الشعاع الرابع عشر
التنقل
563. صفحة
الشعاع الرابع عشر
دفاع محكمة أفيون
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
هذا الخطاب اعتراض على الادعاء اضطررت إلى تسليمه مرة أخرى مع أنه سلم للمحكمة تحت الاضطرار وسلمت صورة منه للمناصب في أنقرة بعد سكوت دام ثماني عشرة سنة.
خلاصة دفاع قصير هو عين الحقيقة، ذكرته لنائبين عامين وضابطين محققين أتوا ثلاث مرات للتفتيش في منزلي بقسطموني، ولمدير الشرطة ولسبعة من الضباط ولأفراد الشرطة الذين أتوا في المرة الثالثة، وذكرته أيضًا ردّا على أسئلة النائب العام في إسبارطة ومحكمتي دنيزلي وأفيون، وتلك الخلاصة هي:
لقد قلت لهم: إنني أعيش منزويًا منذ ما يقرب من عشرين سنة، وإنني منذ ثماني سنوات في منزل قبالة مخفر الشرطة في قسطموني، ومنذ عشرين سنة في أماكن أخرى تحت الترصد والمراقبة الدائمة، وقد فتشوا منزلي عدة مرات ولكن لم يظهر أي أثر ولا أية أمارة تدل على أنني ذو علاقة بالسياسة، فإن كان لي حال مشتبه فيه فإن القضاء هنا والشرطة والدوائر الحكومية إما أنها لم تعلم بها، وإما أنها علمت ولكن لم تبال بها، ولاشك أنها هي المسئولة أكثر مني، وإن لم أكن مشتبها به فلِمَ تمسونني إلى هذه الدرجة من غير ضرورة بما يضر الوطن والشعب، مع أنه لا يُمَسّ المنزوون الذين يشتغلون لآخرتهم في كل العالم؟
564. صفحة
إننا نحن تلاميذ رسائل النور لا يمكن أن نتخذ هذه الرسائل أداة للتيارات الدنيوية، بل الكون أيضًا، والقرآن يمنعنا من السياسة بشدة.
أجل؛ إن وظيفة رسائل النور خدمة القرآن ببيان الحقائق الإيمانية بيانًا قاطعًا بالبراهين القرآنية القوية الدامغة التي تسوق أعتى الفلاسفة الزنادقة إلى الإيمان في مواجهة الكفر المطلق الذي يدمر الحياة الأبدية ويحول الحياة الدنيوية إلى سم فتاك؛ لذا لا نستطيع أن نتخذ رسائل النور أداة لأي شيء.
فأولا: عدم حط حقائق القرآن الثمينة كالألماس إلى دركة قطع الزجاج بتوهم أنها دعاية سياسية في نظر أهل الغفلة، وعدم خيانة تلك الحقائق القيمة الثمينة.
ثانيًا: إن الشفقة والحقّ والحقيقة والوجدان الذي هو مسلك رسائل النور منعنا من السياسة والتعرض للإدارة بشدة؛ لأن هناك سبعة أو ثمانية من الأطفال والمرضى والشيوخ والأبرياء مقابل واحد أو اثنين من الملحدين الواقعين في الكفر المطلق والمستحقين للصفعة والمصيبة، والمصيبة إذا نزلت تنزل بالأبرياء أيضًا؛ لذا مُنِعنا بشدة من التدخل في الحياة الاجتماعية عن طريق السياسة على حساب الإدارة والأمن، فضلا عن أن حصول النتيجة مشكوك فيه.
ثالثًا: هناك خمسة أسس لازمة وضرورية لنجاة الحياة الاجتماعية لهذا الوطن ولهذا الشعب من الفوضى والإرهاب في هذا الزمان العجيب:
الأول: التوقير.
الثاني: الرحمة.
الثالث: اجتناب المحرمات.
الرابع: الأمن والسلام.
الخامس: الطاعةُ وترك الطيش.
فرسائل النور عندما تنظر إلى الحياة الاجتماعية ترسخ وتثبت هذه الأسس الخمسة بصورة قوية وقدسية، وتحافظ على أساس الأمن والسلام، والدليل على ذلك هو جعلها مائة ألف من الناس خلال عشرين سنة أعضاء نافعين غير ضارين
565. صفحة
للوطن والشعب، وتشهد ولاية إسبارطة وولاية قسطموني على ذلك؛ أي إن الذين يمسون أغلب أجزاء رسائل النور بسوء يخونون هذا الوطن والشعب والحاكمية الإسلامية لحساب الفوضى بعلم منهم أو بغير علم، ولا تستطيع أن تبطل أضرارٌ متوهَّمة لرسالتين أو ثلاث رسائل[1] يتوهمها أهل الغفلة كثيرو التوهم ذوو الأنظار السطحية أنها ذات عيوب، أن تُبطل مائةً وعشرين فائدة من فوائد مائة وثلاثين رسالة من رسائل النور وحسناتها الكثيرة لهذا الوطن ماعدا تلك الرسائل ذات الخصوصية، ومن يبطل تلك بهذه فهو مجحف وظالم.
أما كلامهم عن عيوب شخصيتي التي لا أهمية لها فإني أقول فيها مضطرًّا وبلا رغبة مني:
1- إن من قضى اثنتين وعشرين سنة من حياته في الغربة وحيدا منزويا وكأنه في السجن الانفرادي،
2- ولم يذهب في هذه المدة بإرادته ولو مرة واحدة إلى السوق ولا إلى المساجد الكبيرة التي هي مجمع الناس،
3- ولم يراجع الحكومة مرة واحدة من أجل راحته بخلاف كل المنفيين من أمثاله مع أنه عانى المضايقة والعنت كثيرًا،
4- ولم يقرأ منذ عشرين سنة أية صحيفة،
5- ولم يستمع إليها،
6- ولم يرغب في معرفة ما فيها،
7- ولم يعلم بالصراعات والحروب الدائرة في العالم، ولا بالسلام ومن يحارب من، ولم يبال بكل ذلك ولم يسأل عنه كما يشهد على هذا جميع أصدقائه المقربين الذين قابلهم في قسطموني خلال سنتين كاملتين وسبع سنوات في المنافي الأخرى،
8- ولم يتطلع إلى كل ذلك،
9- ولم يسأل عنه،
[1] يقصد الشعاع الخامس، واللمعة الرابعة والعشرون التي هي رسالة الحجاب،
566. صفحة
1- ولم يستمع إلى المذياع الذي بقربه إلا ثلاث مرات خلال ثلاث سنوات،
2- وأثبت -بشهادة مائة ألف ممن أنقذوا إيمانهم بواسطة رسائل النور- أنه واجه الكفر المطلق الذي يدمر الحياة الأبدية ويحول الحياة الدنيوية إلى ألم في ألم وعذاب في عذاب واجهه برسائل النور منتصرًا،
3- وحول الموت برسائل النور المترشحة من القرآن الكريم من إعدام أبدي في حق مائة ألف من الناس إلى تذكرة تسريح،
أقول أي قانون يمس بسوء إلى هذه الدرجة من هو في هذا الحال ويٌقنطه ويُبكيه ويُبكي معه مئات الآلاف من أصدقائه الأبرياء؟ وأي مصلحة في ذلك؟ ألا يكون ذلك غدرًا لا مثيل له باسم العدالة؟ أوليس ذلك خلافا للقانون لا مثيل له باسم القانون؟!
وإن قلتم في هذه التحريات مثلما اعترض بعض الموظفين: إنك وبعض رسائلك تخالف النظام ومنهجنا.
الجواب: أولا: لا يحق أبدًا لمنهجكم الجديد أن يدخل في معتكفات المنزوين.
ثانيًا: إن رد الشيء شيءٌ وعدم قبوله قلبًا شيء آخر، وعدم العمل به شيء آخر تمامًا، فأهل الحكومة عليهم أن ينظروا إلى الأفعال والسلوك لا إلى القلوب، وفي كل الحكومات هناك معارضون أشداء لا يتعرضون للإدارة ولا يمسون الأمن، حتى إن النصارى الذين كانوا تحت حكم سيدنا عمر رضي الله عنه ما كانوا يُمسّون بسوء على الرغم من أنهم كانوا ينكرون قوانين الشريعة والقرآن، فإن لم يقبل بعض تلاميذ رسائل النور نظامكم ومنهجكم نظريا -بشرط عدم التعرض للإدارة- حسب دستور حرية الرأي والضمير وخالفوه عملا فلا يـُمَسُّون بسوء حسب القانون ولو عادوا صاحب النظام؛ أما الرسائل فإننا قلنا إن مثل تلك الرسائل ذات خصوصية، ومنعنا نشرها، حتى إن الرسالة التي تسببت هذه المرة في وقوع هذه الحادثة قد أتاني أحدهم بنسخة منها مرة أو مرتين خلال ثماني سنوات في قسطموني، وأخفيناها في ذات اليوم، والآن تكشفونها بالقوة وهي
567. صفحة
قد انتشرت بالفعل، ومن المعلوم أنه إن كان في رسالة عيب فلا تحظر إلا تلك الكلمات المعيبة، ويسمح لما بقي بالنشر، فكونهم وجدوا في محكمة أسكي شهر خمس عشرة كلمة فقط هي موضع انتقاد لهم بعد تدقيقات دامت أربعة أشهر في مائة رسالة من رسائل النور، وكونهم وجدوا تفسير آيات الميراث والحجاب مكتوبا قبل ثلاثين سنة في صفحتين من "ذو الفقار" الذي يبلغ أربعمائة صفحة وعدم تناسبها مع قانون الأحوال الشخصية الحالي؛ يثبت إثباتًا قاطعًا أن غاية رسائل النور ليست الدنيا، وأن الكل محتاج إليها، ولا يمكن مصادرة "ذو الفقار" النافع لكل الناس الذي يبلغ عدد صفحاته الأربعمائة صفحة من أجل صفحتين، بل تُخرَج تلكما الصفحتان ويعاد إلينا كتابنا، وإعادته من حقنا.
وإن حسبتم الإلحاد نوعًا من السياسة وقلتم كما قال البعض في هذه الحادثة: إنك تفسد مدنيتنا وراحتنا بهذه الرسائل؟ فإني أقول: "إن أمة لا دين لها لا يمكن أن تعيش" دستور عام في العالم، وقد أثبتت رسالة "مرشد الشباب" من رسائل النور إثباتًا قاطعًا أن الكفر المطلق يورث عذابًا أليمًا أشد من عذاب جهنم، وهذه الرسالة قد طبعت الآن طباعة رسمية.
إن المسلم إذا ارتد العياذ بالله يقع في الكفر المطلق، ولا يبقى في الكفر المشكوك الذي يمكّنه من التلذذ بالحياة، ولا يمكن أن يكون كالملحدين الأجانب، ويسقط إلى أدنى درجة من الحيوان الذي لا ماضي له ولا مستقبل في التمتع بالحياة بمائة مرة؛ لأن موت الموجودات الماضية والآتية وفراقها الأبدي يمطر على قلبه بسبب ضلاله ما لا حد له من الفراق والآلام، وإذا تمكن الإيمان في القلب فإن هؤلاء الأصدقاء الذين لا حد لهم يبعثون من جديد، ويقولون بلسان حالهم: إننا لم نمت، ولم نهلك، وتنقلب تلك الحالة الجهنمية إلى نعيم الجنة.
وبما أن هذه هي الحقيقة فإني أنبهكم، لا تبارزوا رسائل النور التي تستند إلى القرآن الكريم؛ فإنها لا تُهزَم، ولكن سيكون ذلك خسارة على هذا البلد[1]؛
[1] إن الزلازل الشديدة التي حدثت في أثناء المبارزة أربع مرات أثبتت حكم "خسارة على هذا البلد".(المؤلف).
568. صفحة
لأنها حينئذ ترحل عن هذا البلد إلى بلد آخر وتنوره، فلو كانت لي رءوس بعدد شعرات رأسي وقطع واحد منها كل يوم لـَمَا حَنَيْتُ هذا الرأس الذي هو فداء لحقيقة القرآن أمام الزندقة والكفر المطلق، وإنني لن أتخلى عن هذه الخدمة الإيمانية والنورية ولا يمكن أن أتخلى، ولاشك أن شخصا منزويا منذ عشرين سنة لا ينظر إلى عيوبه في التعبير، ولا يقال له بسبب دفاعه عن رسائل النور إنك قد خرجت عن الموضوع.
1- وبما أن محكمة أسكي شهر لم تجد إلا مادة أو مادتين توجب العقوبة الخفيفة في بضع رسائل بعد تدقيق دام أربعة أشهر في مائة رسالة ومنها رسائل ذات خصوصية، وحكمت بستة أشهر من السجن على خمسة عشر شخصا كل على حدة من بين مائة وعشرين شخصا وقد قضينا تلك العقوبة،
2- وبما أن جميع أجزاء رسائل النور صارت في أيدي سلطات إسبارطة قبل بضع سنوات، وأعيدت إلى أصحابها بعد بضعة أشهر من التحقيقات،
3- وبما أنه لم يعثر بعد العقوبة على أمارة تخص الشرطة والسلطات القضائية خلال ثماني سنوات من التحريات الشديدة في قسطموني،
4- وبما أنه قد ظهر في هذا التحري الأخير في قسطموني أن بعض رسائلي قد أخفيت قبل سنوات تحت أكوام الخشب بحيث لا يمكن العثور عليها ولا نشرها، وتحققت الشرطة من ذلك،
5- وبما أن مدير الشرطة في قسطموني والسلطات القضائية فيها وعدتني وعدًا قاطعًا أن تعيد إليّ تلك الكتب المخفية غير المضرة، ولكن في اليوم التالي جاء أمر مفاجئ من إسبارطة باعتقالي فساقوني دون أن أستلم أماناتي،
6- وبما أن محكمتي دنيزلي وأنقرة برأتانا وأعادتا إلينا جميع رسائلنا،
فلاشك ولاريب أن وضْع محكمة أفيون والنائب العام فيها حقوقي المهمة جدًّا نصب أعينهم -كما وضعتها السلطات القضائية في دنيزلي والنائب العام فيها- بناء على هذه الحقائق الست هو من مقتضى وظائفهم، وإني آمل وأتوقع من
569. صفحة
النائب العام الذي يدافع عن الحقوق العامة أن يدافع عن حقوقي الشخصية التي صارت من الحقوق العامة المهمة لارتباطها برسائل النور.
إن سعيدا الجديد الذي انسحب من الحياة الاجتماعية منذ اثنتين وعشرين سنة، والذي لا يعرف القوانين الحالية ولا طرق الدفاع الجديدة، والذي قدم مائة صفحة من دفاعه الذي لا يمكن دحضه أمام هذه المحكمة الجديدة مثلما قدمها في محكمتي أسكي شهر ودنيزلي، والذي قضى إلى ذلك الوقت عقوبة تقصيراته التي ارتكبها، والذي عاش بعد ذلك في قسطموني وأميرداغ تحت الترصد الدائم وفيما يشبه السجن الانفرادي، يسكت ويترك الكلام لسعيد القديم، فيقول سعيد القديم بدوره:
إن سعيدًا الجديد معرض عن الدنيا، ولا يتكلم مع أهلها ولا يدافع عن نفسه أمامهم إذا لم يكن هناك اضطرار قاطع، ولا يرى حاجة إلى ذلك، ولكن كثيرًا من المزارعين وأصحاب المهن الأبرياء في هذه المسألة اعتُقِلُوا لعلاقتهم به علاقة ضعيفة، ولم يستطيعوا أن يوفروا لأهليهم العيش، فأثار هذا الحال رقتي بشدة، وأبكاني من أعماق قلبي، وإني أقسم بالله لو كان ممكنًا لتحملت كل مشقاتهم، فأنا المقصر إن كان هناك تقصير، وهم أبرياء، ومن ثم يقول سعيد القديم على الرغم من سكوت سعيد الجديد في هذه الحالة الروحية الأليمة: بما أن سعيدًا الجديد العديم الحيلة يجيب على مئات من الأسئلة التافهة التي سألها النائب العام في إسبارطة ودنيزلي وأفيون، فإنه يحق لي أن أسأل وزارة العدل الحالية ثلاثة أسئلة للدفاع عن حقوقنا التي سألتها قبل ثلاث عشرة سنة لوزارة الداخلية وعلى رأسها شكري قايا[1].
السؤال الأول: أي قانون يجيز اعتقالي واعتقال مائة وعشرين شخصًا من جراء جدال رجل ليس من تلاميذ رسائل النور ومعه رسالة عادية وهو من "أكيردير" مع ضابط الدرَك[2] من غير أن يؤدي ذلك إلى حادث، وإلحاق خسارة آلاف الليرات
[1] وزير الداخلية آنذاك.
[2] شرطة القرى والبوادي.
570. صفحة
بأكثر من مائة شخص تحققت براءتهم -غير خمسة عشر من المساكين- عندما حصلوا على البراءة التامّة بعد أربعة أشهر من تدقيق المحكمة؟ وأي دستور من دساتير العدالة يسمح باعتبار شيء ممكن كشيء واقع؟ وأي دستور من دساتير العدالة يجيز إلحاق أضرار تبلغ آلاف الليرات بحق المساكين الذين حصلوا على البراءة بعد تسعة أشهر من التحقيق في دنيزلي؟
السؤال الثاني: إن الإنسان لا يكون مسئولا عن أخطاء أخيه الشقيق حسب هذا الحكم الأساسي ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، فأي قانون من قوانين العدالة يسمح باعتقالنا واعتقال كثير من المزارعين وأصحاب المهن الأبرياء والتضييق علينا وعليهم في شهر رمضان المبارك هذا وفي هذا البرد القارس بسبب رسالة عثر عليها في مكان بعيد عنا عند رجل لا نعرفه وفسرت تفسيرًا خاطئا، وهي رسالة ألفت أصلا قبل أكثر من خمس وعشرين سنة وأنقذت الإيمان من الشبهات من نواحي مهمة، وأنقذت الناس من إنكار بعض الأحاديث المتشابهة التي فسرت تفسيرًا خاطئا، وكنت منعت نشرها منعا قاطعا حتى لا تفسر تفسيرًا خاطئا، ولم تقع في يدي إلا مرة أو مرتين خلال ثماني سنوات واعتقالهم بسبب العثور على رسالة مؤثرة في كوتاهية وباليكسير؛ بل اعتقالهم بسبب العثور على رسالة عادية قديمة عند رجل أو أخذ رجل ثان لنا في تجوال بعربته وصداقة ثالث لنا أو قراءة رابع لأحد كتبي، وإلحاق آلاف الأضرار المادية والمعنوية بهم وبالوطن والشعب بسبب أوهام تافهة؟ فأية مادة من مواد القانون تسمح بهذا؟ إننا نريد أن نعرف تلك القوانين حتى لا نخطو خطوات خاطئة؟
أجل؛ إن حقيقة سبب اعتقالنا في دنيزلي وأفيون هي:
إن الشعاع الخامس الذي ألف عندما كنت في دار الحكمة الإسلامية قبل مدة طويلة لإنقاذ إيمان العوامّ ضد من ينكرون بعض الأحاديث بحجة أن معانيها لا تفهم ولا يعرف تأويلها ومن ثم لا يستسيغها العقل، إن هذا الشعاع إن كان متوجها بفرض المحال إلى الدنيا والسياسة وألف في هذا الزمان، فبما أنه مخفي ولا ينشر، ولم يعثر عليه عندنا أثناء التفتيش، وبما أن ما أخبر به من أخبار غيبية
571. صفحة
صدق وصواب، ويزيل الشبهات التي تعتري الإيمان، ولا يمس الأمن والسلام، ولا يبارز أحدًا، بل يخبر فقط، ولا يحدد أشخاصًا بعينهم في ما يخبر، بل يبين حقيقة علمية بيانًا كليًّا، ولا شك أن هذه الحقيقة العلمية للأحاديث الشريفة إن جاءت مطابقة لبعض الأشخاص في هذا الزمان فبما أنها أخفيت تمامًا من قبلنا قبل إعلان المحاكم لها ونشرها حتى لا تتسبب في جدال، فإنها لا تشكل أي جريمة قضائية بوجه من الوجوه.
ثم إن رفض شيء شيء وعدم قبوله من حيث العلم أو عدم العمل به شيء آخر تماما، ولا نظن أن هناك قانونًا في محاكم العالم يجرم مثل هذه الرسالة بحجة أنها لا تقبل من حيث العلم وجود نظام سيأتي في المستقبل القريب.
الحاصل:
إن رسائل النور التي استأصلت منذ ثلاثين سنة الكفر المطلق الذي يدمر الحياة الأبدية ويحول الحياة الدنيوية إلى سم فتاك ويزيل لذتها، والتي نجحت في قتل الفكر الكفري الرهيب للطبيعيين، وأثبتت دساتير سعادة هذه الأمة في كلتا الدارين إثباتا ساطعا بحجج دامغة، والتي تستند إلى حقيقة عرش القرآن؛ أقول إننا نؤكد أن رسائل النور لو كان لها ألف عيب وليس مجرد عيب أو عيبين كما يظنون في رسالة صغيرة فإن آلافا من حسناتها الكبيرة تذهب بتلك العيوب، ونحن مستعدون لإثبات ذلك.
