الشعاع السابع
التنقل
119. صفحة
الشعاع السابع
رسالة الآية الكبرى
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
إن قرار محكمتي دنيزلي وأنقرة الجنائيتين -بالاتفاق- ببراءة خمسمائة نسخة من هذه الرسالة مع ذيلها قبل عشر سنوات وإعادتها إلينا بعد تدقيقٍ دام سنتين كاملتين يدل على أن هذه الرسالة حقيقةٌ قرآنية وسدٌّ منيع أمام التخريبات الهائلة في هذا الزمان؛ لذا نقدم هذه الرسالة إلى الهيئة القضائية ومقام المحافظ والإدارة الأمنية لهذه المدينة المباركة، لتطبع بالحروف الجديدة([1]) إن رأوا ذلك مناسبًا حتى تكون وسيلةً لإنقاذ المواطنين من المخاطر المعنوية التي تأتي من الخارج.
إنني قرأت هذه الرسالة هذه المرة بدقة وتمعن، والحقيقة أنني علمت أنها ذات قيمة عالية عظيمة تستحق أن تكون موضع قبول أهل العلم والقلب، فالمعاناة والمضايقات التي نعانيها في الوقت الراهن لو كانت مائة ضعف لكانت هينة، وعلينا أن نقابلها بالفرح والصبر والشكر، لا بالغم والهم والشكوى.
سعيد النورسي
[1])) الحروف الجديدة هي الحروف اللاتينية التي استبدلت بالحروف الإسلامية في عهد الجمهورية التركية بعد إلغاء الخلافة الإسلامية.
120. صفحة
تنبيه مهم وإفادة مرام[1]
لا يستطيع كل شخص أن يفهم كلّ مسألةٍ من مسائل هذه الرسالة المهمة، ولكنه لا يبقى دون حظ منها، فالذي يدخل حديقة كبيرة لا تصل يده إلى جميع الثمار فيها، فحسبه ما يظفر به منها؛ فتلك الحديقة ليست من أجله هو فقط، بل إن لذوي الأيدي الطويلة نصيبهم منها أيضًا.
إن هناك "خمسة أسباب" تُعسّر فهم هذه الرسالة.
أولها: إنني كتبت مشاهداتي الذاتية لنفسي أنا حسب فهمي، ولم أكتبها للآخرين حسب أفهامهم كما في سائر الكتب.
ثانيها: لقد كُتب التوحيد الحقيقي في هذه الرسالة بأعظم صورةٍ بتجليات الاسم الأعظم، فصارت مسائلها متسعة ومتعمقة وطويلة جدًّا في بعض الأحايين؛ ومن ثم لا يستطيع كلّ شخص أن يستوعبها في قراءة واحدة.
ثالثها: ولما كانت كلّ مسألة من مسائل هذه الرسالة حقيقة عظيمة وطويلة أصبحت فيها صفحةٌ واحدة أو ورقة واحدة أحيانًا تحتوي على جملة واحدة حتى لا نقطِّع الحقيقة، وقد توجد فيها مقدمات كثيرة بمنزلة دليل واحد.
رابعها: إن معظم مسائل هذه الرسالة بل كل واحدة منها لها دلائل وحجج كثيرة جدًّا، وعليه فقد جعلنا عشرة من الأدلة أو عشرين منها حجة واحدة أحيانًا مما جعل المسألة تطول، فلا تستطيع الأفهام القاصرة أن تستوعبها.
خامسها: مع أنني تشرفت بأنوار تأليف هذه الرسالة بفيوضات شهر رمضان المبارك إلا أنها ألفت على عجل بسبب سوء حالتي من عدة نواحٍ خاصة الحالة الصحية التي أنهكت بدني، فاكتفينا بالمسودة الأولى. وكنت أشعر عند تأليف هذه الرسالة أنها تُنسَج دون إرادتي واختياري، فرأيت أنه ليس من المناسب أن أنظمها أو أهذبها حسب رأيي؛ لذا صارت في حالة يصعب معها الفهم إلى حد ما. ثم إن فقرات كثيرة باللغة العربية قد دخلتها، حتى إن "المقام الأول" من أوله إلى آخره كان باللغة العربية، فأُخرج من هذه الرسالة، وكتب مستقلا عنها.
[1] يقصد به الغرض من الكلام.
121. صفحة
إن لهذه الرسالة أهمية كبرى على الرغم من هذه الأسباب الخمسة التي تتسبب في القصور والإشكال. وقد سمّى الإمام علي رضي الله عنه هذه الرسالة في كرامته الغيبية "الآية الكبرى" و"عصا موسى"، والتفت إليها التفاتا خاصا من بين أجزاء رسائل النور ولفت الأنظار إليها[1]، وهذه الرسالة أي رسالة الآية الكبرى التي هي تفسير حقيقي للآية الكبرى[2] هي كتاب الشعاع السابع المسمى عصا موسى حسب تعبير الإمام علي رضي الله عنه.
هذا الشعاع السابع عبارة عن "مقدمة" و"مقامين".
تبين المقدمة أربع مسائل مهمة، ويشكل "المقام الأول" القسم المكتوب باللغة العربية لتفسير الآية الكبرى، ويبين "المقام الثاني" براهين المقام الأول ويوضح معانيها.
إن طول المقدمة شيئًا ما، مع الإسهاب في التوضيح، كان بدون اختيار مني، مما يعني أنه كانت هناك حاجة جعلتها تُملى عليّ بهذه الصورة، ولربما يرى البعض في هذا الطول قصرًا.
[1] أجل؛ إن ما أخبر به الإمام علي رضي الله عنه عن الآية الكبرى صدقته حادثة دنيزلي تصديقا تاما، ذلك أن طبع هذه الرسالة سرا تسبب في سجننا، وانتصار حقائقها القدسية القوية أصبح سببا مهما لبراءتنا ونجاتنا، وأظهر كرامة الإمام علي رضي الله عنه الغيبية للعيون، وأثبت أن دعاءه "وَبِالْآيَةِ الكُبْرَى أَمِنِّي مِنَ الفَجَتْ" في حقنا قد استجيب فعلا.
[2] يقصد بها الآية الكريمة ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمٰوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (الإسراء:44).
122. صفحة
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات:56)
إن حكمة إرسال الإنسان إلى هذه الدنيا والغاية منه حسب سر هذه الآية العظمى هي معرفة خالق الكون والإيمان به والقيام بعبادته، والوظيفة الفطرية للإنسان وفريضة ذمته هي معرفة الله، والإيمان به، وتصديق وجوده ووحدته بالإذعان واليقين.
أجل؛ إن الإنسان الضعيف المسكين الذي يريد الحياة الدائمة والعيش الأبدي بفطرته والذي له آمال لا حد لها وآلام لا نهاية لها؛ لا محالة أن الأمور والكمالات سوى الإيمان بالله تعالى ومعرفته ووسائلها التي هي أس الأساس لتلك الحياة الأبدية ومفتاحها تكون منحطة ساقطة بالنسبة إليه، بل لا قيمة لأكثرها.
ولما كانت هذه الحقيقة قد أثبتت في رسائل النور ببراهين قوية فإننا نحيل إليها، إلا أننا نبين هنا "ورطتين" تزعزعان هذا الإيمان اليقيني وتورثان التردد في هذا العصر، وذلك في "أربع مسائل".
الورطة الأولى وسبيل النجاة منها: وفيها "مسألتان".
المسألة الأولى: كما أُثبت بتفصيلٍ في "اللمعة الثالثة عشرة" من "المكتوب الحادي والثلاثين" أنه لا قيمة للنفي أمام الإثبات في المسائل العامة، وقوته ضئيلة جدًّا، فمثلا: إذا أثبت شاهدان من العوام رؤية الهلال في أول شهر رمضان الشريف، ونفى آلافٌ من عِلْيَة القوم والعلماء قائلين: إننا لم نره، فلا قيمة لنفيهم ولا قوة؛ لأنه في حالة الإثبات يؤيد الواحد الآخر ويعاضده، وفيه تساند وإجماع، أما في النفي فلا فرق بين واحدٍ وبين ألف، فيبقى كلّ شخص وحده منفردا؛ لأن المثبِت ينظر إلى الخارج، ويحكم حسب نفس الأمر([1])،
[1])) نفس الأمر: هو عبارة عن العلم الذاتي الحاوي لصور الأشياء كلياتها وجزئياتها وصغيرها وكبيرها جملة وتفصيلا عينية كانت أو علمية، انظر التعريفات 313.
123. صفحة
فمثلا: إذا قال واحد -كما في مثالنا- ها هو ذا الهلال في السماء، فإن صديقه الآخر يضع أصبعه على الأمر نفسه، يؤيده ويسانده، فيجتمعان ويتآزران، أما في النفي والإنكار فلا ينظر النافي إلى نفس الأمر، ولا يستطيع أن ينظر؛ لأن عبارة "لا يمكن إثبات النفي غير الخاص وغير المتوجه إلى مكان معين" دستورٌ مشهور.
مثلا: إذا أثبتُّ أنا وجود شيء ما في العالم، ونفيت أنت وأنكرت وجوده فإنك لكي تثبت نفي ذلك الشيء الذي يمكن إثبات وجوده بإشارة مني بسهولةٍ، أي لكي تثبت عدم وجوده؛ لابد أن تبحث وتتحرى عنه في العالم كله، وأن ترى أنحاء العالم أجمع، بل لابد من رؤية جميع أنحاء الأزمنة الغابرة أيضًا، ثم تستطيع أن تقول: إنه غير موجود، ولم يقع شيء مثل هذا.
وبما أن النافين والمنكرين لا ينظرون إلى نفس الأمر، بل ينظرون إلى نفوسهم وعقولهم وعيونهم ثم يطلقون الأحكام وفقها؛ لذا فلا محالة أنهم لا يقدرون على تقوية بعضهم البعض، ولا يستطيعون أن يكونوا ظهيرا لبعضهم البعض؛ لأن الحُجُب والأسباب المانعة للرؤية والمعرفة مختلفةٌ، فيمكن لكل شخص أن يقول: إنني لا أراه، وفي رأيي واعتقادي أنه غير موجود، ولكن لا يستطيع أن يقول: إنه غير موجود في الواقع، ولو قال ذلك -خاصةً في مسائل الإيمان المتعلقة بالكون- فإن قوله يكون كذبًا محضا[1]، إذ لا يكون صدقًا، ولا يمكن تصويبه وتصديقه.
الحاصل: إن النتيجة واحدة في الإثبات وفيه تساند، أما النفي فليست النتيجة فيه واحدةً، بل متعددة؛ إذ بتعدد القيود حسب كلّ شخص مثل: "عندي"، أو "في رأيي"، أو "في اعتقادي" وغيرها تتعدد النتائج، ولا يحصل تساند مطلقًا.
ومن خلال هذه الحقيقة فلا قيمة للكثرة الظاهرية للكفار والمنكرين الذين يعارضون الإيمان، وينبغي ألا تورث ترددًا مطلقًا في يقين المؤمن وإيمانه، إلا أن نفي فلاسفة أوروبا وإنكارهم في هذا العصر قد أورث التردد لدى بعض عشّاقهم الأشقياء، فأزال يقينهم ودمر سعادتهم الأبدية، وأخرج الموتَ
[1] استخدم المؤلف عبارة "كذبا بمقدار حجم الأرض" للتدليل على كبر هذا الكذب، وهو تعبير شائع في اللغة التركية.
124. صفحة
والأجلَ الذي يصيب ثلاثين ألفًا من الناس كلّ يوم من معنى التسريح، وحوَّله إلى صورة إعدام أبدي. والقبرُ الذي لا ينغلق بابه يذكر المنكر دومًا بإعدامه فيسمّم حياته اللذيذة بآلامٍ شديدة، فافهم كيف أن الإيمان نعمة عظيمة، وكيف أنه حياة للحياة!
المسألة الثانية:
إنه لا يُعتّد في مسألةٍ مختلَف فيها من مسائل علمٍ أو صنعة بكلام من هم خارج ذلك العلم وتلك الصنعة مهما كانوا عظماء وعلماء ومبدعين، ولا تكون أحكامهم حجة، ولا يُعدُّون ضمن إجماع علماء ذلك الفن، فمثلا: لا يعتد بحكم مهندسٍ كبير في كشف مرضٍ وعلاجه كما يعتد بحكم طبيب صغير فيه؛ وبالأحرى ألَّا يعتدّ في المعنويات بقولٍ ينم عن الإنكار لأكبر فيلسوفٍ توغل في الماديات كثيرًا فابتعد عن المعنويات، وتبلّد عن النور وتعامى عنه، وانحدر عقله إلى عينه، ولا قيمة لهذا القول.
فكم تساوي أقوال الفلاسفة -الذين انغمسوا في أكثر فروع الماديات تشتتًا، واقتحموا أصغر فروع الكثرة، وغرقوا فيها تحيروا- في المسائل التوحيدية والقدسية والمعنوية التي اتفق عليها مئات الآلاف من أهل الحقيقة كالشيخ عبد القادر الجيلاني قدس الله سرّه الذي شاهد العرش الأعظم وهو على الأرض، والذي كانت له عبقرية خارقة لا مثيل لها، والذي ترقى في المعنويات، وسعى إليها مدة تسعين سنة، وكشف الحقائق الإيمانية بصورة علم اليقين، وعين اليقين بل حق اليقين، ألا تكون أقوالهم وإنكاراتهم واعتراضاتهم واهية باهتة كطنين البعوضة أمام الرعد؟!
إن ماهية الكفر الذي يعارض الحقائق الإسلامية ويبارزها إنكارٌ وجهل ونفي، ومعناه عدمٌ وإن كان له إثباتٌ ووجود في الظاهر، أما الإيمان فهو علمٌ، ووجود، وإثبات، وحكم، حتى إن كلّ مسألة من مسائله التي تبدو سلبية هي أيضًا اسمٌ لحقيقةٍ إيجابية وحجابٌ لها.
125. صفحة
إن أهل الكفر الذين يبارزون الإيمان إذا حاولوا أن يثبتوا ويقبلوا اعتقاداتهم السلبية مع وجود مشكلات مستعصية ولكن بصورة قبول العدم وتصديق العدم فإن ذلك الكفر حينها يمكن أن يُعدّ علمًا غير صائب وحكمًا خاطئًا، ولكن عدم القبول وعدم التصديق الذي هو سهل الارتكاب ليس إلا جهلا مطلقًا وبلا حكم.
الحاصل: إن الاعتقاد الكفري "قسمان".
أولهما: ما لا يتعلق بالحقائق الإسلامية، وهو تصديقٌ خاطئ مخصوص، واعتقادٌ باطل، وقبولٌ غير صائب، وحكمٌ ظالم، وهذا القسم خارج بحثنا، لا شأن لنا به ولاشأن له بنا.
ثانيهما: ما يتصدى للحقائق الإيمانية ويعارضها، وهو كذلك "قسمان".
الأول: عدم القبول، وهو مجرد عدم تصديق الإثبات، وهذا جهلٌ وليس بحُكمٍ، وسلوكه سهلٌ، وهذا أيضًا خارج عن بحثنا.
الثاني: قبول العدم، وهو تصديق العدم بالقلب، وهذا القسم حكمٌ، واعتقاد، والتزام، وسالك هذا القسم مُضطَرّ لإثبات نفيه حتى يلتزم به.
أما النفي فهو أيضًا "قسمان":
القسم الأول يقول: إن الشيء الفلاني غير موجود في موقعٍ خاص وفي جهةٍ معينة، فهذا القسم يمكن إثباته، وهو أيضًا خارج عن بحثنا.
القسم الثاني: وهو نفي وإنكار المسائل الإيمانية القدسية العامة المحيطة التي تتعلق بالعالم والكون والآخرة والعصور، فهذا النفي لا يمكن إثباته بأي وجه من الوجوه كما بينا في المسألة الأولى؛ إذ يجب أن يكون هناك نظرٌ يحيط بالكون ويرى الآخرة ويشاهد جميع أنحاء الزمان غير المحدود، حتى يُثبَت مثلُ هذا النفي.
الورطة الثانية وسبيل النجاة منها: وهي "مسألتان":
أولاهما: إن العقول التي تضيق بالعظمة والكبرياء واللامتناهي بسبب الغفلة أو المعصية أو الانغماس في الماديات لا تستطيع أن تحيط بالمسائل
126. صفحة
العظيمة ولا أن تستوعبها؛ ومن ثم تنحرف إلى الإنكار بغرورٍ علمي، وتنفي تلك المسائل.
أجل؛ إنهم لما لم يستطيعوا أن يستوعبوا المسائل الإيمانية الواسعة العميقة المحيطة جدًّا بعقولهم الضيقة الجافّة وبقلوبهم الفاسدة الميتة في المعنويات؛ يلقون أنفسهم إلى الكفر والضلال ويغرقون فيه.
ولو أنهم استطاعوا أن ينظروا بدقةٍ وتمعن إلى باطن كفرهم وماهية ضلالهم لرأوا مائة ضعف من المحال والامتناع تكمن تحت ذلك الكفر وفي باطنه مقابل ما في الإيمان من عظمةٍ معقولة ومناسبة ولازمة له.
وقد أثبتت رسائل النور هذه الحقيقة بمئات من الموازين والمقارنات إثباتًا قاطعًا بدرجة الاثنين في الاثنين يساوي أربعًا، فمثلا: إن من لا يستطيع أن يقبل بوجوب وجود الله وأزليته وصفاته المحيطة مع ما لها من عظمةٍ؛ إما أن يحيل وجوب وجوده سبحانه وأزليته وصفاته الألوهية إلى ما لا حد له من الموجودات، بل إلى ما لا نهاية له من الذرات، ومن ثم يعتقد بالكفر، وإما أن يستعفي من العقل وينكر وينفي وجوده الذاتي ووجود الكون مثل السوفسطائيين الحمقى.
وهكذا فجميعُ الحقائق الإيمانية والإسلامية تُسنِد شئونها إلى العظمة التي هي مقتضاها، وتنقذ نفسها من محالات الكفر الرهيبة وخرافاته المرعبة وجهالاته المظلمة، وتُرسِّخها بكمال الإذعان والتسليم في القلوب السليمة والعقول المستقيمة.
أجل؛ إن الإعلان في كلّ وقتٍ عظمة كبرياء الله تعالى بترديد: "الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر" بكثرةٍ في أكثر الشعائر الإسلامية كالأذان والصلاة، وبيان الحديث القدسي "العظمة إزاري والكبرياء ردائي([1])"، وبيان المناجاة التي تشف عن معرفة الله تعالى في مناجاة الجوشن الكبير وهي:
[1])) جزء من حديث رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم عن رب العزة، انظر مصنف ابن أبي شيبة 5/329، ومسند الشهاب 2/331.
127. صفحة
يَا مَنْ لَا مُلْكَ إلَّا مُلْكُهُ، يَا مَنْ لَا يُحْصِي العِبَادُ ثَنَاءَهُ
يَا مَنْ لَا تَصِفُ الخَلائِقُ جَلَالَهُ، يَا مَنْ لَا تَنَالُ الأَوْهَامُ كُنْهَهُ
يَا مَنْ لَا تُدْرِكُ الأبْصَارُ كَمَالَهُ، يَا مَنْ لَا تَبْلُغُ الأفْهَامُ صِفَاتِهِ
يَا مَنْ لَا تَنَالُ الأفْكَارُ كِبْرِيَاءَهُ، يَا مَنْ لَا يُحْسِنُ الإنْسَانُ نُعُوتَهُ
يَا مَنْ لَا يَرُدُّ العِبَادُ قَضَاءَهُ، يَا مَنْ ظَهَرَتْ فِي كُلِّ شَيْءٍ آيَاتُهُ
سُبْحَانَكَ يَا لَا إِلٰهَ إلَّا أَنْتَ الأَمَانَ الأَمَانَ نَجِّنَا مِنَ النَّارِ؛
كلّ ذلك يدل على أن العظمة والكبرياء حجابان ضروريان.
المقام الأول
وهو أصل الآية الكبرى، وأدرج في خاتمة كتاب ذو الفقار
المقام الثاني
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمٰوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (الإسراء:44).
إن هذا المقام الثاني يبين براهين المقام الأول الذي جاء باللغة العربية وحججه وترجمة معانيه، فضلا عن أنه يفسر هذه الآية العظمى.
مشاهدات سيَّاح يسأل أركان الكون عن خالقها
إن آياتٍ قرآنيةً كثيرة كهذه الآية العظيمة في تعريفها لخالق الكون تَذْكُرُ أولاً السماواتِ التي هي أسطع صحيفة توحيدية يشاهدها الجميع كل وقت بإعجاب شديد ويطالعونها بذوق؛ لذا فمن الأنسب أن يُستَهلَّ بها.
128. صفحة
أجل؛ إن كل ضيف يأتي إلى ديار هذه الدنيا ودار ضيافتها كلما يفتح عينيه وينظر؛ يرى مَضِيفًا غايةً في الكرم، ومعرضًا في منتهى الإبداع، ومعسكرًا ومحل تدريبات غاية في الفخامة والهيبة، ومتنزهًا ومناظر غايةً في إثارة الإعجاب والشوق، ومحل تأمل زاخرًا([1]) بالمعاني والحكمة.
وبينما هذا الضيف مولع بمعرفة صاحب دار الضيافة الجميلة هذه، ومؤلف هذا الكتاب الكبير، وسلطان هذه المملكة المهيبة، إذا بوجه السماء الجميل المكتوب بذهب النور يظهر له أولاً، فيقول له: انظر إليّ، فأنا أخبرك عما تبحث عنه، فينظر هو ويرى حقيقة مركبة من التسخير والتدبير والتدوير والتنظيم والتنظيف والتوظيف المشاهَد ضمن تجلي الربوبية التي تدوِّر بغير عُمُدٍ مئاتِ الآلاف من الأجرام السماوية التي بعضها أكبر من كرتنا الأرضية ألف مرة، ودون أن تُسقِطها، وبعض هذه الأجرام الكبيرة أسرع من القذيفة سبعين مرة، وتسيِّرها معًا بسرعة فائقة من غير اصطدام، وتوقد دوما وباستمرار تلك المصابيح غير المعدودة بلا زيت وبلا انطفاء، وتدير تلك الكتل الضخمة الهائلة جدًّا بدون أي صخب وبدون أي خلل أو فوضى، وتستخدم تلك المخلوقات الكبيرة جدًّا بوظائف كوظائف الشمس والقمر من غير عصيان، وتتصرف في الوقت نفسه، والقوة نفسها، وفي الطريقة نفسها، وختم الفطرة نفسه، والصورة نفسها، معا، وبلا نقصان ضمن بُعد شاسع غير متناهٍ لا تحدُّه أرقام الحساب بين دائرة القطبين، وتُخضِع لإطاعة قوانينها تلك الكتل الضخمة الهائلة التي تحمل قوىً متجاوزةً بلا تجاوز، وتجعل وجه السماء يُنظَّف تنظيفًا متقنًا صافيًا من غير أن تَسمح لقمامات مثل مخلفاتٍ لذلك الازدحام غير المتناهي أن تلوثه، وتُسيِّر تلك الكتل بمناورات وكأنها مناورات جيش منظم.
وتُري مخلوقاتها المشاهِدةَ الأنواعَ الحقيقية والخيالية لتلك المناورات العظيمة في صور مختلفة في كلِّ ليل وفي كل سنة بتدويرها الأرضَ وكأنها شاشات سينما.
[1] زاجراً: مليئاً.
129. صفحة
فهذه الحقيقة بعظمتها وإحاطتها هذه تشهد بالعيان على وجوب وجود خالق تلك السماوات، وعلى وحدانيته، وعلى أن وجوده أظهر من وجود السماوات.
فبهذا المعنى قد قيل في "المرتبة الأولى" من "المقام الأول": "لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ الَّذِي دَلَّ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِهِ فِي وَحْدَتِهِ السَّمَاوَاتُ بِجَمِيعِ مَا فِيهَا بِشَهَادَةِ عَظَمَةِ إِحَاطَةِ حَقِيقَةِ التَّسْخِيرِ وَالتَّدْبِيرِ وَالتَّدْوِيرِ وَالتَّنْظِيمِ وَالتَّوْظِيفِ الوَاسِعَةِ المُكَمَّلَةِ بِالمُشَاهَدَةِ".
ثم إن الفضاء الذي يقال له جوّ السماء والذي هو محشر العجائب ينادي بصوت عالٍ وبرعده ذلك الضيف السائح الذي أتى إلى الدنيا قائلا: انظر إليّ، إن بإمكانك أن تجد بواسطتي ذلك الذي تبحث عنه بشَغَفٍ، والذي أرسلك إلى هنا، فينظر الضيف السائح إلى وجهه المُكفَهِرّ([1]) الرحيم، ويسمع دويه المرعب المبشِّر، ويرى أن السحاب المعلق بين السماء والأرض يسقِي حديقة الأرض سقيًا بمنتهى الحكمة والرحمة، ويأتي إلى أهالي الأرض بماء باعث للحياة، ويلطِّف الحرارة -أي شدة درجة الحرارة- ويسعى لإغاثة كل مكان حسب الحاجة، ومع أداء وظائفَ كثيرة مثل هذه الوظائف؛ فإن السحاب الضخم الذي يملأ الجو فجأة يختفي كظهور واختفاء جيش منظم حسب الأوامر الفورية، وتَخْلُدُ كل أجزائه إلى الراحة، فلا يُرَى له أي أثر، ثم يجتمع في ساعة بل في بضع دقائق، ويملأ الجو فورَ تلقي أمر "هيا إلى العمل!"، وينتظر وكأنه ينتظر أمر قائد.
ثم ينظر ذلك السائح إلى الرياح في الجو، ويرى أن الهواء يُستَخدم في وظائف كثيرة في منتهى الحكمة والكرم، وكأن كل ذرة من الذرات التي لا شعور لها لهذا الهواء الجامد تستمع للأوامر الصادرة عن سلطان الكون وتعرفها، وتنفِّذها بقوة ذلك القائد، وتؤديها بانتظام دون أن تتلكأ في أداء واحد منها، وهي تُستَخدَم من قبل يد غيبية في منتهى الشعور والعلم والرعاية للحياة في وظائف وخدمات كلية كثيرة؛ كمنح النَّفَس لكل نُفوس الأرض، ونقل المواد الضرورية لذوي الحياة كالحرارة والضياء والكهرباء، ونقل الأصوات، والتوسط في تلقيح النباتات.
[1] الُمكفَهِرّ: العبوس.
130. صفحة
ثم ينظر إلى المطر، ويرى أن تلك القطرات اللطيفة البرّاقة العذبة التي تُرسَل من العدم ومن خزانة الرحمة الغيبية فيها هدايا ووظائف رحمانية، وكأن الرحمة تنحدر متجسمة من الخزانة الربانية على صورة القطرات، وبهذا المعنى قد أطلق على المطر اسم "الرحمة".
ثم ينظر إلى البرق ويستمع إلى الرعد، ويرى أنهما يُسْتَخْدمان في خِدْمَاتٍ عجيبة غريبة جدًّا، ثم يَرجِع بصرَه وينظر إلى عقله، ويحدث نفسه فيقول: لا شك أن هذا السحاب المنفوش كالعهن([1])، والذي لا وعيَ له لا يَعْرِفُنا، ولا يسعى من تلقاء نفسه لإغاثتنا رحمة بنا، ولا يظهر ولا يختفي من دون أن يتلقى أمرا، بل يتحرك بأمر قائد قدير ورحيم في منتهى القدرة والرحمة، بحيث يختفي دون أن يترك أثرًا، ويظهر فجأة، ويباشر الأعمال، ويملأ عالم الجوّ ويتلاشى بين الحين والآخر بأمر وقوة سلطان فعّال متعال عظيم جليل له تجليات كثيرة، ويحوِّله دائمًا إلى إلى لوحة محو وإثبات؛ لوحة محو بإعفاء، ولوحة إثبات بحكمة، وإلى صورة الحشر والقيامة، ويركب السحاب متن الرياح بتدبير حاكم مدبر لطيف محسن في منتهى اللطف والإحسان، وكريم ورب في منتهى الكرم والربوبية، ويُركِب معه خزائنَ أمطار كالجبال، فيوصِلها إلى الأماكن المحتاجة، وكأنه يرقّ لها، ويأتيها بدموع باكيًا لحالها، ويُضحِكُها بالأزهار، ويلطِّف شدة لفحة الشمس، ويرش على حدائقها الماء كالرشَّاشةِ، ويغسلُ وجهَ الأرض وينظِّفه.
ثم إن ذلك السائح الشغوف يخاطب عقله قائلا:
"إن هذه الأمور والإحسانات والإغاثات التي تفيض بمئات الآلاف من الحكمة والرحمة والإبداع، والتي تأتي إلى الوجود بالستار والصورة الظاهرية لهذا الهواء الجامد الذي لا حياة له ولا شعور، والذي يتقلَّب دائمًا ولا يستقر، وهو ذو عواصف واضطرابات ولا ثبات له ولا هدف؛ تثبت بالبداهة أنه ليست لهذه الرياح الدائبة والخادم الفعَّال النشط حركةٌ ذاتية، بل هي تتحرك بأمر آمر قدير مطلق وعليم مطلق وحكيم مطلق وكريم مطلق، وكأن كل ذرة من ذراته
[1] العهن: الصوف المصبوغ ألوانا.
131. صفحة
تعرف كل أمر وعمل، وتفهم كل أمر من أوامر ذلك الآمر وتسمعه، وتستمع إلى كل أمر رباني يصدر في الهواء وتطيعه كالجندي، وإنني أرى أن ذرات الهواء المركبة من مادتين بسيطتين وهما الآزوت ومولد الحموضة والتي تستخدم في تنفس جميع الحيوانات وإدامة حياتها، وفي تلقيح النباتات ونموها، وإيصال المواد الضرورية لحياتها، وفي تصريف السحب وإدارتها، وفي سير السفن التي لا وقود لها وسياحتها، وبخاصة في إيصال الأصوات، وبخاصة إيصال المكالمات التي تتم باللاسلكي والبرق والمذياع، فضلا عن هذه الخدمات الكلية العامة، فهي تُستَخدم من قبل يدِ حكمةٍ -مع تشابه بعضها مع بعضها الآخر- بكمال الانتظام في مئات الآلاف من الإبداعات الربانية على وجه الأرض"، ثم يقولُ ويَحْكُمُ يقينًا:
"إذن إن الذي يتصرف في الرياح ويستعملها في أعمال ربانية غير محدودة، والذي يسخِّر السحب ويستخدمها في شئون رحمانية لا حد لها، والذي يوجد الهواء على هذه الصورة إنما هو الرب ذو الجلالِ والإكرامِ، الواجبُ الوجود، والقادرُ على كل شيء، والعالمُ بكل شيء، كما تصرِّحُ الآية ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ (البقرة: 164)."
ثم ينظر إلى المطر، ويرى أن في المطر منافعَ بعدد قطراته، وتجلياتٍ رحمانيةً بعدد حباته، وحكمًا بعدد رشحاته، وإن تلك القطرات الحلوة اللطيفة المباركة تُخلَق خلقًا بديعًا ومنتظمًا، وتُرسَل وتنزل بميزان وانتظام البَرَد الذي يأتي في الصيف خاصة، بحيث إن الرياح العاتية التي تتماوجُ بالعواصف، وتجعل الأشياء الكبيرة يصطدم بعضها ببعض لا تخل بتوازنه ولا بانتظامه، ولا تجعل القطرات كتلا مضرة بتجميعها معًا وباصطدام بعضها ببعضها الآخر، فهذا "الماء" المركب من مادتين بسيطتين هما مولد الماء ومولد الحموضة البسيطان الجامدان اللذان لا شعور لهما، واللذان يُستَخدَمان في شئون حكيمة كثيرة كهذه وخاصةً في ذوي الحياة؛ يستخدم في خدمات وصنائع مختلفة لها مئات الآلاف من الحكم والشعور.
132. صفحة
فإذن إن هذا المطر وهو عين الرحمة المتجسمة إنما يُصنَع في خزانة الرحمة الغيبية للرحمن الرحيم، وبنزوله يفسرُ آية ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾(الشورى:28) تفسيرًا ماديًّا.
ثم يستمع إلى الرعد وينظر إلى البرق، ويرى أن هذين الحادثين الجويين العجيبين مع أنهما يفسران تمامًا تفسيرًا ماديًّا هاتين الآيتين ﴿يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾(الرعد:13) و﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَار﴾(النور:43) يخبران أيضًا بقدوم المطر؛ لبشارة المحتاجين.
أجل؛ إنهما يضربان على رأس الإنسان الغافل كالمطرقة بأوضاعهما الحكيمة والغريبة، كإنطاق الجو بدويٍّ هائل بَغْتَةً ومن اللاشيء، ومَلْءِ الجو المظلم بنور ونار شديدين جدا، وإشعالِ السحب العظيمة كالجبال والشبيهة بالقطن والتي هي بمنزلة مضخة البَرَد والثلج والماء، ويذكِّرانه قائلَين: ارفع رأسك، وانظر إلى الشئون البديعة للفعَّال ذي القدرة الذي يريد أن يُعرِّف نفسه، وكما أنك لست متروكًا سائبًا؛ فكذلك لا يمكن أن تكون هذه الحوادث سدىً، فكل واحد منها يساق وراء وظائف حكيمة جدًّا، ويستخدم من قبل مدبر حكيم.
فهذا السائح الشغوف يسمع الشهادة الرفيعة الظاهرة للحقيقة المركبة من تسخير السحاب في هذا الجو، ومن تصريف الرياح، وتنزيل المطر، وتدبير الحوادث الجوية، ويقول: "آمنت بالله".
وتفيد فقرة "لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ الوَاجِبُ الوُجُودِ الَّذِي دَلَّ عَلَى وُجُودِهِ الجَوُّ بِجَمِيعِ مَا فِيهِ بِشَهَادَةِ عَظَمَةِ إِحَاطَةِ حَقِيقَةِ التَّسْخِيرِ وَالتَّصْرِيفِ وَالتَّنْزِيلِ الوَاسِعَةِ المُكَمَّلَةِ بِالمُشَاهَدَةِ" في "المرتبة الثانية" من "المقام الأول"؛ مشاهداتِ ذلك السائح المذكورةَ حول الجوِّ.
إخطار: كنت وددت لو أوضحت -نوعًا ما- المراتب التوحيدية الثلاثة والثلاثين المذكورة في المقام الأول، ولكني اضْطُرِرْتُ إلى الاكتفاء ببراهين مختصرة جدًّا وترجمتها فحسب لعدم سماح حالتي ووضعي الراهن بذلك، وقد بُيِّنتْ بعض
133. صفحة
المراتب من هذه المراتب الثلاثة والثلاثين بأدلتها في كل رسالة من ثلاثين بل من مائة رسالة من رسائل النور بأساليب مختلفة؛ لذا فقد أُحِيلَ تفصيلها إليها.
ثم تقول الكرة الأرضية بلسان حالها لهذا السائح المتفكر الذي أَلِفَ السياحة الفكرية: لم تَسيِحُ في السماء والفضاء والجوّ؟! أَقْبِلْ لأعرِّفَك بالذي تبحثُ عنه.
فانظر إلى وظائفي التي أقوم بها، واقرأ صحائفي، فينظر هو ويرى أن الأرض تخطّ بحركتيها -كالمولوي المجذوب- حول ميدان الحشر الأعظم دائرةً تتسبب في حدوث الأيام والسنوات والفصول، وهي سفينة ربانية مسخرة عظيمة تضم مائة ألف نوع من ذوي الحياة مع جميع أرزاقها ومستلزماتها، وتسير بها في بحر الفضاء بكمال التوازن والنظام، وتسيح حول الشمس.
ثم ينظر إلى صحائفها، ويرى أن كل صحيفة من أبوابها تعرِّف ربَّ الأرض بآلاف آياتها، ولعدم وجود وقت له لكي يقرأها جميعًا ينظر إلى صحيفة واحدة منها فقط، وهي إيجاد ذوي الحياة في فصل الربيع وإدارتهم، فيشاهد فيها أن صور أفراد لا حد لها لمائة ألف نوع تُفتَح من مادة بسيطة فتحًا في منتهى الانتظام، وتربَّى في منتهى الرحمة، وتُعْطى لبذور بعضها جنيحاتٌ في منتهى الإعجاز وتُنشَر بتطييرها، وتدار في غاية التدبير، وترزق وتطعم بمنتهى الشفقة، وتصل إليها أرزاقها غير المحدودة والمتنوعة اللذيذة الحلوة بمنتهى الرحمة والرزَّاقية من العدم ومن التراب اليابس، ومن الجذور الشبيهة بالعظام والنوى وقطرات الماء المتماثلة التي لا يختلف بعضها عن بعض إلا قليلا، وكل ربيع كأنه عربة قطار تُحمَّل من الخزانة الغيبية بمائة ألف نوع من الأطعمة والاحتياجات الضرورية بكمال الانتظام، وترسَل إلى ذوي الحياة، وإرسال([1]) معلبات اللبن المرسلة إلى الصغار ضمن عُلَب الأرزاق خاصة، وإرسالُ المضخات الصغيرة للبن اللذيذ الحلو المعلقة على الصدور الشفوقة لوالداتهم..أقول إنه تُشاهَد ضمن كل ذلك شفقةٌ ورحمة وحكمة بحيث إنها تثبت بالبداهة أنها تجلٍّ من تجليات رحمة الرحمن الرحيم وإحسانه في منتهى الشفقة والتربية.
[1] وإرسال: العطف هنا عائد إلى قولة (وهي إيجاد ذوى الحياة...).
134. صفحة
الحاصل: لقد فهم السائح أنه كما أن هذه الصحيفة الحياتية للربيع تفسر تفسيرًا ماديًّا في منتهى السطوع آية ﴿فَانْظُرْ إِلىَ آثَارِ رَحْمَتِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذٰلِكَ لَمُحْيِي المَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (الروم:50) بإظهارها مائة ألف نموذج ومثال للحشر الأعظم؛ فهذه الآية كذلك تفيد معانيَ هذه الصحيفة بإعجازٍ، وإن الأرض بنسبة كبرها وقوتها تذكر مع جميع صحائفها "لَا إِلٰهَ إِلَّا هُو".
