الشعاع الرابع
التنقل
65. صفحة
الشعاع الرابع
هذا الشعاع في رتبته ومعناه هو "اللمعة الخامسة"، وفي صورتِه ومقامِه هو "الشعاع الرابع" القيم من "اللمعة الحادية والثلاثين" لـ"المكتوب الواحد والثلاثين"، وهو نكتة مهمة لآية الحسبية: ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ﴾
تنبيه: إن رسائل النور تبدأ غامضةً، ثم بالتدريج تنكشف وتتضح، بخلاف الكتب الأخرى، ولاسيما "المرتبة الأولى" من هذه الرسالة، فهي في غاية الدقة والعمق؛ مع أنها حقيقةٌ عظيمة ومهمة جدًّا.
وهذه "المرتبة الأولى" قد ظهرت شفاءً لهمومي وأدوائي المتنوعة العميقة في صورة محاكمةٍ فكرية شعورية مهمة جدًّا، ومعاملةٍ إيمانية في غاية الحيوية، ومحاورة قلبية في غاية الخفاء بصفةٍ خاصة بي، فمن وافقت حالُه حالي، ومشاعرُه مشاعري موافقةً تامة؛ يمكن أن يشعر بها شعورًا تامًّا، وإلا فلن يتذوقها كاملة.
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ﴾
حينما جرّدني أهل الدنيا من كلّ شيء وقعت في خمسة أنواع من الغربة، وأُصبت بخمسة أنواع من المرض، ناشئة عن بعض الأحزان في وقت شيخوختي، وبسبب الغفلة الناشئة عن المعاناة والضيق نظرت مباشرةً إلى قلبي، وفتشت في روحي من دون النظر إلى الأنوار الباعثة للسلوان والمدد من رسائل النور، فرأيت أنه يهيمن عليّ ويتحكم فيّ عشق قوي جدًّا للبقاء، ومحبة شديدة للوجود، واشتياق كبير للحياة، وعجز غير محدود، وفقر لا منتهى له، إلا أن فناءً رهيبًا يُخمد هذا البقاء، وفيما كنت في هذه الحال قلت كما قال الشاعر المتلهف:
66. صفحة
القلب في عشق البقاء متيّم وعلى الوجود الحقُّ قد كتب الفناء
داء عضال قد أصبت به ولم يَدْرِ الحكيم الألمعي له دواء
وطأطأت رأسي في يأس، فإذا بـآية ﴿ حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ﴾ تأتي لنجدتي وإغاثتي قائلة: اقرأني بتأمل وإمعان، فقرأتها خمسمائة مرة في اليوم، وأكتب الآن بإجمالٍ "تسعة أنوار ومراتب" فقط، من كثير من أنوارها القيمة المنكشفة لي بعين اليقين، وأحيل تفاصيلها المعروفة قديمًا -بعلم اليقين لا بعين اليقين- إلى رسائل النور.
المرتبة النورية الحسبية الأولى:
إن ما فيّ من عشق البقاء ليس لبقائي أنا بالذات، بل إن في ماهيتي ظلا من ظلال تجلٍّ من تجليات اسم من أسماء الحق تعالى ذي الكمال والجمال الذي هو ذو الكمال المطلق، والمحبوب بالذات، وبلا سبب ولا داعٍ، ومن ثم فإن المحبة الفطرية الكامنة في فطرتي والمتوجهة إلى وجود الكامل المطلق وكماله وبقائه قد كانت ضلت طريقها وتشبثت بالظل وعشقت بقاءَ المرآة بسبب الغفلة؛ فجاءت " حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ"، ورفعت الستار، فرأيت وشعرت وتذوقت بحق اليقين أن لذة بقائي وسعادته موجودةٌ بعينها وبشكلٍ أفضل في تصديقي وإيماني وإذعاني ويقيني ببقاء الباقي ذي الكمال، وبكونه ربي وإلهي؛ ذلك لأن ببقائه سبحانه تتحقق بالنسبة لي حقيقة خالدة لا تموت؛ إذ إن ماهيتي تصبح ظلا لاسمٍ باقٍ وسرمدي، ولا تموت بعدُ أبدًا، بل تستقر بوعيٍ إيماني.
وبهذا الوعي الإيماني -الذي يؤدي إلى معرفة وجود الكمال المطلق وهو المحبوب المطلق- تُشبَع المحبة الذاتية الفطرية الشديدة.
وبهذا الوعي الإيماني الذي يخصّ بقاءَ الباقي السرمدي ووجوده؛ تُعرَف كمالات الكائنات، وكمالات نوع الإنسان وتُحصَّل، ويتخلص الافتتان الفطري بالكمالات من الآلام غير المحدودة، ويتلذذ ويستمتع.
وبهذا الوعي الإيماني يحصل انتسابٌ إلى الباقي السرمدي، وبهذا الانتساب الإيماني تَنتج علاقةٌ مع جميع ملكه تعالى.
67. صفحة
وبهذا الوعي الإيماني وهذا الانتساب وهذه العلاقة يكتسب صاحب هذا الوعي الإيماني علاقةً مع جميع الموجودات واتصالا معها نوعًا ما، وفي هذه الحالة يحدث له وجودٌ في الدرجة الثانية بأعدادٍ غير محدودة غير وجوده الشخصي وكأنه وجوده من حيث ذلك الوعي الإيماني والانتساب والعلاقة والاتصال، فيُهدَّأ العشق الفطري تجاه الوجود ويسكَّن.
وبهذا الوعي الإيماني والانتساب والعلاقة والارتباط تنشأ لديه أخوةٌ مع جميع أهل الكمال، وعندما يعلم صاحب ذلك الوعي الإيماني في هذه الحالة أن أهل الكمال هؤلاء غير المعدودين لا يهلكون ولا يضيعون بسبب وجود الباقي السرمدي وبقائه، يورثه بقاءُ من لا يُعدون من أحبته الذين يرتبط بهم بارتباط التقدير والإعجاب، ودوامُ كمالاتهم؛ ذوقًا ساميًا.
ومن خلال هذا الوعي الإيماني والانتساب والعلاقة والارتباط والأخوة رأيت أني أستطيع أن أشعر في نفسي بسعادةٍ غير محدودة بسعادة جميع أحبائي وأصدقائي الذين أضحي بحياتي وبقائي بكل سرور ورضا من أجل سعادتهم، بل يستطيع كلّ فردٍ أن يشعر بذلك؛ لأن الصديق الرءوف المشفق يسعد ويتلذذ بسعادة صديقه المخلص، وفي هذه الحالة شعرت -من خلال هذا الوعي الإيماني ببقاء الباقي ذي الكمال ووجوده سبحانه- أن الأنبياء والأولياء والأصفياء وهم سادتي وأحبابي وفي مقدمتهم الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام وآله وأصحابه، وسائر أحبابي الذين لا يعدون؛ ينجون كلهم من الإعدام الأبدي، وينالون سعادةً سرمدية، شعرت أن سعادتهم انعكست بسر هذه العلاقة والارتباط والأخوة والمحبة عليّ، وأسعدتني.
وبهذا الوعي الإيماني تخلصت من الآلام غير المحدودة الناشئة عن الرقة ببني الجنس والشفقة على الأقرباء فشعرت بلذة روحانية غير محدودة؛ إذ شعرت بهذا الوعي الإيماني أن جميع أقربائي نسلا ونسبًا ومعنًى -وعلى رأسهم آبائي وأمهاتي الذين أرغب فطرةً أن أفديهم بحياتي وبقائي مع الافتخار من أجل خلاصهم من المخاطر- ينجون ببقاء الباقي الحقيقي ووجوده من الهلاك والعدم والإعدام الأبدي، ومن الآلام غير المحدودة، وينالون رحمته سبحانه غير المحدودة، وأحسست أن رحمةً غير محدودة ترعاهم وتعتني بهم وتحميهم بدلا من شفقتي الجزئية غير المؤثرة التي هي سبب الغم والألم، ووجدت لذةً وشعرت بسرور
68. صفحة
وفرح بنجاة جميع من أشفق عليهم وبراحتهم في حماية تلك الرحمة كما تتلذذ الأم بلذة ولدها وذوقه وراحته، وشكرت الله تعالى شكرًا من الأعماق.
