسائل تهنئاتكم.
ولقد اضطُرِرت لكتابتها في غاية الإجمال والاختصار خلال يوم أو يومين في رمضان وأنا مريض وفي حالة متدهورة، وفي وقت لا أستطيع فيه التغذية الجيدة، مُدرِجًا الحقائق الكثيرة والحجج المتعددة في جملة واحدة، فأرجو قبول العذر وجبر الكسر و التغاضى عن التقصير([3]). وهي زهرة صغيرة منورة لـ"أميرداغ" ولهذا الشهر الشريف رمضان إنها "المسألة العاشرة" من "ثمرة" سجن دنيزلي؛ تزيل أوهام أهل الضلالة المتعفنةَ السامَّةَ ببيانها حكمة من حِكَم التكرارات القرآنية.
المسألة العاشرة
إخواني الأعزاء الصدِّيقين!
حينما كنت أقرأ القرآن المعجز البيان في رمضان الشريف كلما مرَّتْ عليَّ آية من الآيات الثلاث والثلاثين التي بُيِّنَت إشاراتُها إلى رسائل النور في الشعاع الأول، أدقق وأرى أن صفحة تلك الآية أو ورقتها وقصتها كذلك تنظر -من حيث
[1] محافظة تابعة لمدينة "آفيون" تقع غرب تركيا.
[2] الخلق: البالي الرث المهلهل.
[3] بإمكانكم إصلاحها، حوّلوا الجمل الطويلة إلى عدة جمل ليسهل فهمها. (المؤلف).
303. صفحة
أخذ العبر من القصص- إلى رسائل النور وإلى تلاميذها إلى حد ما، وخاصة أن آية النور من سورة النور تشير إلى رسائل النور بعشرة أصابع، وتشير آيات الظلمات التي بعدها إلى مُعَارِضِيهَا([1]) تمامًا، وتعطيهم نصيبًا أكثر؛ وكأن ذلك المقام يخرج من الجزئية ويكتسب الكلية، وقد شعرت أن فردًا كاملاً من أفراد تلك الكلية في هذا العصر هو رسائل النور وتلاميذها.
أجل؛ إن خطاب القرآن يظهر إعجازًا وشمولا عاليًا من حيث السعة والعلو والإحاطة التي اكتسبها من مقام الربوبية العامة الواسع للمتكلم الأزلي أولاً، ومن المقام الواسع لمن هو مخاطَب باسم البشر بل باسم الكون، ومن المقام الواسع جِدًّا لإرشادات جميع البشر وبني آدم في جميع العصور، ومن مقام التصريحات المحيطة العالية السامية جدا للقوانين الإلهية المتعلقة بتدبير الدنيا والآخرة، والأرض والسماوات، والأزل والأبد، وربوبية خالق الكون، وجميع المخلوقات، بحيث إن مرتبة ظاهرية وبسيطة حتى من مراتب ذلك الخطاب الذي يلاطف الأفهام البسيطة لطبقة العوام التي هي أكثر الطوائف كثرة بين مخاطَبي درس القرآن، تُعْطِي حظَّ أرقى الطبقات كذلك كاملا، ولا يُلَقِّنُ مجردَ حظٍّ من قصة، وعبرة من حكاية تاريخية، بل كأنه ينزل طريًّا نديًّا مخاطِبًا كل طبقة في كل عصر كأفراد دستورٍ كلي، ولا سيما تهديداته قائلا "الظالمين" "الظالمين" بتكرارات كثيرة، وتصريحه بشدة المصائب السماوية والأرضية التي هي عقاب لظلمهم، ويلفت الأنظار إلى مظالمَ لا نظير لها في هذا العصر بذكره أنواعَ العذابِ النازل بقوم عاد وثمود وفرعون، ويبعث السلوان لأهل الإيمان المظلومين بذكره نجاةَ الأنبياء كإبراهيم وموسى عليهما السلام.
أجل؛ إن القرآن المعجز البيان الذي يعرض كعرض شاشات السنيما الزمنَ الماضي بأكمله، والقرونَ والعصور الميتة التي هي في نظر الغفلة والضلال كعالم عدم موحش مفزع ومقبرة أليمة بائدة، يعرضها لكل عصر وكل طبقة كصفحة حية للعبرة، وعالم عجيب ذي روح وحياة من أقصاه إلى أقصاه، ومملكة ربانية
[1] أي معارض رسائل النور.
304. صفحة
موجودة وكائنة وذات علاقة معنا، وبذا يُلَقِّنُنَا درسه بإعجاز عالٍ آخذًا إيانا إلى تلك الأزمنة تارة وآتيًا بتلك الأزمنة عندنا تارة أخرى، وهذا القرآن العظيم الشأن الذي يعرض بالإعجازِ نفسِه هذا الكونَ الذي هو في نظر الضلالة جامد وتعس وميت ومكان موحش بلا حدود، ويتدحرج في الفراق والزوال، يعرضه القرآن العظيم الشأن كتابًا صمدانيًّا ومدينة رحمانيةً ومعرضًا للمصنوعات الربانية، ويبعث الحياة في تلك الجمادات ويجعلها كموظفات يحادث بعضها بعضًا، ويسعى لإغاثته، وبذا يُعلِّمُ البشر والجن والمَلَكَ دروسَ الحكمة الحقيقيةَ المنورة الممتعة؛ لا شك أنه -أي هذا القرآن العظيم الشأن- ذو خواص قدسية؛ كأن يكون لكل حرف من حروفه عشر حسنات وأحيانًا ألف بل آلاف من الحسنات، وكعدم استطاعة الجن والإنس جميعهم الإتيان بمثله ولو اجتمعوا لذلك، ومخاطبته جميع بني آدم والكون مخاطبة ملائمة في مقامها، ونقشه بحلاوة في قلوب ملايين الحفاظ في كل وقت وحين، وعدم إيراثه الملل والسأم مع كثرة تكراراته وكثرة قراءته، ورسوخه في الأذهان الغضة البسيطة للأولاد مع أن فيه مواضع وجملا كثيرة قابلة للالتباس، وملاطفته آذان المرضى ومَن يتألمون حتى من كلام قليل والمحتضرين وكأنه ماء زمزم، له هذه الخواص القدسية ويُكسِب سعادة الدارين لتلامذته، ويظهر -بسر رعاية مرتبة أمية ناقله رعاية تامةً- سلاستَه الفطرية، وأنه جاء من السماء مباشرة من دون أن يفتح مجالا لأي تكلف أو تصنع أو رياء، ويُظْهِرُ إعجازًا لطيفا للغاية في اللطف والإرشاد فاتحًا -في الغالب- أظهر صفحاته وأكثرها بداهة كالسماء والأرض -بسر حكمة الملاطفة بالتنزلات الكلامية الأفهامَ البسيطة لطبقة العوام التي هي الأغلبية- ومعلمًا معجزات قدرته البديعة وسطور حكمته ذات المعاني التي تحت تلك الأمور العادية.
ويُظهِر -أيضا- نوعًا من أنواع الإعجاز في تفهيمه المعاني الكثيرة المتعددة في جملة واحدة وفي قصة واحدة طبقات المخاطبين المتباينة بتكراراته الجميلة الحلوة بسرّ الإخبار بأنه كتاب دعاء ودعوةٍ وذكر وتوحيد؛ بما يجعل التكرار أمراً مقتضىً، وفي أخذه في الاعتبار حتى أبسط حوادث الصحابة في تأسيس الإسلام
305. صفحة
وتدوين الشريعة بسرّ الإخبار بأن كل شيء -حتى أبسط الأشياء وأقلها أهمية في حادثة جزئية وعادية- هي تحت نظر رحمته، وفي دائرة تدبيره وإرادته، يُظهر هذا الإعجاز من حيث وجود دساتير كلية فيه، وإثمار تلك الحوادث الجزئية ثمرات مهمة جدًّا -وكأنها نوى- في تأسيس الإسلام والشريعة العامة الشاملة.
أجل؛ إن تكرر الاحتياج يستلزم التكرار؛ لذا فإن تكرار بعض الجمل التي هي بقوة آلاف النتائج، وبعض الآيات التي هي نتيجةُ أدلةٍ لا حد لها في تأسيس انقلاب عظيم وواسع وخطير لا حدود ولا نهاية له، والتي تعلم طبقاتٍ كثيرةً متباينة دروسًا جوابًا على الأسئلة المكررة الكثيرة جدًّا خلال عشرين سنة، والتي تثبت أن هناك من يحطم الكون الضخم وَيُبَدِّلُ شكله يوم القيامة، ويزيل الدنيا ويضع مكانها الآخرة العظيمة، وأن جميع الجزئيات والكليات بدءًا من الذرَّات وانتهاءً إلى النجوم بيد من هو واحد أحد وتحت تصرفه، والتي تبرز الغضبَ الإلهي والحِدَّةَ الربانيةَ لحساب نتيجة خلق الكون تجاه ظلم البشر الذي يغيظ الكون والسماوات والأرض والعناصر ويثير غضبها..أجل إن تكرار هذه الجمل والآيات ليس قصورًا، بل هو إعجاز في منتهى القوة، وبلاغة في غاية السموّ، وجزالة وفصاحة مطابقة جدًّا لمقتضى الحال.
فمثلا: إن جملة ﴿بسمِ الله الرَّحمن الرَّحيمِ﴾ المكررة مائة وأربع عشرة مرة مع أنها آية واحدة، فهي حقيقة تربط الفرْش بالعرش، وتضيء الكون، ويحتاج إليها كل الناس في كل دقيقة، كما بُيِّنَ في "اللمعة الرابعة عشرة" من "رسائل النور"، بحيث إنها لو كُرِّرت ملايين المرات لما انتهت الحاجةُ إليها، وليست الحاجة إليها كل يوم مثل الخبز فحسب، بل إن الحاجة إليها هي حاجة شوق في كل دقيقة كالهواء والضياء.
مثلا: إن تكرار آية ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ والتي تكررت ثماني مرات في سورة "طسم"([1]) المتضمنة نجاة الأنبياء وعذاب أقوامهم التي ترِد قصتهم فيها لحساب نتيجة خلق الكون وباسم الربوبية العامة، ولو كُرِّرت هذه الآية -التي هي
[1] يقصد سورة الشعراء.