ولأجل التعبير عن تلك المشاهدات بشهادة مختصرة لوجه واحد من عشرين وجهًا لصحيفة واحدة من الصحائف الكبيرة للكرة الأرضية التي تزيد عن عشرين صحيفة؛ ذُكِر في المرتبة الثالثة من المقام الأول في معنى مشاهدات ذلك السائح في صحائف الوجوه الأخرى الآتي: "لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ الوَاجِبُ الوُجُودِ الَّذِي دَلَّ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِهِ فِي وَحْدَتِهِ الأَرْضُ بِجَمِيعِ مَا فِيهَا وماَعَلَيْهَا بِشَهَادَةِ عَظَمَةِ إِحَاطَةِ حَقِيقَةِ التَّسْخِيرِ وَالتَّدْبِيرِ وَالفَتَّاحِيَّةِ وَتَوْزِيعِ البُذُورِ وَالمُحَافَظَةِ وَالإِدَارَةِ وَالإِعَاشَةِ لِجَمِيعِ ذَوِي الحَيَاةِ وَالرَّحْمَانِيَّةِ وَالرَّحِيمِيَّةِ العَامَّةِ الشَّامِلَةِ المُكَمَّلَةِ بِالمُشَاهَدَةِ".
ثم إن ذلك السائح المتفكر كلما قرأ صفحة من الصحائف؛ قوي إيمانه الذي هو مفتاح السعادة، وزادت معرفته التي هي مفتاح الترقيات المعنوية، وانكشفت درجة أخرى لحقيقة الإيمان بالله الذي هو أساس جميع الكمالات ومعدنها، وكلما منحت له لذّاتٌ وأذواق معنوية كثيرة -مع أنه استمع إلى الدروس القوية المتقنة للسماء وللجو والأرض- أثارت حبه للاستطلاع بشدة، وحينما كان يردد "هل من مزيد"؛ إذا به يسمع صدى أذكار البحار والأنهار الكبيرة في نشوة وجذبة، وأصواتها الحزينة اللذيذة، وهي تقول بلسان حالها ومقالها، انظر إلينا نحن أيضًا واقرأنا، فينظر هو، ويرى أن البحار المضطربة الهائجة بحيوية دائمًا والتي من طبيعتها التشتُّتُ والانسكاب والاستيلاء؛ تحيط بالأرض ولا تَتَشَتَّتُ ولا تنسكب، ومع أنها تسيَّر مع الأرض في سنة واحدة ضمن دائرةٍ سعتُها خمسةٌ وعشرون ألف سنة بسرعة فائقة؛ فإنها لا تتجاوز حدّها إلى جارتها اليابسة.
إذن إنها تَسكُن وتَسِير وتُحفَظ بأمر وقوةِ مَنْ له القدرة المطلقة والعظمة المطلقة.
135. صفحة
ثم ينظر إلى جوف البحار ويرى إضافة إلى جواهرها الجميلة المزينة المنسقة أن إعاشة آلاف أنواع الحيوانات وإدارتها ومواليدها ووفياتها تجري في انتظام، وأن أرزاقها وأقواتها التي تأتي من الرمل البسيط ومن الماء الأُجاج([1]) كاملةٌ؛ بحيث إنها تُثبِت بالبداهة أنها تتم بإدارة وإعاشة القدير ذي الجلال، والرحيم ذي الجمال.
ثم إن ذلك السائح ينظر إلى الأنهار، ويرى أن منافعها ووظائفها ووارداتها ومصباتها تتم بحكمة ورحمة؛ إذ تثبت بالبداهة أن جميع الغدران([2]) والينابيع والجداول والأنهار الصغيرة والكبيرة تنبع وتجري من خزانة رحمة الرحمن ذي الجلال والإكرام، حتى إنها تخزن وتصرف تخزينًا وصرفًا فوق المعتاد، حتى رُوِيَ "أن أربعة أنهار تنبع من الجنة"([3])، وهذا معناه أنها لاتنبع إلا من خزانة جنة معنوية ومن فيض منبع غيبي لا ينضب؛ لأنها تجري فوق طاقة الأسباب الظاهرية.
فمثلا: إن النيل المبارك الذي حوَّل صحراء مصر إلى جنة، يجري من جبل يسمى جبل القمر في الجنوب باستمرار ودون أن ينضب وكأنه بحر صغير، فلو جُمِعت مصباته في ستة أشهر على شكل جبل وجمِّدت لكانت أكبر من ذلك الجبل، بينما المكان والمخزن المخصص له من ذلك الجبل لا يبلغ سدسه، أما وارداته فقليلة؛ إذ المطر الذي ينزل قليلاً في تلك المنطقة الحارة والذي لا يذهب إلى المخزن إلا قليلا لكون التراب الظامئ يمتص الماء سريعًا لا يستطيع الحفاظ على التوازن الواسع؛ لذا فالرواية التي تعني أنه ينبع من جنة غيبية فوق العادات الأرضية تفيد حقيقةً حكيمةً ولطيفةً ذات معانٍ غزيرة.
وهكذا رأى السائح شهادة واحدة وحقيقة واحدة للبحار والأنهار من آلاف الشهادات والحقائق الواسعة كالبحار، وفهم أن جميعها تذكر بالإجماع "لَا إِلٰهَ إِلَّا هُوَ" بقوةٍ بنسبةِ كِبَرِ البحار، وأن البحار تُبرز لهذه الشهادة شهودًا بعدد مخلوقات البحار.
[1] الأجاج: الملح المرُّ.
[2] الغدران: جمع غدير، وهو النهر الصغير.
[3] انظر صحيح مسلم ١/٣٨٩، وسنن النسائي ٢/٢٢٥، ومسند أحمد ١٥/٢٧٠.
136. صفحة
ولقد ذُكِرَ في "المرتبة الرابعة" من "المقام الأول" للتعبير عن معنى شهادة جميع البحار والأنهار بالقصد:
"لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ الوَاجِبُ الوُجُودِ الَّذِي دَلَّ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِهِ فِي وَحْدَتِهِ جَمِيعُ البِحَارِ وَالأَنْهَارِ بِجَمِيعِ مَا فِيهَا بِشَهَادَةِ عَظَمَةِ إِحَاطَةِ حَقِيقَةِ التَّسْخِيرِ وَالمُحَافَظَةِ وَالاِدِّخَارِ وَالإِدَارَةِ الوَاسِعَةِ المُنْتَظمَةِ بِالمُشَاهَدَةِ".
ثم تنادي الجبال والصحارى ذلك السائحَ المستغرقَ في سياحة فكرية، فتقول له: اقرأ صحائفنا نحن أيضًا، فينظر هو، ويرى أن وظائف الجبال الكلية وخدماتها العامة عظيمة وحكيمة إلى حد يحير العقول.
فمثلاً: إن الجبال تبرز من الأرض بأمر رباني ويسكن ببروزها هيجان الأرض وغضبها وحدتها التي تنشأ من انقلابات داخلية في باطن الأرض، والأرض تتنفس بتفجر تلك الجبال ومن خلال منافذها، فتتخلص من الاهتزازات والزلازل المضرة، ولا تفسد راحة سكانها عند دورانها.
إذن كما أن أعمدة السفنِ تُنْصَبُ لوقايتها من الاهتزازات ولحفاظها على توازنها، فكذلك الجبال أوتاد ذات خزائن لسفينة الأرض بهذا المعنى، كما يعلن القرآن المعجز البيان بآيات كثيرة مثل ﴿وَالجِبَالَ أَوْتَادًا﴾(النبأ:7)، ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾(الحجر:19)، ﴿وَالجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾(النازعات:32).
فمثلا: إن ما في جوف الجبال من أنواع المنابع والمياه والمعادن والموادّ والأدوية اللازمة لذوي الحياة قد ادُّخر وأُحْضِرَ ووضع بحكمة وتدبير وكرم واحتياط، بحيث إن ذلك السائح يفهم أنها تُثبِت بالبداهة أنها خزائن ومستودعات وخدَّام للقدير الذي لا نهاية لقدرته، والحكيم الذي لا نهاية لحكمته، ويقيس على هاتين الجوهرتين من الوظائف والحكم العظيمة للصحراء والجبال وظائفَها وحِكمَها الأخرى، ويرى شهادةَ الجبال والصحارى بجميع حكمها وبخاصة ادخارها للاحتياط، وما تقول من توحيد "لا إله إلا هُو" في قوة الجبال وثباتها وسعة الصحارى وكبرها، ويقول "آمنت بالله".
137. صفحة
فللتعبير عن هذا المعنى ذُكر في المرتبة الخامسة من المقام الأول: "لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ الوَاجِبُ الوُجُودِ الَّذِي دَلَّ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِهِ جَمِيعُ الجِبَالِ وَالصَّحَارَى بِجَمِيعِ مَا فِيهَا وَمَا عَلَيْهَا بِشَهَادَةِ عَظَمَةِ إِحَاطَةِ حَقِيقَةِ الاِدِّخَارِ وَالإِدَارَةِ وَنَشْرِ البُذُورِ وَالمُحَافَظَةِ وَالتَّدابِيرِ الاِحْتِيَاطِيَّةِ الوَاسِعَةِ العَامَّةِ المُنْتَظِمَةِ المُكَمَّلَةِ بِالمُشَاهَدَةِ".
وبينما كان ذلك السائح يتجول في الجبال والصحارى بفكره، انفتح باب عالم الأشجار والنباتات أمام فكره، فناداه إلى الداخل، قائلاً: تَجَوَّلْ في عالمنا واقرأ كتاباتنا أيضًا، فدخل هو ورأى أنه قد شُكِّل مجلس عظيم مزيَّن للتهليل والتوحيد، وحلقة للذكر والشكر، وأدرك من لسان حال جميع أنواع الأشجار والنباتات -وكأنها تذكر معًا وبالإجماع- "لا إله إلا الله"؛ لأنه رأى ثلاث حقائق كبرى كلية تدل وتشهد على أن جميع الأشجار والنباتات المثمرة تشهد مسبحة وتقول "لا إله إلا هُو" معًا بألسنة أوراقها الموزونة الفصيحة، وبكلمات أزاهيرها المزينة الجزلة، وبكلمات ثمراتها المنتظمة البليغة.
أولاها: كما أنه يُحَسُّ في كل منها إنعامٌ وإكرام قصديان بصورة ظاهرة جدًّا؛ فإن معنى وحقيقةَ إحسانٍ وامتنانٍ اختياريين تظهر في مجموعها كذلك كضياء الشمس عند ظهورها.
ثانيتها: يَظهَر واضحًا كالنهار في تلك الأنواع والأفراد التي لا حد لها ما لا يمكن إحالته إلى المصادفة أبدًا من معنى وحقيقةِ تمييز وتفريق قصديٍّ حكيمٍ، وتزيين وتصوير اختياري رحيم، مما يُظهِر أنها آثار ونقوش مُبدِع حكيم.
ثالثتها: إن ذلك السائح عَرَفَ أن تفتح الصور المتنوعة بمائة ألف نوع، والمختلفة الأنماط والأشكال للمصنوعات التي لا حد لها في غاية الانتظام والميزان والزينة من النوى والبذيرات المحدودة المعدودة المتماثلة البسيطة الجامدة والمختلطة والمتشابهة -تشابُهًا تامًّا أو بفارق طفيف-؛ عرف أن تفتح صور جميع أفراد تلك الأنواع البالغة مائتي ألف نوع بتفريق وانتظام واختلاف وتوازن وحيوية وحكمة وبدون خطأ وسهو؛ هو حقيقة أسطع من الشمس، وعرف
138. صفحة
أن هناك شواهدَ تثبت تلك الحقيقة بعدد أزهار الربيع وثمراته وأوراقه وموجوداته، فقال "الحمد لله على نعمة الإيمان".
ولقد ذُكِرَ في "المرتبة السادسة" من "المقام الأول" في معنى التعبير عن هذه الحقائق والشهادات المذكورة: "لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ الوَاجِبُ الوُجُودِ الَّذِي دَلَّ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِهِ فِي وَحْدَتِهِ اِجْمَاعُ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الأَشْجَارِ وَالنَّبَاتَاتِ المُسَبِّحَةِ النَّاطِقَةِ بِكَلِمَاتِ أَوْرَاقِهَا المَوْزُونَاتِ الفَصِيحَاتِ وَأَزْهَارِهَا المُزَيَّنَاتِ الجَزِيلَاتِ وَأَثْمَارِهَا المُنْتَظَمَةِ البَلِيغَاتِ بِشَهَادَةِ عَظَمَةِ إِحَاطَةِ حَقِيقَةِ الإِنْعَامِ وَالإكْرَامِ وَالإِحْسَانِ بِقَصْدِ وَرَحْمَةِ حَقِيقَةِ التَّمْيِيزِ وَالتَّزْيِينِ وَالتَّصْوِيرِ بِإِرَادَةٍ وَحِكْمَةٍ مَعَ قَطْعِيَّةِ دَلَالَةِ حَقِيقَةِ فَتْحِ جَمِيعِ صُوَرِهَا المَوْزُونَاتِ المُزَيَّنَاتِ المُتَبَايِنَةِ المُتَنَوِّعَةِ غَيْرِ المَحْدُودَةِ مِنْ نَوَاتَاتٍ وَحَبَّاتٍ مُتَمَاثِلَةٍ مُتَشَابِهَةٍ مَحْصُورَةٍ مَعْدُودَةٍ".
وبينما ذلك السائح في الأرض، المتطلع الشغوف المستغرق في السياحة الفكرية، الذي يزداد ذوقه وشوقه بالترقي قادمًا من حديقة الربيع، قد أخذ باقة ورد من المعرفة والإيمان كسعة الربيع إذا بباب عالم الحيوانات والطيور ينفتحُ أمام عقله المبصر للحقيقة، وفكره الآلف للمعرفة، فنادته مرحبة به إلى الداخل بمئات الآلاف من الأصوات المختلفة والألسنة المتنوعة، فدخل هو ورأى أن جميع أنواع وطوائف وأمم جميع الحيوانات والطيور قد حولت وجه الأرض إلى ساحة ذكر ومجلس تهليل عظيم، ذاكرةً بالاتفاق بلسان مقالها وحالها "لا إله إلا هُو"، ورأى أن كل واحد منها في ذاته بمنزلة قصيدة ربانية، وكلمة سبحانية، وحرف رحماني ذي معان، يَصِفُ صانعه ويحمده ويُثْني عليه، وكأن مشاعر تلك الحيوانات والطيور وقواها وأجهزتها وأعضاءها وآلاتها عباراتٌ منظومة وموزونة، وكلمات منتظمة بديعة، فشاهد "ثلاث حقائق عظيمة محيطة" تدل دلالة قاطعة على أنها تشكر خلاّقها ورزَّاقها بهذه الكلمات وتشهد على وحدانيّته.
أولاها: حقيقة ما لا يمكن نسبته بأي وجه من الوجوه إلى المصادفة العشواء والقوة العمياء والطبيعة غير الواعية، من الإيجاد الحكيم والإبداع المتقن والخلق والإنشاء باختيار وعلم من العدم، وحقيقة منح الروح والإحياء الذي يدل على
139. صفحة
تجلي العلم والحكمة والإرادة بعشرين وجهًا، حيث تشهد كبرهان باهر له شهود بعدد ذوي الأرواح على وجوب وجود الحي القيوم وصفاته السبعة ووحدانيته.
ثانيتها: تظهر حقيقة عظيمة قوية مركبة من تمييز المصنوعات غير المحدودة عن بعضها البعض، وتزيينها وتصويرها البديع مع منح كل واحد منها ملامح مزينة، ومقادير موزونة، وصورة متزنة؛ بحيث لا يمكن أن يكون مالك هذا الفعل المحيط الذي يُظْهِرُ بكلِّ الوجوه آلافًا من الخوارق والحكم إلا القادر على كل شيء والعالم بكل شيء، وليس هناك أي إمكان واحتمال آخر.
ثالثتها: إنَّ فتحَ مئات الآلاف من أشكال الصور التي هي معجزة حكمة للحيوانات التي لا حد لها من بيض وبويضات ومن قطرات ماء تسمى نطفة- محصورةً محدودةً متماثلةً أو مختلفةً بفارقٍ طفيفٍ ومتشابهةً نقول: إن فتحَ تلك الصور بانتظام كامل، وموازنة تامة، وبلا خطأ؛ لهو حقيقة ساطعة، حيث تنور تلك الحقيقةَ دلائلُ وحجج بعدد الحيوانات، ورأى السائح أن جميع أنواع الحيوانات تقول معًا "لا إله إلا هو" باتفاق هذه الحقائق الثلاث وتشهد بذلك، وكأن الأرض تقول كإنسان كبير "لا إله إلا هو" بنسبة كِبَرِها، وتسمعه أهل السماوات، هكذا رأى وتَلَقَّى درسًا كاملا.
ولقد ذكر في "المرتبة السابعة" من "المقام الأول" للتعبير عن هذه الحقائق المذكورة: "لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ الوَاجِبُ الوُجُودِ الَّذِي دَلَّ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِهِ فِي وَحْدَتِهِ اتِّفَاقُ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الحَيْوَانَاتِ وَالطُّيُورِ الحَامِدَاتِ الشَّاهِدَاتِ بِكَلِمَاتِ حَوَاسِّهَا وَقُوَاهَا وَحِسِّيِّاتِهَا وَلَطَائِفِهَا المَوْزُونَاتِ المُنْتَظمَةِ الفَصِيحَاتِ وَبِكَلِمَاتِ جِهَازَاتِهَا وَجَوَارِحِهَا وَأَعْضَائِهَا وَآلَاتِهَا المُكَمَّلَاتِ البَلِيغَاتِ بِشَهَادَةِ عَظَمَةِ إِحَاطَةِ حَقِيقَةِ الإِيجَادِ وَالصُّنْعِ وَالإِبْدَاعِ بِالإِرَادَةِ وَحَقِيقَةِ التَّمْيِيزِ وَالتَّزْيِينِ بِالقَصْدِ وَحَقِيقَةِ التّقْدِيرِ وَالتَّصْوِيرِ بِالحِكْمَةِ مَعَ قَطْعِيَّةِ دَلَالَةِ حَقِيقَةِ فَتْحِ جَمِيعِ صُوَرِهَا المُنْتَظمَةِ المُتَخَالِفَةِ المُتَنَوِّعَةِ غَيْرِ المَحْصُورَةِ مِنْ بَيْضَاتٍ وَقَطَرَاتٍ مُتَمَاثِلَةٍ مُتَشَابِهَةٍ مَحْصُورَةٍ مَعْدُودَةٍ".
ثم إن ذلك السائح المتفكر لما أراد أن يدخل عالم الإنسان ودنيا البشر ليتقدم أكثر فأكثر في المراتب غير المحدودة للمعرفة الإلهية وفي أذواقها
140. صفحة
وأنوارها اللانهائية، دعاه أولا الأنبياء عليهم السلام إلى عالمهم، فدخل، ونظر أولاً إلى منازل الماضي، فرأى أن جميع الأنبياء والرسل -الذين هم أكثر البشر نوراً وأكملهم- يذكرون الله معًا قائلين: "لا إله إلا هو"، ويدّعون التوحيد بقوة ما لا يحد من معجزاتهم الباهرة المصدقة، ويُدرّسون للبشر بالدعوة إلى الإيمان بالله ليُرَقّيهم من المرتبة الحيوانية إلى درجة الملائكية، فجثا([1]) على ركبتيه في تلك المدرسة النورانية، وشاركهم الدرس، ورأى واستطاع أن يدرك كيف أن حقيقةً حكمَ عليها وصدّقها مائة ألف شخص من الجادين الصادقين -بالإجماع والاتفاق- قويةٌ وقطعيةٌ؛ إذ إن بيدِ كل واحد من هؤلاءِ الأساتذة -الذين هم أعظم مشاهير الإنسانية وأشهرهم- معجزاتٍ كعلامة التصديق وُهبت من لدن خالق الكون، وصدّقتها طائفة عظيمة وأمة من البشر، وآمنوا بها بإخبار كل واحد منهم، وفهم كيف أن أهل الضلالة -الذين يُنكرون الحقيقة التي وقّع عليها وأثبتها هذا العددُ من هؤلاء المخبرين الصادقين بهذه القوة بمعجزاتهم غير المحدودة- يرتكبون خطأً وجناية لا حد لهما، ويستحقون عذابًا لا حد له، وعلم كيف أنَّ مَنْ صدّقهم وآمنَ بهم على الحقّ والحقيقة، وظهرت له مرتبة عظيمة أخرى لقدسية الإيمان.
أجل؛ إن إجماعهم أي إجماع هؤلاء المخبرين الجادّين على المسائل المثبَتة واتفاقهم وتواترهم، وتوافقهم وتساندهم وتطابقهم في الإثبات، فضلا عن المعجزات غير المحدودة من قبل الحق تعالى التي هي في حكم تصديق فعلي للأنبياء عليهم السلام، والصفعات السماوية الكثيرة النازلة على معارضيهم التي تدل على حقانيتهم، وكمالاتهم الشخصية الدالة على أنهم حقّ، وتعاليمهم ذات الحقيقية، وقوة إيمانهم التي تشهد لصدقهم، وجديتهم التامة، وتضحياتهم، وكتبهم وصحفهم القدسية الموجودة بأيديهم، وتلامذتهم غير المحدودين الذين بلغوا باتباعهم الحقيقةَ والكمالات والنور والذين يشهدون لهم بأن طريقهم صحيح وحقّ، لهي حجةٌ وقوةٌ بحيث لا تستطيع أن تقف أمامها أية قوة في الدنيا، ولا
[1] جثا: جلس على ركبتيه.
141. صفحة
تدع مجالاً للشبهة والتردد، وفهم سببَ دخول تصديق جميع الأنبياء ضمن أركان الإيمان، وأن هذا التصديق منبع لقوة عظيم، واستفاض فيضًا إيمانيًا من دروسهم.
وقد ذُكر في "المرتبة الثامنة" من "المقام الأول" ما يفيد معنى الدرس المذكور لهذا السائح، كالآتي: "لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ الَّذِي دَلَّ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِهِ فِي وَحْدَتِهِ إِجْمَاعُ جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ بِقُوَّةِ مُعْجِزَاتِهِمُ الْبَاهِرَةِ الْمُصَدِّقَةِ الْمُصَدَّقَةِ".
ثم إن هذا السياح الطالب الذي تذوق من قوة الإيمان ذوق حقيقة علويا، حينما قَفلَ ([1]) عائدًا من مجلس الأنبياء عليهم السلام؛ دعاه المحققون المجتهدون المتبحرون من العلماء إلى مدرستهم0 هؤلاء العلماء الذين أثبتوا دعاوى الأنبياء -عليهم السلام- بعلم اليقين بالأدلة القطعية والقوية والذين يطلَق عليهم الأصفياء والصديقون، فدخل ورأى أن آلافًا من العباقرة ومئات الآلاف من المدققين وأهل التحقيق الأجلاء يُثبتون المسائل الإيمانية المثبتة -وفي مقدمتها وجوب الوجود والوحدة- بتدقيقاتهم العميقة التي لا تدع مجالاً للشبهة ولو بمقدار شعرة.
أجل؛ إن اتفاقهم القوي في الأركان الإيمانية وأصولها واستناد كل واحد منهم إلى براهينه الباهرة اليقينية، على الرغم من اختلاف استعداداتهم ومسالكهم؛ لهو حجةٌ بحيث لا يستطيع أحد أن يباريهم ويضاهيهم إلَّا إذا كان له ذكاء ودراية بقدر ذكائهم ودرايتهم جميعاً، وإذا كان بإمكانه أن يجد براهين بقدر جميع براهينهم، وإلّا فهؤلاء المنكرون لا يمكنهم أن يعارضوهم إلَّا بالجهل والإنكار وفيما لا يمكن إثباته من المسائل المنفية بالعناد وإغماض العين، ومن يُغمض عينيه يجعل نهاره ليلاً علی نفسه فقط.
وعلم هذا السَّيَّاح أن الأنوار التي ينشرها هؤلاء الأساتذة المحترمون المتبحرون في تلك المدرسة الرائعة الواسعة تُنير نصف الكرة الأرضية منذ أكثر من ألف سنة، ووجد قوة معنوية بحيث لو اجتمع جميع أهل الإنكار لما استطاعوا أن يُضلّوه ولا يزعزعوه ولو بمقدار شعرة.
[1] قفل: عاد.
142. صفحة
وقد ذكر في "المرتبة التاسعة" من "المقام الأول" كإشارة قصيرة إلى ما اقتبسه هذا السائح من دروس في تلك المدرسة، ما يلي: "لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ الَّذِي دَلَّ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِهِ فِي وَحْدَتِهِ اتِّفَاقُ جَمِيعِ الأَصْفِيَاءِ بِقُوَّةِ بَرَاهِينِهِم الزَّاهِرَةِ الْمُحَقَّقَةِ الْمُتَّفِقَةِ".
ثم إن ذلك السائح المتأمل المشتاق جدًّا إلى رؤية الأنوار والأذواق التي في ازدياد قوة الإيمان وانجلائه أكثر فأكثر، وفي ترقيته من درجة علم اليقين إلى مرتبة عين اليقين، بينما كان يعود من المدرسة؛ دعاه آلاف بل ملايين من المرشدين القُدْسِييِّن الذين سعوا إلى الحقيقة وبلغوا الحق ووصلوا إلى مرتبة عين اليقين تحت ظل الجادَّة المحمدية الكبرى والمعراج الأحمدي -على صاحبهما الصلاة والسلام- في ونُزُلٍ ودار ذكر ومحل إرشاد ودار ضيافة واسعة سعة الصحارى، ذات فيوضات وأنوار تتوسع بتلاحق ما لا يحد من التكايا والزوايا الصغيرة، دَعَوْه إلى زاويتهم فدخل.
ورأى أن هؤلاء المرشدين أهل الكشف والكرامات يُعلنون وجوب الوجود والوحدة الربانية متفقين وبالإجماع وبالاستناد إلى كشفياتهم ومشاهداتهم وكراماتهم قائلين "لا إله إلا هو".
وشاهد بعين اليقين كم هي ظاهرة وباهرة تلك الحقيقة التي وقَّع عليها بالاجماع والاتفاق هؤلاء الدهاة القدسيون والعارفون النورانيون الموجودون في سبعين لونا، بل في ألوان متنوعة بعدد الأسماء الحسنى التي تتجلى من ضياء الشمس الأزلي وفي ألوان متباينة منوّرة كمعرفة الشمس بالألوان السبعة الموجودة في ضيائها، وفي طرق مختلفة ومسالك صحيحة متعددة ومشارب حقة متنوعة، ورأى أن إجماع الأنبياء -عليهم السلام- واتفاق الأصفياء وتوافق الأولياء واتفاق هذا الإجماع -ثلاثتهم معًا- لهو أسطع من ضياء النهار الذي يدل على الشمس.
وقد ذُكر في "المرتبة العاشرة" من المقام الأول كإشارة قصيرة إلى ما استفاض هذا المسافر من فيض في التكية، ما يلي: "لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ الَّذِي دَلَّ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِهِ فِي وَحْدَتِهِ إِجْمَاعُ الأَوْلِيَاءِ بِكَشْفِيَّاتِهِمْ وَكَرَامَاتِهِم الظَّاهِرَةِ الْمُحَقَّقَةِ الْمُصَدَّقَةِ".
143. صفحة
ثم إن سَيَّاح العالم هذا، الذي يعلم أن أهم الكمالات الإنسانية وأعظمها بل منبع جميع الكمالات الإنسانية وأساسها هو محبة الله الناشئة من الإيمان بالله ومعرفة الله، رفع رأسه ونظر إلى السماوات راغبًا في أن يرتقي أكثر فأكثر في قوة الإيمان وانكشاف المعرفة بكل قوته ولطائفه، وخاطب عقله قائلاً: "بما أن أهم وأثمن شيء في الكون هو الحياة، وموجودات الكون مسخرة للحياة، وبما أن أهم وأثمن ذوي الحياة ذوو الأرواح، وأهم وأثمن ذوي الأرواح هم ذوو الشعور، وبما أن الكرة الأرضية لأجل هذه القيمة والأهمية لتكثير ذوي الحياة دائمًا تمتلئ وتخلى كلَّ عصر وكلَّ سنة؛ فلا شك وعلى كل حال أن هناك أهاليَ وسكانًا كذلك لهذه السماوات الرائعة المزينة مناسبين لها من ذوي الحياة وذوي الأرواح وذوي الشعور، بحيث تُنقل وتروى بتواتر منذ القدم أحداثُ رؤية الملائكة والتحدث معهم، كتمثُّل جبرائيل عليه السلام الذي تراءى للصحابة في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم.
إذن فليتني كنت التقيتُ كذلك أهل السماوات وعرفت ما عندهم من الأفكار؛ لأن الكلام الأهم عن خالق الكون كلام هؤلاء".
وبينما كان يفكر هكذا فإذا به يسمع هاتفًا سماويًّا يقول: "بما أنك تريد مقابلتنا والاستماع إلى دروسنا، فاعلم أننا أول من آمن بالمسائل الإيمانية التي نزلت بواسطتنا على جميع الأنبياء وفي مقدمتهم محمد -عليه الصلاة والسلام- والقرآن المعجز البيان؛ ثم إن الأرواح الطيبة منا التي تتمثل للناس وتتراءى لهم، شهدت -بالاتفاق وبلا استثناء- على وجوب وجود خالق هذا الكون ووَحْدته وصفاتِه القدسيةِ وأَخْبَرَت بها موافقًا ومطابقًا بعضهم بعضًا"، فعلم أنهم يقولون: "إن توافق ما لا يحد من الإخبارات وتطابقها دليل ومرشد لك كالشمس"، وتألَّق نور إيمانه، فارتقى من الأرض إلى السماوات.
وقد ذُكر في "المرتبة الحادية عشرة" من "المقام الأول" كإشارة قصيرة إلى ما تلقَّاه هذا السائح من دروس من الملائكة، ما يلي: "لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ الْوَاجِبُ الْوُجُودِ
144. صفحة
الَّذِي دَلَّ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِهِ فِي وَحْدَتِهِ اتِّفَاقُ الْمَلَائِكَةِ الْمُتَمَثِّلِينَ لِأَنْظَارِ النَّاسِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ مَعَ خَوَاصِّ الْبَشَرِ بِإِخْبَارَاتِهِم الْمُتَطَابِقَةِ الْمُتَوَافِقَةِ".
ثم إن هذا السائح المولع المشتاق جدًّا في عالم الشهادة ولأنه تلقى دروسا من الناحية الجسمانية والمادية من ألسنة الطوائف المعيَّنة ومن ألسنة أحوالها؛ أراد أن يقوم بجولة سياحية للبحث عن الحقيقة في عالم الغيب وعالم البرزخ مع المطالعة.
وإذا به قد انفتح أمامه باب العقول المستقيمة المنوَّرة و القلوب السليمة النورانية التي توجد في كل طائفة من طوائف البشر، والتي هي ثمرة الكون وفي حكم نواة للإنسان والتي تستطيع أن تنبسط -معنىً- وتكبر كبر الكون على الرغم من أنها صغيرة، فرأى أنها برازخ إنسانية بين عالم الغيب وعالم الشهادة، ولأنه رأى أن علاقات هذين العالمين وتعاملهما بالنسبة للإنسان تجري في هاتين النقطتين (أي: العقول والقلوب)؛ خاطب عقلَه وقلبَه قائلاً: "تعاليا، فإن الطريق الموصل إلى الحقيقة من باب أمثالكما لهو أقصر، وعلينا أن نستفيد منه لا كما تلقينا من دروس من الألسنة في الطرق الأخرى، بل بمطالعاتنا من أوصافهما التي اتصفا بها وكيفياتهما وألوانهما من حيث الإيمان".
وبدأ المطالعة فرأى أنه تتوافق في الإيمان والتوحيد الاعتقاداتُ بالاتصاف والرسوخ للعقول المستقيمة المنوَّرة التي استعداداتها مختلفة جدًّا ومذاهبها متباينة ومتباعد بعضها عن بعض، وتتطابق أفكارها ويقينياتها الثابتة الصامدة المطمئنة، إذن فهذه العقول قد استندت إلى حقيقة واحدة لا تتبدل وارتبطت بها، وجذورها لا تنفصم؛ إذ دخلت في حقيقة متينة، إذن فإجماعها على الإيمان والوجوب والتوحيد سلسلة نورانية لا تنفصم أبدًا، ونافذة منوّرة تطل على الحقيقة.
ورأى أيضًا أن جميع القلوب السليمة النورانية -التي مسالكها متباعد بعضها عن بعض ومشاربها متباينة- تتوافق فيما بينها -في اتفاق واطمئنان وانجذاب- كشفياتُها ومشاهداتها في أركان الإيمان، ويطابق بعضُها بعضًا في التوحيد، إذن فإن تلك القلوب النورانية المقابلة للحقيقة والواصلة إليها والمتمثلة لها
145. صفحة
التي هي عرش صغير جدًّا للمعرفة الربانية ومرآة جامعة للصمدانية؛ هي نوافذ تنفتح على شمس الحقيقة، وجميعها معًا مرآة عظيمة مثل بحر يؤدي دور المرآة للشمس، واتفاقها وإجماعها في وجوب واجب الوجود والوحدة دليل أكمل ومرشد أكبر لا يَضلّ ولا يُضِلّ أبدًا؛ لأنه ليس هناك أي إمكان واحتمال بأي وجه من الوجوه لأن يخدع وهمٌ أو فكرٌ لا حقيقة له وصفةٌ لا أصل لها بهذا القدر من الاستمرار والرسوخ جميعَ تلك العيون الكبيرة الحادة معًا، وأن يخدع بصرها.
وفهم السائح أنه حتى السفسطائيون الحمقى الذين ينكرون هذا الكون بعقولهم الفاسدة العفنة والذين يرون هذا في دائرة الإمكان هم كذلك لا يرضون بذلك ويرفضونه، فقال مع عقله وقلبه: "آمنت بالله".
وقد ذُكر في "المرتبة الثالثة عشرة" من "المقام الأول" كإشارة قصيرة إلى المعرفة الإيمانية التي استفادها هذا السائح من العقول المستقيمة والقلوب المنورة، ما يلي: "لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ الْوَاجِبُ الْوُجُودِ الَّذِي دَلَّ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِهِ فِي وَحْدَتِهِ إِجْمَاعُ الْعُقُولِ الْمُسْتَقِيمَةِ الْمُنَوَّرَةِ بِاعْتِقَادَاتِهَا الْمُتَوَافِقَةِ وَبِقَنَاعَاتِهَا وَبِيَقِينَّياتِهَا الْمُتَطَابِقَةِ مَعَ تَخَالُفِ الاِسْتِعْدَادَاتِ وَالْمَذَاهِبِ، وَكَذَا دَلَّ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِهِ فِي وَحْدَتِهِ اتِّفَاقُ الْقُلوُبِ السَّلِيمَةِ النُّورَانِيَّةِ بِكَشْفِيَّاتِهَا الْمُتَطَابِقَةِ وَبِمُشَاهَدَاتِهَا الْمُتَوَافِقَةِ مَعَ تَبَايُنِ الْمَسَالِكِ وَالْمَشَارِبِ".
ثم إن هذا السائح الذي نظر إلى عالم الغيب عن قرب، والذي ساح في العقل والقلب، طرق باب عالم الغيب بلهفة وولع([1])، قائلاً في نفسه: "يا ترى ماذا يقول عالم الغيب؟" وهو يحمل فكرة: "بما أنه يُفهَم بالبداهة أن هناك من يريد أن يُعرِّف نفسه بما لا يعد من مصنوعاته المزينة الرائعة في عالم الشهادة الجسماني هذا، ويريد أن يُحبِّب نفسه بما لا نهاية له من نعمه الحلوة المزيَّنة، ويريد أن يُخبر عن كمالاته المخفية بما لا حد له من آثاره المعجزة البديعة، يريد كل ذلك بطريقة أظهر من القول والتكلم؛ أي يريده فعلاً، ويُظهر بلسان الحال أنه موجود وراء
[1] ولع: شوق.
146. صفحة
ستار الغيب؛ فلا شك أنه يتكلم قولاً وكلامًا كما يتكلم فعلا وحالا، ويعرِّف نفسه ويُحبِّبها، إذن يجب أن نعرفه من ظهوره في عالم الغيب".
قال ذلك ودخل قلبُه في الداخل، فرأى بعين العقل أن حقيقة الوحي تهيمن على كل أرجاء عالم الغيب كل حين بالظهور القوي للغاية، وأن شهادة الوجود والتوحيد أقوى من شهادات الكون، وتأتي من لدن علام الغيوب بحقيقة الوحي والإلهام، ولا يترك نفسه ووجوده ووحدته لشهادة مصنوعاته فحسب، وإنما يتكلم بكلام أزلي يليق به، وهو حاضر وناظر في كل مكان بعلمه وقدرته، ولا حد لكلامه، وكلامه يعرِّفه بصفاته كما يعرِّفه معنى كلامه.
نعم؛ إنه فهم أن تحقق حقيقة الوحي وثبوته بدهي بتواتر مائة ألف من الأنبياء عليهم السلام، وباتفاق إخباراتهم من حيث نيلها الوحيَ الإلهي، وبدلائل ومعجزات الكتب المقدسة والصحف السماوية التي هي وحي مشهود وثمرات الوحي، والتي هي مصدّقة من قبل الأكثرية المطلقة من البشر ومرشدهم وقدوتهم، وفهم أن حقيقة الوحي تُفيد خمس حقائق قدسية وتُفيضها:
أولاها: "التنزلات الإلهية إلى عقول البشر": أي الكلام حسب عقول البشر وأفهامهم تنزل إلهي.
أجل؛ إن الذي يُنطق كل مخلوقاته من ذوي الأرواح ويَعلم كلامهم، لا شك أن من مقتضى ربوبيته تدخُّله بكلامه في كلامهم.