السؤال الثالث: إذا وجد خطأ في خمس كلمات من بين عشرين كلمة من كلمات رسالة ما فإن تلك الكلمات الخمس هي التي تحظر، ويسمح للكلمات المتبقية بالنشر، وهذا دستور عامّ، ومن ثم فإن اعتقال المساكين الذين خدموني في سبيل مرضاة الله تعالى في موسم العمل وفي شتاء قارس كاعتقال أفراد أسرة جالشقان الذين قدموا خدمة صغيرة لرسائل النور أو استنسخوا رسالة منها لإنقاذ إيمانهم وآخوني رأفة بغربتي وشيخوختي في أميرداغ، تلك الرسائل التي دققت فيها محكمة أسكي شهر مدة أربعة أشهر ولم تجد فيها بين مئات الآلاف من كلماتها إلا خمس عشرة كلمة فقط يُتوهم أنها مضرة في النظر الظاهري، والتي
572. صفحة
لم يجد فيها مجلس الوزراء ما لا يتناسب مع القانون الحالي إلا تفسير آيتين كتب قبل ثلاثين سنة في صفحتين من "ذو الفقار" الذي تبلغ صفحاته أربعمائة صفحة، ولم تجد فيها لجنة الخبراء في دنيزلي وأنقرة إلا خمسة عشر خطأ، وهي رسائل نفعت البلاد والعباد ألف منفعة كبيرة لكونها صارت وسيلة لصلاح مئات الآلاف من الناس حتى الآن؛ أقول أي مبدأ من مبادئ الحكومة الجمهورية يمكن التوفيق بينه وبين اعتقال هؤلاء في فصل العمل هذا؟ وأي قانون من قوانينها يمكن أن يسمح بذلك؟
وبما أن مبادئ الجمهورية لا تمس الملحدين حسب قانون حرية الضمير؛ فلا شك أنه ينبغي وباب الأولى ألا تمس المتدينين الذين لا يتدخلون في الدنيا بقدر الإمكان، ولا يبارزون أهل الدنيا ويعملون عملا نافعًا لآخرتهم ودنياهم ووطنهم.
ونحن نعلم أن أهل السياسة الذين يحكمون في آسيا التي ظهر فيها الأنبياء عليهم السلام لا يمنعون ولا يستطيعون أن يمنعوا منذ ألف سنة التقوى والصلاح اللذين هما كالغذاء والدواء ومن الحاجات الضرورية لهذا الشعب.
إن سعيدا يعيش حياة الانزواء منذ عشرين سنة، ومن مقتضى الإنسانية التغاضي عن أخطائه التي لا توافق فهم هذا الزمان في هذه الأسئلة التي سألها بعقلية سعيد (القديم) قبل عشرين سنة.
ولما كان تذكيركم وظيفة وطنية لي من أجل مصلحة الوطن والشعب وأمن البلد فإني أقول لكم:
إن اعتقال من لهم علاقة ضعيفة بنا وبرسائل النور وإيذاءهم يمكن أن يحول كثيرا ممن لهم نفع للوطن وأمن البلد من الناحية الدينية ضد إدارة البلد ويتيح الفرصة للفوضى والإرهاب.
أجل؛ إن عدد الذين أنقذوا إيمانهم برسائل النور وأصبحوا أفرادا نافعين نفعا كاملا للوطن غير مضرين له؛ يفوق مئات الآلاف، وربما هم في كل دائرة كبيرة من دوائر الحكومة وفي كل فئة من فئات الشعب بصورة نافعة مستقيمة، ومن الضروري حمايتهم وليس إيذاءهم.
573. صفحة
إن وهما قويا يرد إلى خاطرنا بأن بعضا من رجال الحكومة الذين لا يسمعون لشكوانا ويكممون أفواهنا ويضغطون علينا بالذرائع؛ يفسحون المجال للفوضى ضد مصلحة الوطن، وإنني أقول باسم مصلحة الحكومة:
بما أن محكمتي دنيزلي وأنقرة دققتا في الشعاع الخامس ولم تعترض عليه أية واحدة منهما، بل سلمتنا إياه؛ فلاشك أن عدم رفع قضية ضد هذه الرسالة مرة أخرى حتى لا يفسح المجال للقيل والقال ضروري لإدارة البلد، فمثلما أخفينا نحن تلك الرسالة قبل أن تقع في أيدي المحاكم وقبل أن تُظهرها فعلى حكومة أفيون ومحكمتها ألا تجعلها عرضة للسؤال والجواب، ذلك أنها رسالة قوية لا يمكن الاعتراض عليها، وهي قد أخبرت عن الحوادث قبل وقوعها فوقعت كما أخبرت، ثم إن هدفها ليس الدنيا، ولا يوافق من معانيها المتعددة إلا معنى واحد لشخص مات وانتهى أمره، ومن ثم فقد دفعني ضميري من أجل مصلحة الوطن والشعب والأمن والإدارة إلى التذكير بعدم جعل ذلك الإخبار الغيبي والمعنى عرضة للأمور الرسمية بسبب التعصب لوفاء ذلك الرجل، وعدم إظهارها أكثر بمؤاخذتنا بها.
سعيد النورسي
إن ما قدمتُه للنائب العام في أفيون ورئيس المحكمة فيها وأعضائها ومحكمة دنيزلي من أجل الدفاع عن حقوقي وهو تسعة أسس أقدمه لكم أيضًا.
لقد تركتُ الحياة الاجتماعية منذ عشرين سنة وعلى وجه الخصوص مثل هذه الحياة السياسية الرسمية الدقيقة، ولا أعرف كيف أتصرف في مثل هذه الحالات، ولا أستطيع أن أفكر فيها؛ إذ إن التفكير فيها يؤلمني، ولكن قد يكون في نهاية إجاباتي على الأسئلة الكثيرة المتكررة العشوائية غير الضرورية من شخص غير منصف في محكمة أخرى اضطررت إلى الإجابة عليها وفي خلاصتها، وفي عريضتي التي قدمتها وفي دفاعي غير المنتظم، قد يكون في كل ذلك ما يخالف القوانين الحديثة التي أجهلها من بعض التعبيرات الشديدة اللهجة وبعض
574. صفحة
الأقوال التي هي خارج الموضوع وغير ضرورية ومتكررة وغير منتظمة والتي قد تُحسَب عليّ، ولكن بما أنه يسلك مسلك الحقيقة فينبغي التغاضي عن تلك الأخطاء من أجل الحق.
وبياني في تلك العريضة يتبع تسعة أسس:
الأساس الأول: بما أن الحكومة الجمهورية لا تمسّ الملحدين وأهل السفاهة حسب دستور حرية الضمير في الجمهورية، فيجب ألا تمس المتدينين وأهل التقوى أيضًا، وإن أمة بلا دين لا تعيش، وآسيا لا تشبه أوربا في الدين، ولا يشبه الإسلام النصرانية في الحياة الشخصية والأخروية، ولا يكون المسلم الذي يلحد كالملاحدة الآخرين، ولا يحل أي رقي وتقدم وحضارة محل الدين والصلاح لاسيما تعلّم حقائق الإيمان التي صارت كحاجة فطرية لأمة هذا الوطن التي نورت العالم منذ ألف سنة بدينها ودافعت عن صلابته بشجاعة ضد هجمات كل العالم، ولا يستطيع أن ينسيها تلك الحاجة، وإن الحكومة التي تحكم هذا الشعب في هذا الوطن لا تمس رسائل النور بالقضاء والقانون والأمن وينبغي ألا تمسها.
الأساس الثاني: بما أن رد شيء ما شيء وعدم قبوله قلبًا شيء آخر، وعدم العمل به شيء آخر تمامًا، وبما أن في كل دولة معارضين ألداء، وقد كان هناك مسلمون تحت حكم المجوس، وكان هناك يهود ونصارى في الدولة الإسلامية في عهد سيدنا عمر رضي الله عنه، وبما أن في كل حكومة حرية شخصية لمن لا يمسون الأمن والإدارة والسياسة، وهم لا يُمَسون، والحكومة إنما تنظر إلى الفعل لا إلى القلب، وبما أن الذين يريدون أن يمسوا الأمن والإدارة والسياسة سيهتمون بلاشك بالصحف وأحداث العالم كي يعرفوا التيارات والحالات والأحداث التي تساعدهم، حتى لا يخطوا خطوة خاطئة.
أما رسائل النور فإنها منعت تلاميذها منعا قاطعا، ويعلم جميع أصدقائي المقربين أنها جعلتني أترك منذ خمس وعشرين سنة ليس قراءة الصحف وحدها بل حتى مجرد السؤال عنها والتطلع إلى أخبارها والتفكير فيها أيضًا، ومنذ عشر سنوات سحبتني من الحياة الاجتماعية بحيث لا أتلقى أي خبر من أحداث العالم
575. صفحة
وأحواله غير هزيمة الألمان وهيمنة الشيوعيين؛ فلاشك أن حكمة الحكومة وقانون السياسة ودستور العدالة لا تمسني أنا وأمثالي من الإخوة، ومن يمسنا فإنما يفعل ذلك بسبب أوهامه أو نيته السيئة أو عناده.
الأساس الثالث: لقد اضطررت إلى هذه الإجابة المفصلة الطويلة الآتية بسبب اعتراض تافه لا معنى له من النائب العام في محاكمتنا السابقة ليس مراعاة للقانون إنما مراعاة لحساب صداقة متعصبة للشخص الميت[1] في سؤاله حول الشعاع الخامس الذي فهمه فهمًا خاطئا.
إننا نخفي هذا الشعاع الخامس إخفاء تامًّا ولا ننشره، ولم يعثر عليه عندي في كل التفتيشات، ولم يقع في يدي منذ ثماني سنوات إلا مرة أو مرتين في ساعة أو ساعتين، ولا غاية له –أي الشعاع الخامس- إلا إنقاذ إيمان العوام من الشبهات، وإنقاذ الناس من إنكار الأحاديث المتشابهة، ولا يتعلق بالدنيا إلا من الدرجة الثالثة أو الرابعة، ثم إن الأخبار الغيبية التي يخبر بها صحيحة، ولا يبارز أهل السياسة ولا أهل الدنيا، بل يخبر فقط، ولا يحدد أشخاصًا بعينهم، بل يبين حقيقة الأحاديث بيانًا كليًّا، ولكن الأيدي الخفية تناقلته فأضاف بعض من لا نعرفهم بضعة هوامش إليه، فطبقوا تلك الحقيقة الكلية على شخص رهيب تطبيقًا كاملا، فاعترضوا عليه ظنا منهم أنه ألف في هذه السنوات، مع أن أصل هذه الرسالة أقدم من زمن وجودي في دار الحكمة الإسلامية، ولكنه نسق فيما بعد، ودخل في رسائل النور، وذلك:
كنت قد قدمت إلى إسطنبول قبل أربعين سنة من الآن وقبل عهد الحرية بسنة، وكان القائد العام الياباني سأل علماء الإسلام بعض الأسئلة الدينية، ووجه علماء إسطنبول هذه الأسئلة إليّ، وسألوني أيضًا بهذه المناسبة أسئلة أخرى كثيرة، منها أنهم سألوني أن في الحديث الشريف ما معناه: "يصبح شخص رهيب في آخر الزمان يجد مكتوبا على جبينه هذا كافر"، قلت: سيتولى أمر هذه الأمة شخص عجيب، ويصبح ويلبس قبعة ويجبر الناس على لبسها، وبعد هذه الإجابة سألوا:
[1] يقصد به أتاتورك.
576. صفحة
أليس الذي يلبسها يكون كافرًا؟ قلت: ستأتي القبعة إلى الرأسَ وتقول له: لا تسجد، ولكن الإيمان الذي في الرأس سيجعل القبعة تسجد معه، وسيجعلها تسلم إن شاء الله، ثم سألوا أن ذلك الشخص نفسه سيشرب الماء وستنخرق يده، وسيعرف من هذه الحادثة أنه السفياني، فقلت مجيبًا: يقال في الأمثال للرجل كثير الإسراف "مخروق اليد"، أي لا يبقى في يده مال، بل يسيل ويضيع، فهذا الرجل الرهيب سيكون مدمنًا للخمر التي هي ماء، وسيمرض بسببها، وسيدخل في إسراف لا حد له، وسيُعَوِّد الآخرين عليها.
ثم سألني آخر:
وعندما يموت سيصرخ الشيطان للعالم عند "ديكيلي طاش[1]" في إسطنبول قائلا: "مات فلان"، فقلت حينذاك: سيخبر عنه بالبرقية، ولكن سمعت فيما بعد بظهور المذياع، فعلمت أن إجابتي تلك كانت ناقصة، وقلت بعد عشر سنوات عندما كنت في دار الحكمة الإسلامية سيُعلن للعالم عبر الإذاعة كما أعلن الشيطان، ثم سألوا عن سد ذي القرنين ويأجوج ومأجوج ودابة الأرض والدجال ونزول عيسى عليه السلام، وأجبت عليه، حتى إن بعضًا من تلك الإجابات سُجِّلَت في رسائلي القديمة.
وبعد زمن دعاني مصطفى كمال إلى أنقرة مرتين بالبرقية المشفرة بواسطة صديقي والي مدينة "وان" السابق السيد تحسين ليكرمني مكافأة للخطوات الست المنشورة فذهبت، فلما كان الشيخ السنوسي[2] لا يعرف اللغة الكردية فإنه كان يريد أن يعيّنني واعظًا عامًّا للولايات الشرقية محله مع راتب قدره ثلاثمائة ليرة، وأن يجعلني نائبًا في البرلمان، وأن يرضيني بإعادتي لوظيفتي القديمة في دار الحكمة الإسلامية تحت رئاسة الشئون الدينية مع بقية أعضائها، وأن يزيد ما أعطاه السلطان رشاد لمدرسة الزهراء ودار العلوم التي وضعتُ حجر أساسها يزيده من تسعة عشر ألف ليرة ذهبية إلى مائة وخمسين ألف ليرة ورقية، ومع أن هذا العرض قُبل بتوقيع مائة وثلاثة وستين نائبًا من بين
[1] ديكيلي طاش بمعنى العمود المنصوب الذي هو بجانب مسجد السلطان أحمد بإسطنبول.
[2] الشيخ السنوسي: الشيخ أحمد الشريف بن محمد السنوسي مجاهد وزعيم وطني ليبي من الأسرة السنوسية، ولد في عام 1873م، وتوفي عام 1933، قاد الجهاد في شرق ليبيا ضد الغزو الإيطالي للبلاد، ارتبط أشد الارتباط بالخلافة الإسلامية التي كانت تمثلها الدولة العثمانية في تركيا، غادر ليبيا عام 1918 إلى إسطنبول عاصمة الخلافة آنذاك، وقلده السلطان محمد السادس السيف "علامة السلطنة"، وعين واعظا عاما في الأناضول، وألقى خطبا في عدة مدن في شرق تركيا ووسطها دعما لحركة الكفاح الوطني.
577. صفحة
مائتي نائب فإنني رأيت في الرجل بعضًا مما أخبر به أصلُ الشعاع الخامس، فتركت تلك الوظائف المهمة جدًّا مضطرًّا، وقلت: لا يمكن مواجهة هذا الرجل ولا مجابهته، فتركت الدنيا والسياسة والحياة الاجتماعية، وصرفت وقتي في سبيل إنقاذ الإيمان فحسب، بيد أن بعض الموظفين الظالمين غير المنصفين جعلوني أؤلف رسالتين أو ثلاث رسائل متعلقة بالدنيا، ثم رتبت أصل تلك الرسالة -بمناسبة سؤال بعض الأشخاص عن الأحاديث المتشابهة التي تخبر عن حادثات آخر الزمان- فسمي الشعاع الخامس عندما أدرج ضمن رسائل النور، وترقيم رسائل النور ليس حسب زمن التأليف، فمثلا قد ألف المكتوب الثالث والثلاثون قبل المكتوب الأول، وقد ألف بعض أجزاء رسائل النور-كأصل الشعاع الخامس- قبل رسائل النور.
وعلى كل حال، قد اضطرني اعتراض نائب عام وأسئلته الخاطئة التافهة غير القانونية بسبب صداقته المتعصبة لمصطفى كمال إلى أن أقوم في هذا المقام ببعض التوضيحات التي هي خارج ما نحن بصدده، فأبين -كمثال- كلامه الشخصي غير القانوني باسم القانون، فقد قال: ألم تندم قط على إهانتك له في الشعاع الخامس ووصفه بأنه مضخة للخمر؟ فقلت له ردا على تعصبه لصداقة لا معنى لها وغير الحقيقية :
إن انتصار الجيش البطل وشرفه لا ينسب إليه وحده، وربما يكون له نصيب واحد فقط، فإذا نسبت إلى قائد غنائم الجيش وأمواله وأرزاقه فهو ظلم وإجحاف شديد.
أجل؛ كما أن ذلك الرجل غير المنصف اتهمني بعدم حب ذلك الرجل كثير الخطأ، وجعلني كمن خان بلده، فإني أتهمه بعدم الحب للجيش؛ لأنه يجعل الجيش خاليا من المجد بنسبته كل المجد والغنيمة المعنوية إلى صديقه هذا، أما الحقيقة فإن الحسنات والإيجابيات توزع على الجماعة والجيش، وأما الأمور السلبية والتقصير والعيوب فإنها تنسب إلى القائد؛ لأن وجود شيء ما إنما يتحقق بوجود كل الشرائط والأركان، والقائد ليس إلا شرطا واحدا، أما عدم ذلك الشيء وخرابه فيكون بانعدام شيء واحد أو خراب
578. صفحة
ركن واحد، ويمكن أن ينسب هذا الشر إلى القائد أو الرئيس، والحسنات والخير إيجابي ووجودي في الأكثر، ولا يمكن أن يتملكه القادة والرؤساء، وأما السيئات والعيوب فأمور عدمية وتخريبية، والرؤساء هم المسئولون عنها، وهذا هو الحق وهذه هي الحقيقة، فإذا قامت عشيرة من العشائر بالفتوحات يقال: أحسنت يا "سيد حسن"، وإذا انهزمت يقال: ويل لها وتهانُ، ويكون الحكم عكس الحقيقة تمامًا.
كذلك فإن ذلك النائب العام الذي اتهمني؛ حكم عليّ بخطأ ينافي الحق والحقيقة تمامًا وكأنه حكم باسم القضاء، ومثل خطأ هذا الرجل فقد جاءني بعض الأتقياء عندما كنت في ولاية "وان" قبيل الحرب العالمية الأولى، فقالوا لي: "إن لدى بعض قادة الجيش إلحادا، فتعال واشترك معنا، فنحن سنخرج على هؤلاء الرؤساء"، فقلت لهم: "مثل هذه التصرفات السيئة ومثل هذا الإلحاد خاص بمثل هؤلاء القادة، ولا يُؤاخَذ الجيش بسببهم، ففي هذا الجيش العثماني ربما مائة ألف ولي، ولن أسلّ سيفي على هذا الجيش، ولن أشترك معكم"، ثم ذهبوا عني وسلوا السيوف، فحدثت حادثة بتليس العقيمة.
ثم اندلعت الحرب العالمية الأولى بعد مدة وجيزة، واشترك هذا الجيش في الحرب باسم الدين الإسلامي، ودخل في الجهاد، وارتقى مائة ألف شهيد من هذا الجيش إلى مرتبة الأولياء، فصدقوني في دعواي هذه، ووقّعوا بدمائهم على مرسوم ولايتهم، على كل حال فقد اضطررت إلى شرح طويل؛ لأن التصرف العجيب من نائب عام الذي يسعى إلى إهانتنا وإهانة رسائل النور بعواطف جزئية خاطئة وانحياز باسم حقيقة العدالة التي من خاصياتها القاطعة لماهيتها عدم التأثر بأي حس وتأثير خارجي؛ دفعني إلى هذا البيان الطويل.
الأساس الرابع: لم تستطع محكمة أسكي شهر إلا أن تحكم بعقوبة ستة أشهر من السجن على خمسة عشر رجلا من بين مائة وعشرين رجلا بعد أربعة أشهر من التدقيق في مئات من الرسائل والخطابات، وأن تحكم عليّ بعقوبة سنة من السجن بسبب خمس عشرة كلمة وردت في رسالة أو رسالتين فقط من بين مائة
579. صفحة
رسالة، وبرأتنا من تهمة قضية تأسيس طريقة صوفية، وتأسيس تنظيم ومن قضية القبعة، وقضينا تلك العقوبة، ثم لم يجدوا أي علاقة لنا بهذه التهم في كثير من التحقيقات في قسطموني، ثم وقعت جميع أجزاء رسائل النور بلا استثناء في يد الحكومة في إسبارطة قبل عدة سنوات، ثم أعيدت جميعها إلى أصحابها بعد ثلاثة أشهر من التدقيقات، وبقيت جميع الرسائل سنتين في محكمة دنيزلي وأنقرة بعد بضع سنوات ثم أعيدت إلينا كاملة.
وبما أن هذه هي الحقيقة فلاشك أن أمثال هؤلاء الذين يتهمونني ويتهمون تلاميذ رسائل النور، والذين يستجوبوننا باسم القانون بطريقة غير قانونية وبنية سيئة وبمشاعر عدائية؛ يتهمون محكمة أسكي شهر وحكومة قسطموني وشرطتها والقضاء في إسبارطة ومحكمة دنيزلي والمحكمة الجنائية في أنقرة قبل أن يتهموننا، ويشركونها جميعا في جريمتنا إن كانت لنا جريمة؛ لأنه لو كانت لنا جريمة، ولم تَرَنا هذه الحكومات الثلاث أو الأربع نحن الذين بالقرب منها معه تجسسها علينا زمنًا طويلا، أو لم تبالِ بنا، فتكون هي المجرمة أكثر منا، مع أنه لو كانت لدينا رغبة في الاشتغال بالدنيا لكان لنا صوت مدوٍّ كصوت القذيفة وليس كطنين البعوضة.