وبهذا الوعي وذلك الانتساب الإيمانيين علمت أن رسائل النور -التي هي نتيجة حياتي وسبب سعادتي ووظيفة فطرتي- تنجو من العدم والعبث ومن الجفاف معنىً، وأنها ستبقى مثمرةً، وشعرت واقتنعت بذلك، وأحسست بلذةٍ معنوية أكثر من تلذذي ببقائي أنا، وشعرت بذلك شعورًا تامًّا؛ لأنني آمنت بأن رسائل النور -ببقاء الباقي ذي الكمال ووجوده- لا تُنقَش في ذاكرة الناس وقلوبهم بذاتها، بل إذا نالت الرضا الإلهي فإنها سترتسم في اللوح المحفوظ والألواح المحفوظة وتتزين بثمار الثواب، فضلا عن أن كونها موضع مطالعة ذوي الشعور من المخلوقات والروحانيين الذين لا حد لهم ولاسيما وجودها لحظةً واحدة ونيلها النظر الرباني من حيث منسوبيتها إلى القرآن الكريم والقبول النبوي والرضا الإلهي إن شاء الله تعالى؛ أعظم قدرًا ومنزلةً من تقدير جميع أهل الدنيا لها، فأنا مستعد للتضحية بحياتي وبقائي في كلّ وقتٍ في سبيل بقاء كلّ رسالة من تلك الرسائل التي تثبت الحقائق الإيمانية، ومن أجل دوامها ونفعها وقبولها، وعلمت أن سعادتي هي في خدمة هذه الرسائل للقرآن الكريم، وأدركت بهذا الانتساب الإيماني أنها في مثل هذه الحال ستنال بالبقاء الإلهي التقديرَ والاستحسان أكثر من مائة درجةٍ من تقدير الناس واستحسانهم لها، وقلت بكل ما أوتيت من قوة: " حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ".
وبهذا الوعي الإيماني عرفت أن الإيمان ببقاء ووجود الباقي ذي الجلال الذي يهب البقاء الأبدي والحياة الدائمة، وأن نتائج الإيمان مثل الأعمال الصالحة هي الثمار الباقية لهذه الحياة الفانية، ووسائل للبقاء الأبدي، وأقنعت نفسي بترك قشرة هذه الدنيا الفانية لأثمر تلك الثمرات الباقية كالنواة التي تترك قشرها لتكون شجرةً مثمرة، وقلت مع نفسي " حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ"، وحسبنا بقاؤه.
وبهذا الوعي الإيماني وانتساب العبودية علمت بعلم اليقين أن ما وراء حجاب التراب يتنور، وأن الطبقة الترابية الثقيلة ترتفع عن الموتى، وأن جوف الأرض
69. صفحة
الذي يُدخَل إليه عبر باب القبر ليس موضع ظلمات بالعدم، وقلت بكل ما أملك من قوة " حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ".
وبهذا الوعي الإيماني أحسست إحساسًا يقينيًّا وعلمت بعلم اليقين أنه حينما كان يتوجه عشق البقاء القوي الشديد المغروز في فطرتي إلى بقاء الباقي ذي الكمال ووجوده من ناحيتين؛ فإن الأنانية أسدلت الحجاب دون ذلك العشق، فرأيتني كمن طاش عن محبوبه وتحوَّل إلى مجنونٍ تشبث بمرآة المحبوب، وشعرت أن الكمال المطلق المحبوب المعبود بذاته بالفطرة وبلا سبب قد هيمن على ماهيتي بواسطة ظل اسمٍ من أسمائه، فولّد ذلك العشقَ القويَّ العميق جدًّا، وعلمت أن الكمال الذاتي الذي لا يقتضي علةً وسببًا وغرضًا للمحبة غير ذاته بينما كان هذا الكمال الذاتي كافيًا ووافيًا للعبادة، فإنه لما أنعم علي بالثمرات الباقية المذكورة سابقًا -التي تستحقّ كلّ واحدة منها التضحية في سبيلها بآلافٍ من الحياة الدنيوية وآلافٍ من البقاء وليس بحياة واحدة وببقاء واحد- قد عمَّق ذلك العشق الفطري، وبعدما شعرت بذلك لو كان بوسعي لقلت بكل ذرات جسدي " حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ"، وحسبي من ذلك تلك النية.
فالوعي الإيماني الذي بحث عن بقائه فوجد البقاء الإلهي، وقد أشرت إلى قسمٍ من ثمراته سابقًا بـ"و، و، و"، قد أورثني لذةً وشوقًا بحيث قلت بكل روحي وقوتي ومن أعماق قلبي مع نفسي: " حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ".
المرتبة النورية الحسبية الثانية:
حينما كنت أعاني من شيخوخةٍ وغربة ووحدة وتجريد مع عجزي الذي لا حدّ له في فطرتي؛ هاجمني أهل الدنيا بدسائسهم وجواسيسهم فقلت في قلبي: إن جيوشًا تهاجم رجلا واحدًا ضعيفًا مريضًا مكتوف الأيدي، أليس لي أنا المسكين من نقطة استناد أستند إليها؟ فراجعت الآية ﴿ حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ﴾ فأخبرتني:
إنك بشهادة الانتساب الإيماني تنتسب إلى سلطانٍ ذي قدرةٍ مطلقة، حيث يعطي بكمال الانتظام في كلّ ربيعٍ على وجه الأرض جميع جهازات جيوش
70. صفحة
الحيوانات والنباتات المركبة من أربعمائة ألف أمة، ويجدد كلّ سنة ملابس جيشين عظيمين من جيوشه وهما الأشجار والطيور، ويلبسهما ثيابًا جديدة، ويغير ملابسهما وأزياءهما، ويبدل نقابَ جميع الجبال والصحارى كما يجدد فستان كلّ دجاجةٍ وطير وملاءتهما، ويضع أيضًا جميع أرزاق جيش الحيوانات الكبير العظيم وفي مقدمتها الإنسان، ليس كمستخلصات اللحم والسكر وسائر الأطعمة التي اكتشفها المتحضرون من الناس في الآونة الأخيرة فقط، بل يضع جميع أنواع الأطعمة في المستخلصات الرحمانية التي هي أبدع بمائة مرة من تلك الخلاصات الحضارية، وهي تسمى البذور والنوى، ويلف تلك المستخلصات في تعريفاتٍ قَدَريَّة تَخصّ نضجها ونموها، ويودعها في صنيديقات صغيرة لحفظها، وإيجاد هذه الصنيديقات يتم في مصنع "الكاف والنون" بسرعةٍ وكثرة وسهولة بحيث يقول القرآن الكريم: إنه يتم بمجرد أمرٍ واحد: ﴿ إنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ (يس:82).
ومع أن جميع تلك الخلاصات لا تملأ مدينة بأكملها، وتتشابه، وتتكون من المواد نفسها؛ فإن الأطعمة المتنوعة اللذيذة جدًّا التي ينضجها الرزاق الكريم في فصل صيفٍ واحد يمكنها أن تملأ مدن الأرض جميعها.
وبما أنك بوثيقة الانتساب الإيماني وجدت نقطة استنادٍ كهذه؛ فيمكنك أن تستند إلى قوةٍ غير محدودة وقدرة غير متناهية، وأنا بدوري كلما تلقيت درسي هذا من تلك الآية وجدت قوةً معنوية؛ بحيث إنني أحسست اقتدارًا إيمانيًّا يقدر على تحدي العالم كله، وليس على تحدي أعدائي الحاليين فقط، فقلت بكل روحي "حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ".
ثم إنني من أجل نقطة استمدادٍ من ناحية فقري واحتياجي غير المحدودين التجأت أيضًا إلى هذه الآية مرة أخرى فقالت لي:
إنك بانتساب المملوكية والعبودية منتسبٌ إلى مالكٍ كريم، ومسجَّل في سجل الإعاشة؛ بحيث إنه يفرش مائدة الأرض مائة مرة في كلّ ربيعٍ وصيف، ويزينها بأطعمةٍ متنوعة مختلفة، يرفعها وينزلها من الغيب ومن العدم ومن حيث لا
71. صفحة
يُتوقع ومن التراب اليابس، وكأن سنوات الزمان وأيام كلّ سنةٍ صحونٌ وأوانٍ لثمار الإنعام وأطعمة الرحمة المتتالية المتعاقبة، ومعرض للمراتب الكلية والجزئية لإنعام رزاقٍ رحيم، فأنت عبدٌ لمثل هذا الغني المطلق، فإن كنت واعيًا بعبوديتك فإنّ فقرك الأليم يكون اشتهاءً لذيذًا.