306. صفحة
بقوة آلاف الحقائق- آلاف المرات من أجل تعليم أن العزة الربانية تقتضي عذاب تلك الأقوام الظالمة، وأن الرحمة الإلهية تقتضي نجاة الأنبياء، فلن تنتهي تلك الحاجة وذلك الاشتياق إلى تكرارها، بل تكرارها بلاغة عالية ذات إيجاز وإعجاز.
ومثلا: إن آية ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ في سورة الرحمن، وآية ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ في سورة المُرسَلات، اللتين تعلنان للدهور والأرض والسماوات مهددتين أن كفر نوع البشر والجنّ، وكفرانهم النعم وظلمهم وتعديهم على جميع حقوق المخلوقات بما يغيظ الكون، ويثير غضب السماوات والأرض، ويُخِلُّ بنتائج خلق العالم، ويقابل عظمة السلطنة الإلهية بالإنكار والاستخفاف، إن هاتين الآيتين لو تكررتا آلاف المرات في درس عام في قوة آلاف المسائل، وذي علاقة بآلاف الحقائق كهذه؛ لما انتهت الحاجة إلى تكرارهما، وهو إيجاز ذو جلال، وإعجاز بلاغة ذو جمال.
ومثلا: إن تكرار جملة "سبحانك لا إله إلا أنت الأمان الأمان خلِّصنا وأجِرنا ونجِّنا من النار" مائة مرة في مناجاة نبوية باسم "الجَوْشَنِ الكَبِيرِ" الذي هو نوع من أنواع مُناجاة القرآن الحقيقية التامة، ونبَع منه، والذي هو نوع من المستخلصات القرآنية، لما فيها من أعظم حقيقة في الكون كالتوحيد، وأهم وظيفة من وظائف المخلوقات الثلاث العظيمة تجاه الربوبية كالتسبيح والتحميد والتقديس، ووجود أخطر قضية للبشر وهي النجاة من الشقاء الأبدي، ووجود ألزم نتيجة للعبودية والعجز البشري، أقول إن هذه الجملة حتى لو تكررت آلاف المرات فكأنها لم تُكرَّر.
فتكرارات القرآن الكريم إذن تعود إلى مثل هذه الأسس، بل حتى إنه يعبر أحيانًا عن حقيقة التوحيد صراحةً وضمنًا عشرين مرة في صفحة واحدة لما يقتضيه المقام ولاحتياج الأفهام ولبلاغة البيان، ولا يُورِثُ ذلك السأمَ بل يعطي قوةً، ويبعثُ شوقًا.
ولقد بين في "رسائل النور" بالحجج كيف أن تكرارات القرآن في محلها ومناسبة، ومقبولة من حيث البلاغة.
307. صفحة
أما سر وحكمة الاختلاف بين السور المكية والسور المدنية في القرآن المعجز البيان من حيث البلاغة ومن ناحية الإعجاز ومن جهة التفصيل والإجمال فهو:
إن الصف الأول من مخاطبي القرآن الكريم ومعارضيه في مكة كان مشركي قريش وأمييها، فاقتضى الأمر من حيث البلاغة أسلوبًا عاليًا قويًّا، وإجمالاً وجيزا مقنعًا يورث الاطمئنان، وتكرارًا من أجل التثبيت، ولذلك تُكرِّرُ أكثرُ السور المكية الأركانَ الإيمانية ومراتب التوحيد، وتُعَبِّرُ عنها مرارًا بإيجاز قوي جدًّا وعال ومعجز، وتُثبِت المبدأَ والمعادَ واللهَ والآخرة ليس في صفحة وآية وجملة وكلمة واحدة فحسب، بل أحيانًا في حرف واحد، وفي أوضاع كالتقديم والتأخير والتعريف والتنكير والحذف والذكر إثباتًا قويًّا حَيَّر أئمة البلاغة ودهاتها وعباقرتها.
ولقد أظهرت "رسائل النور" بالفعل وخاصة "الكلمة الخامسة والعشرين" مع ذيولها، التي أثبتت بإجمال أربعين وجهًا لإعجاز القرآن، وتفسير "إشارات الإعجاز" الذي أثبت وجوه الإعجاز في نظم القرآن إثباتًا رائعًا وهو رسالةٌ أُلِّفت بالعربية؛ أن في السور والآيات المكية أعلى أسلوب من أساليب البلاغة، وأسمى إعجاز إيجازي.
أما في السور والآيات المدنية فالصف الأول من مخاطبي القرآن ومعارضيه كان أهل الكتاب من اليهود والنصارى الذين يصدقون بالله، فاقتضى الأمر ليس بيانَ أصول الدين العالية وأركان الإيمان لأهل الكتاب؛ وإنما بيان فروع الشريعة والأحكام التي هي سبب الاختلاف، وبيان الجزئيات التي هي منشأ وعلل القوانين الكلية بأسلوب سلس واضح مفصل بمقتضى البلاغة والإرشاد ومطابقة المقام والحال؛ فلذلك يذكر القرآن فجأة في السور والآيات المدنية في ضمن تلك الحادثة الفرعية الجزئية بأسلوب بيان لا مثيل له خاص بالقرآن ضمن تفصيل وإيضاح وبيان بسيط في الغالب؛ فذلكةً وخاتمةً وحجةً قوية عالية، وجملةً توحيدية وإيمانية وأخروية تجعل تلك الحادثة الشرعية الجزئية كليةً، وتضمن الامتثال لها بالإيمان بالله، فينور ذلك المقام ويجعله عاليا ساميا.
308. صفحة
إن رسائل النور بيَّنت مدى ما في الفذلكات والخواتيم التي تعبر عن التوحيد والآخرة والتي ترد في أواخر الآيات بكثرة مثل ﴿إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ و﴿إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ و﴿وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ و﴿وَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ من بلاغة وجزالة ومزايا ونكات عالية، وأثبتت حتى للمعاندين أن في تلك الخلاصات معجزةً كبرى، مبينةً عشرةً من نكات ومزايا تلك الفذلكات والخواتيم في "النور الثاني" من "الشعلة الثانية" من "الكلمة الخامسة والعشرين".
أجل؛ إن القرآن يرفع فجأة نظر مخاطبه إلى نقاط عالية كلية ضمن بيان تلك التفرعات الشرعية والقوانين الاجتماعية، ويحول الأسلوب المجرد إلى أسلوب عال، ويحول نظر المخاطب من درس الشريعة إلى درس التوحيد، فيبين أنه كتاب شريعة وأحكام وحكمة، وكتاب عقيدة وإيمان وذكر وفكر ودعاء ودعوة، ويدرِّس في كل مقام كثيرًا من المقاصد الإرشادية القرآنية، وبذلك يظهر جزالة باهرة معجزة مختلفة عن أسلوب بلاغة الآيات المكية.
فمثلا: في كلمتين مثل ﴿ربّ العالمين﴾ و﴿رَبُّكَ﴾: فإنه بتعبير ﴿رَبُّكَ﴾ يبين الأحدية، وبـ ﴿رَبّ العالمين﴾ يبين الواحدية، وضمن الأحدية كذلك يعبر عن الواحدية.
بل حتى إنه يدرج في جملة واحدة الشمسَ في بؤبؤ السماء بالآية والمطرقة نفسها كما يرى الذرة الواحدة في بؤبؤ العين ويدرجها ويركبها فيها، ويصنع للسماء عينًا. ويقول مثلا ﴿وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ عقب آية ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ بعد آية ﴿خَلَقَ السَّمٰوَاتِ وَالأَرْضَ﴾. فتلك المحاورة البسيطة الجزئية التي تأخذ في الاعتبار مرتبة الأمية المجردة وفهم العوام تنقلب إلى جاذبية عالية، وإرشاد ومحادثة عامة من حيث الأسلوب والبيان وكأنها تقول: "إنه يعلم حتى خواطر القلب في عظمة خلق السماوات والأرض ويديرها ويقلبها".
سؤال: يُتَوَهَّم قصورٌ في القرآن بسبب عدم ظهور حقيقةٍ مهمة أحيانًا للأنظار السطحية وبسبب جهل المناسبة في بيان فذلكة توحيدية عالية أو دستور كلي من
309. صفحة
حادثة جزئية عادية في بعض المقامات، فمثلا لا تبدو في نظر البلاغة مناسبة لذكر دستور غاية في العلو في ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾(يوسف:٧٦) في أخذ سيدنا يوسف أخاه بحيلة، فما سر هذا وحكمته؟
الجواب: إن ماهية القرآن في أغلب السور الطويلة والمتوسطة التي كل منها قرآن صغير، وفي كثير من الصفحات والمقامات لا تتضمن مقصدين أو ثلاثة فقط، بل تتضمن كتبًا كثيرة ككتاب الذكر والإيمان والفكر، وكتاب الشريعة والحكمة والإرشاد، ودروسًا مختلفةً، فالقرآن الكريم الذي هو نوع من قراءة كتاب الكون الكبير من حيث إحاطة الربوبية الإلهية بكلِّ شيء، ومن حيث التعبير عن عظمة تجلياتها، ولأنه يدرّس معرفة الله ومراتب التوحيد وحقائق الإيمان مراعيا في كل مقام بل حتى أحيانا في صفحة واحدة مقاصد كثيرة؛ لا شك أنه يتناول في مقام واحد درسًا جديدًا آخر -مثلاً- بمناسبة ضعيفة ظاهرًا، فتلتحق بهذه المناسبة الضعيفة مناسبات أخرى قوية جدًّا، وتكون مناسبة لذلك المقام، وترتفع درجة بلاغته.
سؤال آخر: ما حكمة إثباتِ الآخرة والتوحيد، وإثبات مكافأة البشر ومجازاتهم صراحةً وضمنًا وإشارةً آلاف المرات في القرآن، ولفتِ الأنظار إليها، وتدريسها في كل سورة وفي كل صحيفة وفي كل مقام؟
الجواب: من حيث تدريس أعظم المسائل وإزالة الشبه غير المحدودة وتحطيم الإنكار والعناد الشديدين للغاية في دائرة الإمكان، وفي الانقلابات المتعلقة بما جرى في الكون، وفي أعظم المسائل وأهمها وأرهبها المتعلقة بوظيفة الإنسان الحامل على كتفه الأمانةَ الكبرى وخلافةَ الأرض، تلك الوظيفة التي هي مدار للشقاوة والسعادة الأبدية؛ لا شكَّ أنه ليس بإسراف أن يلفت القرآنُ الأنظار إليها -تلك الموضوعات- آلاف بل ملايين المرات، ليجعل البشر يصدقون بتلك الانقلابات المذهلة، ويسلمون بالمسائل العظيمة وبألزمها وأكثرها ضرورة للبشر في عظمة تلك الانقلابات؛ إذ تُتلى تلك الموضوعات في القرآن مرارًا وتكرارًا ملايين المرات، فلا تُملّ ولا تُسأم ولا تنعدم الحاجة إليها.