أجل إن الذي يتهم رجلا دافع عن نفسه أمام محكمة الأحكام العرفية في حادثة الواحد والثلاثين من مارس[1] وأمام رئاسة المجلس لكلامه ضد مصطفى كمال دفاعًا شديدًا ومؤثرًا بأنه يخطط لمؤامرات دنيوية منذ ثماني عشرة سنة من دون أن يُشعر أحدًا؛ إنما يتهمه بسبب سوء نيته، ونحن نأمل من النائب العام في أفيون كما كنا نأمل من النائب العام في دنيزلي أن ينقذنا من اعتراض أمثال هؤلاء ومن سوء نيتهم، وأن يظهر العدل.
الأساس الخامس: إن من دساتير تلاميذ رسائل النور الأساسية عدم الانشغال بالسياسة وشؤون الإدارة وإجراءات الحكومة بأقصى ما يمكن؛ لأن الخدمة القرآنية الخالصة تكفيهم كل شيء، ولا يستطيع أحد ممن دخل السياسة أن يحافظ على استقلاله وإخلاصه في غمرة التيارات القوية الكثيرة
580. صفحة
التي تهيمن الآن، ولا شك أن أحد هذه التيارات سيستفيد من أفعاله لحسابه، وسيجعله أداة لأهدافه الدنيوية، وسيفسد قدسية تلك الخدمة، ولاشك أن الأمر سيقتضي سحقَ كثير من الأنصار الأبرياء لمصلحة شخص ما بالظلم والاستبداد الشديدين اللذين هما من دساتير هذا العصر في المبارزة المادية نتيجة خطأ ذلك الشخص، وإلا سيُغلب، وحقائق القرآن القدسية التي لا يمكن أن تكون أداة لأي شيء دنيوي ستُظَن عند ذلك أنها قد أصبحت أداة للدعايات السياسية في أنظار من يتركون الدين من أجل الدنيا أو يجعلونه أداة لها، ثم إن كل طبقة من طبقات الشعب لها حصة من رسائل النور ومحتاجة إليها سواء كانت مؤيدة لها أو معارضة، موظفة كانت أو من عامة الناس، فمن أجل هذه الأسباب المذكورة يجب على تلاميذ رسائل النور أن يتركوا السياسة وأن لا ينشغلوا بها أبدا حتى يكونوا محايدين حيادا تامًّا.
الأساس السادس: لا يمكن الهجوم على رسائل النور في هذه المسألة بسبب أخطائي أو أخطاء بعض إخواني، فهي قد ارتبطت بالقرآن مباشرة، والقرآن مربوط بالعرش الأعظم، فمن ذا الذي يقدر أن يمد يده إليه ويفكّ تلك العرى الوثيقة ؟!
إن رسائل النور التي تحققت بركتها المادية والمعنوية لهذا البلد وخدمتها العظيمة له بإشارات ثلاث وثلاثين أية من آيات القرآن الكريم، وإشارة ثلاث كرامات من كرامات الإمام علي رضي الله عنه، وبإخبار قاطع من الغوث الأعظم[1]؛ لا تكون ولا يمكن أن تكون ويجب ألا تكون مسؤولة عن أخطائنا الشخصية العادية، وإلا ستكون هناك خسارة مادية ومعنوية لا تعوض لهذا البلد، وسيفشل إن شاء الله الهجوم كما ستفشل المكايد التي تحاك ضد رسائل النور بشيطنة بعض الزنادقة من أعدائنا المستترين.
ولا يمكن أن يقاس تلاميذ رسائل النور بالآخرين ولا يمكن تفريقهم ولا إرجاعهم ولا يمكن هزيمتهم بعون الله تعالى، ولو لم يمنع القرآن من الدفاع المادي لتورط هؤلاء التلاميذ الذين هم الشريان النابض لهذا الشعب، والذين
[1] المقصود هو الشيخ عبد القادر الجيلاني.
581. صفحة
اكتسبوا إقبال الجميع، والذين ينتشرون في كل مكان؛ في الأحداث الجزئية العقيمة مثل حادثة الشيخ سعيد وحادثة مَنَمَنْ[1](3)، وإذا اضطرت الحكومة لظلم تلامذة رسائل النور اضطرارا قاطعا -والعياذ بالله- فإن الزنادقة والمنافقين الذين يخدعون الحكومة سيندمون ألف مرة بلا شك.
الحاصل: بما أننا لا نتدخل في أهل الدنيا، فعليهم ألا يتدخلوا في آخرتنا وخدمتنا الإيمانية أيضًا.
أبين ذكرى قديمة ودفاعا لطيفًا بقيا مخفيًّين في محكمة أسكي شهر ولم يسجلا في المحاضر، ولم يسجلا حتى في دفاعاتي.
لقد سألوني هناك:
ما رأيك في الجمهورية ؟ قلت لهم: إن سيرتي التي بأيديكم تثبت أني جمهوري متدين قبل أن تولدوا أنتم ما عدا رئيس المحكمة العجوز، وخلاصتها هي أني كنت في ذلك الوقت كما أنا الآن منزويًا في قبة ضريح، وكان يأتيني حساء، وكنت أعطي النمل حباته، وآكل خبزي بمرقه، وقد سألوني فقلت: "إن أمم النمل والنحل جمهوريون"، وكنت أعطي الحبات احتراما لحبهم للجمهورية، ثم قالوا: إنك تخالف السلف الصالح، فقلت لهم: إن كل واحد من الخلفاء الراشدين كان خليفة ورئيسا للجمهورية، فلاشك أن الصديق الأكبر رضي الله عنه كان بمنزلة رئيس جمهورية للعشرة المبشرين بالجنة وللصحابة الكرام رضي الله عنهم، ولكن ليس باسم ورسم لا معنى لهما، بل كانوا رؤساء لجمهورية متدينة تحمل معنى حقيقة العدالة والحرية الشرعية.
فيا أيها النائب العام ويا أعضاء المحكمة ! إنكم تتهمونني بخلاف ما أنا عليه منذ خمسين سنة، إذا كنتم تسألونني عن الجمهورية العلمانية فإنني أعلم أن معنى العلمانية هو الحياد، أي أفهم منها حكومة لا تمس المتدينين وأهل التقوى كما لا تمس الملحدين وأهل السفاهة حسب دستور حرية الاعتقاد.
[1](3) حادثة منمن: اغتيال الضابط العسكري "كوبيلاي" من قبل الكيان السري لتحريض الحكومة على المتدينين في منطقة منمن غربي تركيا.
582. صفحة
ولقد انسحبت من الحياة السياسية والاجتماعية منذ خمس وعشرين سنة، ولا أدري ماذا حصل للحكومة الجمهورية، فإذا دخلتْ في حالة رهيبة بفرض المحال لمصلحة الإلحاد -والعياذ بالله- فأصبحت مع هذه الحالة تُصدِر وتقبل القوانين التي تجرِّم من يعملون من أجل إيمانهم وآخرتهم، فإني أعلن لكم منبها بلا خوف أنه لو أن لي ألف روح فإني مستعد للتضحية بها في سبيل إيماني وآخرتي، فافعلوا ما شئتم، فإن آخر كلامي "حسبنا الله ونعم الوكيل"، وأقول ردًّا على حكمكم علي بالإعدام وسجنكم إياي ظلمًا بأشد العقوبات: إنني لا أُعدَم كما تكشف رسائل النور كشفا قاطعا، بل إني أُسرَّح وأرحل إلى عالم النور والسعادة.
فيا أعداءنا المتسترين ويا أيها الأشقياء الذين تسحقوننا لحساب الضلال إنني أعلم وأرى أنكم ستعاقبون بالإعدام الأبدي والسجن الانفرادي، فأنا مستعد لتسليم روحي بكمال الرضا منتقمًا منكم انتقامًا كاملا.
هذا ما قلته لهم.
الأساس السابع: لقد نظرت إلينا محكمة أفيون على أننا تنظيم سياسي بناء على التحقيقات السطحية في أماكن أخرى، وجوابا لها نقول:
أولا: إن من لم يقرأ أية صحيفة منذ تسع عشرة سنة ولم يستمع إليها من أحد ولم يسأل عنها، ولم يصل إليه أي خبر عن الحرب العالمية غير هزيمة الألمان وهول الشيوعية منذ خمسة عشر شهرا ولم يتطلع إليه ولم يعلم به؛ لاشك أنه ليس له أي علاقة بالسياسة وليست له علاقة بأي تنظيم سياسي.
ثانيًا: إن أجزاء رسائل النور البالغة مائة وثلاثين رسالة هي في متناول الجميع، وإن عدم مس محكمة أسكي شهر برسائل النور سوى رسالة أو رسالتين هذه المحكمة التي أدركت أنه ليست لرسائل النور غاية دنيوية وليس لها هدف إلا الحقائق الإيمانية، وعدم مس محكمة دنيزلي أية واحدة منها، وإن عدم عثور شرطة قسطموني على أي مبرر تتهم به شخصا بالرغم من المراقبة الدائمة خلال ثماني سنوات سوى خادمين وثلاثة رجال؛ حجةٌ قاطعة على أن تلاميذ رسائل النور ليسوا تنظيما سياسيا بأي وجه من الوجوه، فإن كان قصدهم من التنظيم
583. صفحة
الوارد في ورقة الادعاء أنه جماعة إيمانية أخروية فنقول ردًّا على ذلك: إذا أطلق على طلاب الجامعة وعلى كل الفئات المهنية اسم "تنظيم" فيمكن عندئذ أن يطلق علينا أيضًا اسم "تنظيم" مثلها تماما، وإذا كان يطلق علينا اسم التنظيم الذي يخلّ بالأمن الداخلي باستخدام المشاعر الدينية فنقول عن هذا: لقد قرأ آلاف من تلاميذ رسائل النور آلافًا النسخ من رسائل النور فلم يُسجَّل من قبل الحكومة ولا من قبل المحكمة أنهم أخلّوا بالأمن الداخلي في أي مكان وفي أية حادثة، وهذا يدحض ذلك الاتهام، وإذا أطلق علينا اسم التنظيم بدعوى أننا يمكن أن نضرّ بالأمن الداخلي في المستقبل بسبب أننا نقوي المشاعر الدينية، فنقول ردًّا على هذا:
أولا: إن جميع الوعاظ يقومون بهذه الخدمة نفسها وتقوم بها رئاسة الشئون الدينية .
ثانيًا: إن تلاميذ رسائل النور يسعون بكل قواهم وأفكارهم ليحفظوا الشعب من الإرهاب والفوضى ولتحقيق الأمن والسلام وليس للإخلال بهما، والدليل على ذلك قد بُين في الأساس الأول.
أجل؛ نحن جماعة، هدفنا وبرنامجنا هو إنقاذ أنفسنا أولا ثم شعبنا من الإعدام الأبدي والسجن الانفرادي، وحفظ مواطنينا من الإرهاب والفوضى والطيش، وحماية أنفسنا ضد الزندقة التي تتسبب في إفساد حياتينا بحقائق رسائل النور التي هي كالفولاذ.
الأساس الثامن: إنكم تتهموننا بتحقيقات سطحية ناقصة واردة من أماكن أخرى بأن في رسائل النور بعض الجمل التي تمس أوتارا حساسة، ونرد على هذا: بما أن غايتنا الإيمان والآخرة، وليست المبارزة مع أهل الدنيا، وبما أن المسّ الجزئي الخاص برسالة أو رسالتين فقط ليس متعمدًا، بل إننا اصطدمنا بهم ونحن سائرون إلى مقصدنا، فلاشك أن هذا لا يعني أي نية سياسية سيئة، وبما أن الممكن شيء والواقع شيء آخر، حيث إننا متهمون بأننا يمكن أن نخل بالأمن وليس بأننا أخللنا به، فإن ذلك اتهام تافه كاتهام أي إنسان بأنه يمكن أن يقتل شخصا، وبما أنهم لم يجدوا طوال عشرين سنة ما يشكل جريمة حقيقية عند أي
584. صفحة
أحد من بين عشرين ألف رجل بالرغم من التحريات الدقيقة، ولا في واحدة من آلاف النسخ والمراسلات التي أخضعت للتدقيقات في أسكي شهر وقسطموني وإسبارطة ودنيزلي، وبما أن محكمة أسكي شهر لم تجد ما تتهمنا به ولكنها اتهمتنا بسبب رسالة صغيرة حسب مادة قانونية مطاطية اتهاما يؤدي إلى اتهام كل من قام بتدريس الدين، فلم تقضِ إلا بسجن خمسة عشر رجلا من بين مائة رجل مدة ستة أشهر لكل واحد منهم؛ فإذا دُقِّق في عشرين رسالة ذات خصوصية لرجل مثلي خلال سنة على ذلك النحو من التدقيق، ألا توجد عشرون جملة تجعله متهما وتخجله؟ ولكن عدم عثورهم على عشرين جملة تؤدي إلى اتهامنا واتهام عشرين ألف رجل وعشرين ألف رسالة ومراسلة اتهاما حقيقيا؛ يدل على أن هدف رسائل النور هو الآخرة وحدها، وليست لها علاقة بالدنيا.
الأساس التاسع: إن المواد التي ضدنا بدلالة المعاملة التي عوملنا بها في أثناء الاستجواب في محكمة أفيون هي كالموادّ التي سجلها النائب العام المنصف في دنيزلي في ورقة الاتهام بناء على محاضر سطحية غير منصفة في أماكن أخرى، وهناك بعض الحجج التي تتسبب في اتهامنا في المراسلات غير المؤرخة خلال الاتصالات التي استمرت عشرين سنة وخمس عشرة سنة وعشر سنوات، وفي الشعاع الخامس الذي يوجد جوابه القاطع في الأساس الثالث وفي السؤال الثاني من خطابي، وفي أربع أو خمس رسائل من بين مائة وثلاثين رسالة، وفي الرسائل والمراسلات التي أجرت محكمة أسكي شهر تدقيقات عليها والتي أدت إلى قضائنا العقوبات والتي جرت عليها قوانين العفو ونالت البراءة في دنيزلي، فكيف بالذي رد إلى الطاعة بخطاب واحد الكتائب الثمان التي لم تسمع لشيخ الإسلام ولا العلماء أمام بوابة وزارة الدفاع في حادثة مارس؛ أن يقال في حقه حسب المحاضر إنه عمل خلال ثماني سنوات ولم يستطع أن يخدع إلا بضعة أشخاص في قسطموني ؟!
فهؤلاء بعدما أخرجوا جميع أوراقي وكتبي بما فيها ذات الخصوصية من تحت أكوام الحطب في قسطموني وفي حادثة دنيزلي وبعد ثلاثة أشهر من التدقيقات فيها لم يجدوا في قسطموني غير فيضي وأمين وحلمي وتوفيق وصادق، وهؤلاء
585. صفحة
الخمسة إنما أرسلوا إلي لخدمتي الشخصية لوجه الله تعالى، فلو عملت كما جاء في تلك المحاضر السطحية لاستطعت أن أخدع خمسمائة من الرجال بل خمسة آلاف بل خمسمائة ألف وليس خمسة أو عشرة أشخاص، وأبين مدى ما في تلك المحاضر من أخطاء ببعض النماذج التي قلتها في محكمة دنيزلي:
إنهم يريدون أن يتهمونا برسالة الحجاب وكأنها ألفت ونشرت في هذه السنة، تلك الرسالة التي قضيت عقوبة سجن سنة بسببها والتي كنا نخفيها وأخرجت من تحت أكوام الحطب حسبما سُجِّل في المحضر.
ثم إن مقام النيابة اتخذ بذكاء خبيث انتقاداتي الفطرية الضرورية الكلية تلك التي قلتها قبل أربعين سنة حول رئيس الحكومة في أنقرة حينها الذي سكت ولم يرد على اعتراضاتي وكلماتي الشديدة اللهجة حوله في معرض بيان حقيقة من حقائق حديث شريف تظهر خطأه؛ اتخذ مقام النيابة ذلك سببًا لتهمتنا بتطبيقه عليه تطبيقا تامًّا بعد موته، أين مراعاة خاطر شخص مات وانقطعت علاقته بالحكومة من مراعاة خاطر الحكومة والشعب ومن مراعاة خاطر قوانين العدالة التي هي تجلّ من تجليات حكم الله تعالى؟!
ثم إن مبدأ حرية الضمير الذي اتخذناه نقطة استناد لنا أكثر من كل مبادئ الحكومة الجمهورية، والذي دافعنا به عن أنفسنا اتُّخذ سببًا لاتهامنا ضدنا وكأننا نعارض مبدأ حرية الضمير، وهناك شيء لا يرد إلى بالي وهو أن يتخذ انتقادي لسيئات الحضارة وعيوبها نقطة استناد في المحضر، يجعلونني من خلاله متهما بأنني أعارض التطورات الحديثة وكأنني أرفض استخدام المذياع[1] والطائرة والقطار.
انتقادي لسيئات الحضارة وعيوبها اتُّخِذ نقطة استناد في المحضر
فقياسًا على هذه النماذج ستظهر إن شاء الله محكمة أفيون مدى مخالفة هذه المعاملة للعدالة مثلما أظهرها النائب العام المنصف العادل في دنيزلي ومحكمتها، ولن تبالي بأوهام تلك المحاضر.
[1] كنت قلت: إن الشكر على نعمة المذياع التي هي من النعم الإلهية العظيمة إنما يكون بأن يقرأ المذياع القرآن ويُسمعه جميع الناس في الأرض، حتى تصبح الأرض قارئة للقرآن.(المؤلف).
586. صفحة
أما أغرب ما في الأمر فهو أنني كنت قد قلت: إن الطائرة والقطار والمذياع من نعم الله العظيمة ويجب الشكر عليها شكرا عظيمًا، ولكن البشر كفروا بها فنزلت عليهم القنابل بالطائرات، والمذياع من النعم الإلهية العظيمة، والشكر عليه إنما يكون إذا أصبح قارئا كليًّا للقرآن بملايين الألسنة فأسمعه كل الناس في الأرض.
وقد قلت في الكلمة العشرين عند بياني بأن القرآن يخبر عن خوارق الحضارة في إشارة من إشارات إحدى الآيات الكريمة: "إن الكفار سيهزمون العالم الإسلامي بواسطة القطار"، ومع أنني أحث المسلمين على هذه الخوارق إلا أن بعض النواب العامين للمحاكم التي سبق ذكرها اتهمونا بأننا ضد التطورات الحضارية الحديثة كالقطار والطائرة والمذياع وجعلوها سببا لاتهامي.
ثم إن رجلا لا علاقة له برسائل النور بما فهم من تعبير"رسالة النور" الذي هو الاسم الثاني لرسائل النور وصفها قائلا: "إنها رسالة من نور القرآن" أي إلهام منه ووارث يقوم بوظيفة الشريعة للرسالة، فاتُّخِذَ هذا سببا لتهمتي في ورقة الاتهام بالمعنى الخاطئ الذي فهمته جهة أخرى.
ثم إنني أثبت بالحجج في عشرين موضعًا من دفاعي أننا لا يمكن أن نتخذ الدين والقرآن ورسائل النور أداة لأية مصلحة دنيوية حتى لو وقف العالم كله ضدنا، كما أننا لا نطلب ملك الدنيا بحقيقة واحدة منهم، وهكذا نحن فعلا، وأمارات هذه الدعوى تبلغ الآلاف منذ عشرين سنة، ولكنهم من سياق استجواب محكمة أفيون وبناء على المحاضر الأخرى في ورقة الاتهام يتهموننا في ورقة الادعاء بأننا نخطط لمؤامرات دنيوية، ونسعى لأهداف دنيوية ونتخذ الدين أداة لأمور خسيسة، ونحط من قدسيته.
بما أن الأمر هكذا فأنا ومن معي وإيانا نقول بكل قوتنا ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ﴾.
سعيد النورسي
587. صفحة
باسمه سبحانه
تتمة لورقة الاعتراض على اتهام محكمة أفيون لنا
إنني لا أخاطب في هذا الاعتراض النائب العام في أفيون ولا محكمة أفيون، بل أخاطب الموظفين كثيري الوهم ذوي النية السيئة الذين حولوا الوضع العجيب الذي في هذا السجن وفي دائرة الاستجواب ضدنا بسبب محاضر ناقصة خاطئة من قبل النواب العامين والمخبرين والمحققين في أماكن أخرى.