ثانيتها: إن الذي خلق الكون بما لا حد له من مصروفات، وملأه من أقصاه إلى أدناه بصنائع بديعة ليُعرِّف نفسه، وأنطقها بكمالاته بآلاف من الألسنة، لا شك أنه سيعرِّف نفسه بكلامه أيضا.
ثالثتها: كما أنه يستجيب فعلاً لمناجاة وشكر الناس الحقيقيين الذين هم خير الموجودات وأحوجهم وألطفهم وأرقهم وأكثرهم اشتياقًا؛ فكذلك استجابته بكلامه من شأن الخالقية.
رابعتها: إنه لا شك أن صفة المكالمة التي هي لازمة ضرورية للعلم والحياة ومظهرهما المنوَّر؛ توجد بصورة محيطة وسرمدية فيمن له علم محيط وحياة سرمدية.
147. صفحة
خامستها: إن الذي منح العجز والاشتياق والفقر والاحتياج والقلق على المستقبل والمحبة والعبودية لمخلوقاته المحبوبين الذين هم أكثر المخلوقات لطافة ومحبة وقلقًا واحتياجًا إلى نقطة استناد واشتياقًا إلى أن يجدوا صاحبهم ومالكهم، والذين هم فقراء وعاجزون؛ لا شك أن إشعاره إياهم بوجوده بتكلمه لهو من مقتضى الألوهية.
ففهم السائح أن دلالة الوحي السماوي العام الذي يتضمّن حقائق التنزل الإلهي والتعرّف الرباني والمقابلة الرحمانية والمكالمة السبحانية والإشعار الصمداني على وجود واجب الوجود ووحدته بالإجماع؛ لهي حجة قوية أقوى من شهادة شعاعات الشمس في رابعة النهار على الشمس نفسها.
ثم نظر إلى ناحية الإلهامات فرأى أن الإلهامات الصادقة نوع من المكالمة الربانية، فهي وإن كانت تشبه الوحي من جهة؛ فإن هناك فَرْقَين اثنين بينهما.
أولهما: معظم الوحي -الذي هو أسمى من الإلهام- يحصل بواسطة الملائكة، ومعظم الإلهامات تحصل بدون واسطة.
فمثلاً: كما أن لسلطانٍ نوعين من المكالمات وإصدار الأوامر؛ أحدهما: إرساله نائبه إلى أحد ولاته بحيثية عظمة السلطنة والحاكمية العامة، وأحيانًا يجتمع بواسطةٍ لإظهار عظمة تلك الحاكمية وأهمية الأمر، فيبلغ الفرمان.
وثانيهما: أن يتكلم بهاتفه الخاص مع أحد خدمه الخاصين الذين له علاقة خاصة بهم وصلة جزئية معهم، أو مع واحد من عموم رعيته، ليس بعنوان السلطنة وباسم الملكية العامة، وإنما بشخصيته هو؛ فبالمثل كما أن للسلطان الأزلي مكالمةً بالوحي وبالإلهامات الشاملة التي تقوم بمهمة الوحي باسمه رب العالمين وبعنوانه خالق الكون؛ فكذلك له نوع من المكالمات بصورة خاصة، ولكن وراء ستار حسب قابلية كل واحد منهم، من حيث إنه خالق ورب كل فرد وكل ذي حياة.
الفرق الثاني: إن الوحي لا ظل له، وإنه صافٍ وخاصّ للخواص، وأما الإلهام فله ظلال، تختلط به الألوان، وعام، وله أنواع كثيرة متنوعة كإلهام الملائكة وإلهام
148. صفحة
الناس وإلهام الحيوانات، ويهيِّء مناسبة لتكثير الكلمات الربانية بعدد قطرات البحار، ففهم -هذا السائح- أنه يفسِّر وجهًا من تفسير الآية ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ (الكهف:109).
ثم نظر إلى ماهية الإلهام وحكمته وشهادته، فرأى أن ماهيته وحكمته ونتيجته تتكون من أربعة أنوار:
أولها: كما أنه يحبِّب نفسه فعلاً إلى مخلوقاته بما يسمى بالتودُّد الإلهي؛ فكذلك تحبيبه قولاً وحضورًا وصحبةً من مقتضى الودودية والرحمانية.
ثانيها: كما أنه يستجيب فعلاً دعاءَ عباده، فاستجابته أيضا بالقول وراء الحجب من شأن الرحيمية.
ثالثها: كما أنه يُمدّ فعلاً استمدادَ مخلوقاته الذين نزلت بهم البلايا الشديدة ووقعوا في ظروف قاسية؛ واستغاثتَهم وتضرَّعَهم؛ فكذلك إمداده بالأقوال الإلهامية التي هي كنوع من تكلمه، من لوازم الربوبية.
رابعها: كما أنه يُشعر ذوي الشعور من مصنوعاته العجزة للغاية والضعفاء والفقراء وذوي الاحتياج والمحتاجين جدًّا، والمشتاقين إلى البحث عن مالكهم وحاميهم ومدبرهم وحافظهم بوجوده وحضوره وحمايته فعلاً؛ كذلك فإن إشعاره -قولاً- مخلوقًا خاصًا من وراء حجب بعض الإلهامات الصادقة التي هي في حكم نوع من أنواع المكالمات الربانية، بحضوره ووجوده بوجه خاص وحسب قابليته وبهاتف قلبه؛ لَضَروريٌّ وواجب ومقتضى من مقتضيات شفقة الألوهية ورحمة الربوبية، وهكذا فهم السائح.
ثم نظر إلى شهادة الإلهام، فرأى أنه كما لو كان للشمس شعور وحياة -بفرض المحال- ولو كانت ألوانها السبعة في ضيائها سبعَ صفات لها، لكان لها -من هذه الجهة- نوع من التكلم مع الشعاعات والتجليات الموجودة في ضوئها، وفي هذا الوضع، كان سيشاهَد وجود مثالها وعكسها في الأشياء الشفافة، وتكلمها في كل من المرايا وفي الأشياء اللامعة وفي قطع الزجاج وفي الحباب والقطرات وحتى
149. صفحة
في الذرات الشفافة حسب قابلية كل واحد منها، واستجابتها حاجاتِهم، وشهادة كل منها على وجود الشمس، وعدم منع أمر أمرًا آخر، وعدم تشويش تكلمه تكلمًا آخر.
وكما في هذا المثال تماما يُفهم بالبداهة أن مكالمة الشمسِ السرمديِّ الذي هو سلطانُ الأزلِ والأبدِ ذو الجلال وخالقُ كل الموجودات ذو الشأن والجمال، تتجلى كليًّا ومحيطة كعلمه وقدرته حسب قابلية كل شيء، ولا يمنع سؤال سؤالاً، ولا عمل عملاً، ولا خطاب خطابًا، ولا يشوش عليه، فعلم السائح علم اليقين -أقرب ما يكون إلى عين اليقين- أن جميع تلك التجليات والمكالمات والإلهامات تشهد وتدل واحدة فواحدة -ومعًا وبالاتفاق- على حضور الشمس الأزلي ووجوب وجوده ووحدته وأحديَّته، وقد ذُكر في "المرتبة الرابعة عشرة" و"الخامسة عشرة" من "المقام الأول" كإشارة قصيرة إلى ما أخذه هذا السائح المتلهف من درس المعرفة من عالم الغيب، ما يلي: "لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ الْوَاجِبُ الْوُجُودِ الأَحَدُ الَّذِي دَلَّ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِهِ فِي وَحْدَتِهِ إِجْمَاعُ جَمِيعِ الْوَحْيَاتِ الْحَقَّةِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِلتَّنَزُّلَاتِ الإِلَهِيَّةِ، وَلِلْمُكَالَمَاتِ السُّبْحَانِيَّةِ، وَلِلتَّعَرُّفَاتِ الرَّبَّانِيَّةِ، وَلِلْمُقَابَلَاتِ الرَّحْمَانِيَّةِ، عِنْدَ مُنَاجَاةِ عِبَادِهِ، وَلِلإِشْعَارَاتِ الصَّمَدَانِيَّةِ لِوُجُودِهِ لِمَخْلُوقَاتِهِ، وَكَذَا دَلَّ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِهِ فِي وَحْدَتِهِ اتِّفَاقُ الإِلْهَامَاتِ الصَّادِقَةِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِلتَّوَدُّدَاتِ الْإِلَهِيَّةِ، وَلِلإِجَابَاتِ الرَّحْمَانِيَّةِ لِدَعَوَاتِ مَخْلوُقَاتِهِ، وَلِلإِمْدَادَاتِ الرَّبَّانِيَّةِ لِاسْتِغَاثَاتِ عِبَادِهِ، وَلِلْإِحْسَاسَاتِ السُّبْحَانِيَّةِ لِوُجُودِهِ لِمَصْنُوعَاتِهِ".
ثم إن سَيَّاح العالم هذا، خاطب عقله قائلاً: "بما أنني أبحث عن مالكي وخالقي بموجودات هذا الكون، فلا شك أنه يجب علينا أولاً وقبل أىّ شيء أن نذهب معًا إلى عصر السعادة لزيارة محمد العربي -عليه الصلاة والسلام- الذي هو أشهر هذه الموجودات وأكملها حتى بتصديق أعدائه، وأعظم قائد وأشهر حاكم لها، وأسماها كلامًا وأسطعها عقلاً، والذي أنار أربعة عشر قرنًا بفضائله وقرآنه، حتى نسأله عمَّا نبحث عنه"، فدخل بعقله هذا العصر، ورأى أن ذلك العصر أصبح -حقًّا- عصر سعادة البشر بهذه الشخصية على صاحبها الصلاة والسلام؛ إذ إنه جعل في وقت وجيز أشد الأقوام بداوة وأمّية أساتذة وحكامًا للدنيا بالنور الذي
150. صفحة
أتى به، ثم بدأ التحري قائلاً لعقله:"إن علينا أولاً وقبل أىّ شيء أن نعلم قدروقيمة ذلك الرسول الكريم الخارق الفذ -عليه الصلاة والسلام- وحقانية أقواله، وصدق إخباراته إلى حد ما، ثم نسأله عن خالقنا"، وسيشار هنا إشارة قصيرة إلى "تسعة أدلة كلية" فقط من الأدلة القاطعة غير المحدودة التي وجدها.
أولها: وجود جميع السجايا الحسنة والخصال الحميدة في هذه الشخصية حتى بتصديق أعدائه، وظهور مئات من المعجزات على يده والتي نقلت نقلا قاطعا، وقسم منها بتواتر، كانشقاق القمر بإشارة أصبعه بصراحة آية ﴿وَانْشَقَّ القَمَرُ﴾، وفرار جنود أعدائه بدخول قليل من التراب الذي رماه عليهم بقبضته في أعينهم جميعا بصراحة آية ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى﴾، وسقيه الماء الذي جرى كالكوثر من بين أصابعه الخمسة لجميع جنوده العطشى إلى حد الارتواء.
ولقد بينت أكثر من ثلاثمائة من هذه المعجزات مع أدلتها القاطعة في "رسالة المعجزات الأحمدية" الخارقة ذات الكرامة التي هي "المكتوب التاسع عشر"، لذا أحالها السائح إليها، وقال: إن هذا الشخص الذي له معجزات باهرة إلى هذا الحد بالإضافة إلى هذا القدر من هذه الأخلاق الحسنة والكمالات لا بد أنه صاحب أصدق حديث، ولا بد أنه يترفع عن الحيلة والكذب والخداع الذى هو من شأن فاسدي الأخلاق.
ثانيها: كونه يحمل بيده فرمان مالك هذا الكون الذي يقبله ويصدقه في كل عصر أكثر من ثلاثمائة مليون إنسان، وكون القرآن العظيم الشأن الذي هو ذلك الفرمان معجزًا من سبعة أوجه.
ولقد بين بتفصيل في "رسالة المعجزات القرآنية" أي "الكلمة الخامسة والعشرين" وهي رسالة مشهورة وشمس من شموس رسائل النور، بُيِّنَ فيها مع أدلتها القوية أن القرآن معجز من أربعين وجهًا، وأنه كلام خالق الكون، لذا أحاله هذا السائح إليها فقال: إنه لا يمكن أن يصدر من هذا الشخص -الذي هو ترجمان هذا الفرمان والمبلغ له وهو الحق عينه والحقيقة ذاتها- الكذبُ الذي يعني الجناية على هذا الفرمان والخيانة لصاحبه.
151. صفحة
ثالثها: إنه عليه الصلاة والسلام قد ظهر بشريعة وإسلام وعبودية ودعاء وإيمان ودعوة لا مثيل لها، ولا يمكن أن يكون لها مثيل أصلا، ولم يوجد أفضل منها ولن يوجد؛ لأن تلك الشريعة التي ظهرت من شخص أمي عليه الصلاة والسلام أدارت أربعة عشر قرنًا من الزمن وخمس البشرية بالعدل والحق وبقوانينها الدقيقة التي لا حد لها؛ لا تقبل المثيل.
ثم إن الإسلام الذي ظهر من أفعال وأقوال وأحوال رجل أمي عليه الصلاة والسلام، باعتباره دليلا هاديا ومرجعا لثلاثمائة وخمسين مليونا من البشر في كل عصر، ومرشدا ومعلما لعقولهم، ومنورا ومصفّيا لقلوبهم، ومربّيا ومزكّيا لنفوسهم، ومدار انكشاف لأرواحهم، ومعدنا لترقياتها، لم يكن له مثيل ولن يكون.
ثم إن تفوقه وسبْقه الجميع في جميع أنواع جميع العبادات التي في دينه، وكونه أتقى من كل أحد، وأخشاهم لله، ومراعاته لأدق أسرار العبودية رعاية تامّة في خضم المجاهدات المتواصلة التي لا مثيل لها والظروف المضطربة القاسية، وقيامه بكل ذلك من عنده هو بدون أن يقلد أحدا وعلى أكمل وجه، وربطه بين المبدأ والمنتهى لا يمكن أن يكون له مثيل، ولن يكون.
ثم إنه يصف ربه بمعرفة ربانية في "الجوشن الكبير" الذي هو واحد من آلاف أدعيته ومناجاته، وصفاً بحيث لم يستطع أهل المعرفة وأهل الولاية الذين جاءوا ومضوا منذ ذلك الزمن أن يبلغوا مع تلاحق الأفكار لا إلى تلك المرتبة من المعرفة ولا إلى تلك الدرجة من الوصف، مما يدل على أنه لا مثيل له كذلك في الدعاء، فمن ينظر إلى الموضع الذي بُيِّنت فيه ترجمة مختصرة لمعاني فقرة واحدة من تسع وتسعين فقرة للجوشن الكبير في بداية رسالة المناجاة، فسيقول "لا مثيل للجوشن أيضًا".
ثم إنه قد أبدى متانة وثباتًا وجسارة في تبليغ الرسالة وفي دعوة الناس إلى الحقّ، بحيث إن عدم إبدائه أي أثر للتردد والقلق والخوف، وتحديه وحده للعالم بأسره واستطاعته مواجهة العالم بمفرده، وجَعْله الإسلام يحكم العالم، على الرغم من عداوة الدول الكبرى والأديان العظمى بل حتى عداوة قومه
152. صفحة
وقبيلته وعمه عداوة شديدة؛ كل ذلك ليثبت أنه لم يكن له مثيل أيضًا في التبليغ والدعوة ولن يكون.
ثم إنه قد حمل في الإيمان قوة فائقة ويقينًا خارقًا وانكشافًا معجزًا واعتقادًا عاليًا نوّر العالم، بحيث إن عدم إيراث جميع الأفكار والعقائد وحِكم الحكماء وعلم الرؤساء الروحانيين السائدة في ذلك الزمان أية شبهة وأي تردد وأي ضعف وأية وسوسة لا في يقينه ولا في اعتقاده ولا في اعتماده ولا في اطمئنانه؛ على الرغم من معارضتها ومخالفتها وإنكارها له، وإن استفاضة جميع أهل الولاية -وعلى رأسهم الصحابة- الذين ترقَّوا في المعنويات وفي المراتب الإيمانية من مرتبة إيمانه في كل وقت، ورؤيتهم له في أعلى الدرجات؛ كل ذلك يدل بداهة على أنه لا مثيل لإيمانه كذلك.
وقد فهم السائح أنه لا شك أن صاحب شريعة كهذه لا مثيل لها، وإسلام لا نظير له، وعبودية خارقة، ودعاء لا مثيل له، ودعوة شاملة أذهلت الكونَ، وإيمان معجز لا يمكن أن يكون عنده كذب قطّ، ولا يمكن أن يَخْدَعَ، فَهِمَ هذا وصدَّقه عقله.
رابعها: فكما أن إجماع الأنبياء عليهم السلام دليل قوي جدًّا على وجود الله ووحدانيته جل وعلا؛ فهو أيضا شهادة مُحكمة ثابتة راسخة جدًّا على صدق هذه الشخصية -عليه الصلاة والسلام- ورسالتها؛ لأن كل ما هو مدار لصدق الأنبياء -عليهم السلام- ونبوتهم من صفات قدسية ومعجزات ووظائف؛ يوجدُ فيه -عليه الصلاة والسلام- على أكمل وجه، وهذا مصدق تاريخيا، بمعنى أن هؤلاء الأنبياء -عليهم السلام- قد أخبروا بمجيئه بلسان مقالهم في التوراة والإنجيل والزبور، وفي صحفهم، وبشروا الناس به، وقد بُيِّن وأثبت بوضوح أكثر من عشرين قسمًا من أكثر الأقسام وضوحا من الإشارات المبشرة للكتب المقدسة في "المكتوب التاسع عشر"، فهم كذلك يصدقون بلسان حالهم -أي بنبوتهم ومعجزاتهم- ذلك الشخص -عليه الصلاة والسلام- الذي هو متقدم أكثر من الكل، والأكمل في مسلكهم ووظيفتهم، ويؤيدون دعواه، وكما أنهم يدلون على الوحدانية بلسان المقال والإجماع؛ فكذلك يشهدون على صادقيته بلسان الحال وبالاتفاق، وقد أدرك السائح ذلك.
153. صفحة
خامسها: كما أن آلافًا من الأولياء الذين وصلوا إلى الحق والحقيقة والكمالات والكرامات والكشفيات والمشاهدات بدساتير هذه الشخصية -على صاحبها الصلاة والسلام- وتربيتها واتباعها واقتدائها يدلون على الوحدانية؛ فإنهم يشهدون كذلك بالإجماع والاتفاق على صادقية ورسالة هذا الرسول -عليه الصلاة والسلام- الذي هو أستاذهم ومرشدهم.
وقد رأى هذا السائح أن مشاهدةَ الأولياء بنور الولاية بعضًا مما أخبر به هذا الرسول الكريم من عالم الغيب، واعتقادهم وتصديقهم بجميعها بنور الإيمان بعلم اليقين أو بعين اليقين أو بحق اليقين؛ يدل كالشمس على مدى حقانية وصادقية هذا الرسول الكريم -عليه الصلاة والسلام- الذي هو أستاذهم ومرشدهم.
سادسها: كما أن ملايين المدققين الأصفياء والمحققين الصديقين والحكماء المؤمنين الأذكياء الذين وصلوا إلى أعلى مقام في المرتبة العلمية بتعلم ودراسة الحقائق القدسية التي أتى بها هذا الرسول الكريم -عليه الصلاة والسلام- والعلوم العالية التي اخترعها، والمعرفة الإلهية التي كشفها مع أنه أمي، يثبتون الوحدانية التي هي أس الأساس لدعوى ذلكم الرسول -عليه الصلاة والسلام- ببراهينهم القوية، ويصدقونها بالاتفاق؛ فإن شهادتهم متفقين على حقانية هذا المعلم الأكبر والأستاذ الأعظم وعلى أن كلامه حقيقة؛ لحجةٌ لرسالته وصادقيته كوضح النهار، وإن رسائل النور مثلا بأجزائها المائة برهان واحد على صدقه.
سابعها: وقد أدرك السائح أن تصديق الطائفة العظيمة التي تسمى "الآل والأصحاب" -رضي الله عنهم- وهم أشهر بني البشر بعد الأنبياء -عليهم السلام- في الفراسة والدراية([1]) والكمالات، وأجدرهم بالاحترام، وأكثرهم شهرة، وأكثرهم تمسكًا بالدين، وأبعدهم نظرا؛ نقول أدرك أن تصديقهم الذي لا يتزعزع وإيمانهم القوي بالاتفاق والإجماع على أن هذا الرسول الكريم -عليه الصلاة والسلام- أصدق الناس في الدنيا، وأسماهم، وأكثرهم امتلاكًا للحق والحقيقة نتيجة تحريهم وتفتيشهم وتدقيقهم بكمال الشغف والشوق، وبمنتهى الدقة ونهاية الجد لجميع
[1] الدراية: المعرفة والعلم.
154. صفحة
أحوال هذا الرسول الكريم -عليه الصلاة والسلام- وأفكاره وتصرفاته، ما ظهر منها وما بطن؛ لدليل كالنهار الذي يدل على ضياء الشمس.
ثامنها: كما أن هذا الكون يدل على صانعه وكاتبه ونقّاشه الذي أوجده ويديره وينظمه، ويتصرف فيه بالتصوير والتقدير والتدبير وكأنه قصر أو كتاب أو معرض أو متنزه ومنظر جميل؛ كذلك فلا شك أنه يتطلب ويقتضي ويدل في كل الأحوال على وجود داعٍ عظيم، وكشَّاف صادق، وأستاذ محقق، ومعلم صادق يعْلم المقاصد الإلهية في خلق الكون ويعلِّمها، ويُعلِّم الحكم الربانية في تحولاته، ويدرّس النتائج التي في حركاته الوظيفية، ويعلن قيمة ماهيته وكمالات ما فيه من الموجودات، ويعبر عن معاني ذلك الكتاب الكبير، وقد علم السائح أنه لا شك في أن الكون بمقتضى ما ذكر يشهد على صدق هذا الرسول الكريم -عليه الصلاة والسلام- الذي هو أفضل من أدّى كل هذه الوظائف، وأنه أعظم موظف مأمور صادق لخالق الكون.
تاسعها: بما أن هناك وراء الحجاب من يريد أن يعرض مهاراته بمصنوعاته البديعة الحكيمة، وكمالات إبداعه، ويريد أن يعرف نفسه ويحببها بمخلوقاته الجميلة المزينة، ويريد بهذه النعم غير المحدودة اللذيذة الثمينة أن يجعل عباده يشكرونه ويحمدونه، وأن يجعلهم يعبدونه مقابل ربوبيته عبادة ملؤها الامتنان والشكر والعبودية بالتربية والإعاشة العامة ذات الشفقة والحماية، بل حتى بأطعمة وبمآدب ربانية أُعِدَّت إعدادا يُطَمْئِنُ ويُشْبِعُ أدقَّ أذواق الأفواه، وجميع أنواع الاشتهاء، وأن يجعلهم يؤمنون ويستسلمون وينقادون لألوهيته مُظهِرًا ألوهيته بتصرفات وإجراءات عظيمة مهيبة، وبفعالية وخلاقية مذهلة حكيمة كتبدل الفصول وتكوير الليل والنهار واختلافهما، ويريد كل وقت أن يظهر عدالته، ويحق الحق بحمايته الخير والأخيار، وإزالته الشر والأشرار، وإهلاك الظالمين والمكذبين بصفعات سماوية كل وقت؛ فلا شك وفي كل الأحوال أن أحب مخلوق لدى ذلك المتستر بالغيب، وأصدق عبد له، ومن يحلّ ويكشف طلسم خلق الكون ومعمّاه بقيامه بخدمة مقاصده المذكورة خدمة تامّة، ومن يتحرك باسم ذلك الخالق
155. صفحة
دومًا، ومن يستمد منه العون ويطلب التوفيق منه، ومن ينال الإمداد والتوفيق فعلا سيكون هذا الرسول الكريم، محمدًا القرشي عليه الصلاة والسلام.
ثم خاطب السائح عقله قائلاً: بما أن هذه الحقائق التسع المذكورة تشهد على صدق هذا الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام؛ فلا شك أنه -عليه الصلاة والسلام- مدار شرف لبني آدم، ومدار افتخار لهذا العالم، وحقيق بأن يطلق عليه فخر العالم، وشرف بني آدم، ولا شك في أن هيمنة عظمة السلطنة المعنوية للقرآن المعجز البيان -الذي بيده وهو فرمان الرحمن- على نصف الأرض وكمالاته الشخصية وخصاله العالية؛ لتدل على أن أهم شخصية في هذا العالم شخصيته هو -عليه الصلاة والسلام- وأن أهمّ قول في حق خالقنا هو قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
فتعال الآن وانظر، إن أساس جميع دعاوى هذه الشخصية الخارقة -عليه الصلاة والسلام- وغاية جميع حياتها استنادًا إلى قوة مئات من معجزاتها القاطعة الظاهرة الباهرة، وإلى آلاف من حقائقها العالية الراسخة في دينه لهو الدلالة والشهادة على وجود الواجب الوجود ووحدانيته وصفاته وأسمائه، وإثبات وجود الواجب الوجود والإعلان عنه والإعلام به.
إذن إن الشمس المعنوية لهذا الكون، والبرهان النير لخالقنا هو ذلكم الرسول عليه الصلاة والسلام، حبيب الله، حيث هنالك ثلاثة أنواع عظيمة للإجماع لا تخدع ولا تنخدع تؤيد شهادته وتصدقها وتوقِّع عليها:
أولها: تصديق جماعة نورانية -بالإجماع- اشتهرت بآل محمد -عليه الصلاة والسلام- في العالم، والتي تضم آلافًا من الأقطاب والأولياء العظام الذين لهم أبصار حادة، وأنظار نافذة تطلع على الغيب؛ كالإمام علي رضي الله عنه الذي قال: "لو كشف الغيب ما ازددت يقينًا"، وكالغوث الأعظم([1]) -قدس سره- الذي كان يشاهد -وهو على الأرض- العرشَ الأعظم، وعظمة تَمثَال([2]) إسرافيل عليه السلام.
[1] يقصد عبد القادر الجيلاني.
[2] تَمثَال: تَمَثُّل.
156. صفحة
ثانيها: تصديق الجماعة المشهورة في العالمين الذين يطلق عليهم "الصحابة" متفقين مع الإيمان القوي الذي جعلهم يضحون بأنفسهم وأموالهم وآبائهم وعشيرتهم، هذه الجماعة التي كانت قومًا بدوًا يسكنون في بيئة أمية، وبعيدًا عن الحياة الاجتماعية، وخالين من الأفكار السياسية، ليس لهم كتاب، ويعيشون في ظلمات عصر الفترة، والذين أصبحوا في زمن قصير جدًّا أساتذة ومرشدين وساسة وحكامًا عادلين لأكثر الأمم والحكومات حضارة وعلمًا، وأرقاها في الحياة الاجتماعية والسياسية، والذين أداروا العالم من الشرق إلى الغرب إدارة أعجبت العالم.
ثالثها: تصديق الجماعة العظمى ممن لا يعد من العلماء المحققين المتبحرين الذين نشأوا في أمته، والذين لهم آلاف الأفراد في كل عصر، والذين تقدموا في كل علم بعبقرية، ويعملون في مجالات مختلفة، تصديقهم بالتوافق وبدرجة علم اليقين.
فحكم السائح أن شهادة هذه الشخصية -على صاحبها الصلاة والسلام- على الوحدانية ليست شهادة شخصية وجزئية، بل هي شهادة عامة وكلية لا تتزعزع، ولا تستطيع الشياطين أن تخرج لمجابهتها أبدًا ولو اجتمعوا عليها.
ولقد ذكر في "المرتبة السادسة عشرة" من "المقام الأول" إشارة قصيرة إلى هذا الدرس الذي تلقاه هذا السائح في الأرض ومسافر الحياة -الذي ساح بعقله في عصر السعادة- من تلك المدرسة النورانية، ما يلي: "لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ الوَاجِبُ الوُجُودِ الوَاحِدُ الأَحَدُ الَّذِي دَلَّ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِهِ فِي وَحْدَتِهِ فَخْرُ العَالَمِ وَشَرَفُ نَوْعِ بَنِي آدَمَ بِعَظَمَةِ سَلْطَنَةِ قُرْآنِهِ وجمال سعة دِينِهِ وَكَثْرَةِ كَمَالَاتِهِ وَعُلْوِيَّةِ أَخْلَاقِهِ حَتَّى بِتَصْدِيقِ أَعْدَائِهِ وَكَذَا شَهِدَ وَبَرْهَنَ بِقُوَّةِ مِئَاتِ مُعْجِزَاتِهِ الظَّاهِرَةِ البَاهِرَةِ المُصَدِّقَة المُصَدَّقَةِ وَبِقُوَّةِ آلَافِ حَقَائِقِ دِينِهِ السَّاطِعَةِ القَاطِعَةِ بِإِجْمَاعِ آلِهِ ذَوِي الأَنْوَارِ وَبِاتِّفَاقِ أَصْحَابِهِ ذَوِي الأَبْصَارِ وَبِتَوَافُقِ مُحَقِّقِي أُمَّتِهِ ذَوِي البَرَاهِينِ وَالبَصَائِرِ النَّوَّارَةِ".
ثم إن هذا الضيف الذي لا يتعب ولا يشبع، والذي علم أن غاية الحياة وحياة الحياة في هذه الدنيا هي الإيمان، خاطب قلبه قائلا: "لنرجع إلى الكتاب الموسوم بالقرآن المعجز البيان الذي هو كلام وقول من نبحث عنه، وهو أشهر كتاب
157. صفحة
وأنوره وأحكمه في هذه الدنيا، والذي يتحدى كل من لا يستسلم له في كل عصر، لنراجع هذا الكتاب ولنعلم ماذا يقول، ولكن يجب أولا أن نثبت أن هذا الكتاب هو كلام خالقنا"، فبدأ التحري.
وهذا السَّيَّاح ولأنه يعيش في هذا الزمان نظر أولاً إلى رسائل النور التي هي لمعات الإعجاز المعنوي للقرآن، ورأى أن رسائل النور -وهي مائة وثلاثون رسالة- نكاتٌ للآيات الفرقانية، وأضواء وتفاسير قوية متينة لها وأنه لم يستطع أن يعارضها أحد مع أنها نشرت الحقائق القرآنية في كل مكان بروح الجهاد والفروسية في هذا العصر العنيد الملحد إلى هذا الحد، وهذا يثبت أن القرآن الذي هو أستاذها ومنبعها ومرجعها وشمسها سماوي وليس كلام بشر، حتى إن "الكلمة الخامسة والعشرين" وختام "المكتوب التاسع عشر" -اللذين هما حجة قرآنية واحدة من بين مئات حجج رسائل النور- قد أثبتا أن القرآن معجز بأربعين وجهًا، بحيث إن كل من رآها لم يستطيع أن ينتقدها، ولا أن يعارضها، بل انبهر بإثباتاتها فاستحسنها، وأثنى عليها ثناء جميلاً.
وقد أحال السائح إثبات وجه إعجاز القرآن، وأنه كلام الله حقًّا إلى رسائل النور، ولكنه أنعم النظر في "بضع نقاط" تدل على عظمته بإشارة قصيرة فحسب.
النقطة الأولى: فكما أن القرآن بجميع معجزاته وبكل حقائقه الدالة على أنه حقٌّ، معجزة لمحمد كذلك فإن محمدًا بجميع معجزاته ودلائل نبوته وكمالاته العلمية معجزة للقرآن، وحجة قاطعة على أنه كلام الله.
النقطة الثانية: إن القرآن قد أحدث انقلابا في هذه الدنيا في نفوس الناس وقلوبهم وأرواحهم وعقولهم، وفي حياتهم الشخصية، وفي حياتهم الاجتماعية، وفي حياتهم السياسية، وأدامه وأداره مع تبديله الحياة الاجتماعية تبديلا نورانيا حقيقيا ملؤه السعادة؛ حيث تُتلى آياته البالغة ستة آلاف وستمائة وستًّا وستين آية في كل دقيقة منذ أربعة عشر قرنًا بكمال الاحترام بألسنة أكثر من مائة مليون شخص على الأقل، ويربي الناس ويزكي نفوسهم ويصفّي قلوبهم، ويمنح الأرواحَ انكشافا وترقيا، والعقولَ استقامة ونورا، والحياةَ حياة وسعادة.
158. صفحة
فلا شك أن كتابا كهذا ليس له مثيل، فهو خارق، ومعجزة، ولا نظير له.
النقطة الثالثة: إن القرآن قد أظهر بلاغةً منذ ذلك العصر إلى يومنا هذا، حتى إنه حطّ من قيمة القصائد الشهيرة المسماة بـ"المعلقات السبع" للأدباء المشهورين المكتوبة بالذهب والمعلقة على جدار الكعبة، حتى إن ابنة لبيد قالت حينما كانت تُنزِل قصيدة أبيها عن جدار الكعبة: "أما وقد جاءت الآيات فليس لمثلك هنا مقام".
ثم إن أديبا بدويًّا وأعرابيًا لما سمع الآية ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾(الحجر:94) تُتلى؛ خرّ ساجدًا، فقالوا له: "أأسلمت؟"، قال: "لا، بل سجدت لبلاغة هذه الآية".
ثم إن آلافًا من الأئمة العباقرة، والأدباء المتفنِّنين كعبد القاهر الجرجاني والسكاكي والزمخشري من دهاة علم البلاغة، قد قرروا بالإجماع والاتفاق أن بلاغة القرآن فوق طاقة البشر، ولا يمكن أن تُدرك.
ثم إنه منذ ذلك الوقت يتحدَّى دائمًا وباستمرار، ويضرب على الوتر الحساس للأدباء والبلغاء المغرورين الأنانيين، ويكسّر غرورهم، ويدعوهم إلى المعارضة قائلا لهم: فلتأتوا بسورة من مثله أو ارضوا بالهلاك والذل في الدنيا والآخرة.
إن اختيار البلغاء المعاندين في ذلك العصر طريقَ المحاربة الطويل الذي يعرِّض أموالهم وأرواحهم للخطر بعدم إتيانهم بسورة واحدة من مثله، وبتركهم المعارضة التي هي طريق قصير، على الرغم من إعلان القرآن ذلك التحدي؛ ليُثبت أن السير في ذلك الطريق القصير غير ممكن.
ثم إن هناك ملايين من الكتب العربية في متناول الأيدي والتي كُتبت منذ ذلك الوقت -وما زالت تكتب- بشوق من أحباء القرآن للتشبه به وتقليده، وبسوق من أعدائه للرد عليه ولنقده، والتي تتطور بتلاحق الأفكار وهي في متناول الأيدي، لا يستطيع أن يبلغ واحد منها القرآن أبدا.
وحتى لو استمع إليه رجل عادي لأقصى درجة لقال بلاشك: "إن هذا القرآن لا يشبه أيًّا من تلك الكتب، وليس في مرتبتها"، إذن فهو إما تحت الكل وإما فوق الكل، ولا يستطيع أن يقول أحد في الدنيا ولا أي كافر ولا حتى أي شخص أحمق إن
159. صفحة
القرآن تحت الجميع، إذن إن مرتبته البلاغية فوق الجميع، وحتى قد تلا رجل الآيةَ ﴿سَبَّحَ لِلهِ مَا فِي السَّمٰوَاتِ وَالأَرْضِ﴾(الحديد:1) فقال: "إني لا أستطيع أن أرى بلاغة هذه الآية التي يزعم أنها خارقة للعادة"، فقيل له: "ارجع إلى ذلك العصر كهذا السَّيَّاح واستمع إليها هناك"، فتخيل نفسه هناك قبل نزول القرآن، فرأى أن موجودات العالم في حالة تعسة مظلمة جامدة بلا شعور ولا وظيفة، في فضاء خال لا حدَّ ولا حدود له، وفي دنيا فانية لا قرار لها، وحينما كان يستمع إلى هذه الآية من لسان القرآن؛ رأى فجأة أن هذه الآية الكريمة أزاحت الستار عن الكون، وعن وجه الدنيا وأنارتها، حيث شاهد أن هذا النطق الأزلي وذاك الفرمان السرمدي يُلقي درسًا على ذوي الشعور المصطفّين في صفوف العصور، ويبيِّن أن هذا الكون مثل جامع كبير يحتوي على جميع المخلوقات -وفي مقدمتهم السماوات والأرض- في ذكر وتسبيح وعمل حيوي بشوق وهمة ونشاط سعيدةً راضيةً، وتذوّق درجة بلاغة هذه الآية، وقاس سائر الآيات على هذا، وفهم حكمةً من بين آلاف الحِكم لإدامة زمزمة بلاغة القرآن عظمةَ سلطنتها بكمال الاحترام أربعة عشرة قرنًا -بلا فاصلة- مهيمنةً على نصف الكرة الأرضية وخمس البشرية.
النقطة الرابعة: إن القرآن أظهر حلاوةً ذات حقيقة؛ إذ إن التكرار الكثير الذي يورث الملل حتى من أحلى شيء، لا يورث الملل لتالي القرآن، بل يزيد تكرارُ تلاوته من حلاوته عند من لم يتفسَّخْ([1]) قلبُه ومن لم يفسد ذوقُه، وهذا أمر مسلّم به عند الجميع منذ القديم، حتى أصبح في حكم المثل المضروب.
وكذلك أظهر القرآن الكريم طراوة وفتوة وشبابًا وغرابة حيث إنه يحافظ على طراوته وكأنه ينزل الآن، على الرغم من أنه عاش أربعة عشر قرنًا، ويدخل في متناول الجميع بسهولة، ويراه كلُ عصر في شباب وكأنه يخاطبه بالذات، وعلى الرغم من أن كل طائفة من الطوائف العلمية حملت معها منه بكثرة ومبذولية للاستفادة منه كل حين، واتبعت واقتدت بأسلوب بيانه؛ فهو يحافظ على الغرابة بعينها في أسلوبه وطرز بيانه.
[1] يتفسخ: يفسد.
