الشعاع الثالث عشر

477. صفحة

 

 

الشعاع الثالث عشر

عبارة عن رسائل كتبها الإمام النورسي وهو في عزل مطلق في سجن إسبارطة ودنيزلي وأرسلها بصورة خفية إلى إخوانه في السجن لعدم سماح السلطات له بمقابلة أحد، وهذه المراسلات القيمة المنورة تبين جهاد رسائل النور الساطع بيانا واضحا.

 

[1]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 إخواني الأعزاء الصديقين

عندما بدأت حرارتي ترتفع قبل يوم من شهر رمضان الشريف إلى ما فوق الأربعين درجة بسبب التسمم كما أكّد الطبيب والذي نعتقد باحتمال قوي أنه كان من قبل أعدائي الزنادقة المخفيين جاء النواب العامون في قسطموني وضباط التحري للتفتيش في منزلي، وقد علمتُ بحس مسبق بالهجوم الشديد الذي أصابني، وفكرت أن هذا المرض المسموم يسوقني إلى الموت، فدعوت الله قلبا بعد تلك اللحظة أن أسلم روحي في أحضاني إخواني الأعزاء في إسبارطة وأُدفَن في تلك الأرض المباركة.

ثم فتحت الحزب القرآني الأكبر فظهرت لي الآية الكريمة ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ فجأة، وقالت انظر إليّ، فنظرت ورأيت أنها تمنحني وتمنحنا السلوان بثلاثة أمارات قوية بالمعنى الإشاري، فخفّفتْ هذه المصيبة التي نزلت بنا الآن، وجعلتْ نفيي الخامس إلى إسبارطة وأنا معتقل دليلا على استجابة دعائي القلبي.


478. صفحة

الأمرة الأولى:

إذا عُدّت الشداتُ في هذه الآية تصبح النتيجة بالحساب الأبجدي ألفا وثلاثمائة واثنين وستين، وتتوافق مع التاريخ الهجري في هذه السنة وتقول بمعناها: اصبر، واستسلم للقضاء الرباني الذي نزل بك، فأنت تحت عين العناية فلا تقلق، واستمر في التسبيح والحمد في الليالي.

التحليل: ثلاث "ر" النتيجة ستمائة، وأربع "ن" النتيجة مائتان، و"س" واحدة و"م" واحدة النتيجة مائة، و"ص" واحدة و"ف" واحدة و"م" واحدة النتيجة مائتان وعشرة، وأربع "ك" و"ع" واحدة النتيجة مائة وخمسون، وثلاث "ح"، و"و" واحدة، و"ي" واحدة النتيجة أربعون، و"ل" واحدة وتسع "ب" و"د" واحدة و"و" واحدة وأربع "ا" النتيجة اثنان وستون، والمجموع ألف وثلاثمائة واثنان وستون، وهذا العدد يتوافق مع تاريخ هذه السنة بالضبط وتتوافق كذلك مع وقت هذه المصيبة التي نزلت بنا، وهو أمارة قوية.

الأمارة الثانية: لقد شاهدت معنى هذه الآية الكريمة مشاهدة تامة فوق توقعاتي في حقي. الأمارة الثالثة: لم تكن هناك حاجة لبيانها في الوقت الحالي فلم تؤلف.

سعيد النورسي

[2]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء الصديقين

أهنئكم بليلة القدر الماضية وبالعيد القادم بكل روحي، وأستودعكم أمانة في وحدانية الله تعالى ورحمته، ومع أني لا أراكم بحاجة إلى السلوان بسر "مَنْ آمَنَ بِالقَدَرِ أَمِنَ مِنَ الكَدَرِ" إلا أنني أقول:


479. صفحة

لقد رأيت السلوان الذي تبعثه الآية الكريمة ﴿وَاصْبِرْ لـِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بـِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ كاملا بمعناها الإشاري، وذلك:

بينما كنت أفكر في نسيان الدنيا وقضاء رمضان المبارك في راحة وهدوء شاهدت هذه الحادثة الرهيبة التي لا تخطر على بال ولا يمكن تحملها؛ أنها عين عناية الله تعالى بي وبرسائل النور وبكم وبرمضاننا وبأخوّتنا، أما الوجه الذي يخصني منها فإني أبين بعضًا من فوائده الكثيرة:

أولاها: أنها دفعتني إلى العمل في رمضان بحماس وجدية والتجاء وتضرع بسبب تغلبها على المرض الشديد.

ثانيتها: لقد كانت الرغبة في لقاء كل واحد منكم في هذه السنة والقرب منكم شديدة، وأنا أقبل هذه المشقة التي عانيتها ولو كانت من أجل رؤية واحد منكم فقط ومن أجل المجيء إلى إسبارطة.

ثالثتها: إن الحالات الأليمة تتغير فجأة بصورة عجيبة سواء كانت في قسطموني أو في الطريق أو هنا (إسبارطة)، وتشاهَد يد عناية خلافا لما أرغب فيه وآمله فتجعلني أقول: "الخير فيما اختاره الله"، وتسوق أكثر الغافلين ومن يشغلون المناصب الكبيرة إلى قراءة رسائل النور قراءة دقيقة وهذا هو أكثر ما أفكر فيه، وتفسح المجال للفتوحات في ساحة أخرى، فتجاه كل الآلام والأحزان التي تجمعت علي والتي هي أكثر ما تثير عطفي ورقتي من جراء معاناة كل واحد منكم إضافة إلى آلامي؛ جعلت هذه المصيبة في شهر رمضان المبارك -الذي يجعل كل ساعة بمنزلة مائة ساعة من العبادة- كل ساعة كعشر ساعات من العبادة فأوصلت المائة أجر إلى ألف أجر، ومن ثم حولت العطف والبكاء رحمةً بالمخلصين من أمثالكم الذين استفادوا من رسائل النور استفادة كاملة وعلموا أن الدنيا فانية وأنها ليست إلا محل تجارة، والذين ضحوا بكل شيء من أجل الإيمان والآخرة، والذين يؤمنون بأن المعاناة المؤقتة التي في هذه المدرسة اليوسفية ستثمر لذائذ وفوائد دائمة؛ حولتهما إلى تهنئة وحولت ثباتكم إلى حالة استحسان وتقدير، فقلت " اَلْحَمْدُ لِلّٰهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ سِوَى الْكُفْرِ وَالضَّلَالِ"، ومثل هذه الفوائد التي


480. صفحة

تخصني هناك فوائد أخرى تخص أُخوّتنا وتخص رسائل النور وتخص رمضان وتخصكم، فلو رفع الحجاب فإني على قناعة بأنها ستجعلنا نقول: "لك الشكر يا ربنا، فهذا القضاء والقدر الإلهي عناية بنا"، ولا تعاتبوا من تسبب في وقوع هذه الحادثة، فقد كانت الخطة الواسعة الرهيبة لهذه المصيبة قد وضعت منذ زمن، ولكنها جاءت خفيفة مقارنة بثوابها، وستزول سريعا إن شاء الله، فلا تتألموا بسرّ ﴿عَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ

سعيد النورسي

[3]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء الصديقين!

إنني سعيد لقربي منكم، فأنا أتكلم أحيانا مع خيالكم فأجد العزاء، واعلموا أنه لو كان من الممكن لتحملت كل معاناتكم بكمال الاعتزاز والسرور، فأنا أحب إسبارطة وما حواليها بأحجارها وترابها من أجلكم، حتى إنني أقول وسأقول رسميا لو قضت عليّ حكومة إسبارطة بالعقوبة وبرأتني محافظة أخرى لفضلت هذه المدينة عليها.

أجل؛ إنني من إسبارطة من ثلاثة وجوه، فمع أنني لا أستطيع أن أثبت ذلك تاريخيا، لكن لدي قناعة بأن سعيدا الذي ولد في ناحية إسباريت(1) انحدر أصله من هنا، ثم إن محافظة إسبارطة وهبتني إخوانا حقيقيين أضحي بنفسي من أجل كل واحد منهم مع الرضا وليس بعبد المجيد أو بعبد الرحمن فقط، وإنني أعتقد أنه لا أحد أقل معاناةٍ قلبيا وروحيا وفكريا في العالم من تلاميذ رسائل النور؛ لأن قلوبهم وأرواحهم وعقولهم لا تعاني بفضل أنوار



(1)  الناحية التي ولد فيها الإمام النورسي شرقي تركيا، وفيها قريته "نورس".



481. صفحة

الإيمان التحقيقي، أما المعاناة المادية التي يعانونها فإنهم يعتبرون أنها مؤقتة وذات أجر ولا وزن لها، وأنها وسيلة لانتشار الخدمة الإيمانية في ساحات أخرى، فيتلقونها بالشكر والصبر، ويثبتون بأحوالهم أن الإيمان التحقيقي سبب السعادة حتى في هذه الدنيا.

نعم؛ إنهم يسعون بقوة لتبديل هذه الأنواع من المعاناة الفانية إلى رحمات خالدات قائلين: "لِنَرَ المولى ماذا يفعل، فما يفعل هو الأجمل"، أكثر الله الرحمن الرحيم من أمثالهم! وجعلهم مبعث شرف وسعادة لهذا الوطن، وأدخلهم في السعادة الخالدة في جنات الفردوس، آمين.

سعيد النورسي

[4]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء الصديقين!

لقد كان بعض تلاميذ رسائل النور الجدد يرغبون في الدنيا من خلالها، وهذا لا يتوافق مع سر الإخلاص، فوجدوا بعض المنافسين من عباد المصالح في معارضتهم، وبسبب العثور على الشعاع الخامس في مكان بعيد عني، وهو الذي كتب أصله قبل خمسة وعشرين عاما، والذي لم يقع في يدي إلا بضع مرات خلال ثماني سنوات ثم أخفي في نفس الوقت؛ فقد أوهم بعض الحساد القضاءَ بأن الشعاع السابع هو الشعاع الخامس كما فعل هذا الشيخ المزيف، وفي ذات الوقت انتقل إلى الحكومة خبر طبع رسالة الآية الكبرى مكتوبة بالحروف الجديدة[1] دون موافقتي ووصول نسخ منها بدلا من رسالة مفتاح الإيمان التي كنت أرغب في طبعها، فالتبست القضيتان بعضهما ببعض من حيث عدالة القدر في



 [1] أي الحروف اللاتينية التي تكتب بها الأبجدية التركية حاليا.



482. صفحة

القضاء الإلهي، فجعل أهل النوايا السيئة الحبة مائة قبة وكأن الشعاع الخامس طُبع خلافًا للدستور، فأدخلونا في دار الانزواء هذه ظلمًا، ولكن القدر الإلهي ساقنا إلى هنا من أجل مصلحتنا، ودعانا إلى هذه المدرسة اليوسفية من أجل أن نتعلم درس الإخلاص ونصحح علاقتنا بأمور الدنيا التافهة حقًّا كما كانت تُكسب دُور الانزواء الاختيارية في قديم الزمان ثوابًا عظيمًا، ونحن نقول لأوهام أهل الدنيا:

إن الشعاع السابع يتحدث عن الإيمان من أوله إلى آخره، فأنتم قد انخدعتم، فالشعاع الخامس الذي كتب قبل خمسة وعشرين عامًا وكان يخفى بشدة ولم يعثر عليه أثناء التفتيش الدقيق؛ يختلف تمامًا عن الشعاع السابع، ونحن لا نرضى أيضًا بإظهاره لأي أحد في هذا الزمان ناهيك عن أن نرضى بطباعته، وهو يخبر إخبارات غيبية صادقة، ولا يبارز أحدًا.

سعيد النورسي

[5]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء الصديقين!

أهنئكم بعيدكم المبارك، ولكن لا تحزنوا على عدم لقائنا وجها لوجه، فنحن معًا دائمًا في الحقيقة، وستستمر هذه المعية في طريق الأبد بإذن الله تعالى، وإني على قناعة بأن الأجور الأبدية التي كسبناها في خدمتنا الإيمانية، والسرور والفضائل الروحية والقلبية ستزيل الغم والمعاناة الحالية المؤقتة، وليس هناك حتى الآن من عانى معاناة قليلة جدًّا في الدعوة القدسية العظيمة مثل تلاميذ رسائل النور.

أجل؛ إن الجنة ليست رخيصة، فالتخلص من الكفر المطلق الذي يدمر كلتا الحياتين في غاية الأهمية في هذا الزمان، فإن كانت هناك بعض المعاناة فيجب


483. صفحة

مقابلتها بحماس للعمل وبالشكر والصبر، وبما أن خالقنا الذي يستخدمنا رحيم وحاكم، فلابد أن نستقبل كل ما يصيبنا بالرضا والسرور والاعتماد على رحمته وحكمته.

لقد تحمل أحد إخواننا الأبطال المسئولية الكاملة في قضية الآية الكبرى والحزب القرآني والحزب النوري، وأظهر أنه مستحق لما كسبه بقلمه من الشرف والفضيلة الأخرويين العظيمين، وأبكاني من شدة السرور، وقد جذبت الآية الكبرى التي هي الشعاعُ السابع الأنظار إليها، فالمصادرة المؤقتة بحقها لحكمة تهيئة الفتوحات اللائقة بها؛ لن تُضيع جهود أخينا ورفقائه وما أنفقوه بإذن الله، ونأمل من رحمة الله أن تجعلها أكثر ازدهارا.

أخوكم الذي يدخلكم في جميع أدعيته بلا استثناء في صيغة الجمع مثل "أجرنا، وارحمنا، واحفظنا"، ويسعى وفق دساتير شركتنا المعنوية التي هي بمنزلة أجساد متعددة وروح واحدة، ويهتم بمعاناتكم أكثر منكم، وينتظر من شخصيتكم المعنوية الهمة والعون والثبات والجلَد والرأفة

سعيد النورسي.

 

[6]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء الصديقين!

لقد كنت أظن حتى الآن أن ركنين مهمين من بين المجموعة الطيبة لدائرة مصنع النور[1] قد نجيا، ففي الحقيقة قامت تلك الدائرة وتلك المجموعة في سبع سنوات تقريبا بفتوحات يستغرق عملُها ثلاثين سنة تقريبا، فلن تتوقف خدماتهم كما لا تتوقف آثار أقلامهم الساطعة، حيث تَكتب الحسناتِ في سجل أعمالهم بدلا منهم، حتى إن الحزب النوري له فتوحات قوية، ووصل إلى أماكن مهمة جدًّا



[1]  المقصود هو تلميذ الإمام النورسي الحافظ علي ورفقاؤه في منطقة "قُولَة أُونُو" بإسبارطة.



484. صفحة

حيث إن من نشروه كأنهم يعملون عملا دءوبًا في تلك الأماكن، وكنت أظن أن الحافظ مصطفى الذي عمل كثيرا ومازال يعمل؛ كنت أظنه في الخارج مثل ذلك الشخص الأول، ولكن سمعت مرة أن الحافظ مصطفى هنا كذلك، وكنت أجد السلوان على أنه مصطفى آخر.

سعيد النورسي

[7]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء!

لقد أشفقت على الحافظ توفيق أثناء أذكار الصلاة هذا الصباح، وتذكرت أنه يعاني المشاق في هاتين المرتين، فخطر على بالي أنْ: "هنئه"، وكان يريد أن يسحب نفسه إلى حد ما من مقامه المهم جدا في رسائل النور ومن حظه الكبير منها بسبب احتياط لا فائدة منه، ولكن عظمة خدمته وقدسيتها وفقته إلى نيل ذلك الحظ الكبير والثواب العظيم، ولابد من عدم التخلف عن مثل هذا الشرف المعنوي بسبب معاناة قليلة ومشقة بسيطة مؤقتة.

أجل؛ إخواني!

بما أن كل شيء يرحل، فإن كان لذةً أو راحةً فإنه يذهب بلا فائدة، ويبقى الألم، وإن كان معاناة ومشقة فإن له فوائد لذيذة دنيوية وأخروية في مثل هذه الخدمة القدسية، بحيث تزيل ألم تلك المشقة تمامًا، وإنني أكبركم سنًا ما عدا واحد منكم، وأكثركم معاناة، وإنني أؤكد لكم أنني راض عن حالي بالصبر والشكر والتحمل، فالشكر على المصيبة يكون من أجل ثوابها وفوائدها الدنيوية والأخروية.

سعيد النورسي


485. صفحة


[8]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني

إن المسألتين اللتين كتبتموهما بالحروف الجديدة أظهرتا تأثيرهما العظيم، فإذا كُتبت مسائلها الأولى والثانية والثالثة كان ذلك خيرا، ولكن لما كان قَلَمَا خُسْرَوْ وطاهري عاكفين على كتابة المصحف والحروف القرآنية وموظفين بهذه الوظيفة فمن الأفضل أن يكتبها آخرون من غيرهما.

سعيد النورسي

[9]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء!

إن هذه الآية الكريمة ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الكَافِرُونَ﴾ تشير إلى إشارة الآية الكريمة ﴿وَالعَصْرِ۞ إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾، إذ إن تخريبات الكفار وحروبهم أصبحت خسارة وعين الضرر وغير نافعة، ولما كان هناك إيماء إلى رسائل النور في إشارة "والعصر"، فهذه الآية أيضًا تشير إلى أن المنافقين ومن وقعوا في الكفر سيتعرضون لرسائل النور في هذه السنة التي توافق رمزا ألفا وثلاثمائة وستين حسب التقويم الرومي، ولكنهم سيخسرون؛ لأن رسائل النور هي من أسباب رفع البلايا كالزلازل والحروب، ويمكن أن يكون هناك إيماء خفي بأن تعطيلها يجلب المصائب.

سعيد النورسي


486. صفحة

[10]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أخي العزيز الحافظ علي!

لا تقلق بسبب مرضك، شفاك الله، آمين، فأنت في ربح عظيم، حيث إن كل ساعة من العبادة في السجن كاثنتي عشرة ساعة من العبادة خارجه، إن كنت تريد دواء فعندي بعض الأدوية، سأرسلها إليك، ففي الحقيقة هناك مرض خفيف منتشر بين الناس، وقد كنت أمرض كل مرة أذهب فيها إلى المحكمة، وربما أخذت أنت جزءا من مرضي كالذين أظهروا تضحيات عجيبة مثل موت بعضهم أو مرضهم بدلا من بعض.

سعيد النورسي

 

 

[11]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء الصديقين!