أولا: إن الحجة القاطعة على مدى بعد إطلاق اسم تنظيم سياسي على تلاميذ رسائل النور الأبرياء الذين لا علاقة لهم بالسياسة لا أصل له ولا يرد بذهني، واتهام المساكين الذين دخلوا ضمن دائرة رسائل النور وليست لهم أية غاية إلا إنقاذ إيمانهم وآخرتهم بأنهم ناشرو ذلك التنظيم أو أعضاء ناشطون فيه أو منتسبون إليه أو قرأوا رسائل النور أو أقرأوها أو استنسخوها، ومن ثم إحالتهم إلى القضاء، إن الحجة القاطعة على مدى بعد كل هذا عن ماهية العدالة هي أن قراءة المؤلفات المضرة المعارضة للقرآن للدكتور "دوزي[1]" وغيره من الزنادقة لم تعد جريمة حسب دستور حرية الفكر والحرية العلمية، ولكن اعتُبِرت قراءة واستنساخ رسائل النور التي تعلم الحقائق القرآنية والإيمانية كالشمس لمن هم في أشد الحاجة إليها ومتشوقون إليها جريمةً، واتهموا تلاميذها محتجين فقط ببضع جمل في بضع رسائل أبقيناها مخفية قبل عرضها من قبل المحاكم من بين مائة رسالة ولم ننشرها حتى لا يساء فهمها، مع أن محكمة أسكي شهر دققت فيها كلها إلا رسالة واحدة وقامت بما يجب عليها، وتدخلت في بضع مسائل من رسالة الحجاب فقط، أما تلك الرسالة المستثناة فمع أني أجبت عنها في خطابي وفي ورقة اعتراضي إجابة قاطعة قائلا "بيدنا النور وليست هراوة"، وأثبتَ إثباتًا قاطعًا بعشرين وجها في محكمة أسكي شهر، وفحصت محكمة دنيزلي جميع الرسائل بلا استثناء ولم تعترض على واحدة منها، إلا أن النواب الظالمين عمموا بضع جمل من تلك الرسائل على كل رسائل النور مثلما صادروا "ذو الفقار" البالغ عدد صفحاته
[1] الدكتور دوزي: مستشرق هولندي من أصل فرنسي عاش ومات بين 1883–1820، له مؤلفات عن تاريخ الإسلام وتاريخ العرب في الأندلس، وكتابات ضد الإسلام والقرآن.
588. صفحة
أربعمائة صفحة بسبب صفحة أو صفحتين منه، واتهموا من يقرأ ويستنسخ رسائل النور، ويتهمونني بأنني أبارز الحكومة، وإنني أشهِد جميع أصدقائي الذين يقابلونني وأؤكد لهم أنه منذ أكثر من عشر سنوات لا أعرف قط من هم رجال الحكومة ووزراؤها ونوابها وقادتها وموظفوها غير رئيسين ونائب ووالي قسطموني، ولم أتطلع لمعرفتهم، وقد عرفت خمسة أو ستة من رجالها فقط عندما تواصل معي بعض الأشخاص قبل سنة، فهل من الممكن لرجل ألا يعرف الرجال الذين يبارزهم، وألا يتطلع لمعرفتهم، وألا يبالي بمعرفة الناس أهم أصدقاء أم أعداء ؟ فيتبين من هذه الحالات أنهم يضطرون إلى اختراع الذرائع التي لا أصل لها أبدًا حتى يسجنوني، وبما أن هذه هي الحقيقة فإني أقول لأولئك الظالمين وليس للمحكمة هنا:
"لا أبالي بأشد العقوبات التي تحكمون بها علي، فليست لها أي أهمية؛ لأني على عتبة باب القبر وقد بلغت السبعين، فاستبدال بضع سنوات من الحياة مظلوما وبريئا بمرتبة الشهادة سعادة عظيمة لي، ولي إيمان جازم بآلاف الحجج من رسائل النور أن الموت تذكرة تسريح بالنسبة لنا، فإن كان إعدامًا ظاهريا فإن ساعة من المشقة تصبح مفتاحًا لسعادة خالدة ورحمة أبدية، ولكنكم أيها الأعداء المتسترون وأيها الظالمون الذين تضللون القضاء لحساب الزندقة وتشغلون الحكومة بنا بلا أي سبب اعلموا يقينًا وارتجفوا أننا نرى أنه سيحكم عليكم بالإعدام الأبدي والسجن الانفرادي، وسيؤخذ منكم ثأرنا أضعافا مضاعفة، حتى إننا نشفق عليكم.
أجل؛ لاشك أن حقيقة الموت الذي أفرغ هذه المدينة إلى المقبرة مائة مرة لها طلب أكثر من الحياة، فوسيلة النجاة من إعدامه أعظم وأهم وأشد حاجة ضرورية قاطعة من جميع قضايا البشر، وحتى المجانين يدركون كيف أن الذين يتهمون تلاميذ رسائل النور الذين يظفرون بهذه الوسيلة لأنفسهم من خلال مبررات دنيئة، ويتهمون رسائل النور التي توجد لهم هذه الوسيلة بآلاف الحجج؛ يُتَّهَمون في نظر الحقيقة والعدالة.
589. صفحة
وهناك ثلاث مواد تخدع هؤلاء الظالمين وتوهمهم بوجود تنظيم سياسي من دون أي علاقة:
أولاها: إن ارتباط تلاميذي بي ارتباطا قويا منذ زمن قديم كارتباط الأخ الشقيق أوهم بوجود تنظيم.
ثانتيها: إنه بسبب تحرك بعض تلاميذ رسائل النور كتحرك مجموعات الجماعات الإسلامية الموجودة في كل مكان والتي تسمح لها قوانين الجمهورية ولا تمس بها؛ قد ظُنَّ أنهم تنظيم، بيد أن نية هؤلاء التلاميذ الثلاثة أو الأربعة المحدودين ليست تنظيما، بل أخوة خالصة في الخدمة الإيمانية وتساند أخروي بحت.
ثالثتها: إن غير المنصفين هؤلاء يعرفون أنهم على ضلال وأنهم عبدة الدنيا ويجدون بعض قوانين الحكومة تساعدهم فيفكرون قائلين: لاشك أن سعيدًا وأصدقاءه يعارضوننا ويعارضون قوانين الحكومة التي تساعد أهواءنا غير المشروعة، إذن هم تنظيم سياسي معارض، فأنا أقول لهم:
أيها التعساء، لو كانت الدنيا خالدة وعاش الإنسان خالدًا فيها، ولم تكن فيها من الوظائف الإنسانية غير السياسة، فلربما كان لافترائكم معنى، ثم إني لو دخلت في السياسة لوجدتم في مائة رسالة ألف جملة سياسية مبارزة وليست عشر جمل، فلو افترضنا أننا نعملمن أجل الغايات الدنيوية ومتعها وسياستها بكل قوتنا مثلكم، ولا علم لنا بالآخرة، ونسعى وراء النيات الدنيوية السيئة تحت غطاء الحيلة، مع أنه حتى الشيطان نفسه لا يحاول أن يسوقكم إلى التصديق بهذا، ولا يقدر على حمل أحد على التصديق به، ولكن حتى لو أن الأمر كذلك فبما أنه لا تثبت علينا أية حادثة قمنا بها خلال عشرين سنة، وأن الحكومة تنظر إلى العمل ولا يمكن أن تنظر إلى القلب، وأن في كل الحكومات هناك معارضون أشداء؛ فلاشك أنكم لا تستطيعون محاسبتنا بقوانين القضاء أيضًا، إن آخر كلامي ﴿حَسْبِيَ اللهُ لَا إِلٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾.
سعيد النورسي
590. صفحة
على الرغم من أنني كنت منعزلا لمدة ثلاث سنوات بعد براءتنا في دنيزلي وغير مهتم بالسياسة فإني أبين عدم قانونية هذه الحادثة الجديدة التي أدت إلى سجننا في أفيون من "عشرة وجوه":
الأول: مع أن رسائل النور خضعت للتدقيق في ثلاث محاكم وثلاث لجان من الخبراء وسبع دوائر حكومية في أنقرة كما دققت فيها وزارة العدل لمدة سنتين، وحكمت جميعها على براءة جميع الرسائل وعلى سعيد وعلى خمسة وسبعين من أصدقائه ولم تصدر بحقهم أية عقوبة بالاتفاق، فإن كل من له مقدار ذرة من الإنصاف يفهم مدى عدم قانونية التطاول مجددا إلى هذه الرسائل وكأنها أوراق مضرة.
الثاني: إن من عاش ثلاث سنوات ونصف منزويا في أميرداغ بعد البراءة وأغلق بابه من الخارج بالقفل ومن الداخل بالمزلاج، ولم يقبل أحدا عنده من غير الضرورة ولو كان واحدا من بين مائة رجل، وترك تأليفه المستمر منذ عشرين سنة ولم يؤلف شيئا بعدُ؛ كسر رجال التحري قفل بابه تنفيذا للسياسة الدنيوية التي يتبعونها؛ فلم يجدوا شيئا غير أوراده العربية واللوحة الإيمانية المعلقة فوق رأسه، ولهذا فإن تعذيبه مخالف للقانون ويدرك ذلك كل من له مقدار ذرة من الإنصاف.
الثالث: إن من لا يعرف شيئا عن الحرب العالمية لمدة سبع سنوات والآن صارت عشر سنوات وهو على هذا الحال ولم يتطلع إليها ولم يسأل عنها كما قلت في المحكمة بتصديق سبعين شاهدا، ولم يقرأ أي جريدة منذ خمس وعشرين سنة، ولم يستمع إليها من أحد، وقال منذ ثلاثين سنة "أعوذ بالله من الشيطان والسياسة"، واجتنب السياسة بكل قوته، وعانى طوال اثنتين وعشرين سنة معاناة شديدة ولم يلجأ إلى الحكومة ولو مرة من أجل راحته حتى لا يلفت أنظار أهل السياسة إليه ولا يتدخل في السياسة، هل يوافق أي قانون من القوانين على مداهمة منزله ومحل عزلته وإلحاق ما لا مثيل له من المعاناة به وهو في حالة المرض كما لو أنه سياسي خطير ومتآمر؟ إن كل من له مقدار ذرة من الضمير سيرثى لهذه الحالة.
591. صفحة
الرابع: على الرغم من أن الرئيس الكبير[1] حرض عليه –يقصد نفسه- بعضَ أعضاء القضاء بسبب الحقد الشخصي الذي يُضمِره له بحجة تلك الأوهام التي سببها الزعم بممارسة نشاط التنظيم والطريقة الصوفية فإن محكمة أسكي شهر برأته من قضايا ممارسة نشاط التنظيم والطريقة الصوفية وبرأته مما أثير حول رسائل النور بعد ستة أشهر من التدقيق فيها، وأصدرت عقوبة ستة أشهر من السجن بحق حوالي عشرة فقط من بين مائة من تلاميذ رسائل النور بموجب مبدأ القناعة الوجدانية وليس بالقانون محتجة برسالة الحجاب التي هي جزء صغير من رسائل النور، وعلى الرغم من أنهم ظلوا معتقلين لمدة أربعة أشهر ونصف إلى وقت التدقيق أي مسجونين لمدة شهر ونصف، وأن محكمة دنيزلي قامت طوال تسعة أشهر بالتدقيق في جميع رسائله ومؤلفاته الممتدة إلى عشرين سنة تدقيقا دقيقا بحجة ممارسة نشاط تنظيم وطريقة صوفية وغيرها من الحجج، ثم أرسلت خمسة صناديق من الكتب إلى محكمة أنقرة الجنائية وخضعت تلك الكتب والرسائل للتدقيق من قبل محكمة أنقرة ودنيزلي لمدة سنتين؛ فإن هاتين المحكمتين قررتا بالاتفاق البراءة من قضايا ممارسة نشاط التنظيم[2] والطريقة الصوفية وقضايا سائر الحجج وأعادتا تلك الكتب والرسائل إلى أصحابها وبرأتا سعيدا مع أصدقائه، وعليه فإن كل من لم تسقط إنسانيته يعلم كم هو غير قانوني أن يتهم رجل كهذا كأنه سياسي محتال يمارس نشاط التنظيم، وكم هو غير قانوني أن يحرض عليه موظفو القضاء في قضية ممارسة نشاط الطريقة الصوفية!
[1] أي مصطفى كمال أتاتورك.
[2] إن أساس رسائل النور وهدفها الإيمان التحقيقي والحقائق القرآنية، ولذلك قضت ثلاث محاكم بالبراءة في قضية الطريقة الصوفية، ولم يقل أحد طوال هذه السنوات العشرين إن سعيدا علمني الطريقة، ثم إن المسلك الذي ارتبط به أغلب أجداد هذه الأمة منذ ألف سنة لا يمكن أن يكون سبببا للعقاب، والذين يحاربون المنافقين المتسترين متغلبين عليهم لهجومهم على دين هذه الأمة بإطلاقهم اسم الطريقة على حقيقة الإسلام لا يمكن أن يتهموا بالطريقة الصوفية، أما التنظيم فهو أخوة أخروية من حيث الأخوة الإسلامية، وقد حكمت ثلاث محاكم أن رسائل النور ليست تنظيما سياسيا وبرأتها من هذه القضية.(المؤلف).
592. صفحة
الخامس: إنني لا أستطيع أن أرد على المجرمين الذين ظلموني بالدعاء عليهم حتى لا يلحق ضرر بأي بريء للشفقة التي هي أساس مسلكي ومسلك رسائل النور ودستور حياتي منذ ثلاثين سنة، حتى إنني غضبت على بعض الفسّاق الذين ظلموني بحقد شديد تجاهي بل غضبت على الظالمين الملحدين، إلا أن الشفقة منعتني من الرد عليهم ليس بالرد المادي فقط بل حتى بمجرد الدعاء عليهم أيضًا؛ لأنني لا أمسّ هؤلاء الظالمين الأشداء مراعاة لبعض الأبرياء حتى لا يلحق ضرر مادي بوالد ذلك الظالم القاسي أو بأمه أو بغيرهما من الشيوخ والعجزة المساكين أو بأولاده وغيرهم من الأبرياء، وأسامحهم أحيانا، ومن أجل سر الشفقة هذا لا أتدخل في أمور الإدارة والأمن قط كما أني نصحت جميع أصدقائي حتى إن بعضا من أفراد الشرطة المنصفين في ثلاث محافظات اعترفوا قائلين: "إن تلاميذ رسائل النور أفراد شرطة معنويون، يحفظون الإدارة والأمن"، ومع أن الآلاف يشهدون على هذه الحقيقة ويصدقونها طوال عشرين سنة من حياتهم، ويؤيدها عدم قيام آلاف من التلاميذ بأي حادث كما هو ثابت عند الشرطة، فأي قانون يسمح بمداهمة رجل مسكين وكأنه متآمر ثوري ظالم، وبازدرائه من قبل رجال ظالمين، واعتقاله وكأنه ارتكب مائة جريمة على الرغم من أنهم لم يجدوا أي شيء في منزله، بل حتى بجمع مصحفه العتيق القيم ذي المعجزات واللوحة المعلقة فوق رأسه وكأنها أوراق مضرة؟ وبمقتضى أية مصلحة يُجبَر دفع آلاف من المتدينين الذين يخدمون الأمن وحسن الأخلاق إلى القيام بعمل ضد الإدارة والأمن؟
السادس: إن رجلا -ولله الحمد حمدا غير محدود- قد أدرك قبل ثلاثين سنة بعناية الله تعالى وبفيض القرآن مدى تفاهة وعدم جدوى مجد الدنيا وعزتها المؤقتة وغرورها المتسم بالأنانية وشهرتها، وسعى سعيا بكل ما استطاع ليجاهد نفسه الأمارة بالسوء بكل قوته ويميتها ويترك الأنانية والرياء، ومع أن الذين خدموه وصادقوه يعلمون ذلك علما قاطعا ويشهدون على ذلك شهادة قاطعة، وفرّ بكل قوته خلافا لكل الناس منذ عشرين سنة من حسن الظن الزائد الذي يكنه كل
593. صفحة
شخص بنفسه، ومن إقبال الناس عليه ومن مدحهم له وثنائهم عليه، ومن أن يظن بنفسه أنه صاحب مقام معنوي، ورد حسن ظن إخوانه الخواص به، وكسر خاطر إخوانه المخلصين هؤلاء، ورفض في رسائله الجوابية مدحهم له وحسن ظنهم الزائد به، وأعلن أنه خال من الفضيلة ونسب كل الفضل إلى رسائل النور التي هي تفسير للقرآن الكريم ومن ثم نسب كل الفضل إلى الشخصية المعنوية لتلاميذ رسائل النور وعد نفسه خادما عاديا للقرآن الكريم، كل ذلك يثبت إثباتا قاطعا أنه لم يسعَ لتحبيب نفسه إلى الآخرين ولم يطلب ذلك بل رفضه، فبأي قانون من القوانين يُتهم بسبب حسن ظن بعض أصدقائه به من مكان بعيد من دون رضاه ومدحهم له ومنحهم غياه مقاما معينا، وبسبب بعض أقوال واعظ لا يعرفه في مدينة كُتاهية[1]، ورسالة إلى كتاهية مكتوبة بتقليد توقيعه ويُظن أنها سبب للتهمة مع أنه لم يرسل إلى تلك المدينة أية رسالة، وبسبب العثور على كتاب مؤثر لا يُعرف مؤلفه؟ فأي قانون في العالم وأية سياسة فيه يسمحان بهذا الاعتداء أي بكسر قفل غرفة هذا المسكين المريض الغريب الطاعن في السن وإدخال رجال المباحث فيها وكأنه ارتكب جريمة كبيرة، مع أنهم لم يعثروا على أية حجة غير أوراده ولوحاته ؟
السابع: لقد كتب إلى جميع أصدقائه في مثل هذا الوقت الذي يوجد فيه هذا الكم من التيارات الحزبية الداخلية والخارجية المستعرة الجارية في الداخل، وفي الوقت الذي كانت أرضية الاستفادة منها لكسب كثير من الدبلوماسيين لمساندته جاهزة بدلا من قلة قليلة من أصدقائه وقال من أجل ألا يدخل في السياسة ولا يخل بالإخلاص ولا يجلب أنظار الحكومة إليه ولا ينشغل بالدنيا: "إياكم والانجراف وراء التيارات ولا تدخلوا في السياسة ولا تخلوا بالأمن"، وقد آذاه التياران بسبب ابتعاده عنها، فالتيار القديم جرّعه الآلام بسبب أوهامه، والتيار الجديد آذاه حينما ادعى أنه "لا يساعدنا"، على الرغم من كل ذلك فأي قانون يسمح بإزعاج مسكين والتدخل في أفعاله التي تخص الآخرة بينما لم يتدخل هو في دنيا أهل الدنيا بل
[1] مدينة واقعة غرب تركيا.
594. صفحة
انشغل بآخرته، ولم يكتب رسالة واحدة إلى شقيقه في قرية نورس في بلده طوال اثنتين وعشرين سنة، ولم يكتب إلى أصدقائه في تلك المحافظات ما يصل إلى عشر رسائل طوال عشرين سنة؟
فعلى الرغم من أنه لا يُمنع انتشار كتب الملحدين المضرة بالوطن والشعب والأخلاق ضررا بالغا ولا منشورات الشيوعيين وفقا لقانون الحرية، وأن ثلاث محاكم لم تجد في رسائل النور أية مادة تؤدي إلى الاتهام هذه الرسائل التي تسعى منذ عشرين سنة إلى تحقيق الحياة الاجتماعية للشعب والبلد وأخلاقه وأمنه وسلامته، وتعمل على إعادة أخوّة العالم الإسلامي التي هي نقطة استناد حقيقية لهذا الشعب وصداقته وتقوية هذه الصداقة بصورة مؤثرة، وأن علماء رئاسة الشئون الدينية لم ينتقدوا "ذو الفقار وعصا موسى" بعد ثلاثة أشهر من التدقيق والفحص بأمر من وزير الداخلية من أجل نقدهما بل عرفوا قيمتهما معرفة تامة، ووضعوهما في مكتبة رئاسة الشئون الدينية على أنهما "كتابان ثمينان"، وقد رأى الحُجاج كتاب "عصا موسى" فوق قبر النبي صلى الله عليه وسلم كعلامة على قبوله، على الرغم من كل هذا فأي قانون وأي ضمير وأي إنصاف يسمح بجمع أجزاء رسائل النور كأنها أوراق مضرة وتسليمها للمحكمة !
الثامن: إن رجلا أعطي الحرية الكاملة بعد اثنتين وعشرين سنة من النفي ذي المعاناة وغير المبرر، ومع ذلك لم يذهب إلى بلده الذي ولد فيه حيث آلاف من أقربائه وأحبابه، وآثر الغربة والعزلة حتى لا يتصل بالدنيا والحياة الاجتماعية والسياسة، وترك صلاة الجماعة ذات الثواب العظيم في المسجد، وفضل الجلوس والصلاة الفردية في غرفته وحيدا، أي اتسم بحالة روحية هي اجتناب توقير الناس، وفضل التركي المتقي المتدين على الكردي غير المبالي بالدين بشهادة حياته طوال عشرين سنة، وبتصديق آلاف من الأتراك الأعزاء، بل إنه أثبت في المحكمة أنه لم يستبدل مائة كردي بأخيه التركي ذي الإيمان القوي وهو الحافظ علي، ولم يلتق بالناس ولم يذهب إلى المسجد من غير ضرورة حتى لا يجد توقيرا وتبجيلا من الناس، وسعى بكل قوته وبكل مؤلفاته منذ أربعين سنة لأخوة الإسلام ولتحابب
595. صفحة
المسلمين، وأحب الشعب التركي لرفعه راية القرآن ولنيله ثناء القرآن وقضى حياته بينهم، فأية مصلحة وأي قانون يسمح بدعاية المحافظ السابق بلسان رسمي من أجل ازدراء هذا الرجل المنعزل، والسعي لتنفير أصدقائه منه بحجة أنه كردي وأنتم أتراك، وأنه شافعي وأنتم أحناف، وتنفير الناس وإخافتهم منه، وإجباره لبس القبعة بالقوة على الرغم من أنه لم يُرغم على تغيير اللباس منذ عشرين سنة ولم يرغم في محكمتين، وأن لبس القبعة قد رفع عن نصف الجنود ؟
التاسع: هذا مهم وقوي جدا[1]، ولكني ألزم السكوت لتعلقه بالسياسة.