160. صفحة
النقطة الخامسة: كما أن أحد جناحي القرآن في الماضي والآخر في المستقبل، وكما أن جذره وأحد جناحيه هما الحقائق المتفق عليها الأنبياء السابقون، وكما أن هذا يصدّقهم ويؤيدهم، وهم أيضا يصدّقون به بلسان حال التوافق؛ فكذلك تشهد جميع الطرق الصوفية الحقة للولاية التي تَربَّت وعاشت تحت حماية الجناح الثاني للقرآن الذي يدل على أن شجرته المباركة منعشة وفياضة ومدار للحقيقة بالثمار التي تستمد حياتها منه كالأولياء والأصفياء وبتكمّلهم المنعش، وجميع العلوم الحقيقية للإسلام؛ أن القرآن عين الحق، ومجمع الحقائق، وأنه فذٌّ لا مثيل له في جامعيته.
النقطة السادسة: إن الجهات الست للقرآن نورانية تدل على صدقه وحقانيته.
أجل؛ وكما أن أعمدة الحجج والبراهين التي تحته، ولمعات ختم الإعجاز التي فوقه، وهدايا سعادة الدارين في هدفه التي أمامه، وحقائقُ الوحي السماوي التي هي نقطةُ استناده والتي هي وراءه، وتصديقاتُ العقول المستقيمة غير المحدودة بدلائلها التي في يمينه، والاطمئنان الجاد للقلوب السليمة والضمائر النظيفة وانجذابها الخالص واستسلامها التي في شماله، تثبت كلها أن القرآن حصن سماوي حصين في الأرض وخارق للعادة ولا يمكن المساس به؛ فكذلك هناك ستة مقامات تُوقّع على([1]) أن القرآن عين الحق، وأنه صادق وليس بكلام البشر، وأنه ليس فيه خطأ، وذلك أن مصرف هذا الكون -أولا- الذي اتخذ إظهار الحسن والجمال دائمًا في هذا الكون، وحماية الصلاح والصدق، ومَحْق وإزالة الخادعين والمفترين سُنَّةً من سننه، ودستورًا للنشاط؛ يوقّع عليه ويصدق به بمنحه لهذا القرآن في العالم أرجى وأعلى مقام احترام ومرتبة توفيق.
وكذلك اعتقاد الرسول الأكرم -عليه الصلاة والسلام- الذي هو منبع الإسلام وترجمان القرآن واحترامه له أكثر من أي شخص آخر، ودخوله في حالة شبيهة بالنوم حين نزوله، وعدم بلوغ سائر كلامه شأوه، وعدم مشابهته إياه إلى حد ما، وبيانه بالغيب -على الرغم من أميته- الحادثات الكونية الحقيقية الماضية
[1] توقع على: تشهد، وتصدق، وتعترف بـ.
161. صفحة
والمستقبلية بالقرآن بلا تردد وباطمئنان، وإيمان وتصديق هذا الترجمان -الذي لم يظهر منه أي خداع وأية حالة خطأ تحت مراقبة عيون حادة جدًا- بكل حكم من أحكام القرآن بكل قوته، وعدم زعزعة أي شيء له، كل هذا يوقّع على أن القرآن سماوي وحقٌ وكلام مبارك لخالقه الرحيم.
وكذلك إن ارتباط خمس النوع البشري، بل القسم الأعظم منهم بهذا القرآن الماثل أمامهم منجذبين ومتدينين، وإنصاتهم إليه متبعين ومحبين حقائقه ومشتاقين إليه، واجتماع واحتشاد الجن والملائكة والروحانيين حوله عند تلاوته كالفراشة ناشدين الحقيقة بشهادة الأمارات الكثيرة والوقائع والكشفيات؛ لهو توقيع على أن القرآن مقبول لدى الكائنات، وأنه في أعلى وأسمى مقام.
وكذلك إن أخْذَ كل طبقة من طبقات البشرية -من أغباهم إلى أذكاهم، ومن أجهلهم إلى أعلمهم- نصيبهم كاملاً من درس القرآن، وفهْمَهم أعمق الحقائق، واستخراج كل طائفة -كمئات من المجتهدين الكبار للمعارف الإسلامية وعلومها وبالأخص للشريعة الكبرى وكالمحققين الدهاة لأصول الدين وعلم الكلام- جميعَ حاجاتهم وأجوبتهم المتعلقة بعلومهم؛ لتوقيع على أن القرآن منبع الحق ومعدن الحقيقة.
وكذلك إن عجز أدباء العرب المتقدمين في الأدب عن أن يأتوا حتى الآن بسورة من مثله من حيث البلاغة، وهو وجه واحد من بين وجوه إعجاز القرآن مع أن هناك سبعة أوجه كبرى لإعجاز القرآن، على الرغم من أنهم في أمس الحاجة إلى المعارضة، وإن عجْزَ البلغاء المشهورين والعلماء الدهاة منذ نزوله حتى يومنا هذا، والذين أرادوا أن يكتسبوا الشهرة بالمعارضة عن مضاهاة أي وجه من وجوه إعجازه، وسكوتَهم عاجزين؛ لتوقيعٌ على أن القرآن معجزة وفوق طاقة البشر.
أجل؛ إنه لا يمكن أن يكون للقرآن نظير من حيث إن الكلام يكتسب قيمة وعلوًا وبلاغة باعتبار "من قاله" و"لمن قاله" و"لماذا قاله"، ولا يمكن بلوغ منزلته؛ لأن القرآن خطاب رب وخالق العالمين جميعًا، وكلامه، ومكالمته التي ليست فيها أية أمارة تُشعر بالتقليد والتصنع بأية حال من الأحوال، ولا شك أنه لا يمكن
162. صفحة
الإتيان بمثل هذا القرآن المعجز البيان الذي له مبعوث باسم جميع الناس، بل باسم جميع المخلوقات، ومخاطب هو أكثر البشر صيتا وشهرة، وترشَّح دينُ الإسلام العظيم من قوة وسعة إيمانه، والذي عَرج بذلك المخاطب إلى مقام "قاب قوسين"، ونزل به فائزًا بالمخاطبات الصمدانية، والذي يبيِّن ويوضِّح المسائلَ المتعلقة بسعادة الدارين، وبنتائج خلق الكون، وبالمقاصد الربانية فيه، والإيمانَ الأعلى والأوسع -الذي يحمل جميع الحقائق الإسلامية- لهذا المخاطب، والذي يُري ويُقلِّب كل أنحاء الكون الضخم كخريطة أو ساعة أو منزل، ويوضح ويعلّم أطوارَ صانعه، ولا شك كذلك أنه لا يمكن البلوغ إلى درجة إعجازه.
وكذلك إن إظهار وإثبات آلاف من العلماء العباقرة المدققين الماهرين -الذين فسّروا القرآن، وبعضهم ألّف تفسيرًا يتكون من ثلاثين أو أربعين مجلدًا بل حتى سبعين مجلدًا- المزايا والنكات والخاصيات والأسرار، والمعاني العالية غير المحدودة، والأخبار الغيبية الكثيرة في القرآن من كل نوع من أنواع الأمور الغيبية، وبيانها بسندها وأدلتها، وبالأخص إثبات كل كتاب من مائة وثلاثين كتابًا لرسائل النور مزيةً ونكتةً للقرآن ببراهين قاطعة، ولاسيما رسالة "المعجزات القرآنية" والمقام الثاني من "الكلمة العشرين" الذي استخرج من القرآن أشياء كثيرة من خوارق المدنية مثل القطار والطائرة، و"الشعاع الأول" المسمى بـ"الإشارات القرآنية" الذي يبيِّن إشارات الآيات المشيرة إلى الكهرباء، والرسائل الثمانية الصغيرة المسماة بـ"الرموزات الثمانية" التي تبيِّن كيف أن الحروف القرآنية منسقة تنسيقا بديعا وذات أسرار ومعان ومغزى، ورسالة صغيرة تثبت إعجاز آخر آية من سورة الفتح بخمسة وجوه من حيث الإخبار الغيبي، وإظهارَ كل جزء من أجزاء رسائل النور حقيقةً من حقائق القرآن ونورًا من أنواره؛ كل ذلك توقيع على أنه ليس للقرآن مثيل، وأنه معجزة وخارقة للعادة، وأنه لسان عالم الغيب في عالم الشهادة هذا، وكلام علاّم الغيوب.
فلأجل تلك المزايا والخصائص المذكورة للقرآن والمشار إليها في النقاط الست والجهات الست والمقامات الست؛ تُضيء حاكميتُه النورانية الجليلة
163. صفحة
وسلطنتُه القدسية العظيمة وجه العصور، وتُنير وجه الأرض أيضًا باستمرار وبكمال الاحترام لمدة ألف وثلاثمائة سنة.
ولأجل خصائصه تلك فإن القرآن الكريم قد اكتسب ميزات قدسية كوجود عشرة ثوابات وعشر حسنات على الأقل لكل حرف من حروفه، وإثماره عشر ثمار باقية، وحتى إثمار كل حرف من حروف بعض الآيات والسور مائة أو ألفًا من الثمار أو أكثر من ذلك، وازدياد نور كل حرف وثوابه وقيمته في بعض الأوقات المباركة من العشرة إلى المئات.
وهكذا فهم سَيّاح العالم وخاطب قلبه قائلاً: "إن هذا القرآن المعجز بكل وجه من الوجوه قد شهد مُثبِتا بالدلائل على وجود واجب الوجود الواحد الأحد ووحدته وصفاته وأسمائه، بإجماع سوره، وباتفاق آياته، وتوافق أسراره وأنواره، وتطابق ثماره وآثاره، حتى إن الشهادات غير المحدودة لأهل الإيمان جميعًا ترشَّحتْ من شهادته هو".
وقد ذُكر في "المرتبة السابعة عشرة" من "المقام الأول" كإشارة قصيرة إلى ما أخذه هذا السائح من درس التوحيد والإيمان من القرآن؛ ما يلي: "لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ الوَاجِبُ الوُجُودِ الوَاحِدُ الأَحَدُ الَّذِي دَلَّ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِهِ فِي وَحْدَتِهِ القُرْآنُ الْمُعْجِزُ البَيَانِ الْمَقْبُولُ الْمَرْغُوبُ لأَجْنَاسِ المَلَكِ وَالإِنْسِ وَالجَانِّ الْمَقْرُوءَةُ كُلُّ آيَاتِهِ فِي كُلِّ دَقِيقَةٍ بِكَمَالِ الاحْتِرَامِ بِأَلْسِنَةِ مِئَاتِ الْمَلَايِينِ مِنْ نَوْعِ الإِنْسَانِ، الدَّائِمةُ سَلْطَنَتُهُ الْقُدْسِيَّةُ عَلَى أَقْطَارِ الأَرْضِ وَالأَكْوَانِ، وَعَلَى وُجُوهِ الأَعْصَارِ وَالزَّمَانِ، وَالْجَارِيَةُ حَاكِمِيَّتُهُ الْمَعْنَوِيَّةُ النُّورَانِيَّةُ عَلَى نِصْفِ الأَرْضِ وَخُمْسِ الْبَشَرِ فِي أَرْبَعَة عَشْرَ عَصْرًا بِكَمَالِ الاِحْتِشَامِ([1])، وَكَذَا شَهِدَ وَبَرْهَنَ بِإِجْمَاعِ سُوَرِهِ الْقُدْسِيَّةِ السَّمَاوِيَّةِ، وَبِاتِّفَاقِ آيَاتِهِ النُّورَانِيَّةِ الإِلَهِيَّةِ، وَبِتَوَافُقِ أَسْرَارِهِ وَأَنْوَارِهِ، وَبِتَطَابُقِ حَقَائِقِهِ وَثَمَرَاتِهِ وَآثَارِهِ بِالْمُشَاهَدَةِ وَالْعَيَانِ".
ثم إن هذا السائح المذكور وعابر سبيل الحياة الذي عرف أن الإيمان -الذي يُكسب الإنسانَ الفقيرَ ليس مزرعةً ومنزلاً فانيًا ومؤقتًا بل الكونَ بأكمله ومُلكًا
[1] كلمة تركية تعني العظمة.
164. صفحة
باقيًا بقدر الدنيا، ويُوفِّر لإنسان فانٍ لوازم حياة أبدية، ويُنقذ من الإعدام الأبدي الشخصَ المسكين الذي ينتظر مشنقة الأجل، ويفتح كنز السعادة الأبدية- هو أغلى وأثمن رأس مال الإنسان، خاطب نفسه قائلاً: "هيا بنا نتقدَّم؛ إذ يجب أن نطَّلع على مجموع الكون حتى نكتسب مرتبة أخرى من مراتب الإيمان غير المحدودة، وعلينا أن نستمع إليه ماذا يقول، ونُكمِّل وننوّر الدروس التي أخذناها من أركانه وأجزائه" ونظر بمنظار واسع جامع أخذه من القرآن، فرأى أن هذا الكون ذو معنى، وأنه بديع منسّق؛ حيث إنه يبدو ككتاب مجسَّم سبحاني، وقرآن جسماني ربّاني، وقصر مزين صمداني، وبلدة رحمانية منتظمة، وكما أن جميع سور هذا الكتاب وآياته وكلماته وحتى حروفه وأبوابه وفصوله وصفحاته وسطوره، ومحو كل هذا وإثباته كل حين وبصورة ذات معنى ومغزى، وتغييرها وتحويلها بصورة حكيمة، تبيِّن بالبداهة وبالإجماع وجودَ وموجوديةَ عليم بكل شيء، وقدير على كل شيء، ومصنِّف ونقاشٍ ذي جلال، وكاتب ذي كمال بصير بكل شيء في كل شيء، وعليم يراعي مناسبات وعلاقات كل شيء مع كل شيء؛ فكذلك تبيِّن -بالاتفاق- بكل أركانه وأنواعه وأجزائه وجزئياته وسكانه ومشتملاته ووارداته وصرفياته، وما فيها من تبديلاته ذات المصالح وتجديداته ذات الحِكم وجودَ ووحدةَ صانع بنَّاء رفيع يعمل بقدرة لا حد لها، وحكمة لا نهاية لها، وصانع لا مثيل له، وتُثبت شهادةُ "الحقيقتين الاثنتين العظيمتين الواسعتين" المناسبةُ لعظمة الكون، تلك الشهادةَ العظيمةَ للكون.
الحقيقة الأولى: إنها حقائق "الإمكان" و"الحدوث" التي رآها العلماء العباقرة لأصول الدين وعلم الكلام والحكماء الإسلاميون، وأثبتوها ببراهين لا حد لها؛ حيث قالوا: "بما أن هناك تغيرًا وتبدلاً في العالم وفي كل شيء؛ فلا شك أنه فان وحادث، ولا يكون قديمًا، وبما أنه حادث؛ فلا شك أن هناك صانعًا يُحدثه، وبما أن كل الأشياء سواسية إن لم يكن هناك سبب "وجودي" أو "عدمي" في ذاته؛ فلا شك أنه لا يمكنه أن يكون واجبًا وأزليًّا، وبما أنه قد أُثبت بالبراهين القاطعة عدم إمكانية إيجاد الأشياء بعضها بعضًا بـ"الدور"
165. صفحة
و"التسلسل" اللذين هما محالان وباطلان؛ فلا شك أنه يلزم وجود واجب الوجود حيث إن نظيره ممتنع، ومثيله محال، وما عداه جميعًا "ممكن"، وما سواه قاطبة "مخلوقه".
نعم؛ إن حقيقة الحدوث قد استولت على الكون، فالعين ترى معظمَها، والعقلُ يرى القسم المتبقى منها؛ لأن عالَمًا يموت أمام أعيننا كل سنة في فصل الخريف؛ حيث يموت معه مائة ألف نوع من النباتات والحيوانات الصغيرة التي لكل نوع منها أفراد لا حد لهم، وكلُّ واحد منها في حكم كون ذي حياة، ولكنهم يموتون في انتظام بحيث يتركون بديلا لهم -في الربيع- نويات وبذورًا وبويضات هي مدار لحشرهم ونشرهم، ومعجزاتٌ للرحمة والحكمة، وخوارقُ وبدائعُ للقدرة والعلم، ويسلِّمون لها سجل أعمالهم وبرامج الوظائف التي يقومون بها، ويُودِعُونَها أمانةً عند حكمة الحفيظ ذي الجلال وتحت حمايته، ثم يموتون، وتُحيا تلك الأشجار والجذور وقسم من الحيوانات الميتة بعينها في فصل الربيع كمائة ألف مثال ونموذج ودليل على الحشر الأعظم، فتَحيا، وتوجد وتُحيا بدلاً من قسم منها أمثالُها التي تشبهها تمامًا، وإن موجودات الربيع الماضي تنشر -كإعلانات- صحف أعمالها ووظائفها التي قامت بها، وتُظهر نموذجا للآية ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾(التكوير:10).
ومن جهة مجموع أنواع النباتات والحيوانات يموت عالم عظيم في كل خريف، وفي كل ربيع، فيأتي عالم طريٌّ ندي إلى الوجود، وتجري في هذا الموت وذلك الحدوث وفاة وحدوث أنواع كثيرة بانتظام ونظام كاملين بكثرة ووفرة، حتى كأن الدنيا دار ضيافة، وكأن الكائنات ذات الحياة تنزل فيها ضيفا، والعوالم السيَّاحة والدُّنا السيَّارة تأتي إليها وتُؤدي وظائفها وتمضي.
إنه بالبداهة يتراءى للعقول كالشمس وجوبُ وجود ذي جلال، وقدرتُه غير المحدودة، وحكمتُه غير المتناهية، يُحدث ويُوجد في هذه الدنيا الدنا ذات الحياة كهذه، والكائنات ذات الوظائف بكمال العلم والحكمة والميزان والموازنة والانتظام والنظام، ويستعملهم بقدرة، ويستخدمهم برحمة في مقاصد ربانية،
166. صفحة
وغايات إلهية، وخدمات رحمانية، وإننا نختم هذا البحث محيلين مسائل الحدوث إلى رسائل النور، وإلى كتب المحققين لعلم الكلام.
وأما قضية "الإمكان" فهي كذلك قد استولت على الكون وأحاطت به؛ إذ إننا نرى أن كل شيء -جزئيًّا كان أو كليًّا، صغيرًا كان أو كبيرًا- وكل موجود من العرش إلى الفرش، ومن الذرات إلى الكواكب يُبعث إلى الدنيا بذات مخصوصة، وبصورة معينة، وبشخصية مميزة، وبصفات خاصة، وبكيفيات ذات حكم، وبجهازات ذات منافع.
والحال أن منح تلك الخاصية لهذه الذات الخاصة ولتلك الماهية من بين إمكانات غير محدودة، وإلباس تلك الصورة المناسبة المعينة ذات النقوش والعلامات الفارقة من بين إمكانات واحتمالات بعدد الصور، وتخصيص تلك الشخصية اللائقة بامتياز لهذا الموجود المتقلب بين إمكانات كثيرة بعدد أفراد بني جنسه، وغرس تلك الصفات الخاصة والملائمة وذات المصالح لهذا المصنوع الذي لا شكل له والمتردد ضمن إمكانات واحتمالات بعدد أنواع الصفات ومراتبها، ووضع وتقليد تلك الكيفيات ذات الحكم والأجهزة المساعدة لهذا المخلوق المتحير السائب بلا هدف ضمن إمكانات واحتمالات لا حدَّ لها من حيث إمكان وجوده حسب طرق وأنواع لا حد لها؛ أقول لا شك أن تلك الإشارات والدلالات والشهادات -بعدد كل الممكنات كلية كانت أو جزئية، وبعدد إمكان ماهية كل ممكن وهويته وهيئته وصورته وصفته ووضعه المذكور- على وجوب وجود واحدٍ واجب الوجود مخصِّص مرجِّح معيِّن محدِث، وعلى قدرته غير المحدودة، وعلى حكمته غير النهائية، وأنه لا يخفى عليه شيء أو شأن، ولا يعجزه شيء، وأكبر شيء سهل عليه كأصغر شيء، ويستطيع أن يوجِد الربيع بسهولة إيجاد الشجرة، ويوجِد الشجرة بسهولة إيجاد النواة؛ أقول لا شك أنها تصدر من حقيقة "الإمكان" وتُشكِّل أحدَ جناحي هذه الشهادة العظيمة للكون.
ولأن أجزاء رسائل النور، وخاصة "الكلمة الثانية والعشرين" و"الثانية والثلاثين" و"المكتوب العشرين" و"الثالث والثلاثين"، قد أثبتتْ وأوضحتْ تمامًا شهادةَ الكون وكِلا جناحيها بحقيقتيها؛ اختصرنا هنا هذه القصة الطويلة جدا محيلين إليها.
167. صفحة
الحقيقة الثانية التي تثبت الجناح الثاني للشهادة العظيمة الكلية الصادرة عن مجموع الكون:
إنه تُشاهَد ضمن هذه الانقلابات والتحولات المضطربة المتقلبة دائما حقيقةُ التعاون عند مخلوقات تسعى للحفاظ على وجودها وخدماتها، ولأداء وظائفها، للحفاظ على حياتها إن كانت لها حياة، وذلك التعاون فوق طاقة تلك المخلوقات كليا.
فمثلاً: إن الأمثلة الكثيرة التي تَحدث بالتسخير الرباني والاستخدام الرحماني لِحقيقة التعاون؛ كسعي العناصر لإمداد ذوي الحياة، وخصوصًا سعي الغيوم لإمداد النباتات، وسعي النباتات لمساعدة الحيوانات، وسعي الحيوانات لمعاونة الناس، وسعي ألبان الأثداء كالكوثر لتغذية الصغار، وتسليم الاحتياجات الكثيرة لذوي الحياة وأرزاقهم -وذلك فوق طاقاتهم- إلى أيديهم من حيث لا يحتسبون، وحتى سعي ذرَّاتِ الطعام لتصليح خلايا الجسم، لتدل كلها مباشرة على الربوبية العامة والرحيمة لرب العالمين الذي يدير الكون كله كقصر.
أجل؛ إن المتعاونين الجامدين الذين لا شعور لهم، ولا شفقة، والذين يتخذون مواقف ذات شفقة وشعورية تجاه بعضهم بعضًا؛ لا شك أنهم يساقون للسعي لمعاونة بعضهم بعضًا بقوةِ ربٍّ رحيم وحكيم ذي جلال، وبرحمته وأمره.
إن شهادات حقائق عظيمة جدا كـ "التعاون العام" الجاري في الكون، و"الموازنة العامة" و"المحافَظة الشاملة" الجارية بكمال الانتظام فيه ابتداءً من الكواكب وانتهاء إلى أعضاء ذوي الحياة وأجهزتهم وذراتهم، و"التزيين" المُحرِّك قلمَه في الأشياء ابتداء من الوجه المزيَّن للسماوات، والوجه المزين للأرض وانتهاء إلى الوجوه الجميلة للزهور، و"التنظيم" الحاكم على الأشياء ابتداء من درب التبانة والمنظومة الشمسية وانتهاء إلى الثمار كالذُّرة والرمان، و"التوظيف" الذي يعطي الوظائف للأشياء ابتداء من الشمس والقمر والعناصر والغيوم وانتهاء إلى النحل، لتثبت وتُشكِّل الجناح الثاني لشهادة الكون حسب عظمة تلك الحقائق.
168. صفحة
بما أن رسائل النور قد أثبتت وأوضحت تلك الشهادة العظيمة؛ فنحن نكتفي هنا بهذه الإشارة القصيرة، وقد ذُكر في "المرتبة الثامنة عشرة" من "المقام الأول" كإشارة قصيرة إلى ما أخذه سَيَّاح العالم من درس إيماني من الكون ما يلي: "لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ الوَاجِبُ الوُجُودِ الْمُمْتَنِعُ نَظِيرُهُ الْمُمْكِنُ كُلُّ مَا سِوَاهُ الوَاحِدُ الأَحَدُ الَّذِي دَلَّ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِهِ فِي وَحْدَتِهِ هذِهِ الكَائِنَاتُ الكِتَابُ الكَبِيرُ الْمُجَسَّمُ وَالْقُرْآنُ الْجُسْمَانِيُّ الْمُعَظَّمُ والقَصْرُ الْمُزَيَّنُ الْمُنَظَّمُ وَالْبَلَدُ الْمُحْتَشَمُ([1]) الْمُنْتَظَمُ بِإِجْمَاعِ سُوَرِهِ وَآيَاتِهِ وَكَلِمَاتِهِ وَحُرُوفِهِ وَأَبْوَابِهِ وَفُصُولِهِ وَصُحُفِهِ وَسُطُورِهِ وَاتِّفَاقِِ أَرْكَانِهِ وَأَنْوَاعِهِ وَأَجْزَائِهِ وَجُزْئِيَّاتِهِ وَسَكَنَتِهِ وَمُشْتَمِلَاتِهِ وَوَارِدَاتِهِ وَمَصَارِفِهِ بِشَهَادَةِ عَظَمَةِ إِحَاطَةِ حَقِيقَةِ الْحُدُوثِ وَالتَّغْيِيرِ وَالإِمْكَانِ بِإِجْمَاعِ جَمِيعِ عُلَمَاءِ عِلْمِ الْكَلَامِ وَبِشَهَادَةِ حَقِيقَةِ تَبْدِيلِ صُورَتِهِ وَمُشْتَملَاتِهِ بِالْحِكْمَةِ وَالاِنْتِظَامِ وَتَجْدِيدِ حُرُوفِهِ وَكَلِمَاتِهِ بِالنِّظَامِ وَالْمِيزَانِ وَبِشَهَادَةِ عَظَمَةِ إِحَاطَةِ حَقِيقَةِ التَّعَاوُنِ وَالتَّجَاوُبِ وَالتَّسَانُدِ وَالتَّدَاخُلِ وَالْمُوَازَنَةِ وَالْمُحَافَظَةِ فِي مَوْجُودَاتِهِ بِالْمُشَاهَدَةِ وَالْعَيَانِ".
ثم إن هذا السائح -المشتاق الشغوف لزيادة المعرفة- الذي قدم إلى العالم يبحث عن خالقه، والذي صعد المراتب الثماني عشرة وبلغ عرش الحقيقة، وترقى بالمعراج الإيماني من المعرفة الغيابية إلى مقام الحضور والخطاب؛ خاطب روحه قائلا:
كما أنه بعد المدح والثناء الغيابيين في بداية الفاتحة الشريفة يبدأ العبد الحضور بكلمة "إياك"، ويرقى إلى خطابها؛ فإن علينا نحن أيضًا أن نترك البحث الغيابي، ونسألَه هو عن نفسه مباشرة؛ إذ ينبغي سؤال الشمس التي تكشف كلّ شيء عن ذاتها لا غيرها.
أجل؛ إن الذي يُظهر كلّ شيء؛ يُظهر نفسَه أكثر من كلّ شيء، إذن يمكن أن نحاول معرفة خالقنا بأسمائه الحسنى وصفاته القدسية حسب قابليتنا، مثلما نرى الشمس ونعرفها عن طريق أشعتها.
[1] المحتشم: كلمة تركية تعني العظيم الرائع.
169. صفحة
سنبين في هذه الرسالة طريقين من الطرق غير المحدودة لهذا المقصد، ومرتبتين من المراتب غير المحدودة لهذين الطريقين، وحقيقتين من الحقائق الكثيرة لهاتين المرتبتين ومن تفاصيلهما الطويلة جدًّا بإجمال واختصار.
الحقيقة الأولى: وهي حقيقة "الفعالية المستولية" المحيطة الدائمة البديعة المتقنة المنتظمة الهائلة المشاهدة بالعيان، والتي تدبر جميع الموجودات السماوية والأرضية وتبدلها وتجددها، وتحيط بالكون.
وهي الشعور بالبداهة بحقيقة "ظهور الربوبية" ضمن حقيقة "الفعالية" الحكيمة بجميع الوجوه.
وهي معرفة حقيقة "تجلي الألوهية" بالضرورة ضمن حقيقة "ظهور الربوبية" المشعة بالرحمة بكل الوجوه.
وهكذا فإن مِن هذه "الفعالية الدائمة" المهيمنة الحكيمة ومِن وراء ستارها؛ تُستشعَر أفعال الفاعل القدير العليم كما لو أنها مرئيةٌ.
ومن "الأفعال الربانية" المتسمة بالتربية والتدبير ومن وراء ستارها؛ تُعرَف بداهةً وبدرجة الإحساس الأسماءُ الإلهية التي لها تجليات في كلّ شيء.
ومن "الأسماء الحسنى" التي تتجلى بجلالٍ وجمال ومن وراء ستارها؛ يُعرَف وجودُ الصفات السبع القدسية وتحققُها بدرجة علم اليقين، بل بعين اليقين، بل بحق اليقين.
وبتجليات هذه "الصفات السبع" القدسية غير المتناهية والتي هي الحياة والقدرة والعلم والسمع والبصر والإرادة والكلام، يُعرَف معرفةً يقينية بالبداهة وبالضرورة وبعلم اليقين وجودُ الموصوف بواجب الوجود، والمسمى بالواحد الأحد والفاعل الفرد الصمد كما تشهد بذلك جميع المصنوعات، يُعرف كل ذلك معرفة قاطعة أظهرَ من الشمس وأسطع منها تظهر لعين الإيمان التي في القلب.
ذلك لأن الكتاب المخطوط الجميل الحكيم، والمـَنزِل المتقن البديع، يستلزمان بداهةً فِعْلَيْ الكتابة والبناء؛ وفعلا الكتابة الجميلة والبناء المتقن يستلزمان بالبداهة
170. صفحة
اسمَي الكاتب والبنّاء؛ واسما الكاتب والبنّاء يستلزمان بداهةً صنعتي الكتابة والبناء وصفتيهما؛ وهاتان الصنعتان والصفتان تستلزمان لامحالة وبالبداهة وجود من هو فاعل ومسمى وصانع وموصوفٌ، وكما أنه لا يمكن أن يكون فعلٌ بلا فاعل ولا اسمٌ بلا مسمى؛ فإنه لا يمكن أيضًا أن تكون الصفة بلا موصوف، والصنعة بلا صانع.
وبناء على هذه القاعدة الحقيقية فإن هذا الكون بجميع موجوداته بمنزلة كتب ورسائل حكيمة غير محدودة مكتوبة بقلم القدر، ومبانٍ وقصور غير متناهية مبنية بمطرقة القدرة؛ حيث يشير كلّ واحد منها فردًا فردًا بآلاف الوجوه، وتشير كلها مجتمعةً بوجوهٍ غير متناهية إشاراتٍ غير محدودة إلى الأفعال الربانية والرحمانية غير المحدودة، وإلى ألف اسمٍ واسم من الأسماء الإلهية الحسنى -التي هي منشأ تلك الأفعال- وإلى جميع تجلياتها، وإلى هذه الصفات السبع السبحانية -التي هي منبع تلك الأسماء الحسنى- وإلى جميع تجلياتها غير المتناهية، وإلى وجوب وجود ووحدة ذاتٍ جليلة أزلية وأبدية هي معدن تلك الصفات السبع المحيطة القدسية وموصوفها وتشهد وشهاداتٍ غير متناهية عليها.
كذلك فإن جميع أنواع الحسن والجمال والنفاسة والكمال الموجودة في جميع تلك الموجودات هي الأخرى تشهد على ما في الأفعال الربانية والأسماء الإلهية والصفات الصمدانية والشؤون السبحانية من جمالٍ وكمال قدسي يليقان بها.
وهذه الحقائق المذكورة آنفًا كلها مجتمعةً تشهد بالبداهة على الجمال والكمال القدسيين للذات الأقدس.
وهكذا فإن "حقيقة الربوبية" التي تتجلى ضمن حقيقة الفعالية تُظهِر نَفسَها وتُعرّفها بشؤونها وتصرفاتها من أمثال الخلق والإيجاد والصنع والإبداع المتسمة بالعلم والحكمة، والتقدير والتصوير والتدبير والتدوير المتسمة بالنظام والميزان، والتحويل والتبديل والتنزيل والتكميل المتسمة بالقصد والإرادة، والإطعام والإنعام والإكرام والإحسان المتسمة بالشفقة والرحمة.
وإن حقيقة "تجلي الألوهية" التي تُستشعَر بداهةً ضمن ظهور الربوبية وتوجد فيها، هي الأخرى تُعرّف وتخبر عن نفسها بالتجليات الرحيمة والكريمة للأسماء
171. صفحة
الحسنى، وبالتجليات الجلالية والجمالية للصفات السبع الثبوتية التي هي: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام.
أجل؛ كما أن صفة الكلام تعرّف الذات الأقدس سبحانه وتعالى بالوحي والإلهامات، فإن صفة القدرة تخبر عنه بآثارها البديعة التي هي بمنزلة كلماتها المجسمة، وتُظهِر الكونَ من أقصاه إلى أقصاه في ماهية الفرقان المجسم، فتُعرّف القديرَ ذا الجلال وتصفه، وإن صفة العلم تعرّف -بعدد جميع المصنوعات الحكيمة المنتظمة المتقنة الموزونة، وبعدد جميع المخلوقات التي تُدَار وتُدبّر وتُزيَّن وتُميَّز بالعلم- الواحدَ الأقدس الموصوف بهذه الصفات.
أما صفة الحياة فإن جميع الآثار التي تخبر عن القدرة، وجميع الصور والأحوال المنتظمة البديعة الحكيمة الموزونة المزينة التي تنبئ عن وجود العلم، وجميع الدلائل التي تخبر عن سائر الصفات مع دلائل صفة الحياة؛ تدل على تحقق صفة الحياة، فالحياة نفسها بجميع دلائلها تُعرِّف الحي القيوم مشهِدةً جميع الأحياء التي هي مراياها، وتحوّل الكون من أقصاه إلى أقصاه إلى مرآةٍ كبرى مركَّبةٍ من مرايا غير محدودة تتبدل وتتجدد دائمًا من أجل إظهار التجليات والنقوش المختلفة المتجددة كلّ وقت.
وبناء على هذا القياس فإن صفات البصر والسمع والإرادة والكلام، كلّ واحدة منها تدل على الذات الإلهية القدسية وتعرفها بقدر دلالة الكون عليها وتعريفه بها.
وكما أن هذه الصفات تدل على وجود الله ذي الجلال؛ فإنها تدل كذلك بالبداهة على وجود الحياة وتحققها وعلى أن الله تعالى حيّ؛ لأن العلم علامة الحياة، والسمع أمارة لها، والبصر خاص بالأحياء، والإرادة تتم بالحياة، والقدرة الاختيارية تخص الأحياء، والتكلم فهو كذلك من شأن ذوي الأحياء الذين يعلمون.
وهكذا فيتبين من هذه النقاط أن صفة الحياة لها دلائل وبراهين تُعرّف نفسها وتعرف الموصوف بها بقدر سبعة أضعاف للكون؛ حتى أصبحت أساس جميع الصفات ومنبعها، ومصدر الاسم الأعظم ومحوره.
172. صفحة
ولما كانت رسائل النور قد أثبتت إلى حد ما هذه "الحقيقة الأولى" وأوضحتها ببراهين قوية؛ فإننا نكتفي حاليًّا بهذه القطرة المذكورة من هذا البحر.
الحقيقة الثانية: هي التكلم الإلهي الذي هو تجلي صفة الكلام؛ فكلام الله تعالى لا نهاية له بسرّ الآية الكريمة ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ إلخ (الكهف:109)؛ إذ إن أظهر علامةٍ على وجود شخصٍ هو تكلمه، أي: إن هذه الحقيقة تشهد شهاداتٍ لا حد لها على وجود المتكلم الأزلي ووحدته.
وقد ذُكرت شهادتان قويتان لهذه الحقيقة، وهما شهادتا أنواع "الوحي" و"الإلهام" المبيَّنَة في المرتبة "الرابعة عشرة" و"الخامسة عشرة" من هذه الرسالة، وذكرت شهادة أخرى واسعة وهي شهادة الكتب السماوية المقدسة التي أشير إليها في"المرتبة العاشرة"من هذه الرسالة، وهنالك شهادة أخرى ساطعة جامعة، وهي شهادة القرآن المعجز البيان التي ذكرت في "المرتبة السابعة عشرة" من هذه الرسالة، فنحيل بيان هذه الحقيقة وشهادتها إلى تلك المراتب.
ولما كانت أنوار الآية الكريمة المعظمة ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إلٰهَ إلَّا هُوَ وَالمَلَائِكَةُ وَأُولُوا العِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إلٰهَ إلَّا هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾(آل عمران:18) وأسرارُها التي أَعلنت عن هذه الحقيقة إعلانًا معجزًا، وبيّنت شهادتها مع شهادة سائر الحقائق؛ كافيةً ووافيةً لسائحنا، فإنه لم يستطع أن يتقدم أكثر من ذلك.
وقد ذُكر في "المرتبة التاسعة عشرة" من "المقام الأول"-إشارةً إلى فحوى ما تلقاه السائح من درسٍ في هذا المقام القدسي- ما يلي: لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ الوَاجِبُ الوُجُودِ الوَاحِدُ الأحَدُ، لَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى، وَلَهُ الصِّفَاتُ العُلْيَا، وَلَهُ المَثَلُ الأَعْلَى، الذِّي دَلَّ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِهِ فِي وَحْدَتِه الذَّاتُ الوَاجِـبُ الوُجُـودِ، بِإِجْمَاعِ جَمِيعِ صِفَاتِهِ القُدْسِيَّةِ المُحِيطَة، وَجَمِيعِ أسْمَائِهِ الحُسْـنَى الْمُـتَجَلِّيَةِ، وَبِـاتِّفَاقِ جَمِيعِ شُؤُونَاتِهِ وَأفْعَالِهِ المُـتَصَرِّفةِ، بشَهَادَةِ عَظَمَةِ حَقِيقَةِ تَبَارُزِ الأُلُوهِيّة فِي تَظَاهُرِ[1] الرُّبُوبِيَّةِ، فِي دَوَامِ الفَعَّالِيَّةِ المُسْتَوْلِيَةِ، بِفِعْلِ الإِيجَادِ والخَلْقِ والصُّنْعِ والإِبدَاعِ بإِرَادةٍ وقُدْرَةٍ، وبفِعْل ِالتَّقْدِيرِ وَالتَّدْبِيرِ وَالتَّدْوِيرِ باخْتِيَارٍ وَحِكْمَةٍ، وَبِفِعْلِ التَّصْرِيفِ وَالتَّنْظِيمِ وَالمُحَافَظَةِ
[1] التبارز والتظاهر؛ استخدام تركي بمعنى التجلي.