إن ثباتكم ومتانتكم يجعلان كل مخططات الماسونيين والمنافقين عقيمة، نعم إخواني ليس هناك ضرورة للإخفاء، فهؤلاء الزنادقة قارنوا رسائل النور وتلاميذها بالطريقة وبخاصة الطريقة النقشبندية، وقاموا بهذا الهجوم بنفس الخطط التي هزموا بها أهل الطريقة من أجل الحطّ من شأننا وحل جماعتنا، وتلك الخطط هي:


487. صفحة

أولا: التنفير والتخويف وإظهار الاستخدام السيء لهذا المسلك.

ثانيًا: الإعلان عن عيوب أركان هذا المسلك[1] وعن مؤسسه.

ثالثًا: الإفساد بالإغراءات الجذابة للفلسفة المادية والحضارة وسمومها المخدرة اللذيذة، وكسر التساند فيما بين تلاميذ رسائل النور، والتنقيص من شأن شيخهم بالإهانات، وإسقاط مسلكهم من أعينهم متخذين بعض دساتير العلوم والفلسفة الحديثة، وقد شنوا علينا هجومًا بنفس الأسلحة التي استخدموها ضد النقشبنديين وأهل الطرق الآخرين ولكنهم انخدعوا؛ لأن مسلك رسائل النور وأساسها هو الإخلاص التام وترك الأنانية والإحساس بالرحمة في المشقة، والشعور باللذائذ الخالدة في الألم، والتحري عن الرحمة واللذة الخالدة في المشقة والألم، وإظهار الآلام الأليمة ضمن لذائذ السّفاهة، وإثبات أن الإيمان سبب لما لا حد له من اللذائذ حتى في هذه الدنيا، وتعليم النقاط والحقائق التي لا تصل إليها يد أية فلسفة؛ ومن ثم ستجعل رسائلُ النور خططَهم عقيمةً بإذن الله، وستلزمهم بأن مسلكها لا يقارن بالطرق الصوفية.

لطيفة: لقد ناداني هذا الصباح أحدهم من ثكنات قوات الدَّرَك القريبة مني، فأشرفت من النافذة، فقال لي: لقد انغلق علينا بابنا من تلقاء نفسه؛ فمهما حاولنا فتحه فإنه لا ينفتح، فقلت له: هذه إشارة لكم بأن هناك أبرياء مثلكم بين الذين تراقبونهم وتغلقون عليهم الأبواب، حتى إن الموظفين أغلقوا عليَّ باب بيتي الخارجي الثاني من قبل إهانة لي بذريعة لقائي لمدة دقيقة واحدة مع أخ لي لم أره منذ عشر سنوات وبذريعة أخرى، فعقابا لكم انغلق عليكم بابكم.

سعيد النورسي



[1]  يقصد بالأركان كبار الشخصيات في خدمة رسائل النور.



488. صفحة


[12]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء الصديقين!

هناك ثلاثة مغاز دقيقة للطيفة التي كتبتها إليكم بالأمس:

المغزى الأول: لقد تحقق ذلك وظهر في الوجود مثلما فتح ذلك الباب المغلق من تلقاء نفسه بسر تلك الشخصية المعنوية وبركتها لكونها ممثلة عن الشخصية المعنوية للمجموعة المباركة التي ستأتي في المستقبل، وقد غضب عليَّ مدير السجن بسبب لقاء ممثل تلك المجموعة المباركة لمدة نصف دقيقة معي بعد عشر سنوات، فغضبت لذلك وقلت مرارا: فلينغلق بابهم، ففي صباح اليوم التالي انغلق باب المراقبين من تلقاء نفسه ولم يحدث مثل ذلك قط من قبل، حيث لم يُفتح الباب إلا بعد ساعتين.

المغزى الثاني: كنت قد أرسلت إلى النائب العام مذكرة مع مدير السجن، قلت فيها: "إنني في عزلة لا أستطيع فيها أن أقابل أحدا، وحتى لو سمحوا لي بمقابلة أحد فإني لا أعرف أحدا في هذه المدينة، وأن بلدية هذه المدينة مع واحد ... إلخ"، ثم قال النائب العام: "هل هو في عزلة"، فقال مدير السجن: لا، فاتفق كلاهما عليّ. وبسبب زيارة شخص شبه مجذوب من أقاربي البعيدين لي لمدة نصف دقيقة في نفس اليوم أظهروا حالة من التشدد لم تحدث في أية دار عزلة أخرى، مما ضرب إنكارهم بوجوههم.

المغزى الثالث: كان ضجيج الشباب الطائشين المجاورين لي عند الباب بين المغرب والعشاء يزعجني قليلا، وأغلق الحراس هذا الباب نفس اليوم بذريعة ما، فازدادت الرائحة الكريهة في زنزانتي، وبدأ ضجيج أولئك الطائشين عند الباب يزعجني كثيرا، فقلت: لماذا يفعلون هكذا فلينغلق بابهم! وحدثت نفس الحادثة في الصباح نفسه.

سعيد النورسي


489. صفحة

[13]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 إخواني الأعزاء!

سنبدأ إن شاء الله من جديد تكملة مسائل رسالة الثمرة إذا زالت الموانع التي كانت تمنعنا من ذلك، ومنها البردُ، ومنها أيضًا خوف الماسونيين من رسالة الثمرة ومن قوتها، ولكني أفكر في وجه القدر الإلهي في هذه المصيبة، فتنقلب مشقتي إلى رحمة.

أجل؛ إن في كل حادثة وجهين كما بيّن في رسالة القدر، أحدهما: وجه ظاهري يحكم الناسُ من خلاله فيظلمون في أغلب الأحيان، والآخر وجه حقيقي يحكم القدرُ الإلهي من خلاله، ويعدل ضمن ظلم البشر في نفس الحادثة، فمثلا:

يدخل رجل السجن ظلما بسرقة لم يرتكبها، ولكن القدر يحكم بسجنه بناء على جريمته الخفية، فيعدل في ظلم البشر نفسه؛ فهناك سببان لامتحاننا الشديد هذا لتتميز الألماسات من قطع الزجاج، ويتميزَ المضحون الصديقون الأوفياء من عديمي الثبات المترددين، ويتميزَ المخلصون الصادقون من الذين لا يستطيعون أن يتخلوا عن أنانيتهم ومصالحهم الشخصية:

السبب الأول: الخدمة الدينية العظيمة التي قامت على التساند والإخلاص القويين تمسّ أوهام أهل الدنيا وأهل السياسة، وهكذا نظر إليهما البشر الظالمون.

السبب الثاني: إن كل واحد منا لم يُظهر بمفرده أنه جدير بهذه الخدمة القدسية بإخلاص تام وتساند كامل، وقد نظر القدر إلى هذا، فالقدر الإلهي في حقنا هو عين الرحمة، إذ جَمَعَ الإخوة المشتاقين بعضهم إلى بعض في مجلس واحد ضمن العدالة عينها، فهو عين الرحمة من نواح كثيرة مثل:


490. صفحة

تحويل المشقة إلى عبادة، وجَعلِ الخسائر صدقة، وجذبِ الأنظار إلى ما استنسخه تلاميذُ رسائل النور في كل مكان، وعدم إخلال تلاميذ رسائل النور بآخرتهم بسبب متاع الحياة الدنيا والأولاد والراحة لأنها مؤقتة وزائلة وستتركهم يوما ما وتدخل تحت التراب، وتوطين القدر الإلهي لهم على الصبر والتحمل، وجَعْلِهم مثالا بل أئمة يقتدى بهم لأهل الإيمان في المستقبل بشجاعة.

وهناك وجه يجعلني أفكر فيه وهو كما أن الإصبع إذا جرحت فإن كلا من العين والعقل والقلب تترك وظيفتها المهمة وتنشغل بها، كذلك فإن هذا الذي نحن فيه يشغل قلوبنا وأرواحنا بسبب جروح حياتنا الشاقّة التي أصبحت فقيرة إلى هذا الحد، حتى إن هذه الحالة ساقتني إلى التفكير في مجالس الماسونيين في الوقت الذي كان يجب عليّ فيه نسيان الدنيا، وشغلتني بصفعهم، وقد وجدت العزاء في أن الله يتقبل حالة الغفلة هذه بحسبانها جهادا فكريا.

لقد تلقيت سلام "علي جول" الأخ الشقيق للحافظ محمد الذي هو معلم عظيم لرسائل النور، وأنا أبلغه وأبلغ جميع أهل بلدتي وأحياء صاوة وأمواتها السلام وأدعو لهم جميعًا.

سعيد النورسي

[14]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 أخي العزيز رأفت بك !

لا أستطيع ألا أكترث بأسئلتك التي تدل على العلم؛ لأنها مفتاح لحقائق مهمة جدا في جزء "المكتوبات" من رسائل النور، والجواب القصير لهذا هو:


491. صفحة

بما أن القرآن الكريم خطبة أزلية تخاطب جميع طبقات النوع البشري وجميع طوائف أهل الإيمان؛ فلابد أن له معاني متعددة ومراتب كثيرة لمعانيه الكلية بالنسبة لهم، فبعض المفسرين يختارون المعنى الأعم، أو أكثر المعاني صراحة، أو المعنى الذي يفيد واجبًا أو سنة مؤكدة، فمثلا ذكَرَوا في هذه الآية الكريمة ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ ركعتي صلاة التهجد التي هي سنة مهمة، وفي الآية الكريمة ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ سنة صلاة الفجر المؤكدة، والحال أن المعنى الأول له أفراد كثيرة غير ذلك.

أخي، لم تنقطع المحادثة معك، وكل رسالة كتبتها إلى إسبارطة وما حواليها وذكرت فيها "إخواني الأعزاء الصديقين" فأنت وخُلوصي وخلوصي الثاني مخاطبون لي في الصف الأول.

سعيد النورسي

[15]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء الصديقين!

قرأت الآن الآية الكريمة ﴿رَبَّنَا أَتـْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا﴾ فجملة "وَاغْفِرْ لَنَا" توافق بالضبط بدون الواو ألفا وثلاثمائة واثنين وستين (1362هـ) بالحساب الأبجدي[1]، أي توافق تاريخ هذا العام بالميلادي، وتدعونا إلى الإكثار من الاستغفار وتأمر أن تُتمّوا تأليف رسائل النور، حتى لا تبقى ناقصة.

سعيد النورسي



[1]  يقابل بالتاريخ الميلادي 1943.



492. صفحة

[16]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء!

لقد صليت الآن صلاة الظهر، وخطر على بالي أثناء أذكار الصلاة أن كل واحد منكم يحزن بالتفكير في نفسه وفي أقربائه الذين هم في بيته، وفجأة خطر على قلبي: بما أن الذين فضلوا آخرتهم على دنياهم في الماضي قضوا حياتهم في الكهوف أو في دُور العزلة بالرياضة الروحية بغية الخلاص من آثام الحياة الاجتماعية والعمل للآخرة بإخلاص وصدق، فلو كان أولئك في هذا الزمان لكانوا تلاميذ لرسائل النور، فلاشك أن هؤلاء تحت هذه الظروف الحالية أحوج منهم بعشرة أضعاف، ويكسبون فضائل أكثر منهم بعشرة أضعاف، وهم أكثر منهم راحة بعشرة أضعاف كذلك.

سعيد النورسي

 

 

[17]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء!

عندما كنت أنشغل بالأذكار في هذه الليلة كان الحراس وغيرهم يسمعونني، فخطر على قلبي أليس إعلان الأذكار ينقص من ثوابها، فقلقت، ثم خطر ببالي القول المشهور لحجة الإسلام الإمام الغزالي رحمه الله تعالى، فقد قال فيما معناه: "يكون الجهر أحيانا أفضل من الإخفاء"، أي وجدتُ العزاء في أن الجهر بالذكر لا يكون رياء عند الذين تلقوا دروس الإخلاص التام من وجوه كثيرة ولاسيما في


493. صفحة

هذا الزمان كاستفادة الآخرين منه، أو تقليدهم، أو انتباههم من الغفلة، أو إظهار الشعائر الإسلامية والعزة الدينية إن كانوا معاندين في الضلال والسفاهة، بل قد يكون أكثر ثوابًا من الذكر الخفي على ألا يشوبه تصنع.

سعيد النورسي

[18]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء الطيبين!

أبلغكم تحيات كثيرة، كنا نقرأ سورة الإخلاص الشريفة ألف مرة يوم عرفة في بلدتنا في الماضي، وأستطيع حاليا أن أقرأ هذه السورة خمسمائة مرة قبل يوم من عرفة، وكذلك خمسمائة مرة يوم عرفة، فمن استطاع منكم أن يقرأها كلها دفعة واحدة في يوم عرفة فليفعل، ومع أني لا أراكم ولا أستطيع أن أقابلكم مقابلة خاصة، إلا أني أتحاور مع كل واحد منكم باسمه في كل وقت من أوقات الدعاء.

سعيد النورسي

[19]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء المباركين!

الشكر على المصيبة؛ إنما يكون من أجل الثواب الذي فيها ومن أجل فوائدها الدنيوية والأخروية.

سعيد النورسي


494. صفحة


[20]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء!

كنت أستهلك منذ سنة بعضا من الشعيرية والأرز أي بمقدار كيلو جرام منهما، ولم تبق لدي شبهة في أن فيهما بركة عظيمة، والآن بما أنكم لا تتركونني أطبخهما، إذن فسوف أرسلهما إليكم كتبرك وهدية مباركة، وقد رأيت ذات مرة بركة عجيبة للشعيرية التي على شكل النجم، حيث جففت حباتها بعد الطبخ، وقد رأيت ورأى غيري أن الحبة الواحدة أكبر من غير المطبوخ بعشرة أضعاف.

سعيد النورسي

[21]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أخي العزيز الصّدّيق!

كنت أظن أن حكمة وجودك هناك مثلما كتبت لي بالضبط، فابتعاد هذا الشخص عني وعن رسائل النور ابتعادا ظاهريًّا إلى حد ما خوفا أو من أجل التخلص من ما حل به سريعا، وتظاهره بأنه مناصر شيئا ما لمعارضينا قد أضر بي وأضر برسائل النور، وقد وجد مدير السجن والمحكمة الجرأة بسبب هذا الوضع، وكنت أعلم بذلك، ولكن الوفاء القديم لهذا الشخص وخدمته السابقة جعلاني أعفو عن خطأه الكبير هذا، إلا أن هذه الحال مثلما لم تنفعه قط، فقد جعلته يفقد نصيبه –لفقده شرط الوفاء التام- من الأدعية والعبادات التي تذكر بآلاف الألسنة البريئة فضلا عن أنها أخرت خلاصه مما


495. صفحة

هو فيه بخلاف مقصوده، وإنني أسعى داعيا من حين لآخر لإشراكه في هذه الأدعية والعبادات وليكتسب الوفاء الكامل، فأبلغه أنت سلامي، وقل له: إن أكثر من يصابون هم من يتركون خنادقهم، ثم إن من يقف ضدنا ليست هي الحكومة والمحكمة، بل كيان سري مكوّن من الذين وقعوا في الزندقة والكفر المطلق، وأنصار البدع الرهيبة التي لا تحتمل أي تأويل، فهؤلاء خدعوا الحكومة وحملوها على الوقوف ضدنا، فإن من يتضايق مني مثلا بسبب خطئي فلاشك أنه يقترب من الماسونيين المنافقين.

أجل؛ أمامنا الآن طريقان، فحتى الولي إذا هاجمنا فإنه يساعد الماسونيين من حيث لا يشعر.

سعيد النورسي

[22]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء الصديقين!

إن لدي قناعة بأن الملائكة والروحانيات ستصفق للذين لم يتزعزعوا في الامتحان الشديد في هاتين المدرستين اليوسفيتين القديمة والجديدة، ولم يتخلوا عن دروسهم، ولم يتركوا التتلمذ على الرغم من مرارة الصعوبات التي يعيشونها، ولم تنكسر قوتهم المعنوية على الرغم من هذه الكثرة من الهجمات كما سيصفق لهم أهل الحقيقة والجيل القادم، ولكن المعاناة شديدة لوجود المرضى والضعفاء والفقراء بينكم، وأرى تجاه هذه الحال أن يكون كل واحد منكم معزيا للآخر، وقدوة يقتدى به في الأخلاق والصبر، وأخا عطوفا في التساند وتطييب الخواطر، ومستمعا ومجيبا ذكيا في مذاكرة الدروس، ومرآة لانعكاس السجايا الحسنة؛ كل ذلك سيخفف من وطأة هذه المعاناة المادية، ففي هذه الأشياء أجد العزاء لكم يا من أحبكم أكثر من روحي.

سعيد النورسي


496. صفحة

[23]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء الصديقين!

سأرسل إليكم يوما جبة مولانا خالد التي عمرها مائة وعشرون عاما، فكما ألبسنيها هو فسأرسلها إليكم متى شئتم حتى ألبسها لكل واحد منكم باسمه للتبرك.

لقد قام الطبيب بتطعيمي بحقنة ضد الجُدَري في بداية مجيئنا، فظهرت دماميل في ذراعي وتورمت، ونزل هذا التورم إلى أسفل ذراعي فلم أستطع النوم، وكان يزعجني عند الوضوء، وقد تساءلت هل جسمي لا يتحمل التطعيم أم أن هناك معنى آخر؟ فلقد قاموا بتطعيمي في أنقرة قبل عشرين سنة ولا يزال موضع التطعيم يؤلمني ويزعجني من حين لآخر، فأخشى أن يكون هذا مثل ذلك؟ وكيف الأمر عندكم؟

سعيد النورسي

[24]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء الصديقين!

إن حكمة من حكم سوق عدالة القدر الإلهي إيانا إلى المدرسة اليوسفية في دنيزلي؛ هي حاجة السجناء فيها وأهاليها وموظفيها ومحاكمها إلى رسائل النور وتلاميذها أكثر من أي مكان آخر، وبناء على ذلك فنحن دخلنا في هذا الامتحان الشديد بوظيفة إيمانية وأخروية.


497. صفحة

أجل؛ إن أداء ما يقرب من خمسين من تلاميذ رسائل النور الصلاة جماعة بلا استثناء حق الأداء بين ما يقرب من ثلاثين من السجناء الذين ما كان يؤدي الصلوات منهم بتعديل أركانها إلا رجل أو رجلان؛ كان إرشادا ودرسا بلسان الحال وبلسان الفعل يخفف من وطأة هذه المعاناة والمشقة بل يحببهما إلينا، فكما أرشد هؤلاء التلاميذُ بأفعالهم فإنا نأمل من رحمة الله تعالى وعنايته أن يصبحوا بإيمانهم التحقيقي القوي الذي في قلوبهم حصنا فولاذيا ينقذون به أهل الإيمان هنا من أوهام أهل الضلالة وشبهاتهم.