العاشر: وهو اعتداء لا يسمح به أي قانون، وليست فيه أية مصلحة، بل هو أوهام لا معنى لها، وجَعْل للحبة قبة، ولا يوافق عليه أي قانون، فنسكت عنه حتى لا نمس بالسياسة التي لا ننظر إليها حسب منهجنا، ومن ثم لا نقول إلا "حسبنا الله ونعم الوكيل" بعشرة وجوه أمام المعاملات غير القانونية.
سعيد النورسي
لي كلام أعرضه على حكومة أفيون ومحكمتها وشرطتها في بضع نقاط
الأولى: إن ظهور أكثر الأنبياء في الشرق وآسيا ومجيء أغلب الفلاسفة في الغرب وأوروبا إشارة من القدر الأزلي إلى أن السائد في آسيا هو الدين، والفلسفة في الدرجة الثانية، وبناء على رمز القدر هذا فإن أية حكومة في آسيا ولو لم تكن حكومة متدينة يجب ألا تمسّ الذين يعملون للدين بل يجب عليها أن تشجعهم.
الثاني: إن القرآن الحكيم عقل الأرض وقوتها المفكرة، فإن خرج من الكرة الأرضية والعياذ بالله فإنها ستجن، وليس من المُستبعد عقلا أن تصدم رأسها الفارغ من العقل بإحدى الكواكب فتتسبب في وقوع القيامة.
[1] إن وجود النصارى واليهود في الحكومات الإسلامية ووجود المسلمين في الحكومات النصرانية والمجوسية يدل على أنه لا يُـمَسّ المخالفون الذين لا يمسون الإدارة والأمن مسّا فعليا، ولا يمكن أن تكون الممكنات سببا للتهمة، وإلا فيجب إحالة كل الناس إلى القضاء بسبب هذه الممكنات بحجة أن كل إنسان يمكن أن يقتل رجلا. (المؤلف).
596. صفحة
أجل؛ إن القرآن الكريم سلسلة تربط العرش بالفرش وهو حبل الله، ويحفظ الأرض أكثر من الجاذبية العامة، وإن رسائل النور التي هي تفسير حقيقي وقوي للقرآن العظيم الشأن؛ نعمة إلهية عظيمة ومعجزة قرآنية لا تنطفئ أظهرت تأثيرها منذ عشرين سنة لهذا الشعب في هذا الوطن في هذا العصر، فينبغي ألا تمسها الحكومة، وألا تنفّر تلاميذها منها وألا تسوقهم إلى التخلي عنها، بل يجب أن تحميها وتشجع على قراءتها.
الثالث: كنت قد قلت لمحكمة دنيزلي بناءً على إعانة جميع أهل الإيمان القادمين أهلَ الإيمان الماضين بدعائهم وإرسالهم الحسنات إلى أرواحهم، وإذا سئل من يريدون أن يسجنوا تلاميذ رسائل النور الخادمين لحقائق القرآن ويوقعونهم في حالة بائسة وسئلتم أنتم أيها القضاة من قبل البلايين المشتكين من أهل الإيمان في المحكمة الكبرى:
إذا سئلتم لماذا كنتم تنظرون إلى منشورات الملحدين والشيوعيين وجمعياتهم التي تثير الفوضى نظرة تسامح ولا تمسونها، بينما أردتم أن تتعبوا رسائل النور وتلاميذها الذين يعملون لإنقاذ البلاد والعباد من الفوضى والإلحاد وسوء الأخلاق ولخلاص المواطنين من الإعدام الأبدي للموت؛ فبماذا ستجيبون على كل ذلك؟ وهكذا سألتهم، فبرّأنا أولئك المنصفون العادلون وأظهروا عدالة القضاء.
الرابع: كنت أنتظر أن تجعلني حكومة أنقرة أو سلطات أفيون ضمن من تستشيرهم في حل القضايا الكبيرة، ذلك لما لرسائل النور من خدمات تقدمها في هذه المسائل، فكنت أنتظر منهم مثل هذه الأسلئة لأسهم في الإجابة عنها.
أجل؛ لابد من إيجاد حلول تُكسب هذا الشعب في هذا البلد الأخوةَ القديمة لثلاثمائة مليون مسلم ومحبتهم وحسن ظنهم وعونهم المعنوي، وأمارة واحدة على أن رسائل النور أقوى وسيلة لتحقيق هذا الهدف هي:
لقد قام عالم كبير في مكة المكرمة في هذا العام بترجمة الكتب الكبيرة من رسائل النور إلى اللغة الهندية واللغة العربية وأرسلها إلى الهند وبقية أجزاء الجزيرة العربية، فقال حينها "إن رسائل النور تسعى لتحقيق الوحدة والأخوة
597. صفحة
الإسلامية التي هي أقوى نقطة ارتكاز لنا وتبين مدى تقدم الشعب التركي في الدين والإيمان دائما".
وكنت أنتظر أيضًا ضرورة طرح مسائل كبيرة كبر الجبال من مثل: ما مدى خدمة رسائل النور في مواجهة خطر الشيوعية الذي تحول إلى الفوضى في بلدنا؟ وكيف يمكن الحفاظ على هذا البلد المبارك من هذا السيل الرهيب؟ ولكن بدلا من هذا فقد آذوني إيذاء لم أعان من مثله طوال حياتي تحت هذه الظروف القاسية بسبب بعض القضايا الجزئية الشخصية التي لا تعدل جناح ذباب ولا تستلزم أية مسئولية والتي جعلت من الحبة قبابا بالافتراءات من قبل أصحاب النوايا السيئة.
لقد وجهت إلينا أسئلة تافهة من مثل: من صاحب الحصان الذي ركبه؟ ومن اشترى السيارة التي لم يقبلها؟ مثل تلك المسائل نفسها التي سألتنا عنها المحاكم الثلاث وبرأتنا منها وبضع مسائل شخصية دنيئة.
الخامس: لا يمكن مبارزة رسائل النور، فهي لا تنهزم، وظلت تسكت أعتى الفلاسفة وأشدهم عنادا منذ عشرين سنة، وتُظهر حقائق الإيمان واضحة وضوح الشمس، ولابد أن يستفيد من قوتها الذين يحكمون هذا البلد.
السادس: إن ازدرائي بسبب أخطائي شخصي الذي لا أهمية له، وإسقاطي من نظر العامة بالإهانات لا يضر رسائل النور بل يقويها من ناحية ما؛ لأنه عوضا عن لساني الفاني الوحيد تأتي الألسنة الخالدة لمئات من نسخ رسائل النور فلا تَسكُت، بل تتكلم، وسيقوم تلاميذها الصادقون بمواصلة هذه الوظيفة النورية القدسية الكلية بآلاف من ألسنتهم القوية إلى يوم القيامة إن شاء الله كما هو الحال حتى الآن.
السابع: كما أعلنا في المحاكم السابقة وبينّا حججنا فإن أعداءنا المتسترين ومعارضينا الرسميين وغير الرسميين الذين يخدعون الحكومة ويوهمون بعض رجالها ويحرضون القضاء علينا، إما أنهم انخدعوا انخداعا شديدا أو خُدعوا أو هم انقلابيون ظالمون باسم الفوضى والإرهاب، أو زنادقة دساسون يحاربون الإسلام وحقائق القرآن محاربة المرتدين، ولكي يحاربونا سموا الاستبداد المطلق
598. صفحة
جمهورية، والارتداد المطلق نظاما، وأطلقوا على السفاهة المطلقة اسم الحضارة، وعلى الكفر الاعتباطي الإجباري اسم القانون فآذونا إيذاء شديدا وخدعوا الحكومة وشغلوا القضاء بنا بلا أي معنى، ونحن نفوض أمرهم إلى قهر القهار ذي الجلال، ونلوذ بقلعة "حسبنا الله ونعم الوكيل" للحفاظ على أنفسنا من شرهم.
الثامن: لقد أرسلت روسيا العام الماضي الكثير من الحجاج إلى الحج وأرادوا بذلك تحويل العالم الإسلامي من الناحية الدينية ضد هذا الشعب المتدين في هذا الوطن محتجين من خلالهم بالدعايات بأن الروس يحترمون القرآن أكثر من الشعوب الأخرى، إلا أن الكتب الكبيرة لرسائل النور أفشلت دعايات الشيوعيين هذه ببعض الانتشار تحت تقديرات العلماء في مكة المكرمة والمدينة المنورة وفي دمشق الشريفة وفي مصر وحلب، وأظهرت للعالم الإسلامي وفي تلك المراكز المهمة أن الشعب التركي وإخوانه متمسكين بدينهم وقرآنهم كالسابق، والشعب التركي أخ كبير متدين لأهل الإسلام الآخرين وقائدهم البطل في خدمة القرآن، فإذا لقيت الخدمةُ العظيمة التي تقدمها رسائل النور للشعب هذا النوع من التعذيبات ألا تثير غضب الأرض؟ّ!
التاسع: خلاصة قصيرة للمسألة التي وُضِّحت وأثبتت في دفاعاتي أمام محكمة دنيزلي:
لقد غصب قائد عظيمٌ الحسنات الإيجابية للجيش بدهائه وذكائه ونسب سيئاته السلبية إلى الجيش فأسقط الحسنات وشرف المجاهدين اللذين هما بعدد أفراد الجيش إلى حسنة واحدة، ونسب سيئاته إلى أفراد الجيش، وجعلها بمنزلة سيئات بعددهم، وهذا ظلم شديد وخلاف للحقيقة، ومن ثم فمثلما بينت قبل أربعين سنة فقد قلت لنائب عام هاجمني في محاكماتنا السابقة بناء على صفعة حديث لذلك الشخص[1]:
على الرغم من أنني أحط من شأنه بإخبار الأحاديث إلا أنني أصون شرف الجيش وأقيه من الأخطاء الكبيرة، أما أنت فمن أجل صديق واحد لك تحط من
[1] المقصود به أتاتورك.
599. صفحة
شرف الجيش الذي هو رافع لراية القرآن وقائد بطل للعالم الإسلامي، وبإذن الله فقد رجع هذا النائب العام إلى الإنصاف ونجا من الخطأ.
العاشر: بناء على وظيفة القضاء وهي السعي من أجل الحق وحده لحفظ حقيقة العدالة وحقوق كل من يلجأ إليه من دون تمييز، فقد جلس الإمام علي رضي الله عنه في زمن خلافته مع يهودي للمحاكمة في المحكمة، وقد رأى رئيس من رؤساء القضاء أن أحد الموظفين قسا على سارق ظالم وهو يقطع يده بالقانون، فعزله في تلك اللحظة، ثم قال متأسفا: "إن الذين أدخلوا مشاعرهم هكذا باسم العدالة ظلموا ظلما كثيرا حتى الآن. أجل؛ ليس من حق الموظف أن يقسو على المحكوم في إجراء حكم القانون وإن لم يشفق عليه، وإلا يصبح ظالما، حتى لو قتله عن قسوة في تنفيذ القصاص لأصبح قاتلا إلى حد ما".
وبما أنه تسود في المحكمة حقيقة خالصة من دون حقد فإنه على الرغم من أن ثلاث محاكم حكمت علينا بالبراءة، وأن تسعين بالمائة من هذا الشعب شهدوا بأمارات كثيرة جدا على منفعة تلاميذ رسائل النور للشعب والوطن من دون ضرر، فإن تلاميذ رسائل النور الأبرياء والمحتاجين إلى السلوان وإلى التفات العدالة إليهم يقابَلون بالإهانات ويعامَلون هنا معاملة باردة قاسية، فنحن قد قررنا أن نصبر على كل مصيبة وإهانة ونتحملها؛ ولذا فنحن ساكتون ونفوض الأمر إلى الله قائلين: لعل في هذا أيضًا خيرا، ولكني خفت أن تؤدي مثل هذه المعاملات بحق هؤلاء الأبرياء المساكين بسبب الأوهام وتقارير الحاقدين إلى مجيء البلايا فاضطررت إلى كتابة هذا، فلو كان في هذه المسألة تقصير فهو مني، فهؤلاء المساكين ساعدوني من أجل إيمانهم وآخرتهم فقط طلبا لمرضاة الله تعالى، فمع أنهم يستحقون كل تقدير إلا أن مثل هذه المعاملات أثارت غضب الشتاء كذلك.
ومما يحير أنهم يزعمون هذه المرة أيضًا وَهْم تأسيس تنظيم، بيد أن ثلاث محاكم حققت في هذه الناحية وحكمت بالبراءة، فضلا عن أن المحاكم والشرطة والخبراء لم يجدوا أية أمارة تدل على ذلك، فلا توجد بين تلاميذ رسائل النور إلا أخوة أخروية كما بَيْن تلاميذ المعلم، وبين طلاب الجامعة، وبين تلاميذ حفظ
شرف الجيش الذي هو رافع لراية القرآن وقائد بطل للعالم الإسلامي، وبإذن الله فقد رجع هذا النائب العام إلى الإنصاف ونجا من الخطأ.
العاشر: بناء على وظيفة القضاء وهي السعي من أجل الحق وحده لحفظ حقيقة العدالة وحقوق كل من يلجأ إليه من دون تمييز، فقد جلس الإمام علي رضي الله عنه في زمن خلافته مع يهودي للمحاكمة في المحكمة، وقد رأى رئيس من رؤساء القضاء أن أحد الموظفين قسا على سارق ظالم وهو يقطع يده بالقانون، فعزله في تلك اللحظة، ثم قال متأسفا: "إن الذين أدخلوا مشاعرهم هكذا باسم العدالة ظلموا ظلما كثيرا حتى الآن. أجل؛ ليس من حق الموظف أن يقسو على المحكوم في إجراء حكم القانون وإن لم يشفق عليه، وإلا يصبح ظالما، حتى لو قتله عن قسوة في تنفيذ القصاص لأصبح قاتلا إلى حد ما".
وبما أنه تسود في المحكمة حقيقة خالصة من دون حقد فإنه على الرغم من أن ثلاث محاكم حكمت علينا بالبراءة، وأن تسعين بالمائة من هذا الشعب شهدوا بأمارات كثيرة جدا على منفعة تلاميذ رسائل النور للشعب والوطن من دون ضرر، فإن تلاميذ رسائل النور الأبرياء والمحتاجين إلى السلوان وإلى التفات العدالة إليهم يقابَلون بالإهانات ويعامَلون هنا معاملة باردة قاسية، فنحن قد قررنا أن نصبر على كل مصيبة وإهانة ونتحملها؛ ولذا فنحن ساكتون ونفوض الأمر إلى الله قائلين: لعل في هذا أيضًا خيرا، ولكني خفت أن تؤدي مثل هذه المعاملات بحق هؤلاء الأبرياء المساكين بسبب الأوهام وتقارير الحاقدين إلى مجيء البلايا فاضطررت إلى كتابة هذا، فلو كان في هذه المسألة تقصير فهو مني، فهؤلاء المساكين ساعدوني من أجل إيمانهم وآخرتهم فقط طلبا لمرضاة الله تعالى، فمع أنهم يستحقون كل تقدير إلا أن مثل هذه المعاملات أثارت غضب الشتاء كذلك.
ومما يحير أنهم يزعمون هذه المرة أيضًا وَهْم تأسيس تنظيم، بيد أن ثلاث محاكم حققت في هذه الناحية وحكمت بالبراءة، فضلا عن أن المحاكم والشرطة والخبراء لم يجدوا أية أمارة تدل على ذلك، فلا توجد بين تلاميذ رسائل النور إلا أخوة أخروية كما بَيْن تلاميذ المعلم، وبين طلاب الجامعة، وبين تلاميذ حفظ
600. صفحة
القرآن الذين يحفظونه، فمن يسميهم تنظيما ويتهمهم به لابد أن ينظر إلى جميع أصحاب المتاجر والطلاب والواعظين كأنهم تنظيم سياسي؛ لذا لا أرى ضرورة للدفاع عن الذين يأتون إلى السجن هنا بسبب اتهامات باطلة تافهة.
ولقد دافعنا ثلاث مرات عن رسائل النور التي تهم هذا البلد والعالم الإسلامي كثيرا والتي تحققت بركاتها ومنافعها المادية والمعنوية الكثيرة لهذا البلد ولهذا الشعب، وليس هناك أي سبب يمنعني من الدفاع عنها بنفس الحقيقة، ولا يمنعني أي قانون وأية سياسة ولا يمكن أن يمنعاني.
أجل؛ إننا تنظيم له أكثر من ثلاثمائة وخمسين مليونا من المنتسبين في كل عصر، وهم يبدون بكمال الاحترام علاقتهم وخدماتهم لمبادئ هذا التنظيم المقدس كل يوم بالصلوات الخمس، ويسعون وفق البرنامج القدسي ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ لمعاونة بعضهم بعضا بأدعيتهم ومكاسبهم المعنوية، فنحن من أفراد هذا التنظيم المقدس العظيم، ووظيفتنا الخاصة أن نبلّغ أهل الإيمان حقائق القرآن الإيمانية بصورة تحقيقية، وأن ننقذ أنفسنا وإياهم من الإعدام الأبدي ومن السجن الانفرادي البرزخي الدائم، وليست لنا أية صلة بالتنظيمات والكيانات الدنيوية السياسية المتآمرة، ولا صلة لنا بتأسيس تنظيم سري فهذه تهمة تافهة باطلة، ونحن نترفع عن ذلك.
وقد برأتنا أربع محاكم في هذه الناحية بعد تحقيقات عميقة.
سعيد النورسي
تتمة وملحق لعريضة الاعتراض من الدفاع المقدم إلى ستة دوائر رسمية في أنقرة وإلى محكمة أفيون الجنائية
أقول لمحكمة أفيون، كفى! لقد نفد صبري وتحملي! حيث إن التضييق عليّ بالترصد الدائم في المنفى بلا سبب وبالعزل المطلق والسجن الانفرادي طوال
601. صفحة
اثنتين وعشرين سنة، وإدخالنا السجن ثلاث مرات بلا أي قانون بسبب الأوهام واستخدام الاحتمالات في مكان الوقائع وإيذاء تلاميذ رسائل النور بدفع غرامة مئات الآلاف من الليرات على الرغم من أن ست محاكم لم تجد في مائة كتاب من رسائل النور سببا للتهمة سوى مسألتين أو ثلاث فقط؛ كل ذلك ظلم لم يحدث مثيل في العالم، ونحن كنا نجد السلوان ونسكت ونتحمل شيئا ما حتى الآن لقناعتنا القاطعة أن المستقبل والأجيال القادمة سيلعنون هؤلاء الظالمين المتسببين في الظلم لعنا شديدا، وسيعاقِبون هؤلاء الظالمين برميهم إلى أسفل سافلين في جهنم في المحكمة الكبرى.
فخلال خمس عشرة سنة فحصت ست محاكم رسائل النور ومراسلاتنا ولم تعاقبنا خمس منها بل برأتنا من كل النواحي، إلا أنني حينما أصدرت محكمة أسكي شهر حكما خفيفا بقانون مطاطي محتجة ببضع كلمات في رسالة قصيرة حول حجاب النساء التي هي مسألة واحدة؛ كتبت إلى أنقرة رسميا نموذجا واحدا لعدم قانونية القرار في تصحيحي لهذه العريضة بعد محكمة الاستئناف:
إن إصدار حكم السجن بحق من فسر آية الحجاب التي تعلّم وتأمر بعادة إسلامية دائمة قوية بواسطة الدستور القدسي لثلاثمائة وخمسين مليونا منذ ألف وثلاثمائة وخمسين سنة متبعا إجماع ثلاثمائة وخمسين ألف تفسير وحكمها ومقتديا بمسلك أجدادنا طوال ألف وثلاثمائة وخمسين سنة، فسر هذه الآية للدفاع عنها ضد اعتراض أحد الزنادقة عليها في الماضي وضد انتقاد الحضارة الحديثة لها، أقول إن كان في العالم عدالة فستنقض هذا الحكم أي حكم سجن رجل وعقابه من أجل تفسيره ذلك وستمسح هذه اللطخة العجيبة عن وجه القضاء في هذه الحكومة الإسلامية.
ولاشك أنكم قد فهمتم مثل هذه النماذج الغريبة الكثيرة في ورقة دفاعي المقدم إليكم وإلى الدوائر الرسمية في أنقرة.
إنني أطلب من محكمة أفيون وآمل منها أن تقضي باسم حقيقة العدالة بالحرية الكاملة لرسائل النور التي لها خدمة وبركة لهذه الأمة ولهذا الوطن بقدر
602. صفحة
ما للجيش من خدمة وبركة، وإلا أخبركم مع خروج بعض من أصدقائي الذين دخلوا السجن بسببي أن فكرا خطر على قلبي يضطرني إلى وداع مثل هذه الحياة بعد ارتكاب جريمة توجب عليّ أكبر عقوبة وهو:
على الرغم من أنه يجب على الحكومة أن تحميني حماية كاملة وتساعدني من أجل مصلحة الشعب ومنفعة الوطن فإن تضييقها عليّ يومئ إلى أن كيان الزندقة الذي يحاربني منذ أربعين سنة وبعضا من الشيوعيين الذين انضموا إليه الآن يسيطرون على بعض المناصب الرسمية المهمة ويعارضونني، وهناك أمارات كثيرة تقلقني بأن الحكومة إما أنها لا تعلم بهذا وإما أنها تتغاضى عن ذلك.