310. صفحة
ومثلا: حقيقة بشارة السعادة الأبدية التي تظهرها آية ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾(البروج:11) و﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾(النساء:57)؛ لو كررت هذه الآية القائلة: "إن حقيقةَ الموت التي تُري نفسها كل حين للبشر المساكين، تنقذ الإنسان وتنقذ دنياه وتنقذ جميع أحبائه من الإعدام الأبدي وتكسبه سلطنة أبدية" مليارات المرات وأعطيت لها أهمية كبرى كِبَرَ الكون لما كان ذلك إسرافًا، ولما كان انتقاصًا لقيمتها.
فالقرآن المعجز البيان الذي يدرّس المسائل القيمة إلى أقصى حد كالتي ذكرت، والذي يسعى للإقناع والإثبات والدفع إلى الإيمان في تأسيس الانقلابات المدهشة التي تُغير الكون وتبدّل وجهه كالمنزل؛ لا شك أن لفته الأنظار آلاف المرات إلى تلك المسائل صراحةً وضمنًا وإشارةً ليس بإسراف، بل هوتجديد لإحسانه الذي هو في حكم الحاجات الضرورية كالخبز والدواء والهواء والضياء.
ومثلاً: إن حكمة ذكر القرآن الكريم آيات الوعيد بشدة وحِدَّةٍ وقوة وتكرار بالغ مثل: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ﴾ ﴿إنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ هي أن كفر البشر وإنكارهم تعدٍّ على حقوق الكون وأكثر المخلوقات -كما أثبت في رسائل النور إثباتًا قاطعا- حيث إنه يثير غضب السماوات والأرض، ويغيظ العناصر فتصفع الظالمين بصفعات، وإن جهنم تَغيظ المنكرين الظالمين إلى حد تكاد تنفجر معه وتتقطع من شدة الغضب بصراحة الآية: ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ _ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾(الملك:7-8).
فتجاه مثل هذه الجناية العامة والتجاوزات غير المحدودة لو كرّر سلطان الكون في فرمانه تلك الجناية وعقوبتها بحدَّة وشدة بالغة، ليس من حيث صغر البشر ولا من حيث عدم أهميتهم بل من حيث ضخامة جنايتهم الظالمة وهول تجاوزاتهم الكفرية، وبحكمة إظهار أهمية حقوق رعيته، وإظهار القبح غير المحدود الكامن في كفر المنكرين وظلمهم، لو كررها ليس ألف مرة فحسب بل ملايين ومليارات المرات، فلن يكون إسرافًا ولا تقصيرًا؛ إذ إن مئات الملايين من الناس يتلونه كل يوم منذ ألف سنة بكمال الاشتياق والاحتياج ودون ملل أو سأم.
311. صفحة
نعم؛ إن كل يوم وكل حين يمضي عالَمٌ لكل واحد، وينفتح باب عالم جديد له، فكما يجعل "لا إله إلا الله" مصباحًا لكل ستار من الستائر المتغيرة بتكرار جملة "لا إله إلا الله" ألف مرة باحتياج واشتياق، لينوِّر كلَّ عالم من عوالمه المؤقتة؛ كذلك فالقرآن يكرر تكراراتٍ ذات مغزى، لحكمة أنْ يجعلَ الإنسان يقدّر -بقراءة القرآن- عقوبات تلك الجنايات والوعيد الشديد من الحاكم الأزلي؛ ذلك الوعيدَ الذي يكسرُ العنادَ القويَّ، ولكي يحاول التخلص من طغيان النفس، ولكيلا يعتِّمَ هذه الستائرَ الكثيرة المؤقتة وتلك الكائنات السيارة المتجددة، ولكي لا يُشوِّه صورها المنعكسة على مرآة حياة الإنسان، ولكيلا يجعل تلك الأوضاع العابرة المؤقتة التي يمكنها أن تكون في صالحه ضده، وحتى الشيطان يهرب من أن يتوهم أن الوعيد القرآني المتكرر بهذه القوة والشدة لا حقيقة له، ويُظهر -القرآنُ- أن عذابَ جهنمَ عينُ العدالة للمنكرين الذين لا يُصغون إليها.
ومثلاً: إن تكرار قصة موسى عليه السلام التي فيها حكم وفوائد كثيرة كعصا موسى عليه السلام، وتكرارَ قصص سائر الأنبياء كثيرًا، لِحِكمٍ مثل: إنه يقدم نبوة جميع الأنبياء عليهم السلام حجة لحقَّانية الرسالة الأحمدية على صاحبها الصلاة والسلام، حيث إن من لا يستطيع أن ينكرهم جميعًا، لا يستطيع كذلك أن ينكر رسالة هذا الشخص -عليه الصلاة والسلام- من حيث الحقيقة؛ ولأن كل واحد لا يقدر أن يتلو القرآن كله كل وقت ولا يوفَّق إليه؛ كَرَّرَ تلك القصص كتكرار الأركان الإيمانية المهمة ليجعل كل السور الطويلة والمتوسطة كقرآن صغير..أقول إن تكرار القرآن هذه القصص لأجل هذه الحِكَم ليس بإسراف بل هو بلاغة في إعجاز، وتذكير بأن الحادثة المحمدية -على صاحبها الصلاة والسلام- هي أعظم حادثة لجميع بني البشر، وأعظم مسألة للكون.
أجل؛ إنه قد أُثبتت في رسائل النور حجج وأمارات كثيرة جدا بصورة قطعية حول حقيقة منح الذات الأحمدية -على صاحبها الصلاة والسلام- أعلى موقع في القرآن، وحقيقة (محمد رسول الله) التي تساوي ركن (لا إله إلا الله) باحتوائها أربعة من أركان الإيمان، وأن الرسالة المحمدية -على صاحبها الصلاة والسلام- هي أعظم
312. صفحة
حقيقة للكون، وأن الذات الأحمدية -على صاحبها الصلاة والسلام- هي أشرف المخلوقات قاطبة، وأن شخصيته المعنوية الكلية التي يُعبَّر عنها بالحقيقة المحمدية ومقامَه القدسيَّ هما شمسان ساطعتان للعالمين، وأنه أهل لهذا المقام الرائع.
فواحدة من الألف هي:
إن علام الغيوب قد رأى وعلم أن الحقيقة المحمدية التي هي الشخصية المعنوية لهذه الذات -على صاحبها الصلاة والسلام- ستكون في المستقبل في حكم شجرة الطوبى للجنة من حيثُ انضمامُ جميع حسنات أمته في كل زمان إلى مثلها في دفتر حسناته -صلى الله عليه وسلم- حسب دستور (السبب كالفاعل)، وتنويرُه حقائق جميع الكون بالنور الذي جاء به، وجعلُه ليس الجن والإنس والملائكة وذوي الحياة فحسب وإنما الكون والسماوات والأرض كذلك يشكرونه، ودعاءُ ملايين بل مليارات من أدعية الرحمة الفطرية من قبل صلحاء أمته المقبولةِ أدعيتُهم -بشهادة قبول أدعية النباتات بلسان استعدادها، وأدعية الحيوانات بلسان الاحتياج الفطري فعلاً أمام أنظارنا- بالصلاة والسلام على هذه الذات -صلى الله على صاحبها وسلم- كل يوم، وإهداؤهم مكاسبهم المعنوية له أولاً، ودخول الأنوار غير المحدودة في دفتر حسناته من حيث قراءة القرآن وحده؛ حيث إن لكل حرف من الحروف البالغة ثلاثمائة ألف حرف للقرآن -الذي يُتلى من قبل الأمة- ثوابا يبدأ من عشر أضعاف وأحيانًا مائة وأحيانًا آلاف من الحسنات والثمار.
وحسب ذلك المقام أعطى له علام الغيوب تلك الأهمية العظيمة في قرآنه، وبيّن في فرمانه أن تبعيته ونيل شفاعته باتباع سنته السنية هما أهم قضية للبشرية، وأخذ بعين الاعتبار من حين لحين شخصيتَه البشرية التي هي نواة لشجرة الطوبى العظيمة وطبيعته الإنسانية في بداية نشأته، فلأن الحقائق المكرَّرة للقرآن تحمل هذه الأهمية والقيمة؛ فإن الفطرة السليمة تشهد أن في تكرارها معجزة معنوية قوية واسعة، اللهم إلا الذين ابتلوا بمرض القلب والوجدان من جراء طاعون المادية، وهم يدخلون ضمن قاعدة:
قَدْ يُنْكِرُ المَرْءُ ضَوْءَ الشَّمْسِ مِنْ رَمَدٍ وَيُنْكِرُ الفَمُ طَعْمَ المَاءِ مِنْ سَقَمِ
313. صفحة
هامشان كخاتمة لهذه المسألة العاشرة
الهامش الأول: كنت قد سمعت قبل اثنتي عشرة سنة أن أشد الزنادقة خطورة بدأ يُظهر سوء طويته([1]) تجاه القرآن بترجمته، فخطط خطة محكمة حيث قال: "فليُترجَم القرآن حتى تُعلم قيمته، أي ليرى الجميع تكراراته الزائدة، ولتُقرأ ترجمتُه بدلاً منه".
ولكن الحجج الدامغة التي لا تُفنَّد لـ"رسائل النور" أثبتت إثباتًا قاطعا أنه لا يمكن ترجمة القرآن ترجمة حقيقية، ولا يمكن لأية لغة من اللغات أن تحتفظ بمزايا القرآن ونكاته غير اللغة العربية التي هي لغة نحوية، ولا يمكن أن تعبِّر ترجماتُ البشر العادية والجزئية عن التعبيرات المعجزة الجامعة لكلمات القرآن التي لكل حرف منها ثواب من العشرة إلى الألف، ولا يمكن أن تُقرأ بدلاً منه في المساجد، وهكذا فقد أبطلت رسائلُ النور تلك الخطة الرهيبة بانتشارها في كل مكان، ولكني إخال أنني قد أُلهمتُ هذه "المسألة العاشرة" وأنا في حالةِ ضيق وضجر وقلق بسبب سعي المنافقين الذين تلقوا درسًا من هذا الزنديق سَعْيَ الحمقى والمجانين لإطفاء شمس القرآن بالنفخ بأفواههم -كالأطفال الحمقى- لحساب الشيطان، ولا أعرف حقيقة الحال؛ إذ لا أستطيع مقابلة أحدٍ.