وقد تلقيت أنا بدوري درسي، وقلت مع نفسي: أجل؛ أجل؛ إنه الحق بعينه، وإنه الصواب بذاته، وردَّدت في توكل "حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ".
المرتبة النورية الحسبية الثالثة:
ولما وجدتُ أن علاقتي بالدنيا انقطعت بسبب مضايقات أنواع الغربة والأمراض والمظلومية، لقّنني الإيمان أني مرشح لسعادةٍ دائمة في عالم أبدي في دارٍ باقية، فتخليت عن إطلاق صرخات التأفّف والتضجر، وبدأت أردد كلماتٍ تفوح بالفرح والسرور والسعادة، إلا أنني فكرت في أن غاية الخيال هذه والهدف الروحي هذا ونتيجة الفطرة هذه لا يمكن تحققها إلا بالقدرة غير المحدودة للقدير المطلق الذي يعلم جميع الحركات والسكنات والأحوال والأعمال القولية والفعلية لجميع المخلوقات، ويسجلها ويقيدها، ويتخذ هذا الإنسان الصغير جدًّا العاجز عجزًا مطلقًا حبيبًا ومخاطبًا له، ويهب له مقامًا فوق جميع المخلوقات، ولا يمكن إلا بعنايته للإنسان واهتمامه به بشكل غير محدود.
أجل؛ بينما كنت أفكر في هذه الأمور التمست إيضاحًا يؤدي إلى انكشاف الإيمان واطمئنان القلب في هاتين النقطتين، أي في فعالية مثل هذه القدرة والأهمية الحقيقية لهذا الإنسان الذي لا أهمية له في الظاهر، فراجعت هذه الآية من جديد، فقالت لي: أمعن النظر في "نا" في "حَسْبُنَا" وتأملها جيدًا، وأمرتني قائلة: استمع إلى من يقولون معك "حَسْبُنَا" بلسان الحال ولسان المقال، فنظرت فإذا بي أرى أن الطيور والطويرات والذباب غير المحدودة، والحيوانات والحوينات غير المعدودة، والنباتات والخضروات غير المتناهية، والأشجار والشجيرات التي لا حد لها تذكُر مثلي بلسان الحال معنى ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ﴾، وتذكّر الآخرين بها؛ إذ إن لها وكيلا يتكفل لها بجميع شرائط حياتها،
72. صفحة
بحيث يخلق ويصنع من البيوض المتشابهة والمتركبة من المواد نفسها، ومن القطرات المتشابهة تشابهًا كأنها متماثلة، ومن الحبوب المتشابهة لحدٍّ وكأنها عين الآخر، ومن البذور المتشابهة تشابهًا وكأنها نفس الآخر؛ أنواعَ الطيور البالغة مائة ألف نوع، وطُرز الحيوانات البالغة مائة ألف طرز، وأنواع النباتات البالغة مائة ألف نوع، وأصناف الأشجار البالغة مائة ألف صنف، يخلقها أمام أعيننا، وخاصة في كلّ ربيع، ضمن نطاقٍ في غاية السعة، بمنتهى السرعة، وبمنتهى السهولة، وبمنتهى الكثرة، ومن غير خطأ ولا نقصان ولا التباس، خلقًا مزينًا جميلا وموزونًا ومتقنًا ومنتظمًا ومتميزًا بعضه عن بعضه، وتحمل علاماتٍ فارقة تفرق بعضها عن بعضها.
فخلق جميع هذه المخلوقات مجتمعةً ومتشابهة ومتداخلة وبطرزٍ واحد ضمن عظمة وجلال قدرته يُظهِر لنا وحدتَه وأحديّتَه، ويعلِّم ويعرِّف لنا أنه لا يمكن التدخل والاشتراك في فعل الربوبية وتصرف الخلاقية اللذين يُبرِزان ويُظهِران مثل هذه المعجزات التي لا حد لها.
فهمت هذا من الآية ثم نظرت إلى "أنا" الموجود في "نا" لـ"حَسْبُنَا"، أي إلى نفسي، فرأيت أن الذي خلقني بين الحيوانات خلقني من قطرة ماءٍ هي منشأ لي، وفطرني بشكلٍ معجز، فشقّ أذني، وركَّب لي عينين، ووضع في رأسي دماغًا، وفي صدري قلبًا، وفي فمي لسانًا؛ إذ خلَق وصنع وكتب في هذا الدماغ والقلب واللسان مئاتٍ من الموازين التي تزن وتعرف جميع الهدايا والعطايا الرحمانية المدخرة في خزائن الرحمة كلها، وآلافًا من الآلات التي تفتح كنوز التجليات غير المتناهية لأسمائه الحسنى وتدركها، وجعل تعريفات بعدد الروائح والطعوم والألوان مساعدةً لتلك الآلات.
وأدرج في جسمي هذا بكمال الانتظام والإتقان حواسَّ ومشاعر حساسة جدًّا، وركَّب هذه اللطائف المعنوية والحواسّ الباطنة المتقنة البديعة، فضلا عن أنه خلق هذه الجهازات والجوارح البديعة وهذه الأعضاء والآلات الضرورية البديعة الصنع في جسمي هذا بكمال الحكمة، حتى يُذيقني جميع أنواع نعمه وكل ضروب
73. صفحة
آلائه ويشعرني بها، ويخبرني ويذيقني المظاهرَ المختلفةَ للتجليات غير المحدودة لأسمائه الحسنى بتلك المشاعر والحواس.
ووهب لي الحياة لتكبير الوجود الذي هو أعظم النعم وتكثيره في جسمي فضلا عن أنه خلق وجودي الحقير والفقير الذي يبدو تافهًا، كما جعل وجود كلّ مؤمن أحسنَ تقويمٍ للكون، وأنورَ نسخةٍ مختصرة للعالم الأكبر، ومثالا مصغرًا لهذه الدنيا، وأظهرَ معجزةٍ لمصنوعاته، وزبونًا طالبًا لكل نوع من أنواع نعمه ومدارًا لها، وموضع ظهور -شبيهًا بالمركز- لقوانين ربوبيته وإجراءاتها، وقائمة وفهرسًا -شبيهًا بحديقة النماذج- لعطايا الحكمة والرحمة وأزهارهما، ومخاطبًا يدرك ويفهم الخطابات السبحانية، وبهذه الحياة يمكن لنعمة وجودي هذه أن تنبسط بقدر عالم الشهادة.
ومنحني الإنسانية، فانكشفت بها نعمة وجودي في العوالم المادية والمعنوية، وفتحت بالحواسّ الخاصة بالإنسان طريق الاستفادة من الموائد العامرة الواسعة.
وأنعم عليّ بالإسلام، فتوسعت به نعمة وجودي بقدر عالم الغيب والشهادة.
ومَنّ عليّ بالإيمان التحقيقي، فضمّت به نعمةُ وجودي الدنيا والآخرةَ.
ورزقني ضمن هذا الإيمان بالمعرفة والمحبة، وأنعم عليّ بمرتبة تتمكن بها نعمة وجودي من مدّ أيديها من دائرة الممكنات إلى عالم الوجوب وإلى دائرة الأسماء الحسنى لتستفيد منها بالحمد والثناء.
وخصني بعلم القرآن والحكمة الإيمانية، وفضلني بهما على كثير من المخلوقات، وأنعم عليّ جامعية بوجوه كثيرة كما في النقاط السابقة، فأعطاني مرآةً كاملةً لأحديته وصمديته، واستعدادًا يستطيع أن يقابل ربوبيته الكلية القدسية بعبودية واسعة كلية، وقد أدركت بعلم اليقين والإيمان الكامل أنه يشتري مني وجودي وحياتي ونفسي-كما ينص القرآن الكريم- التي أودعها فيّ والتي هي هديته وعطيته لي، بإجماع جميع الكتب والصحف والأوامر المقدسة التي أرسلها مع الأنبياء عليهم السلام إلى البشر، وباتفاق جميع الأنبياء
74. صفحة
والأولياء والأصفياء، حتى يحفظها لي ولا تضيع عندي بلا فائدة، وعلمت أيضًا أنه وعد وعدًا قاطعًا وتعهد تعهدًا جازمًا مرارًا وتكرارًا بالسعادة الأبدية والجنة مقابل بيعها ليعيدها.