هناك أربعة أسس تخصني في ورقة الادعاء
الأساس الأول:
يزعمون بـأن "لدي اغترارا بنفسي وإعجابا بها واعتقادا بأنني مجدد"، وأنا أرفض هذا بكل قوتي، ويشهد جميع إخواني بأنني أرفض إسناد المهدية إليّ، بل إن الخبراء في دنيزلي قالوا: لو ادعى سعيد المهدية لقبل ذلك كل تلاميذه، وردا على ذلك قال سعيد في ورقة الاعتراض: إنني لست من الأشراف، والمهدي من الأشراف، ولم يخطر على بالي أبدا ولم أقل قط: إنني مهدي، إلا أنني قلت في رسالة مرة واحدة: إن وظيفة إنقاذ أهل الإيمان بالإيمان التحقيقي التي هي وظيفة من وظائف المهدي الذي سيأتي في آخر الزمان وهو من آل البيت؛ هذه الوظيفة موجودة في رسائل النور بأضعافها، وعندما يأتي المهدي سيجعل رسائل النور منهجا، فأنا لست من الأشراف ولم أحلم أبدا بهذه الأحلام التي تفوق حدي بمائة مرة، بل رددت بعض تلاميذ رسائل النور ممن لديهم حسن ظن بشيخهم بصورة مبالغ فيها وغير معلنة، ويطلقون عليّ ألقابا كالمجدد وغيرها باعتباري خادما لرسائل النور، لقد رددت تلك الألقاب وكسرتُ خاطرهم.
الأساس الثاني: أما إخفاء بعض الرسائل فهو من أجل ألا يفسرها أعداؤنا المتسترون تفسيرا خاطئا، وليس من أجل مسها السياسة والأمن، وكذلك من
603. صفحة
أجل ألا يجدوا حجة لمصادرة آلة النسخ بالحروف القديمة، أما قضية صفعة رسائل النور لمصطفى كمال استنادا إلى بيانها قبل أربعين سنة فهي[1] أن ست محاكم والدوائر الرسمية في أنقرة علِمتْها وبرأتنا ولم تمسها، وأعادت إلينا جميع كتبنا مع الشعاع الخامس، ثم إن بيان سيئاته هو من أجل صيانة كرامة الجيش؛ إذ إن عدم محبته لذلك الشخص هو من أجل الثناء على الجيش بكل محبة.
الأساس الثالث: وهو تهمة "إنه يحرض على الإخلال بالأمن"، فإن عدم تسجيل الشرطة وست محاكم وعدم عثورهما على أي شيء في عشر محافظات يخص الإخلال بالأمن والنظام في مائة ألف نسخة من رسائل النور عند مائة ألف رجل خلال عشرين سنة؛ يفنّد هذه التهمة العجيبة، والإجابةُ في هذا الادعاء الجديد على بعض المسائل التافهة التي تخص النواحي التي برأتنا منها ثلاث محاكم والتي تكررت الإجابة عنها؛ عبثٌ لا معنى له، ولما كان اتهامنا بهذه المسائل يعني اتهام محكمة أنقرة الجنائية ومحكمتي دنيزلي وأسكي شهر التي برأتنا منها، فإني أترك لها الجواب.
وهناك مسائل أخرى غير هذه وهي:
المسألة الأولى: على الرغم من أنهم حكموا ببراءتنا بعد فحص ذلك الكتاب فحصا دقيقا في محكمة دنيزلي ومحكمة أنقرة الجنائية طوال سنتين كاملتين وأعادوه إلينا فإنهم يطبقون بضع مسائل من الشعاع الخامس على قائد مات وانتهى أمره، ويقدمونها تهمة لنا، ونحن نقول: إن انتقادا كليا صائبا يمكن تطبيقه
[1] لقد عُدّ في الادعاء بعض من كرامات رسائل النور كالصفعة سببا للتهمة بتفسير خاطئ، وكأن الزلازل وغيرها من البلايا التي تنزل في أثناء الهجوم على رسائل النور هي صفعات من رسائل النور، حاشا، ثم حاشا، نحن لم نقل ذلك، بل قلنا في أماكن عديدة بالحجج: "إن رسائل النور وسيلة لدفع البلايا مثل الصدقة، وحينما يتم الهجوم عليها تختفي وتجد المصائب الفرصة سانحة وتنزل علينا". أجل؛ لدينا قناعة قاطعة من خلال مئات من الوقائع والحوادث بإقرار آلاف من تلاميذ رسائل النور ومشاهداتهم وبتوافقات تلك الحوادث التي لا يمكن أن تحدث مصادفة وبإشارات القرآن وتوافقاته المتعددة، بل بما بين بعض منها في المحاكم؛ أن تلك التوافقات إكرامٌ إلهي يشير إلى نيل رسائل النور مرضاة الله ونوعٌ من كرامات رسائل النور باسم القرآن الكريم.(المؤلف).
604. صفحة
في حق شخص مات وانتهى أمره وانقطعت صلته بالحكومة لا يمكن أن يعده أي قانون جريمة، ثم إن مقام النيابة بخبثه ودهائه أخرج لذلك القائد حصة من معنى التأويل الكلي وطبقه عليه، ولا يمكن لأي قانون أن يعدّ وجود حقيقة لا يفهمها إلا رجل من مائة رجل في رسالة مخفية ذات خصوصية جريمةً.
ثم إن تلك الرسالة قد بينت تأويل الأحاديث المتشابهة بيانا رائعا، ومع أن ذلك البيان صدر قبل حوالي أربعين سنة وأجيب عنه إجابة قاطعة في رسالة الدفاع التي قدمت إلى محكمتكم وإلى ثلاث محاكم كما قدمت إلى ست دوائر رسمية في أنقرة مرتين خلال ثلاث سنوات ولم تتعرض للانتقاد؛ فإن أي قانون لا يمكن أن يعد انطباقه على شخص ذي عيوب في صدد بيان حقيقة ذلك الحديث جريمة، ثم إن ذلك الانتقاد ليس موجها إليه وحده، وتلك الإجراءات التي اتخذها وتلك الأخطاء التي هو سببها ليست له وحده، بل للجيش والحكومة كذلك، أما هو فله نصيب واحد فقط، وإن انتقاد ذلك الشخص من أجل أخطائه كما أنه ليس جريمة فلا يمكن أن يقال أيضًا إن الذي ينتقده يهاجم إجراءاته، فهل يمكن أن يكون عدم محبة رجل حول جامع أياصوفيا الذي هو مبعث شرف خالد لهذه الأمة الباسلة ووسام قيم عظيم كالألماس في العالم في خدمة القرآن الكريم والجهاد للأمة، وتذكار وتحفة عظيمة لسيوفها إلى دار للأصنام وحول دائرة المشيخة إلى ثانوية للبنات جريمةً؟!
المسألة الثانية التي هي سبب اتهامي الموجه إلي في ورقة الادعاء:
وهي المسألة التي كسبنا البراءة فيها في ثلاث محاكم، وهي بيان تأويل رائع لحديث شريف قبل أربعين سنة، وقد كان شيخ الإسلام للجن والإنس "زمبيلّي علي أفندي[1] " أفتى بأنه "لا يجوز لبس القبعة أبدا ولو كان على سبيل المزاح"، كما لم يُجز جميع شيوخ الإسلام وعلماؤه، وعندما اضطُرّ عوام أهل الإيمان إلى لبسها جَعَلت فتوى أولئك العلماء الكبار عوامَ أهل الإيمان في خطر، أي إنهم
[1] شيخ الإسلام "علي أفندي" ولقبه "زمبيلي" شيخ الإسلام الثامن في الدولة العثمانية، وكان من كبار علماء عصره، ولد عام 1445 في مدينة قرمان، وتوفي عام 1526 بإسطنبول. وقد عاصر ثلاثة من سلاطين الدولة العثمانية منهم السلطان سليم الأول والسلطان سليمان القانوني.
605. صفحة
كانوا بين خيارين إما ترك الدين كبعض المنافقين، أو التمرد كحركات التمرد في المحافظات الشرقية، إلا أن هذه الفقرة من الشعاع الخامس الذي ألف قبل أربعين سنة "ستستقر القبعة على الرأس، وستقول لا تسجد، ولكن الإيمان الذي في الرأس سيرغم هذه القبعة على السجود، وسيجعلها مسلمة إن شاء الله"؛ أنقذت عوام أهل الإيمان من التمرد ومن الثورة ومن ترك الإيمان والدين، على الرغم من كل ذلك فإن أي قانون لم يكلف المنعزلين مثل هذه التكاليف، ولم ترغمني ست حكومات على لبسها طوال عشرين سنة، ولم يكن جميع الموظفين في الدوائر الرسمية، ولا النساء، ولا الأطفال، ولا الذين في المساجد، ولا أغلب القرويين مضطرين أن يلبسوها، وعلى الرغم من أنها رفعت عن رءوس الجنود بصورة رسمية الآن، وبدلالة أن الطاقية المنسوجة وبعض الطواقي ليست ممنوعة في كثير من المحافظات، وأنه ليست هناك مصلحة ولا منفعة في القبعة ولا أية فائدة تخص إدارة البلاد وأمنها، على الرغم من كل ذلك فإنها جُعِلَتْ سببا لاتهامي واتهام أصدقائي، فهل هناك قانون ومصلحة ومبدأ يمكن أن يعد هذا الاتهام التافه جدا جريمة؟!
سبب الاتهام الثالث: وهو "التحريض على الإخلال بالأمن في أميرداغ".
والاعتراض على هذا:
أولا: هذه ورقة اعتراضي المقدمة إلى المحكمة هنا وإلى ست دوائر رسمية في أنقرة بعلم هذه المحكمة وإذنها وهي لم تدحض، والآن أقدمها كما هي كاعتراض على مقام النيابة.
ثانيا: لقد اجتنبت التدخل في السياسة الدنيوية بكل قوتي في عزلتي بعد براءتي بشهادة جميع من تحدثوا معي في أميرداغ وإقرار الأهالي والشرطة، بل كنت قد تركت التأليف والمراسلة، ولم أؤلف إلا نكتتين حول التكرارات القرآنية والملائكة، وكنت أكتب رسالة واحدة في الأسبوع من أجل الحث على قراءة رسائل النور، بل إنني كتبت إلى شقيقي بضع رسائل خلال ثلاث سنوات فقط، ومع أنني لم أكتب أية رسالة إلى شقيقي في بلدتي خلال عشرين سنة إلا أن مقام
606. صفحة
النيابة اتهمني بالإخلال بالأمن، وأعاد بخبثه ودهائه هذه اللازمة[1] القديمة وقال: "إنه يعارض إجراءات النظام".
ونحن نقول ردا على هذا:
إن عدم تسجيل ست محاكم وشرطة عشر محافظات مهتمة بأمرنا أي شيء يخص الإخلال بالأمن في حق عشرين ألف بل مائة ألف شخص قرءوا عشرين ألف نسخة من رسائل النور بشغف وقبول خلال عشرين سنة؛ يدل على أنهم ينظرون إلى شيء ممكن حدوثُه كأنه أمر واقع من خلال احتمال واحد من بين آلاف الاحتمالات في حقنا، مع أنه لو كان هناك احتمال واحد من بين احتمالين أو ثلاثة ولم يظهر أثره؛ لا يكون ذلك جريمة، ثم إن إمكانية أن يقوم أي رجل بمن فيهم النائب الذي هاجمني بقتل كثير من الناس، وإمكانية أن يخل بالأمن والنظام ويفسد السلام لحساب الفوضوية والشيوعية؛ ليس احتمالا واحدا من آلاف الاحتمالات بل أكثر، واستخدام هذه الاحتمالات العجيبة المفرطة في مكان الوقائع خيانة للقضاء والقانون، ثم إنه في كل حكومة يوجد معارضون، ولا تعد المعارضة بالفكر جريمة، فالحكومة تنظر إلى الفعل لا إلى القلب.
وقد قال مقام النيابة في الخطأ الحادي والثمانين ضمن أخطائه المائة في ورقة ادعائه حول مؤلفات من له خدمات ومنافع كثيرة للوطن والشعب بلا ضرر، والذي لا يتدخل في الحياة الاجتماعية وأُجْبِر على العيش في عزلة مطلقة، والذي قوبلت مؤلفاته في أهم المراكز الإسلامية بكمال التقدير والاستحسان قال: "إن تأويلاته في الشعاع الخامس خاطئة".
والجواب:
أولا: لقد ذكرت جملة "وهذا أحد تأويلاته والله أعلم" في الشعاع الخامس، وتعني "يمكن أن يكون هذا هو معنى هذا الحديث الشريف"، وهذا لا يمكن تكذيبه حسب علم المنطق، إلا بإثبات كونه مستحيلا.
[1] اللازمة: كلمة أو مقطع يعاد ترديده وتكراره مرارا.
607. صفحة
ثانيا: إن معارضيّ ومن يسعون للاعتراض على رسائل النور منذ عشرين سنة بل منذ أربعين سنة لم يرفضوا أيا من تأويلاتنا بالعلم والمنطق، بل صدقها آلاف من علماء تلاميذ رسائل النور مع هؤلاء العلماء المعارضين ولم يقولوا: "فيه نظر"، فإني أحيل إلى إنصافكم كم هو بعيد عن الإنصاف أن ينكر هذه التأويلات من لا يعرف كم عدد سور القرآن. والحاصل إن معنى التأويل هو معنى ممكن ومحتمل من المعاني الكثيرة للأحاديث الشريفة أو الآيات الكريمة، وإنني أتهم الذين يقومون بمثل هذه الاتهامات العجيبة الباطلة في حق رجل مثل هذا بأنهم يُستغَلّون لحساب الفوضوية والشيوعية دون أن يشعروا.
أبين لمحكمة أفيون أنني علمت ببعض الأمارات أن أعداءنا المتسترين يبحثون عن مبررات باطلة جدا من أجل إسقاط قيمة رسائل النور بإثارة قضية المهدي التي تذكّر بمعنى السياسة وكأن رسائل النور أداة لهذه القضية، ونحن نقول لأولئك الأعداء الظالمين المتسترين:
حاشا ثم حاشا! إن خمسا وسبعين سنة من حياتي وبخاصة حياتي هذه منذ ثلاثين سنة ومائة وثلاثين رسالة من رسائل النور وآلافا ممن صادقوني مصادقة كاملة يشهدون على أنني لم أتخذ حقائق الإيمان في أي وقت أداة لإكساب شخصي منصبا أو جاها أو شرفا ولم أتجاوز حدي.
أجل؛ إن تلاميذ رسائل النور يعلمون -وقد قدمت على ذلك حججا في المحكمة- أنني لم أسْعَ لإعطاء مقام أو جاه أو شرف أو شهرة لنفسي أو إكسابها مرتبة أخروية أو معنوية، بل إني قبلت -من أجل أن أقدم خدمة إيمانية لأهل الإيمان بكل قناعتي وقوتي- أن أضحي بحياتي الدنيوية ومراتبها الفانية، بل بحياتي الأخروية إذا اقتضى الأمر وبالمراتب الأخروية الباقية التي يطلبها كل الناس، بل قبلت أن أترك الجنة وأدخل جهنم إذا لزم الأمر حتى أصبح وسيلة لإنقاذ بعض من أهل الإيمان المساكين من جهنم، ويعلم هذا إخواني الصادقون، وقد أثبت ذلك في المحاكم من بعض النواحي أنهم يُسندون عدم الإخلاص إلى
608. صفحة
خدمتي للإيمان ولرسائل النور بهذه التهمة، وينزلون قيمة رسائل النور فيحرمون الشعب من الاستفادة من حقائق رسائل النور العظيمة.
فهل يمكن -بظن هؤلاء الأشقياء أن الدنيا خالدة وتوهمهم أن كل الناس يتخذون الدين والإيمان أداة للدنيا مثلهم- أن يعد جريمة بأي وجه من الوجوه في حق رجل تحدى أهل الضلالة في الدنيا، وضحى في سبيل الخدمة الإيمانية بحياته الدنيوية والأخروية إذا اقتضى الأمر، ولم يستبدل حقيقة واحدة من حقائق الإيمان بملك الدنيا كما أعلَن في المحكمة، وفرّ بكل قوته بسر الإخلاص من السياسة ومن المراتب المادية والمعنوية التي تشعر بمعنى السياسة، وتحمل منذ عشرين سنة أنواع التعذيبات التي لا مثيل لها وترفّع عن السياسة بحسب منهجه الإيماني، واعتبر نفسه أدنى من تلاميذه من حيث نفسُه الأمارة، وانتظر منهم الدعاء والعون دائما، واعتقد نفسه عاجزا فقيرا مفلسا؛ هل يمكن أن يعد جريمة إذا أسند بعض من تلاميذه إليه وهو العاجز الفقير الذي ألف رسائل النور بعضا من فضائلها في مراسلاتهم الخاصة بما استفادوا منها من قوة الإيمان، ومنحوه مقاما رفيعا كما يقول الإنسان لرجل عادي يحبه بناء على عادة جارية: "أنت سلطاني، أنت ولي نعمتي" دون أن تتبادر إلى أذهانهم أية سياسة، وأحسنوا الظن به بما يفوق حده ألف مرة، ومدحوه وأثنوا عليه ثناء يحمل معنى الامتنان وفق عادة مقبولة غير معترض عليها جارية بين الشيوخ وتلاميذهم، وبناء على كتابة قصائد المدح والتقاريظ المبالغ فيها في ختام الكتب المقبولة منذ القديم؟!
ومع أن ذلك مخالف للحقيقة لكونه مبالغة، إلا أنه حوّل بعضا من مدحهم إلى رسائل النور ولم يرده ردا كاملا حتى يدعم قوة مساعديه المعنوية ضد كثير من المعارضين الظالمين الأشداء ولم يكسر حماسة المادحين المبالغين لكونه وحيدا وغريبا وكثير الأعداء ولوجود أسباب كثيرة تنفر مساعديه منه، ومن ثم يفهم مدى ابتعاد الموظفين عن الحق والقانون والإنصاف الذين يسعون إلى تحويل خدمته للإيمان في هذا العمر عند باب القبر إلى عمل يراد به وجه الدنيا؟
إن آخر ما أقول: "لِكُلِّ مُصِيبَةٍ إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ".
609. صفحة
ملحق
لقد رأيت مكتوبا في ختام قرار التحقيقات الأخيرة التي أجراها قاضي الاستجواب ذكر فيه ما يلي:
"لقد قرر مجلس الوزراء قبل أربعة أشهر منع نشر رسالة المعجزات القرآنية أي الكلمة الخامسة والعشرين ومصادرتها رسميا" بحجة أن ما جاء في تلك الرسالة من بيان ثلاث آيات ضد الحضارة الحديثة لا ينسجم مع قانون الأحوال الشخصية الجديد"، ونقول جوابا على ذلك: إن رسالة المعجزات القرآنية موجودة الآن في كتاب "ذو الفقار" البالغة عدد صفحاته حوالي أربعمائة صفحة، وذلك البيان يقع في صفحتين فقط في "ذو الفقار" ويفسر ثلاث آيات موجودة في ثلاث رسائل قديمة من رسائلي يرد ردا لا يمكن الاعتراض عليه على انتقاد الحضارة الحديثة للقرآن قبل ثلاثين سنة، فالآية الأولى حول حجاب النساء، والثانية عن الميراث وهي الآية ﴿فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾، والثالثة أيضًا عن الميراث وهي الآية ﴿فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، ومع أني كتبت حكمة حقائق هذه الآيات بما يلزم الفلاسفة في صفحتين قبل عشرين سنة وفي رسائلي الأخرى قبل ثلاثين سنة، وعوضا عن منع "ذو الفقار" البالغ أربعمائة صفحة بتوهم كأن ذلك البيان قد ألف اليوم فمن حقنا بالقانون إخراج هاتين الصفحتين من "ذو الفقار"، وكما أنه إذا وجدت كلمة مضرة أو كلمتان مضرتان في رسالة تحذف تلكما الكلمتان فقط، ويسمح بنشر المتبقي منها، فإننا من هذا القبيل نطلب حقنا من محكمتكم العادلة.
لقد قُدّمت ورقة اعتراضي قبل شهرين، وقدمت تتمة اعتراضي وملحقها قبل حوالي شهر إلى ست دوائر رسمية في أنقرة وإلى مقامكم، فورقة الاعتراض هذه تقطع أساس ذلك الادعاء من أصله وترده، ولا أرى حاجة إلى كتابة ورقة اعتراض ضد ورقة الادعاء من جديد، إلا أنني أريد أن أذكر مقام الادعاء ببعض النقاط فأقول:
إن عدم وضعي هذا الادعاء موضع الاعتبار وعدم ردي عليه؛ هو من أجل ألا أكسر عزة المحاكم الثلاث التي برأتنا وألا أهينها؛ ذلك أن تلك المحاكم برأتنا بعد
610. صفحة
تدقيقها في التهم التي جاءت في ورقة الادعاء الحالية تدقيقا شديدا، فعدم الاعتبار بقرار تلك المحاكم بالبراءة مسّ لكرامة القضاء.