الهامش الثاني: كنت قد جلست في الطابق العلوي من فندق "شَهْرْ" الشهير بعد خروجنا من سجن "دنيزلي"، فرأيت أمامي في الحدائق الجميلة أشجار الحور الكثيرة كأنها في حلقة ذكر بصورة لطيفة وحلوة للغاية، فأثارت -بسبب فراق إخواني وبقائي وحيدًا- أشجانَ قلبي الحزينَ المغمومَ رقصاتُ تلك الأشجار ورقصات أغصانها وأوراقها بحركات منجذبة في نشوة جذابة بلمسات الهواء، فإذا بموسم الخريف والشتاء قد خطرا ببالي، وأخذتني الغفلةُ، فأشفقتُ على تلك الأشجار اللطيفة وذوي الحياة أولئك الذين يتدللون بكامل النشوة حتى اغرورقت عيناي بالدموع، وازدحمت في رأسي أحزان الفراق والزوال الواسعة سعة الكون بتذكر وإحساس عدمها وفراقها -تلك الأشجار وذوي الحياة- تحت الستار المزيَّن
[1] طويته: نيته.
314. صفحة
للكون؛ فإذا بالنور الذي أتت به الحقيقة المحمدية -على صاحبها الصلاة والسلام- أغاثني فحوَّل تلك الهموم والأتراح([1]) غير المحدودة إلى سرور وأفراح.
وأصبحتُ في امتنان أبديٍّ تجاه الذات المحمدية على صاحبها الصلاة والسلام لإغاثة هذا النور لي وتسليته إياي؛ إذ صَادَفَ هذه الحال في ذلك الزمان فقط -وهو فيض واحد من بين ملايين الفيوضات المتجلية لي كما هو فيض واحد لكل واحد من أهل الإيمان- على النحو الآتي:
أظهر نظر الغفلة منذ الوهلة الأولى أن تلك اللطيفات المباركات تظهر في موسم وكأنها بلا وظيفة ولا نتيجة، وأن حركاتها ليست من النشوة، بل كأنها تسقط في العدم مرتعشات من العدم والفراق، وهذا قد جرح مشاعري التي هي مدار لعشق البقاء وحب المحاسن والشفقة الجنسية([2]) والحياتية، لدرجة أنه كاد يحول الدنيا إلى جهنم معنوية، والعقلَ إلى آلة تعذيب، وفي هذه الأثناء أزاح النورُ الذي جاء به محمد -عليه الصلاة والسلام- هديةً للبشرية الستار، وأظهر أن هناك حِكمًا ومعانيَ لتلك الأشجار بعدد أوراق كل واحدة منها بدلاً من الإعدام والعدم والتعطيل والعبث والفراق، وله ثلاثة أقسام من النتائج والوظائف كما أُثبت في "رسائل النور":
القسم الأوّل: يتعلق بأسماء الصانع ذي الجلال، فمثلاً: كما أنه إذا صنع صانعٌ ماكينة رائعة فالكل يصفِّق له قائلاً "ما شاء الله" و"بارك الله"، وحتى تلك الماكينة كذلك تُهنئ صانعها وتصفِّق له بلسان حالها بإظهارها النتائج المقصودة منها تمامًا، فكل ذي حياة وكل شيء ماكينة كهذه تهنئ صاحبها وتصفِّق له.
القسم الثاني: من الحِكم ما هو متوجهٌ إلى أنظار ذوي الحياة وذوي الشعور، فتصبح أداة مطالعة وكتاب معرفة لهم، وتترك معانيها في دائرة الوجود في أذهان ذوي الشعور، وصورَهَا في ذاكرتهم، وفي الألواح المثالية، وفي دفاتر عالم الغيب، فتغادر عالم الشهادة، وتعود إلى عالم الغيب، بمعنى أنها تترك وجودًا صوريًّا، وتكتسب أنواعًا كثيرة من الوجود المعنوي الغيبي العلمي.
[1] الأتراح: الأحزان.
[2] الشفقة الجنسية: شفقته على بني جنسه.
315. صفحة
نعم؛ بما أن الله موجود، وعلمه محيط، فلا شك أنه لا مكان للعدم والإعدام والانعدام والمحو والفناء، في عالم أهل الإيمان من حيث الحقيقة، وأن عالم الكَفَرَةِ مكتظ([1]) بالعدم والفراق والانعدام والفناء، فها هو ذا مثل يدور على ألسنة الجميع يدرِّس تلك الحقيقة قائلاً:
"من كان له الله كان له كل شيء، ومن لم يكن له الله لم يكن له شيء"
الحاصل: كما أن الإيمان يُنقذ الإنسان من الإعدام الأبدي عند الموت، فكذلك يُنقذ العالمَ الخاصَّ لكل واحدٍ من الإعدام ودياجير([2]) العدم. وأما الكفر -وبالأخص الكفر المطلق منه- فيُعدم هذا الإنسان ويعدم عالَمَه الخاص بالموت، فيقذف به إلى ظلمات جهنمَ معنويةٍ، ويحوِّل لذائذ حياته إلى سُموم مرة.
فلترن آذان الذين يفضِّلون الحياة الدنيا على آخرتهم، وليأتوا ويجدوا حلاًّ لتلك الحالة، أو يدخلوا الإيمان وينجوا من هاتين الخسارتين الرهيبتين.
﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الحْكِيمُ﴾
رسالة كتبها "خسرو" لأستاذه
بمناسبة المسألة العاشرة
يا سيدي ويا أستاذي الحبيب،
إننا نحمد الله حمدًا لا حد له؛ إذ تلقينا "زهرة أميرداغ" المسماة بـ"المسألة العاشرة" لثمرة سجن "دنيزلي" التي خفَّفت أحزان الفراق الذي دام شهرين، وآلام انقطاع أخبارك عنَّا، والتي مَنَحَت قلوبَنَا حياةً جديدةً، وأَهْدَت لأرواحنا نسيمًا صافيًا جديدًا، والتي تَعُدُّ محاسن التكرارات في الآيات الجليلة والعزيزة، والآيات الرحيمة والشفوقة للقرآن، وتوضِّح حكمةَ لزوم تكراراتها وأهميتها، والتي هي دفاع رائع لـ"رسائل النور"، في الواقع كلما شممنا تلك الزهرة اللائقة بالتقدير والتحسين زاد الاشتياق الكامن في روحنا حقًا.
[1] مكتظ: مليء.
[2] دياجير: ظلمات.
316. صفحة
كما أن "المسائل التسعة" أظهرت جمالها بكونه وسيلة عظيمة لبراءتنا مقابل معاناة السجن لمدة تسعة أشهر، فزهرتها التي هي "المسألة العاشرة" كذلك أظهرت -بنفس المقياس- جمالها بإظهارها الخوارق التي في الإعجاز الموجز للقرآن.
نعم يا أستاذي الحبيب، كما أن اللطافة والجمال الفائق في زهرة الورد يصرفان الأنظار عن الأشواك التي في شجرتها؛ فتلك الزهرة النورانية كذلك أنستنا معاناة السجن التي دامت تسعة أشهر، وأزالتها تمامًا.
إن تلك الزهرة النورانية التي كُتبت بطريقة ترغِّب في إعادة قراءتها كلما قرئت، والتي تُحيِّر العقولَ، أظهرت سموّ القرآن إلى درجة تستوجب أن يضحَّى في سبيله بالعالم كله بإظهارها قيمة تلك التكرارات كاملةً -بما تحوي من الجمال الكثير- تجاه استهانة بعضهم بالقرآن محاولين أن يجعلوه عاديًا في نظر البشر خاصة عن طريق ترجمته.
لقد ساق تلميذكم الفقير هذا إلى الشكر غير المتناهي مع سرور عظيم الوعيدُ الشديد الرهيبُ المتكررُ تجاه الظالمين في كل عصر في القرآن المعجز البيان، الذي أُثبتت طراوتُه وكأنه ينزل في الحال بتمسك واعتصام سالكيه به في كل عصر بقوة عظيمة، وبانقيادهم لأوامره ونواهيه، وساقه إلى ذلك أيضا ملاطفتُه الشفوقة الرحيمة المتكررة تجاه المظلومين، وجعْلُه الظالمين -وبالأخص ضمن وعيده الذي يتوجه إلى عصرنا هذا- يولولون ويصرخون دائمًا منذ ست أو سبع سنوات بحالة لا مثيل لها، وكأنهم في جهنم سماوية تشبه نموذجا من الفزع الأكبر، وكونُ تلامیٖذ النور في مقدمة الأفراد الكلية في هذا العصر لهؤلاء المظلومين، وجعْلُه هؤلاء الطلاب -حقًّا- ينالون نجاة عظيمة عامة وخاصة كالنجاة التي مُنحت لأنبياء الأمم السالفة، وإظهارُه أن الملحدين -الذين هم معارضوه- يُصْفَعون بعذاب جهنمي، وإتمامُ "الزهرة" بوضع هامشين جميلين لطيفين.
حتى إنني قلت لإخواني مرات عديدة: "إنني لم أشعر طوال حياتي بهذا الفرح والسرور الذي منحتنيه تلك الزهرة الجميلة كما قلت لأستاذي الحبيب". لِيَرْضَ
317. صفحة
اللهُ عنك دائماً يا أستاذنا الحبيب، فلقد حملتَ على كاهلك الضعيف عبئاً ثقيلاً وعظيماً، وأسعدكم إلى الأبد بتخفيف أعبائكم، آمين آمين آمين!
نعم، يا أستاذي الحبيب، إننا راضون أبديًّا عن الله وقرآنه وحبيبه ذي الشأن -صلى الله عليه وسلم- ورسائل النور، وعنك أستاذنا الحبيب الداعي إلى القرآن، ولسنا نادمين على انتسابنا إليه بأية حال، ولا نحمل في قلوبنا سوء نية ولو مثقال ذرة، ولا نبتغي إلا الله ورضاه، وكلما مر الزمن نكثِّف في قلوبنا الاشتياقَ إلى الوصول إلى الحق تعالى ضمن مرضاته.
ونشكر شكرًا لا نهاية لمنتهاه الله الذي يعلن -بدون أن نشعر به- أن "العفو عمن أساء إلينا، وتفويض أمرهم إلى الله تعالى دون أن نستثني أحدًا منهم، بل الإحسان إلى كل الناس وحتى الظالمين الذين ظلمونا"([1])، شعار من شعائر الإسلام الذي استقر في قلب كل تلمیذ من تلامیٖذ النور.