173. صفحة
وَالإدَارَةِ وَالإعَاشَةِ بقَصْدٍ ورَحْمَةٍ، وَبِكَمَالِ الانْتِظَامِ وَالمُوَازَنَةِ، وَبِشَهَادَةِ عَظَمَةِ إِحَاطَةِ حَقِيقَةِ أَسْرَارِ ﴿شَهِدَ اللهُ أنَّهُ لَا إلٰهَ إلَّا هُوَ وَالمَلَائِكَةُ وَأُولُوا العِلْمِ قَائِمًا بالقِسْطِ لَا إلٰهَ إلَّا هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾.
تنبيه
إن كلّ حقيقة من الحقائق الشاهدة لتسع عشرة مرتبة من مراتب "الباب الأول" لــــ"المقام الثاني" السابق، كما تدل على وجوب وجود الله تعالى بتحققها ووجودها؛ تدل كذلك على الوحدة والأحدية بإحاطتها، ولكن ولأنها قد أَثبتت في البداية وجود الله صراحةً، فإنها عُدّت "دلائل على وجوب وجود الله تعالى".
أما "الباب الثاني" من "المقام الثاني" فيطلق عليه "براهين التوحيد" لقيامه بإثبات الوحدة بصراحةٍ في البداية، وإثباته وجود الله تعالى في مضمونه، والحقيقة أن كليهما -الباب الأول والثاني- يثبتان الاثنين معًا، أي: الوجود والوحدةَ، وللإشارة إلى الفرق بينهما تُكرَّر في "الباب الأول" فقرةُ "بِشَهَادَةِ عَظَمَةِ إِحَاطَةِ حَقِيقَةِ"، وفي "الباب الثاني" فقرةُ "بِمُشَاهَدَةِ عَظَمَةِ إِحَاطَةِ حَقِيقَةِ" إشارةً إلى ظهور الوحدة وكأنها تشاهَد عيانًا.
وكنت قد نويت أن أوضح مراتب "الباب الثاني" الآتي كما فعلت في "الباب الأول"، إلا أن بعض الأحوال حالت دون ذلك؛ فاضطررت إلى اختصارها وإجمالها؛ ونحيل إيفاء حقّها من البيان إلى رسائل أخرى من رسائل النور.
174. صفحة
الباب الثاني
حول البراهين التوحيدية
إن ضيف العالم الذي أُرسل إليه من أجل الإيمان، والذي يسيح في الكون بفكره، ويسأل كلّ شيء عن خالقه، ويبحث عن ربّه في كلّ مكان، ووجد إلهه بدرجة حق اليقين من حيث وجوب وجوده؛ خاطب عقله قائلا: تعال نخرج للسياحة مرة أخرى من أجل مشاهدة براهين وحدة خالقنا الذي هو واجب الوجود، وخرجا معًا، فوجدا في المنزل الأول أن ثمة "أربع حقائق قدسية" تستلزم الوحدة بدرجة البداهة وتقتضيها:
الحقيقة الأولى: الألوهية المطلقة
أجل؛ إن انشغال كلّ طائفة من طوائف نوع البشر بنوعٍ من أنواع العبادة وكأنه أمر فطري غريزي، وإن كونَ أفعال سائر الأحياء بل الجمادات أيضًا وخدماتها كنوعٍ من أنواع العبادة، وكونَ كلّ واحد من النعم والآلاء المادية والمعنوية في الكون وسيلةً للمحبة الشديدة لحد العبودية والشكر اللذين يسوقان إلى حمد المعبود وعبادته، وإعلانَ جميع الترشحات الغيبية والتجليات المعنوية كالوحي والإلهام بمعبودية إلهٍ واحد؛ لا شك أن كلّ هذا يثبت بالبداهة تحققَ الألوهية المطلقة وسلطانها وهيمنتها.
وبما أن هناك حقيقةَ ألوهيةٍ كهذه؛ فلابد أنها لا تقبل الاشتراك؛ لأن الذين يقابلون الألوهية -أي المعبودية- بالشكر والعبادة هم ثمراتٌ ذات شعور وإدراك في أقصى شجرة الكون، ومن ثم فإن الآخرين يُرضون ذوي الشعور والإدراك، ويجعلونهم يشعرون بالامتنان والشكر تجاههم، ويصرفون وجوههم إليهم، ويحملونهم على نسيان معبودهم الحقيقي الذي يمكن نسيانه بسرعة لاحتجابه وعدم ظهوره؛ فهذا ينافي لماهية الألوهية ومقاصدها القدسية، ولا تقبله حقيقة الألوهية بحال من الأحوال؛ ومن ثم فإن ردّ القرآن الكريم الشركَ، ووعيدَه للمشركين بجهنم مرارًا وتكرارًا وبشدة؛ إنما هو من هذا الوجه.
175. صفحة
الحقيقة الثانية: الربوبية المطلقة
أجل؛ إن التصرف العام الذي يصدر عن يدٍ غيبية، بحكمةٍ ورحمة في جميع الكون، لاسيما الأحياء، وبخاصة في تربيتهم ورعايتهم، معًا وبصورةٍ متداخلة من حيث لا يحتسب، بالنمط نفسه، في كلّ مكان؛ لابد أنه ترشُّحٌ لربوبية مطلقة وضياء لها، وبرهانٌ قاطع على تحققها.
وبما أن هناك ربوبيةً مطلقة؛ فلابد أنها لن تقبل الشرك والاشتراك؛ ذلك لأن إظهار تلك الربوبية لجمالها، وإعلانها عن كمالها، وعرضها لبدائعها القيمة النفيسة، وإظهارها لمهاراتها المخفية، وأمثال ذلك من المقاصد والغايات البالغة الأهمية؛ قد تركزت واجتمعت في الجزئيات والأحياء؛ لذا فإن الشرك إذا تدخل بنفسه في أكثر الأشياء جزئية وأصغر كائن حي؛ يفسد تلك الغايات، ويهدم تلك المقاصد، ويصرف وجوه ذوي الشعور عن تلك الغايات وعن الذي أراد تلك الغايات، ويردها إلى الأسباب.
ولما كانت هذه الحال مخالِفةً لماهية الربوبية كليًّا ومعادية لها؛ فإن ربوبية مطلقة كهذه لا تسمح بالشرك بأية حال، وإن إرشاد القرآن دومًا وباستمرارٍ إلى التوحيد بتقديساته وتسبيحاته الكثيرة، وآياته وكلماته، بل بحروفه مجتمعة ناشئٌ عن هذا السرّ العظيم.
الحقيقة الثالثة: الكمالات
أجل؛ إن جميع حِكَم هذا الكون السامية، ومحاسنه الخارقة، وقوانينه العادلة، وغاياته الحكيمة، تدل بالبداهة على وجود حقيقة الكمالات، وبخاصةٍ شهادةُ الكون على كمالات الخالق سبحانه الذي أوجد هذا الكون من العدم، والذي يديره إدارة رائعة ذات معجزات من كلّ الوجوه، وعلى كمالات الإنسان الذي هو مرآةٌ ذات شعور وإدراك لذلكم الخالق سبحانه؛ ظاهرة جدًّا.
فبما أن حقيقة الكمالات موجودة، وبما أن كمالات الخالق الذي أوجد الكون متسما بكمالات ثابتةٌ وقاطعة، وبما أن كمالات الإنسان الذي هو أهم ثمرة للكون، والخليفة في الأرض، وأهم مصنوعٍ وحبيب للخالق؛ حقٌّ وذات
176. صفحة
حقيقة؛ فحتمًا لا يمكن أن يكون هناك وجودٌ للشرك الذي يحوّل الكون -ذا الكمال والحكمة الذي نشاهده بأعيننا- إلى ألعوبة للمصادفة تتدحرج بين الزوال والفناء بلا نتيجةٍ ولا ثمرة، وإلى ملعبٍ للطبيعة، ومذبحةٍ ظالمة للأحياء، ومأتمٍ ومحل حزنٍ مرعب لذوي الشعور، هذا الشرك الذي يهوي بالإنسان -الذي تظهر كمالاته من خلال آثاره- إلى دركة أعجز الحيوانات وأضعفها وأدناها، والذي يستر ويحجب كمالات الخالق -الذي له كمالاتٌ قدسية لا حد لها بشهادة جميع الموجودات التي هي مرايا كمالاته - ويبطل نتيجة فعّاليته وخلاقيته جل وعلا؛ لا يمكن أن تكون له حقيقةٌ.
وقد أُثبت في "المقام الأول" الخاص بـ"ثمرات التوحيد الثلاث" من رسالة "الشعاع الثاني"، ووضّح فيه بدلائل قوية قاطعة أن الشرك ينافي هذه الكمالات الإلهية والإنسانية والكونية، وأنه يبطل تلك الكمالات ويفسدها؛ لذا فإننا نحيل القارئ إليه، ونختصر الموضوع هنا.
الحقيقة الرابعة: الحاكمية
أجل؛ إن من ينظر إلى هذا الكون نظرة شاملة متفحصة، يراه كمملكةٍ غاية في العظمة والكِبَر، وغاية في الفعالية والنشاط، بل يراه كمدينةٍ ذات إدارةٍ في منتهى الحكمة، وذات حُكْمٍ في غاية القوة، ويجد كلّ شيءٍ وكل نوعٍ مشغولا في وظيفةٍ معينة بمسخَّريةٍ. فجريان الأوامر التكوينية المهيمنة والأحكام الآمرة النافذة والقوانين العظيمة الرائعة في جميع أولئك الموظفين الصغار جدًّا، وفي هؤلاء الجنود الكبار جدًّا من الجنود الربانية، بدءًا من جيوش الذرات وفرق النباتات وكتائب الحيوانات، وانتهاءً إلى جيش النجوم كما في تمثيل الآية الكريمة ﴿وَللهِ جُنُودُ السَّمٰوَاتِ وَالأَرْضِ﴾(الفتح:4) الذي يُشعِر بمعنى الجندية؛ يدل بالبداهة على وجود حاكميةٍ مطلقة وآمرية كلية.
وبما أن حقيقة الحاكمية المطلقة موجودة؛ فلابد من أنه لا حقيقة للشرك؛ لأن الأيدي المتعددة إذا تدخلت في أمرٍ باستبدادٍ أفسدته، ولو كان في مملكةٍ واحدة ملِكان، بل في قريةٍ واحدة عمدتان لفسد النظام، ولكانت الإدارة في هرجٍ
177. صفحة
ومرج، كما تفيد بذلك الحقيقةُ القاطعة للآية الكريمة ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتَا﴾(الأنبياء:22)، والحال أننا نرى نظامًا لا يمكن أن يكون للشرك مقدار ذرةٍ من التدخل فيه بدءًا من جناحي الذباب إلى قناديل السماوات ومن خلايا الجسم إلى أبراج الكواكب.
ثم إن الحاكمية مقامُ عزّةٍ، فالقبول بمنافسٍ يخل بعزة تلك الحاكمية.
أجل؛ إن قتل الإنسان -المحتاج دائمًا إلى مساعدين كثيرين لعجزه- أخاه أو ولده بظلمٍ، من أجل حاكميةٍ جزئية ظاهرة مؤقتة؛ يدل على أن الحاكمية لا تقبل المنافس، فإذا كان مثل هذا العاجز يفعل ذلك في سبيل هذه الحاكمية الجزئية؛ فلا يمكن بأية حالٍ من الأحوال للقدير المطلق المالك لجميع الكون أن يشرك غيره في حاكميته القدسية التي هي محور ربوبيته وألوهيته الحقيقيتين الكليتين، ولا يمكن أن يسمح بوجود شريكٍ له أبدًا.
ولما كانت هذه الحقيقة قد أُثبِتت بدلائل قويةٍ في "المقام الثاني" من "الشعاع الثاني"، وفي مواضع كثيرةٍ من رسائل النور؛ فنحيل إليها.
إن سائحنا هذا عرف الوحدانية الإلهية بدرجة الشهود بمشاهدته هذه الحقائق الأربع فسطع إيمانه، وقال بكل قوته: "لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ"، وقد ذُكِر في "الباب الثاني" من "المقام الأول" كإشارة قصيرة إلى ما تلقّاه هذا السائح من درسٍ في هذا المنزل: "لَا إلٰهَ إلَّا اللهُ الوَاحِدُ الأحَدُ الذي دَلَّ عَلَى وَحدَانِيَّتِهِ ووُجُوبِ وُجُـودِهِ مُشَاهَدَةُ عَظَمَةِ حَقِيقَةِ تَبَارُزِ الألُوهِيَّةِ المُطْلَقَةِ، وَكَذَا مُشَـاهَدَةُ عَظَمَـةِ إحَاطَةِ حَقِيقَةِ تَظَاهُرِ الرُّبُوبِيَّةِ المُطْلَقَةِ المُـقْتَضِيَةِ للوَحْدَةِ، وَكَذَا مُشَـاهَدَةُ عَظَمَةِ إِحَاطَةِ حَقِيقَةِ الكَمَالَاتِ النَّاشِئَةِ مِنَ الوَحْدَةِ، وَكَذا مُشَاهَدَةُ عَظَمَةِ إِحَاطَةِ حَقِيقَةِ الحَاكِمِيَّةِ المُطْلَقَةِ المَانِعَةِ وَالمُنَافِيَةِ لِلشِّرْكَة".
ثم إن هذا السائح المتحرك النشط الذي لا يهدأ قال لقلبه: إن ترديد أهل الإيمان وبخاصة أهل الطرق الصوفية دائمًا ذكر"لَا إلٰهَ إلَّا اللهُ"، وذكرهم التوحيد وإعلانهم عنه؛ يدل على أن للتوحيد مراتبَ كثيرةً جدًّا، ثم إن التوحيد أهم وأحلى وأسمى وظيفةٍ قدسية وفريضةٍ فطرية وعبادةٍ إيمانية، فتعال إذن، علينا أن نفتح بابًا
178. صفحة
لمنزلٍ آخر من دار العبرة هذه كي نجد مرتبةً أخرى؛ لأن التوحيد الحقيقي الذي نبحث عنه ليس تلك المعرفةً التي تسمى "التصور"([1])" فحسب، بل هو "التصديق([2])" الذي يطلق عليه العلم، والذي هو نتيجة البرهان، وهو أهم وأثمن بكثير من المعرفة التصورية، ويقابله "التصور" في علم المنطق.
والتوحيد الحقيقي هو؛ حكمٌ([3])، وتصديق، وإذعان([4])، وقبول([5])، يُمكّن الإنسان من أن يجد ربه من خلال كلّ شيء، ويُريه في كلّ شيء طريقًا يوصله إلى خالقه، ولا يمنعه شيء مع التوحيد الحقيقي من الحضور([6])، وإلا لاقتضى الأمر أن يمزق الإنسان حجاب الكون وأن يزيله في كلّ وقت للوصول إلى ربه تعالى.
ولذلك قال السائح: هيا بنا إلى الأمام، وطرق باب الكبرياء والعظمة، ودخل منزل الأفعال والآثار وعالم الإيجاد والإبداع، فرأى أن هناك "خمس حقائق محيطة" مستوليةٌ على الكون تحكم فيه، وتثبت التوحيد بالبداهة.
إحداها: حقيقة الكبرياء والعظمة
وقد وُضِّحت هذه الحقيقة وبينت بالبراهين في "المقام الثاني" من "الشعاع الثاني" وفي مواضع متعددة من رسائل النور؛ لذا نكتفي بها، أما هنا فنقول:
إن الذي أوجد النجوم -التي يبعد بعضها عن بعضها الآخر آلاف السنين- في وقتٍ واحد وبنفس النمط، والذي يتصرف فيها، والذي يخلق أفرادًا غير محدودة لنوع زهرةٍ في الشرق أو الغرب أو الجنوب أو الشمال في وقتٍ واحد، ويصورها على صورة واحدة، والذي يثبت حادثةً عجيبة ماضية غيبية وهي خلق السماوات والأرض في ستة أيام بحادثةٍ حاضرة أمام أعيننا كما في ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمٰوَاتِ
[1])) التصوّر: حصول صورة الشيء في العقل وإدراك الماهية من غير أن يحكم عليها بنفي أو إثبات.
[2])) التصديق: تَصوّر مع حكم بنفي أو إثبات.
[3])) الحُكم: إسناد أمر إلى آخر إيجابًا أو سلبًا.
[4])) الإذعان: عزم القلب، أي الإرادة بغير تردد.
[5])) القبول: انفعال الأثر، أي ترتب المقصود على الطاعة.
[6])) الحضور: هو حضور القلب لما غاب عن عيانه بصفاء اليقين فهو كالحاضر عنده وإن كان غائبا عنه، انظر موسوعة المصطلحات الصوفية. 291
179. صفحة
وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾(الحديد:4)، والذي ينشئ -كنظيرٍ عجيب لتلك الحادثة- طوائف النباتات وقبائل الحيوانات التي تفوق مائتي ألف طائفةٍ في خمسة أو ستة أسابيع وكأنه يُظهِر أكثر من مائة ألف نموذج للحشر الأعظم في الربيع على وجه الأرض، ويدير تلك الطوائف والقبائل ويربيها ويرزقها ويميزها بعضها عن بعض ويزينها معًا متداخلة وبكمال الانتظام والميزان، بلا التباس ولا نقص ولا خطأ، والذي يدوّر الأرض، ويخلق صفحتي الليل والنهار ويقلّبهما كما تصرّح به الآية الكريمة ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾(الحديد:6)، ويكتب فيهما الحادثات اليومية ويبدلهما؛ هو الذي يعلم في الوقت ذاته أخفى خواطر القلوب وأكثرها جزئيةً، ويديرها بإرادته.
ولما كان كلّ فعلٍ من الأفعال المذكورة فعلاً واحدًا؛ فإن فاعلها ذا الجلال الذي هو الواحد القدير بالضرورة؛ له بالبداهة كبرياء وعظمة لا تدعان أي إمكانٍ وأي احتمال لأي شركٍ في أيّ مكان في أي شيء بأي وجه من الوجوه، وتستأصله من جذوره.
وبما أن هناك كبرياء وعظمة للقدرة، وبما أن هذه الكبرياء في منتهى الكمال والإحاطة؛ فلابد أنه من غير الممكن بأي وجه من الوجوه أن تدع هذه الكبرياء مجالا للشرك الذي ينسب العجز أو الاحتياج إلى تلك القدرة، ويسند القصور إلى تلك الكبرياء، والنقصَ إلى ذلك الكمال، والقيدَ إلى تلك الإحاطة، ويضع حدّا لذلك الإطلاق، ولا يمكن أن تسمح له بذلك، ولا يقبل بهذا أيُّ عقلٍ لم يُفسِد فطرته.
وهكذا فالشرك جريمة؛ بحيث يَمسّ الكبرياء، ويَمسّ عزة الجلال، ويتعرض لعظمتها، ولذلك يعلن القرآن المعجز البيان بوعيدٍ شديد أن الشرك لا يمكن العفو عنه بأية حالٍ من الأحوال: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذٰلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾(النساء:48).
الحقيقة الثانية: وهي ظهور الأفعال الربانية التي تُشاهَد تصرفاتها في الكون ظهورًا مطلقًا محيطًا وبصورةٍ غير متناهية، ولا يقيد تلك الأفعال ولا يحددها إلا الحكمة والإرادة وقابلياتُ مواضع ظهور تلك الأفعال. وإن المصادفة العشواء
180. صفحة
والطبيعة غير الواعية وغير الشاعرة، والقوة العمياء والأسباب الجامدة، والعناصر غير المقيدة التي تنتشر في كلّ مكانٍ وتخلط الأمور؛ لا يمكن أن تتدخل في هذه الأفعال التي هي في منتهى الميزان والحكمة، والتي تأتي إلى حيز الوجود بمنتهى البصيرة والحيوية والانتظام والإتقان والإحكام، بل كلها تُستخدم كحجابٍ ظاهري للقدرة بأمر الفاعل ذي الجلال وإرادته وقوته.
نبين هنا "ثلاثة أمثلة" على ذلك من بين الأمثلة غير المحدودة، وذلك ببيان "ثلاث نكات" من النكات غير المحدودة لــ"ثلاثة أفعال" تشير إليها ثلاث آيات متصل بعضها ببعضٍ في صفحةٍ واحدة من سورة النحل:
الآية الأولى:
﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ إلى آخر الآية. (النحل:68).
أجل؛ إن النحلة معجزةُ قدرةٍ فطرةً ووظيفةً، حتى سميت سورة النحل الطويلة باسمها؛ لأن كتابة البرامج المتقنة للوظيفة المهمة لماكينة العسل الصغيرة هذه في رأسها الصغير صِغَر الذرة، ووَضْعَ أطيب الأطعمة وطبخها في بطنها الصغير، وتركيبَ السمّ الذي له خاصية هدم الأعضاء الحية وقتلها في رُمحها الصغير من دون أن يضرّ جسمها؛ إنما يكون بمنتهى الدقة والعلم، وبمنتهى الحكمة والإرادة، والانتظام التامّ والميزان الكامل، ومن ثم فإن الأشياء التي لا وعي لها ولا شعور ولا انتظام ولا ميزان كالطبيعة والمصادفة وأمثالهما لا يمكن أن تتدخل فيها قطعًا.
فظهور هذا الإبداع الإلهي والفعل الرباني المتّسمين بالمعجزات من ثلاثة أوجه فيما لا يعدّ من أفراد النحل على وجه الأرض كله وإحاطتُهما به بالحكمة نفسها والدقة عينها والميزان ذاته وفي الوقت نفسه والنمط نفسه؛ يثبت الوحدة بالبداهة.
الآية الثانية:
﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾(النحل:66).
هذه الآية مرسومٌ يتفجر بالعبر.
181. صفحة
أجل؛ إن وضعَ اللبن الأبيض الخالص النظيف الصافي النقي المغذي اللطيف الطيب في أثداء الوالدات التي هي مصنع اللبن وعلى رأسها البقرة والناقة والماعز والنعجة من بين فرثٍ ودم، دون أن يختلط أو يتعكر بهما، وهو يخالفهما تمامًا، وإلقاء الشفقة الفدائية المضحية التي هي أطيب من اللبن وألطف وأحلى وأغلى منه في قلوب تلك الوالدات تجاه صغارهن، ليقتضيان حتمًا رحمةً وحكمة وعلمًا وقدرة واختيارًا ودقة، بحيث لا يمكن أن يكونا من فعل المصادفات الهائجة المائجة، ولا العناصر المضطربة، ولا القوى العمياء أبدًا.
فتجلي الإبداع الرباني والفعل الإلهي هذين المتسمين بمنتهى الإعجاز والحكمة في أفئدة وأثداء ما لا حد له من الوالدات في مئات الآلاف من الأنواع على وجه الأرض كله، وتصرفهما وفعلهما فيها وإحاطتهما بها في الوقت نفسه، وبالنمط نفسه، والحكمة عينها، والاهتمام ذاته؛ يثبت الوحدة بالبداهة.
الآية الثالثة:
﴿وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾(النحل:67).
هذه الآية تلفت الأنظار المتأملة إلى التمر والعنب وتقول: إن في هاتين الثمرتين لآيةً ودليلا وحجة عظيمةً لأولي الألباب على التوحيد.
أجل؛ مع أن هاتين الثمرتين غذاءٌ وقوت وفاكهة ونُقْل([1]) ومصدر أطعمة لذيذة كثيرة، فإن شجرة كلّ من هاتين الثمرتين التي تنمو في أرضٍ قاحلة وتراب يابس؛ معجزةُ قدرةٍ وخارقةُ حكمة، ومصنع سكرٍ وحلويات، وماكينة شرابٍ معسول، وصنعةٌ ذات ميزانٍ حساس وانتظام رائع، وحكمة دقيقة؛ بحيث إن من له ذرةٌ من العقل يضطر إلى القول:
إن الذي خلق هذه الأشياء بهذه الكيفية لابد أنه هو الذي خلق الكون؛ فمثلا على الساق الرقيقة كالأصبع لهذا العنب التي نراها أمام أعيننا عشرون عنقودًا، وفي كلّ عنقودٍ مائة حبةٍ من معلبات الشراب المشبع بالسكر، فإلباس وجه كلّ
[1])) النقل هو ما يتفكّه به من جوز ولوز وبندق ونحوها، وأكثر ما يكون ذلك في ليالي شهر رمضان.
182. صفحة
حبةٍ غلافا رقيقا جميلا لطيفا ملونا، ووضع النواة ذات القشر الصلب التي هي كقوة حافظتها وبرنامجها وسيرتها في قلبها الناعم اللطيف، وصنع حلوى كحلوى الجنة وعسلٍ كماء الكوثر في بطنها، وخلق الصنعة البديعة الخارقة نفسها فيما لا يعد ولا يحصى من أمثالها من العنب على وجه الأرض كافةً، بالاهتمام نفسه، والحكمة نفسها، في الوقت نفسه، وبالنمط نفسه؛ ليَدُلّ بالبداهة على أن فاعل هذا الأمر هو خالق الكون، وأن هذا الفعل الذي يقتضي القدرة غير المتناهية والحكمة غير المحدودة إنما هو فعله هو.
أجل؛ إن القوى والطبيعة والأسباب العمياء الطائشة غير الواعية وغير المنسجم بعضها ببعض، والمستولية المفسدة التي لا هدف لها؛ لا تستطيع أن تتدخل في هذا الميزان الحساس جدًّا، ولا في هذه الصنعة البديعة والانتظام الحكيم جدًّا، ولا تستطيع أن تمد يدها إليها، بل هي تُستخدم بأمرٍ رباني في المفعولية والقبول، وفي أداء وظيفة الحجاب أمام القدرة والعزة.
وهكذا فكما أن "النكات الثلاث" للحقائق الثلاث التي تشير إليها هذه الآيات الثلاث تدل على التوحيد؛ كذلك فإن التجليات والتصرفات غير المحدودة للأفعال الربانية غير المحدودة تشهد بالاتفاق على وحدة الواحد الأحد ذي الجلال.
الحقيقة الثالثة: وهي إيجاد الموجودات، لاسيما النباتات والحيوانات بكثرةٍ مطلقة وبانتظام مطلق في سرعة مطلقة، وبمنتهى الإبداع والمهارة والإتقان والانتظام في سهولةٍ مطلقة، وبمنتهى النفاسة والجودة، والتمييز التامّ بينها في وفرةٍ واختلاط مطلقين.
أجل؛ إن الخلق بمنتهى الكثرة في منتهى السرعة، وبمنتهى السهولة واليسر في منتهى الإبداع والمهارة والدقة والانتظام والإتقان، وبمنتهى النفاسة والجودة، والتميزَ في منتهى الوفرة والاختلاط من دون الإخلال والخلط والتشويش؛ لا يمكن إلا بقدرة واحد أحد، تلك القدرة التي لا يثقل عليها شيء، ولابد أن يكون خلق النجوم بالنسبة لهذه القدرة سهلا ويسيرًا وهينًا كخلق الذرات، وخلقُ أكبر شيء سهلا كخلق أصغر شيء، وخلق النوع الذي لا حد لأفراده هينًا كخلق فردٍ
183. صفحة
واحد، وخلق الكلّ العظيم المهيب المحيط لابد أن يكون يسيرًا كخلق الجزء الخاص الضئيل، ويكون إحياء الأرض الضخمة هينًا كإحياء الشجرة الواحدة، وإنشاء شجرةٍ كبيرة كبر الجبل سهلا كإحياء نواةٍ صغيرة، حتى تستطيع تلك القدرة أن تقوم بهذه الأمور التي تحدث أمام أعيننا.
فببيان السر المهم لهذه المرتبة التوحيدية وهذه الحقيقة الثالثة وهذه الكلمة التوحيدية، أي: ببيان أن أكبر كلّ كأصغر جزء بالنسبة للقدرة، وأنه لا فرق بين الكثير والقليل بالنسبة لها، وبحلّ الحكمة المحيرة لهذه المرتبة وهذه الحقيقة وهذه الكلمة، وبحلّ طلسمِها العظيم، ومعمّاها الخارج عن طور العقل، وبفهم أهمِّ أساسٍ للإسلام، وأعمقِ مسألة للإيمان، وأكبرِ أساسٍ للتوحيد وبكشفه وإثباته؛ ينفتح وينكشف طلسم القرآن، ويُعرَف أخفى مُعَمَّى خلق الكون وأكثره مجهولية؛ ذلك الذي أعجز الفلسفة عن إدراكه.
فأشكر وأحمد خالقي الرحيم بمئات الآلاف من أضعاف حروف "رسائل النور" أن حلّت وكشفت هذه الرسائل بالبراهين القاطعة وبدرجة الاثنين في الاثنين يساوي أربعًا هذا الطلسم العجيب، وهذا المعمى الغريب وأثبتته، خاصة في بحث "وَهُوَ عَلَى كلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" في أواخر "المكتوب العشرون"، وفي بحث "الفَاعِلُ مُقْتَدِرٌ" في "الكلمة التاسعة والعشرون" التي تخص الحشر، وفي إثبات القدرة الإلهية من مراتب "الله أكبر" في "اللمعة التاسعة والعشرون" العربية، أجل؛ لقد حلّت "رسائل النور" ذلك وكشفته وأثبتته؛ لذا نحيل إيضاحه إلى تلك الرسائل.
هذا وقد أردت أن أبين بإجمالٍ الأسس التي تحل وتكشف هذا السرّ، وأن أشيرَ إلى ثلاثة عشر سرًّا كثلاث عشرة درجة، فكتبت "السرّ الأول والثاني"، ولكن للأسف حالت بيني وبين ذلك مانعتان قويتان ماديتان ومعنويتان عن بيان ما تبقى منه حاليًا.
السر الأول: إذا كان الشيء ذاتيًّا، فلا يمكن أن يكون ضِدّه عارضًا له، لأنه يعني اجتماع الضدين، وهذا محالٌ.
184. صفحة
وبناء على هذا السرّ:
وبما أن القدرة الإلهية ذاتية، ولازمةٌ ضرورية للذات الأقدس، فلابد أن العجز الذي هو ضد تلك القدرة لا يمكن أن يكون عارضًا للقدير جل جلاله.
وبما أن وجود المراتب في شيء ما إنما يكون بتداخل ضدها فيه؛ فمثلا: مراتب الضياء القوية والضعيفة تكون بتداخل الظلمة، ودرجات الحرارة المرتفعة والمنخفضة تكون بتداخل البرودة، ومقادير شدة القوة ونقصها تكون بمواجهة المقاومة وممانعتها؛ فلابد أنه ليس في تلك القدرة الذاتية مراتب، وهي توجِد الأشياءَ كلها وكأنها شيءٌ واحد.
وبما أنه ليس في تلك القدرة الذاتية مراتب، ولا يمكن أن يكون فيها الضعف والنقص؛ فلابد أنه لا يستطيع أن يواجهها أي مانع، ولا يثقل عليها أي إيجاد.
وبما أنه لا يثقل عليها أي شيء؛ فلا شك أنها توجِد الحشر الأعظم بسهولة إيجاد الربيع، وتوجد الربيع بيسر إيجاد شجرة واحدة، وتوجد الشجرة كإيجاد زهرة بدون أية صعوبةٍ ومشقة، كما أنها تخلق الزهرة الواحدة متقنة الصنع كإتقان صنع الشجرة، وتخلق الشجرة ذات معجزات كخلق الربيع ذي المعجزات، وتخلق الربيع جامعًا بديعًا بداعة الحشر وإحاطته أمام أعيننا.
وقد أُثبِت ببراهين قاطعة قوية في رسائل النور؛ أنه لولا الوحدة والتوحيد لكان خلق الزهرة صعبًا كصعوبة خلق الشجرة، بل أصعب منه، وخلق الشجرة الواحدة صعبًا كصعوبة الربيع، بل أصعب منه، ولكانت كل هذه الأشياء تسقط وتهبط كليًّا من حيث القيمة والصنعة، والكائن الحي الذي يُخلق في دقيقةٍ واحدة الآن ما كان ليأتي إلى حيز الوجود إلا في سنةٍ كاملة، بل ما كان ليأتي إلى الوجود أبدًا.
فبناء على هذا السر؛ فهذه الثمار وهذه الأزهار والأشجار والحيوانات التي تُخلق بجودةٍ ونفاسة بالغة مع الكثرة والوفرة البالغة، وبصنعةٍ وبداعة بالغة مع السرعة والسهولة البالغة، تَظهر متقنةً منتظمة، وتهبّ للقيام بوظائفها، وبعدما تنهي تسبيحاتها وتكملها تترك بذورها وكيلة عنها وترحل.
185. صفحة
السرّ الثاني: فكما أن الشمس تعكس ضوءها على مرآةٍ واحدة بسرّ "النورانية" و"الشفافية" و"الإطاعة" وبتجلي "قدرة الله الذاتية"؛ فإنها تستطيع كذلك أن تعكس على المرايا والأشياء اللماعة والقطرات بسهولةٍ بالأمر الإلهي ضياءها وحرارتها من جانب الفعّالية الواسعة لقدرتها غير المقيدة تلك، ويتساوى القليل والكثير أمامها ولا فرق بينهما.
كذلك إذا نُطقت كلمةٌ واحدة فإن تلك الكلمة الواحدة كما تدخل في أذن رجلٍ واحد بسهولة ويسر من حيث السعة غير المتناهية للخلاقية غير المتناهية؛ فإنها تدخل كذلك في مليون أذن بسهولة بالإذن الرباني، ويتساوى المستمع الواحد وآلاف المستمعين، ولا فرق بينهم.
أيضا فنور العين كما ينظر إلى مكانٍ واحد ينظر كذلك إلى آلاف الأماكن بسهولةٍ من حيث كمال السعة للفعالية الربانية التي هي في تجلي الرحمة، والروحاني النوراني كجبريل عليه السلام كما يذهب إلى مكان واحد ويوجد فيه يذهب كذلك إلى آلاف الأماكن ويوجد فيها وينطلق إليها، ولا فرق بين الكثير والقليل عندهما.
كذلك فإن القدرة الذاتية الأزلية؛ لكونها ألطف نورٍ وأخصه، بل هي نور كلّ الأنوار، ولكون ماهية الأشياء وحقيقتها ووجه الملكوت فيها شفافًا وصقيلا كالمرآة، ولكون كلّ شيءٍ بدءًا من الذرات والنباتات والأحياء وانتهاءً إلى النجوم والشموس والأقمار في منتهى الطاعة والانقياد لحكم تلك القدرة الذاتية، ومسخّرة للغاية لأوامر تلك القدرة الأزلية؛ فلابد أن تلك القدرة تخلق الأشياء غير المحدودة كالشيء الواحد، وتكون حاضرة عندها، ولا يمنعها شيءٌ من شيء، فالكبير والصغير والكثير والقليل والجزئي والكلي متساويان، ولا يثقل عليها أي شيء.
وبسر "الانتظام" و"الموازنة" و"الطاعة للحكم" و"الامتثال للأوامر"-كما ذكر في "الكلمة العاشرة" و"الكلمة التاسعة والعشرون"- يمكن إدارةُ سفينةٍ ضخمة بضخامة مائة بيت وتسييرها كما يدير الطفل الصغير دميته بإصبعه.
186. صفحة
كذلك يستطيع قائدٌ واحد بأمر "تقدّم إلى الأمام" أن يسوق جيشًا منظمًا مطيعًا إلى الهجوم كما يستطيع أن يسوق الجندي الواحد إلى الهجوم بالأمر ذاته.
وكذلك إذا كان هناك ميزانٌ كبير حساس، في كفتيه جبلان، وهناك ميزانٌ آخر في كفتيه بيضتان، فإن جوزةً واحدة يمكن أن ترفع بقانون الحكمة إحدى كفتي الميزان الكبير الذي يحمل الجبل إلى قمة الجبال، وتنزل الجبل الآخر إلى قعر الأودية، مثلما تستطيع أن ترفع إحدى كفتي الميزان الآخر وتنزل الكفة الأخرى.
كذلك القدرة الربانية الذاتية السرمدية النورانية غير المقيدة وغير المتناهية لأن فيها ومعها حكمةً غير متناهية وعدالةً إلهية حساسة جدًّا هما منشأ جميع التناسقات والأنظمة والتوازنات ومنبعها ومدارها ومصدرها، وكل شيء جزئي أو كلي، كبير أو صغير، مسخَّر لحكم هذه القدرة ومنقاد لتصرفها؛ فإن صاحب تلك القدرة سبحانه وتعالى كما يدوّر الذرات ويحركها بسهولةٍ؛ يدوّر النجوم أيضًا ويسيّرها بسهولةٍ بسرّ نظام الحكمة. وكما يحيي الذبابة في الربيع بسهولةٍ بأمرٍ واحد؛ يحيي كذلك بالسهولة نفسها وبالأمر نفسه وبسرّ الحكمة والنظام اللذين في هذه القدرة، جميعَ طوائف الذباب وجميع النباتات وجيوش الحيوانات الصغيرة، ويسوقها إلى ميدان الحياة. وكما يحيي الشجرة الواحدة بسرعةٍ في الربيع ويمنح الحياة لعظامها؛ يحيي كذلك بتلك القدرة المطلقة الحكيمة العادلة الأرضَ الضخمة وجنازتها الهائلة بسهولةٍ كتلك الشجرة، ويوجِد مئات الآلاف من أنواع نماذج الحشر. وكما يحيي الأرض بأمرٍ تكويني؛ كذلك فهو بفرمان ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾(يس:53) يقول: إن جميع الإنس والجنّ يحضرون لدينا في ميدان الحشر بصيحةٍ واحدة وبأمرٍ واحد.
وبفرمان: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾(النحل:77) يقول: إن أمر القيامة والحشر وفعلهما كلمح البصر، بل هو أقرب.
وبالآية الكريمة: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾(لقمان:28) يقول: يا أيها الناس! إن خلقكم وإحياءكم وحشركم ونشركم سهلٌ كإحياء نفسٍ واحدة، ولا يثقل كل ذلك على قدرتي.
187. صفحة
وكما في هذه الآيات الثلاث التي تتضمن هذه المعاني فإن القدير المطلق سبحانه وتعالى يُحضِر جميع الإنس والجنّ والحيوانات والروحانيات والملائكة إلى ميدان الحشر الأكبر، وبين يدي الميزان الأعظم بالسهولة نفسها وبالأمر نفسه، ولا يمنعه شيءٌ عن شيء.