النقطة الثانية: إن مقام النيابة يتهمنا بخبثه بتفسير لا يخطر على بالنا لبضع مسائل من بين آلاف المسائل، مع أن تلك المسائل موجودة في الكتب الكبيرة من رسائل النور، وعلى الرغم من أن علماء الأزهر في مصر، وكبار علماء الشام الشريف، والشيوخ المحققين في مكة المكرمة والمدينة المنورة والعلماء المحققين في حلب وغيرها ولاسيما العلماء المحققين في رئاسة الشئون الدينية رأوها واستحسنوها وصدقوها بتقدير كامل إلا أنني رأيت باستغراب وتعجب في ورقة الادعاء هذه بعض الاعتراضات العلمية وكأن مقام النيابة عالم وشيخ، فحتى لو كانت لي أخطاء فإن تلك الأخطاء التي لم يرَها آلاف من العلماء أو لم ينتقدوها في ورقة الادعاء لا يمكن أن تكون جريمة ولو كانت حقيقية، بل يمكن أن يكون ذلك خطأ علميا، ثم إن ثلاث محاكم برأت جميع رسائل النور وبرأتنا، إلا أن محكمة أسكي شهر احتجت بخمس عشرة كلمة من اللمعة الرابعة والعشرين الخاصة بمسألة حجاب النساء وقضت علي وعلى خمسة عشر صديقا من أصدقائي المائة بعقوبات خفيفة، وقد كتبت في تتمة اعتراضي التي قدمتها إليكم "لو كانت على وجه الأرض عدالة لما قبلتْ حكم السجن بحقي بسبب تفسيري هذا الذي اتبعت فيه حكم ثلاثمائة وخمسين ألف تفسير"، وقد حاول مقام النيابة أن يأتي بالماء من ألف نهر[1] فيحول بعض الجمل للكتب والرسائل والمراسلات المكتوبة منذ عشرين سنة ضدنا بذكائه، في حين أن المحاكم الست وليست الثلاث فقط التي برأتنا من هذه الناحية تصبح شريكة لنا في هذه الجريمة المتوهمة، وأنا أذكّر مقام النيابة بأنه يجب عدم مس عزة تلك المحاكم العادلة؟
الثالثة: إن انتقاد رئيس قد مات وانتهى أمره وانقطعت علاقته بالحكومة وكانت لديه بعض الأخطاء، إن انتقاده في الإجراءات أو الاعتراض عليه
[1] أن يأتي بالماء من ألف نهر: مثل تركي يعني ذكر أسباب كثيرة باطلة لخداع شخص أو إقناعه.
611. صفحة
ولو كان صريحا لا يعد جريمة حسب القانون، ولم نصرح نحن بذلك ولكن النائب قد طبق عليه بياناتنا الكلية بخبثه ودهائه، وكَشفَ المعاني السرية المخفية التي لم نُعْلِم بها أحدا وأعلنها وجذب أنظار الجميع إليها، فإن كان في هذا جريمة فإن مقام النيابة هو المجرم؛ لأنه يحرض الشعب ويلفت الأنظار إلى تلك المعاني.
الرابعة: على الرغم من أن ثلاث محاكم برأتنا من قضية التنظيم براءة قاطعة فإن النائب بحث مرة أخرى كاللازمة[1] القديمة عن أمارات لوهم التنظيم السري وكأنه يجمع الماء من ألف نهر، ومع أن هناك تنظيمات سياسية عديدة متنوعة تضر بالوطن والشعب ويسمح لها بالنشاط وينظر إليها بنظر التسامح، فإن إطلاق اسم التنظيم السري على صداقة تلاميذ رسائل النور في الدراسة، تلك الصداقة الثابتة بشهادة آلاف الأمارات والشاهدين من أمثالنا وبعدم مس ست محافظات بهم، وعلى تساندهم المتسم بروح المجاهدة لصالح الوطن والشعب ومنفعة الدين، ولحساب السعادة الدنيوية والأخروية وضد ما يأتي من الخارج والداخل من التيارات المفسدة، واتهام مقام النيابة لهم بأنهم يحرضون الشعب على الإخلال بالأمن متخذين الدين أداة، مع أنه لم تسجل خلال عشرين سنة أية حادثة لتلاميذ رسائل النور تخل بالأمن، إن ذلك كله يثير غضب البشر جميعا بل الأرض كلها ويرد هذا الاتهام.
على كل حال لا أرى حاجة لمزيد من الكلام، فورقة الاعتراض وتتمتها المكتوبة قبل ورقة الادعاء هي جوابنا عليه.
المعتقل في سجن أفيون
سعيد النورسي
[1] اللازمة: كلمة أو مقطع يعاد ترديده وتكراره مرارا.
612. صفحة
باسمه سبحانه
أبيّن لمحكمة أفيون ولرئيس المحكمة الجنائية أنه:
كنت قد قطعت علاقتي بالدنيا بسبب عدم تحملي تحكم الناس علي فطرة منذ القدم، والآن ثقلت الحياة عليّ جدا ضمن أنواع التحكمات التافهة غير الضرورية، فأصبحت لا أطيق العيش، ولا أستطيع أن أتحمل تحكمات مئات من الرجال الرسميين خارج السجن، فقد سئمت من مثل هذه الحياة، فأطلب منكم بكل قوتي إنفاذ العقوبة عليّ؛ إذ لو أردت الموت فإن ذلك ليس بيدي، والبقاء في السجن ضروري لي، وتعلمون أن التهم الباطلة التي يسندها إليّ مقام النيابة غير موجودة أصلا، ومن ثم فلا يعاقبني، ولكن لي من الأخطاء الكبيرة تجاه الوظيفة الحقيقية ما يعاقبني عقابا معنويا، فإن كان من المناسب أن تسألوا فاسألوا وأنا أجيب.
أجل؛ إن عدم استطاعتي القيام بالوظيفة العظيمة التي أنا مكلف بها باسم الوطن والشعب والدين بسبب عدم التفاتي إلى الدنيا تعتبر جريمتي الوحيدة عندكم، بينما أعتبرها ضمن أخطائي الكبيرة، وقد رأيت في سجن أفيون هذا أنها جريمة لا تغتفر من ناحية الحقيقة، وأن الجهل بتلك الوظيفة لا يعد عذرا لي.
إن الذين يطلقون اسم التنظيم الدنيوي والسياسي على العلاقة الخالصة الأخروية لتلاميذ رسائل النور بها وبمؤلفها ويحاولون أن يحاسبوهم؛ بعيدون جدا عن الحقيقة والعدالة، وقد أصدرت ثلاث محاكم البراءة في هذه القضية، ولكننا مع ذلك نقول:
لا يمكن إطلاق اسم التنظيم -الذي هو سبب التهمة- على تلاميذ رسائل النور إلا بإنكار الروابط التي تحقق أساس الحياة الاجتماعية كرابطة المحبة الصادقة بين الأقرباء التي هي أس أساس الحياة الاجتماعية الإنسانية وبخاصة الأمة الإسلامية، ورابطة الصلة الخالصة بين القبائل والطوائف، والأخوة المتسمة بالتعاون المعنوي بين المؤمنين من خلال القومية الإسلامية، والعلاقة المتسمة بالتضحية عند المرء لبني جنسه وأمته، والصلة والالتزام والانتساب الذي لا يتزعزع لحقائق القرآن
613. صفحة
وناشريها الذين ينقذون حياته الأبدية، وبقبول الخطر الأحمر[1] في الشمال الذي ينثر بذور الفوضى الرهيبة ويهلك النشء والمجتمع ويأخذ أبناء الناس لخدمته ويلغي القرابة وحب الأمة، ويؤدي إلى إفساد الحضارة البشرية والحياة الاجتماعية إفسادا كاملا، ولذلك يُظهر تلاميذ رسائل النور الحقيقيون علاقتهم المقدسة بحقائق القرآن وصلتهم غير المتزعزعة بإخوانهم في الآخرة بلا خوف، ويقبلون بكل رضا كل عقاب يأتي بسبب هذه الأخوة، ويعترفون بالحقيقة أمام محكمتكم العادلة كما هي، ويترفعون عن الدفاع عن أنفسهم بالحيلة والتملق والأكاذيب.
سعيد النورسي
ذيل لتتمة ورقة الاعتراض ردا على ورقة الادعاء في محكمة أفيون
أولا: أبين لمحكمتكم السامية أن ورقة الادعاء مبنية على ورقة الادعاء القديمة في محاكمنا في دنيزلي وأسكي شهر وعلى التحقيقات السطحية للخبراء السطحيين المعارضين لنا، وإني أعلنت في محكمتكم أنني راض بعقاب مائة سنة إن لم أثبت مائة خطأ في ورقة الادعاء هذه، وها قد أثبتّ دعواي هذه، وسأقدم جدول الأخطاء التي تفوق المائة إذا طلبتم.
ثانيًا: كنت في قلق ويأس عندما أُرسِلت كتبنا وأوراقنا إلى أنقرة في محكمة دنيزلي، وكنت أخشى من إصدار حكم علينا، وكتبت إلى أصدقائي، وهذا نص ما كتبته وهو موجود في ختام بعض دفاعاتي:
إن موظفي العدل الذين يدققون في رسائل النور من أجل انتقادها لو رَسّخوا بها إيمانهم وأنقذوه ثم حكموا عليّ بالإعدام فإني أشهدكم أنني أسامحهم؛ لأننا خادمون لحقائق الإيمان، وإن وظيفة رسائل النور تقوية الإيمان وإنقاذه، وإننا مكلفون بالخدمة الإيمانية دون تفريق بين عدو وصديق ودون انحياز لطرف معين.
[1] أي الشيوعية.
614. صفحة
فيا لجنة القضاء، لا شك أن حجج رسائل النور القوية التي لا تفند قد حولت القلوب إليها في المحكمة بناء على هذه الحقيقة، فإني أسامحكم مهما فعلتم بحقي، ولا أستاء، ولذلك فإني قد تحملت الظلم والاستبداد الشديدين والحط من شأني بالإهانات التي لم أر مثلها في حياتي قط والتي آذتني جدا، بل إنني لم أدعُ على أحد، وإن ما بين أيديكم من أجزاء رسائل النور هي دفاعي الذي لا يرد واعتراضي الذي لا يفند تجاه كل الاتهامات الموجهة والمسندة إلينا.
ومما يبعث على التعجب أنه على الرغم من أن العلماء الكبار في مصر ودمشق وحلب والمدينة المنورة ومكة المكرمة والعلماء المدققين في رئاسة الشئون الدينية قد دققوا في أجزاء رسائل النور ولم ينتقدوها بل قدروها واستحسنوها؛ فإن شخصا يتظاهر بالذكاء جمع الادعاءات ضدنا ونظر نظرة سطحية وأخطأ خطأ ظاهرا عجيبا بقوله إن القرآن مائة وأربعون سورة، وعلى الرغم من أن رسائل النور حملت مئات الآلاف من أهل الحقيقة على التصديق بها في هذه الظروف العصيبة وضمن غربتي ووحدتي وحالتي التي يرثى لها وضمن الهجوم الرهيب عليّ، فإن هذا الشخص المدعي الذي لا يعلم كم عدد سور القرآن الكريم لعدم انتباهه؛ يتبين كم أن انتقاده بـقوله "إن رسائل النور تسعى لتفسير القرآن الكريم ولتأويل الأحاديث النبوية ولكن لا تحمل بعض أجزائها ماهية وقيمة علمية من حيث تعليم قرائها"؛ بعيد عن القانون والحقيقة والعدالة والحق.
وإنني أشكو منكم إليكم أنه على الرغم من أنكم قد أسمعتمونا طوال ساعتين كاملتين ورقة الادعاء الجارحة لقلوبنا والبالغة أربعين صفحة والمتضمنة لمائة خطأ، لم تسمحوا لي بقراءة صفحة ونصف هي عين الحقيقة لمدة دقيقتين رغم إصراري، ومن ثم أطلب منكم باسم العدالة قراءة اعتراضي كاملا.
ثالثا: في كل حكومة معارضون، ولا يتعرضون لسوء حسب القانون بشرط عدم الإخلال بالأمن، فهل من الممكن لي ولأمثالي ممن أعرضوا عن الدنيا ويعملون من أجل الآخرة أن يتركوا العمل للحياة الخالدة في مسلك أجدادنا منذ ألف وثلاثمائة سنة وضمن دائرة تربية قرآننا وبما تسمح به الدساتير التي
615. صفحة
يقدسها ثلاثمائة وخمسين مليون مؤمن في كل زمان، وينحازوا إلى القوانين والدساتير غير الأخلاقية بل القوانين الوحشية للحضارة السفيهة -كمثل الاشتراكية- بإجبار أعدائنا المتسترين ودسائسهم من أجل الحياة الدنيا الفانية القصيرة؟! فليس لأي قانون ولا أي إنسان لديه ذرة من الإنصاف أن يجبر هؤلاء المؤمنين على قبول الحضارة السفيهة، ولكن نقول لأولئك لا تمسونا بسوء، فنحن لم نضركم.
وبناء على هذه الحقيقة لا نؤيد فكرا وعلما أوامر قائد حول جامع أيا صوفيا إلى دار للأصنام ودار المشيخة إلى ثانوية للبنات بالقوانين التي أصدرها وفق هواه، ولا نعمل بها، فنحن لم نتدخل في السياسة على الرغم من أنني ظلمت ظلما شديدا طوال هذه السنوات العشرين، ولم نتدخل في الإدارة، ولم نخل بالأمن، ولم تسجل في حقنا أية حادثة تمس النظام على الرغم من وجود مئات الآلاف من أصدقائي النوريين، وقد سئمت من الحياة بسبب ما لقيت في أخريات عمري هذه وفي غربتي من الإهانات الشديدة التي لم أر مثلها قط في حياتي وبسبب المعاملات الظالمة التي تثير غضبي، وقد كرهت حتى إطلاق سراحي لأنه يكون تحت التضييق والمراقبة، وكتبت إليكم طلبا خلافا لكل الناس أنني أطلب عقوبتي وليس براءتي، وأطلب منكم أشد العقوبات وليست عقوبة خفيفة؛ لأنه ليس لي سبيل من التخلص من هذه المعاملة الظالمة العجيبة التي لا مثيل لها غير دخول القبر أو السجن، أما القبر فإنه لما كان الانتحار ليس جائزا والأجل مخفيا فلا أستطيع الحصول عليه، ومن ثم رضيت بالسجن والعزل المطلق الذي أنا فيه منذ حوالي ستة أشهر، ولكني لم أقدم هذا الطلب من أجل خاطر إخواني الأبرياء حتى الآن.
رابعا: إنني أدعي بتصديق جميع ما كتبت في رسائل النور طوال ثلاثين سنة من حياتي هذه وفي العهد الذي أسميه "سعيد الجديد" وبتصديق ما يخصني من حقائقها، وبشهادات من يتواصل معي تواصلا جادًّا من أهل الإنصاف ومن أصدقائي أنني سعيت لمنع نفسي الأمارة من الإعجاب وحب الشهرة والتفاخر،
616. صفحة
وكسرت وجرحت -ربما مائة مرة- خاطر تلاميذ رسائل النور الذين يحسنون الظن بي كثيرا، فقد قلت إنني لست صاحب السلعة، وما أنا إلا دلّال مسكين في متجر جواهر القرآن.
وعلى الرغم من أنني قررت أن أضحي في سبيل خدمتي ليس بالمقامات الدنيوية وإكساب شخصي الجاه والشرف فحسب، بل بالمقامات المعنوية الكبيرة أيضًا حتى لو مُنحت لي فرضا خشية احتمال أن تدخل حظوظُ نفسي في إخلاصي للخدمة، وتحركت بالفعل على هذا الأساس، وقد أقر أصدقائي وإخواني المقربون ذلك وشاهدوا أماراته، وأني لم أقبل الاحترام الزائد الذي يكنه لي بعض إخواني كشكر معنوي على استفادتهم من رسائل النور إلا أنكم جعلتم احترامهم الزائد لي أكثر من احترامهم لآبائهم سببا للاستجواب وكأنه أعظم قضية سياسية في محكمتكم السامية، وسقتم بعضهم إلى الإنكار، وأسمعتمونا ما يدعو للعجب، فهل يمكن أن يُتوهم مدح الناس لهذا العاجز ذنبا على الرغم من أنه غير راض عن ذلك ولا يرى نفسه مستحقا له؟!
خامسا: إنني أبين لكم بيانا قاطعا أن اتهام تلاميذ رسائل النور الذين ليس لهم أية علاقة بتأسيس تنظيم وتيارات سياسية بممارسة نشاط التنظيم والسياسة إنما هو محاربتنا حربا مباشرة عمدا أو بغير عمد باسم كيان زندقة خفية يعمل ضد الإسلام والإيمان منذ أربعين سنة، وباسم نوع من الشيوعية التي تربي الفوضويين في هذا الوطن، وقد قررت ثلاث محاكم على براءة جميع رسائل النور وجميع تلاميذها في قضية ممارسة نشاط التنظيم، غير أن محكمة أسكي شهر قضت عليّ بسنة من السجن ضمن قراراتها وعلى خمسة عشر من بين مائة وعشرين من أصدقائي بستة أشهر من السجن على كل واحد منهم بسبب مسألة واحدة من مسائل رسالة صغيرة حول حجاب النساء، بل بسبب هذه الجملة التي كتبت قديما وهي: "وحسبما وصل إلى سمعي فإن صباغ أحذية سافلا جدا تحرش بامرأة رجل ذي منصب كبير كانت متكشفة السيقان في النهار أمام أعين الأهالي في سوق في العاصمة مركز الحكومة،
617. صفحة
وقيامه بهذا الفعل العجيب غير الأخلاقي يصفع الوجوه الوقحة الصفيقة لمن يعارضون الحجاب"، إذن إن اتهام رسائل النور وتلاميذها يعني الحكم على هذه المحاكم الثلاث واتهامها وإهانتها.
سادسا: لا يمكن مبارزة رسائل النور، وجميع علماء الإسلام الذين رأوها يقولون: "إنها تفسير حقيقي للقرآن"، أي إنها حجج حقائق القرآن القوية، ومعجزة معنوية له في هذا العصر، وسد قوي لهذه الأمة وهذا الوطن أمام المخاطر القادمة من الشمال، ومن ثم فإن من واجب محكمتكم السامية أن ترغّب فيها تلاميذها من حيث الحقوق العامة وليس أن تنفّرهم منها، ونحن نتوقع منكم ذلك، وعلى الرغم من أنه لا تـُمس رسائل الملحدين وبعض السياسيين الزنادقة ومجلاتهم والذين يضرون الشعب والوطن والنظام حسب الحرية العلمية؛ فإنّ تتلمُذ شابٍّ بريء محتاج إلى الحقائق على رسائل النور من أجل أن ينقذ إيمانه ويتخلص من سوء الأخلاق لاشك أنه ليس جريمة، بل حالة يجب أن تشجع عليها الحكومة ووزارة التربية وترغب فيها.
كلمتي الأخيرة: أسأل الله أن يوفق القضاة إلى العدالة الحقيقية، آمين. وأقول: حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِير، اَلْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ اْلعَالَمِينَ.
سعيد النورسي
كلمتي الأخيرة
أبين لهيئة القضاة أنني أدركت من ورقة الادعاء ومن عزلي الطويل في السجن أن شخصي هو المستهدف في هذه المسألة، وأن إهانتي مقصودة، وكأنني مضر بالإدارة والنظام والوطن، وكأنني أسعى تحت ستار الدين وراء نوع من السياسة من أجل مصالح دنيوية، وأخدع الساذجين المساكين، وردا على ذلك أبين لكم بيانا قاطعا:
618. صفحة
لا تؤذوا بسبب هذه الأوهام تلاميذ رسائل النور الكرام الذين يضحون بأنفسهم من أجل رسائل النور وهذا الوطن وهذه الأمة بإهانتي، وإلا فإن ذلك سيؤدي إلى ضرر معنوي كبير لهذا الوطن وهذه الأمة بل إلى مخاطر، وأبين أيضًا بيانا قاطعا أنني قررت أن أقبل حسب مسلكي الحالي كل إهانة وازدراء وإيذاء وتعذيب وعقوبة تجاهي على ألا يلحق برسائل النور وتلاميذها أي ضرر بسببي، وبرغم بكائي فأنا مسرور بأن لي في هذا ثوابا في آخرتي، وأنه وسيلة لتخلصي من شرور نفسي الأمارة بالسوء، ولو لم يكن هؤلاء الأبرياء المساكين في السجن معي في هذه القضية لتكلمت بلهجة أشدّ في محكمتكم.
وقد رأيتم أن الذي كتب ورقة الادعاء هذه يريد أن يهينني بخبثه ومكره –وكأنه يجمع الماء من ألف نهر- بما جمع من مواضع في مراسلاتي وكتبي ذات الخصوصية وغير ذات الخصوصية المكتوبة طوال ثلاثين سنة من حياتي وبما يفسر بعضها تفسيرا خاطئا وكأن جميعها كتبت ف هذه السنة ولم ترها أية محكمة ولم تستفد من أيّ قانون عفو ولم يجر عليها التقادم.
وعلى الرغم من قولي مائة مرة إنني شخص لا قيمة له وأن معارضيّ أهانوني في كل مرة فإن ذلك لم يمنع من إقبال الناس الذي يقلق أهل السياسة، وسبب ذلك أن هناك حاجة شديدة قاطعة إلى وجود بعض الأشخاص في هذا الزمان وفي هذا الوضع لتقوية الإيمان لا يتخذون الحقيقة أداة لأي شيء، ولا يمنحون أنفسهم أية حظوظ، حتى يستفاد من دروسهم الخاصة بالإيمان وتحصل القناعة القاطعة لدى المستفيدين.