وقد فهمت من الآية الحسبية ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ﴾ أن لي ربًّا ذا جلال وإكرام يفتح فتحًا متقنًا باسمه الفتّاح صور مئات الآلاف من أنواع الحيوانات والنباتات التي لا حد لها من القطرات والبذور المحدودة المتشابهة، بمنتهى السهولة والسرعة، ويولي الإنسان أهميةً بالغة تحير العقول كما بينا سابقًا، ويجعله مدارًا للشئون المهمة للربوبية، سيخلق الحشر الذي هو سهلٌ عليه وقطعي ومحقَّق الحصول كسهولة إيجاد الربيع القادم وقطعيته وتحققه، وينعم بالجنة، ويخلق السعادة الأبدية.
ولو كان الأمر بيدي لقلت بألسنة جميع المخلوقات ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ﴾، ولما كنت لا أستطيع ذلك فإني قلتها بالنية والتصور والخيال، وأرغب أن أرددها دائمًا أبد الآبدين.
المرتبة النورية الحسبية الرابعة:
لقد صادفتْ ذات يومٍ العوارض المزلزلة لكياني كالشيخوخة والغربة والمرض والإخفاق وقت غفلتي وفكرت في ذهاب جسمي وكياني -الذي أفتتن وأتعلق به بشدة- إلى العدم، بل ذهاب أجسام المخلوقات إلى العدم، فأورثتني هذه الفكرة قلقًا مؤلمًا فراجعت آية الحسبية من جديد، فقالت: أنعم النظر في معانيّ، وانظر بمنظار الإيمان، فنظرت ورأيت بعين الإيمان وعلمت علم اليقين أن جسمي هذا الصغير كالذرة مرآةٌ لوجودٍ غير محدود، ووسيلة لكسب أجسامٍ غير محدودة بانبساط غير متناه، ومثل كلمة حكمةٍ تثمر أجسامًا متعددة باقية أفضل وأهم من نفسها، وأن حياته لحظةً واحدة من حيث المنسوبية مهمة وقيمة كوجودٍ أبدي؛ لأنني علمت بوعي الإيمان أن جسمي هذا بمعرفة أنه أثر الواجب الوجود وصنعته وتجليه يتخلص من ظلماتٍ غير محدودة للأوهام الوحشية، ومن آلام المفارقات والفراق غير المحدودة وأن ثمة وصالا دائميًّا في الفراق المؤقت عن الموجودات
75. صفحة
التي أحبها وأتعلق بها بواسطة روابط الأخوة بعدد الأسماء الإلهية عن طريق الأفعال المتعلقة بالموجودات، ولاسيما الأفعال المتعلقة بذوي الحياة.
ومن المعلوم أن الذين تربطهم روابط الوحدة؛ كالقرية الواحدة، أو المدينة الواحدة، أو البلد الواحد، أو الفرقة العسكرية الواحدة، أو الشيخ الواحد وأمثالها يشعرون تجاه بعضهم البعض أخوةً محبوبة وصداقة ملؤها الحب، أما الذين يحرمون من أمثال هذه الروابط فيتعذبون دومًا في ظلماتٍ أليمة.
ثم إنه لو كان لثمار الأشجار وعي وشعور لشعرت كلّ منها أنها أخت الأخرى، ومعادلتها، وصاحبتها، وناظرتها، أما لو لم تكن الشجرة، أو قُطفت الثمار كلها من الشجرة، فكل واحدة من الثمار ستشعر فراقًا بعدد الثمار المقطوفة.
وهكذا فبالإيمان وبالانتساب الإيماني يكتسب وجودي هذا أيضًا، ككل مؤمن، أنوارًا بلا فراق لوجودات لا عدد لها، ولو رحل هو نفسه لرضي واطمأن وكأنه هو قد بقي ببقاء تلك الوجودات غير المعدودة.
ومع ذلك وكما قد أُثبت في "المكتوب الرابع والعشرين" بالقطع والتفصيل فإن وجود كلّ ذي حياةٍ ولاسيما ذي روحٍ ككلمة، تقال وتكتب، ثم تغيب، وتترك بدل وجودها كثيرًا من الوجود الذي يعتبر وجودها من الدرجة الثانية كمعناها، وتترك هويتها المثالية، وصورتها، ونتائجها، وثوابها إن كانت من الكلمات المباركة، وحقيقتها، ثم تدخل تحت حجابٍ.
أقول إن وجودي هذا، ووجود كلّ ذي حياة، لو رحل عن الوجود الظاهري يترك روحه إن كان ذا روح، ومعناه، وحقيقته، ومثاله، والنتائج الدنيوية لماهيته الشخصيته، وثمراته الأخروية، وهويته وصورته في الذاكرات، وفي الألواح المحفوظة، وفي أشرطة الأفلام للمناظر السرمدية، وفي معارض العلم الأزلي، ويترك تسبيحاته الفطرية التي تمثله وتعطيه البقاء في سجل أعماله، ومقابلتَه الفطرية ومرآتيته الوجودية لتجليات الأسماء الإلهية ومقتضياتها في دائرة الأسماء..نعم علمت يقينًا أنه يترك مكانه كثيرًا من أمثال ما ذكرناه من الوجودات المعنوية التي هي أكثر قيمة من وجوده الظاهري، ثم يرحل.
76. صفحة
وهكذا فبالإيمان، وبالوعي والانتساب اللذين فيه؛ يمكن امتلاك تلك الأنواع المذكورة من الوجود المعنوي الباقي، فلو لم يكن الإيمان لظل المرء محرومًا من جميع تلك الأنواع من الوجود، فضلا عن أنه يضيع وجوده الظاهري وكأنه صائر إلى العدم والفناء.
كنت أتأسف وأتحسر ذات يومٍ على فناء أزهار الربيع بسرعةٍ، حتى إني كنت أحزن كثيرًا على تلك اللطيفات الرقيقات، فالحقيقة الإيمانية التي بُينت هنا قد أظهرت أن تلك الأزهار بذور في عالم المعنى، وأن مكاسبها من حيث نور الوجود مائةٌ مقابل واحد كشجرة وسنبلة تثمر كلّ ذلك الوجود علاوة على الروح التي ذكرناها، وأن وجودها الظاهري لا ينمحي، بل يختفي، ثم إنه -وجودها الظاهري- صورٌ تتجدد بسبب حقيقتها النوعية الباقية؛ إذ موجودات الربيع الماضي كالأوراق والأزهار والثمار هي أمثال ما في هذا الربيع، والفروق اعتباريةٌ بحتة، وهذه الفروق الاعتبارية هي لجعل كلمات الحكمة وعبارات الرحمة وحروف القدرة تلك تعبِّر عن معانٍ مختلفةٍ متعددة، وإذ علمتُ هكذا قلت: ما شاء الله، بارك الله، بدل التأسف والحسرات.
ولقد شعرت من بعيد بوعي الإيمان ورابطته كم هو غالٍ ونفيسٌ أن يكون المخلوق من ناحية الانتساب إلى صانع الأرض والسماوات أثر صانعٍ صنع السماوات وزيّنها بالنجوم وخلق الأرض وجمّلها بالأزهار والمخلوقات الجميلة، وأظهر في صنعةٍ واحدة مئات من المعجزات، وأن يكون أثر صنع الصانع ذي الخوارق غير المحدودة! وكم يفتخر به ويتشرف المخلوق إن كان ذا وعي وشعور! ولاسيما أن ذلك الصانع ذا المعجزات غير المتناهية إذا كتب الكتاب الكبير للسماوات الهائلة والأرض الكبيرة الضخمة في نسخةٍ صغيرة كالإنسان، بل إذا جعل الإنسان خلاصةً منتخَبة بديعة لذلك الكتاب؛ كم يكون ذلك الإنسان مدارًا لشرفٍ وكمال وقيمة عظيمة، ومَظهرًا لها بالإيمان، ومالكا لذلك الشرف بالوعي والانتساب!
