الشعاع السادس

113. صفحة

الشعاع السادس

عبارة عن نكتتين فحسب

بســم الله الرحمن الرحيم

جوابان على سؤالين وردا حول نقطتين من كلمات: "اَلتَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلهِ" إلى آخرها.. التي تُقرأ في تشهد الصلاة.

سنبيّن في هذا "الشعاع السادس" نكتتين فحسب من بين مئات من النكات لهذه الحقيقة بيانا مختصرا، محيلين بيان سائر حقائق التشهد إلى وقتٍ آخر.

السؤال الأول: ما حكمة قراءة كلمات التشهد المباركة في الصلاة، مع أنها كانت مكالمة بين الحق تعالى وبين رسوله صلى الله عليه وسلم في ليلة المعراج؟

الجواب: إنّ صلاة كلّ مؤمنٍ معراجٌ له، أما الكلمات اللائقة بالحضرة الإلهية فهي الكلمات التي ذُكرت في المعراج المحمدي الأكبر على صاحبه الصلاة والسلام، فبذكرها تُتذكّر تلك المحادثة القدسية، وبهذا التذكر ترتفع معاني تلك الكلمات المباركة من الجزئية إلى الكلية، وتُتصوَّر تلك المعاني القدسية المحيطة، أو يمكن تصورها، وبهذا التصور تسمو قيمتها ونورها وتتوسع.

فمثلا: لقد قال الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام لربه تبارك وتعالى في تلك الليلة، بدلا من السلام: "اَلتَّحِيَّاتُ لله"، أي: إن جميع التسبيحات الحياتية لجميع الأحياء التي تظهرها بحياتها، وجميع الهدايا الفطرية التي تقدمها لصانعها، كلها لك أنت وحدك يا ربي! وأنا أيضًا أقدمها كلها لك بتصوري وبإيماني!


114. صفحة

أجل؛ كما كان الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام قد قصد بكلمة "اَلتَّحِيَّاتُ لله" عبادات جميع ذوي الأحياء الفطرية وقدّمها لربه جل وعلا، كذلك فإنهr بكلمة "الْمُبَارَكَات" التي هي خلاصة التحيات والتي تمثل المباركية الفطرية للمخلوقات التي هي خلاصة الحياة وذوي الحياة، لاسيما النوى والبذور والحبوب والبيوض والتي هي سبب بركةٍ وتهنئة والتي تُعدّ مباركة، وتجعل الكلَّ يقول بارك الله، كما تمثل بركاتها وعبودياتها، يقدمها r لخالقه بذلك المعنى الواسع.

وبكلمة "الصَّلَوَات" التي هي خلاصة "الْمُبَارَكَات" يَتصور r العبادات المخصوصة لذوي الأرواح الذين هم خلاصة ذوي الحياة، فيقدمها إلى الحضرة الإلهية بمعانيها المحيطة الشاملة.

وبكلمة "الطَّيِّبَاتِ" التي هي خلاصة "الصَّلَوَات"، يريد ويقصد العبادات النورانية السامية الرفيعة لأناسٍ كاملين وللملائكة المقربين الذين هم خلاصة ذوي الأرواح، فيخصصها لمعبوده، ويقدمها له جل وعلا.

وكما أن خطاب "اَلسَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ" مِن قبل الحق تعالى يُشعِر بشكلٍ آمر أن كلّ واحد من مئات الملايين من الناس سيقول كلّ يوم عشر مرات على الأقل: "السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ"، وهذا السلام الإلهي يضفي نورًا واسعًا ومعنىً ساميًا عاليًا على تلك الكلمة؛ كذلك فإن مقابلة الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام ذلك السلامَ بـ"اَلسَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ" تفيد وتذكر بأنه r سأل خالقه راجيًا داعيًا أن تكون أمتُه العظيمة وصلحاء أمته محظوظين بالإسلام الذي يمثل السلامَ الإلهي، وأن يفشو بين المؤمنين عامةً: "السَّلَامُ عَلَيْكَ.. وَعَلَيْكَ السَّلَامُ" الذي هو شعارٌ عام للإسلام.

وإن قول: "أَشْهَدُ أَلَّا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ" من قبل جبريل عليه السلام -الذي حظي بتلك الصحبة- في تلك الليلة بالأمر الإلهي يخبر ويبشر بأن الأمة برمتها ستشهد بهذه الشهادة وستنطق بها إلى يوم القيامة.