تلميذكم المقصر جدا "خسرو"
[1] ما بين علامتي التنصيص كله يقع موقع اسم "أن".
318. صفحة
المسألة الحادية عشرة
لقد بُيِّنَتْ وأُثبِتتْ بحججٍ في "رسائل النور" مئاتٌ من نماذج الثمار الكلية والجزئية التي لا حَدَّ لها من شجرة الإيمان القدسية؛ كثمرة الجنة والسعادة الأبدية ورؤية الله، فنحيل إيضاحها إلى "سراج النور"([1]).
ونبين هنا -في مقدمة "المسألة الحادية عشرة" من "رسالة الثمرة"- ليس ثمرة من ثمار أركان الإيمان الكلية، بل بضعة ثمار جزئية منها وبضعة ثمار جزئية وخاصة لأجزائها.
إحداها: كنت أدعو ذات يوم دعاء مضمونه "يا رب احفظني من شرور الجن والإنس بحرمة وشفاعة جبرائيل ومكائيل وإسرافيل وعزرائيل عليهم السلام"، فعندما ذكرت اسم عزرائيل عليه السلام الذي يملأ الجميع رعبًا وارتجافًا شعرت بحالة حلوة طيبة تبعث السلوان، فقلت: الحمد لله، فبدأت حقًّا أحب عزرائيل عليه السلام.
ونشير إشارة قصيرة جدًّا إلى ثمرة جزئية من الثمار الكثيرة لهذا الفرد الجزئي من أركان الإيمان بالملائكة.
إحداها: إن أثمن وأغلى ما عند الإنسان، والذي يحرص ويحافظ عليه بشدة هو روحه، وإني أحسست يقينًا أن تسليمها ليد قوية أمينة من أجل المحافظة عليها من الضياع والفناء والعبثية يمنح سعادة غامرة، ثم خطر على بالي الملائكة الذين يكتبون أعمال الإنسان، ونظرت فوجدت أن لهم ثمراتٍ لذيذةً كهذه الثمرة.
إحداها: إن كل إنسان يحاول أن يحافظ على كلماته وأعماله القيمة بتلهف وشوق بالكتابة أو الشعر أو حتى بالسينما؛ من أجل أن يخلِّدها، وخاصة إن كانت لتلك الأفعال ثمراتٌ باقيةٌ في الجنة؛ فهو يتلهف عليها أكثر، وإن كتابة الكرام الكاتبين الواقفين على مَنْكِبَيْ([2]) الإنسان من أجل أن يظهروها له بشكل خالد، وأن يكسبوا صاحبها مكافأة دائمة؛ أسعدتني وتلذذت بها تلذذًا أعجزُ عن تعبيره.
[1] سراج النور: اسم من أسماء رسائل النور.
[2] مَنْكِبَيْ: كتفي.
319. صفحة
وبينما كانت وحشة الغربة تضايقني، وتنهار الدنيا التافهة عليَّ بتجريد أهل الدنيا إياي من كل شيء في الحياة الاجتماعية، وإبعادهم إياي عن جميع كتبي وأصدقائي وخدمي، وعن كل أمر يبعث العزاء والسلوان فيَّ، إذا بي تُغِيثُني ثمرة من الثمار الكثيرة للإيمان بالملائكة، فأبهجتْ عالمي ودنياي، وملأتها بالملائكة والروحانيات، وأضحكتْ عالمي بالسرور، وأظهرتْ أن دنيا أهل الضلالة تبكي بالوحشة والفراغ والظلمات.
وبينما كان خيالي يفرح ويُسرُّ بملذات هذه الثمرة؛ قَطَفَ ثمرة -مثل هذه الثمرة- من الثمار الكثيرة للإيمان بجميع الرسل -صلى الله عليهم وسلم- وذاقها، وإذا بإيماني بهم وتصديقي إياهم ينور تلك الأزمنة، وكأني أعيش مع جميع الأنبياء الذين عاشوا في الأزمنة الغابرة، وجعل إيماني إيمانًا كليًّا ووسَّعَه، ووضع آلاف التوقيعات على دعاوى نبي آخر الزمان سيدنا محمد -عليه الصلاة والسلام- المتعلقة بالإيمان، وأخرس الشياطين، فخطر على قلبي سؤال أجيب عنه إجابة قاطعة في رسالة "حكمة الاستعاذة"([1])، فلقد سئلت من جانب معنوي: لِمَ يتغلب أهل الضلالة على أهل الهداية كثيرًا، بل أحيانًا يُفجِع عشرون منهم مائةً من أهل الهداية، مع أن ثمرات وفوائد لذيذة لا حد لها مثل هذه، ونتائجَ ومنافع طيبة جدًّا للحسنات، وتوفيقَ أرحم الراحمين وعنايته في منتهى الشفقة تساندهم وتعطيهم القوة؟ وورد على خاطري -وأنا في هذا التفكر- تحشيداتُ القرآن العظيمة ضد دسائس الشيطان الضعيفة جدًّا، وإرسالُه كثيرًا من الأدلة والملائكة ونصر الله تعالى إلى أهل الإيمان.
ولقد بيَّنت "رسائلُ النور" حكمةَ ذلك بحجج قاطعة؛ لذا نشير إشارة قصيرة جدًّا إلى جواب ذلك السؤال.
أجل؛ لا يمكن أن يستمر وجود قصر يحاول رجل طائش متخفٍّ مجهول مضرٍّ إشعال النارَ فيه إلا بحفاظ مئات من الرجال عليه أحيانًا، أو باللجوء إلى الدولة والسلطان أحيانًا أخرى، وكأن مئات من الرجال -ليس رجلاً واحدًا-
[1] وهي "اللمعة الثالثة عشرة".
320. صفحة
يحاولون قذف النار فيه؛ لأن وجوده يتوقف على وجود جميع الشرائط والأركان والأسباب، ولكن عدمه ودماره يكون بانعدام شرط واحد فقط، ويحترق بمجرد أن يشعل طائش عود كبريت واحد، ويُمْحَى ويزول، كذلك فشياطين الإنس والجن بفعل بسيط يقومون بدمار وتخريب كبير، وحريق معنوي هائل.
أجل؛ إن خميرة وأساس كل الخطايا والسيئات والشرور هي العدم والتخريب والدمار، ويتستر تحت وجودها الظاهري العدم والإفساد، فالأشرار وشياطين الإنس والجنِّ يستندون إلى هذه النقطة، ويقاومون تجاه قوة لا حد لها بقوة ضعيفة جدًّا، فيضْطَرّون أهلَ الحق والحقيقة كل وقت إلى الالتجاء إلى ديوان الله تعالى، وإلى الفرار إليه منهم، ولذا يَحْشد القرآن التحشيدات العظيمة لحمايتهم، ويسلِّم لأياديهم الأسماء الإلهية الحسنى التسعة والتسعين، ويصدر إليهم أوامر مشدَّدة جدًّا من أجل أن يثبتوا ويصمدوا تجاه هؤلاء الأعداء.
فظهر من هذا الجواب طرف من حقيقة عظيمة جدًّا، وأساس لقضية عظيمة مذهلة، وهو: كما أن الجنة تحمل محاصيل جميع عوالم الوجود، وتجعل النواة التي نَمَّتْهَا الدنيا تتسنبل سنابل باقية أبدية؛ فكذلك جهنم تنضج محاصيل العدم كي تُرِي النتائج الأليمة جدًّا لعوالم العدم والفناء المرعبة في منتهى الرعب، ومصنع جهنم المرعب ينظف -ضمن وظائفها الأخرى- كائنات عالم الوجود من أوساخ عالم العدم، ولن نفتح باب هذه القضية الرهيبة الآن، وسيوضَّح فيما بعد إن شاء الله.
ثم إن جزءًا من ثمرات الإيمان بالملائكة ونموذجه المتعلق بمنكر ونكير هو: أنني بدوري دخلت -خيالاً- قبري الذي سأدخله حتمًا مثل كل الناس، وبينما أنا أستوحش من تجريدي المطلق من كل شيء، وأندهش من اليأس في القبر في ذلك السجن المنفرد المظلم البارد الضيق وحيدًا فريدًا؛ إذا بصديقين مباركين من طائفة منكر ونكير طلعا علي، وبدآ المناظرة معي، وتوسع قبري، وانشرح قلبي، وتنورا، وغمرهما دفء، وانفتحت نوافذ إلى عالم الأرواح، وملأ السرور قلبي بهذه الحالة التي رأيتها خيالا، وسأراها في المستقبل حقيقةً، وشكرت الله.
321. صفحة
فكما أنه لما توفي تلمیذ علم يدرس علم النحو والصرف في المدرسة جاءه منكر ونكير، فسألاه "من ربك؟" فأجاب بعلم النحو وهو يظن أنه مازال في المدرسة قائلا: "مَنْ مبتدأ، ورَبُّكَ خبره، فهذا سهل، اسألوني مسألة صعبة" فأضحك بجوابه هذين الملكين والأرواح الموجودة، وأضحك وليًّا ممن ينكشف لهم أحوال القبر كان يشاهد هذه الحادثة هناك، وجعل الرحمة الإلهية تبتسم، فنجا من العذاب؛ فكذلك المرحوم الحافظ علي، الذي هو بطل شهيد لرسائل النور، توفي عندما كان يكتب ويقرأ رسالة الثمرة بكمال العشق في السجن، فأجاب على أسئلة ملائكة السؤال في القبر بحقائق رسالة الثمرة مثلما أجاب في المحكمة، وأنا وطلاب رسائل النور سنجيب على تلك الأسئلة حقيقةً في المستقبل بحجج رسائل النور الساطعة القوية، كما نجيب عليها الآن معنىً، وندفعهم إلى التصديق والاستحسان والتهنئة إن شاء الله.