ولما تلقيت هذا الدرس من هذه الآية قلت بألسنة جميع الموجودات من حيث النية والتصور: حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ
77. صفحة
المرتبة النورية الحسبية الخامسة:
لقد اضطربتْ ذات يومٍ حياتي واهتزت تحت مضايقاتٍ ثقيلة ومعاناة كبيرة، فحوَّلتْ نظر انتباهي إلى العمر والحياة، فرأيت أن عمري يجري مسرعًا، وقد اقترب من النهاية، وأن حياتي هي الأخرى قد أخذت في الانطفاء تحت المضايقات، ولكنني فكرت متألما في أن وظائف الحياة المهمة ومزاياها الكبيرة وفوائدها القيمة التي وضِّحت في الرسالة المتعلقة باسم "الحي" لا تليق بمثل هذا الانطفاء السريع، بل تليق بقضاء حياةٍ طويلة جدًّا، وراجعت من جديد آية ﴿ حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ﴾ التي هي أستاذي ومرشدي، فقالت: انظر إلى الحياة من منظور الحي القيوم الذي وهبك الحياة، فنظرت ورأيت أن حياتي إن كانت تنظر وتتوجه إليّ من جهةٍ واحدة فنظرها وتوجهها إلى الحي القيوم هو من مائة جهة، وإذا كانت نتيجتها المتوجهة إليَّ واحدة فهي إلى خالقي ألف، فهذه الجهة لا تتطلب وقتًا طويلا، بل لا تتطلب وقتًا أصلا، بل يكفي لها أن تعيش لحظةً واحدة.
ولما كانت هذه الحقيقة قد وضحت في رسائل "رسائل النور" فسنبين هنا خلاصة مختصرة لها في "أربع مسائل":
المسألة الأولى: نظرت إلى الحياة من جهة توجه ماهيتها وحقيقتها إلى الحي القيوم فرأيت أن ماهية حياتي هي مخزن مفاتيح تفتح كنوز الأسماء الإلهية، وخريطةٌ صغيرة لنقوشها، وفهرست لتجلياتها، ومقياس دقيق وميزانٌ حساس لحقائق الكون الكبيرة، وكلمة حكمة مكتوبةٍ تَعْلم وتعلِّم وتَفْهم وتفهِّم أسماء الحي القيوم القيّمة الحكيمة المفعمة بالمعاني، وعلمت ذلك.
فحقيقة الحياة على هذا النحو تكتسب ألف درجة من القيمة، ودوامها ساعةً واحدة يحرز أهميةً كعمرٍ كامل، ولا يُنظر إلى طول العمر أو قصره من حيث تعلقه بالذات الأزلية المنزهة عن الزمان.
المسألة الثانية: نظرت إلى الحقوق الحقيقية لحياتي، فرأيت أن حياتي مكتوبٌ رباني يستقرئ نفسه للمخلوقات ذات الشعور التي هي إخوتي، وموضع مطالعة يعرِّف خالقها، وهي لوحة إعلانات تَعرض كمالات خالقي، ومن حقوقها العرض
78. صفحة
عن إيمانٍ ووعي وشكر وامتنان أمام نظر الملِك الذي لا مثيل له في العرض المكرر كلّ يوم بالتزيُّن عن علمٍ بما أحسن الخالق بالحياة من هدايا ونياشين قيمة، ومنها إدراك تحيات ذوي الحياة غير المحدودين الواصفةِ لخالقهم وهدايا تسبيحاتهم الشاكرة ومشاهدتها والإعلان عنها بالشهادة عليها، ومن حقوقها إظهار محاسن ربوبية الحي القيوم بلسان الحال ولسان المقال ولسان العبودية.
فأمثال هذه الحقوق السامية للحياة لا تتطلب وقتًا طويلا، فضلا عن أنها تجعل الحياة رفيعةً سامية بألف درجة، وهي أهم وأثمن من الحقوق الحياتية الدنيوية بمائة درجة.
وإذ علمت هذا علم اليقين قلت: سبحان الله! يا لِقِيمة الإيمان! ويا لحيويته! ما أثمن الإيمان! وما أكثره حيوية! لا يدخل شيئا إلا ويبعث فيه الحياة، وشعلة منه تحيي حياةً فانية كهذه وكأنها باقية، ويمحو الفناء القابع عليها.
المسألة الثالثة: نظرت إلى وظائف حياتي الفطرية وفوائدها المعنوية المتوجهة إلى خالقي فرأيت أن حياتي تؤدي وظيفة المرآتية لخالق الحياة بـ"ثلاثة أوجه":
الوجه الأول: إن حياتي بعجزها وضعفها وفقرها واحتياجها تكون مرآةً لقدرة خالق الحياة وقوته وغناه ورحمته.
أجل؛ وكما أنه بدرجة الجوع تُعلم درجات لذة الطعام، وبمراتب الظلمة تعلم مراتب الضوء، وبمقياس البرودة تعلم درجات الحرارة وموازينها، كذلك فإنني من حيث إزالة احتياجاتي غير المحدودة ودفع أعدائي غير المحدودين مع عجزي وفقري غير المحدودين في حياتي عرفت قدرة خالقي ورحمته غير المحدودتين، وفهمت وظائف السؤال والدعاء واللجوء والتذلل والعبودية.
الوجه الثاني: إن حياتي بمعانيها كالعلم والاختيار والسمع والبصر الجزئي مرآةٌ لصفات خالقي وشئونه الكلية المحيطة.
أجل؛ لقد علمت بمعانٍ كثيرة في حياتي الشخصية وفي أفعالي الواعية الشاعرة كالعلم والسمع والبصر والحب والاختيار، علمَ خالقي واختياره وأوصافه المحيطة كالسمع والبصر والقدرة والحياة وشئونه كالحب والغضب والشفقة.
79. صفحة
أجل؛ لقد علمت ذلك بنسبة كبر الكون عن شخصي أنا وبمقياسٍ أكبر، وآمنت وصدَّقت واعترفت بها، فوجدت طريقًا آخر إلى المعرفة.
الوجه الثالث: إن حياتي مرآة للأسماء الإلهية التي لها نقوش وتجليات في حياتي.
أجل؛ كلما نظرت إلى حياتي الشخصية وجسمي أرى آثارًا ونقوشا وصنائع وبدائع معجزة، وأشاهد أنني أُرزق بشفقةٍ، ومن ثم فقد علمت بنور الإيمان أن الذي خلقني ويحييني هو في منتهى السخاء والرحمة والإبداع والصنع واللطف، وفي منتهى الاقتدار والمهارة واليقظة والإتقان، ونعوذ بالله من التعابير غير اللائقة به، تنزّهت عظمته.
وتعلمتُ حقيقة وظائف الفطرة وغاية الخلقة ونتائج الحياة كالتسبيح والتقديس والحمد والشكر والتكبير والتعظيم والتوحيد والتهليل، وعلمت علم اليقين سبب كون أهم مخلوق في الكون هو الحياة، وسر مسخَّرية كلّ شيء للحياة، وحكمة وجود اشتياق فطري لدى الكل تجاه الحياة، وأن حياة الحياة هي الإيمان.
المسألة الرابعة:
ما اللذة والسعادة الحقيقية لحياتي هذه في الدنيا؟
نظرت إلى آية ﴿ حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ﴾ هذه من جديد كي أحصل على الجواب، فوجدت أن أصفى لذةٍ لحياتي وأن أخلص سعادة لها هي في الإيمان، أي: إن إيماني اليقيني الجازم بأنني مخلوق الرب الرحيم الذي خلقني ويحييني ومصنوعه ومملوكه وتحت تربيته ونظره ورعايته، وأنني محتاج إليه كلّ وقت وساعة، وأن ذلكم الرب هو ربي وإلهي، وأنه رءوف ورحيم بي؛ لذةٌ وسعادة كافية ووافية دائمة لا يشوبها ألم؛ بحيث لا يمكن وصفها! ففهمت من الآية كيف أن حقيقة "الحمد لله على نعمة الإيمان" في محلها.
فهذه المسائل الأربع المتعلقة بحقيقة الحياة وحقوقها ووظائفها ولذائذها المعنوية أظهرت أن الحياة كلما توجهت إلى الحي القيوم الباقي، وكلما صار الإيمان حياةً للحياة وروحا لها؛ وَجَدَتْ البقاء، وأثمرت ثمراتٍ باقية، وسَمت وترقّت إلى حدٍّ تنال معه تجلي السرمدية، ولا يُنظر حينئذ إلى قصر العمر أو طوله.
80. صفحة
هكذا تلقيت درسي من هذه الآية وقلت باسم جميع أنواع الحياة وذوي الحياة من حيث النية والتصور والخيال: ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ﴾.