لا يضرنا أن يمنعنا أهل الدنيا هنا من الحديث مع الناس والاتصال بهم، فلسان الحال أبلغ أحيانا من لسان المقال، وبما أن دخول السجن هو من أجل التأديب، فإن كانوا يحبون الشعب فليسمحوا للسجناء بمقابلة تلاميذ رسائل النور، حتى يتهذبوا في شهر بل في يوم واحد أكثر مما يتهذبون في سنة كاملة، فيصبح كل واحد منهم فردا نافعا لأمته ووطنه ومستقبله وآخرته، فلو كان لدينا "مرشد الشباب" هنا لنفع كثيرا، ولكنه سيدخل بإذن الله ذات يوم.

سعيد النورسي

 

[25]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء الصديقين!

لقد تذكرت اليوم المحاورة المعلومة لديكم حول الشيخ ضياء الدين والتي كانت بيني وبين أخي الكبير المرحوم الـمُلَّا عبد الله، ثم فكرت فيكم، وقلت في قلبي: لو كشف حجاب الغيب وظهر كل واحد من المتدينين المخلصين والمسلمين الصادقين الذين يُظهرون ثباتا في هذا الزمان المتقلب ولا يتزعزعون من هذه الأحوال المحرقة الملتهبة؛ وليا من الأولياء أو حتى قطبا من الأقطاب؛ لما زاد ذلك في نظري


498. صفحة

من أهميته ولا من العلاقة التي أوليها له إلا قليلا، ولو أنهم ظهروا أشخاصا عاديين ومن العامة لما نقص هذا من القيمة التي أمنحهم إياها، وهكذا قررت؛ لأن خدمة إنقاذ الإيمان في مثل هذه الظروف القاهرة الشديدة فوق كل شيء، فالمزايا التي تُضيفها المقامات الشخصية وحسن الظن التي تؤدي إلى المحبة تُكْسَر في مثل هذه الآونة المضطربة المهتزة فيذهب حسن الظن ومن ثم تقل المحبةُ، وهنا يحس صاحب المزية أنه مضطر إلى التصنع والرياء والوقار المتكلف للحفاظ على مكانته في نظرهم، فنحن والحمد لله حمدا لا حد له لا نحتاج إلى مثل هذا التكلف.

سعيد النورسي

[26]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء الصديقين الطيبين الثابتين المخلصين!

أهنئكم بالليالي العشر من كل روحي وقلبي وعقلي، ونأمل من الرحمة الإلهية أن تكسبنا فيها مكاسب كبيرة لشركتنا المعنوية، وقد رأيت في منامي الليلة البارحة أني قدمت إليكم وأني كنت سأصلي بكم إمامًا، فاستيقظت، ثم قدم اثنان من إخواننا من أبطال قرية "صاو" و"خومة" نيابة عن الجميع فتحقق تأويل الرؤيا حسب تجربتي، فسررت وكأني رأيتكم جميعا.

إخواني، مع أن وضعنا هذا خوف المؤيدين وبعض الموظفين من رسائل النور ونفّرهم منها، إلا أنه يبعث على الانتباه إليها والرغبة فيها لدى جميع المعارضين والمتدينين والموظفين المهتمين بها، فلا تقلقوا فهذه الأنوار ستتلألأ(1) .

سعيد النورسي



(1)  أيها الأخ، انتبه، لقد أحيل أستاذنا إلى المحكمة محكوما عليه بالإعدام وكانت جميع الأسباب في العالم ضده ظاهريا عندما كان في سجن دنيزلي إلا أنه كان يقول: "لا تقلقوا إخواني، فهذه الأنوار ستتلألأ "، فانظر كيف تحقق هذا القول. (تلاميذ الإمام النورسي) 



499. صفحة


[27]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء الصديقين!

"إن رسائل النور حسبما تتطابق مع إشارة "سورة العصر" كما عبر عنها صبري واستنبطها منها؛ وسيلةٌ لحفظ الأناضول وإسبارطة وقسطموني من الكوارث السماوية والأرضية مثلما كانت سفينة نوح عليه السلام في جبل الجودي، وكنت أردد قبيل وقوع هذه المصيبة "عليهم ألا يمسونا وألا يمسوا رسائل النور، وإلا فليعلموا أن كوارث متوقعة ستحدث قريبا، وليعودوا إلى رشدهم"، وكانت تلك الرسائل قد أرسلت إليكم، والآن جاءني خبر أن المناطق المجاورة لقسطموني وقلعتها بكت على رسائل النور وكأنها تندبها، وأخذتها الحمى بالزلزال، ولكنها ستلتقي برسائل النور مرة أخرى إن شاء الله وستفرح وتشكر.

كنت قد كتبت إليكم قبل أمس عن ربحين عظيمين كسبناهما، وقلت في الثاني "الدعاء والأذكار بمئات الألسن ... إلخ، وهناك نقص، والصواب " الدعاء والأذكار لكل واحد منا بمئات الألسن حسب درجته ... إلخ".

وقد سرني كل السرور مجيئنا مكبليْن أنا ورجل مسن محترم من قرية صاو التي أرتبط بها ارتباطا وثيقا، وقد فهمت من هذا مدى علاقة هذه القرية المباركة بي، وأبلغ سلامي لأخي هذا.

سعيد النورسي


500. صفحة


[28]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء الصديقين!

بما أنكم انتسبتم إلى رسائل النور من أجل الآخرة والخير والعبادة والثواب ومن أجل الإيمان والقرآن؛ فلابد أن كل ساعة تحت هذه الظروف القاسية كعشرين ساعة من العبادة، وهذه العشرون ساعة تُكسب قيمة عظيمة كمائة ساعة لما فيها من الجهاد المعنوي في خدمة القرآن والإيمان، وهذه المائة ساعة التي تمضي في لقاء إخوان مجاهدين حقيقيين كل واحد منهم بمائة رجل، وأن عقد أخوة معهم، ومؤازرتهم، واستمدادَ القوة منهم، وعزاءهم وأخذ السلوان منهم، والاستمرار معهم ثابتين في الخدمة المقدسة بتساند حقيقي، والاستفادةَ من سجاياهم الحسنة، وتسلّمَ كل تلميذ رزقه المقدر ونصيبه المقسوم في المدرسة اليوسفية التي هي مجلس امتحان فُتح لكسب الجدارة بالتتلمذ في مدرسة الزهراء، وأكلَ رزقه المقدر، وكسب الثواب في هذا الأكل؛ كل ذلك يستلزم الشكر على القدوم إلى هذه المدرسة، فيجب الصبر على كل هذه المشقات وتحملها بالتفكر في هذه المنافع المذكورة.

إخواني، كنت أتمنى أن يظهر أبطال كخسرو والحافظ علي وأمثالهما هنا في قسطموني، وأحمد الله حمدا لا نهاية له أن محافظة قسطموني قد حققت أمنيتي هذه تحقيقا كاملا، فأرسلت إلينا الأبطال الكثيرين، سلامي إلى كل واحد من إخواني المضحين الذين هم في خيالي دوما، ولكني لا أستطيع أن أكتب أسماءهم، وأدعو لهم بالسلامة.

سعيد النورسي


501. صفحة

[29]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء الصديقين!

إن مبعث السلوان المهم تجاه تغير الحياة الدنيا السريع وزوالها وفنائها وملذاتها الفانية التي لا تستمر، وتجاه صفعات الفراق والافتراق؛ هو اللقاء مع الأحباب الصادقين.

أجل؛ إن المرء ليقطع مسافة عشرين يوما وينفق مائة ليرة أحيانا من أجل رؤية صديقه ساعة أو ساعتين، لاشك أن كل هذه المشاق التي نزلت بنا والخسارة المالية التي أصابتنا مقابل رؤية أربعين أو خمسين صديقا صادقا الآن في هذا الزمان العجيب الذي قل فيه الأصدقاء، وتجاذبَ أطراف الحديث معهم في الله تعالى، وتبادل السلوان معهم؛ تكون رخيصة ولا تبقى لها أية أهمية، وإنني أقبل هذه المعاناة لأرى أخا واحدا من إخواني هنا بعد فراق عشر سنوات، فالشكوى انتقاد للقدر، والشكر استسلام له، وإنني أؤكد لكم أن الأجل إذا جاء الآن لاستقبلته بكمال راحة القلب؛ لأنني على يقين أن بينكم الكثيرين من الشباب الأقوياء الثابتين أمثال سعيد وأنهم سينصرون رسائل النور وسيكونون وارثين وحماة لها أكثر من سعيد المسكين المسن المريض الضعيف، وقد أصبحت ممتنا لمن كُتبت أسماؤهم في مذكرة نظيف والذين دعموا القوة المعنوية بصورة مؤثرة وفعالة وفرحت بهم، وكنت أعرف أنهم سيكونون كما أعتقد، وفقهم الله وجعلهم قدوة حسنة لغيرهم، آمين.

سعيد النورسي


502. صفحة


[30]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء الصديقين!

إنني أعتقد أن دفاعنا الحقيقي والأخير سيكون رسالة الثمرة التي هي ثمرة سجن دنيزلي؛ لأن خططهم التي دبروها لنا منذ سنة بسبب بعض الأوهام سابقا هي:

[ تأسيس طريقة صوفية...، تأسيس تنظيم...، أداة للتيارات الخارجية...، لهم علاقة بالمائة والخمسين(2)...، اتخاذ العواطف الدينية أداة للسياسة...، السعي ضد الجمهورية الحديثة...، والإخلال بالأمن... ]، وقد هاجمونا بمثل هذه الحجج الباطلة.

ولله الحمد حمدا لا نهاية له أنْ أصبحت خططهم عقيمة، ولم يجدوا في مئات من الرسائل عند مئات من الطلاب في ساحة واسعة وفي الرسائل والمراسلات التي كتبت خلال ثماني عشرة سنة، غيرَ الحقائق الإيمانية والقرآنية وإثبات الحشر، والسعي للسعادة الأخروية؛ فبدأوا يبحثون عن حجج حقيرة جدّا لإخفاء خططهم، ولكني أعتقد أن رسالة الثمرة الثابتة الصلبة صلابةَ الجبال والواضحة وضوحَ الشمس والتي لا تذر أية شبهة تدور حولها؛ أُمْلِيَت علينا لتكون أقوى دفاع تجاه الهجمات المحتملة باسم الكفر المطلق التي جاءتنا مباشرة من كيان الزنادقة الرهيب الخفي الذي ضلّل بعض رجال الحكومة وجعلهم يتخذون موقفا ضدنا، ولإسكاته.


(2)  يطلق على مواطنين أتراك من ذوي المناصب الرفيعة الذين اتهموا بعد حرب التحرير -عددهم مائة وخمسين- بأنهم كانوا متواطئين مع الأعداء، وتم نفيهم إلى خارج تركيا وسحب الجنسية منهم بقرار صدر عام 1927، ثم تم العفو عنهم ببعض الشروط بقرار صدر عام 1939، وكان من شروط اتفاقية لوزان ألا يتجاوز عدد المنفيين مائة وخمسين شخصا.




503. صفحة

إخواني !

إن مكانكم ضيق جدا ولكن سعة قلوبكم لا تبالي بهذه المعاناة، وهو أوسع من مكاننا، واعلموا أن أرسخ قوة لنا وأقوى نقطة استناد لنا هي التساند، وحذار حذار أن ينظر بعضكم إلى أخطاء بعض من جراء التوتر العصبي الذي تورثه هذه المصائب، ولا يستاء بعضكم من بعض بسبب الشكاوى التي هي بمنزلة الاعتراض على القضاء والقدر، كأن تقولوا "لو لم يكن كذا لكان كذا"، وقد أدركت أنه لم يكن لدينا حل للتخلص من هجمات هؤلاء، فمهما حاولنا كانوا سينفذون هذا الهجوم، فعلينا أن نقابل ذلك بالصبر والشكر والرضا بالقضاء والاستسلام للقدر، ونسعى لكسب ثواب عظيم وخير كثير في مدة قصيرة وفي عمل قليل إلى أن تدركنا عناية الله تعالى، سلام كثير على الإخوان هناك، وندعو لهم بالسلامة.

سعيد النورسي

[31]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني، إنني لا أستطيع أن أنشغل بالدنيا، فتشاوروا بينكم حتى تكون الشخصية المعنوية لرسائل النور متحدثة باسمها، وتداولوا الأفكار بقدر الإمكان مع إخوانكم من إسبارطة الطيبين الأبطال ذوي الصلابة كالفولاذ، وتحيات خالدة كثيرة.

سعيد النورسي


504. صفحة


[32]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء

لقد خطرتم في بالي حينما كنت أقرأ أذكارا مهمة في يوم الجمعة هذا، فقلتم بلسان حالكم: "ماذا نفعل للخلاص من هذه المصيبة"، فخطر في قلبي: "تساندوا بقوة يدا بيد وكتفا بكتف؛ لأن التدابير كاجتناب بعضكم لبعض واجتنابكم لرسائل النور واجتنابكم لي، وإنكارَكم لي ولرسائل النور وإخوانكم، وتملق القوة الخفية التي تريد أن تسحقنا؛ لا نفع لها بل هي مضرة بالذين يقومون بهذه التدابير، فضلا عن أنها ألحقت ضررا بالغا بإخواننا الأبرياء في أسكي شهر وهنا، وأؤكد لكم أني لو أعلم أنكم تتخلصون من تلك المصيبة بتبرئكم مني لأذنت لكم بإهانتي وتحقيري واغتيابي ولسامحتُكم، ولكن القوة الخفية التي تريد أن تسحقنا تعرفكم ولا تنخدع، وتجد الجرأة من ضعفكم وتبرئكم، وتسحقنا أكثر. ومسلكنا نحن الأخوة والخلة فلا يكون ثمة تنافس من حيث الشخصية والأنانية، فيجب النظر إلى كمالات رسائل النور لا إلى نقائص مسكين كثير العيوب شديد الضعف مثلي.

سعيد النورسي

[33]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء الصديقين

لقد تبين من ورقة الادعاء هذه أن خطط الزنادقة المتسترين الذين ضللوا بعض رجال الحكومة وحرضوهم علينا؛ أصبحت عقيمة وظهر كذبها، والآن يحاولون


 

505. صفحة

ستر كذبهم بإسنادهم إلينا تهمة تأسيس تنظيم كذريعة. وكدليل على هذا فهم لا يسمحون لي بالتواصل مع أحد، وكأن من يتواصل معنا سيصبح منا فجأة، وحتى الموظفين الكبار أيضًا يخشون ذلك، ويتملقون رؤساءَهم من خلال مضايقتي (ولاسيما المدير...)، وكنت سأقول الفقرة الآتية في ختام ورقة الاعتراض، ولكن فكرة حالت دون ذلك، وتلك الفقرة هي:

أجل؛ إننا جماعة، ولها ثلاثمائة مليون منتسب في كل عصر، ويظهر أعضاء هذه الجماعة علاقات بعضهم ببعض بكمال الاحترام خمس مرات كل يوم حسب مبادئ هذه الجماعة المقدسة ويبرزون خدماتهم لها، ويسعون بدعائهم ومكاسبهم المعنوية لإسعاف بعضهم بعضا ببرنامج "إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ" المقدس، فنحن من أفراد هذه الجماعة المقدسة العظيمة، ووظيفتنا الخاصة أن نبلّغ أهل الإيمان حقائق القرآن الإيمانية تبليغا تحقيقيا، وأن ننقذ أنفسنا وإياهم من الإعدام الأبدي والسجن الانفرادي الدائم، وليست لنا أية علاقة بالكيانات والتنظيمات الدنيوية السياسية التي تحيك المؤامرات، بل نترفع عنها.

سعيد النورسي

[34]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء الصديقين

لقد شعرت بالعطف على كل واحد منكم في هذا الفجر، وفجأة خطرت في بالي رسالة المرضى ومنحتني السلوان.

أولا: نعم؛ إن هذه المصيبة هي الأخرى نوع من الأمراض الاجتماعية، فأكثر الأدوية الإيمانية في تلك الرسالة هي دواء لهذه أيضًا، فكما قلت للمريض


506. صفحة

المحترم في أرضروم[1] "فقد زالت جميع آلام المصيبة قبل هذه الساعة، وبقي ثوابها وخيرها ومنافعها الدنيوية والأخروية والإيمانية والقرآنية، إذن فتلك المصيبة الواحدة الزائلة انقلبت إلى نِعم متعددة دائمة، أما المستقبل فلعدم وجوده الآن فلا ألم للمصيبة التي ستكون فيه، فالتألم من العدم بسبب التوهم قلة الاعتماد على الرحمة الإلهية والقدر الإلهي".

ثانيًا: إن معظم البشر في الأرض أصابتهم مصيبة مادية ومعنوية قلبا وروحا وفكرا، أما مصيبتنا نحن فخفيفة جدا بالنسبة لهم، ومربحة، وفيها سلامة وصحة ولذائذ للقلب والروح والإيمان.

ثالثًا: لو لم ندخل هنا في هذه العواصف لكانت هذه المصيبة الخفيفة ثقيلة في التواصل مع بعض الموظفين كثيري الوهم في الخارج، ولكانت هناك مصيبة التصنع لهم وتملقهم.

رابعا: إن هذه المصيبة تتحول صورتها -في هذا الشتاء المادي والمعنوي القارس الذي لا يوجد فيه عمل- برؤية الأصدقاء الذين هم أكثر عطفا من الأخ الشقيق وأخلص منه في هذه المدرسة اليوسفية التي هي صف من صفوف مدرسة الزهراء، وبرؤية إخوان الآخرة الذين هم كالمرشد بثمن بخس وتكلفة قليلة، وبزيارتهم والاستفادةِ من مزاياهم الخاصة، واستمدادِ القوة من حسناتهم مثل النور والشيء النوراني الذي يسري في الأشياء الشفافة، ومن عونهم المعنوي، وسرورهم وسلوانهم، تتحول صورة هذه المصيبة وتشفّ عن عناية الله تعالى.

أجل؛ إن مغزى دقيقًا لهذه العناية الخفية أن أُطلِق على كل تلاميذ رسائل النور الذين قدموا إلى هنا اسم الشيوخ، وهم يُذكَرون على لسان كل واحد بتوقير: الشيوخ، الشيوخ! وهناك إشارة لطيفة في هذا المغزى أنه كما تحول هذا السجن إلى مدرسة فإن تلاميذ رسائل النور أيضًا سيصبح كل واحد منهم مدرسا ومعلما، وستكون السجون الأخرى بفضل هؤلاء الشيوخ مدارس إن شاء الله.



[1] محافظة في شرقي تركيا.