ثم إن نموذجا جزئيًّا حول السعادة الدنيوية للإيمان بالملائكة هو: كما أن طفلا بريئا يتلقى درسه الإيماني في علم الفقه يقول لطفل آخر عنده يبكي ويصرخ بسبب وفاة أخيه البريء: "لا تبكِ، بل اشكر الله، فأخوك ذهب إلى الجنة مع الملائكة، فهو يتجول هناك، وسيتمتع أحسن منا، وسيطير فيها كالملائكة، وسيشاهد كل الأماكن هناك" فيحول هذا الكلام بكاء الطفل الذي يصرخ إلى ابتسامة وسرور؛ فأنا كذلك كهذا الطفل تماما تلقيت نَعْيَين مؤلمين جدًّا في هذا الشتاء الحزين، وفي حالة أليمة: أحدهما: نعي ابن أخي المرحوم فؤاد الذي أحرز المرتبة الأولى في المدارس العليا، ونشر حقائق رسائل النور، والآخر: نعي المرحومة أختي العالمة التي تدعى "هانم"، وقد ذهبتْ إلى الحج، وفي طوافها عانت سكراتِ الموتِ وتوفيت، وبينما كانت تبكيني وفاة قريبَيَّ هذين مثلما أبكتني وفاة المرحوم عبد الرحمن المذكور في رسالة الشيوخ؛ رأيت بنور الإيمان معنىً وقلبًا أن "فؤادًا" البريء والسيدة الصالحة "هانم" قد أصبح الملائكة والحور العين أصدقاء بدلاً من الناس، وأنهما قد نَجَوَا من مخاطر الدنيا وآثامها، وشعرت بسرور عظيم بدلا من
322. صفحة
ذلك الحزن الشديد، وهنأتهما، وهنَّأتُ أخي عبد المجيد أبا فؤاد، وهنَّأتُ نفسي، وشكرت أرحم الراحمين، وقد كُتِب هذا وسجل بنية دعاء الرحمة لهذين المرحومين.
إن جميع الموازنات والمقارنات في رسائل النور تبين ثمرات الإيمان التي هي مدار للسعادة الدنيوية والأخروية، وتخبر أن إيمان كل مؤمن سيكسبه السعادة الأبدية، وسيسنبلها([1])؛ حيث تظهر تلك الثمراتُ الكبيرةُ الكليةُ في هذه الدنيا من سعادة الحياة ولذة العمر، وستنكشف على تلك الصورة.
وقد كتبت خمسًا من ثمراته الكلية الكثيرة جدًّا في نهاية "الكلمة الحادية والثلاثين" كثمرة المعراج، وكتبت خمسًا منها -كنموذج- في "الغصن الخامس" من "الكلمة الرابعة والعشرين"، وقد قلنا في البداية: كما أن لكل ركن من أركان الإيمان ثمراتٍ مختلفةً كثيرةً جدًّا، بل لا حد لها، كذلك فثمرة واحدة من ثمارها الكثيرة الجنةُ بأكملها، وثانيتها السعادةُ الأبدية، وثالثتها بل أحلاها رؤية الله تعالى، وقد وُضِّحَتْ بعضٌ من الثمرات الطيبة للإيمان حول سعادة الدارين في المقارنة التي في نهاية "الكلمة الثانية والثلاثين" بشكل جيد.
إن أحد الدلائل على أن الثمرات القيمة لركن "الإيمان بالقدر" توجد في الدنيا أيضا هو: كون القول "مَن آمَن بالقدر أَمِنَ من الكَدَر" يتنقل على ألسنة الجميع كالمثل، وقد بُيِّنت في نهاية "رسالة القدر" ثمرة من ثماره الكلية بمثال لطيف، بتمثيل دخول رجلين في حديقة قصر رائع بديع.
حتى إنني رأيت وعلمت في حياتي من آلاف التجارب أنه بدون الإيمان بالقدر تفسد سعادة الحياة الدنيا، وكنت كلما أنظر إلى المصائب الأليمة من زاوية الإيمان بالقدر رأيت المصيبة تخفُّ جدا، وكنت أستغرب كيف يستطيع أن يعيش من لا يؤمن بالقدر.
لقد أشير إلى ثمرة من الثمار الكلية لركن الإيمان بالملائكة في "المقام الثاني" من "الكلمة الثانية والعشرين" بما يلي:
[1] أي يجعلها مثل السنبلة والمراد ينميها نماء كثيرًا.
323. صفحة
إن عزرائيل -عليه السلام- قال وهو يناجي الله تعالى: إن عبادك سيستاءون وسيشكون مني عند وظيفة قبض الأرواح، فقيل له جوابًا: سأجعل الأمراض والمصائب ستائر لوظيفتك حتى تتوجه شكاوى عبادي إليها لا إليك.
فوظيفة عزرائيل عليه السلام أيضا ستار مثل هذه الستر؛ حتى لا تتوجه الشكاوى الباطلة إلى الله تعالى؛ لأن وجه الحكمة والرحمة والجمال والمصلحة في الموت لا يستطيع أن يراه كل واحد ينظر إلى الظاهر ويعترض عليه، ويبدأ بالشكوى، فلذلك أصبح عزرائيل -عليه السلام- ستارًا من أجل حكمة ألا تتوجه هذه الشكاوى الباطلة إلى الرحيم المطلق، وكذلك فوظائف جميع الملائكة بل وظائف جميع الأسباب الظاهرية ستر لعزة الربوبية، حتى تُصان عزةُ القدرة الإلهية وقدسيتُها وإحاطةُ رحمته في الأمور التي لا يُرَى جمالها ولا تُعرَف حِكَمُها، ولا تكون هدفًا للاعتراضات، ولا تتراءى أو تظهر في النظر الظاهري مباشرةُ القدرة لأمور خسيسة وتافهة وقاسية، وإن رسائل النور قد أثبتت بدلائل لا حد لها أنه ليس لأي سبب من الأسباب تأثيرٌ حقيقيٌّ، وليس له أية قابلية للإيجاد أصلا، وأختام التوحيد التي يحملها كل شيء تُظهِر ذلك إظهارًا قاطعًا، فالخلق والإيجاد خاص به سبحانه تعالى، وليست الأسباب إلا حجبا وسُتُر، وليس في يد ذوي الشعور كالملائكة غير خدمة فطرية نوعًا ما، ونوعٍ من العبودية العملية التي تسمى كسبًا جزئيًّا لا إيجاد له مع الاختيار الجزئي.
أجل؛ إن العزة والعظمة تقتضيان أن تكون الأسباب حُجَّابا ليد القدرة في نظر العقل، والتوحيد والأحدية يتطلبان أن تَنْفُضَ الأسبابُ أيديَها من التأثير الحقيقي.
فكما أن الملائكة والأسباب الظاهرية التي تُستخدَم في أمور الخير والوجود تصون القدرةَ الربانية عن القصور والظلم في أمور لا يُرَى ولا يعرف جمالها، وهي وسائل للتقديس والتسبيح الإلهي؛ كذلك فاستخدام شياطين الجن والإنس والمواد المضرة -أيضا- في أمور الشر والعدم ينقذ القدرة السبحانية من الوصف بالغدر، ومن الاعتراضات الباطلة، ومن أن تكون هدفًا للشكاوى، وبذلك يخدم التقديسات والتسبيحات الربانية ويبرئها وينزهها عن جميع التقصيرات في الكون،
324. صفحة
لأن جميع التقصيرات تنشأ عن العدم، وعن عدم القابلية، وعن التخريب وعن عدم القيام بالوظيفة -وكل واحد من هذه الأمور عدم- وعن الأفعال العدمية التي ليس لها وجود، وهذه سترالشيطانية والشَّرِيرة تكون مرجعًا لذلك القصور، وتقبل على نفسها الاعتراضات والشكاوى مستحقَّة لها، فتصبح وسائل لتقديس الحق تعالى؛ إذ لا حاجة للقوة والاقتدار في الأمور الشرِّيرة والعدمية والتخريبية، فعمل قليل بسيط وقوة جزئية بل عدم القيام بالوظيفة يؤدي إلى عدمٍ وتخريبٍ وإفساد كبير أحيانًا، ويُظَنُّ أن أولئك الفاعلين الأشرار مقتدرون، وفي الحقيقة ليس لهم أي تأثير مطلقاًً إلا العدم، وليست لهم أية قوة مطلقًا غير كسب جزئي، ولكن تلك الأمور الشريرة تأتي من العدم؛ لذا فأولئك الأشرار فاعلون حقيقيون وأصليون لها، فإن كانوا ذوي شعور فسيعاقبون مستحقين ذلك، إذن فأولئك الأشرار هم فاعلون في السيئات، ولكن الحسنات والأمور الخيِّرة والأعمال الصالحة -ولأنها أمور وجودية- فالأخيار ليسوا فاعلين ومؤثرين حقيقيين لها، بل قابلين لها، يقبلون الفيض الإلهي، ومكافآتهم فضل إلهي محض، والقرآن الحكيم يعلن هذا المعنى بهذه الآية ﴿مَا أَصَابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾(النساء:79)
الحاصل: بينما عوالم الوجود وعوالم العدم غير المحدودة تتصادم وتثمر ثمارا كالجنة وجهنم، وبينما تقول جميع عوالم الوجود "الحمد لله" "الحمد لله"، وتقول جميع عوالم العدم "سبحان الله" "سبحان الله"، وبينما يتبارز الملائكة مع الشياطين والخيرات مع الشرور، ويتنازع حول القلب الإلهامُ مع الوسوسة بقانون مبارزة شامل عامّ؛ إذا بثمرة من ثمار الإيمان بالملائكة تتجلى، وتحل المعضلة([1])، وتضيء الكون المظلم، وتظهر لنا نورًا من أنوار آية ﴿اَللهُ نُورُ السَّمٰوَاتِ وَالأَرْضِ﴾(النور:٣٥)، وتذيقنا هذه الثمرةُ كامل حلاوتها.
أشارت "الكلمة الرابعة والعشرون" و"التاسعة والعشرون" التي تظهر كرامة الألفات إلى ثمرة كلية أخرى من ثمارها، وأثبتتا وجود الملائكة ووظيفتهم إثباتًا ساطعًا.
[1] المعضلة: المشكلة.
325. صفحة
أجل؛ إن عظمة ربوبية رحيمة تريد أن تعرِّف وتحبِّب نفسها في كل ناحية من أنحاء الكون، وفي كل شيء جزئي وكلي، وفي كل نوع؛ فلا شك أنه من المحتم والواجب أن تقابَل تلك العظمة والرحمة وذلك التعريف والتحبيب بعبودية واسعة ومحيطة ملؤها الشعور والوعي في شكر وتقديس، ولا يستطيع أن يؤدي تلك الوظيفة لحساب الجمادات التي لا شعور لها والأركانِ العظيمة للكون إلا الملائكة بأعداد غير محدودة، ولا يمكن أن يمثل الإجراءاتِ الحكيمة العظيمة لسلطنة الربوبية في كل أنحائها في الثرى والثريا وفي داخل الأرض وخارجها إلا هم.