المرتبة الحسبية النورية السادسة:
في وقت الشيخوخة التي تنذر بمفارقتي الخصوصية ضمن أحداث آخر الزمان التي تنبئ عن خراب الدنيا الذي هو وقت الفراق العام، وفي وقت انكشاف عشق الحسن وحب الجمال وافتتان الكمال في فطرتي بسبب الحساسية فوق المعتادة في أواخر عمري، رأيت بحسٍّ مرهف وحزنٍ بالغ أن الفناء والزوال المخربين الدائمين والموت والعدم المفرّق باستمرار تصفع وتركل وتحطم وتفتِّت بشكل مرعب هذه الدنيا الجميلة وهذه المخلوقات الجميلة وتفسد جمالها.
وإذ كان العشق المجازي في فطرتي يثور ويفور ويبدي رفضه وعصيانه بشدةٍ تجاه هذه الحال راجعت آية الحسبية هذه مرة أخرى علني أجد السلوان، فقالت: اقرأني، وأمعن النظر في معانيَّ! وأنا بدوري دخلت في مرصد آية النور في سورة النور، فنظرت بمنظار الإيمان إلى أبعد طبقات الآية الحسبية، وبمجهر الوعي الإيماني إلى أدق أسرارها، فرأيت أنه مثلما تُظهِر المرايا والزجاجات والأشياء الشفافة بل الفقاقيعُ الجمالَ المخفي المتنوع لضوء الشمس والجمال المتنوع للألوان السبعة لذلك الضوء، وبتجددها وتحركاتها وقابلياتها المختلفة وانكساراتها تجدد ذلك الحسن والجمال، وبانكساراتها تذكِّر الجمال المخفي للشمس وضوءها وألوانها السبعة، كذلك فإن هذه المصنوعات الجميلة وهذه المخلوقات اللطيفة وهذه الموجودات الجميلة تأتي وترحل بلا توان لتكون مرايا للجمال القدسي للجميل ذي الجلال الذي هو شمس الأزل والأبد، وللجمال السرمدي لأسمائه الحسنى التي هي في منتهى الجمال ولتجديد تجلياته، وتذكِّر أن الحسن والجمال الذي يتراءى عليها ليس ملكا لها، بل إشارات ولمعات وتجليات لجمالٍ سرمدي مقدس يريد الظهور، ولحسنٍ مجرد ومنزه يتجلى دومًا ويريد أن يتراءى.
ولما كانت قد بُيِّنت بتفصيلٍ دلائل كثيرة وقوية جدًّا لهذه الحقائق في رسائل النور فسنشير إلى "ثلاث" منها باختصار:
81. صفحة
البرهان الأول: كما أن جمال أثرٍ مصنوع يدل على جمال صنعه، وأن جمال الصنع فيه يدل على جمال عنوان الصنع الناشئ عن تلك الصنعة، وأن جمال عنوان الصنع لدى ذلك الصانع يدل على جمال صفته المتعلقة بتلك الصنعة، وأن جمال صفته يدل على جمال قابليته واستعداده، وأن جمال قابليته يدل على جمال روحه وذاته وحقيقته دلالةً قاطعة جدًّا بدرجة البداهة؛ كذلك فإن الحسن والجمال في مخلوقات هذا الكون برمتها وفي جميع المصنوعات التي صُنعها جميلٌ يشهد على حسن وجمال الأفعال لدى الصانع ذي الجلال شهادةً قاطعة، أما الحسن والجمال في أفعاله فيدل بلاشك على حسن وجمال العناوين المتعلقة بالأفعال، أي الأسماء، وأما حسن الأسماء وجمالها فيدل دلالةً قاطعة على الصفات القدسية التي هي منشأ الأسماء، وأما حسن الصفات وجمالها فيدل دلالةً قاطعة على حسن وجمال الشئون الذاتية التي هي مبدأ الصفات، وأما حسن الشئون الذاتية وجمالها فيدل دلالةً قاطعة وبدرجة البداهة على حسن وجمال الذات الذي هو الفاعل والمسمى والمتصف، وعلى الكمال القدسي لماهيته، وعلى الجمال المقدس لحقيقته.
بمعنى أن للصانع ذي الجلال حسنًا وجمالا مطلقًا يليق بذاته الأقدس بحيث جمّل ظلٌّ منه جميع الموجودات قاطبة، وله جمالٌ منزَّه ومقدس بحيث إن تجليًا منه زيَّن الكون كله من أقصاه إلى أقصاه، وزيَّن وأضاء دائرة الممكنات كلها بلمعات الحسن والجمال.
أجل؛ كما أن أثرًا مصنوعًا لا يكون بلا فعل، كذلك الفعل لا يمكن أن يكون بلا فاعل، وكما أن وجود الأسماء بلا مسميات محال، فكذلك الصفات لا يمكن أن تكون بلا موصوف.
وبما أن وجود صنعةٍ أو أثر يدل بداهةً على فعل مَن صنعه، وأن وجود ذلك الفعل يدل على وجود فاعله وعنوانه ووجود الصفة والاسم اللذين ينتجان الأثر؛ فلابد أن كمال أثرٍ وجماله هو الآخر يدل بداهةً وبعلم اليقين على كمال وجمال الفعل الخاص به، وهذا يدل على جمال الصفة اللائق بها، وهذا يدل على جمال القابلية الموافق لها، وهذا يدل على كمال وجمال الذات والحقيقة ولكن
82. صفحة
بشكلٍ موافق للذات والحقيقة، كذلك فإن هذه الفعاليات الدائمة التي تجري تحت ستار هذه الآثار محالٌ أن تكون بلا فاعل، وكما أن الأسماء التي تتراءى بالعيون تجلياتها ونقوشها على هذه المصنوعات لا يمكن بأي وجه من الوجوه أن تكون بلا مسميات؛ فإن الصفات التي تُحَسُّ بها بدرجة الشهود كالقدرة والإرادة هي الأخرى محالٌ أن تكون بلا موصوف، ومن ثم فإن جميع الآثار والمخلوقات والمصنوعات في هذا الكون تدل بوجودها غير المحدود دلالةً قاطعة على وجود أفعال خالقها وصانعها وفاعلها، وعلى وجود أسمائه، وعلى وجود أوصافه، وعلى وجود شئونه الذاتية، وعلى وجوب وجود الذات الأقدس، كذلك فإن الكمالات المختلفة وأنواع الجمال والحسن المتنوعة التي تشاهد على عموم تلك المصنوعات تشهد شهادة في غاية الصراحة وتدل دلالة في غاية القطعية على كمالاتٍ لا حد لها وجمال لا نهاية له للأفعال والأسماء والصفات والشئون والذات لدى الصانع ذي الجلال وعلى جمالها الفائق حميعَ الكون بشكل خاص ولائق بكل واحدة منها وموافقٍ لواجبيته وقدسيته.
البرهان الثاني: وهو "خمس نقاط".
النقطة الأولى: إن رؤساء جميع أهل الحقيقة المختلفين والبعيدين بعضهم عن بعض من ناحية المشارب والمسالك، يؤمنون ويحكمون بالإجماع والاتفاق مستندين إلى أذواقهم وكشفياتهم أن جميع الحسن والجمال في الموجودات كافةً هو ظل للحسن والجمال المقدس للذات الواجبة الوجود ولمعاتها وتجلياتها وراء الحجب والأستار.
النقطة الثانية: إن جميع المخلوقات الجميلة تأتي قافلةً إثر قافلة وترحل بلا توانٍ قافلةً وراء قافلة، وتدخل في عالم الفناء وتغيب، إلا أن جمالا ساميًا غير متبدل يتجلى ويري نفسه على تلك المرايا يظل على تجلياته، وهذا الأمر يدل دلالة قاطعة على أن ذلك الجمال ليس ملكًا لتلك الجميلات وليس جمالا للمرايا، بل إن ذلك الجمال والحسن شعاعاتٌ لجمالٍ سرمدي كما يتراءى جمال شعاعات الشمس على فقاقيع الماء الجاري.
83. صفحة
النقطة الثالثة: كما أن مجيء النور من النورانية، والوجود من الموجودية، والإحسان من الغنى، والسخاء من الثروة، والتعليم من العلم بديهي لا محالة؛ فلابد أن التحسين من الْحَسَنِ، والتجميل من الجميل وليس غير.