وقد أُجِّلت كتابة بقية الأسرار من السر الثالث والرابع حتى السر الثالث عشر إلى وقتٍ آخر خلافًا لرغبتي.
الحقيقة الرابعة: وهي إعلانُ الموجودات عن التوحيد بدرجة البداهة من حيث وجوهُ وحدةٍ كثيرة كوجود هذه الموجودات وظهورُها معًا متداخلة، ووحدتُها وتشابهُها، وكونُ بعضها مثالا مصغرًا لبعضها الآخر أو نموذجًا كبيرا له، وكونُ بعضها كلًّا وكليًّا وبعضها الآخر أجزاءً وأفرادًا له، وتشابهُها في ختم الفطرة، وارتباطُ بعضها بالبعض الآخر في نقش الصنعة، وتعاونُها فيما بينها، وإكمالُ بعضها الوظيفة الفطرية لبعضها الآخر، وإثباتُها أن صانعها واحدٌ، وإظهارُها أن الكون بمنزلة كلّ وكلي لا يقبل التجزئة والانقسام من حيث الربوبية.
أجل؛ إن إيجاد الأفراد غير المحدودة لأربعمائة ألف نوعٍ من أنواع النباتات والحيوانات في كلّ ربيع، معًا متداخلة، في وقتٍ واحد، بنمطٍ واحد، بلا خطأ ولا غلط، بكمال الحكمة وإبداع الصنع، وإدارتَها وإعاشتَها، وخلقَ أفرادٍ غير محدودة من الطيور بدءًا من الذباب التي هي أمثلتها المصغَّرة وانتهاءً إلى الصقور التي هي أمثلتها الكبرى، ومَنْحَها جهازاتٍ تساعدها على سياحتها وعيشها وتحليقِها في جوّ السماء، وتسييرَها فيه، وتزيينَ الجوّ وتعميره بها، ووضعَ خاتم إبداعٍ في وجوهها في إعجازٍ وخاتم حكمةٍ في أجسامها في تدبيرٍ وخاتم أحدية في ماهيتها في تربية، وسوْقَ الذرات الطعامية لإغاثة الخلايا البدنية، والنباتاتِ لإغاثة الحيوانات، والحيوانات لمساعدة الإنسان، وإرسال جميع الوالدات وتسييرها لمعاونة الصغار العاجزين في حكمةٍ ورحمة، والتصرفَ بالانتظام نفسه والإتقان نفسه والفعل نفسه وبكمال الحكمة، في كلّ شيء جزئي أو كلي، كالدوائر المتداخلة، بدءًا من درب التبانة والمنظومة الشمسية والعناصر الأرضية، وانتهاءً إلى أغشية حدقة العين،
188. صفحة
وأوراق براعم الورد، وقمصان سنابل الذُّرة، ونوى الشمّام، أجل؛ لابد أن كلّ ذلك يُثبت بدرجة البداهة؛ أن الذي يقوم بهذه الأفعال واحدٌ أحد، وله أختام على كلّ شيء، وهو حاضرٌ في كلّ مكانٍ مع أنه منزه عن كلّ مكان، وكل شيء بعيد عنه ولكنه قريب إلى كلّ شيء كالشمس، وكما لا تثقل عليه إدارة أكبر الأشياء كدرب التبانة والمنظومة الشمسية، فلا تخفى عليه أيضًا الكريات الموجودة في الدم والخواطر الكامنة في القلب، ولا تخرج عن دائرة تصرفه، وكل شيء مهما كان كبيرًا أو كثيرًا، سهلٌ وهين عليه كأصغر شيء وأقله؛ إذ إنه يخلق بسهولةٍ الذباب على نظام الصقر، والنوى على ماهية الشجرة، والشجرة على صورة الحديقة، والحديقة على بداعة الربيع، والربيع كالحشر، ويعطينا ويمنحنا الأشياء القيمة جدًّا من حيث الصنعة والفن رخيصةً جدًّا.
أما الثمن الذي يريده فهو "باسم الله"، و"الحمد لله"، أي: إن الثمن المقبول لهذه النعم الثمينة الغالية هو القول في البدء: "بسم الله الرحمن الرحيم"، وفي الختام "الحمد لله".
وقد اكتفينا بهذه الإشارة القصيرة جدًّا؛ إذ قد وُضِّحت وبينت هذه "الحقيقة الرابعة" أيضًا في رسائل أخرى من رسائل النور.
الحقيقة الخامسة التي رآها سَيّاحنا في المنزل الثاني:
وهي: وجودُ انتظام أكمل في كل الكون، وفي أركانه وفي أجزائه، وفي كلّ موجود فيه، وكونُ كل من الموظفين والمواد التي يقوم عليهما تدوير هذه المملكة الواسعة وإدارتها واللذان يتعلقان بمجموع المملكة؛ واحدا، وكونُ الأسماء والأفعال التي تتصرف في هذه المدينة المهيبة وهذا المعرض العملاق الكبير واحدةً وفي ماهيةٍ واحدة موحَّدة وفي تداخل، وشمولُها وإحاطتُها بجميع الأشياء أو أكثرها لوجود نفس الاسم والفعل في كلّ مكان، وكونُ العناصر والأنواع التي لابد منها لتدبير هذا القصر المزيَّن وعمارته وبنائه واحدةً وفي تداخلٍ وفي ماهيةٍ واحدة، وإحاطتُها بوجه الأرض أو معظمه بانتشارها فيه لوجود نفس العنصر والنوع في كلّ مكان؛ لابد أن ذلك كله يقتضي بالبداهة والضرورة ويدل ويشهد
189. صفحة
ويُظهِر أن صانع هذا الكون ومدبِّره وسلطان هذه المملكة ومربيها ومالك هذا القصر وبانيه؛ واحدٌ أحد فرد، لا مثيل له ولا نظير، ولا وزير له ولا معين، ولا شريك له ولا ضدّ، ولا يعتريه عجزٌ ولا قصور.
أجل؛ إن الانتظام وحدةٌ، ويقتضي وجود نَظَّامٍ واحد، ولا يقبل بالشرك الذي يؤدي إلى النزاع والشجار. وبما أن في كلّ شيء -كليًّا كان أو جزئيًّا- انتظامًا حكيمًا دقيقًا، بدءًا من الكون كله، ومن دوران الأرض اليومي والسنوي، وانتهاء إلى ملامح وجه الإنسان ومنظومة الحواسّ في رأسه، ودوران الكريات الحمراء والبيضاء وجريانها في الدم؛ فلابد أنه لا يمكن لأي شيء أن يمد يده في أي شيء بطريق القصد والإيجاد غير القدير المطلق والحكيم المطلق، ولا يمكن له أن يتدخل، بل يكون قابلا للأمر ويصبح مَظهرًا ومنفعِلا فحسب.
وبما أن التنظيم، لاسيما التنظيم بتتبّع الغايات ورعاية المصالح لا يكون إلا بالعلم والحكمة، ويُنجَز بالإرادة والاختيار؛ فلامحالة ولابد أن هذا الانتظام الحكيم، وانتظامات المخلوقات المتنوعة المتعددة غير المحدودة المشاهَدة التي تجري أمام أعيننا برعاية مصالحها؛ تدل بدرجة البداهة وتشهد على أن خالق هذه الموجودات ومدبِّرها واحدٌ وهو فاعلٌ ومختار، وبقدرته يَخرج كلّ شيء إلى حيز الوجود، وبإرادته يأخذ كلّ شيء وضعًا معيّنًا، وباختياره يلبس كلّ شيء صورةً تناسبه.
وبما أن مدفأة دار ضيافة الدنيا هذه واحدةٌ ومصباحها واحد، وقنديلها ذي التقويم (الروزنامة) واحد، ومُعصِرتها ذات الرحمة واحدة، وطباخها الملتهب واحد، وشرابها الحيوي واحد، ومزرعتها المحمية واحدة، وهكذا واحدٌ واحد واحد إلى ألف واحد، فلابد أن هذه الواحدات تشهد بالبداهة على أن صانع هذا المَضيف ومالكه واحد، وهو كريم للغاية ومحب للضيوف؛ حتى إنه سخَّر موظفيه الكبار لضيوفه الأحياء فيستخدمهم لراحتهم.
وبما أن الأسماء الحسنى كـ"الحكيم، والرحيم، والمصوّر، والمدبّر، والمحيي، والمربي"، والشئونَ مثل "الحكمة، والرحمة، والعناية"، والأفعالَ كـ"التصوير،
190. صفحة
والتدوير، والتربية" التي تتصرف في كلّ أرجاء العالم والتي تُشاهَد فيها تجلياتها ونقوشها واحدةٌ، وبما أن عين الاسم ونفس الفعل متداخلان في كلّ مكان، وهما في منتهى مراتب الكمال ومنتهى الإحاطة، وأن كلا منهما يكمل نقش الآخر وكأن تلك الأسماء والأفعال تتحد، وتصبح القدرة عين الحكمة والرحمة، وتغدو الحكمة عين العناية والحياة، فحالما يظهر تصرف اسم "المحيي"-مثلا- في شيء تظهر في الوقت ذاته تصرفاتُ أسماء "الخالق، والمصوِّر، والرزّاق" وغيرها من الأسماء الكثيرة كذلك في كلّ مكانٍ بالنمط نفسه؛ فلابد ولامحالة أن هذا الأمر يشهد بالبداهة على أن مُسمَّى هذه الأسماء المحيطة وفاعل هذه الأفعال الشاملة التي تظهر في كلّ مكان على النمط نفسه واحدٌ أحد فرد، آمَنّا وَصَدَّقْنَا.
وبما أن العناصر التي هي موادّ المصنوعات وخميرتها تحيط بالأرض، وأن كلّ نوع من أنواع المخلوقات -التي تحمل الأختام المتنوعة المتعددة التي تدل على الوحدة- ينتشر على الأرض ويستولي عليها لكونه واحدا؛ فلا ريب أن هذا يثبت بالبداهة أن هذه العناصر مع ما تشتمل عليه وتلك الأنواع مع أفرادها؛ بضاعة واحدٍ أحد وملكه، ومصنوعات واحدٍ قدير وخدامه؛ بحيث يستخدم هذه العناصر الهائلة المستولية كخادم في منتهى الطاعة والانقياد، ويوظف تلك الأنواع التي انتشرت في جميع أرجاء الأرض كجندي يتقيد بالنظام.
ولما كانت هذه الحقيقة قد أثبتت ووضحت في رسائل النور فإننا نكتفي هنا بهذه الإشارة القصيرة.
فسائحنا هذا يلخص مشاهداته ويترجم مشاعره بدافع نشوة الفيض الإيماني والذوق التوحيدي الذي تلقاه من هذه الحقائق الخمس، ويقول لقلبه:
انظر إلى الصفحة الملونة لكتاب الكون
وأبصر كيف صوّرها قلم القدرة الذهبي
لم تبق نقطة مظلمة لأرباب عين القلب
وكأن الله قد حرّر آياته بالنور
191. صفحة
واعلم أن الأبعاد غير المحدودة أوراق كتاب العالم
والعصور غير المعدودة سطور حوادث الدهر
قد كُتب في لوح الحقيقة المحفوظ
كلّ موجود في العالم لفظ مجسم ذو معانٍ
واسمع ﭼو لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ بَرَابَر مِيزنَنْدْ هَرْ شَيْء
دَمَادَمْ ﭼُويَدَنْدْ يَا حَقّ سَرَاسَرْ كُويَدَنَنْدْ يَا حَيّ([1])
نَعَمْ؛ وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدٌ
وقد صدّقت نفس السَّيَّاح أيضًا مع قلبه، وقالا معًا: أجل، أجل.
وقد ذُكِر في المنزل الثاني من "الباب الثاني" من "المقام الأول" كإشارة قصيرة إلى الحقائق الخمس التوحيدية التي شاهدها ضيف العالم وسائح الكون ما يلي:
لَا إِلٰهَ إلَّا اللهُ الوَاحِـدُ الأحَـدُ الذي دَلَّ عَلَى وَحْدَتِهِ في وُجُوبِ وُجُودِهِ مُشَاهَدَةُ حَقَيقِةِ الكِبْرِيَاءِ وَالعَظَمَةِ فِـي الكَمَالِ وَالإحَاطَةِ، وَكَذَا مُشاهَدَةُ حَقِيقَةِ ظُهُورِ الأَفْعَالِ بالإِطْلَاقِ وَعَدَمِ النِّهَايَةِ، لَا تُقَيِّدُهَا إلَّا الإرَادَةُ وَالحِكْمَةُ، وَكَذَا مُشَـاهَدَةُ حَقِيقَةِ إِيجَادِ المَوْجُودَاتِ بالكَثْرَةِ المُطْلَقَةِ فـِي السُّرْعَةِ المُطْلَقَةِ، وَخَلْقُ المَخْلُوقَاتِ بالسُّهُولَةِ المُطْلَقَةِ فِي الإتْقَانِ المُطْلَقِ، وَإبْدَاعُ المَصْنُوعَاتِ بالمَبْذُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ فـي غَايَةِ حُسْنِ الصَّنْعَةِ وَغُلُوّ القِيْمَةِ، وَكَذَا مُشَاهَدَةُ حَقِيقَةِ وُجُودِ المَوْجُودَاتِ عَلَى وَجْهِ الكُلّ وَالكُلّيَّةِ وَالمَعِيَّةِ وَالجَامِعِيَّةِ وَالتَّدَاخُلِ وَالمُنَاسَبَةِ، وَكَـذَا مُشَاهَدَةُ حَقِيقَةِ الاِنْتِظَامَاتِ العَامَّةِ المُنَافِيَةِ لِلشِّرْكَةِ، وَكَذَا مُشَاهَدَةُ وَحْدَةِ مَدَارَاتِ تَدَابِيرِ الكَائِنَاتِ الدَّالّةِ عَلـَى وَحْدَةِ صَانِعِهَا بالبَدَاهَةِ، وَكَذَا وَحْدَةُ الأسْمَاءِ والأَفْعَالِ المُتَصَرِّفَةِ الـمُحِيطَةِ، وكـذا وَحْدَةُ العَنَاصِرِ والأنْوَاعِ المـُنْتَشِرَةِ المـُسْتَوْلِيَةِ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ.
ثم إن سيَّاح العالم هذا عندما كان يجول في العصور لقي مدرسة مجدد الألف الثاني الإمام الرباني أحمد الفاروقي رحمه الله ودخلها، واستمع إليه، وكان الإمام
[1]))أي؛ إن كلّ شيء يقول معًا: لا إله إلا الله، ويطلب دومًا يا حقّ، ويردد دومًا يا حيّ.
192. صفحة
يقول أثناء التدريس: "إن أهم نتيجةٍ لجميع الطرق الصوفية هي انكشاف الحقائق الإيمانية"، و"إن وضوح مسألةٍ إيمانية وانكشافها أفضل من ألف كرامةٍ وذوق".
وكان يقول أيضًا: "لقد قال العظماء في الماضي: سوف يأتي واحدٌ من المتكلمين وعلماء علم الكلام، وسيثبت الحقائق الإيمانية والإسلامية بالأدلة العقلية بكمال الوضوح، وأتمنى أن أكون أنا هو، وربما أنا هو([1])"، ولذلك كان يعلّم أن الإيمان والتوحيد أساس جميع الكمالات الإنسانية وخميرتها، ونورها وحياتها، وأن دستور "تَفَكُّرُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سَنَةٍ([2])" هو دستورٌ يخص التفكر الإيماني، وأن أهمية الذكر الخفي في الطريقة النقشبندية هو أنه نوعٌ من هذا التفكر المهم العظيم.
وقد سمع السَّياح كلّ ما قاله الإمام، ثم عاد وخاطب نفسه:
بما أن هذا الإمام البطل يقول هكذا، وبما أن زيادة قوة الإيمان ولو بمقدار ذرة أهم وأثمن من كثير من المعرفة والكمالات، وأحلى مائة مرة من الأذواق[3]، والمواجد، وبما أن اعتراضات فلاسفة أوربا وشبهاتهم التي تراكمت منذ ألف سنة ضد الإيمان والقرآن تجد الفرصة لمهاجمة أهل الإيمان، وتريد أن تزعزع الإيمان الذي هو مفتاح السعادة الأبدية والحياة الخالدة والجنة الدائمة وأساسها ومدارها؛ فلابد أولا وقبل كلّ شيء أن نقوي إيماننا بتحويله من إيمان تقليدي إلى إيمان تحقيقي.
إذن هيا بنا إلى الأمام يا نفس، فعلينا أن نطرق باب الإدارة والإعاشة الربانية ونفتحه في عالم الأحياء بمفتاح "بسم الله الرحمن الرحيم" حتى نرى منزلا آخر ثالثًا لدار العبرة هذه[4]، لإيصال هذه المراتب الإيمانية التسع والعشرين التي وجدناها والتي كلّ منها بقوة جبل شامخ إلى ثلاث وثلاثين مرتبة وهي العدد
[1])) وقد أثبت الزمان أن ذلك الشخص ليس شخصًا، وإنما هو رسائل النور، بل قد شاهد أهل الكشف رسائل النور في كشفياتهم في صورة مبينها وناشرها الذي لا قيمة له، وقالوا إنه شخص.(المؤلف).
[2])) أخرجه ابن حبان في كتاب العظمة من حديث أبي هريرة بلفظ ستين سنة، ورواه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث أنس بلفظ"ثمانين سنة"، ورواه أبو الشيخ من قول ابن عباس بلفظ "خير من قيام ليلة".
[3] الذوق هنا مصطلح صوفي. انظر معجم المصطلحات والإشارات الصوفية لعبد الرزاق القاشاني.
[4] يقصد الدنيا.
193. صفحة
المبارك لتسبيحات الصلاة المباركة، فطرقا بكل التوقير والاحترام باب هذا المنزل الثالث الذي هو محشر العجائب ومجمع الغرائب، وفتحاه بـ"باسم الله الفتّاح"، فظهر المنزل الثالث ودخلا فيه، فرأيا أن "أربع حقائق عظيمة محيطة" تنوّر هذا المنزل، وتُظهِر التوحيد كالشمس.
الحقيقة الأولى: حقيقة الفتّاحية
أي فتح صورٍ مختلفة متنوعة بديعة غير محدودة من مادةٍ بسيطة بفعلٍ واحد معًا في كلّ مكان وفي وقتٍ واحد بتجلي اسم "الفتَّاح".
أجل؛ كما أن القدرة الفاطرة قد فتحت الموجودات المختلفة البديعة غير المحدودة في حديقة الكون كله كالأزهار، وأعطت كلّ واحدٍ منها باسم "الفتاح" صورةً بديعة وشخصيةً متميزة تناسبه؛ فإنها قد أعطت كذلك، ولكن بصورة أكثر إعجازًا، لكل نوعٍ من أربعمائة ألف نوع من أنواع الأحياء في بستان الأرض صورةً موزونة مزيَّنة متميزة في غاية البداعة والحكمة.
نعم؛ إن أقوى دليلٍ على التوحيد وأعجب معجزةٍ للقدرة هو فتح الصور حسبما تفيد الآيات الكريمة: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذٰلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إلٰهَ إلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾(الزمر:6) و﴿إِنَّ اللهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ _ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إلٰهَ إلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾(آل عمران:5-6).
فحقيقة فتح الصور هذه قد أُثبتت وبينت -بناءً على هذه الحكمة- عدة مرات في رسائل النور بصور متعددة، لاسيما في "المرتبتين السادسة والسابعة" من "الباب الأول" من "المقام الثاني" من هذه الرسالة؛ لذا فنحيل إليها، أما هنا فنقول:
إن فتح الصور له إحاطةٌ وشمول وإبداع بشهادة علم النبات وعلم الحيوان وحسب أبحاثهما العميقة، بحيث لا يمكن أن يملك هذا الفعل الجامع المحيط إلا الواحد الأحد والقدير المطلق الذي يقدر على رؤية كلّ شيء في كلّ شيء وصنعِه وخلقه، ذلك لأن فعل فتح الصور هذا يستلزم حكمةً ودقة واهتمامًا
194. صفحة
وإحاطة بالغة في القدرة غير المتناهية الموجودة في كلّ الأمكنة والأزمنة، فمثل هذه القدرة لا يمكن أن يملكها إلا من يدير الكون كله.
أجل؛ وكما تعلن الآيات المذكورة فإن الفتَّاحية التي هي فتحُ صور الإنسان وخلقُها مختلفةً موزونةً متميزةً مزيَّنةً بديعةً متقنةً من مادةٍ بسيطة، وبدون خلط وخطأ، وإن حقيقة فتح الصور هذه التي تحيط بجميع البشر والحيوانات والنباتات بالقدرة عينها والحكمة نفسها والصنع والإبداع ذاتهما؛ لهي أقوى برهان على الوحدانية، لأن الإحاطة وحدة لا تترك مجالا للشرك.
وكما أن الحقائق التسع عشرة الشاهدة على وجوب وجود الله في "الباب الأول" تشهد بوجودها على وجود الخالق، فإنها بإحاطتها تشهد على الوحدة.
الحقيقة الثانية: حقيقة الرحمانية وهي التي رآها صاحبنا السياح في المنزل الثالث:
أي؛ إننا نرى بأعيننا أن هناك واحدًا قد ملأ لنا وجه الأرض بآلاف من هدايا الرحمة، وجعله مضيفًا، ومائدةً صُفّت عليها مئات الآلاف من الأطعمة الرحمانية المتنوعة اللذيذة، وجعل باطن الأرض مخزنًا يحتوي على آلافٍ من عطايا الرحيمية والحكيمية الغالية الثمينة، وجعل الأرض في دورانها السنوي بمنزلة سفينةٍ تجارية يرسلها إلينا حاملةً كلّ سنةٍ من عالم الغيب أفضل الأنواع من مئات الآلاف من الحاجات الإنسانية والمستلزمات الحياتية، ويرسل الربيع إلينا كقطارٍ يحمل أرزاقنا وألبستنا، ويرزقنا بمنتهى الرحمة، ومن أجل استفادتنا من تلك العطايا والهدايا والنعم فقد أعطانا مئات الاشتهاءات والاحتياجات والمشاعر والحواسّ بل آلافًا منها.
أجل؛ لقد أعطانا سبحانه وتعالى معدةً تتلذذ بما لا حد له من الأطعمة، كما وُضِّح وبُيِّن وأُثبِت في "الشعاع الرابع" الخاص بالآية الحسبية: ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ﴾، ووهب لنا حياةً تستفيد بحواسها مما لا حد له من الأطعمة في عالم الجسمانية الكبير الشبيه بمائدة نعمة، ومنحنا إنسانيةً تتلذذ بواسطة آلاتها الكثيرة كالعقل والقلب بالهدايا غير المحدودة للعالم المادي والمعنوي، وبلّغنا الإسلام الذي يتلقى النور من الخزائن غير المتناهية لعالم الغيب والشهادة، وهدانا للإيمانٍ
195. صفحة
الذي يتنور من الأنوار والعطايا التي لا تعدّ ولا تحصى من عالم الدنيا والآخرة وجعلنا نستفيد منه، وهذا الكون كأنه قصرٌ زيِّن من قبل الرحمة بما لا حد له من التحف والأشياء العجيبة والغريبة، والمفاتيح التي تفتح جميع الصناديق والمنازل في هذا القصر قد سُلِّمت للإنسان، وأنه قد أُودعت في فطرة الإنسان الاحتياجاتُ والحواسُّ التي تجعل الإنسان يستفيد منها؛ فرحمة كهذه التي أحاطت بالدنيا والآخرة وبكل شيء هي تجل من تجليات الأحدية ضمن الواحدية؛ بمعنى:
كما أن إحاطة ضياء الشمس بجميع الأشياء المواجهة له مثالٌ للواحدية، وأن احتواء كلّ شيء لمّاع شفافٍ ضياءَ الشمس وحرارتها وألوان الطيف في ضيائها وصورتها المنعكسة حسب قابليته مثالٌ للأحدية؛ فالذي يرى هذا الضياء المحيط سيحكم حتمًا بأن شمس الأرض واحدة، والرجل ذاته الذي يشاهد انعكاسَ الشمس المضيء الحارّ في كلّ شيء لامع، بل في القطرات يستطيع القول بأحدية الشمس، أي: يمكنه أن يقول: إن الشمس مع كلّ شيء بصفاتها، وموجودة في مرآة قلب كلّ شيء.
كذلك فإن إحاطة الرحمة الواسعة للرحمن ذي الجمال بجميع الأشياء كإحاطة الضياء بها؛ تدل على واحدية ذلكم الرحمن وعلى أنه لا شريك له بأي وجهٍ من الوجوه؛ وأن منح ذلكم الرحمن كلّ فرد من الأحياء حياةً جامعةً تجعل كلّ فردٍ يتعلق بالكون كله بتجليات معظم أنوار أسماء الرحمن وبجلوته الذاتية في كلّ شيء، وخاصة في كلّ ذي حياة، وبالأخص في الإنسان تحت حجاب تلك الرحمة الجامعة؛ يُثبِت أحدية ذلكم الرحمن، وأنه حاضرٌ عند كلّ شيء، ويدبر جميع أمور جميع الأشياء.
أجل؛ كما أن ذلكم الرحمن يُظهر بواحدية تلك الرحمة وإحاطتها عظمةَ جلاله على الكون كله وعلى وجه الأرض، كذلك فإنه بجمعه بتجلي الأحدية نماذجَ جميع النعم في كلّ كائنٍ حي، لاسيما الإنسان، وبإدخال تلك النماذج في أعضاء ذلك الفرد الواحد وأجهزته وتنظيمها فيها، وبمنحه ذلك الفردَ الكونَ كلَّه
196. صفحة
دون انقسامٍ ولا تجزّء كما لو أنه بيتٌ له؛ يعلن شفقة جماله الخاصة، ويبين أن أنواع النعم والآلاء تتمركز في الإنسان.
فمثلا كما أن الشمّام يتمركز في كلّ نواةٍ من نواه؛ فخالق تلك النواة الواحدة هو خالق ذلك الشمام لا محالة، وهو يحلب تلك النواة من ذلك الشمام بميزان علمه وقانون حكمته ويجمعها، ويجعلها تتجسم فيه، وما من شيءٍ يقدر على خلق هذه النواة لذلك الشمام الواحد غير صانعها الواحد الأحد، ولا يمكن أن يخلقها سواه على الإطلاق؛ كذلك ولأن الكون بتجليات الرحمانية بمنزلة شجرةٍ أو حديقة، والأرضَ بمنزلة ثمرةٍ أو شمّام، والكائن الحي والإنسان بمنزلة النواة؛ فلابد أن خالق أصغر حيّ وربه يجب أن يكون خالق الأرض كلها وخالق الكون برمته.
الحاصل: كما أن صنع الصور المتقنة المنتظمة لجميع الموجودات وفتحها من مادةٍ بسيطة بحقيقة "الفتّاحيّة" المحيطة، يثبت الوحدة بالبداهة؛ كذلك فإن تربية حقيقة الرحمانية المحيطة وإعاشتها بكمال الانتظام جميعَ الأحياء التي تأتي إلى حيز الوجود وتدخل حياة الدنيا، لاسيما القادمين الجدد منهم، وإيصالها حاجاتها ولوازمها إليها، وعدم نسيانها أحدًا منها، وإغاثة تلك الرحمة كلّ فردٍ من الأفراد في كلّ مكانٍ وفي كلّ زمانٍ؛ يدل بالبداهة على الوحدة وعلى الأحدية التي في الوحدة.
وحيث إن رسائل النور نالت تجليات اسم "الحكَم" واسم "الرحيم"، وإن نكات حقيقة الرحمة وتجلياتها قد بُيِّنت وأُثبتت في مواضع كثيرة من رسائل النور؛ فإننا بهذه القطرة نشير هنا إلى ذلك البحر، ونختصر هذه الحكاية الطويلة جدًّا.
الحقيقة الثالثة: وهي حقيقة التدبير والإدارة التي شاهدها صاحبنا السَّيَّاح في المنزل الثالث:
أي حقيقة إدارة الأجرام السماوية التي هي في منتهى العظمة والضخامة والسرعة، والعناصر التي هي في غاية التعدي والتجاوز والاضطراب، والمخلوقات الأرضية التي هي في منتهى الحاجة والضعف، إدارةً بكمال الانتظام والموازنة،
197. صفحة
وحقيقة سوقِها إلى معاونة بعضها البعض، وإدارتِها وتدبيرِها في توافق وامتزاج واتفاق تام بينها، وجعْلِ هذا العالم الكبير كمملكةٍ رائعة، ومدينة بديعة، وقصر مزيَّن.
لنترك الدوائر الكبيرة لهذه الإدارة الجبارة الرحمانية ونبين صحيفةً واحدة ومرحلة واحدة من تلك الإدارة الجارية في الربيع فحسب على وجه الأرض وصورة مختصرة لها بتمثيل؛ بناءً على إيضاح رسائل النور إياها وإثباتها في رسائلها المهمة كـ"الكلمة العاشرة".
فلو فرضنا مثلا: لو أن شخصًا عجيبًا خارقًا يحكم العالم شكَّل جيشًا مكوَّنًا من أربعمائة ألف أمّةٍ وطائفة مختلفة متنوعة، وقدّم هذا القائد الخارق ذو المعجزات لكل فردٍ من أفراد كلّ أمة وطائفة أَلْبِسَتَه، وأسلحته، وأطعمته، وتعليماته، وتسريحاته، وخدماته، وزوّد كلّ جندي من الجنود بأجهزةٍ مختلفة متنوعة بلا نقصان ولا تقصير ولا غلط ولا خطأ وفي الوقت المناسب بلا تأخير ولا خلط بكمال الانتظام وعلى أكمل وجه، فلابد أنّ أي سببٍ غير القدرة الخارقة للعادة لذلك القائد الخارق لا يستطيع أن يمد يده في هذه الإدارة الواسعة الشاسعة المختلطة المتشابكة الدقيقة المتوازنة العادلة المتعددة الكثيرة، ولو مدّها لأفسد التوازن وأخَلّ به.
كذلك فإننا نرى بأعيننا أن يدًا غيبية تخلق وتدير في الربيع جيشًا رائعًا مهيبًا مكوّنًا من أربعمائة ألف نوع مختلف، وتسرّح من هذه الأنواع في الخريف الذي هو نموذج القيامة ثلاثمائة ألف نوع من أنواع النباتات والحيوانات في صورة الوفيات والموت، وتعفيها من وظائفها، وتنشئ في الربيع الذي هو نموذج الحشر والنشر ثلاثمائةَ ألف مثالٍ للحشر الأعظم في غضون بضعة أسابيع بكمال الانتظام والإتقان، حتى إنه سبحانه يُظهِر أربعة أنواعٍ من الحشر المصغر على الشجرة الواحدة، أي: يظهر نشر الشجرة نفسها وأوراقها وأزهارها وثمارها كما كان في الربيع الماضي، ويعطي كلّ نوع وكل طائفة من ذلك الجيش السبحاني البالغ أربعمائة ألف نوعٍ ما يخصه وما يناسبه من الأرزاق المختلفة والأسلحة الدفاعية المتنوعة، والألبسة المختلفة، والتعليمات والتسريحات المختلفة، وجميع الجهازات والمستلزمات
198. صفحة
المختلفة، يعطي كلّ ذلك بكمال الإتقان والانتظام، بلا سهو ولا خطأ، ولا خلط ولا لبس، ودون أن ينسى أحدًا منهم، وفي الوقت المناسب، من حيث لا يحتسبه، وبذلك يثبت وحدانيته وأحديته وفرديته وقدرته غير المتناهية ورحمته غير المحدودة ضمن كمال الربوبية والحاكمية والحكمة، وهكذا يكتب سبحانه مرسوم التوحيد بقلم القدر على صفحة كلّ ربيع على وجه الأرض.
وبعدما قرأ سَيَّاحنا صفحةً واحدة فحسب من هذا المرسوم في ربيعٍ واحد خاطب نفسه قائلا:
إن القدير الجبار والقهار ذا الجلال ينشئ في كلّ ربيع آلافًا من أنواع الحشر التي هي أغرب وأعجب من الحشر الأكبر، ويَعِدُ جميع أنبيائه آلاف الوعود ويتعهد لهم بأنه سينشئ الحشر الذي هو أهون من الربيع على قدرته وأنه سيأتي بالقيامة من أجل الثواب والعقاب، ويقضي صراحةً بوقوع الحشر في ألف آية من آيات القرآن ويعد ويتوعد فيها، فضلا عن وجود آلاف الإشارات التي تشير إلى وقوع الحشر؛ فلابد أن عذاب جهنم عدلٌ لمن يرتكب خطأ إنكار الحشر الذي هو بمنزلة إنكارٍ لقدرته وتكذيبٍ بهذا القدر من وعود ذلكم القدير الجبار والقهار ذي الجلال.
هكذا حكم السَّيَّاح وقالت نفسه: آمَنّا.
الحقيقة الرابعة: حقيقة الرحيمية والرزاقية وهي "المرتبة الثالثة والثلاثون" التي شاهدها سَياح العالم في المنزل الثالث:
أي حقيقة إعطاءِ جميع الأحياء جميعَ الأرزاق الماديّة والمَعِديّة والمعنويّة، لاسيما ذوي الأرواح، خاصة العاجزين والضعفاء وبالأخص الصغار على وجه الأرض كله وفي جوفها وجوّها وبحارها، مما يُصنع من ترابٍ يابس بسيط، ومن قطع الحطب الجامدة والجافة كالعظام، لاسيما مما يخرج من بين فرثٍ ودم وهو ألطف الأغذية، ومن آلاف أرطال الأغذية المصنوعة من نواةٍ واحدة صلبة كقطعة عظم صغيرة، إعطاءِ هذه الأرزاق في شفقةٍ ورأفة من يدٍ غيبية أمام أعيننا، في الوقت المناسب، بصورةٍ مقنَّنة، دون نسيان أحدٍ، وبلا خطأ.
199. صفحة
أجل؛ كما أن الآية الكريمة ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾(الذاريات:58) تخصص الإعاشة والإنفاق وتجعلهما بيد الله تعالى حصرا، والآية الكريمة ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾(هود:6) تشير إلى أن أرزاق جميع الناس والحيوانات تحت التعهد الرباني وتكفّله، والآية الكريمة ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾(العنكبوت:60) تعلن أن الله تعالى يتكفل بالفعل بأرزاق العاجزين الضعفاء المساكين الذين لا يقدرون على توفير أرزاقهم بأنفسهم، ويعطيهم أرزاقهم بالمشاهدة ومن حيث لا يحتسبون، بل من الغيب، بل من العدم، فمثلا: يعطي الحشرات التي في قاع البحار أرزاقها من العدم، ويعطي الصغار أرزاقهم من حيث لا يحتسبون، ويعطي أرزاق جميع الحيوانات في كلّ ربيعٍ وكأنه يرسل من الغيب، وبذلك تثبت وتعلن الآية بأنه هو الذي يعطي أرزاق عبدة الأسباب أيضًا تحت ستار الأسباب؛ كذلك فإن آيات قرآنية كثيرة جدًّا، وما لا حد له من الشواهد الكونية يشير بالاتفاق إلى أن كلّ كائن حي إنما يُرزَق برحمة الرزاق الواحد الأحد ذي الجلال.
أجل؛ إنّ سعي الأرزاق إلى نوع الأشجار وهي تطلب الرزق واقفةً في أماكنها متوكلةً لعدم قدرتها وإرادتها، وسيلان أرزاق الصغار العاجزين إلى أفواههم من المضخات العجيبة الصغيرة، وانقطاع اللبن عندما يكتسب هؤلاء الصغار شيئًا من القدرة وجزءًا من الإرادة، ومنح الصغار لاسيما صغار البشر شفقة أمهاتهم معاوِنةً لهم؛ يثبت بالبداهة أن الرزق الحلال لا يأتي متناسبًا مع القدرة والإرادة، وإنما يأتي متناسبًا مع الضعف والعجز اللذين يسوقان إلى التوكل.
إن الاقتدار والإرادة والذكاء -التي تهيج الحرص الذي هو سبب الخسارة في الغالب- يسوق بعضَ الأدباء الكبار إلى نوع من التسول، وإن العجزَ في توكل يؤدي لدى العوام البلهاء الأفظاظ الجهلة إلى الغنى والثروة، والمثل المضروب:
كَمْ عَالِمٍ عَالِمٍ أَعْيَتْ مَذَاهِبُهُ وَجَاهِلٍ جَاهِلٍ تَلْقَاهُ مَرْزُوقًا
200. صفحة
كل هذا يثبت أن الرزق الحلال لا يُكسَب ولا يوفق إليه بقوة الاقتدار والإرادة، بل يعطَى من قبل الرحمة التي تقبل عمل العامل وسعيه، ويوهب من قبل الشفقة التي ترقّ لحاجة المحتاج.
ولكن الرزق قسمان:
أحدهما: الرزق الحقيقي الفطري لإدامة الحياة، وهو تحت التعهد الرباني.
وهو من الإتقان والانتظام بمكان بحيث إن الرزق الفطري المدَّخر في الجسم في صورة دهون وغيرها يمكّن الإنسان من أن يعيش من غير أن يأكل شيئًا لأكثر من عشرين يومًا على الأقل وأن يديم حياته، فالذين يموتون من الجوع إذن في الظاهر قبل عشرين أو ثلاثين يومًا من دون أن ينتهي الرزق الفطري المدَّخر في الجسم، لا يموتون بسبب انعدام الرزق، بل يموتون بسبب مرضٍ ينشأ عن عادةٍ سيئة أو عن ترك العادة.
والقسم الآخر من الرزق: هو الرزق المجازي الصنعي الذي أصبح بمنزلة الرزق الضروري بما أدمنه الإنسان بالتعود والإسراف والتصرفات السيئة.
وهذا القسم ليس تحت التعهد الرباني، بل تابع لإحسانه، فيعطي حينًا ويمنع حينًا آخر.