507. صفحة

إخواني إذا قُرئت أحيانا مثل هذه المراسلات الصغيرة المكتوبة من قبلُ عن السلوان مع بعض خواتيم رسالة الثمرة، وأصبحت مسائل رسائل النور وسيلة للمدارسة فإنها تُكسب شرف طلاب العلم إن شاء الله، وقد اهتم كبار العلماء من أمثال الإمام الشافعي رحمه الله اهتماما بالغا بالعلم وقالوا: "إنه نوم طلاب العلم عبادة"، ويجب عدم المبالاة بالمعاناة حتى لو كان هناك مائة عناء بسبب تحصيل العلوم العالية في أماكن العذاب في مثل هذا الزمان الذي انعدمت فيه المدارس الدينية، أو نقول "خير الأمور أحمزها" ونبتسم في وجه المشاقّ بكل سرور.

أما الأصدقاء الفقراء فإنهم من حيث رعاية عيالهم فهم أكثر راحة من أكثر من ثمانين بالمائة من الناس بناء على القاعدة القرآنية والإيمانية والنورية وهي "انظر عند المصيبة إلى من هو أشد منك، وعند النعمة إلى من هو أدنى منك"، ولا يحق لهم الشكوى، بل عليهم الشكر ثمانين مرة، وقد عين لنا القدر أن نأخذ ونأكل نصيبنا هنا، وجمعتنا العدالة والرحمة، وأودعتا الأهل والعيال عند رزاقهم الحقيقي، وسرحتانا تسريحا مؤقتا من وظيفة الرعاية هذه، مثلما ستُسحب أيادينا كليا ذات يوم ونُعزل. وبما أن هذه هي الحقيقة فعلينا أن نقول "حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ"، ونسلم له الأمر ونشكره.

سعيد النورسي

[35]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء الصديقين

إنني لا أستطيع أن أقابلكم، ولكني سعيد جدا بوجودي بجواركم وفي المبنى نفسه وأشكر الله تعالى على هذا، وأنبَّهُ أحيانا باتخاذ حيطة ضرورية من غير اختياري، ومنها:


508. صفحة

لقد أُرسِل إلى العنبر المجاور سجين متجسس كذاب من قبل المدير، ولما كان التخريب سهلا فإني قد أدركت من قيام المدير بأذيتي الكثيرة من خلال مثل هؤلاء الشباب الطائشين ومن إفساده لهم أن الزندقة تسعى لإفساد الأخلاق مقابل قيامكم بالإرشاد والإصلاح، ومن الواجب والضروري الاحتياط تجاه هذا الوضع، وعدم الامتعاض من المساجين القدماء، وعدم دفعهم إلى الامتعاض، وعدم السماح للاختلاف ما أمكن ذلك، والتصرف بأعصاب باردة والصبر، وأن يقوي إخواننا -ما أمكن- أخوتهم وتساندهم بتواضع ونكران للذات وترك الأنانية، والاشتغال بأمور الدنيا يؤذيني، فأعتمد على درايتكم، ولا أنشغل بها إلا عند الضرورة.

إخواني!

حان وقت بيان مسألة خطرت على بالي في هذا الصباح:

إن الحقائق التي نستمدها من القرآن الكريم واضحة وضوح الشمس والنهار، ولا تحتمل الشك والشبهة والتردد، وقد قامت نفسي وشيطاني بالبحث عما يقول الفلاسفة الزنادقة عن هذه الحقائق منذ عشرين سنة وعما يعتمدون عليه ؟! ولما لم يجدا أي قصور في أي زاوية سكتا، وأعتقد أن الحقيقة التي أسكتت نفسي وشيطاني المتحسسين جدا والعاملين دائما؛ ستسكت أعتى المتمردين، وبما أننا نعمل في سبيل مثل هذه الحقيقة العليا الكبرى العظمى الغالية التي لا تتزعزع ولا تقدر بثمن، والتي لو بذلت دنيانا وأرواحنا وحبائبنا في سبيلها لكانت رخيصة؛ فلاشك أنه يجب علينا أن نقف في وجه جميع المصائب والمعاناة والأعداء بكمال الثبات، وربما يُخرِجون أمامنا بعض العلماء والشيوخ والمتقين في الظاهر المنخدعين أو المغرر بهم، فعلينا أن نحافظ على وحدتنا وتساندنا تجاه هؤلاء ولا ننشغل بهم.

سعيد النورسي


509. صفحة


[36]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء

لقد خطر ببالي فجأة من غير مناسبة أن أقلام بعض الإخوان من أمثال خُسْرَوْ وفيضي الذي هو خسرو الصغير تجد الأُنس والأُلفة في أداء وظيفة استنساخ رسائل النور كل حين، وكانت السيرة الذاتية لسعيد القديم أصبحت مدار نظر في محكمة أسكي شهر وفي هذه الحادثة كثيرا، فإذا كتبت نصف حياة سعيد الجديد التي هي عشرون سنة، وكتب الجزء الذي يدور من حياته في إسبارطة بمعاونة خسرو الكبير ورفقائه، وحياته في قسطموني بمعاونة خسرو الصغير وأصدقائه في صورة مذكرات على أن تنظم ذلك فيما بعد حتى لا يملوا من الفراغ؛ ستصبح تاريخ خدمة رسائل النور، ويصبح هذا العمل مشغلة تُرَفِّه عن الفكر، وهذا متروك لآرائكم، فإذا وقعت في يدنا نسخة من الحزب النوري فسأقوم بترجمتها كقيام خسرو وأمثاله بوظيفتهم.

سعيد النورسي

[37]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء الصديقين

لقد شعرت بتنبيه معنوي أن السبب الحقيقي وراء الهجوم والتعدي الواسع الكبير ضدنا إنما هو الحزب النوري ومفتاح الإيمان وحجة الله البالغة وليس الشعاع


510. صفحة

الخامس، وقرأت بعض أجزاء الحزب النوري بإمعان، وتفكرت في المفتاح، وعلمت أن الزنادقة لم يحافظوا على مسلك الكفر المطلق تجاه ضربات هذين السيفين الألماسيين الحادين، فأظهروا الشعاع الخامس الذي له علاقة ضئيلة بالسياسة سببا ظاهريًّا، وضللوا به الحكومة وحرضوها علينا، ومع هذا التنبيه ورد إلى خاطري أن أسمح لبعض إخواننا الضعفاء أن يتخلوا عن هذا الأمر موقتا ولربما بذلك ينقذون أنفسهم من هذه المصيبة، ولكن فجأة خطر على قلبي أن الذي استمرت علاقته لهذه الدرجة بالخدمة وابتلي بهذا الامتحان مرتين وعانى كل هذه المشاق يمكنه أن يُظهر من أجل خداعهم اجتنابا ظاهريا بحتا لا أن يتخلى تخليا قلبيا مضرا لا نفع فيه، وإلا لحصل ضرر له ولنا ولمسلكنا المقدس، ويتلقى صفعة بخلاف غايته عقابا له.

سعيد النورسي

[38]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء الصديقين

إن الذي يعاني مشقة وعذاب هذا السجن الذي هو أكثر مشقة وضيقًا وبردًا مقارنة بالأماكن الأخرى لاشك أنه سيكون لديه ميل للاجتناب من السبب الذي أدخله فيه حسب درجته، ولكن ما تكسبه رسائل النور للذين يعانون المشاق -التي هي السبب الظاهري- من الإيمان التحقيقي وحسن الخاتمة بواسطة الإيمان التحقيقي وأعمال صالحة لكل واحد بقدر عمل مائة رجل بواسطة الشركة المعنوية؛ حوّل تلك المعاناة المريرة إلى الرحمة الحلوة، وثمن هاتين النتيجتين وفاء وثبات لا يتزعزعان، ولذلك فالندم والتخلي خسارة عظيمة، وهذا السجن خير لتلاميذ رسائل النور الذين لا علاقة لهم بالدنيا أو من لهم علاقة قليلة بها، وهو مكان للحرية نوعا ما، أما الذين لهم علاقة بها ومن هم ميسوري الحال


511. صفحة

فالسجن يبدل أموالهم التي أنفقوها إلى صدقات مضاعفة، وساعات العمر التي يقضونها إلى عبادات مضاعفة، ومن ثم عليهم الشكر بدلا من الشكوى، أما الفقراء والضعفاء فخارج السجن يسبب لهم المشاق بلا فائدة ولا ثواب وذات مسئولية، ولذلك فالمشقة غير ذات المسئولية والمثمرة والمثاب عليها التي تخف بسلوان متبادل بين الإخوان مبعث شكر لهم.

سعيد النورسي

[39]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء الصديقين

لقد قال أحد أهل التقوى في قسطموني مشتكيا: لقد ترديت، وفقدت حالي وأذواقي وأنواري القديمة، فقلت: بل ترقيت، وتركت الأذواق والكشفيات التي تلاطف النفس وتذيقها ثمراتها الأخروية في الدنيا، وتورثها الشعور بالأنانية، وطرت إلى مقام أعلى بنكران الذات وترك الأنانية وعدم الطلب للأذواق الفانية.

أجل؛ إن إحسانا إلهيا مهما هو أن من لم يترك أنانيته لا يُشعِره الله بإحسانه، حتى لا يقع في العجب والغرور.

إخواني، بناء على هذه الحقيقة فإن من يفكر كهذا الرجل أو الذي يضع المقامات البراقة التي يمنحها حسن الظن نصب أعينهم ينظر إليكم ويرى بينكم التلاميذ الذين يظهرون في زي نكران الذات والتواضع وحب الخدمة رجالا عاديين ومن العوام، ويقول: أهؤلاء هم أبطال الحقيقة ومن يتحدون الدنيا ؟! هيهات، أين هم من مجاهدي هذه الخدمة المقدسة الذين أعجزوا الأولياء في هذا الزمان، فإن كان صديقا يقع في خيبة الأمل، وإن كان معارضًا يرى معارضته محقة.

سعيد النورسي


512. صفحة

***

513. صفحة

 

[41]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء الصديقين

إن رسالة الثمرة مهمة وقوية جدا، وآمل من الله أن تقوم بالفتوحات ذات يوم، وقد أدركتم قيمتها الحقيقية حتى لم تتركوا هذه المدرسة[1] دون دروس، وإني أقول عن نفسي: إن ثمرة مشقتنا وثمرة ما دفعناه حتى الآن هي هذه الرسالة ورسالة الدفاع، فاللقاء معكم في مكان واحد يزيل تلك المشقة والكلفة، وحتى لو عانينا عشرة أضعاف هذه المصيبة لكانت رخيصة زهيدة.

سعيد النورسي

[42]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء الصديقين

لقد حصلت لدي قناعة قاطعة بالتجارب المتعددة ولاسيما في هذا السجن الشاق الشديد أن الاشتغال برسائل النور كتابة وقراءة يخفف المعاناة كثيرا ويورث الانشراح، وعندما لا أنشغل بها تتضاعف تلك المصيبة وتؤلمني بأمور تافهة، وكنت أظن أن خسرو والحافظ علي والطاهري أكثر معاناة ولكني كنت أجد الاتزان والاستسلام لأمر الله وراحة القلب فيهم وفيمن معهم أكثر من غيرهم، وكنت أقول يا ترى ما سبب ذلك! والآن أدركت أنهم يقومون بوظيفتهم الحقيقية، ولا ينشغلون


[1] المقصود بها السجن.



514. صفحة

بما لا يعنيهم، ولا يتدخلون في وظيفة القضاء والقدر، وليس لديهم ما ينشأ عن الأنانية من عجب وانتقاد وقلق، ويتحلون بالتصرف المتزن والثبات والصلابة واطمئنان القلب، وبذلك بيضوا وجوه تلاميذ رسائل النور وأظهروا للزندقة القوة المعنوية لرسائل النور، وأسأل الله أن يعمم ما يظهر عندهم من منتهى التواضع والعزة التي في نكران الذات وسجية البطولة في جميع إخواننا. آمين.

إخواني !

إن أنانية رهيبة نابعة من الغفلة وحب الدنيا مهيمنة في هذا الزمان، ولما كان على أهل الحقيقة أن يتخلوا عن الأنانية والإعجاب بالنفس ولو كانت مشروعة، فإن تلاميذ رسائل النور الحقيقيين لن يتزعزعوا في هذه العاصفة بإذن الله؛ لأنهم يذيبون أنانيتهم التي هي قطعة ثلج في الشخصية المعنوية والحوض المشترك.

أجل؛ إن خطة مهمة ومجربة للمنافقين هي جمع الأشخاص الذين كل منهم كضابط وقاض في مسألة واحدة في أماكن ضيقة مزعجة تدفع إلى الاجتناب وتثير ثائرة انتقاد بعض لبعض، وتدفع إلى الشجار وتبدد قوتهم المعنوية، ثم يصفعون الذين فقدوا قوتهم صفعات بسهولة، ولما كان تلاميذ رسائل النور يسلكون مسلك الخلة والأخوة والفناء في الإخوان فإنهم سيجعلون هذه الخطة المجربة ذات النفاق عقيمة بإذن الله.

سعيد النورسي

[43]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء الصديقين

إن ثمرات سجنكم حلوة قيمة عندي كثمرات جنات الفردوس، وقد أظهرت قوة التساند كما صدقت وحققت آمالي ودعواي العظيمة في حقكم إظهارا لطيفا،


515. صفحة

وكلما اتحدت هذه الأقلام أظهرت تحت هذه المضايقات الشديدة قيمة ثلاثمائة أو أربعمائة كاتحاد ثلاث أو أربع ألفات، والحالة الروحية التي تحافظ على وحدتكم في هذه الظروف المضطربة تثبت دعواي التي في مذكرتي المكتوبة بالأمس.

أجل؛ فكما أن وليا كبيرا لا يبلغ درجة صحابي صغير في خدمة الإسلام عند أهل السنة -ولا مشاحة في الأمثال- كذلك فإن أخا مخلصا ترك حظوظه النفسية في هذا الزمان في الخدمة الإيمانية وحافظ على التساند والاتحاد في نكران الذات؛ يبلغ درجة أعلى من درجة ولي، هكذا حصلت لدي قناعة، وأنتم تقوون قناعتي هذه دائمًا، جزاكم الله خيرا دائما، آمين.

سعيد النورسي 

[44]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء الصديقين

إن سبب اهتمامي البالغ بتساندكم ليس من أجل نفعه لنا ولرسائل النور فحسب، وإنما ليكون مصدرا ومرشدا وحجة ثابتة -لا تتزعزع -ولا تنسحب ولا تُفنَّد ولا تنخدع ولا تخدع أمام تيارات الضلالة لمن هم خارج دائرة الإيمان التحقيقي وللعوام من أهل الإيمان المحتاجين أشد الحاجة إلى الاستناد إلى نقطة استناد وإلى حقيقة قاطعة عند جماعة لا تتزعزع، فمن ير تساندكم القوي يتيقن أن هناك حقيقة لا يمكن التضحية بها في سبيل أي شيء، ولا تحني رأسها لأهل الضلالة، ولا تُغلَب، وهكذا تتقوى قوته المعنوية ويزداد إيمانه قوة، وينجو من الالتحاق بأهل الدنيا وأهل السفاهة.

سعيد النورسي


516. صفحة


[45]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء الصديقين

كان في الماضي شيخ له كثير من المريدين في إحدى البلدان، فقلقت حكومة تلك البلد من كثرتهم من الناحية السياسية، وأرادت أن تفرق جماعته، فقال ذلك الشيخ للحكومة: "لي مريد ونصف مريد لا غير، فإن شئتم قمنا بالاختبار"، ثم أقام في مكان ما خيمة، وجمع مريديه الذين يبلغون الآلاف، وأصدر لهم الأمر قائلا: "إنني سأجري اختبارا، فمن كان مريدا لي وأطاع أمري سيمضي إلى الجنة"، ودعاهم فردا فردا إلى قرب الخيمة، وذبح شاة في داخل الخيمة خفية، وكأنه ذبح أحد مريديه الخواص وأرسله إلى الجنة، ولكن المريدين الذين رأوا ذلك الدم لم يسمع أحد منهم أمره، وبدأوا ينكرونه، إلا أن رجلا قال: "ليكن رأسي فداء له"، وذهب إليه، ثم ذهبت إليه امرأة، وتفرق الآخرون، فقال الشيخ لرجال الحكومة: "ها قد رأيتم أن لي مريدا ونصف مريد".

وألف ألف شكر لله تعالى؛ حيث لم تفقد رسائل النور في امتحان أسكي شهر ومحكمتها إلا واحدا ونصف من تلاميذها، فبدلا من الواحد والنصف الضائع قد انضم عشرة آلاف تلميذ بهمة أبطال إسبارطة وحواليها بخلاف ذلك الشيخ القديم، ولن يضيع الكثيرون بإذن الله في هذا الامتحان بهمة أبطال في الشرق والغرب، وسيدخل عشرة بدلا من الواحد الضائع.

سعيد النورسي


517. صفحة


[46]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء الصديقين

سأخبركم الكلمة الأخيرة التي أرسلتها إليكم في ورقة ملفوفة حسب رأيكم على أن لا يمس منفعتكم ضرر، فأرسلوا إلي نسخة منها، حتى تكتب بالحروف الجديدة، وليرض خسرو وأمثاله من إخواننا ومن هم عزاب مثلهم ولا يقدرون أن ينكروا علاقتهم برسائل النور أن يبقوا معي، وسنسعى كي يذهب الآخرون إلى بيوتهم لأداء الوظيفة النورية.

سعيد النورسي

[47]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء الصديقين

بما أن السبب الحقيقي في كل حادثة هو القدر الإلهي والنصيب الأكبر له، وبما أن القدر يعدل، وأن وجه العدالة جميل، وبما أن للرحمة أثرا ووجها في كل شيء، وبما أن دعوة المظلوم تبلغ العرش، والحسنة بعشرة أمثالها، وبما أننا لم نُثِر حادثة أدت إلى سجننا، وبما أن خدمتنا المقدسة لم تضع، بل لم تتوقف، ولها ظهور في ساحات أخرى، وبما أن الحديث مع أصدقاء حقيقيين مخلصين صادقين من ذوي الحقيقة حلو طيب في هذا الشتاء العصيب الذي لا يوجد فيه العمل، وبما أن تلاميذ رسائل النور المحدودين يقومون بأعظم وظيفة في العالم


518. صفحة

الإسلامي بدلا من الملايين من الرجال، وأن النور المعنوي والسرور والشرف الذي يكتسبونه يخفف من معاناتهم، فإن الرجل الذي يتقاضى أجرة عالية في المساء تمنحه المشقةُ التي في عمله الشاق وقت العصر لذة، وتصبح معاناتهم حلوة لذيذة، ولاشك ولاريب أن ما يجب علينا هو الشكر مع الصبر دائما، وأنا أشكر الله شكرا لا حد له.