فبناء على هذه الحقيقة نؤمن أن جميع أنواع الجمال المشاهدة على هذا الكون كله تنبعث من جميلٍ؛ بحيث إن هذا الكون المتبدل المتجدد باستمرارٍ يصف ويعرِّف جمال ذلكم الجميل بجميع موجوداته وبألسنة مرآتيتها له.
النقطة الرابعة: كما أن الجسد يستند إلى الروح فيقوم بها ويحيا، وأن اللفظ يتوقف على المعنى فيتنور بحسبه، وأن الصورة تستند إلى الحقيقة فتكتسب بها القيمة، كذلك فإن عالم الشهادة المادية والجسمانية هذا هو الآخر جسدٌ ولفظ وصورة تستند إلى الأسماء الإلهية التي هي وراء حجب عالم الغيب، وتحيا بها، وتعتمد عليها، وتستمد منها الحيوية، وتنظر إليها فتتجمل، وإن جميع أنواع الجمال المادي تنشأ من الجمال المعنوي لحقيقتها ومعانيها الذاتية، أما حقائقها فتستفيض من الأسماء الإلهية، وهي ظلالها نوعًا ما، وهذه الحقيقة قد أثبتت في رسائل النور إثباتًا قاطعًا.
إذن إن جميع أنواع الجمال الموجودة في هذا الكون وألوانها ما هي إلا تجليات وإشارات وأمارات بواسطة الأسماء لجمالٍ مقدس عن النقص والقصور، ومجرد عن المادة يتجلى من وراء عالم الغيب، ولكن فكما أن الذات القدسية للواجب الوجود لا تشبه الآخرين من أية ناحية، وإن صفاته تعالى عالية وسامية عن صفات الممكنات بدرجة غير متناهية؛ كذلك فإن جماله القدسي لا يشبه حسن الممكنات والمخلوقات، وهو أعلى وأسمى منه بلا حدٍّ.
أجل؛ إن الجمال السرمدي الذي ما الجنة العظيمة بجميع حسنها وجمالها إلا تجل من تجلياته، والذي مشاهدته ساعةً واحدة تُنسِي أهلَ الجنة الجنةَ، لا يمكن أن يكون له نهاية أو شبيه أو نظير أو مثل البتّةَ.
ومن المعلوم أن جمال الشيء بحسبه، والجمال يمكنه أن يكون بآلاف الأنماط والأشكال، وللجمال أنواع وألوان كاختلاف الأنواع.
84. صفحة
فمثلا: إن جمالا يُحَسُّ به بواسطة العين المجردة يختلف عن الجمال الذي يحس به بواسطة الأذن، وإن الحسن العقلي الذي يُفهم بواسطة العقل لا يكون كحسن الطعام الذي يُحَسّ بالفم؛ كذلك فالحسن الذي يستحسنه القلب والروح وسائر الحواس الظاهرة والباطنة والذي تُحسّه جميلا مختلف كاختلاف تلك الحواس.
ومثلا: وكما أن جمال الإيمان، وجمال الحقيقة، وحسن النور، وحسن الزهرة، وجمال الروح، وجمال الصورة، وجمال الشفقة، وجمال العدالة، وحسن الرحمة، وحسن الحكمة، مختلف متنوع؛ كذلك فإن جمال أسماء الجميل ذي الجلال الحسنى في منتهى الحسن هو الآخر مختلف ومتنوع، ومن ثم فإن أنواع الحسن والجمال في الموجودات صارت مختلفة ومتنوعة.
وإن كنت راغبًا في مشاهدة تجل من تجليات حسن أسماء الجميل ذي الجلال في مرايا الموجودات فانظر بعينٍ خيالية واسعة تقدر على مشاهدة وجه الأرض وكأنه حديقة صغيرة، واعلم أن التعبيرات كـ"الرحمانية" و"الرحيمية" و"الحكيمية" والعادلية" تشير إلى أسماء الحق تعالى وأفعاله وصفاته وشئونه.
فانظر إلى أرزاق جميع الحيوانات، وعلى رأسها الإنسان، تلك الأرزاق التي تأتي من وراء حجاب الغيب بانتظامٍ، وأبصر جمال الرحمانية الإلهية.
وانظر إلى إعاشة جميع الصغار بشكلٍ معجز، وإلى الحليب الذي يُدَرّ حلوًا لطيفًا خالصا صافيا كالكوثر من مضختين صغيرتين معلقتين على صدر أمهات الصغار فوق رءوسهم، وأبصر جمال الرحيمية الربانية الجذاب.
وأبصر الجمال المنقطع النظير للحكيمية الإلهية التي جعلت الكون بأنواعه كتاب حكمةٍ كبيرًا، وأي كتاب! إذ جعلت كلّ حرفٍ من حروفه كمائة كلمة، وكلَّ كلمةٍ منه كمائة سطرٍ، وجعلت كلّ سطرٍ كألف بابٍ، وكل باب كآلاف الكتب الصغيرة.
وانظر إلى الجمال الباهر للعادلية التي وضعت الكون كله بجميع موجوداته تحت ميزانه، والتي تحافظ على موازنة الأجرام العلوية والسفلية كلها، والتي تمنحها التناسق والتناسب الذي هو أهم أساس للحسن والجمال، والتي
85. صفحة
تمنح كلّ شيء أجمل وضعٍ وحالة، والتي تعطي كلّ كائنٍ حي حق الحياة فتحق الحق، والتي توقف المتجاوزين عند حدودهم وتعاقبهم.
وانظر إلى كتابة تاريخ حياةٍ ماضية لكل إنسانٍ في ذاكرته الصغيرة صغر حبة قمح، وإلى كتابة تاريخ حياةٍ مستقبلية ثابتة لكل نباتٍ وشجر في نواتها، وإلى ما يحتاجه كلّ كائن حي من أجهزة وآلات للحفاظ على حياته، فانظر -مثلا- إلى جنيحات النحل، وإلى إبرته السامّة، وإلى حراب الأزهار ذات الأشواك، وإلى القشور الصلبة للبذور، وأبصر الجمال اللطيف للحافظية والحفيظية الربانية.
وانظر إلى الروائح الطيبة المتنوعة للأطعمة غير المحدودة التي هيأها الرحمن الرحيم الذي هو الكريم المطلق من جانب رحمته لضيوفه على سُفرة الأرض، وإلى ألوانها الجميلة الزاهية المختلفة، وإلى طعومها الحلوة اللطيفة المتنوعة، وانظر إلى أجهزة كلّ كائن حي كيف أنها تساعده في تذوقه وتمتعه، وأبصر الجمال اللطيف والحسن الحلو للإكرام والكريمية الربانية.
ثم انظر إلى تجليات اسمي "الفتاح" و"المصور"، وانظر إلى صور جميع الحيوانات، وعلى رأسها الإنسان، تلك الصور الحكيمة ذات المعاني الغزيرة المنفتحة من قطرات الماء، وإلى الوجوه الجذابة لأزاهير الربيع وهي متفتِّحة من بذورها وذراتها، وأبصر الجمال المعجز للفتاحية والمصورية الإلهية.
وقياسًا على هذه الأمثلة المذكورة فإن لكل اسمٍ من الأسماء الحسنى جمالا قدسيًّا خاصًّا به بحيث إن تجليًا واحدًا له يجمِّل عالما كبيرا ونوعًا لا حد له، وإنك لترى جمال تجلي اسمٍ على زهرة واحدة، كذلك فإن الربيع هو الآخر زهرة، والجنة هي الأخرى زهرة لم يُر مثلها، فإن استطعت أن تنظر دفعة إلى الربيع بأكمله، وإن استطعت أن ترى الجنة بعين الإيمان فانظر وأبصر، وافهم درجة عظمة الجمال السرمدي.
وإن قابلتَ ذلك الجمال بجمال الإيمان وحسن العبودية كنت مخلوقًا في غاية الحسن والجمال، وإن قابلته بقبح الضلالة غير المحدود وبقبح العصيان الشنيع كنت أقبح مخلوق، وموضع نفور جميع الموجودات الجميلة معنىً.