إن قوانين الفلسفة الجافة التي لا روح لها تصور خِلقةَ الأرض ووضعها الفطري بشكل مظلم وموحش جدًّا، بينما تجعلها هذه الثمرة صورة منورة مؤنسة؛ حيث إن الكرة الأرضية يحملها الملكان المسميان بالثور والحوت على كتفهما، أي إنها تحت نظارتهما؛ حيث إنها قد جُلبت من الجنة وأرسلت منها تلك المادة والحقيقة الأخروية المسماة بالصخرة التي هي الحجر الأساس الباقي لهذه الكرة الأرضية الفانية؛ للإشارة إلى أن قسمًا منها سيحوّل إلى الجنة الباقية، فجُعلت الصخرة نقطة استناد للملكين الثور والحوت، وهذا المعنى ورد مرويا عن بعض الأنبياء السابقين لبني إسرائيل، وهو مروي عن ابن عباس (رضي الله عنه)، ولكن للأسف اتخذ هذا المعنى القدسي وهذا التشبيه صورة خارجة عن دائرة العقل بمرور الزمن، وبسبب ظن العوام أنه حقيقة.
وبما أن الملائكة يتجولون في التراب والحجر وفي مركز الأرض كما يتجولون في الهواء؛ فلا شك أنهم لا يحتاجون إلى حجر وحوت وثور لها أجسام تثبت الكرة الأرضية عليها.
ومثلاً: إن الكرة الأرضية تُسَبِّحُ برءوس بعدد الأنواع الموجودة في الأرض، وبألسنة بعدد أفراد تلك الأنواع، وبأجهزة بعدد أعضاء وأوراق وثمار تلك الأفراد؛ لذا فلا شك في أن يكون لها مَلكٌ موَكّلٌ له أربعون ألف رأس، وفي كل رأس أربعون ألف لسان، يسبح أربعين ألف تسبيحة بكل لسان حتى يمثل عن علم
326. صفحة
ووَعْي تلك العبودية الفطرية العظيمة غير الشعورية، ويقدمها إلى الحضرة الإلهية؛ حيث أخبر المخبر الصادق -عليه الصلاة والسلام- بهذه الحقيقة.
وإن وجود ملائكة في ماهيات عجيبة جدًّا، كجبرائيل عليه السلام الذي يُبلِّغ ويُظهِر العلاقةَ بين الناس الذين هم أهم نتيجة لخلق الكون وبين ربهم، وإسرافيل وعزرائيل -عليهما السلام- اللذين يمثلان فقط الإجراءات الإلهية الخاصة بالخالق جل جلاله في البعث والإحياء والتسريح بالموت، تلك الأمور التي هي أعظم الأمور وأخطرها في عالم الأحياء، ويُشرِفان عليها في عبودية، وميكائيل -عليه السلام- الذي يمثل عن وعي وإدراك أنواعَ الشكر غير الشعورية التي تقدَّم في دائرة الحياة تجاه الإحسانات الرحمانية في الرزق الذي هو أجمع أنواع الرحمة وأوسعها وأكثرها لذة، مع الإشراف عليها؛ أقول إن وجود ملائكة في هذه الماهيات العجيبة جدا، وإن بقاءَ الأرواح لهو من مقتضى سلطنة الربوبية وعظمتها، فوجودهم ووجود طوائف خاصة لكل منهم أمر قطعي ولا شك فيه، بدرجة وجود السلطنة والعظمة اللتين تشاهدَان كالشمس في الكون، فَلْتُقَس الحقائق الأخرى التي تخص الملائكة على هذا.
أجل؛ إن القدير ذا الجلال والجمال الذي خلق أربعمائة ألف نوع من ذوي الحياة في الكرة الأرضية، بل الذي يخلق حتى من أبسط المواد المتعفنة ذوي الأرواح بكثرة، وعمَّر بهم كل الأنحاء، وأنطقهم بألسنتهم تجاه معجزات صنعته بـ "ما شاء الله" "بارك الله" "سبحان الله"، وجعل تلك الحيوانات الصغيرة تقول "الحمد لله" و"الشكر لله و"الله أكبر" تجاه إحسانات رحمته؛ لا شك ولا ريب أنه تعالى قد خلق سكانًا وروحانيين ملائمين ومناسبين للسماوات الضخمة، وملازمين للعبادة لا يعصونه، وعمَّر بهم السماوات، ولم يدع فيها مكانًا فارغًا، وأوجد أنواعًا مختلفة من الملائكة أكثر بكثير من طوائف الحيوانات؛ حيث إن بعضها صغير جدا يركب قطرة المطر والثلج، ويهتف للصنعة والرحمة الإلهية بلسانه الخاص، وبعضها يركب النجوم السيارة ويعلن -وهو يسيح في فضاء الكون- عبوديته للعالَم بالتكبير والتهليل تجاه عظمة وعزة وجلال الربوبية.
327. صفحة
أجل؛ إن اتفاق جميع الكتب والأديان السماوية منذ آدم -عليه السلام- على وجود الملائكة وعبوديتهم، ونقلها وروايتها وقوعَ المحادثات والمحاورات بين الملائكة والبشر في جميع العصور بتواترات كثيرة؛ ليثبت وجود الملائكة وعلاقتهم بنا إثباتًا قاطعًا كوجود سكان أمريكا التي لم نرها.
فتعال الآن، وانظرْ بنور الإيمان إلى هذه الثمرة الكلية الثانية، وذقها؛ واعرف كيف أنها تعمِّر الكون من أقصاه إلى أقصاه، وتُجَمِّلُه وتحوله إلى المسجد الأكبر وإلى معبد كبير، وتعرض أمام نظر الإنسان كونًا ذا حياة وشعور وضياء وأنس وحلاوة مقابل ما تعرضه الفلسفة والعلوم من كونٍ مَيِّتٍ باردٍ مظلمٍ مرعبٍ، فتذيق أهل الإيمان حتى في الدنيا لذةَ تجلٍّ من تجليات الحياة الباقية كلاً حسب درجاته.
تتمة: فكما أن وحدانية الخالق جل جلاله وتصرفه وإيجاده وربوبيته وخَّلاقيته وقدسيته تعلن بلسان حال كل مصنوع جزئيٍّ وكليٍّ عن وجود القدرة عينها والاسم عينه والحكمة عينها والصنعة عينها في كل أرجاء الكون بسر الواحدية والأحدية؛ كذلك يخلق تعالى ملائكة في كل مكان، ويجعلهم يقومون بلسانهم في عبودية بالتسبيحات التي يقوم بها كل مخلوق بلسان حاله بلا شعور، ولا تخالف الملائكة الأوامر أبدًا، وليس لهم أي إيجاد قط غير العبودية الخالصة، ولا أي تدخل بدون أمر، بل حتى ليس لهم أية شفاعة بلا إذن، فهم قد نالوا فعلاً سرّ ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾(الأنبياء:26) ﴿يَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾(التحريم:6).
328. صفحة
جزء من رسالة بطل رسائل النور "خسرو"
بمناسبة "المسألة الحادية عشرة" للثمرة
باسمه سبحانه
﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أبدًا دائمًا
يا أستاذنا ويا سيدنا الحبيب الغالي المبارك،
إن الثمرة -بمسائلها التسع- التي تحتوي على محاسن وفوائد عظيمة للشعب والوطن لم تكتف بأن تكون وسيلة نجاة لطلابها بصورة محيِّرة، في زمن رهيب وبين عصاة رهيبين وبين أعداء ألدَّاء، وإنما صفّقت بمسألتيها العاشرة والحادية عشرة خاصة لطلاب النور الذين يسيرون في طرق الحقيقة، وبحثت عن أهوال القبر، المكانِ الحقيقي الذي سيذهبون إليه، وحببت إليهم التحدثَ والرفقة مع الملائكة الذين سيَرْونهم ويحدِّثونهم تحت التراب الذي هو منزل يخوِّف الكلَّ، ومنزل مفزع ورهيب جدًّا ومؤلم للغاية، ومأساوي جدا خاصة لأهل الغفلة، فجعلتهم يأنسون بهذا المكان أكثر من ذي قبل، وبذا أزالت مخاوفهم الشديدة عن ذلك المنزل المفزع الأول من منازل الآخرة، فجعلتهم يتنفسُّون الصُّعَدَاء، وأصبحت كمصباح كهربائي تمتد شعاعاته إلى مسافة مئات الآلاف من السنينِ بَيِد مَنْ لا يستطيع أن يرى مثلي حياة ذلك العالَم النورانية، وصارت حديقة أزهار نموذجية يُشمّ عطرها دائمًا.
نعم؛ نحن نقترح على أستاذنا الحبيب أن نعرض على حضرته كل وقت ما تلقيناه من فيوضات في رسائل النور، كتلميذ يقرأ درسه على أستاذه كل يوم، إلّا أن أستاذنا الحبيب قد أوقف الحديث مؤقتا.
يا أستاذنا العزيز، إن حقيقة رسائل النور وجمال الثمرة وفيض زهرتها قد أنطقني شيئا ما وبسرور باسم مدينتي، وأَنْعَشَتْ القلوبَ الناطقة الكثيرة مثلي،
329. صفحة
فالآن قد اكتسبت الخطى التي تُخطى نحو رسائل النور والأيدي الممتدة إليها في منطقتنا صلابة أكثر من ذي قبل بالزهرة الحادية عشرة للثمرة، فانكشفت وبدأت نشاطاتها.
تلميذكم المقصر جدا "خسرو"
خطاب كُتِب بمناسبة تهنئة شهر رمضان باسم جميع تلامیٖذ النور في إسبارطة وعُدِّل بثلاث عشرة فقرة
باسمه سبحانه
﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يا أستاذنا الأكرم ويا سيدنا المحترم، يا من يُسيل من عينيه المباركتين الدماءَ بدلاً من الدموع لسلامة عالم الإسلام في الدنيا والآخرة بفيض القرآن وحقيقة رسائل النور وهمة طلابها الصادقين، ويا من انتابته([1]) الأمراض والبلايا أكثر من سيدنا أيوب -عليه السلام- في هذا الوقت المضطرب الهائج لفتنة آخر الزمان، والذي يسعى بنور القرآن وببراهين رسائل النور وبهمة طلابها لمعالجة الأمراض المادية والمعنوية للعالم الإسلامي كلقمان الحكيم.