سعيد النورسي

[48]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء الصديقين

لقد وجد رجل غير مسلم ذات يوم حيلة، وأخذ الخلافة في الطريقة الصوفية، وبدأ يرشد الناس، وبدأ مريدوه الذين يرشدهم يرتقون، إلا أن واحدا منهم رأى مرشدهم -كشفًا- في درك غير متناه، وعلم الرجل ذلك بفراسته وقال لمريده هذا: "لقد عرفتني أنت"، فقال المريد: بما أني بلغت هذا المقام بإرشادك، فإني سأرفع منزلتك عندي أكثر بعد هذا، ودعا الله تعالى لشيخه المسكين، وأنقذه، فارتقى ذلك الشيخ فورا وسبق جميع مريديه، وظل شيخا لهم مرة أخرى، أي إن المريد يصبح شيخا لشيخه أحيانا، فالمهارة الحقيقية ليست في ترك أخيك عندما تراه مخطئا، وإنما من شأن أهل الوفاء تقوية الأخوة أكثر والسعي للإصلاح، فالمنافقون يقولون حتى يفسدوا تساند إخواننا وحسن ظن بعضهم ببعض في مثل هذه الظروف: "إن الرجال الذين تعطيهم أنت أهمية كبيرة إنما هم أناس عاديين عاجزين".

على كل حال، فمع أن خسارتنا في هذه المصيبة عظيمة، ولكنها لما كانت تتعلق بجميع العالم الإسلامي فهي رخيصة جدا ولها قيمة عظيمة؛ فما مُورِسَ


519. صفحة

في حقنا من سجن وتضييقات وغيرهما من الوقائع التي حدثت مثل هذه الحادثة لم يحصل بسبب السياسة الدينية أو بسبب أشياء أخرى يمكن أن تضر جميع العالم الإسلامي، ولدي قناعة بأن هذه التضحية التي هي نتيجة خدمتنا هذه كانت باسم القرآن مباشرة، ولحساب الحقائق الإيمانية وبنية عدالة لا سياسة فيها وبنية الدين الإسلامي، ومن ثم مهما كان الضرر ومهما كانت الكلفة والمشقة في هذه المصيبة ذات الامتحان التي تهم العالم الإسلامي جميعا، والتي أظهرت حجة قوية على أن هذا الشعب الذي في هذا الوطن ولاسيما الأتراك قد دافعوا عن دينهم المقدس الذي خدموه منذ القديم بالتضحيات دائما وأحبوه حبًّا جمًّا، والتي ستستحق التهاني بالاستحسان والإعجاب في المستقبل؛ أقول مهما كانت الكلفة والمشقة في هذه المصيبة وفي هذا الوضع ذي المغزى الكثير فإنها تبقى رخيصة، هي عظيمة القيمة ورخيصة الثمن.

سعيد النورسي

[49]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء الصديقين الطيبين

إن سبب عدم حديثي معكم منذ بضعة أيام هو مرض شديد سام لم أر مثله حتى الآن، وإنني أفتخر إلى آخر عمري شاكرا باسم رسائل النور بإخواني الثابتين الأجلاد الذين لا يتزعزعون في دائرة النور والورد وبالمضحين في قسطموني، وأجد معهم نقطة استناد قوية وسلوان تام تجاه تضييقات جميع الظالمين، فإن مت الآن فسأستقبل أجلي بانشراح قلبي بأنهم موجودين، وقد أخذني أهل الدنيا إلى السجن بأنني أبارزهم بتوهم لا أصل له، فألقاني القدر الإلهي في السجن


520. صفحة

لأنني لا أتحدث معهم ولا أسعى لإصلاحهم، فإن لم أمت وبقيت في السجن وحدي أو مع بضعة أصدقائي سأطالب ذوي المناصب في أنقرة بمحاكمتنا محاكمة علنية وبرفع دعوى تهم جميع العالم الإسلامي، وسنطبع نسخا متعددة من رسالة الثمرة ومن أجزاء رسالة الدفاع بالحروف الجديدة وسنرسلها إلى ذوي المناصب الرفيعة إن شاء الله.

سعيد النورسي

[50]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

خلاصة فقرة خسرو

من كرامات رسائل النور أن إمامنا العزيز كان يقول مرارا منذ عشر سنوات: "يا أيها الملحدون ويا أيها الزنادقة لا تمسوا رسائل النور بسوء، ولما كانت رسائل النور وسيلة لدفع الكوارث كالصدقة فإن الهجوم عليها وتعطيلها يضعف من دفاعها أمام الكوارث، وإن تعرضتم لها بسوء ستنزل عليكم كالسيل البلايا التي تنتظر قريبًا، والكوارث التي شهدنا وقوعها في هذا الأمر كثيرة، فمتى ما تعرضت رسائل النور وتلاميذها لسوء منذ أربع سنوات تبعته كارثة أو مصيبة، وأظهرت أهمية رسائل النور وأنها وسيلة لدفع الكوارث، وأثبتت أن رسائل النور وسيلة لدفع البلايا بواسطة أربع كوارث جاءت موقعة على صدق إمامنا بديع الزمان من خلال الزلزال من بين الكوارث في مئات من الحوادث التي أخبر بها في رسائل النور، نسأل الله أن يرزقنا ويرزق قلوب الذين يمسون رسائل النور الإيمان، ويرزق رءوسهم عقلا وبصرا يرون بهما الحقيقة، وأن ينقذنا من هذه السجون وينقذهم من هذه الكوارث. آمين.

خسرو



521. صفحة

 

[51]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء

إياكم وإياكم أن تتجادلوا، فالآذان المتجسسة تستغله؛ إذ إن المجادل في هذا الوضع الذي نحن فيه محقا أو غير محق فهو على باطل، فإن كان له حق بقدر درهم فيمكن أن يضرنا بالجدال بقدر ألف درهم، فها أنا أكرر القصة التي ذكرتها لإخواني الحساسين في سجن أسكي شهر ذات مرة:

 كنا أسرى في عنبر طويل مع تسعين من ضباطنا في شمال روسيا في الحرب العالمية الأولى، ولما كان لهم توقير نحوي بما يفوق حدي كثيرا، فكنت لا أسمح بالضوضاء بتوجيهاتي، ولكن حساسية نابعة من الغضب والضجر بدأت تتسبب في جدالات حادة، فقلت لبعض الرجال: أينما سمعتم ضوضاء فاذهبوا نحوها وانصروا غير المحق، ففعلوا كما قلت، وزالت الجدالات المضرة، ثم سألوني: "لماذا قمت بهذا التصرف الظالم"؟ قلت: "إن الرجل المحق يكون منصفا، ويضحي بدرهم من حقه في سبيل مائة درهم من مصلحة الراحة العامة، أما غير المحق فيكون أنانيًّا في الغالب ولا يضحي بشيء وتزداد الضوضاء".

إخواني، اقرءوا بإمعان وتكرار الأجزاء المكتوبة في المراسلات الصغيرة من أجل السلوان والصبر والتحمل، فأنا أضعفكم، وأنا أكثركم نصيبا في هذه المصيبة المضجرة، ولكني أشكر الله كثيرا وأتحمل كثيرا، ولم أمتعض من الذين حملوني كل التهم، ولم أتضايق ممن دافعوا عن أنفسهم بسبب وحدة القضية وحملوني التهم ضمنا، وبما أننا إخوان فأرجوكم أن تقتدوا بي في هذا الصبر، وأبلغكم السلام جميعا وأدعو لسلامتكم.

سعيد النورسي


522. صفحة


[52]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء الصديقين، ويا أصدقائي المخلصين في دار ضيافة الدنيا هذه!

لقد فكرت هذه الليلة بأعصاب سعيد القديم ذات النخوة في سوقنا معا إلى المحكمة ونحن مكبلي اليدين برفقة جنود يحملون بنادق ذات حربة، وشعرت بغضب شديد، وفجأة خطر في قلبي: يجب قبول هذا الوضع بكمال الاعتزاز والشكر والسرور لا بالغضب؛ لأن ذوي الوعي وما لا حد له من الملائكة والروحانيين وأهل الحقيقة وأصحاب الضمائر وأصحاب الإيمان التحقيقي من الناس؛ يرونكم في نظرهم قافلة أبطال يتحدون هذا العصر في سبيل الحق والحقيقة والقرآن والإيمان، فليس للنظر المُهين لبعض السفهاء المتسكعين أي وزن أمام إعجابهم العالي واستحسانهم السامي الذي يظهر توجه الرحمة الإلهية والقبول الرباني، حتى إنني شعرت بثقل شديد عندما ذهبت بالسيارة من أجل مرضي، ولما ذهبت فيما بعد مكبل اليدين مثلكم أحسست بانشراح عظيم وراحة معنوية، أي إن تلك الحالة ظهرت من هذا السر.

أجل يا إخواني، أكرر مرة أخرى كما قلت مرارا وتكرارا؛ لا يرى في التاريخ من قام بكثير من الخدمة في سبيل الحق وكسب ثوابا عظيما وتحمل مشقة قليلة مثل تلاميذ رسائل النور، فمهما تحملنا المشاق فإنها رخيصة.

سعيد النورسي


523. صفحة


[53]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء الصديقين

لم يكن الهروب من مصيبتنا هذه والتخلص منها ممكنًا من جهتين:

الأولى: كنا حتما سنأتي إلى هنا حتى يطعمنا القدر الإلهي بعضًا من نصيبنا هنا، ومجيئنا بهذه الطريقة كان خيرا.

الثانية: لم أجد حيلة للتخلص مما يحاك ضدنا، كنت أحسست ولكن لم يكن ثمة حيلة، ولم ينج المرحوم الشيخ عبد الحكيم والشيخ عبد الباقي المسكينين، أي إن شكوى بعضنا من بعض في هذه المصيبة ظلم ومضر ولا معنى له وانزعاج من رسائل النور نوعا ما، فحذار حذار، فإن اعتبار النشاطات التي يقوم بها الأركان الخواص سببا لهذه المصيبة ومن ثم الاستياء منهم؛ تخلٍّ عن رسائل النور والندم من تعلم الحقائق الإيمانية، وهذا مصيبة معنوية أكبر من المصيبة المادية، ومع أنني أكثر نصيبا من كل واحد منكم من هذه المصيبة بعشرين أو ثلاثين مرة فإنني أؤكد قسمًا بالله أنني لا أستاء منهم في هذه المصيبة التي جاءت نتيجة عدم احتياطهم في القيام بالنشاطات بنية خالصة ولو تضاعفت عشر مرات، ثم إن الاعتراض على ما فات لا معنى له؛ لأنه لا يمكن إصلاحه.

سعيد النورسي

[54]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء الصديقين وأصدقائي في طريق الحق والحقيقة المحبين للحقيقة وغير النادمين!


524. صفحة

بث هموم ورد إلى الخاطر قبيل الفجر في هذه الليلة:

إن إرسال كتبنا وأوراقنا إلى أنقرة سيكون خيرا من وجوه كثيرة، وستعلن رسائل النور عن نفسها في قلب مراكزهم وستدافع عن نفسها بحقائقها القوية جدًّا، وحتى لو حدثت المصادمة فلن تهزم بعناية الله تعالى، فوظيفتنا حاليا أن نكتب دفاعي وأقوالي ورسالة الثمرة بالحروف القديمة والجديدة، وإغاثة ومساعدة الرسائل ذات الخصوصية التي هي الجبهة الضعيفة لرسائل النور في الظاهر، ومع أننا سنعاني المشاق إلى حد ما ببقائنا معا في هذه المدرسة، إلا أن كل واحد منا إذا اتخذ وظيفة مشغِلة لنفسه لا يبقى الضجر، وفي الحقيقة البطالة هي التي تضجر الإنسان، فمن كان يحسن الكتابة بالحروف الجديدة فليكتب رسالة الثمرة ورسالة الدفاع اللتين سترسلان إلى ذوي المناصب وفي مقدمتها رئاسة الشئون الدينية، ومن كان يحسن الكتابة بالحروف القديمة فليكتبهما بالحروف القديمة، وليكتب بعضهم الجوشن الكبير والأوراد البهائية[1] والصلوات النورية حتى تُقرَأ هنا كعون معنوي لرسائل النور، ومن لا يجيدون الكتابة فليكونوا مخاطبين لمن يكتبون ومعاونين ومساعدين لهم، وليحثهم الشيوخ ولاسيما القادمون من إسطنبول وليعينوهم علما وفكرا، ويترجموا الحزب النوري إذا رأوا ذلك مناسبًا، حتى يرسل إلى رئاسة الشئون الدينية وغيرها من المناصب المناسبة، ويساعد هو الآخر على الرسائل ذات الخصوصية.

إخواني، إن القلق يضاعف المصيبة، ويكون جذورا لترسيخ المصيبة المادية في القلب، ويُشعر بنوع من الاعتراض والانتقاد للقدر، وبنوع من الاتهام للرحمة، وبما أن هناك وجها حسنا في كل شيء وأن فيه تجلّيا للرحمة، وأن القدر يعمل فيه بالعدل والحكمة؛ فلاشك أننا مكلفون في هذا الزمان بعدم الاهتمام بمشقة خفيفة تأتي بسبب وظيفة مقدسة تهم العالم الإسلامي كله.

سعيد النورسي



[1] المقصود أوراد الشيخ بهاء الدين النقشبندي.



525. صفحة


[55]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

اقتضى الأمر أن أكتب إليكم حالة جزئية عادية غير ضرورية من حالاتي!

إخواني، لقد حصلت لدي قناعة قاطعة بأن العين تؤثر فيّ تأثيرا شديدا، وتمرضني، وقد جربت هذا عدة مرات، وإنني أريد أن أرافقكم بروحي ومهجتي في كل حال، ولكن العين تصيبني حسب القاعدة المشهورة "العَيْنُ تُدْخِلُ الرَّجُلَ القَبْرَ وَالجَمَلَ القِدْرَ"؛ لأن الذي ينظر إليّ إنما ينظر بنظرة عداوة شديدة أو نظرة تقدير، وهاتان النظرتان موجودتان في عين بعض الناس بسر خاصية الإصابة، ولهذا عندي نية أن لا أذهب معكم إلى المحكمة في كل مرة إذا أمكن ذلك ولم يجبروني.

سعيد النورسي

[56]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء الصديقين

إن أكثر أجزاء رسائل النور خصوصية خرجت من تحت ستار "سِرًّا تَنَوَّرَتْ" لتقع في يد أكثر الناس بعدًا عنها وتضرب رءوس الكافرين الألداء وتكشف أخطاء الرؤساء بسر "الخَيْرُ فِي مَا اخْتَارَهُ اللهُ" و﴿عَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، وكانت المسألة يراد استصغارها حتى الآن، ولكنهم علموا في النهاية أنها كبيرة، وجذبها الانتباه باهتمام يؤدي إلى انتشار رسائل النور الباهر الساطع واستقرائها


526. صفحة

لأعدائها بإعجاب، حتى إنها نورت الكثيرين من المترددين والمتحيرين والمحتاجين في محكمة أسكي شهر وأنقذتهم، وحولت معاناتنا إلى رحمة، وستقوم هذه المرة أيضًا بهذه الخدمة المقدسة في ساحات أوسع في محاكم ومراكز أخرى كثيرة بإذن الله.

أجل؛ إن الذي يرى أسلوب بيان رسائل النور لا يمكن أن يبقى غير مبالٍ بها، فهي ليست كتبا عقلية أو قلبية فحسب كالكتب الأخرى، وإنما تسخر النفس والأحاسيس، ولا يضر إطلاق سراحكم هذه الحقيقة، ولكن براءتي تضر، وإن نفسي أيضًا تقبل أن أضحي ليست بحياتي الدنيا فحسب بل إذا اقتضى الأمر بحياتي وسعادتي الأخروية أيضًا في سبيل سعادة أهل الإيمان من أجل خاطر حقيقة تهم العالم الإسلامي جميعا. 

سعيد النورسي

[57]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء الصديقين

إن الحافظ علي كتب إليَّ عندما كان بعيدا عني مسافة عشرة أيام نفس الكلمات العجيبة التي تحدثت معهم بها مثل المذياع المعنوي وأوصيتهم بها من أجل الاحتياط وكأنه يسمعها مني في نفس اللحظة وردّ عليَّ، وذلك:

كنت على قمة الجبل الأسود في قسطموني، فقلت صارخا خمس مرات بإحساس مسبق بوقوع شيء ما للتجنب من هذه المصيبة الماضية التي أصابتنا: "إخواني، لا تقدموا للحصان اللحم، وللأسد العشب، بل قدموا للحصان العشب وللأسد اللحم ! أي قدموا لكل واحد ما يناسبه من الرسائل"، وبعد سبعة أيام


527. صفحة

رأينا رسالته يقول فيها: "أجل شيخي، إنه لمن كرامات رسائل النور أنها لا تقدم للحصان اللحم وللأسد العشب، بل تقدم للحصان العشب وللأسد اللحم، حيث قدمت لذلك الشيخ رسالة الإخلاص قبل كل شيء.

سعيد النورسي

 

[58]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء الصديقين، وأصدقائي في المصيبة

لما كان بينكم علماء أجلاء ومحتاطون كرام وتلاميذ مخلصون مضحون فإني كنت أثق بكم ثقة كبيرة، وكنت مطمئنا على أنكم ستحافظون على وحدتكم وتساندكم تجاه أعدائنا الأقوياء الدساسين الكثيرين، ولم أكن أنشغل بكم، ولكن وجب بيان بعض النقاط:

النقطة الأولى: ما كنت لأرسل شيئا إلى أنقرة لأقدمه طلبا حتى لا يطول إطلاق سراحكم، ولكن المحكمة خلطت الرسائل كلها ومنها الرسائل ذات الخصوصية والمراسلات القديمة والجديدة، وأرسلتْها إلى أنقرة، واستلزم الأمر إرسال رسالة الدفاع التي تجيب إجابات قوية عن الرسائل ذات الخصوصية ولاسيما مسألة السفياني ودجال الإسلام في الشعاع الخامس، وإرسال رسالة الثمرة التي تكسر تجاوزات الفلسفة الطبيعية الجريئة ضد الإيمان وما تورثه من كفر تكبري، استلزم الأمر إرسال هذه الرسائل إلى تلك المناصب حتى لا يصدر الخبراء هناك حكما ضدنا متخذين بالاضطرار الرسائل ذات الخصوصية أساسًا مثل الخبراء هنا.