86. صفحة
النقطة الخامسة: كما أن شخصًا يملك مئاتٍ من المهارات والإبداعات والصناعات والكمال والجمال بنى قصرًا بديعًا خارقا لعرض جميع مهاراته وإبداعاته وصناعاته وجماله وكمالاته المخفية ولإظهارها وللتعريف بها حسب قاعدة: "إن كلّ مهارة تود عرض نفسها، وكل إبداع وصنعة ترغب في جلب التقدير والاستحسان، وكل كمال يريد إظهار نفسه، وكل جمال يحب أن يري نفسه"، وإن كلّ من يشاهد ذلك القصر المعجز ينتقل مباشرة إلى مهارات وإبداعات ومحاسن بانيه ومالكه، ويؤمن به ويصدقه وكأنه يراه بأم عينه، ويقول ويحكم بأن من لم يكن جميلا وماهرًا بكل المقاييس لا يقدر على أن يكون مصدر مثل هذا الأثر الجميل بكل الوجوه، ولا يقدر أن يكون موجِده ومخترعه بدون تقليد أحد، بل إن محاسنه وكمالاته المعنوية قد تجسمت بهذا القصر، وكذلك فإن الذي يرى حسن الدنيا التي تسمى بالكون وجمال هذا القصر الفخم الذي هو مشهر العجائب، ولم يكن عقله سخيفًا وقلبه فاسدًا؛ يرى أن هذا القصر مرآة، وهو زُين هكذا ليري جمال غيره وكماله.
أجل؛ بما أن قصر العالم هذا لا مثيل له حتى تُقتبس المحاسن منه وتقلَّد، فلابد أن لباني هذا القصر وصانعه جمالا وحسنًا لذاته وأسمائه يليق به بحيث إن الكون يقتبس هذه الأنواع من الجمال منه، وإنه قد صُنع بحسبه هو، وإنه قد كُتب ككتاب للتعبير عن ذلك الجمال.
البرهان الثالث: وله "ثلاث نكات".
النكتة الأولى: وهي حقيقة بُينت في "الموقف الثاني" من "الكلمة الثانية والثلاثين" بتفصيلٍ كاف وشاف مع حجج قوية؛ لذا نحيل تفاصيلها إليها، وننظر إليها هنا بإشارة مختصرة، وذلك كالآتي:
ننظر إلى هذه المصنوعات، ولاسيما الحيوانات والنباتات، ونرى أنه يحكم فيها التزيين الدائم الذي يدل على القصد والاختيار ويخبر عن العلم والحكمة، وعن التنظيم والتجميل اللذين يستحيل حملهما على المصادفة، وتتراءى في كلّ شيء صنعةٌ رقيقة، وحكمة دقيقة، وزينة سامية، وترتيب ذو شفقة، ووضع حلو
87. صفحة
لتحبيب الصانع صنعته إلى المشاهدين، ولجلب أنظار الانتباه إليها، ولإرضاء مصنوعاته ومشاهديها، فيُفهم من هذه الأحوال بداهةً أن وراء حجاب الغيب صانعًا يريد تعريف نفسه إلى ذوي الوعي والشعور؛ بحيث إنه يريد أن يعرض إبداعاته ومهاراته وكمالاته فيحببَ نفسه ويجلب المدح والثناء إليه.
وإنه يحسن إلى مخلوقاته الواعية الشاعرة بجميع أنواع نعمه اللذيذة التي تستحيل إحالتها إلى المصادفة من حيث لا يحتسبون؛ ليجعلهم في امتنان وسرور وولاء له، ثم إنه يشاهَد معاملة وتعارف كريمان معنويان يخبران عن شفقة عميقة ورحمة سامية، ومكالمة ودية بلسان الحال، ومقابلة رحيمة لدعواتهم.
إذن إن إكرام التلذيذ والإنعام الذي يشاهَد وراء كيفية التعريف والتحبيب اللذين هما ظاهران وواضحان كالشمس، نابع من إرادة الشفقة الراسخة ومن رغبة الرحمة القوية، أما وجود إرادة الشفقة والرحمة القوية لدى المستغني المطلق الذي ليس له حاجة أصلا فيدل بالبداهة على وجود جمالٍ بلا مثيل في منتهى الكمال وحسنٍ أزلي سرمدي لم يزل يريد أن يرى ويري نفسه في المرايا؛ والتظاهرُ من مقتضى ماهيته، والتبارز من شأن حقيقته؛ بحيث إن ذلك الجمال قد تلبّس صورة الرحمة والشفقة كي يرى ويري نفسه في المرايا المختلفة، ثم اتخذ وضع الإنعام والإحسان في مرايا ذوي الشعور والوعي، ثم اتخذ كيفية التحبب والتعرف، أي تعريفه إلى ذوي الشعور والوعي، ثم أرسل ضياء تزيين مصنوعاته وتجميلها.
النكتة الثانية: إن العشق الإلهي غير المحدود والحب الرباني لدى نوع الإنسان ولاسيما الطبقة العليا منه بشكلٍ راسخ على الرغم من اختلاف مسالكهم وتنوع مشاربهم ليشير بداهةً إلى جمالٍ بلا مثيل، بل يشهد له شهادة، بل إن جميع الحمد والثناء اللذين يُرفعان من قبل جميع الموجودات بلسان الحال والمقال يتوجه إلى ذلك الحسن الأزلي ويصعد إليه، بل إن جميع الانجذابات والجذبات والجاذبات والحقائق الجذابة كلها إشاراتٌ إلى حقيقةٍ جاذبة أزلية أبدية، وإن الحركات والدوران في انجذابٍ التي تدفع الأجرام والموجودات إلى السماع
88. صفحة
كالمولوي هي مقابلةٌ في عشقٍ ووظيفة تجاه تجليات قاهرة للجمال القدسي لتلك الحقيقة الجذابة كما هو في نظر قسمٍ من العاشقين كالشمس التبريزي[1].
النكتة الثالثة: إن الوجود خيرٌ محض، ونور، وإن العدم شرٌّ محض، وظلمة بإجماع جميع أهل الحقيقة، ولقد اتفق أكابر أهل العقل وأهل القلب على أن جميع الخيرات والحسنات والمحاسن واللذائذ -بعد التحليل- ناشئة عن الوجود، وإن جميع السيئات والشرور والمصائب والآلام وحتى المعاصي راجعة إلى العدم.
وإن قلت: في الوجود كفرٌ وأنانية نفسية أيضًا؟
فالجواب: أما الكفر ولأنه إنكارٌ للحقائق الإيمانية ونفي لها فهو عدم، وأما وجود الأنانية ولأنها ناشئة عن تملّكٍ بلا حق وعن الجهل بالمرآتية وعن اعتبار الموهوم محققًا فهو عدمٌ تلوّن بلون الوجود وتلبّس صورته.
وبما أن منبع جميع أنواع الجمال وجودٌ، وأن معدن جميع أنواع القبح عدمٌ، فلابد أن الوجود الواجب الأزلي الأبدي- الذي هو أقوى الوجود وأسماه وأنوره وأبعده عن العدم- يقتضي أقوى الجمال وأسماه وأنوره وأبعده عن النقص والقصور، بل يعبر عن مثل ذلك الجمال، بل يكون هو ذاك الجمال، إن الوجود الواجب يستلزم جمالا سرمديًّا وينشر به نورَه كاستلزام الشمس وجود ضياءٍ محيط.
الحمد لله على نعمة الإيمان
﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾
﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الحْكِيمُ﴾
تنبيه: لقد كنا نوينا كتابة تسع مراتب من مراتب الآية الحسبية النورية، ولكننا أجلنا كتابة ثلاث منها لأسباب.
[1] هو شمس الدين التبريزي، ولد في تبريز، وتتلمذ على الصوفي الكبير بابا كمال الدين الجندي، وانتقل إلى قونيا والتقى مولانا جلال الدين الرومي ولزمه وقتًا طويلا، وتوفي عام 645 هـ.
89. صفحة
تنبيه: ولما كانت رسائل النور برهانًا للقرآن خرج منه؛ فإن لها تكراراتٍ لازمةً وحكيمة، بل ضرورية ومبنية على المصالح، كتكرارات القرآن الدقيقة الحكيمة اللازمة التي لا تُمِل ولا تسئم.
ولما كانت رسائل النور دلائل كلمة التوحيد التي تُردَّد وتكرَّر على الألسنة دومًا بالذوق والشوق وبدون سأم وملل؛ فإن تكراراتها الضرورية ليست نقصًا ولا قصورًا، ولا تُمِلّ ولا تُسئِم، بل ينبغي ألا تُمِلّ ولا تُسئم.