والسعيد في هذا الرزق الثاني هو من يعلم أن السعي الحلال بالاقتصاد والقناعة اللذين هما سببا السعادة واللذة نوعٌ من العبادة، ودعاءٌ فعلي للرزق، فيقبل هذه النعمة في شكر وامتنان، ويقضي حياته في سعادة وسرور.
والشقي من يترك السعي الحلال بسبب الإسراف والحرص اللذين هما من أسباب الشقاء والخسارة والألم، ويطرق كلّ باب، ويقضي حياته بل يهلكها في تكاسلٍ وظلم وشكوى.
فكما أن المعدة تطلب الرزق، فلطائف الإنسان وحواسه كالقلب والروح والعقل والعين والأذن والفم هي الأخرى تطلب رزقها من الرزاق الرحيم، وتأخذه بكل شكر، والرزق الخاص بكل واحد منها والذي يناسبه ويرضيه ويمتعه إنما يوهب من خزائن الرحمة، بل إن الرزاق الرحيم قد خلق كلّ واحد من تلك اللطائف والحواس من أمثال العين والأذن والقلب والخيال والعقل كمفتاحٍ
201. صفحة
لخزائن الرحمة حتى يعطيها رزقًا أوسع وأكثر، فمثلا: كما أن العين تكون مفتاحًا لخزائن الجواهر الثمينة من أمثال الحسن والجمال المنثور على وجه الكائنات؛ كذلك فكل واحدة من اللطائف والحواس الأخرى أيضًا تغدو مفتاحًا لعالم من العوالم، وتستفيد منه بالإيمان.
نعود مرة أخرى إلى ما نحن بصدده:
فكما أن القدير الحكيم الخالق لهذا الكون قد خلق الحياة كخلاصةٍ جامعة مستخلصة من الكون، وجعل مقاصده وأسماءه وجلواته تتمركز فيها؛ كذلك فإنه في عالم الحياة أيضًا جعل الرزق مركزًا جامعًا للشؤون، وخلق حاجة الاشتهاء والتللذ بالرزق لدى الأحياء، فجعل ربوبيته وتحبيب نفسه يقابَلان بالشكر والامتنان والتعبد الدائم الكلي الذي هو أهم غايةٍ وحكمة لخلق الكون.
وقد عمَّر كلّ جانب من جوانب المملكة الربانية الواسعة جدًّا لاسيما السماوات بالملائكة والروحانيات، وعالم الغيب بالأرواح، وعمّر العالم المادي لاسيما الهواءَ والأرضَ بكل أنحائها في كلّ وقت بوجود ذوي الأرواح خاصة الطيور والطويرات؛ فسَوْق القدير الحكيم الحيواناتِ والناسَ إلى السعي وراء الرزق جاعلا الحاجة إلى الرزق وتذوقه كسوطٍ قوي شديد يدفعهم إليه، وإنقاذَهم من الكسل والبطالة وجعْلَهم يسعون ويَجْرون وراء الرزق؛ هو من حِكم الشؤون الربانية.
فلولا الحكم المهمة كهذه وأمثالها لجعل القدير الحكيم الأرزاقَ المقنَّنة للحيوانات وحاجاتِها الفطريةَ تسعى إليها بلا مشقةٍ ولا تعب كما جعل أرزاق الأشجار تسعى إليها.
ولو كانت هناك عينٌ تحيط بوجه الأرض كله وتشاهده لِترى جمال اسم "الرحيم" و"الرزاق" وشهادتهما على الوحدانية رؤيةً كاملة؛ لرأت مدى الحسن اللطيف والجمال الحلو في تجلي شفقة الرزاق الرحيم الذي يرسل من خزائن الرحمة الغيبية المحضة الأطعمةَ في منتهى اللذة ومنتهى الكثرة ومنتهى التنوع، والمودعة في أيدي النباتات، والموضوعة على رءوس الأشجار، والمعلقة على صدور الأمهات كمددٍ غيبي وإحسانٍ رحماني لقوافل الحيوانات التي تكاد أرزاقها تنفد في أواخر
202. صفحة
الشتاء، ولعلمتْ من هذا أن الذي يصنع تفاحةً واحدة ويعطيها لرجلٍ واحد في إنعامٍ كرزقٍ حقيقي لا يمكن أن يكون إلا من يدوّر الفصول والليل والنهار، ويسيِّر الأرض كسفينةٍ تجارية، ويقدم بها محاصيل الفصول إلى ضيوفه المحتاجين في الأرض؛ لأن سكّة الفطرة وختم الحكمة وطغراء الصمدية وختم الرحمة الموجودة على وجه تلك التفاحة توجد أيضًا على جميع التفاح وغيره من الثمرات والفواكه وجميع النباتات والحيوانات؛ لذا فلابد ولامحالة أن المالك والصانع الحقيقي لتلك التفاحة ولسكان الأرض جميعهم الذين هم أمثالها وجنسها وإخوانها، وللأرض الضخمة التي هي حديقة هذه التفاحة، ولشجرتها التي هي مصنعها، ولفصلها الذي هو معملها، وللربيع والصيف اللذين هما محل زراعتها ونموها، إنما هو المالك ذو الجلال والخالق ذو الجمال لكل ذلك، ولا يمكن أن يكون غيره.
إذن إنّ كلّ ثمرةٍ ختمٌ للوحدة تعرّف صانعَ الأرض التي هي شجرتها، وكاتبَ كتاب الكون الذي هو حديقتها، وتظهر وحدته وتدل عليها، وتشير إلى أن مرسوم الوحدانية مختوم بأختام هي بعدد الثمرات.
ولما كانت رسائل النور مَظهرًا لاسم "الرحيم" واسم "الحكيم"، وقد بَيَّنتْ وأَثبتتْ كثيرًا من لمعات حقيقة الرحمة هذه في كثيرٍ من أجزائها؛ فإننا نحيل إليها ونكتفي هنا من هذا الكنز الكبير بهذه الإشارة القصيرة بسبب ظروفي التي لا تسمح.
يقول صاحبنا السَّيَّاح: الحمد لله لقد رأيت واستمعت إلى الحقائق الثلاث والثلاثين التي تشهد على وجوب وجود ووحدة خالقي ومالكي الذي بحثت عنه في كلّ مكانٍ وسألت عنه كلّ شيء، فكل حقيقة منها كشمسٍ ساطعة لا تدع مجالا للظلام، وهي قويةٌ لا تتزعزع ولا تتزلزل مثل الجبال الشامخة، وكل حقيقة منها بتحقيقاتها تشهد على وجوده سبحانه شهادةً قاطعة، وبإحاطتها تدل على وحدانيته دلالةً ظاهرة، وتثبت ضمنًا الأركان الإيمانية الأخرى إثباتًا قويًّا، فإجماع مجموع هذه الحقائق واتفاقها يرفع إيماننا من الإيمان التقليدي إلى الإيمان التحقيقي، ومن الإيمان التحقيقي إلى علم اليقين، ومن علم اليقين إلى عين اليقين، ومن عين اليقين إلى حق اليقين، الحمد لله هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي.
203. صفحة
﴿الْحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَانَا لِهٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾(الأعراف:43)
وكإشارة قصيرة إلى الأنوار الإيمانية التي استقاها هذا السَّيَّاح المتطلع للمعرفة والشغوف بها من "الحقائق الأربع العظيمة" التي شاهدها في هذا المنزل الثالث ورد في "الباب الثاني" من "المقام الأول" ما يلي:
"لَا إلٰهَ إلَّا اللهُ الوَاحِدُ الأَحَدُ الّذِي دَلَّ عَلَى وَحْدَتِهِ فِـي وُجُوبِ وُجُودِهِ؛ مُشَاهَدَةُ عَظَمَةِ إِحَاطَةِ حَقِيقَةِ الفَتَّاحِيَّةِ، بِفَتْحِ الصُّوَرِ لِأَرْبَعِمِائَةِ أَلْفِ نَوْعٍ مِـنْ ذَوِي الحَيَاةِ المُكَمَّلَةِ بلَا قُصُوٍر، بِشَهَادَةِ فَنِّ النَّبَاتَاتِ وَالحَيْوَانَاتِ، وَكَذَا مُشَاهَدَةُ عَظَمَةِ إِحَاطَةِ حَقِيقَةِ الرَّحْمَانِيَّةِ الوَاسِعَةِ المُنْتَظَمَةِ بلَا نُقْصَانٍ بالمُشَاهَدَةِ والعَيَانِ، وكَذَا مُشَاهَدَةُ عَظَمَةِ حَقِيقَةِ الإدَارَةِ المُحِيطَةِ لِجَمِيعِ ذَوِي الحَيَاةِ والمُنْتَظَمَةِ بلَا خَطَأٍ وَلَا نُقْصَانٍ، وَكَذَا مُشَاهَدَةُ عَظَمَةِ إِحَاطَةِ حَقِيقَةِ الرَّحِيمِيَّةِ وَالإِعَاشَةِ الشَّامِلَةِ لِكُلّ المُرْتَزِقِينَ المُقَنَّنَةِ فِـي كُلِّ وَقْتِ الحَاجَةِ بلَا سَهْوٍ وَلَا نِسْيَانٍ جَلَّ جَلالُ رَزَّاقِهَا الرَّحْمَنِ الرحيمِ الحَنَّـانِ المَنَّانِ، وَعَمَّ نَوَالُهُ وَشَمِلَ إِحْسَانُهُ وَلَا إلٰهَ إلَّا هُوَ".
﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الحَكِيمُ﴾
يَا رَبِّ بِحَقِّ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ يَا اللهُ يَا رَحْمَنُ يَا رَحِيمُ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ بِعَدَدِ جَمِيعِ حُرُوفِ رَسَائِلِ النُّورِ المَضْرُوبِ تِلْكَ الحُرُوفُ فِي عَاشِرَاتِ دَقَائِقِ جَمِيعِ عُمْرِنَا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ مَعَ ضَرْبِ مَجْمُوعِهَا فِي ذَرَّاتِ وُجُودِي فِي مُدَّةِ حَيَاتِي، وَاغْفِرْ لِي وَلِمَنْ يُعِينُنِي فِي نَشْرِ رَسَائِلِ النُّورِ وَكِتَابَتِهَا بِصَدَاقَةٍ بِكُلِّ صَلَاةٍ مِنْهَا، وَلِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا ولِسَادَاتِنَا وَشُيُوخِنَا وَلِإِخْوَانِنَا وَأَخَوَاتِنَا وَلِطَلَبَةِ رِسَالَةِ النُّورِ الصَّادِقِينَ وَبِالْخَاصَّةِ لِمَنْ يَكْتُبُ وَيَسْتَنْسِخُ هَذِهِ الرِّسَالَةَ، بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، آمِينَ، وآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
204. صفحة
تنبيه:
لم تكن سائر أجزاء رسائل النور موجودة في محيط هذه البلدة التي صارت محل ظهور رسائل النور؛ فألَّفتُ هذه الرسالة هنا من دون اختيار وإرادة، ومن ثم فقد ذُكرت بعض المسائل المهمة المذكورة في سائر الكلمات واللمعات بتكرار ظاهر في رسائل مثل رسالة "الآية الكبرى"، وهذه المسائل قد أُمْلِيت هكذا لحكمة أن تكون كلّ واحدة منها رسائل نور صغيرة لتلاميذ رسائل النور هنا.
إن النسخة المبيضة الأولى من هذه النسخة المسودة كانت قد نسخت من قبل شخص طيب، ومع أنه لم يكن يعرف عما فيها من التوافقات إلا أننا رأينا في النسخة التي استنسخها توافقا لطيفا ذا مغزى يستحق أن يسجل، وهو:
إن الألفات التي في بداية سطور تلك النسخة كتبت ستمائة وستة وستون مرة، وهذا يتوافق ويتطابق مع المقام الأبجدي والجفري لاسم الآية الكبرى الذي أطلقه الإمام علي رضي الله عنه على هذه الرسالة وهو ستمائة وستة وستون، مما يدل على استحقاق هذه الرسالة هذا الاسم، ثم إن توافقها مع ثلاث مراتب من المراتب الأربع لعدد ستة آلاف وستمائة وستة وستين الذي هو عدد آيات القرآن إشارة إلى أن هذه الرسالة لمعة من تلك الآيات الكريمة، وهذا ما فهمناه.
سعيد النورسي
205. صفحة
باسمه سبحانه
استمعت في هذه الأيام إلى سؤالٍ وجواب في حوار معنوي، أبين لكم خلاصةً منه:
قال أحدهم: إن تحشيدات رسائل النور الكبيرة وتزويداتها الكلية بالبراهين والحجج حول الإيمان والتوحيد تزداد وتكثر باستمرار، فلِمَ تقوم بتحشيداتٍ جديدة بهذه الدرجة من الحماس والحرارة، على الرغم من أن واحدًا بالمائة من البراهين والحجج كافٍ لإلزام ملحدٍ ذي عناد شديد؟
قالوا له جوابًا: إن رسائل النور لا ترمّم تخريباتٍ جزئية أو منزلا صغيرا فحسب، بل ترمّم تخريباتٍ كلية وقلعةً عظيمة تحيط بالإسلام، أحجارها ولبناتها ضخمة ضخامة الجبال، ولا تسعى لإصلاح قلبٍ واحد وضمير معين، بل تسعى بإعجاز القرآن لمعالجة القلب الاجتماعي وأفكار المجتمع المصابة بجروحٍ غائرة خطيرة بواسطة الآلات المفسدة المعَدَّة المتراكمة منذ ألف سنة، ولمعالجة ضمير المجتمع الذي بدأ يفسد نتيجة هدم أسس الإسلام وتياراته وشعائره التي هي مُستَند الجميع لاسيما عوام المؤمنين، تسعى إلى مداواة هذه الجروح الغائرة بأدوية القرآن والإيمان.
فإزاء مثل هذه التخريبات والجروح والإصابات الكلية الرهيبة لابد من وجود حُجَجٍ وعُدَد قوية بدرجة حقّ اليقين وفي قوة الجبال الراسيات، وأدويةٍ مجرَّبة لا حدّ لها تحمل خاصيات آلاف من أنواع الترياق، فرسائل النور التي نبعت من الإعجاز المعنوي للقرآن المعجز البيان في هذا الزمان تؤدي هذه الوظيفة، فضلا عن أنها وسيلة للترقيات والكشف في مراتب الإيمان غير المحدودة.
هكذا دار ذلك الحديث والحوار الطويل، فسمعته كاملا، وشكرت الله تعالى بلا حدٍّ، فأختصر الحديث هنا.
سعيد النورسي
206. صفحة
باسمه سبحانه
هذه الآثار آثار ذكاء وقَّاد مشتعل،
وهذه هي العبقرية التي تنتظرها العصور كلها،
هذه الأنوار أنوارٌ فياضة على العالم الإنساني،
وتجلي الحق هو الذي يتلألأ في ثنايا هذه الحقائق ولاشك،
يا معلمنا ويا مرشدنا، البشرُ كلهم معجَبون بفيضك وبنورك
والأذكياء الذين وجدوا الحقّ بآثارك يقولون: لا نجد للنقصان فيها سبيلا
والذين يقرءون هذه الأنوار يجدون بلطف الحق عالَمًا منورًا جديدًا
والله تعالى هو الذي يخلق في القلوب حقائق من النور لا محالة.
تلميذك خُسْرَوْ
بكل أرواحنا ومهجنا نصدق تقريظ أخينا الكبير المدرج أعلاه، ونحن أيضًا نقول:
مانعة هي لمجيء الشكّ والوسوسة
وقد نالت إعجاب العلوم والفلسفة
لم تبقَ فيها لأولي الألباب الباصرة نقطةٌ مظلمة
إلى الفيض والرقي وسيلة هي
نالت تقدير الطريقة والحقيقة
لم تبقَ فيها لذوي القلوب الباصرة نقطةٌ مظلمة
من تلاميذ النور
طاهري، زبير، جيلان، بيرم، عبد المحسن
207. صفحة
جواب مهم جدًّا على سؤال مهم جدًّا
نكتب هنا جوابًا مهمًّا ذُكر ردًّا على سؤالٍ مهم لمناسبة المقام، نكتبه لأن سعيدًا القديم ذكر قبل أربعين سنة في ذلك الدرس ما لرسائل النور من دروس وتأثيرات خارقة وكأنه رآها بالفعل بحس قبل الوقوع، وهو كالآتي:
لقد سألني الكثيرون وسألوا بعضًا من إخواني النوريين وما زالوا يسألون:
لِمَ لا تُهزَم رسائل النور أمام هذه الكثرة الكاثرة من المعارضين، والفلاسفة المعاندين، وأهل الضلالة؟
وعلى الرغم من أنهم منعوا -إلى حد ما- انتشار ملايين الكتب الإيمانية والإسلامية القيمة، وحرَموا كثيرًا من الناس ولاسيما الشباب المساكين من الحقائق الإيمانية بالسفاهة وملذات الحياة الدنيا، وسَعَوْا إلى كسر تأثير رسائل النور، وإخافة الناس منها، وحملهم على التخلي عنها، بأشد المهاجمات، وأقسى المعاملات، وأشنع الأكاذيب، والدعايات المختلقة ضدها، فقد انتشرت رسائل النور انتشارًا لم يحظ بمثله كتاب آخر، وبالأخصّ الستمائة ألف نسخة منها استنسخت أغلبها بخط اليد، وانتشرت سرًّا تحت الستار بكمال الشوق والحماسة.
فما السر في أنها تجذب الناس لقراءتها في الداخل والخارج بكمال الشوق والحماسة؟ وما حكمة ذلك؟ وما سببه؟
ونحن -إجابة على مثل هذه الأسئلة الكثيرة التي تُطرح بمثل هذه التساؤلات- نقول:
إن رسائل النور التي هي تفسيرٌ حقيقي للقرآن الحكيم بسر إعجازه تبين أن في الضلالة جهنم معنويةً في هذه الدنيا، كما تثبت أن في الإيمان جنةً معنوية في هذه الدنيا، وأن في السيئات والرذائل والملذات المحرمة آلامًا معنويةً أليمة، وتثبت أن في الحسنات والفضائل والخصال الحميدة والعمل بحقائق الشريعة لذائذ معنويةً كلذائذ الجنة، فتُنقِذ أهل السفاهة ومن وقعوا في الضلالة والذين لم يفقدوا صوابهم بعد من هذه الناحية، ذلك أن هذا الزمان تسود وتسيطر فيه "حالتان رهيبتان":
208. صفحة
الحالة الرهيبة الأولى: إن الأحاسيس والمشاعر الإنسانية التي لا ترى العاقبة وتفضل قليلا من اللذة العاجلة على كثير من اللذائذ الآجلة، تغلبت على العقل والفكر؛ لذا فالحلّ الوحيد لإنقاذ أهل السفاهة من سفاهتهم هو إظهار آلامهم في صلب لذاتهم، والغلبة على عواطفهم ومشاعرهم.
والحل الوحيد لإنقاذ الإنسان من خطر تفضيله قِطَعًا زجاجية دنيوية قابلة للكسر على نِعَم الآخرة ولذائذها القيمة الغالية كالألماس في هذا الزمان مع أنه يعلم قيمة هذه النعم واللذائذ بإشارة الآية الكريمة ﴿يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَة﴾، ومن خطر أن يكون تابعًا لأهل الضلالة من جراء حب الدنيا وذلك السرّ مع أنه من أهل الإيمان، الحل الوحيد لهذا الخطر هو بيان وإظهار عذاب جهنم وآلامها في الدنيا أيضًا، فرسائل النور تسلك هذا المسلك.
وإلا فيكون الحلّ إزاء عناد الكفر المطلق، والضلال الناشئ عن العلوم، والإدمان الناشئ عن عناد السفاهة في هذا الزمان بصرف الناس عن الرذائل والسيئات بإثبات وجود جهنم بعد تعريفهم بالله تعالى وبتخويفهم بعذابها، ولكن هذا الحل لا يتعظ ولا يعتبر به إلا واحد من عشرين أو واحد من عشرة من الناس، وبعدما يتعظ يقول: إن الله غفورٌ رحيم، وجهنم بعيدة جدًّا، ويمكن أن يستمر في سفاهته مرة أخرى، ويُهزم قلبه وروحه أمام أحاسيسه ومشاعره.
وأكثر الموازنات في رسائل النور، بإظهارها النتائج الأليمة المرعبة للكفر والضلال في الدنيا، تُكرِّه الملذات وأنواع السفاهة المنحوسة غير المشروعة حتى لعبدة النفس من المعاندين الأشداء، وتسوق الراشدين منهم إلى التوبة، فالموازنات الصغيرة المذكورة في "الكلمة السادسة" و"الكلمة السابعة" و"الكلمة الثامنة"، والموازنة الطويلة المذكورة في "الموقف الثالث" من "الكلمة الثانية والثلاثين" ترعب حتى أشد الناس سفاهة وتماديًا في الضلال، وتُخضعهم لدرسها.
فأحد نموذجين من بين آلاف أمثلة نعيم الجنة وملذاتها الكامنة في تجليات الإيمان كما في الأعمال المشروعة هو:
209. صفحة
سنشير إشارة قصيرة إلى الأوضاع التي رآها سعيد القديم حقيقةً في سياحته الخيالية في الآية النورية([1])، ومن أراد تفصيلها فلينظر في كتاب "المكتوبات" في بداية "الخطبة الشامية".
ومن تلك الأوضاع أنه عندما رأيت عالم الحيوانات المحتاجة إلى الرزق نظرت إليها بنظر الفلسفة المادية، فأَظهر لي ضعفُها وعجزها مع احتياجاتها غير المحدودة وجوعها الشديد عالمَ الأحياء ذلك في صورةٍ أليمة يرثى لها، فأطلقت صرخات ألم وبكاء بسبب نظري بعين أهل الضلال وأهل الغفلة، ثم فجأة نظرت بمنظار الإيمان والحكمة القرآنية، فرأيت أن اسم "الرحمن" قد طلع في برج اسم "الرزّاق" كشمسٍ ساطعة، فزيّن بضوء الرحمة تلك العوالِمَ الثلاثة الجائعة المسكينة.
ثم رأيت في عالم الحيوانات عالَمًا آخر حزينًا أليمًا في ظلمةٍ تثير مشاعر الرقة والرحمة لدى الجميع؛ تتقلب فيها الصغار في ضعفٍ وعجز واحتياج، فتحسرت وتأوهت على نظري بنظر أهل الضلالة، ثم فجأة أعطاني الإيمان نظَّارةً، فرأيت من خلالها أن اسم "الرحيم" قد طلع في برج الشفقة، فحوّل ذلك العالمَ الأليم الحزين إلى عالمٍ بهيج وأضاءه ونوّره بصورةٍ لطيفة حلوة حوّلت دموعي الناشئة عن الشكوى والرحمة والحزن إلى دموعٍ تقطرت من لذة الفرح والشكر.
ثم تراءى لي عالم الإنسان مثلما تتراءى شاشة سينمائية، فنظرت إليه بمنظار أهل الضلالة، فرأيت ذلك العالم مظلمًا مرعبًا إلى حدٍّ صرخت معه وبكيت من أعماق قلبي، وقلت واحسرتاه! وا أسفاه!؛ ذلك أن الإنسان مع رغباته وآماله الممتدّة إلى الأبد، وتصوراته وأفكاره التي تحيط بالكون، وهِمَّته وطموحاته واستعداداته الجِبِلّيّة التي تطلب بشدة البقاءَ الأبدي والسعادةَ الأبدية والجنة، وقُواه الفطرية التي أُطلِقت بلا قيود ولا حدود، ومع احتياجاته المتوجهة إلى مقاصد غير محدودة، وضعفه وعجزه، ومع مصائبه وأعدائه غير المحدودة التي يتعرض لهجماتها، ينظر ذلك الإنسان إلى القبر والمقبرة التي تتراءى لأهل الغفلة
[1])) يقصد هذه الآية الكريمة: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾.
210. صفحة
في صورة بابٍ ينفتح إلى ظلماتٍ أبدية، في حياةٍ متقلبة مضطربة تحت وطأة قلق الموت في كلّ يوم وكل ساعة في عمرٍ قصير، وفي معاناة عيشٍ بائس جدًّا، ومقاساة ألم الزوال والفراق الدائم الذي هو أشد الحالات وطأة وألمًا على القلب والضمير، ورأيت أنهم يُلقَون في بئر الظلمات هذا فردا بعد فردٍ وطائفةً إثر طائفة.
وحينما رأيت عالم الإنسان غارقًا في الظلمات كان قلبي وروحي وعقلي على وشك البكاء المرير والعويل الصارخ مع جميع لطائفي الإنسانية بل مع جميع ذرات جسمي، فإذا بالنور والقوة النابعين من القرآن حطّما نظَّارة الضلالة هذه، ووضَعا في رأسي عينًا، فرأيت بها أن اسم الله "العادل" قد طلع كالشمس في برج "الحكيم"، واسم "الرحمن" في برج "الكريم"، واسم "الرحيم" في برج "الغفور"، واسم "الباعث" في برج "الوارث"، واسم "المحيي" في برج "المحسن"، واسم "الربّ" في برج "المالك"، أي: في معانيه، وكل واحد من هذه الأسماء أضاء عالم الإنسان المظلم كله وعمَّره بين العوالم الكثيرة، وبدد الحالات الجهنمية، وفتح نوافذ نورانية من عالم الآخرة، وسكب ونثر الأنوار في عالم الإنسان البائس، فعندئذ قلت بعدد ذرات الكائنات "الحمد لله، والشكر لله"، ورأيت بعين اليقين أن في الإيمان جنةً معنوية حتى في هذه الدنيا، وعلمت يقينًا أن في الضلال جهنم معنوية حتى في هذه الدنيا.
ثم تراءى لي عالم الكرة الأرضية، فقد أظهرت لخيالي القوانينُ العلمية المظلمة للفلسفة التي لا تطيع الدين عالمًا مرعبًا مفزعًا في سياحتي الخيالية تلك؛ إذ تراءى لي وضع نوع الإنسان البائس المسكين المسافر في فضاء لا حد له في الكرة الأرضية العجوز المسنة ذات الزلازل والاهتزازات الجوفية، والتي تقطع مسافة خمسة وعشرين ألف سنة في سنةٍ واحدة وتدورها بحركتها التي هي أسرع من القذيفة سبعين مرة، والتي هي مستعدة للانفجار والتشتت في كلّ وقت، تراءى لي وضع نوع الإنسان المسافر على متن تلك السفينة الهائلة مرعبًا مفزعًا في ظلمات فوق ظلمات، وداخ رأسي، وأظلمت الدنيا أمام عيني، فطرحت نظارة الفلسفة أرضًا، وحطمتها.
ثم نظرت فجأة بعينٍ منوَّرة بالحكمة القرآنية، فرأيت أن أسماءَ خالق الأرض والسماوات من أمثال "القدير" و"العليم"و"الرب" و"الله" و"رب السماوات
211. صفحة
والأرض" و"مسخِّر الشمس والقمر" قد طلعت كالشمس في أبراج الرحمة والعظمة والربوبية، فنورت ذلك العالم الذي رأيته مظلمًا موحشًا ومرعبًا تنويرًا بحيث رأيت الكرة الأرضية في تلك الحال بنظري ذي الإيمان كسفينةٍ سياحية منظَّمة رائعة مسخَّرة بديعة طيبة آمنة جدًّا وُضِعَت فيها أرزاق الجميع، وقطارٍ مهيأ للتنزه والاستجمام والتجارة، وطائرةٍ بديعة لترحيل ذوي الأرواح حول الشمس في المملكة الربانية، ولجلب محاصيل الصيف والربيع والخريف لمن يطلبون الرزق، وقلت "الحمد لله على نعمة الإيمان" بعدد ذرات الكرة الأرضية.
وقياسًا على هذا فقد أُثبت في رسائل النور بموازنات ومقارنات كثيرة جدًّا أن أهل السفاهة والضلالة يقاسون العذاب في جهنم معنوية حتى في الدنيا، وأن أهل الإيمان وأهل الصلاح يمكنهم أن يذوقوا حتى في الدنيا لذائذ الجنة المعنوية في جنة معنوية بتجليات الإيمان بمعدة الإسلام والإيمان، بل يمكنهم أن يستفيدوا منها حسب درجات إيمانهم، ولكن تيارات هذا الزمان ذات العواصف التي تبطل المشاعر والعواطف وتشتت أنظار البشر في الآفاق أورثت البشر بلادة وجنونًا من قبيل إبطال المشاعر؛ إذ لا يشعر أهل الضلال مؤقتًا بالعذاب المعنوي شعورًا تامًّا، وأما أهل الهداية فتغلبهم الغفلة، ولا يُقَدِّرون ما يتذوقون من اللذائذ الحقيقية تقديرًا تامًّا.
الحالة الرهيبة الثانية التي تتحكم في هذا العصر: وهي أن الكفر المطلق والضلالاتِ الناشئة عن العلوم وأنواعَ التمرد النابعة عن الكفر العنادي كانت قليلة في الماضي بالنسبة لهذا الزمان، لذا فدروس محققي الإسلام القدماء وحججهم كانت كافية ووافية لتلك الأنواع من الضلال والتمرد في ذلك الزمان، وكانت تزيل الكفر المشكوك بسرعة، ولما كان الإيمان بالله تعالى سائدًا وعامًّا في ذلك الزمان؛ كانوا يستطيعون أن يصرفوا الكثيرين عن السفاهات والضلالات بتعريفهم إياهم بالله سبحانه وتعالى وبتذكيرهم بعذاب جهنم.
أما الآن فقد يكون في قرية واحدة عشرون من الكافرين بدلا من كافر كفرًا مطلقًا في بلد واحد في الماضي، وقد ازداد عدد الذين يقعون في الضلال بسبب العلوم والفنون ويعارضون الحقائق الإيمانية بسبب العناد والتمرد مائة ضعف
212. صفحة
الآن بالنسبة للماضي، فهؤلاء المعاندون المتمردون يعارضون الحقائق الإيمانية بغرور في درجة الفرعونية وبضلالهم العنيف المذهل؛ لذا فلابد من وجود حقيقةٍ قدسية كالقنبلة الذرية تقدر على تحطيم أسسهم ونسفها في هذه الدنيا، حتى توقف تجاوزاتهم واعتداءاتهم، وتسوق بعضهم إلى الإيمان.
ونشكر الله تعالى شكرًا لا حد له؛ حيث إن رسائل النور التي هي ترياقٌ شاف لجروح هذا الزمان ومعجزة معنوية للقرآن المعجز البيان ولمعات تلمعت منه؛ تلزم أعتى المتمردين وأشدهم عنادًا وتدحض حججهم بالموازنات الكثيرة وبسيف القرآن الألماسي، وتُظهِر دلائل وحجج وحدانية الله تعالى والحقائق الإيمانية ودلائلها بعدد ذرات الكائنات؛ ومن أجل ذلك لم تُغلب ولم تنهزم رسائل النور أمام أشد الهجمات منذ خمس وعشرين سنة، بل غلبتها، وما زالت تغلبها.
أجل؛ إن رسائل النور تعقد موازنات بين الكفر والإيمان، ومقارنات بين الهداية والضلال، وتثبت هذه الحقائق المذكورة بالمشاهدة، فبراهين ولمعات مقامي "الكلمة الثانية والعشرين"-مثلا- و"الموقف الأول" من "الكلمة الثانية والثلاثين"، ونوافذ "الكلمة الثالثة والثلاثين"، والحجج الإحدى عشرة لـ"مجموعة عصا موسى"، إذا قورنت بها الموازناتُ الأخرى وأُمعِن النظر فيها، لتبين أن الذي يحطم الكفر المطلق ويكسر عناد الضلالة المتمردة ويهدمه في هذا الزمان إنما هو الحقيقة القرآنية التي تتجلى في رسائل النور.
وكما أن الرسائل التي تحل الطلاسم المهمة للدين وتكشف معمَّيات خلق العالم وأسراره قد جُمعت في "مجموعة الطلاسم"؛ فستُكتَب كذلك في مجموعةٍ إن شاء الله تعالى باختصارٍ بعضٌ من رسائل النور أمثال تلك الرسائل التي تبين كيف أن أهل الضلال يقاسون عذاب جهنم حتى في الدنيا، وكيف أن أهل الهداية يذوقون لذائذ الجنة ومتعها حتى في الدنيا، وتوضح كيف أن الإيمان نواة معنوية للجنة، وأن الكفر بذرة شجرة زقوم جهنم، وستُنشَر إن شاء الله تعالى.
213. صفحة
أربع نقاط آتية للمبحث الأول من الكلمة الثالثة والعشرين
التي هي دليل على أن الإيمان تكمن فيه نواة الجنة حتى في الدنيا
بسم الله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ _ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ _ إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾(التين:٤-٦)
المبحث الأول
نبين فيه خمس محاسن فقط من بين آلاف محاسن الإيمان، في خمس نقاط.
النقطة الأولى:
إن الإنسان يسمو بنور الإيمان إلى أعلى عليين، فيكتسب قيمة تليق بالجنة، ويسقط بظلمة الكفر إلى أسفل السافلين، فيكون في وضع يجعله أهلاً([1]) لجهنم؛ لأن الإيمان ينسب الإنسان إلى صانعه ذي الجلال.
فالإيمان انتساب؛ لذا يكتسب الإنسان بالإيمان قيمة من حيث الصَّنعة الإلهية التي تظهر عليه، ومن حيث نقوش الأسماء الربانية التي تتجلى فيه.
أما الكفر فيقطع تلك النسبة، فتختفي من جرّاء ذلك القَطْعِ الصنعةُ الربانيةُ وتكون قيمته باعتبار المادة فحسب.
أما المادة لكونها حياةً حيوانيةً فانيةً وزائلةً ومؤقتةً فقيمتُها بحكم اللاشيء.
ونبيِّن هذا السر بتمثيل:
فمثلاً: قد تختلف قيمة المادة عن قيمة الصنعة فيما يصنعه الإنسان من مصنوعات، فأحيانًا تكونان متساويتين، وأحيانًا تكون المادة أكثر قيمةً، وأحيانًا توجد صنعة بقيمة خمسمائة قرش في مادة من الحديد بقيمة خمسة قروش، بل أحيانًا تكتسب تحفةٌ فنية قيمةَ مليون مع أن مادتها لا تساوي حتى خمسة قروش.
[1] أهلاً للشيء: مستحقًا له.
214. صفحة
وهكذا؛ فإذا أُخِذت تحفة فنية إلى سوق أصحاب التحف، وعُرضت بمسحة([1]) فنها منسوبة إلى فنانها المبدع الماهر العريق، فبذكر ذلك الفنان تباع هذه التحفة بسعر المليون، أما إذا أُخذت إلى سوق الحدَّادين، فقد تُشترى بقيمة حديد سعره خمسة قروش.
وهكذا فالإنسان تحفةٌ فنيةٌ للحق تعالى، وهو ألطف وأرق معجزة لقدرته؛ بحيث خلق الإنسان في صورة مَظهرٍ لتجليات جميع أسمائه، ومدارٍ لنقوشها، ومثالٍ مُصغَّر للكون، فإذا دخل نورُ الإيمان فيه تُقرأ عليه بذلك النور والضياء كلُّ النقوش ذاتِ المعاني، يَقرأ المؤمنُ ذلك بالوعي والإدراك ويُقرِئُها بذلك الانتساب، أي تتبدى الصنعة الربانيَّة في الإنسان بمعانٍ، مثل: إنني مصنوعُ الصانع ذي الجلال، ومخلوقُه ومَظهرُ رحمته وكرمِه.
إذن فالإيمان الذي هو عبارة عن انتساب الإنسان إلى صانعه يُظهر كلَّ آثار الصنعة الموجودة فيه، وتكون قيمة الإنسان بحسب تلك الصنعة الربانية وباعتبار كونه مرآةً صمدانية. وعليه فالإنسان الذي لا أهمية له يكون بهذا الاعتبار مخاطَبًا إلهيًّا فوق جميع المخلوقات، وضيفًا ربانيًّا لائقًا بالجنة.
أما إذا دخل الكفر الذي هو عبارة عن قطع الانتساب في الإنسان؛ فتبقى كل نقوش الأسماء الإلهية ذات المعاني في الظلمات، ولا تُقرَأ؛ إذ إنه إذا نُسي الصانعُ فلا تُفهم الجهاتُ المعنويةُ المتوجهةُ للصانع وكأنها تنقلب رأسًا على عقب، وتختفي معظم تلك الصنعة العالية ذات المعاني والنقوش المعنوية العالية، أما القسم الباقي الذي يُرَى بالعين فيُنسَب إلى الأسباب السفلية والطبيعة والتصادف ويسقط أخيرًا، فيصبح كلُّ واحد منها قطعةَ زجاج خامدة بعدما كانت ألماسة لامعة، وتبقى أهميته في المادة الحيوانية فقط.
وأما غاية المادة وثمرتها - كما قلنا - فهي قضاء الإنسان وتمضيته حياةً جزئيةً في عمر قصير جدًّا، وهو أعجز الحيوانات، وأشدها احتياجًا، وأكثرها همومًا، ثم يتفسخ ويزول، وهكذا فإن الكفر يهدم ويخرب ماهية الإنسان ويحولها من الماس إلى الفحم.
[1] مسحة: أثر.
215. صفحة
النقطة الثانية:
كما أن الإيمان نور يضيء الإنسان ويستقرئ كل ما كُتب عليه من مكتوبات صمدانية؛ فهو يضيء الكون كذلك، ويخلص الزمن الماضي والمستقبل من الظلمات.
ونبين هذا السر بتمثيل رأيته في واقعة تدور حول سر الآية الكريمة: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ﴾ (البقرة:٢٥٧) كالآتي:
رأيت في واقعة خيالية جبلين شامخين متقابلين، قد نُصب عليهما جسرٌ عظيم، وأنه في أسفل الجسر واد عميق، وأنا فوق ذلك الجسر، وكان قد استولى على جميع أنحاء الدنيا ظلام دامس كثيف، ونظرت يمنةً فرأيت مقبرة كبرى تقبع في ظلمات لا نهاية لها - أي: تخيلتها - ونظرت يسرةً فرأيت كأن عواصفَ هوجاءَ وأمواجًا متلاطمةً ودواهيَ أُعِدَّت في أمواج ظلمات مذهلة.