النقطة الثانية: إخواني الأعزاء، بينما كنت أكتب جوابا على رسالتكم المهمة هذه ناولوني نفس الرسالة، وبدأتُ النقطة الثانية ولكن توقفتْ، والآن أكملها،


528. صفحة

انتبهوا، إن كان هذا الفكر يُروَّج له من قبل ­مدير السجن أو محاميكم غير النافع؛ فلاشك أن هذه خطة من قبل من يؤيدون سجننا، وهي خطة رهيبة لمصادرة جميع رسائل النور من قبل الخبراء في أنقرة مثل الخبراء هنا متخذين الشعاع الخامس ذي الخصوصية الذي لم ينشر أساسا ومعممين به جميع الرسائل، ولربط جميع التلاميذ المساكين الذين يقرءون رسائل النور ربطا كاملا بجُرمي بحجة أن مسائل الشعاع الخامس هي دروسهم جميعا، وإحداث مدير السجن ومساعد النائب العام مشكلة بمنعي من الكلام ومنع كتاباتي من الإرسال إلى أنقرة بمصادرتها؛ لهو أمارة قوية لإصدار أنقرة حكما ضدنا قبل وصول أجوبة الدفاع التي لا يمكن جرحها.

النقطة الثالثة: لقد قال رئيس المحكمة في الأصل ذلك اليوم بأنه سيرسل الكتب والأوراق المهمة التي ستطول مدة القضية بل أوراق الدفاع أيضًا إلى أنقرة، ولاشك أنها أرسلت الآن ووصلت، فإن ذهبت ورقة دفاعي المنسقة الموضحة الآن فربما تحل القضية سريعًا ولا تطول القضية، بل يعجل بها، وينجو ذوو العوائل، ولكني أنا ومن ليست له أسرة مثلي يجب أن نبقى في السجن الذي هو أفضل مكان للدفاع عن الحقائق الإيمانية أمام الملحدين والمرتدين لا أن نتخلص منه.

النقطة الرابعة: إذا لم تحصل رسائل النور على البراءة ولم يؤخذ دفاعي هذا بنظر الاعتبار فلن ينقذكم إنكاركم الظاهري غير النافع، ونحن قد ارتبطنا بعضنا ببعض بسبب وحدة القضية، إلا أن بعض الأصدقاء الذين علاقتهم بنا ضعيفة جدا يمكن أن يتخلصوا، وقد أظهرت محكمة أسكي شهر هذا بالفعل، وقد أدخلوا الجواسيس بيننا بدقة منذ سنة وسجلوا إفشاءات السذج ذوي الجرأة من تلاميذ رسائل النور، واستخدموا كل الوسائل حتى يجعلونا في حالة يرثى لها ويجعلونا نندم على مسلكنا، فإنكاركم لرسائل النور وهروبكم منها أمام الذين آذوا الشيخ عبد الحكيم مع أنهم حرضوه علينا وآذوا الشيخ عبد الباقي والشيخ سليمان الذي كان يعترض علي من حين لآخر كما كانوا يؤذوننا؛ فإنكاركم


529. صفحة

وهروبكم لا يساوي شيئا في رأيهم الذي يسمونه القناعة الضميرية، ولم يساو شيئا في أسكي شهر.

النقطة الخامسة: لقد أدركنا هنا وفي أسكي شهر إدراكا قاطعا بالتجارب أننا نحتاج إلى التساند التام بسبب وحدة القضية، والامتعاضات والحساسيات والاعتراضات الناشئة عن المعاناة تضاعف من وضعنا السيء، وللأسف كنتم أكثر من وثقت بهم واعتمدت عليهم، وعندما كان يخطر القلق ببالي أحيانا كنت أتذكر الشيخين كاملا وصدّيقا القادمين من إسطنبول، ومن أظهروا وفاء عاليا في قسطموني فيزول قلقي، واحذروا لا يُدخِل الكيان الخفي الذي يدافع عن الكفر المطلق يده بينكم، فقد أدخلها في العنبر المجاور وتركني أتعذب، وتشاوروا فيما بينكم الآن من غير جدال، وما تقررونه أقبله، ولكن ضعوا في حسبانكم احتمال أن تحسم المحكمة قرارها حول من يمكن أن ينجو إذا ذهب دفاعي إلى أنقرة وصار مبعث اهتمام، واحتمال الرجال الذين ينشغلون بنا الآن، والذين نفوا عبد الباقي وعبد الحكيم والحاج سليمان وأوقفوا "شمس الدين يشيل" هنا بعد إخلاء سبيله، ألّا يطلقوا سراح الحافظ محمد والسيد شفيق بسبب صلابتهم الدينية وعدم انحنائهم لرئيسهم الميت[1] ولصورته، وعدم انحيازهم للإلحاد والبدع، وضعوا في حسبانكم وفي مشورتكم أيضًا أنه من الضروري جدا أن تجد رسائل النور تلاميذها وراءها ظهيرا لها حين تبارزه –أي الكيان الخفي- بنفسها في مراكزه في قضية كبيرة جدا وعامة بعدما تخرج من تحت الحجاب، وأنه يجب عليهم أن يظهروا بعدم هروبهم لأهل الإيمان المتردد المتحير وللعالم الإسلامي أنهم مرتبطون بحقيقة لا تتزعزع ولا تنهزم، وإياكم أن تنظروا إلى أخطاء بعضكم، واحترموا بدلا من الغضب، وتعاونوا بدلا من الاعتراض.

سعيد النورسي



[1] المقصود مصطفى كمال أتاتورك.



530. صفحة

[59]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء الصديقين

لقد غيرت منذ بضعة أيام دعاء من أدعيتي، إذ ألغيت كلمة "الصادقين" من جملة "طلبة رسائل النور الصادقين" في دعاء كمثل "واغفر لطلبة رسائل النور الصادقين" أو "وفّق طلبة رسائل النور الصادقين" الذي كنت أدعو به مائة مرة أحيانا في اليوم الواحد إلى الآن، حتى لا يحرم من تلك الأدعية إخواننا الذين يرون أنفسهم مضطرين إلى العمل ذي الرخصة، ويخالفون الوفاء ذا العزيمة بإنكار وتجنب ظاهريين بسبب ما يورثه الضيق من أوهام ويأس.

سعيد النورسي

[60]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء الصديقين

إنني أعزي نفسي وأعزيكم وأعزي رسائل النور، وأهنئ المرحوم الحافظ علي ومقبرة دنيزلي، لكل مصيبة ﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾، فأخونا البطل هذا الذي علم حقيقة رسالة الثمرة علم اليقين ترك جسده في القبر ليبلغ مقام عين اليقين وحق اليقين وذهب في سياحة في عالم النجوم والأرواح كالملائكة، وأدى وظيفته حق الأداء وخلد إلى الراحة بالتسريح منها، أسأل الله أرحم الراحمين أن يكتب في صحيفة أعماله حسنات بعدد جميع حروف رسائل النور المكتوبة والمقروءة، آمين، وأن ينزل على روحه رحمات بعددها، آمين، وأن يجعل القرآن


531. صفحة

ورسائل النور رفيقين مؤنسين لطيفين له في قبره، آمين، وأن يرزق مصنع النور عشرة أبطال مكانه ويستخدمهم فيه، آمين آمين آمين، واذكروه أنتم أيضًا في أدعيتكم مثلي، ونرجو من الرحمة الإلهية أن تستخدم ألف لسان بدلا من لسانه وأن تُكسبه ألف حياة معنوية بدلا مما فقده من حياة واحدة.

سعيد النورسي

[61]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

إخواني الأعزاء الصديقين

لقد تلقيت تنبيها ببيان نموذجٍ للتآمر عليّ، ومثالٍ لعزلي وللتضييق عليّ الذي يتم بالتعسف وبغير وجه قانوني، وذلك:

كانوا قد عينوا رجلا كرديًّا في الأصل لمعرفة أسراري تحت ستار الخدمة لي ولمنعي من مقابلة أي أحد بموافقة النائب العام ومدير السجن في إسبارطة، ووثقت به لجهلي بالأمر، وسلمته وسلمت رئيس الحراس مرتبة كبيرة وسجادا وسجادة صلاة أثرية وغيرها من أمتعتي لبيعها بعلم مدير السجن والنائب العام حتى لا أحتاج إلى المال في المستقبل، ولكنهما ذهبا وباعاها بثمن بخس وجاءا وسلماني تسعين ليرة، وسلماني أيضًا سبعة وأربعين ليرة من النقود التي كانت شرطة قسطموني قد أخذتها في أثناء التفتيش من بين كتبي وأوراقي بعلم النائب العام وأرسلتها إلي، وبلغت نقودي مائة وخمسين ليرة مع ما بعت بعضًا من أمتعتي الصغيرة كالسبحة والمظلة التي كتبت أثمانها كل على حدة، وكأثر للتآمر عليّ لم يسمحا لي بمقابلة إخواني في السجن وأصدقائي في الخارج الذين سيحفظون نقودي، حتى أسلمهم أماناتي، ولكني لم أستطع أن أبقي تلك النقود عندي لوجودي بوحدي ولأنهم يضيقون عليّ في كل مكان ويفتشونني أحيانًا، وقد فتشني رئيس السجّان، فلم يجد


532. صفحة

إلا ثلاثين ليرة، ولأني لم أدخل تحت مِنَّة أحد طوال حياتي ولم أقبل الهدايا بلا مقابل فقد سلمت هذا الجاسوس بعلم رئيس السجان نقودي المائة وخمسين ليرة؛ حتى يسلمها لأحد أصدقائي الأوفياء الذي جاء إلى الأسفل فيحفظها هو، فذهب هذا الجاسوس ورجع وقال لي: لقد سلمتها، ولأنهم لا يسمحون لي بمقابلة أحد فلم أجد شاهدا، ولم آخذ منه وثيقة حتى لا أثير امتعاضه نحوي، وظننت هذا الخائن صادقا، ولكنه لم يسلمها، فهذه المعاملة لرجل مثلي يتعرض للتحقير في كل حين وفي كل مناسبة ويستهدف للتضييقات التعسفية غير القانونية لكسر عزته ولإهانته بالتسول؛ مع أنها أمر شخصي وجزئي، إلا أنها خسارة كخسارة آلاف الليرات لرجل مثلي ومثل حالتي، أي إن لي خسارة مادية في هذه النقود فحسب أكثر ممن لقي ضررا ماديًّا من بين إخواني.

وأؤكد لكم قسما أن حزني هو لتألم بعض إخواني الذين لهم اطلاع بهذا الأمر، وإلا فإني لا أقيم له وزنا، نحن قد تعرضنا للأضرار المعنوية من أجل خدمة رسائل النور أكثر من هذا الضرر المادي آلاف المرات ولكننا قد استقبلناها بكمال الصبر وبكمال الشكر من حيث نتيجتها وبكمال الافتخار من حيث الخدمة الإيمانية للعالم الإسلامي؛ لذا لا تبقى لهذه الحادثة أي أهمية.

سعيد النورسي

[62]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء الأجلاء الصديقين

أسأل الله أرحم الراحمين أن يدفع البلاء عن الطيبين الذين يستنسخون رسائل النور بعدد حروف رسالة الدفاع ومرشد الشباب، آمين، ويغفر لهم عشرة من


533. صفحة

ذنوبهم مقابل كل حرف من حروفهما، آمين، ويجعل الرحمات على قبور هؤلاء الطيبين وقبر الحافظ علي ومحمد زهدي بعدد حروفهما، آمين.

إنني أذكر اسم الحافظ علي ومحمد زهدي إلى جنب اسم الشيخ أحمد ضياء الدين الكوموش خانوي[1] صاحب "مجموعة الأحزاب" ضمن شيوخي الخواص؛ لأنهما قاما بأعمال قدسية عظيمة في نشر رسائل النور كنشر كتاب الأدعية للشيخ أحمد ضياء الدين، والآن يعملان بما نشرا وكتبا ونبها وكأنهما لم يموتا، واستمرار حياتهما المعنوية والنورانية في الدنيا ينزل عليهما الرحمات في البرزخ دائما، ثم إن وفاتهما تخدمنا خدمة أخرى؛ لأني رأيت بعض الإخوان يخفون أنفسهم وراء محمد زهدي في المحكمة، ويعطونه ذلك الشرف العظيم بأنه هو الذي نشر الرسائل، وينقذون أنفسهم من شرّ المحكمة، وقد فهمت هذا بالضبط من النائب العام في إسبارطة، وكذا الحافظ علي أيضًا قد أنقذ الكثيرين منا مثله من الظلم؛ ولهذا قد استحق هذان البطلان مقامًا ضمن دائرة شيوخي العظام، والرؤيا التي رآها أحد إخواننا بأن هذين البطلين قدما السجن من أجلنا أعتقد أنها من أجل مساعدتنا وتقديم الشكر لنا.

فيا إخواني إذا حدث تفتيش وعثر على نسخكم فقولوا احتياطا تجاه كل الاحتمالات: إن هاتين الرسالتين دفاع لكل واحد منا بسبب وحدة القضية، ولا شك أنه من حقنا أن تكونا في يد كل واحد منا، وبما أنها وصلتا إلى ذوي المناصب في أنقرة رسميًّا؛ فلا يُمَسَّان وهما في أيدينا ولابد أن تكونا في أيدينا، وإذا قيل: لماذا تكتبون كثيرا هكذا وتكتبون المسائل الإيمانية الخارجة عن الموضوع طويلة وضمن الدفاع؟ فقولوا لهم جوابا: "إننا ستون شخصا، وأغلبنا لا يتقنون الكتابة، ومع أن دفاع آلاف من تلاميذ رسائل النور الأبرياء ودفاع مائة وثلاثين رسالة لابد أن يكون طويلا بنفس القدر إلا أنه كتب قصيرا جدًّا، ولم تحدث في التاريخ محكمة إيمانية وعلمية ولا محاكمة حول الحقائق مثل



[1]الشيخ أحمد ضياء الدين الكوموش خانوي(1813-1893م): نسبة الى مدينة كوموش خانة في تركيا، وهو عالم، عارف، متصوف، وله مؤلفات كثيرة في العلوم الشرعية وفي التصوف، منها كتاب "مجموعة الأحزاب" الذي يضم الأوراد والأذكار. 



534. صفحة

هذه المحاكمة؛ ولذلك نكتبه على صورة الرسائل كهذه الرسالة، فلو كان أخونا سعيد حرا طليقا ولم يمنع من مقابلة الناس لأُلِّفَت عشرون رسالة دفاعا عن هذه الحقائق العلمية والإيمانية".

ومع ذلك لابد من الحيطة، ومع أن من يقف لصالحنا كثيرون إلا أن من هم ضدنا كثيرو الدسيسة والغدر والخيانة، ولا تتوقف وظيفتنا بل تتنوع، فنحن كنا نفرح ونشكر الله إذا ما قرأ معلم واحد رسالة واحدة، والآن فتح المجال أمام آلاف من الفلاسفة والعلماء والموظفين الكبار والقضاة والنواب ليقرءوا بإمعان وشغف، فمهما كان هناك معترض معاند ومتمرد إلا أنه لا يستطيع أن يبقى غير مكترث بحجج رسائل النور القاطعة، بل يرتقي من الكفر المطلق إلى الكفر المشكوك، ويستفيد إلى حد ما من رسائل النور.

سعيد النورسي

 

[63]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء الصديقين

نشكر الله أرحم الراحمين شكرا لا حد له على أن يسر لنا بواسطتكم في هذا الزمان العجيب والمكان الغريب كسبَ ما لطلاب العلم من شرف عظيم وخدمات مهمة؛ إذ إن بعض طلاب العلم المتحمسين الجادين الذين يتوفون عند تحصيل العلم يرون أنفسهم أنهم على قيد الحياة مثل الشهداء وأنهم مشغولون بدروسهم كما ثبت بمشاهدات أهل كشف القبور ووقائع متعددة، حتى إن أحد أهل كشف القبور المشهورين قد راقب أحد الطلاب المتوفين وكان يدرس علم الصرف والنحو كيف سيجيب على أسئلة المنكر والنكير في قبره؟ وشاهد وسمع


535. صفحة

أن ملك السؤال عندما سأله: "من ربك"، فقال الطالب الذي توفي في أثناء دراسته النحو لذلك الملك: "من" مبتدأ، و"ربك" خبره، وأجابه حسب علم النحو، وظن نفسه في المدرسة.

وبالتطابق مع هذه الحادثة فإنني أعتقد أن المرحوم الحافظ علي في أرفع مقام للعلم ومنشغل برسائل النور وكأنه على قيد الحياة، وعلى هيئة طالب مجد مجتهد وفي درجة الشهداء ويعيش كحياتهم، وأدعو له ولمحمد زهدي في بعض أدعيتي: ربي اشغلهما فرحين مسرورين إلى يوم القيامة بالحقائق الإيمانية والأسرار القرآنية تحت كسوة رسائل النور، آمين.

وأتمنى أن يكون مرشد الشباب مرشدا تامًّا ليهدي الشباب والسجناء إلى طريق السلامة، وأسأل الله أن يرحم من يستنسخه عشر رحمات لكل حرف كتبه، آمين.

سعيد النورسي

[64]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء الصديقين

إن مثل هذه الأحاديث هي من نوع المتشابه، وليست جزئية ولا خاصّةً، ولا تتعلق بالأماكن العامة، وهذا الرقم يشير من بين الفتن الدينية التي ستحل بالأمة إلى زمن واحد وإلى الحجاز والعراق فقط كمثال، وقد ظهر في ذلك الزمان في عهد العباسيين المعتزلة والروافض والجبرية، وظهرت تحت الستار الزنادقة والملاحدة وكثير من الفرق الضالة التي أضرت بالإسلام، وقد أغاث الإسلام كثير من عظماء المسلمين مثل الإمام البخاري والإمام مسلم والإمام الأعظم والإمام الشافعي والإمام مالك والإمام أحمد بن حنبل والإمام الغزالي والشيخ


536. صفحة

عبد القادر الجيلاني والشيخ جنيد البغدادي عند حدوث الزلازل العظيمة في الشريعة والاعتقاد، وهزموا تلك الفتن الدينية، ومع أن ذلك التغلب استمر ثلاثمائة سنة تقريبا من بعد ذلك الزمان إلا أن تلك الفرق الضالة نصبوا فتنة هولاكو وجنكيزخان على المسلمين من خلال السياسة من تحت الستار، وتشير الأحاديث والإمام علي رضي الله عنه إشارة صريحة إلى هذه الفتنة بنفس وقوع زمانها.