ويا من أثبت أن قِطَع النور الموجودة بيديه المباركتين حقٌّ وحقيقيةٌ، ويا من يقابل الذين يريدون إساءته بحقيقة القرآن وبحجج رسائل النور وبصدق وإخلاص تلامیٖذ رسائل النور وبالدعاء لهم بالخير، وبالإحسان إليهم، مشفقًا عليهم أكثر من أي واحد لدرجة التضحية بالنفس والروح من أجل العالم الإسلامي على الرغم من أنه مريض ومُسنّ وضعيف وفي حالة يُرْثَى لها،
ويا من أصابه وطلابه ابتلاء السجن بسبب طباعة كتاب "الآية الكبرى" الذي هو من مؤلفاته المهمة، والذي حوّل هذه السجون إلى مدارس يوسفية، وإلى
[1] انتابته: أصابته.
330. صفحة
قاعات تدريس بإرشاد القرآن وبدرس رسائل النور، وبهمة ونشاط طلابها، والذي خرَّج جميع المقصرين منا وقد ختموا القرآن قبل أن يخرجوا من السجن، والذي رفع عنا في هذه المصيبة جميع أثقالنا وأعبائنا، وتحمَّلها بالقوة القدسية للقرآن، وبسلوان رسائل النور وبصمود إخوانه على الرغم من أنه مُسنّ وضعيف، والذي فتح أبواب تلك الزنزانات وأصبح سببًا لبراءتنا برسالة الثمرة ورسائل الدفاع التي ألّفها، وبإعجاز القرآن المعجز البيان، وبالبراهين القوية لرسائل النور وبإخلاص طلابها، وبالإذن الإلهي، فجعل يومها كعيد لنا وللعالم الإسلامي، والذي أثبت حقًّا أن رسائل النور نورٌ على نور، وجعلها تكتسب حق القراءة والكتابة بحرية تامة إلى يوم القيامة، وأثبت كذلك أن عالم الإسلام بحاجة ماسَّةٍ إلى تلك الأنوار كحاجتهم إلى الماء والخبز والهواء، بالغذاء القدسي للقرآن العظيم الشأن، وبالطعام الأخروي لرسائل النور، وباشتهاء طلابها، وأثبت أن آلافًا من الذين يقرءون ويكتبون تلك الأنوار يدخلون القبر بالإيمان، والذي لا يجعل طلابه المنتسبين إليه مغلوبين ولا منكسرين، والذي برّد اليوم نار قلوبنا التي تحترق بنار الفراق ليلَ نهارَ بالدروس السماوية للقرآن وأساسات رسائل النور، وذكاء وفطنة طلابها و"المسألة العاشرة" و"الحادية عشرة" لـ"الثمرة" وأزهارها، وبمسائلها المباركة كماء الحياة وكشراب الكوثر وبأزاهيرها، فساقنا إلى الفرح والسرور، ويا من أنقذ الموت -الذي يخاف منه العالَمُ أكثر من أي شيء آخر- من الإعدام الأبدي لأهل الإيمان، وحوّله إلى تذكرة تسريح بالوعود القاطعة للقرآن العظيم الشأن ووعيده، والكشف القطعي لرسائل النور، ومشاهدة طلابها المرحومين، ورؤية أهل كشف القبور لهم، وأثبت أنه سفر سعيد إلى عالم النور، وأخبر أنه إعدام أبدي للكفار والمنافقين، وأثبت كذلك أن هذا القبر المفزع المظلم البارد الضيق روضة من رياض الجنة لأهل الإيمان وباب من أبوابها، وأنه حفرة من حفر جهنم مليئة بالثعابين والعقارب للكفار والمنافقين والزنادقة بإخبارات القرآن المعجز البيان القاطعة التي هي تحت تصديق أربعين وجهًا من وجوه إعجازه، وتحت تصديق ألف من المعجزات الأحمدية -على صاحبها الصلاة والسلام-
331. صفحة
وبالحجج -التي غلبت وتغلب الأعداء الألدَّاء- في رسائل النور التي نبعت منه، وبتسليم قناعة تلامیٖذ النور بأمارات وتجارب كثيرة، والذي يجعل الملكين المنكر والنكير اللذين سيأتيان إلى هناك صديقين مؤنسين لمن سلك طريق أهل الحق والحقيقة، والذي أدخل تلامیٖذ رسائل النور ضمن طلبة العلم، وكشف بوفاة المرحوم البطل الشهيد الحافظ علي أنهم يجيبون عن أسئلة المنكر والنكير برسائل النور، والذي يدعو ويتضرع إلى الرحمة الإلهية لمن هو على قيد الحياة منا حتى نجيب نحن أيضاً برسائل النور، والذي يعرّف القرآن ويُثبت بصورة خارقة وجميلة للغاية -بما لم يُر ولم يُسمع من قبل- أن القرآن العظيم الشأن كلام الله الحق وأعظم جميع الكتب السماوية وأفضلها، وأن في سورة الفاتحة آلافًا من سور الفاتحة، وأن في سورة الإخلاص آلافًا من سور الإخلاص، وأن لكل حرف من حروفه عشرة ثوابات، وتبلغ أحيانًا المائة والألف والآلاف من الأجر والحسنات، بإظهاره نوعًا من الإعجاز المعنوي للقرآن العظيم الشأن حسب كل طبقة من أربعين طبقة، وبكونه كلامًا أزليًّا متوجهًا إلى جميع الكون، وبرسالَتَيْ "المعجزات القرآنية" و"الرموزات الثمانية" لرسائل النور التي هي تفسير له، وبكتابةِ شيخِ الخطاطين والمستنسخين لمصنع الورد -الذي هو رسائل النور- المصحفَ كما هو مكتوب في اللوح المحفوظ بأمر "اكتب" مُوَجَّهًا لخسرو الذي هو مستنسِخٌ بطل لرسائل النور بجهود خارقة من إخوانه وطلابه، على الرغم من أن أحدًا لم يتمكن من كتابته منذ عصر السعادة إلى الآن بمثل هذه الصورة الرائعة المعجزة، والذي يثبت أن للقرآن أربعين وجهًا من وجوه الإعجاز، بإظهار إعجاز القرآن المعجز البيان الموجود منذ ألف وثلاثمائة سنة، وبصَدٍّه معارضيه، وبالدلائل الدامغة لرسائل النور لدرجة أنها تُرى بالعيون، وبالأقلام الماسية لطلاب النور، وبرسائل النور التي تتحدى العالم، والتي لم يظهر مثلها حتى يومنا هذا، وخاصة "الكلمة الخامسة والعشرون" وذيولها التي تفحم أعتى المعاندين!
ويا من أثبت إثباتًا حسنًا برسالته المسماة بـ"المعجزات الأحمدية" -على صاحبها الصلاة والسلام- في رسائل النور آلافًا من المعجزات التي تدل على
332. صفحة
أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- رسولٌ حقٌّ، وأنه أفضل جميع الرسل البالغ عددهم مائة وأربعة وعشرين ألفًا، وسيدهم والذي يبيّن كم أن اتباع السنة السَّنية لِذلكم الرسول -عليه الصلاة والسلام- من ربح عظيم؛ حيث إن فى اتباع سننه الشريفة في هذا الزمان أجرَ مائة شهيد بإعلان القرآن العظيم الشأن للكون أن الرسول الأكرم -عليه الصلاة والسلام- رحمة للعالمين، وبإثبات رسائل النور من بدايتها إلى نهايتها بالبراهين أنه -عليه الصلاة والسلام- رحمة للعالمين، وبإراءتها -حتى العميان- أن أفعال هذا الرسول وأحواله أقوى مرشد يُقتدى به، وأحسنه في الكون، وبشهادة رفع البلايا بعد انتشار رسائل النور في الأناضول([1]) وبعض المدن الخاصة، ونزول البلايا عندما أرادوا أن يُسكتوها، بقيام تلامیٖذ النور بالأعمال الدعوية، وارتباطهم بها بكمال المتانة تحت ظروف قاسية.
والذي أثبت بعين اليقين أنه كما أن الصدقة تدفع المصائب والبلايا؛ فكذلك رسائل النور تدفع المصائب والبلايا في الأناضول منذ عشرين سنة.
إن براءة رسائل النور الآن ساقتكم -أستاذنا الحبيب- أولا، ثم ساقتنا -نحن طلابك العاجزين المقصرين- وساقت العالم الإسلامي إلى السرور والسعادة، وجعلتنا نعيش عيدًا ثانيًا عظيمًا؛ لذا بهذه المناسبة نهنئكم بعيدكم العظيم يا أستاذنا المبارك، وبرمضانكم الشريف الذي هو العيد الثالث، وبليلتكم ليلة القدر، راجين أن نُبَلَّغَ أمثالها الكثيرة، والعفوَ عن تقصيراتنا نحن المقصرين، ونقرئكم السلام، ونقبّل أيديكم وأرجلكم المباركة، ونرجو دعواتكم المباركة، يا أستاذنا ويا سيدنا.
تلاميذ رسائل النور في إسبارطة وجوارها
هذه الرسالة الطويلة التي كتبها كاتب رسائل النور باسم الجميع أرسلها إليكم مضيفًا إليها ثلاث عشرة فقرة، كشكر معنوي، وللخلاص من الغرور والكفران بالنعمة؛ حيث إن رفض ما في هذه الرسالة التي تفوقني بمائة درجة رفضًا مسببًا
[1] القسم الآسيوي من تركيا.
333. صفحة
بالتواضع؛ كفرانٌ بالنعمة، وإهانة تجاه حسن ظن جميع تلامیٖذ النور، وقبول ما فيها بعينه فيه غرور وأنانية.
أرسلها إليكم حتى تُدرَج في ختام "المسألة الحادية عشرة" للثمرة بعنوان "رسالة من تلامیٖذ رسائل النور في إسبارطة وما حولها". عندما كنت أصحح هذه الرسالة جاءت حمامة إلى النافذة التي بقربنا مرتين، وكادت أن تدخل منها، ولكنها رأت رأس جيلان فلم تدخل، ثم جاءت حمامة أخرى بعد مدة قصيرة، فرأت الكاتب فلم تدخل، وقلت: لابد أنهما مبشرتان كمثل العصافير والقماري، أو لأننا كتبنا رسائل متعددة كهذه الرسالة فجاءتا بمناسبة تصحيح هذه الرسالة تهنئان أنها رسالة مباركة.
أخوكم سعيد النورسي