وبتذكر تلك المحاورة القدسية تسطع معاني هذه الكلمات وتنبسط وتتوسع.


115. صفحة

والذي تسبب في انكشاف هذه الحقيقة المذكورة، والذي أعانني على وضوح هذا الأمر هو حالةٌ روحية غريبة كالآتي:

لقد تراءى لخيالي هذا الكونُ الكبير الحالي في غربة قاتمة في ليلةٍ حالكة في غفلة مظلمة، تراءى جامدًا بلا روح ميتًا فارغًا خاليًا، وجنازةً مرعبةً، وخُيِّل إليّ الزمانُ الماضي هو الآخر ميتًا فارغًا خاليًا مذهلًا مرعبًا كليًّا، وأن هذا المكان الشاسع المطلق، وذلك الزمان الفسيح غير المحدود قد اتّخذَا شكل مكانٍ قفرٍ مظلم موحش، فللتخلص من تلك الحالة لُذْتُ بالصلاة، فحينما قلت في التشهد: "اَلتَّحِيَّاتُ"، إذا بالكون دبّت فيه الحياةُ وبُعث وامتلأ روحًا وحيوية ونورًا، وصار مرآةً ساطعة لامعة للحي القيوم، ورأيت وعلمت علم اليقين، بل حق اليقين، أن الكون يُقدّم دومًا مع جميع أجزائه الحية تحيات حياته وهداياه الحياتية إلى الحي القيوم.

ثم حينما قلتُ: "اَلسَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ" انقلب ذلك الزمان الخالي الفسيح غير المحدود من حالته الموحشة المفزعة إلى صورة متنزهٍ لطيف مؤنس عامرٍ بأرواح ذوي الحياة تحت رئاسة الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام.

السؤال الثاني: التشبيه في التشهد الأخير في عبارة "اَللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ" لا يناسب قواعد التشبيه؛ لأن محمدًا عليه الصلاة والسلام نال الرحمة أكثر من إبراهيم عليه السلام، وهوr أعظم منه، فما سر هذا؟ وما حكمة تخصيص هذا النوع من الصلوات في التشهد؟

وعلى الرغم من أن دعاءً لو نال القبولَ مرة واحدة لكفى، فالأمة برمتها تردد الدعاء نفسه منذ زمنٍ بعيد في كلّ صلاة، ويُردَّد الدعاءُ ذاته بإلحاحٍ من قبل ملايين الأشخاص الذين نحسب أن دعاءهم مقبولٌ لا يُردّ، خاصة إذا كان المطلوب قد اقترن بالوعد الإلهي، فمثلا لقد وعد الحق تعالى النبي صلى الله عليه وسلم بالمقام المحمود في ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾(الإسراء:79) ولكن يقال في الدعاء المروي المأثور الذي يُرفع بعد كلّ أذان وإقامة: "وَابْعَثْهُ مَقَامًا


116. صفحة

مَحْمُودًا الّذِي وَعَدْتَهُ"، وتدعو الأمةُ جميعها اللهَ تعالى للإيفاء بذلك الوعد، فما سر ذلك وحكمته؟

الجواب: هذا السؤال يتضمن "ثلاثة وجوه وثلاثة أسئلة":

الوجه الأول: الحق أن سيدنا إبراهيم عليه السلام لا يبلغ شأو سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، إلا أن آله من الأنبياء، وأن آل محمد عليه الصلاة والسلام من الأولياء، والأولياءُ لا يبلغون درجة الأنبياء.

والدليل على أن هذا الدعاء في حق الآل مقبولٌ مستجاب بشكلٍ باهر هو كون الأولياء الذين انحدروا من نسل شخصين اثنين فحسب من بين ثلاثمائة مليون من المسلمين، أي: من الحسن والحسين رضي الله عنهما؛ أقول كونهم بأكثريتهم المطلقة أئمةً لمسالك الحقيقة والطرق الحقّة ومرشدين لها، وأنهم نالوا شرف الأثر: "عُلَمَاءُ أُمَّتِي كَأَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ[1]".

إن الذين أرشدوا القسمَ الأعظم من الأمة إلى طريق الحقيقة وإلى حقيقة الإسلام، وفي مقدمتهم جعفر الصادق والشيخ الجيلاني والشاه النقشبندي رضي الله عنهم، هم ثمرات الدعاء المستجاب العام الوارد في حق هؤلاء الآل.