أجل؛ لم تكن الحاجة شديدة إلى تقوية الإيمان في أي وقت في هذا المكان مثلما هي في هذا الزمن؛ لأن الخطر جاء من الخارج بشدة، ومع أني أقررت وأعلنت بأني لا أستطيع أن أسد هذه الحاجة فإنهم يظنون أني أسدها لا لمزية تخصني بل بسبب الحاجة الشديدة وعدم ظهور الآخرين ظهورا كثيرا، وكنت أنظر إلى هذا الأمر بالتعجب والحيرة منذ زمن بعيد، والآن أدركت حكمة إقبال الناس على الرغم من عيوبي الكبيرة وعلى الرغم من أنني لا أستحقه، وحكمة ذلك هي:
619. صفحة
لقد حولتْ حقيقة رسائل النور والشخص المعنوي لتلاميذها وجه هذه الحاجة الشديدة إليّ في هذا الزمان والمكان، فيبدي الناس هذا الإقبال ظنا منهم أني ممثل تلك الحقيقة الرائعة وتلك الشخصية الصادقة المخلصة مع أن لي حظا واحدا فقط من حيث الخدمة، ومع أن هذا الإقبال الذي لا أستحقه يضرني ويثقل عليّ إلا أنني سكتّ لحساب الحقيقة النورية والشخصية المعنوية ورضيت بتلك الأضرار المعنوية، وقد أخبر الإمام علي رضي الله عنه والغوث الأعظم الشيخ عبد القادر الجيلاني قُدِّس سِرُّه وغيره من الأولياء بالإلهام الإلهي وبالإشارة الغيبية عن حقيقة رسائل النور التي هي مرآة لمعجزة القرآن الحكيم المعنوية في هذا الزمان وعن الشخصية المعنوية لتلاميذها المخلصين، ومن ثم فهم وضعوا شخصي الضعيف موضع الاعتبار لخدمتي لتلك الحقيقة، وقد أخطأت، إذ لم أؤَوِّل توجههم الجزئي الخاص بي في بعض المواضع ولم أحوله إلى رسائل النور، وسبب خطأي هذا هو ضعفي وكثرة الأسباب التي تخوف مساعديّ، وكسب ثقة الناس لرسائل النور، وإني أحذركم ألا حاجة إلى إهانة شخصي الفاني الواقف على باب القبر، ولا حاجة للاهتمام بي إلى هذه الدرجة.
ولكنكم لا تقدرون على مبارزة رسائل النور، ولا تحاولوا ذلك، فأنتم لا تستطيعون هزيمتها، فإن فعلتم فإنكم ستضرون الشعب والوطن أضرارا كبيرة في المبارزة، ولا تقدرون على تفكيك تلاميذها؛ لأنه لا يمكن دفع أحفاد أجدادنا السابقين الذين قدموا حوالي خمسين مليونا من الشهداء في هذا الوطن من أجل الحفاظ على حقائق القرآن الكريم إلى أن يتركوا الحفاظ على حقائق القرآن الكريم في هذا الزمان ويتركوا بطولاتهم الدينية الماضية في نظر العالم الإسلامي، وحتى لو انسحب هؤلاء التلاميذ المخلصون في الظاهر فإنهم متمسكون بتلك الحقيقة بكل أرواحهم ومهجهم، ولن يتخلوا عن رسائل النور التي هي مرآة لتلك الحقيقة، ولن يضروا بهذا التخلي الوطن والشعب والنظام.
إن كانت لي رسالة بخط يدي وتوقيعي خلال ثلاث سنوات ونصف في أميرداغ تمس السياسة والإخلال بأمن البلد فسأجيب عنها في المحكمة، وإلا
620. صفحة
فلست مكلفا في القانون بالإجابة عن الرسائل التي كسبت البراءة ومر عليها التقادم ونالت العفو، أو الإجابة عن رسائل بعض أصدقائي الخاصة الجزئية، ومن ثم فلست مكلفا بإجابة غير ضرورية، كلمتي الأخيرة هذه الآية الآتية:
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ لَا إِلٰهَ إلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾
لي رجاء مهم جدا من مجلس الوزراء
نرجو من مجلس الوزراء إخراج الجزء الذي يتوهم أنه مضر من سراج النور ومنعه، وهو الشعاع الخامس الموجود في ختام كتاب سراج النور البالغ أكثر من ثلاثمائة صفحة والذي ألف أصله منذ زمن بعيد ويبلغ حوالي خمس عشرة صفحة والذي تسبب في مصادرة كتاب سراج النور الذي قد تأكد نفعه لكل الناس ولاسيما المبتلين بالمصائب، وللشيوخ ولمن وقعوا في الشبهات، وأن يسمح بالنشر لما يتبقى منه وهو ثلاثمائة صفحة، نرجو ذلك مع جميع المبتلين بالمصائب والشيوخ الذين يستفيدون من سلوانه استفادة تامة ومع جميع المحتاجين إلى حقائق الإيمان.
كما نرجو أن تُحذَف صفحتان تتضمنان تفسير آيتين عن الميراث والحجاب كتبتا ردا على فلاسفة أوربا قبل ثلاثين سنة، ويحذف السطر الذي يخص البنوك في تفسير الآية الكريمة ﴿أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبٰوا﴾ في كتاب إشارات الإعجاز المطبوع قبل ثلاثين سنة، وتحذف كتابات بقدر سطر واحد كتبت قبل ثلاثين سنة عندما كنت في دار الحكمة الإسلامية ضمن ستة أسئلة وجهها رئيس أساقفة الكنيسة الأنجليكانية في بريطانيا إلى المشيخة الإسلامية، وأن يعاد إلينا كتاب "ذو الفقار" الذي يُستحسن كثيرا من قبل العالم الإسلامي وتُشاهَد فوائده الكثيرة فعلا والذي يُثبِت ثلاثة من الأركان الإيمانية إثباتا رائعا والذي صودر بحجة أن فيه صفحتين وسطرا لا يتوافق مع قانون الأحوال الشخصية الحالي، وإعادته
621. صفحة
حق لنا، ومثلما يحظر بضع كلمات في رسالة معينة ويسمح للباقي ونحن نطلب حقنا القانوني المهم هذا، ونطلب مع من يحبون القرآن والإيمان ممن يخدمون الشعب والوطن والنظام من خلال رسائل النور إنقاذنا من ظلم من يجعلون الحبة قبة في حقنا، ثم إنني لم أر رسالة "الهجمات الست" التي ألفتها في وقت ثارت فيه حفيظتي وتعرضت فيه لظلم شديد قبل ثماني عشرة سنة، ولم أسمح بنشرها لخصوصيتها، وقد وقعت في يد ثلاث محاكم أو أربع فأعادتها إلى أصحابها.
باسمه سبحانه
رسالة شكر إلى الخبراء في رئاسة الشئون الدينية
أبين ثلاث نقاط من أجل أن أعين الخبراء بتصحيح انتقاداتهم الجزئية في تدقيقاتهم أجيب عنها إجابة ظاهرة.
النقطة الأولى: إنني أقدم شكري لأولئك العلماء من ثلاثة وجوه، فأنا ممتن لهم عن نفسي.
الوجه الأول: تلخيصهم ثلاثة عشر جزءا من سراج النور غير الشعاع الخامس تلخيصا يبعث على التقدير.
الوجه الثاني: رفضهم لما هو سبب اتهام لنا من حجج ممارسة نشاط الطريقة، وتأسيس تنظيم، وإخلال بالأمن.
الوجه الثالث: تصديقهم لقضيتي في المحكمة، أي إنني قلت في المحكمة:
إن كانت هناك جريمة فهو يعود إليّ أنا، فتلاميذ رسائل النور صادقون وأبرياء، ويخدمون رسائل النور من أجل إنقاذ إيمانهم، فهؤلاء الخبراء أيضًا ينقذون تلاميذ رسائل النور، ويسندون إليّ كل الجرم، وأنا أقول لهم جزاكم الله خيرا، إلا أنهم أشركوا في تهمتي المرحوم حسن فيضي والمرحوم الحافظ علي وبعض الأشخاص من أمثالهما ممن هم من ورثتهما، ولكنهم أخطأوا من ناحية؛ لأنهم
622. صفحة
أكثر تقدما مني في الخدمة الإيمانية وبُرآءُ من أخطائي وأُرسِلوا إليّ رحمة بضعفي من قبل العناية الإلهية كمساعدين لي.
النقطة الثانية: لقد قال الخبراء عن بعض الروايات الواردة في الشعاع الخامس إنها ضعيفة، وعن بعضها موضوعة، وقالوا عن بعض تأويلاته إنها خاطئة، حتى إن ورقة الادعاء المقدمة ضدنا كتبت على هذا النهج في أفيون، وقد أثبتنا في جدول أنهم أخطأوا واحدا وثمانين خطأ في خمس عشرة صفحة، فعلى الخبراء أن يطلعوا على ذلك الجدول، وإليكم نموذج واحد منه وهو:
قال المدعي: إن كل التأويلات خاطئة، وتلك الروايات موضوعة أو ضعيفة.
ونحن نقول: إن التأويل يعني: إن هذا المعنى يمكن ويحتمل أن يكون المراد من هذا الحديث، وردّ احتمال هذا المعنى حسب المنطق لا يمكن إلا بإثبات استحالته، وقد شوهد ذلك المعنى بالعين وتحقق بالفعل وأظهر بالمشاهدة إظهارا معجزا لعين هذا العصر أنه فرد في كلية طبقة المعنى الإشاري للحديث بلمعة من إخبار غيبي، ومن ثم فلا يمكن إنكاره والاعتراض عليه.
ثم إننا أثبتنا بثلاثة وجوه خطأ قول المدعي إن جميع تلك الروايات موضوعة أو ضعيفة.
الوجه الأول: إن إنكار تلك الروايات إنكارا كليا خطأ من عشرة وجوه؛ إذ إن تلك الروايات لم يجرؤ الإمام أحمد بن حنبل الذي حفظ مليونا من الأحاديث والإمام البخاري الذي حفظ خمسمائة ألف حديث على إنكارها، ونفي المدعي لا يمكن إثباته، فهو لم ير جميع كتب الحديث، وقد انتظر أكثرُ الأمة ظهور معاني هذه الروايات في كل عصر ورؤيةَ فردٍ من معناها الكلي، وقد اقتربت تلك المعاني من درجة تلقي الأمة بالقبول، وظهرت بعض نماذجها وأفرادها التي هي عين الحقيقة وشوهدت.
الوجه الثاني: إن الرواية الضعيفة تعني أن هذه الرواية ليست حديثا معنعنا مسندا، ولا تعني أن معناها غير صحيح، وبما أن الأمة وبخاصة أهل الحقيقة
623. صفحة
والكشف وبعضا من أهل الحديث وأهل الاجتهاد قبلوها وانتظروا وقوع معانيها؛ فلاشك أن تلك الروايات لها حقائق تتوجه إلى الجميع كالأمثال المضروبة.
الوجه الثالث: هل هناك مسألة أو رواية لم يُعترض عليها في كتب العلماء المختلفين في المذاهب والمناهج؟! فمثلا إن هذا الحديث "لَنْ تَزَالَ الْخِلَافَةُ فِى وِلْدِ عَمِّي صِنْوِ أبِي الْعَبَّاسِ حَتَّى يُسَلِّمُوهَا إِلَى الدَّجَّالِ[1]" الذي هو من الروايات التي تخص خروج الدجال بين المسلمين يخبر إخبارا صريحا عن فتنة جنكيز خان وهلاكو، أي إن الخلافة العباسية ستستمر زمنا طويلا ثم سيقع هذا المُلك في يد الدجال، أي سيظهر دجال بين المسلمين بعد خمسمائة سنة وسيهدم تلك الخلافة، ومع أن هناك روايات كثيرة تخبر عن أشخاص آخر الزمان إلا أن بعضًا من أهل الاجتهاد المُفْرطين المختلفين مذهبا وفكرا رفضوها، وقالوا إنها موضوعة أو ضعيفة.
وعلى كل حال فإن سبب اختصاري لهذه القصة الطويلة هو أنه وقع زلزالان شديدان هنا في الساعة التي كنت أكتب فيها هذا الجواب مثلما توافق وقوع أربعة زلازل -متعلقة برسائل النور- أظهرت غضب الأرض مع وقت الهجوم على رسائل النور، وذلك:
لقد توافقَ وقوع زلزالين مع شعوري بألم مرير من جروح العمليات الجراحية في تقرير الخبراء الذي استلمته في المساء، كما توافق مع إحساسي بألم من الكتابة بقلمي الضعيف من جراء مشقة حزينة لعدم التواصل مع الآخرين.
أجل؛ لقد تسلمت التقرير الذي وصل من رئاسة الشئون الدينية التي كنت أكثر ما أكون أثق بها وأنا في العزلة والمعاناة طوال ثمانية أشهر والتي كنت أنتظر
[1] عن مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ جَدِّهِ أَبِي أُمِّهِ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ عِنْدِي لَحَدِيثًا لَوْ أَرَدْتُ أَنْ آكُلَ بِهِ الدُّنْيَا لَأَكَلْتُهَا، وَلَكِنْ لَا يَسْأَلُنِي اللهُ عَنْ حَدِيثٍ أَرْفَعُهُ إِلَى السُّلْطَانِ، قَالَ أَبِي: فَقُلْتُ: مَا هُوَ؟ فَقَالَ: لَمَّا خَرَجَ زَيْدٌ أَتَيْتُ خَالَتِي الْغَدَ فَقُلْتُ لَهَا: يَا أُمَّهُ قَدْ خَرَجَ زَيْدٌ، فَقَالَتْ: الْمِسْكِينُ يُقْتَلُ كَمَا قُتِلَ آبَاؤُهُ، فَقُلْتُ لَهَا: إِنَّهُ خَرَجَ مَعَهُ ذَوُو الْحِجَى، فَقَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَذَاكَرُوا الْخِلَافَةَ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَذَاكَرُوا الْخِلَافَةَ بَعْدَهُ فَقَالُوا: وَلَدُ فَاطِمَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَنْ يَصِلُوا إِلَيْهَا أَبَدًا وَلَكِنَّهَا فِي وَلَدِ عَمِّي صِنْوِ أَبِي حَتَّى يُسْلِمُوهَا إِلَى الدَّجَّالِ"، انظر المعجم الكبير للطبراني حديث رقم 1016، والجامع الكبير للسيوطي حديث رقم 640، وجامع الأحاديث حديث رقم 18833.
624. صفحة
أن تسعفني بتقاريرها؛ ولكن علمت في الصباح أنهم يؤيدون المدعي ويقولون أشياء تافهة "لقد قال سعيد: إن الزلازل الأربع الماضية من كرامات رسائل النور"، ولا يساعدونني، ومثلما كتبت في الجدول "إن رسائل النور وسيلة لدفع البلايا كالصدقة المقبولة ومتى ما هُوجِمت رسائل النور فإن المصائب تجد الفرصة سانحة وتحدث"، وبينما كنت أنوي أن أكتب "أحيانا تغضب الأرض" حدث زلزالان شديدان هنا[1]، وردّني هذا الحدث عن كتابة ذلك البحث، فأنا أتركه وأنتقل إلى النقطة الثالثة.
النقطة الثالثة: يا علماءنا الخبراء المدققين ذوي الحقيقة والإنصاف، بناء على عادة مستمرة مقبولة بين أهل العلم منذ القديم يُكتب في ختام كتب مفيدة ألفت حديثا مدح الناس وتقريظاتهم وثناؤهم المتسم بالمبالغة وأحيانا بالإفراط وينشر، وأن المؤلف يشكر المقرظين بكمال الرضا، وأن منافسيه لا يتهمونه بالإعجاب بالنفس، وعليه فإن اعتباركم عدم رفضي رفضا كليا مدحَ بعض تلاميذ رسائل النور الخواص المخلصين لرسائل النور والذي كان بغرض حث المحتاجين وتقريظاتهم على نهج المرحوم حسن فيضي والشهيد الحافظ علي حتى تكون عونا لعجزي وضعفي وغربتي ووحشتي ضد كثير من المعارضين الظالمين الذين يهجمون عليّ هجوما شديدا، واعتباركم توجيهي لما يخصني من تلك التقريظات إلى رسائل النور إعجابا بالنفس؛ كل ذلك لا يتناسب مع كمال انتباهكم وعلمكم التحقيقي ومعاونتكم وإنصافكم المتسمين بالعطف، وهذا ما تألمت منه، فلا يقال لقول إخواني النقية سرائرهم هؤلاء الذين كتبوا تلك التقريظات دون أن يفكروا في السياسة: "إن رسائل النور هي مصداق لكلية المعنى الإشاري وفرد جزئي من أفراده بحساب رياضي" إنه خطأ؛ لأن الزمن يصدق ذلك، فحتى لو كان مبالغا فيه وخطأً فإنه خطأ علمي، وكل شخص يستطيع أن يكتب قناعته، فأنتم تعلمون كم من آراء وأفكار مختلفة متباينة سجلت في الشريعة والمذاهب الاثني عشر وبخاصة في المذهب الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي وعند
[1] حدث هذان الزلزالان وقت الضحى من يوم الجمعة الموافق 18 سبتمبر 1948م. (باسم تلاميذ رسائل النور في سجن أفيون: خليل، مصطفى، فيضي، خسرو.)
625. صفحة
العلماء الكبار في علم الكلام وأصول الدين من أهل الفرق البالغة حوالي سبعين فرقة، ولكن ليس هناك زمن أحوج إلى اتفاق علماء الدين وعدم جدالهم من هذا الزمن، فنحن مضطرون إلى ترك الاختلاف في الفروع وألا نجعله سببا للجدال في الوقت الحالي.
لدي ثلاثة أسئلة أوجهها إلى العلماء المنصفين من الخبراء:
الأول: هل يكون الرجل مجرما إذا مدحه رجل آخر بنية خالصة؟ وبخاصة إذا كان يرفض ذلك المدح الذي لا يطلبه أو يوجهه إلى غيره بقدر ما يستطيع، ولا يكذّب صديقه المخلص الذي لا يريد أن ينفّره منه فيسكت عن مدحه لأنه يفوق حده مائة مرة، هل يُعدّ ذلك عُجبا؟
السؤال الثاني: هل يستحق عاشق للحقيقة من تلاميذ رسائل النور للتوبيخ والإهانة هكذا بسبب خطأه العلمي البسيط وفكره الخاطئ الذي لا يضر وهناك قضايا علمية كبيرة كبر الجبال وهجمات شديدة تصول وتجول على الدين؟ وهل هذا التلميذ الذي كتب هذا المدح يجوز عقابه بالقضاء وهو ينتظر من أمثالكم من العلماء التنبيه على خطأه بالعطف؟
السؤال الثالث: هل يليق بكم انتقادكم هكذا لرسائل النور بسبب مسألة أو مسألتين وهي التي لم تتزعزع منذ عشرين سنة أمام من لا حد لهم من المعارضين وقوَّتْ إيمان مئات الآلاف من الناس؟
وإنني أذكّر هؤلاء العلماء المتبحرين بأنهم ينتقدونني في تقريرهم بسبب رسالة لي رأوها في مقدمة الرسالة المدحية لأحمد فيضي وكأنني أنا الذي كتبت تلك الرسالة المدحية لنفسي، مع أن رسالتي تلك كانت من أجل أن أرفض ذلك المدح في حقي وأزيله، فقد حذفت بعضه، والبعض الآخر كنت أريد أن أعدله، ولكن استعجلت وأرسلت رسالتي إلى أحد إخواني دون أن أكمل التعديل، وعندما وضع إخواني رسالتي هذه في مقدمة تلك الرسالة المدحية ذات الخصوصية وأرسلوها إلى شخص مُعيّن وقعت في يد الحكومة.
626. صفحة
ثم إن تقريظا علميا بحتا خاصا كمثل هذا ورأيًا خاصا ينتقل بين الأصدقاء الخواص على صورة مشورة لتعديله هل يستحق هذا الاعتراض الشديد؟!
وإن كتابين صغيرين أحدهما مجلد أحمر والآخر مجلد أسود عبارة عن مراسلات خاصة مكتوبة إلى الأصدقاء من أجل التهنئة والحث على العمل والملاطفة، وقد تطلع إلى معرفتهما بعضهم فجمعوهما حتى لا يضيعا، فوقعا في يد الشرطة في أثناء البحث والتفتيش.
فهل هناك ضرورة لاستخراج أحكام من مثل هذه الرسائل، وجعلها مدارا للسؤال والجواب، والسعي لإيصالها بالسياسة؟! أفلا يكون ذلك كالتغاضي عن الأفاعي الرهيبة التي تهاجم القرآن وصرف النظر عنها والاشتغال بلسع الذباب؟!
وإن ترك "شُكْرِي سَرَاجْ أوغلو[1]" الذي يصف الدين والتربية المحمدية على صاحبها الصلاة والسلام بالسم، والجدالَ مع سراج النور الذي يبين الحقيقة القرآنية كالشمس ويثبت أنه ترياق ناجع لجروح البشر، والزعمَ بأن هناك أحاديث ضعيفة في الرسالة الملحقة لختام ذلك الكتاب من رسائل النور؛ ألا يعتبر ذلك مساعدة لمصادرته؟!
إننا ننتظر منكم أن تمرروا البلسم على جروحنا وأن تعينونا بفراستكم، ولا نمتعض من انتقاداتكم الجزئية.
سعيد النورسي المعتقل
[1] شُكْرِي سَرَاجْ أوغلو؛ (1887-1953) نائبٌ انتخب عن ولاية إزمير، عيّن وزيرا للتعليم في عامي 1934- 1935م، ووزيرًا للمالية 1937- 1939م، وبعدها وزيرا للعدل ثم الخارجية وأخيرًا رئيسًا للوزراء 1942- 1946م
627. صفحة