ولما كانت فتنة زماننا هذا هي أعظم الفتن فإن الأحاديث المتعددة والإشارات القرآنية الكثيرة تخبر عنها بنفس وقوع زمانها، وقياسا على هذا عندما يبين حديث معين المراحل التي ستمر بها الأمة بيانا كليا فإنه يشير أحيانا إلى تاريخ حادثة من حوادث ذلك الأمر الكلي كمثال، وقد بينت أجزاء رسائل النور تأويل مثل هذه الأحاديث المتشابهة والتي لا تفهم معانيها فهما تامًّا، وأثبتت هذه الحقيقة بالدساتير في الكلمة الرابعة والعشرين وفي الشعاع الخامس.

سعيد النورسي

[65]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء الصديقين

إنني لا أستطيع أن أنسى الحافظ عليا، فألمه يهزني، وقد كان بعض الأشخاص المضحين من أمثاله يموتون بدلا من أحبابهم في الماضي، وأظن أن المرحوم رحل بدلا مني، فلو لم يقم أشخاص من أمثالكم بنفس المنهج بما قام به هو من خدمات عظيمة لأصابت القرآن والإسلام خسارة كبيرة، وكلما أتذكركم أنتم الذين وارثوه يزول ذلك الألم ويأتي مكانه السرور، ومن العجيب أنه قد ظهر عندي الآن شوق للذهاب إلى عالم البرزخ لرحيله بحياته المعنوي بل بحياته المادية إلى ذلك العالم، وانفتحت نافذة أخرى لروحي، وكما أننا نبلغ السلام من هنا لإخواننا في إسبارطة


537. صفحة

ونتحاور معهم بالتعارف والتواصل؛ كذلك فإن عالم البرزخ الذي سكن فيه الحافظ علي أصبح في نظري مثل إسبارطة وقسطموني، حتى إنه قد أُرسِل أحدهم من هنا إلى هناك حسبما سمعت، فتأسفت أكثر من عشر مرات: "لماذا لم أرسل السلام معه إلى الحافظ علي" !ثم خطر على قلبي أنه لا حاجة إلى الواسطات لإرسال السلام، فرابطته القوية كالهاتف، ويأتي هو نفسه فيردّ، ثم إن هذا الشهيد العظيم يحبب إليّ دنيزلي، فلا أريد أن أغادرها بعد، وإنه هو ومحمد زهدي والحافظ محمد يواصلون الخدمة الإيمانية والنورية التي كانوا يقومون بها في حياتهم، وهم يشاهدون هذه الخدمة عن قرب، وربما يساعدون فيها أيضًا، وقد أخذوا موقعا ضمن دائرة الأولياء العظام لخدمتهم العظيمة، فأذكر ذينك الاثنين مع الحافظ محمد ضمن أسماء الأقطاب في سلسلتي، وأهديهم هداياي.

إخواني، أسأل الله أن يرزق المستنسخين مليونين من ثمار الجنة في جنات الفردوس مقابل هاتين الثمرتين اللتين أهديتم، آمين.

سعيد النورسي

[66]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

إن الشباب الطائشين يقرون أيضًا بأن الصفعات التسع التي ضربتهم بها المسائل الخمس من رسالة الثمرة في مرشد الشباب من رسائل النور؛ كرامة لطيفة لرسائل النور.

الأول: فيضي الذي كان يخدمني، قلت له في أول الأمر، أنت حضرت درسًا من دروس رسالة الثمرة فلا تزعج، ولكنه أزعج، وتلقى صفعة، وأصبحت يده مربوطة مدة أسبوع.

نعم صحيح، فيضي


538. صفحة

الثاني: علي رضا الذي خدمني واستنسخ رسالة الثمرة، كنت سأدرسه ما استنسخه، ولكنه بسبب طيشه لم يحضر متذرعا بطبخ الطعام، فتلقى صفعة؛ حيث إن القدر الذي كان يطبخ فيه متينا، ولكن قاعدته سقطت مع الطعام وانسكب ما فيه.

نعم صحيح، علي رضا

الثالث: ضياء، استنسخ لنفسه المسائل التي تخص الشباب والصلاة من رسالة الثمرة، وبدأ الصلاة، ولكنه تكاسل، وترك الاستنساخ والصلاة، وتلقى الصفعة فجأة، حيث إن السلة المعلقة فوق رأسه وملابسَه قد احترقت بدون سبب خلافا للعادة، وعدم شعور أحد بالحريق في ذلك الزحام يدل على أن ذلك صفعة شفقة مقصودة.

نعم صحيح، ضياء

الرابع: محمود، قرأت عليه المسائل الخاصة بالشباب والصلاة من رسالة الثمرة، وقلت له، لا تلعب بالقمار، وأدّ صلواتك، فوافق، ولكن طيشه غلب عليه، فلم يصل، ولعب بالقمار، وتلقى صفعة الغضب فجأة، وغُلب ثلاث أو أربع مرات، ومع فقره أنفق أربعين ليرة ومعطفه وسرواله في القمار، ولم يعد إليه رشده بعد.

نعم صحيح، محمود

الخامس: ولد في الرابعة عشرة من عمره يدعى سليمان، فكان يشاغب كثيرا، قلت له: تأدب، وأد صلواتك، واحذر الطائشين الذين يكبرونك، فبدأ الصلاة، ولكنه تركها مرة أخرى وبدأ يشاغب، وتلقى صفعة فجأة، وابتلي بمرض الجرب[1]، واضطر إلى ملازمة الفراش عشرين يومًا.

نعم صحيح، سليمان



[1]  بثر يعلو أبدان الناس والإبل، (لسان العرب).



539. صفحة

السادس: عمر الذي كان يخدمني في أول الأمر، وقد بدأ الصلاة، وترك الغناء، ولكن طرق سمعي ذات مساء أغنية على مقربة من بابي، وأفسد عليّ انشغالي بالأوراد، فغضبت، وخرجت فإذا بعمر خلافا للعادة، فصفعته خلافا للعادة، ثم إنه أرسل إلى سجن آخر في الصباح خلافا للعادة.

نعم صحيح، عمر

السابع: شاب في السادسة عشرة من عمره كان يغني لحسن صوته يدعى حمزة، وقد كان يشاغب، وكان يتسبب في مشاغبة الآخرين، قلت له: لا تفعل هكذا، فتتلقى صفعة، ففي اليوم التالي فجأة انخلعت يده من مكانها، وقاسى عذابها طوال أسبوعين.

نعم صحيح، حمزة

 

وهناك صفعات أخرى كثيرة غير هذه، ولكن الورقة انتهت، والمعنى انتهى.

سعيد النورسي

[67]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء الصديقين

إن تأخير مسألتنا هذه خير بسرّ "الخَيْرُ فِي مَا اخْتَارَهُ اللهُ"؛ حيث إن حبّ ذلك السفياني يُلقَّن في المدارس والدوائر الحكومية والشعب، وهذا الحال كان سيصبح له تأثير أليم ومر في العالم الإسلامي والمستقبل، ولكن وقوع رسائل النور من غير إرادتنا -التي تبين ماهيته الآن بحجج قاطعة وتثبتها - في يد الذين لهم علاقة بالسفياني أكثر من غيرهم والذين سيتخلون عنه في النهاية، وقراءتها


540. صفحة

بكمال الشغف والإمعان؛ حادثة عظيمة بحيث لو دخل السجن آلاف من الرجال مثلنا، بل حتى لو أعدموا لكان رخيصا في سبيل الإسلام، وتنقذ أشد المتمردين من الكفر المطلق والارتداد إلى حد ما، وترفعهم إلى الكفر المشكوك، وتكبح تعديهم المغرور والجريء، وآخر ما قلته في المحكمة في وجوههم: "فلتكن رءوسنا فداءً لحقيقة قدسية أصبحت ملايين الرءوس فداءً لها"، وقد أعلنا أننا سنثبت حتى النهاية، ولا يمكن التخلي عن هذه القضية، ولا أظن أن بينكم من سيتخلى عنها، وبما أنكم صبرتم حتى هذه اللحظة، فقولوا لم ينته نصيبنا ووظيفتنا بعد، وتحملوا واصبروا، وعلى كل حال لن يكون هناك هجوم عنيد على رسائل النور، بل سيُبحث عن حل للمصالحة والهدنة معها من أجل الدفاع عما بين بالحجج القاطعة في رسالة الثمرة من مسلك الإعدام الأبدي والسجن الانفرادي اللذين لا يمكن إنكارهما. "الصَّبْرُ مِفْتَاحُ الفَرَجِ وَالسُّرُورِ".

سعيد النورسي

[68]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء الصديقين،

خطر على قلبي أن أبين حقيقة ما حتى لا يتهم بعضكم بعضا بالأنانية وعدم الوفاء، وهي أنني قد رأيت ذات يوم أن الأولياء العظام الذين تركوا أنانيتهم ولم تبق لهم نفس أمارة؛ يشتكون بشدة عن النفس الأمارة، وتعجبت، ثم علمت يقينا أن النفس الأمارة تترك جهازاتها بعد موتها إلى العروق والأحاسيس حتى تستمر المجاهدة مع النفس لكسب الثواب إلى نهاية العمر، وهكذا تستمر المجاهدة، فهؤلاء الأولياء العظام إنما يشتكون من هذا العدو الثاني ومن وارث النفس، ثم إن القيمة والمنصب والمزية المعنوية لا تخص الدنيا حتى تُشعِر بنفسها، بل


541. صفحة

إن البعض ممن هم في أرفع مقام لا يشعرون بما أعطي من إحسان إلهي عظيم ويعدون أنفسهم عاجزين ومفلسين أكثر من غيرهم، وهذا يدل على أن الكشف والكرامة والأذواق التي يظن أنها سبب الكمال عند العوام؛ لا يمكن أن تكون سببا ومقياسا لتلك القيمة والمقام المعنويين، ومع أن قيمة ساعة واحدة للصحابة رضي الله عنهم كقيمة يوم من أيام الأولياء الآخرين، بل مدة خلوة عند الأولياء، فإن عدم ظهور الكشف والحالات المعنوية الخارقة للعادة في كثير من المجالات عند الصحابة كما يظهر عند الأولياء؛ يثبت هذه الحقيقة.

فيا إخواني احذروا أن تخدعكم نفوسكم الأمارة بسوء الظن من خلال قياس النفس بالآخرين، ولا تورثكم الشبهة بأن رسائل النور لا تهذب النفس.

سعيد النورسي

[69]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء الصديقين،

لا تقلقوا من الضيق الذي أصابكم من مدير السجن اليوم، فلا أهمية له، فهو لا يقوم بهذا الضجيج غير القانوني حسب هواه إلا ليكسر همتكم، فإذا كنتم ترون أن تسلموا النائب العام ولمدير السجن طلبا بعد بضعة أيام فسلموهما، واكتبوا فيه وقولوا لهما: "من حق كل واحد منا قانونيا من حيث وحدة القضية أن يكون معه ورقة دفاع شيخنا عنا جميعا ودفاع رسائل النور الذي يسمى برسالة الثمرة، فأْمُرا من يمنعوننا من حقنا هذا ألا يضيقوا علينا، وبما أن أكثر الكتب والأوراق خصوصية وأهمية محط أنظار عند أعلى المناصب، ولم يبق لنا شيء مخفيا؛ فلابد أن الانشغال بعمل صالح نافع وبالحقيقة وباستنساخ رسائل النور مقبول، ولا يُمنع".

سعيد النورسي


542. صفحة

[70]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء الصديقين الثابتين والمدركين لماهية التوكل وقيمته،

لم تكن لي رغبة منذ عشرين سنة في قراءة أي جريدة ولا السؤال عنها، ولكن للأسف الشديد من أجل بعض الإخوان الضعفاء رأيت اليوم خبرا في إحدى الجرائد، وعلمت أن تيارات مهمة تلعب دورا ظاهرا ومن وراء الستار، ولما كنا نظهر نحن في الساحة فإنهم يتوهمون أن لنا علاقة بتلك التيارات، وستثمر أربعة صناديق من أجزاء رسائل النور القوية التي لا تفند وأوراق دفاعها القاطعة؛ نتائج خيرة إن شاء الله في حقنا وفي حق الإيمان والقرآن والإسلام.

إننا لم نتدخل في دنياهم، ولم يستطيعوا أن يثبتوا تدخلنا فيها بأي وجه من الوجوه، ومن ثم اضطرت أنقرة إلى طلب جميع رسائل النور للتحقيق فيها.

وبما أن هذه هي الحقيقة، وبما أننا رأينا حتى الآن تجلي العناية الربانية في خدمة رسائل النور بما لا يمكن إنكاره، وأحس كل منا بذلك سواء كان جزئيا أو كليا، وبما أن هناك تحشيدات لكثير من التيارات السياسية والعالمية بعضها ضد بعض في الوقت الحالي، وبما أنه ليس في يدنا سوى الرضا بالقضاء الإلهي والاستسلام للقدر، والسلوان القدسي الذي تمنحه الخدمة الإيمانية والقرآنية والنورية؛ فلاشك أن أوجب شيء علينا ألا نقلق وألا نيأس، وأن نقوي قوتنا المعنوية بعضنا بعضا، وألا نخاف، وأن نستقبل هذه المصيبة بالتوكل، وأن نرى قبة الصحفيين الصاخبين الذين يجعلون الحبة قبة؛ حبة، وألا نبالي بها، فهذه الحياة الدنيا لا قيمة لها تحت هذه الشروط في هذا الزمان، فما يصيبنا علينا أن نستقبله بالرضا.

سعيد النورسي


543. صفحة

[71]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء الصديقين،

لقد كشف وزير التعليم الستار عن وجهه، وأظهر الكفر المطلق في ثوب آخر، وكتب بيانه بدافع آخر قبل أن يستلم الدفاع الذي أرسلناه، ومع أني ما كنت أفكر أن أرسله إلى تلك المصلحة الرسمية، إلا أن هذا الوضع أظهر أن إرسال الدفاع إليهم -كما رأى إخواننا- مناسب وواجب؛ لأن وزيرا يحمل تعصبا شديدا للإلحاد إلى هذا الحد ما كان ليبقى غير مبالٍ بالأوراق والرسائل ذات الخصوصية التي أرسلت إلى أنقرة، حيث إن الدفاعات غير القابلة للتفنيد ضربت رأسه مباشرة، وكان خيرا ما حصل، وسيثير هذا الأمر تيارا قويا لصالح رسائل النور في تلك المصلحة إن شاء الله.

إخواني، بما أن ماهية بعض الناس على هذه الشاكلة، فإن الاستسلام لهؤلاء انتحار معنوي، وندم على الإسلام، بل انسلاخ عن الدين؛ لأنه قد تعصب للإلحاد تعصبا لا يرضون من أمثالنا بالاستسلام والتصنع وممارسة السياسة معهم فقط، بل يقولون: تخل عن قلبك وضميرك، واسْعَ للدنيا فقط، فليست لدينا إزاء هذا الوضع حيلة إلا الاستناد إلى العناية الربانية، وإظهار الجلد والصبر والتوكل، والدعاء من أجل أن تصل أربعة صناديق من أجزاء رسائل النور إلى ذلك المركز، وتتغلب بحقائقها القوية، وقد جربنا حتى الآن أن اجتناب بعضنا من بعض والتخلي عن رسائل النور والاستسلام لهم وحتى الالتحاق بهم غير مجدٍ، ولا تقلقوا فإن اضطراب هذا الوزير الصاخب يدل على ضعفه وخوفه التام، ويبين أنه مضطر إلى الدفاع عن نفسه لا التعدي.

سعيد النورسي


544. صفحة


[72]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء الصديقين

لقد أخبرني السيد سامي بوفاة تلميذ من إخواننا من قرية خومة يدعى علي في أيام وفاة الحافظ علي رحمة الله عليه، كما كتب إلي بذلك أحد أبطال خومة محمد علي، وجعلتُ عليا هذا رفيقا لذلك الشهيد العظيم علي في كثير من أدعيتي، وقد كانت إحدى السيدات من أخواتنا رأت في منامها أن ثلاثة من إخواننا توفوا، فكان تأويلها أن عليين هذين ومصطفى التابع لرسائل النور الذي شنق؛ رحلوا إلى الآخرة، وأصبحوا ضحايا من أجل سلامتنا.

سعيد النورسي

[73]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء الصديقين

لقد وجد بعض إخواننا سلوانا جميلا لهم، فهم يقولون: "إن إخواننا الجدد يصبرون ويتحملون في هذه المعاناة سنة أو سنتين بل ربما عشر سنوات بسبب سلوك غير مشروع لساعة أو ساعتين، حتى إن بعضهم يقولون: لقد نجونا من الذنوب الأخرى والحمد لله تعالى"، فلماذا نشكو نحن إذن من بضعة أشهر من معاناة تعود لنا بالخير بسبب عمل وخدمة مشروعين بواسطة رسائل النور"، وأنا أقول لهم: بارك الله لكم.


545. صفحة

أجل؛ إن تحمل أحد منا بضعة أشهر من المعاناة بسبب خدمة قدسية لذيذة حلوة خيرة وعبودية فكرية سامية لمدة خمس سنوات أو عشر سنوات بنية إنقاذ إيمانه وإيمان الآخرين؛ مبعث شكر وفخر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لَأَنْ يَهْدِيَ الله بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا، خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ[1]"، فتفكروا في عدد الذين أنقذوا أو سينقذون إيمانهم هنا وفي المحكمة وفي أنقرة من الشبهات الرهيبة بواسطة استنساخاتكم وخدماتكم، واشكروا بكمال الرضا بدلا من الجزع، وإذا عاندت أنقرة تجاه كتب رسائل النور القوية التي أرسلت إلى هناك ولم تسعَ لحمايتها بنية المصالحة فإن أرْيَح مكان لنا هو السجن، وهو علامة على أن الملحدين جمعوا الشيوعية مع الزندقة، والحكومة تضطر إلى استماع كلامهم، عندئذ تنسحب رسائل النور، وتتوقف، وتبدأ المصائب المادية والمعنوية بالهجوم.

سعيد النورسي

[74]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ (الأنعام: 130)

جواب أستاذنا عن السؤال الواقع لحل مشكل للمعنى الذي تبينه الآية الجليلة في أنه جاء أنبياء من الجن أيضًا.

أخي العزيز،

إن سؤالك هذا له أهمية عظيمة، ولكن لما كانت الوظيفة الأهم لرسائل النور هي إنقاذ البشر من الضلال والكفر المطلق فإن الدور لا يأتي على مثل هذه المسائل، ولا تفتح المجال لذكرها، والسلف الصالح أيضًا لم يذكرها كثيرا؛ لأنه يقع سوء



[1]  رواه البخاري في باب فضل من أسلم على يديه رجل، برقم 3009، ومسلم برقم 2406.