ونظرت أسفل الجسر فظننت أنني أرى هوَّة عميقة، وكان لي في مقابل هذه الظلمات المذهلة مصباح يَدَويٌّ خافت، فاستخدمته ونظرت بضوئه الخافت فتراءى لي وضع مذهل، تراءى لي على رأس الجسرِ الموجودِ أمامي وحولَهُ أفاعٍ وأُسُود ووحوش مذهلة مفزعة، جعلَتني أقول: ليت هذا المصباح اليدوي لم يكن معي، ولم أر هذه المفزعات، فأينما وجّهت هذا المصباح أخذني ذهول ورعب فقلت: ويلي! هذا المصباح مصيبة عليّ، فغضبت عليه وألقيته أرضًا وحطمته، وكأنني بتحطيمه قد ضغطتُ على زر لمصباح كهربائي كبير يضيء الدنيا، فإذا بتلك الظلمات قد انقشعت، وامتلأت الأرجاءُ كلها بنور ذلك المصباح، وأظهر حقيقةَ كلِّ شيء.
ونظرتُ فوجدت أن الجسر الذي رأيته هو جادة داخل سهل في موقع منتظم للغاية، فشعرتُ أن المقبرة الكبرى التي رأيتها عن يميني هي من أقصاها إلى أقصاها مجالسُ عبادةٍ ودعوةٍ ومؤانسةٍ وذِكرٍ تحت رئاسة أناس نورانيين في حدائقَ خضراءَ جميلةٍ، ورأيت أن الهُوَّات والشواهق التي ظننتها مضطربة وذات العواصف الهوجاء؛ تتراءى لي كأنها دار ضيافة عظيمة، ورياض جميلة، ومتنزه سام وراء الجبال المزينة اللطيفة المحببة الجذّابة.
216. صفحة
وأما المخلوقات التي ظننتها وحوشًا ضارية وأفاعيَ مفزعةً فرأيت أنها حيوانات أليفةٌ مؤنسةٌ كالجِمال والأبقار والأغنام والماعز، فقرأت الآية الكريمة: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ ءَامَنُوا يُخْرِجُهُم مِنَ الظُّلُمَٰتِ إِلَى النُّورِ﴾ قائلاً: (الحمد لله على نور الإيمان)، فأفقت من تلك الواقعة.
وهكذا، فإن ذانكما الجبلين هما مبدأ الحياة وآخِرُها؛ أي: عالَم الأرض وعالم البرزخ، وذلك الجسر هو طريق الحياة، وأما الجهة اليُمنى فهي الزمن الماضي، وأما الجهة اليسرى فهي المستقبل، وأما المصباح اليدوي فهو الأنانية الإنسانية المعجبة بنفسها والتي تَعْتَدُّ بما تعلمه، ولا تذعن للوحي السماوي، وأما الأشياء التي ظُن أنها وحوش فهي حوادث العالم ومخلوقاته العجيبة.
فالإنسان الذي يعتمد على أنانيته ويقع في ظلمات الغفلة، والذي يُبتلى بظلام الضلالة يشبه حالتي الأولى التي في تلك الواقعة؛ حيث إنه يرى الزمن الماضي بمعلوماته الناقصة والمشوبة بالضلالة التي هي في حكم المصباح اليدوي كمقبرة كبرى في ظلمات مشوبة بالعدم، وتُظهر - تلك المعلومات الناقصة - المستقبلَ عالَمًا موحشًا مليئًا بالعواصف الهوجاء ومرتبطًا بالتصادف، وتُصوِّر الحوادث والموجودات - التي كل واحد منها موظف مسخر لحكيم رحيم - وحوشًا كاسرةً؛ نقول: هذا الإنسان ينطبق عليه حكم: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوۤا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ (البقرة:٢٥٧)
أما إذا أغاثته الهداية الإلهية، ودخل الإيمانُ في قلبه، وانكسرت فرعونية نفسه وأصغى إلى كتاب الله؛ فسيشبه حالتي الثانية في تلك الواقعة، فعندئذ يصطبغ([1]) الكون بلون النهار، ويمتلئ بالنور الإلهي، فيقرأ العالَمُ آية: ﴿اللهُ نُورُ السَّمٰوَاتِ﴾ وحينئذ لا يرى - هذا الإنسان - الزمنَ الماضي كمقبرة كبرى، بل يرى كلَّ عصر منه بعين القلب جماعات الأرواح الصافية التي أدت وظيفة العبودية تحت رئاسة نبي أو ولي، ثم صعدت إلى المقامات العالية، وعَبَرَت إلى ناحية المستقبل بإتمام وظائف حياتها قائلة: "الله أكبر".
[1] يصطبغ: يتلون.
217. صفحة
وعندما ينظر إلى يساره يدرك بنور الإيمان - عن بعد - أن ما وراء الانقلابات البرزخية والأخروية التي في ضخامة الجبال ضيافةٌ رحمانيةٌ نصبت في قصور السعادة الموجودة في حدائق الجنة، ويعرف أن الحوادث من مثل العاصفة والزلزلة والطاعون إنما هي موظفات مسخرات، ويرى أن عواصف الربيع وأمطاره ومثلها من الحوادث - التي تظهر بصورة خشنة قاسية - هي في حقيقتها مدار لِحِكَم لطيفة للغاية معنىً، وحتى إنه يرى الموتَ مقدمةً للحياة السرمدية، والقبرَ بابًا للسعادة الأبدية، وقِسْ على هذا المنوال سائر الجهات، وطَبِّق الحقيقة على التمثيل.
النقطة الثالثة:
إن الإيمانَ نورٌ وقوة، أجل؛ فالإنسان الذي يحصل على الإيمان الحقيقي يستطيع أن يتحدى الكون، ويستطيع أن يتخلص من مضايقات الحوادث بحسب قوة الإيمان، ويقول: "توكلت على الله" فيسير بكمال الأمان بين أمواج هائلة للحوادث كالجبال وهو في سفينة الحياة، ويُودِعُ كلَّ أثقاله بيدِ قدرةِ القدير المطلَقِ، ويمضي ويمر في الدنيا بأمن واطمئنان، ويستريح في البرزخ، ثم يستطيع أن يطير إلى الجنة كي ينال السعادة الأبدية، وإن لم يتوكل جرّتهُ أثقال الدنيا إلى الأسفل، ناهيك عن عجزه عن الطيران.
إذن، فالإيمان يقتضي التوحيدَ، والتوحيدُ يقتضي التسليمَ، والتسليمُ يقتضي التوكلَ، والتوكلُ يقتضي سعادةَ الدارين، ولكن لا تفهم خطأً؛ ليس التوكلُ ردَّ الأسباب كليًّا، بل هو عبارة عن طلب المسبَّبات من الحق تعالى وحده، والعلمُ بأن النتائج منه، واظهارُ الامتنان له، وعبارة عن فهم أن التشبث بالأسباب - مع معرفة أن الأسباب حجاب ليد القدرة ومراعاتها - نوع من الدعاء الفعلي.
ومَثَلُ المتوكل وغير المتوكل يشبه هذه الحكاية:
قطع رجلان تذكرة في وقت من الأوقات، ودخلا سفينة كبيرة حاملَين أثقالاً ثقيلة على رأسيهما وعاتقيهما، فأحدهما - فَوْرَ دخوله - وضَعَ أثقاله على السفينة وجلس عليها يرقُبها.
218. صفحة
وأما الآخر - ولأنه كان أحمقَ ومغرورًا - فلم يضع حملَه على أرض السفينة، فقيل له ضعْ حملَك الثقيلَ عنك واسترح.
فقال: كلا؛ لن أضعَه فلعله يضيع، أنا قوي سأحتفظ بمالي على رأسي وعاتقي.
فقيل له: إن هذه السفينة السلطانية الآمنة التي تُقِلُّنا وتقلُّكم أقوى منا، وتحافظ على الحمل أكثر منا، فلربما تدور رأسك فتسقط مع حملك في البحر، وكذا تفقد قُوّتَك شيئًا فشيئًا، فعاتقُك المُحْدَوْدِبُ ورأسك الأخرقُ لا يُطيقان هذه الأثقال التي تزداد ثقلاً شيئًا فشيئًا، فإن رآك الرُّبان وأنت في هذه الحالة فإما أن يَعتبركَ مجنونًا فيطردك، أو يأمر بحبسك قائلاً: إن هذا خائن يتهم سفينتنا ويستهزئ بنا! فتكون هزوًا بين الناس، إذ بتكبرك الدال على الضعف، وبغرورك الذي ينم عن العجز، وبتصنّعك الذي يشف([1]) عن الرياء والذلة - في نظر أهل الدقة - جعلت نفسك أُضحُوكةً للناس، فيضحك عليك الكلّ.
فبعد أن قيل هذا عاد المسكين إلى رشده، فوضع أثقاله على الأرض وجلس عليها وقال: أوه! ليرض الله عنك، تخلصت من المشقة والحبس والسخرية.
فهكذا أيها الإنسان الذي لا توكل له، عُدْ إلى رشدك - أنت كذلك - مثل هذا الرجل، فتوكل حتى تتخلص وتنجو من تسول الكائنات، ومن الارتجاف والارتعاد أمام كل حادثة، ومن التصنّع والرياء ومن السخرية، ومن الشقاوة الأخروية ومن سجن التضييقات الدنيوية.
النقطة الرابعة:
إن الإيمان يجعل الإنسان إنسانًا حقًّا، بل يجعله سلطانًا؛ لذا فوظيفة الإنسان الأصلية هي: "الإيمان والدعاء"، وإن الكفر يجعل الإنسان حيوانًا مفترسًا في غاية العجز.
الفرق بين الإنسان والحيوان عند مجيئهما إلى الدنيا يكفي - وحده - دليلاً واضحًا وبرهانًا قاطعًا - من بين آلاف الدلائل الواضحة - على هذه المسألة.
أجل؛ إن الفرق بين مجيء الحيوان والإنسان إلى الدنيا يشير ويدل على أن الإنسانية إنما تكون بالإيمان إنسانيةً حقًّة، وذلك أن الحيوان حين يأتي إلى الدنيا
[1] يشف: ينمّ ويكشف.
219. صفحة
يأتي مكتملاً حسب استعداده وكأنه قد اكتَمَل فى عالم آخر، أي يُرسَلُ، فيتعلم فى خلال ساعتين أو فى يومين أو فى شهرين شرائطه الحياتية كلّها وعلاقته مع الكائنات وقوانين حياته فيكون صاحب مَلَكَة([1]).
والقدرة الحياتية والملكة العملية التي يكتسبها الإنسان في غضون عشرين سنة يتحصل عليها حيوان - كالعصفور والنحلة - في عشرين يومًا؛ أي: يُلهَم ذلك.
إذن فوظيفةُ الحيوانِ الأصليةُ ليست هي التكمل بالتعلم ولا الترقي بكسب المعرفة ولا الاستمداد والدعاء بإظهار عجزه، بل وظيفته السعي والعمل حسب استعداده والعبودية الفعلية.
أما الإنسان فهو محتاج لتعلم كل شيء عند مجيئه إلى الدنيا، وجاهلٌ بقوانين الحياة، حتى إنه لا يستطيع أن يتعلم شرائط الحياة كلها في عشرين سنة، بل هو محتاج إلى التعلم حتى آخر عمره.
وكذا فهو يرسَل إلى الدنيا في غاية العجز والضعف فلا يستطيع أن يقف على رِجليه إلا بعد سنة أو سنتين، ولا يدرك الفرقَ بين الضُّر والنَّفع إلا في خمس عشرةَ سنة، ولا يستطيع أن يجلب منافعه أو يحتمي من الأضرار إلا بالتعاون مع المجتمع البشري.
وظيفةُ الإنسانِ الفطريةُ إذن هي التكملُ بالتعلّم والعبوديةُ بالدعاء - أي أن يَعلْمَ: برحمة من أُدارُ هكذا إدارةً حكيمةً؟! وبكرم من أُرَبَّى هكذا تربيةً شفوقةً؟! وبأي لطف أُغَذَّى وأُرْعَى هكذا رعايةً لطيفةً؟! - وهي الطلب والدعاء والتضرّع إلى قاضي الحاجات بلسان العجز والفقر لحاجاته التي لا تصل يده إلا إلى واحد من الألف منها، أي: الطيران إلى مقامات العبودية العالية بأجنحة العجز والفقر.
إذن فالإنسان جاء إلى هذا العالم للتكمل بواسطة العلم والدعاء، وكل شيء مرتبط بالعلم من حيث الماهية والاستعداد، وإن أساس كلِّ العلوم الحقيقية ومعدنَها ونورَها ورُوحَها هو معرفةُ الله، وأسُّ أساسها - أي المعرفة - هو الإيمان بالله.
[1] المَلَكة: صفة راسخة بالنفس، أواستعداد عقلي خاص لتناول أعمال معينة بحذق ومهارة.
220. صفحة
وكذا إن الإنسان متعرض لبلايا لا نهاية لها، ومبتلىً بهجوم أعداءٍ لا حصر لهم مع أنه عاجز عجزًا مطلقًا، وإنه مبتلى بحاجات لا نهاية لها، ومحتاج لمطالب لا نهاية لها مع أنه فقير لا حد لفقره؛ لذا فوظيفته الأصلية الفطرية هي الدعاءُ بعد الإيمان، والدعاء هو أساس العبودية.
وكما أن الطفل يحصل على ما لا تصل إليه يده من مرام ورغبات إما بالبكاء وإما بالطلب، بمعنى أنه يدعو بلسان العجز إما فعلا وإما قولا فيوَفَّق لمقصوده؛ كذلك الإنسان فهو في حكم طفل ضعيف رقيق في عالم الأحياء كلها، فينبغي عليه إما البكاءُ بالضعف والعجز، وإما الدعاءُ بالفقر والاحتياج بين يدي الرحمن الرحيم، حتى تُسَخَّر له مقاصدُه، أو يكون قد أدى شكر ذلك التسخير.
وإلا فإذا قال - كطفل أحمق غَرِير([1]) يبكي ويصرخ من ذبابة -: "إنني أُسَخِّرُ بقوتي الشخصية هذه الأشياء العجيبةَ التي لا تقبل التسخيرَ بل الأشياء التي تفوقها بألف درجة وأجعلها بفكري وتدبيري مطيعة لي"، وانحرف إلى الكفران بالنعمة؛ فإن هذا يكون منافيًا لفطرة الإنسان الأصلية، فضلاً عن أنه يجعل نفسه مستحقًّا لعذاب شديد.
الحاصل: سعادة الدارين في الإيمان وحده.
اَللّٰهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتَّقِينَ آمِينَ آمِينَ آمِينَ
سعيد النورسي
[1] الغرير: صغير السن الذي لا تجربة له.
221. صفحة
المبحث الثاني
من النقطة الثانية للموقف الثالث من الكلمة الثانية والثلاثين
إن ممثل أهل الضلالة عندما لا يجد ما يتشبث به، ويبني عليه ضلالته، ويصبح ملزَمًا يقول:
إني أرى أن سعادة الدنيا ولذة الحياة وترقيات الحضارة وكمالَ الصنعة في عدم تذكر الآخرة، وفي عدم المعرفة بالله، وفي حب الدنيا، وفي الحرية، وفي الاعتماد على النفس؛ لذا سقتُ أكثر الناس بهمة الشيطان إلى هذا الطريق، وما زلت أسوقهم.
الجواب: ونحن بدورنا نقول باسم القرآن:
أيها الإنسان البائس المسكين، ارجع إلى صوابك وعُد إلى رُشدك وكن عاقلاً؛ لا تُصْغِ([1]) إلى داعية أهل الضلالة، ولئن استمعت إليه لَيَكوننّ خسرانك عظيمًا بحيث يقشعر من تصوره الروحُ والعقلُ والقلبُ، فأمامك طريقان:
أحدهما: طريق مليء بالشقاء الذي يريه ممثل أهل الضلالة.
والآخر: طريق مليء بالسعادة الذي يدلك عليه القرآن الحكيم.
ولقد رأيتَ كثيرًا من الموازنات بين ذينك الطريقين في كثير من الكلمات - أي في رسائل النور - ولا سيما في "الكلمات الصغيرة" وفهمتها، ولمناسبة المقام الآن أبصر موازنة واحدة من ألف موازنة لهما وافهمها، وهي كالآتي:
إن طريق الشرك والضلالة والسفاهة والفسق يهوي بالإنسان إلى منتهى السقوط، ويُلقي على كاهلك الضعيف العاجز عبئًا ثقيلاً في منتهى الثقل في غمرة آلام غير محدودة، ذلك لأن الإنسان إن لم يعرف الحق تعالى، ولم يتوكل عليه، يكن حيوانًا فانيًا متألمًا ومغتمًّا في منتهى العجز والضعف، وفي منتهى الحاجة والفقر، ومتعرضًا لما لا حد له من مصائب، ويقاسي آلام الفراق دومًا مما يحبه ويرتبط ويتعلق به من
[1] لا تصغ: لا تستمع.
222. صفحة
كل الأشياء، ويترك في النهاية ما بقي من أحبائه بفراق أليم، ويمضي إلى ظلمات القبر وحيدًا، ويسعى ويكافح طوال حياته دون فائدة باختيار جزئي ضئيل، واقتدار بسيط، وحياة قصيرة جدًّا، وعمر قصير، وفكر باهت مع آلام وآمال لا نهاية لها، ويسعى لتحقيق رغباتٍ ومقاصد لا حد لها عبثًا دون ثمرة، ويحمّل عاتقَه وهامته المسكينة أعباء الدنيا الضخمة مع أنه عاجز عن حمل أعباء نفسه، فيقاسي عذابَ جهنم قبل أن يدخلها.
أجل؛ إن أهل الضلالة لا يشعرون ولا يُحِسُّون بهذا الألم المرير والعذاب المعنوي الرهيب مؤقتًا؛ إذ إنهم يبطلون شعورهم وأحاسيسهم بسُكر الغفلة، ولكن عندما يحسونه، أي عندما يكونون قريبين من القبر يُفَاجَئُون به، ذلك لأنه إن لم يكن المرء عبدًا حقيقيًّا للحق تعالى فسيظن أنه مالكٌ نفسَه، في حين أنه باختياره الجزئي واقتداره الضئيل عاجز عن إدارة نفسه في هذه الدنيا المضطربة الأحوال، إذ يرى آلاف الطوائف من الأعداء - ابتداءً من الميكروبات المضرة وانتهاء إلى الزلازل - في وضع هجوم على حياته، فينظر - كل وقت - في رعب وفزع أليم إلى باب القبر الذي يبدو له مروِّعًا مرعبًا.
زد على ذلك أنه في هذه الحالة تزعجه أهوال الدنيا وأحوال الإنسان دومًا؛ ذلك لأنه لا يتصور أن الدنيا والإنسان - وهو يرتبط بالنوع الإنساني والدنيا ويتعلق بهما من جهة الإنسانية - في قبضة تصرف من هو حكيم وعليم وقدير ورحيم وكريم، بل يحيل أمرهما إلى التصادف والطبيعة فيقاسي مع آلامه هو آلام الناس كذلك، وتعذبه الزلازل والطاعون والطوفان والقحط والغلاء والفناء والزوال في صورة مصيبة في غاية الإزعاج والظلمة.
فلا يستحق الإنسان وهو في هذا الوضع الرحمة والشفقة عليه، إذ هو الذي أوقع نفسه بنفسه في هذه الحالة المروِّعَة المرعبة.
فنقول وكما قيل في موازنة أحوال الشقيقين اللذين دخلا في البئر في "الكلمة الثامنة":
كما أنه إن لم يقنع رجل بلذة ونشوة نزيهة حلوة شريفة بريئة لطيفة مشروعة في روضة فيحاء وسط ضيافة كريمة بين أحبة لطفاء، فَرَاحَ يتعاطى الخمر النجسة
223. صفحة
القذرة لأجل لذة ملوثة غيرِ مشروعة، فسكر حتى بدأ يتخيل أنه في مكان قذر وسط شتاء بل بين ضوارٍ([1]) مفترسة، وبدأ يرتجف ويصرخ ويولول؛ فكما أن هذا الرجل لا يستحق الرحمة ولا الشفقة؛ لأنه يتصور أصدقاءه الشرفاء الطيبين حيوانات شرسةً فيحقرهم، ويتصور الأطعمة اللذيذة والأوانيَ النظيفة في الضيافة أحجارًا ملوثة قذرة فذهب يكسرها، ويتصور الكتب القيمة والرسائل النفيسة نقوشًا عادية لا معنى لها فيمزقها ويطرحها تحت الأقدام؛ نقول فكما أن رجلاً كهذا لا يستحق الرحمة بل الصفع؛ فكذلك أهل الضلالة، لا يستحقون الرحمة والشفقة، بل يستحقون عذابًا شديدًا، وليسوا أهلاً للرحمة بأي وجه من الوجوه؛ لأنهم بسُكر الكفر وهذيان الضلالة النَاشِئَيْن عن سوء اختيارهم يتوهمون الدنيا التي هي دار ضيافة للصانع الحكيم لعبة المصادفة والطبيعة، ويتصورون انتقال المصنوعات - التي تجدد تجليات الأسماء الحسنى - إلى عالم الغيب بعد انتهاء وظائفها بمرور الزمان عدمًا وإعدامًا، ويتخيلون صدى التسبيحات أنين وعويل الزوال والفراق الأبدي، ويتصورون صحائف الموجودات هذه التي هي مكتوبات صمدانية فوضى لا معنى لها، ويتصورون باب القبر الذي يشق الطريق إلى عالم الرحمة فوهة([2]) ظلمات العدم، ويتصورون الأجَل الذي هو دعوة الوصال واللقاء بالأحباب الحقيقيين أوانَ فراق الأحبة جميعهم، فيجعلون أنفسهم في عذاب أليم شديد، وينكرون ويزيفون ويحقرون الموجودات، وأسماءَ الحقِّ تعالى، ومكتوباته الصمدانية.
فيا أهل الضلالة والسفاهة التعساء، أيُّ تقدمكم وأي علومكم وأي كمالكم وأي حضاراتكم وأي ترقياتكم يستطيع المقاومة مقابل هذا السقوط الرهيب، وحيال هذا اليأس الساحق القاتل؟ وأين تستطيعون أن تجدوا السلوان الحقيقي الذي تحتاج إليه روح البشر أشد الاحتياج؟ وأي طبيعتكم وأي أسبابكم وأي شريككم وأيّ اكتشافاتكم وأي من قومكم وأيّ قوميتكم وأي معبود باطل لكم تعتمدون عليه وتتشبثون به وتسندون إليه الآثارَ الإلهية والإحسانات الربانية
[1] الضواري: الحيوانات المفترسة آكلة اللحوم.
[2] فوهة الشيء: أوله وفمه.
224. صفحة
يستطيع أن ينقذكم من ظلمات الموت الذي هو بالنسبة لكم إعدام أبدي، ويجتاز بكم حدود القبر والبرزخ والمحشر والصراط مسيطرًا عليها، ويجعلكم تنالون السعادة الأبدية؟ وإنكم لا محالة أبناء هذا السبيل، وتسيرون في هذا الطريق، لأنكم لا تستطيعون أن تغلقوا باب القبر، ولابد من أن يستند مسافر كهذا إلى مَنْ كُلُّ هذه الدوائر العظيمة وهذه الحدود الشاسعة تحت أمره وتصرفه.
فيا أهل الضلالة والغفلة التعساء الأشقياء، إنكم تصرفون لأنفسكم وللدنيا بصورة غير مشروعة ما في فطرتكم من استعداد المحبة والمعرفة وأجهزة الشكر والعبادة التي ينبغي أن تصرف للحق تعالى وصفاته وأسمائه، فتتعذبون مستحقين ذلك بسر قاعدة: "إن نتيجة محبة غير مشروعة عذاب أليم بلا رحمة"؛ لأنكم وَهبتم أنفسكم المحبة التي تخص الحق تعالى، فتعانون بلايا لا حد لها من جراء أنفسكم التي هي محبوبتكم، لأنكم لم تدعوها وشأنها، ولم تمنحوها اطمئنانًا حقيقيًّا، ولا تسلمون أمرَها بالتوكل إلى القدير المطلق الذي هو المحبوب الحقيقي فتتألمون دومًا.
ثم إنكم قد أوليتم الدنيا المحبةَ التي تعود إلى أسماء الحق تعالى وصفاته، ووزعتم آثار صنعته بين أسباب العالم فتعانون شقاءها، لأن قسمًا من أحبائكم غير المحدودين يُوَلِّي الأدبار ويترككم ويرحل عنكم دون وداع، وقسمًا آخر لا يعرفكم أصلاً، وحتى إذا عرفكم لا يحبكم، وحتى إذا أحبكم لا ينفعكم، فتتعذبون دومًا مما لا حد له من الفراق، ومن زوال يائس من العودة.
فهذه هي حقيقة وماهية ما يسميه أهل الضلالة بسعادة الحياة، وترقي وتقدم الإنسان ومحاسن الحضارة ولذة الحرية، فالسفاهة والسكر ستار وحجاب يحول دون الشعور بذلك مؤقتًا، ألا فقُلْ: تبًّا لعقول هؤلاء!
أما الجادّة النورانية للقرآن فهي أنه يداوي بالحقائق الإيمانية جميعَ تلك الجروح التي يعاني منها أهل الضلالة، ويبدد كل تلك الظلمات في الطريق السابق ذكرُه، وَيَسُدُّ جميع أبواب الضلالة والهلاك.
وذلك: أنه يداوي ضعفَ الإنسان، وعجزه، وفقره واحتياجَه بالتوكل على القدير الرحيم، ويُسَلِّمُ أثقال الحياة وأعباء الوجود لقدرته ورحمته ولا يُحَمِّل على
225. صفحة
الإنسان، بل يجعله يجد مقاما مريحا وكأنه يَركب على حياته ونفسه، ويُعَلِّمه أنه ليس حيوانًا ناطقًا وإنما هو إنسان بحق، وضيف عزيز عند الرحمن.
ويداوي بصورة ناجعة أيضًا الجروحَ الإنسانية الناشئة عن فناء الدنيا وزوال الأشياء، وعن حب الفانيات، مُظهرًا أن الدنيا دار ضيافة الرحمن، ومُبَيِّنًا أن ما فيها من الموجودات هي مرايا الأسماء الإلهية، وأن ما فيها من المصنوعات هي مكتوبات صمدانية تتجدد كل حين، وينقذ الإنسان من ظلمات الأوهام.
ويداوي كذلك الجروح الناشئة عن الموت الذي يتلقاه أهل الضلالة على أنه فراق أبدي عن جميع أحبتهم مبينًا أن الموت والأجل مقدمة وصالِ وملاقاةِ الأحباب الذين رحلوا إلى عالم البرزخ، والذين هم في عالم البقاء، ويثبت أن ذلك الفراق هو عين اللقاء.
ويزيل كذلك أعظم خوف للبشر بإثباته أن القبر باب مفتوح إلى عالم الرحمة، وإلى دار السعادة، وإلى رياض الجنان، وإلى بلاد النور للرحمن، مبينًا أن سياحة البرزخ التي هي أشد ألماً وقسوة وضيقًا للبشر هي أمتع سياحة وآنسها وأَسَرُّها، ويغلق بالقبر فمَ الأفعى، ويفتح بابًا إلى روضة بهيجة، بمعنى أنه يبين أن القبر ليس فم أفعى، وإنما هو بابٌ يُفتَح إلى عالم رياض الرحمة ويقول للمؤمن:
إن كان اختيارك جزئيًّا ففوِّضْ أمرك لإرادة مالكك الكلية.
وإن كان اقتدارك قاصرًا ضعيفًا فاعتمد على قدرة القدير المطلق.
وإن كانت حياتك قصيرةً ففكّر في الحياة الباقية.
وإن كان عمرك قصيرًا فلا تَقْلَقْ فإن لك عمرًا أبديًّا.
وإن كان فكرك خافتًا فادخل تحت نور شمس القرآن الحكيم، وانظر بنور الإيمان فإن كل آية من آيات القرآن الحكيم تمنحك نورًا وضياء مثل النجوم بدلاً من فكرك الشبيه باليراعة.
وإن كانت لك آمال وآلامٌ غير محدودة فإن ثوابًا لا نهاية له ورحمة لا حد لها ينتظرانك.
226. صفحة
وإن كانت لك رغبات ومقاصد لا تُحَد فلا تقلق بتفكيرك فيها لأن هذه الدنيا لا تسعها، بل موضعها ديار أخرى، ومانحها ليس الناس بل مانحًا آخر.
وكذا يقول:
أيها الإنسان، أنت لستَ مالكاً لنفسك، بل أنت مملوكٌ لمن هو ذو جلال قديرٌ مطلق القدرة، ورحيم مطلق الرحمة، إذن فلا تُرهِق نفسَك بتحميل حياتك عليها؛ لأن الذي وهب الحياة هو الذي يديرها.
ثم إن الدنيا ليست بلا مالِكٍ؛ إذن لا تقلق متلهفًا عليها مُحَمِّلاً فوق رأسك حِمْلَ أعبائها مُفَكِّرًا في أهوالها، لأن مالكها حكيم وعليم، أمَّا أنت فلستَ إلاّ ضيفًا لديه، فلا تتدخل بفضولٍ في الأمور ولا تَخلطها.
ثم إن الموجودات، كالإنسان والحيوان، ليست سائبة طليقة بل كل واحد منها مأمور، له وظائفه وكلها تحت رقابة حكيم رحيم، وتحت رعايته؛ فلا تُجرِّع([1]) روحَك ألماً بالتفكر في مشقات أولئك وآلامهم، ولا تقدّم شفقتك عليهم على رحمة خالقهم الرحيم.
ثم إن زمام كل شيء ابتداء من الميكروبات التي اتخذت طور العداء لك إلى الطاعون والطوفان والقحط والزلازل بيد ذلك الرحيم الحكيم، فهو حكيم لا يفعل شيئًا عبثًا، ورحيم واسع الرحمة، فكل ما يفعله فيه نوع من لطف.
ويقول أيضًا:
إن هذا العالم مع أنه فانٍ، فإنه يهيئ لوازم عالم أبدي، ومع أنه زائل ومؤقت فإنه يؤتي ثمراتٍ باقية، ويظهر تجليات الأسماء الباقية للباقي سبحانه، ومع أن لذائذه قليلة وآلامه كثيرة فإن ألطاف الرحمن الرحيم لذات حقيقية لا تزول، أما الآلام فهي تولِّد لذّاتٍ معنويةً من جهة الثواب، فما دامت الدائرة المشروعة كافية لكل لَذَّاتِ ونشوةِ ومتعِ روحك وقلبك ونفسك التي بين جنبيك، إذن فلا تدخل الدائرةَ غير المشروعة، لأن لذةً واحدة من تلك الدائرة لها ألف ألم أحيانًا، فضلاً عن أنها سبب الحرمان من ألطاف الرحمن التي هي اللذة الدائمة الحقيقية.
[1] تجرع روحك: تسقيها كما تسقيها الدواء.
227. صفحة
ثم إن طريق الضلالة كما بينا سابقًا يُردي الإنسان إلى أسفل سافلين، إلى حد لا تستطيع معه أية مدنية وأية فلسفة إيجاد حل له، ولا تستطيع إخراجَه من بئر الظلمات السحيقة أيةُ ترقيات بشرية وأيةُ تقدمات علمية.
بينما القرآن الحكيم ينقذ الإنسان بالإيمان والعمل الصالح من السقوط إلى أسفل سافلين، ويرفعه إلى أعلى عليين، ويثبت ذلك بالدلائل القطعية، ويملأ تلك البئر العميقة بمراتب الترقيات المعنوية وبأجهزة التكملات الروحية.
ثم إنه يُيَسِّرُ - إلى حد كبير - رحلةَ البشر الطويلةَ الشاقة المضطربة العاصفة في العالم الأبدي ويسهلها عليه، ويدله على الوسائط التي يمكن أن يقطع بها مسافة ألف سنة بل خمسين ألف سنة في يوم واحد.
ثم إنه يُعرِّفُ الإنسانَ بالحق تعالى ذي الجلال الذي هو سلطان الأزل والأبد، وبذلك يجعله عبدًا مأمورًا، وضيفًا موظفًا له، ويضعه موضع ضيف موظف، ويُمَكِّنُه من سياحته بكمال الراحة في الدنيا التي هي مَضِيفُه، وفي المنازل البرزخية والأخروية، فكما أن موظفًا مستقيمًا مخلصًا لسلطان يتجول في دائرة مملكة ذلك السلطان، ويتنقل ويمر بسهولة من حدود كل ولاية من ولاياته بوسائط سريعة كالطائرة والباخرة والقطار، فكذلك الإنسان الذي ينتسب إلى سلطان الأزل بالإيمان، ويطيعه بالعمل الصالح يمر بسرعة البَرق والبُراق من منازل الدنيا دار الضيافة، ومن دوائر عَالَمَيْ البرزخ والمحشر، وهكذا يمر من الحدود الواسعة الشاسعة لكل العوالم بعد القبر حتى يجد السعادة الأبدية، فيثبت القرآن الحكيم هذه الحقيقة إثباتًا قاطعًا، ويُجَلِّيهَا للأصفياء والأولياء.
وكذا تقول حقيقة القرآن:
أيها المؤمن، لا تَصرف ما فيك من قابلية غير محدودة للمحبة إلى نفسك الأمَّارة بالسوء، والقبيحة والناقصة والشريرة والْمُضِرَّةِ لك، ولا تتخذها محبوبة لك، ولا تجعل هواها معبودًا لك، بل اصرف ما فيك من قابلية غير محدودة للمحبة إلى من هو أهلٌ لمحبةٍ غيرِ متناهيةٍ، وإلى من يَقْدِرُ أن يُحسن إليك إحسانًا لا نهاية له، والقادرِ على إسعادك في المستقبل سعادةً لا منتهى لها، ويُسعد
228. صفحة
بإحساناته جميع مَن ترتبط بهم بعلاقات ومَنْ تَسْعَدُ بسعادتهم، وإلى من له كمالاتٌ مطلقة وجمالٌ في غاية القدسية والسمو،جمالٌ مُنَزَّهٌ عن النقص والقصور والزوال، ومَنْ كل أسمائه في غاية الجمال، ومَنْ في كلّ اسم من أسمائه أنوار حُسْنٍ وجمال كثيرة، ومن تدل الجنة بجميع جمالها ونعمها على جمال رحمته ورحمة جماله، ومن يدلّ ويشير جميعُ الحسنِ والجمالِ والمحاسنِ والكمالاتِ المحبوبةِ والمحببةِ في الكون كلِّه إلى جماله وكماله.
وتقول أيضًا:
أيها الإنسان، لا تَمْنَحِ الموجوداتِ الأخرى غيرَ الباقية استعدادَ المحبة التي تخص أسماء الحق تعالى وصفاته، ولا تُوَزِّعْهَا على المخلوقات بلا فائدة، لأن الآثارَ والمخلوقاتِ فانيةٌ، بينما الأسماء الحسنى التي تُشَاهَد تجلياتُها ونقوشُها على تلك الآثار والمصنوعات باقيةٌ دائمةٌ، وفي كل اسم من الأسماء الحسنى وفي كل صفة من الصفات المقدسة آلافٌ من مراتب الإحسان والجمال، وآلافٌ من طبقات الكمال والمحبة. فانظر إلى اسم "الرحمن" فحسب؛ تجد أن الجنة تجلٍّ واحدٌ من تجلياته، والسعادة الأبدية لمعةٌ واحدةٌ من لمعاته، وجميع الأرزاق والنعم الموجودة في الدنيا قطرةٌ واحدة من قطراته.
فأنعم النظر في الآيات ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ _ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ _ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾(التين:٤-٦) التي تشير إلى هذه الموازنة بين ماهية أهل الضلالة وأهل الإيمان، من حيث الحياةُ والوظيفة.
وَتَمَعَّنْ في الآية ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ﴾(الدخان:٢٩) التي تشير إلى نهايةِ وعاقبةِ كلٍّ منهما؛ كيف أنهما تُعَبِّرَان بأسلوب في غاية الإعجاز والسمو عن الموازنة التي بَينَّاها.
نحيل بيان الحقيقة التي تفيدها الآية الأولى بأسلوب معجز ووجيز إلى "الكلمة الحادية عشرة" إذ بُيِّنَتْ في تلك الكلمة مفصلة.
وأما الآية الثانية فسنشير إشارة فحسب إلى مدى إفادتها حقيقة سامية، وذلك:
229. صفحة
إن هذه الآية تُعلن بالمفهوم الموافق أن السماوات والأرض لا تبكيان على أهل الضلالة بعد موتهم، وتدل بالمفهوم المخالف على أن السَّماوات والأرض تبكيان على أهل الإيمان بعد رحيلهم عن الدنيا.
أي بما أن أهل الضلالة ينكرون وظائف السماوات والأرض ولا يدركون معانيَهما، ويبخسون حقهما، ولا يعرفون صانعهما، ويحتقرونهما ويعادونهما؛ فلا شك أن السماوات والأرض لا تبكيان عليهم، بل ستدعوان عليهم وترتاحان لموتهم وهلاكهم.
وتقول كذلك بالمفهوم المخالف: إن السَّماوات والأرض تبكيان على موت أهل الإيمان، لأنهم يعرفون وظائفهما، ويصدقون حقائقهما الحقيقية، ويدركون بالإيمان المعانِيَ التي تفيدانها ويقولون: "ما أجمل صنعهما!" و"ما أحسن ما تؤديان من خدمات!"، ويقدرونهما حق قدرهما، ويحترمونهما، ويحبونهما ويحبون في الله الحق تعالى الأسماءَ، لكونهما مرايا عاكسة لها، فلهذا السر تحزن السَّماوات والأرض على زوال أهل الإيمان وكأنهما تبكيان عليهم.
سعيد النورسي
الشعاع الثامن
هذه الرسالة هي كرامة سيدنا علي رضي الله عنه الثالثة التي تتحدث عن رسائل النور، وهي تبين أن الإمام عليا رضي الله عنه يخبر إخبارا غريبا ذا أسرار عن ترتيب أجزاء رسائل النور، وقد أدرجت في كتاب "ختم التصديق الغيبي".