الوجه الثاني: أما حكمة تخصيص هذا النوع من الصلوات في الصلاة فهي: تَذكُّر المرءِ أنه هو أيضًا يسلك الطريق الذي فتحته وسلكته القافلةُ الكبرى للأنبياء والأولياء الذين هم أكثر مشاهير البشرية نورانيةً وكمالا واستقامة، ويرافق في ذلك الصراط المستقيم تلك الجماعةَ العظيمة التي هي بقوة مائة إجماعٍ ومائة تواترٍ ولا يمكن أن تضلّ، وبهذا التذكر يتخلص من الشبهات الشيطانية والأوهام السيئة.

أما الدليل على أن هذه القافلة هي أولياء مالك هذا الكون ومصنوعاته المحبوبة، وأن معارضيها وأعداءها هم أعداؤه ومخلوقاته المبغوضة؛ فهو مجيء



[1] قال النجم وممن نقله جازما بأنه حديث مرفوع الفخر الرازي وموفق الدين بن قدامة والأسنوي والبارزي واليافعي، وأشار إلى الأخذ بمعناه التفتازاني وفتح الدين الشهيد وأبو بكر الموصلي، والسيوطي في الخصائص، وله شواهد ذكرتها في حسن التنبيه لما ورد في التشبيه، انتهى، وقد يؤيده أنه الواقع.( كشف الخفاء 1744).




117. صفحة

العون الغيبي لهذه القافلة من زمن آدم عليه السلام دومًا، ونزول المصائب السماوية بمعارضيها كلّ وقت.

أجل؛ وكما أن جميع المعارضين، مثل قوم نوح، وثمود، وعاد، وفرعون، ونمرود، تلقوا صفعاتٍ غيبية تُشعر بالغضب الإلهي وعذابه؛ فإن جميع الأبطال القدسيين للقافلة الكبرى مثل نوح وإبراهيم وموسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام، قد نالوا المعجزات والإحسانات الربانية نيلا خارقا معجزا غيبيا أيضًا.

فكما أن صفعة واحدة تدل على الغضب، وإكرامًا واحدًا يدل على المحبة؛ كذلك فإن نزول آلاف الصفعات بالمعارضين وآلاف الإكرامات والإمدادات على تلك القافلة يشهد ويدل بداهةً وظاهرًا كالنهار على أن تلك القافلة على الحق، وأنها على الصراط المستقيم، فالآية الكريمة في سورة الفاتحة ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ تنظر إلى تلك القافلة، والآية الكريمة ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ تنظر إلى المعارضين، والنكتة التي بيناها هنا فهي أظهرُ وأكثر وضوحًا في آخر سورة الفاتحة.

الوجه الثالث: إن السر والحكمة من تكرار طلب شيءٍ سيُمنح قطعًا وبالفعل هو؛ أن الأمر المطلوب -كالمقام المحمود مثلا – طرفٌ وقمةٌ، وغصنٌ لحقيقةٍ عظمى تحتوي على آلافٍ من الحقائق العظيمة المهمة كالمقام المحمود، وثمرةٌ لأعظم نتيجةٍ لخلق الكون.

أما طلب تلك القمة وذلك الطرف والغصن وتلك الثمرة بالدعاء فيعني ضمنًا طلب تحققِ تلك الحقيقة العامة العظمى وحصولها، وطلبَ مجيءِ عالم البقاء الذي هو أعظم غصن لشجرة الخلقة وتحققِه، وطلبَ تحققِ الحشر والبعث اللذين هما أعظم نتيجة للكون، وطلب انفتاحِ دار السعادة.

وبهذا الطلب يشترك الداعي في العبودية البشرية والأدعية الإنسانية التي هي أهم سببٍ لوجود دار السعادة والجنة، فهذه الأدعية المرفوعة الكثيرة لأجل حصول هذا المقصد العظيم تُعدّ قليلة.


118. صفحة

كذلك فإن إيتاء سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام المقام المحمود إشارةٌ إلى شفاعته الكبرى لجميع أمته؛ فهو صلى الله عليه وسلم مرتبط بسعادة جميع أمته وحريص عليها؛ لذا فطلبه الصلوات وأدعية الرحمة غير المحدودة من أمته هو عين الحكمة[1].

﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الحَكِيمُ


[1] عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ، فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى الله عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ، فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ، لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَلَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ. أخرجه مسلم حديث رقم 11.