546. صفحة

استخدام في مثل هذه الأمور الغيبية، وقد يتخذها المشعوذون وسيلة لأنانيتهم، كما أن الذين يشتغلون بتحضير الأرواح يضللون الناس باسم الاتصال بالجن، لذا لا يفتح المجال لذكرها كثيرا؛ لأنهم قد يتخذونها أداة ضد الدين، ثم إنه لم يأت رسول إلى الجن بعد خاتم الأنبياء عليه الصلاة والسلام، والفكر المادي الذي هو الطاغوت البشري في هذا الزمان لا يعترف بوجود الجن والروحانيات، لذا سعت رسائل النور لإثبات وجود الروحانيات قبل كل شيء بالحجج القاطعة، ونظرت إلى هذه المسألة من الدرجة الثالثة، وأحالت تفصيلها إلى الآخرين، وربما يفسر تلميذ من تلاميذ رسائل النور سورة الرحمن يوما إن شاء الله ويحل هذه المسألة.

سعيد النورسي

[75]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء الصديقين

 لقد تلقيت إخطارا لبيان حال من أحوالي التي هي تجل مهم من تجليات العناية الإلهية والتي هي غير اختيارية ولا سبب لها في الظاهر، وهو كالتالي:

لقد كانت أجزاء رسائل النور على أجزاء صغيرة ورسائل متفقرة لإعطاء كل قرية وإلى كل إنسان إياها وإيصالها إليهم، ولكن فجأة جمعناها في كتب بصورة مهمة وكأنها من غير إرادة منا، وقمنا بتجليدها وكأنها ستقرأ في أماكن أكثر أهمية، وكان فيضي يتقن التجليد، وكانت آسيا تقوم بالتزيين، والآن أدركنا الأمر، فقد بدأت هذه الكتب الكبيرة تقرأ في دار القضاء ووزارة التعليم ومجلس النواب فضلا عن "كُورَة وإينابولي وطاش كوبري".

ومما يدعو للتعجب أنني أرسلت في ذلك الوقت إلى أولاد عبد المجيد ملابس وأغذية وغيرهما من أمتعتي الكثيرة خلافا لعاداتي وأحوالي تماما،


547. صفحة

وأرسلت إليه بعض الكتب المهمة جدا من رسائل النور حتى لا تضيع وكأنني سأموت أو سأرحل من هنا.

وظهر منذ أمس تجل لطيف دقيق من تجليات العناية الإلهية، وهو:

بينما كنت أصحح رسالة الثمرة حدثت جلبة مثيرة بين الشباب الطائشين عند جيراني، فقد عثر مدير السجن على مذكرة عند أحدهم، وكان فيها ذكر عن رسائل النور والصلاة، فنادى مدير السجن هذا الشاب: "لا تسمعوا للشيخ، أنا سأجمع الشباب"، فجاء الشاب وأثار ضجة، وجاءني الشباب بكل ما كتبوا، فقلت لهم: "لو كانت هناك مشكلة لأزعجوني أنا وليس أنتم"، وبينما كنت جالسا عند النافذة مر مدير السجن فناديته وقلت له: "إن تربية هؤلاء وتهذيبهم لا يكون إلا بالصلاة، ولماذا تفعل هكذا؟ فقال المدير منفعلا: "يرفع الأذان القديم[1] في السجن المشدد، أنا سأغلقه"، وتحدث مثل هذا الكلام، فتضايقت أنا، وتألمت من استبداد رجل يبدي تعصبا شديدا في الضلال إلى هذا الحد، وفي الصباح بدأ بعض الشباب الطائشين الصلاة وقالوا: "إن بعض تلاميذ رسائل النور لا يريدون أن يخرجوا من السجن، فيجب علينا أن نتشبه بهؤلاء الطيبين".

سعيد النورسي

[76]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء الصديقين

وردت إلى قلبي ثلاث نقاط من غير إرادة مني، وهذا يعني أن بيانها مناسب.

الأولى: إن إشارة الآية الكريمة ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ إلى رسائل النور، وإشارتها إلى تلميذ رسائل النور هذا العاجز بكلمة



[1] مما قام به الذين أسسوا الجمهورية التركية أن ألغوا الأذان، فكان يرفع الأذان باللغة التركية مترجما.



548. صفحة

"مَيْتًا" بثلاث أمارات ومناسبات قوية؛ بينت في الشعاع الأول، وإحدى هذه الأمارات تنطبق على هذه الحادثة الآن انطباقا تاما؛ لأن الذين يظلموننا يتحججون بالحياة والمدنية واللذة، ويتهموننا بعدم الاهتمام بهذا النوع من الحياة ويحاسبوننا، حتى إنهم يريدون أن يزجوا بنا في السجن بالإعدام والعقوبة الشاقة، ولكنهم لا يجدون لهم سببا في القانون، ونحن نسعى بكل قوتنا لنتحجج بالموت الذي هو مقدمة الحياة الخالدة وحجاب لها، ونضرب به رءوسهم، فنوقظهم، حتى يتخلصوا من الحساب ومن العقاب والإعدام الأبدي والسجن الانفرادي الدائم، بل لو قُضِيَ عليّ بأشد العقوبات بسبب الرسائل الشديدة اللهجة التي ذهبت إلى أنقرة، وتخلص الذين قضوا علي بهذه العقوبة من إعدام الموت بواسطة هذه الرسائل فإن قلبي ونفسي يرضيان بها، أي إننا نريد لهم الحياة في كلتا الدارين ونسعى من أجل ذلك، ولكنهم يريدون لنا الموت ويبحثون عن أسباب لذلك، ولما كانت حقيقة الموت الظاهرة كالشمس والواضحة وضوح النهار والتي ترى بالعين، ولما كانت حقيقة ثلاثين ألف من الجنائز التي تحدث كل يوم بين البشر تُظهران ثلاثين ألفا من الإعدام الأبدي في حق أهل الضلال، وتبرزان ثلاثين ألفا من مرسوم السجن الانفرادي وإعلانه؛ فإننا لسنا منهزمين أمامهم، فمهما حاولوا فإن الآية الكريمة ﴿فَإِنَّ حِزْبَ الله هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ تبشرنا بالنصر بنفس التاريخ بالحساب الجفري والأبجدي حتى في وقت انهزامنا الذي يرثى له منذ اثنتا عشرة سنة، وبما أن هذه هي الحقيقة فإننا سنقول للمحكمة وللناس منذ الآن: "إننا نسعى للنجاة من الإعدام الأبدي للموت الذي ينتظرنا أمام أعيننا هذه، ومن السجن الانفرادي الدائم المظلم للقبر الذي فتح بابه أمامنا والذي يدعونا إليه بالإجبار القاطع، ونعينكم أيضًا على التخلص من المصيبة الرهيبة التي لا مفر منها، وإن أعظم قضية دنيوية وسياسية في نظركم؛ قليلة القيمة في نظرنا وفي الحقيقة، وهي بالنسبة لغير الموظفين بالفعل تعتبر من الأمور التي لا تعنيهم، ولا أهمية ولاقيمة لها عندهم، ولكن الوظيفة الإنسانية الضرورية التي ننشغل بها نحن فلها علاقة جادة بكل أحد في كل وقت، فالذين لا تعجبهم وظيفتنا ويلغونها؛ عليهم أن يلغوا الموت ويغلقوا القبر، وقد تأجلت "النقطة الثانية والثالثة" مؤقتًا.

سعيد النورسي


549. صفحة


[77]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء الصديقين،

لكل مصيبة ﴿إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ إن وفاة الحافظ علي، والحافظ محمد، ومحمد زهدي ليست خسارة لنا ولإسبارطة فحسب، بل خسارة عظيمة أيضًا لهذا البلد وللعالم الإسلامي، ولكن عند فقدان أحد تلاميذ رسائل النور يبرز في الساحة بنفس النظام اثنان أو ثلاثة منهم مباشرة كتجلي لعناية الله تعالى حتى الآن، فلنا أمل قوي أن يظهر من حيث لا نأمل تلاميذ جادون يقومون بوظيفة أولئك الأبطال بصورة أخرى، فهؤلاء الثلاثة الطيبون المرحومون قاموا في مدة وجيزة مائة سنة من الوظيفة الإيمانية، فرحمهم أرحم الراحمين سبحانه وتعالى بعدد الحروف النورية التي كتبوها ونشروها وقرأوها، آمين.

أما أنتم فقوموا بتعزية أقرباء الحافظ محمد وقريته من قبلي، فقد جعلته رفيقا للحافظ علي ومحمد زهدي، وضممت أسماء هؤلاء الثلاثة إلى أسماء شيوخي الأقطاب، وجعلت الحافظ عاكف كذلك رفيقا لعاصم ولطفي.

سعيد النورسي

[78]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

رسالة من شاب طائش

لقد دعاني سعيد النورسي البالغ السبعين عاما، ونصحني فقال: أهلا بك يا بني، أد صلواتك، ولا تشاغب، وأنا قبلت ولكن ثم تركت، وتلقيت صفعة شديدة،


550. صفحة

ثم قال لي: إذا تكرر هذا مرة ثانية فاعلم وتأكد أنك ستتلقى صفعة أقوى، وانتبه كثيرا، ولا تخالط الطائشين الآخرين، فتبت، وقبّلت يديه المباركتين وخرجت، ومر على ذلك شهر كامل، وكنت أؤدي صلواتي، وكنت أخدم شيخي، ولا أعلم ماذا حدث لنفسي فقد بدأت مرة أخرى لغبائي في الطيش مع الأصدقاء الآخرين، ونسيت الصلاة والصفعات التي تلقيتها، وعندما سألني شيخي عن صلواتي خدعته وقلت له أصلي، ثم مرت ثمانية أيام، وكنا نمازح بعضنا بعضا بالكلام، واستمر هذا وأخذ شكلا خطيرا، وانتهى بإصابة من رأسي ووجهي بجرح بقطعة حديد، وضربت بالحديد من الموضع الذي أسجد عليه من رأسي؛ لأنه ترك السجدة، وهذه الحادثة أعطتني قناعة قاطعة بأنني تلقيت صفعة ثانية، فتبت في الحال، ولما كنا أنا وعشرون شابا طائشا لم نلتزم بما أمرنا به شيخنا فإننا التسعة تلقينا في نفس الوقت صفعات الشفقة مرة أو مرتين، وعدنا إلى رشدنا، وعندما تبنا رأينا توجه الرحمة الإلهية إلينا، فعلى سبيل المثال:

لقد تلقى أحد الأصدقاء صفعة غضب فتاب فورا، وفي نفس اللحظة رأى توجه الرحمة الإلهية إليه، وكسب النقود التي ضيعها كما هي، ثم بدأ الطيش مرة أخرى لغبائه.

ومنهم أيضًا حمزة علي، فقد تلقى صفعة الشفقة بانكسار يده كما كتب شيخنا، ثم تاب وبدأ الصلاة، وفي اليوم التالي تخلص من هذا المكان العصيب ذي المصيبة، حيث جاء قرار الذهاب إلى بلدته فذهب.

ومنهم أيضًا محمد الذي تلقى الصفعة الثامنة، وقد كان لديه إعجاب بحسن صوته وجمال وجهه، وعندما خالف أوامر شيخي أصاب جمال صوته وصورته شوهة بضربة من المرض الذي لزمه ثلاثة أشهر، ومن ثم انكسر عجبه، مما أعطانا قناعة قاطعة بأن هذه ليست مصادفة بل هي صفعة.

ومن التسعة الذين تلقوا الصفعة كذلك سليمان البالغ أربعة عشر عاما، وقد كانت لديه رغبة شديدة في تحبيب نفسه إلى الشباب الكبار وأن يغني معهم الأغاني، فنصحه شيخنا عدة مرات قائلا: "اترك هذه الأمور، فأنت تقترب من هؤلاء، ولكن


551. صفحة

هؤلاء الطائشين لا ينظرون إليك نظرة بريئة كنظر الوالد أو الأخ"، ولكنه غُلب أمام رغبته، وخالف أوامر شيخنا، وتلقى صفعة شديدة بمرض الجرب، فالذين قربوه منهم بمحبة أصبحوا يقولون له باشمئزاز: "إياك أن تقترب منا، وصاروا يخافون من الاتصال به، مما أعطانا قناعة قاطعة أن هذه صفعة وليست مصادفة، ثم إن مخالفة أحد الأصدقاء لأمر شيخنا من أجل متعته بالقمار، وتلقيه الصفعة من الناحية نفسها، وكسبه من الناحية نفسها عندما تركه أعطانا قناعة قاطعة أننا تحت عناية رسائل النور.

ومنهم أيضًا أخوكم الجديد هذا ضياء الذي هو تلميذ مبتدئ لرسائل النور والذي تلقى صفعَتَيْ الشفقة والذي هو محتاج إلى عطفكم، وقد تلقيت صفعَتَيْ الشفقة وتبت، وخفت من الصفعة الثالثة، وقلت لشيخي الجليل أنني سأؤدي الصلوات الخمس، وخاطبته قائلا: "يا شيخي الجليل إنني سأواظب منذ اليوم بل منذ هذا الصباح على عباداتي دائما بحرص دون أن أتركها، وإنني أؤمن وأصدق بكل قوتي أن طريق تلاميذ رسائل النور أقوم الطرق، وهم على الحق، ومنذ اليوم بل منذ هذا الصباح سأبدأ الصلاة، وسأسعى للدخول في دائرة رسائل النور وأريد أن أكون تلميذا كاملا، وأعدك يا شيخي ألا أقوم بمثل هذه التصرفات، بل سأسعى أيضًا بكل قوتي لأرشدهم إلى الطريق الذي أسلكه، وأشكر الله تعالى كثيرا على قبولي في مكان صلاح الدين القسطموني المتوفى الذي هو من تلاميذ رسائل النور كما بشرني شيخي.

ضيا

[79]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء الصديقين

من تجلي العناية الربانية لنا هو ثورة وزير التعليم علينا وهجومه الشديد والذي شعر من تحت الحجاب قبل أن يرى دفاعنا وأوراقنا وكتبنا، وتدقيق أعلى المناصب بالفعل لأكثر الرسائل خصوصية كالشعاع الخامس وذيل الهجمات


552. صفحة

الست من أجل الانتقاد، وضربات رسالة الدفاع الجريئة المؤثرة جدا على الكفر المطلق، واتخاذ أنقرة موقفا لينا تجاهنا بل موقف المصالحة مقارنة بعظمة القضية بينما كنا ننتظر منها موقفا شديدا تجاهنا، ومن حِكم تجلي هذه العناية الربانية هي قراءة رسائل النور في مدرسة عامة وفي مناصب عليا بدقة وشغف لعلاقتها بجميع البلد، وقراءة درس عال وسامٍ في هذا الزمان في مثل هذه الدوائر الجامعة الكلية العامة إحسان إلهي عظيم، وأمارة قوية على كسرها الكفر المطلق.

إخواني، بناء على احتمال تغير بعض ذوي العوائل الضعفاء -الذين تحملوا هذا الكم من المعاناة والضرر- بعد إخلاء سبيلهم ظنا منهم أن ذلك سيكون عذرا لهم للاجتناب من رسائل النور ومنا إلى حد ما، بل من أجل التخلي عنها، أقول:

 

إن من دفع على بضاعة ثمينة جدا هذا الكم من الثمن المادي والمعنوي وعانى هذا العذاب إذا تخلى عن هذه البضاعة فذلك خسارة عظيمة، وإذا ترك كل واحد منهم فجأة أجزاء رسائل النور وصلتهم بها، وترك الحفاظ علينا، والمعاونة والخدمة فهو ضرر لنا وله بلا جدوى، ومن ثم يجب ألا يغير وفاءه وارتباطه وخدمته فضلا عن الحيطة.

سعيد النورسي

[80]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء الصديقين

إن من تجليات العناية الربانية والحماية والحفظ الإلهيين أنني سمعت أن لجنة خبراء التدقيق في أنقرة هزمت أمام حقائق رسائل النور وأنها قررت براءتنا على الرغم من وجود أسباب كثيرة للانتقاد والاعتراض الشديد، فقد أدركتنا الحماية والعناية الرحمانية حيث إننا كنا ننتظر اعتراضات شديدة من خبراء التدقيق وإدانتهم لنا بالعقوبات الشديدة؛ نظرا للعبارات الشديدة للرسائل ذات الخصوصية،


553. صفحة

وتحدي الدفاع المؤثر، وهجوم وزير التعليم الرهيب، ووجود فيلسوفين ماديين مهمين منتسبين إلى وزارة التعليم ووجود عالم كبير منحاز إلى الأمور المحدثة[1] ضمن فريق خبراء التدقيق، وتحريض جمعية الزنادقة الخفية حزبَ الشعب ووزارة التعليم علينا منذ سنة، وقد أظهرت الحماية والعناية الرحمانية مقام رسائل النور السامي وعدلت بهم عن الانتقادات الشديدة، حتى إنهم من أجل إنقاذنا من العقوبة، ومن أجل ألا يُنظر إليّ كمجرم سياسي ذي سوابق بسبب قضية أسكي شهر، وحادثة 31 مارس المشهورة، ومن أجل إظهار أننا لا نسعى إلا للدين والإيمان وليس لدينا فكر سياسي، قالوا:

"إن من عادات سعيد النورسي منذ القدم أنه يدعي أحيانا وراثة النبي صلى الله عليه وسلم، ويتخذ طور المجدد والمهدي في خدمة القرآن والإيمان، أي يغلب عليه نوع من حالة الجذبة ويتصرف كتصرف المجاذيب" وبهذه الجملة وبقول الفلاسفة الذي يدل على الإلحاد عن كل من يسعى للدين سعيا قويا أيا كان بأنه يدعي النبوة، أي يقوم بوظيفة النبوة بالوراثة، من أجل انتقاد حسن ظن بعض الإخوة بي بما يفوق حدي كثيرا، وتبرئتي من السياسة ومن العقاب بسبب لهجتي الشديدة بإسناد حالة الجذبة إلي، وملاطفة من يعارضنا ويعادينا منهم، ومن أجل إظهار أن الإشارات القرآنية والكرامات العلوية والغوثية حقيقة وقوية، وكسر ما يمكن أن يوجد عندي -كما يتوقعون قياسا بالآخرين- من حب الجاه والأنانية والإعجاب بالنفس، ولكل ذلك استخدموا تلك العبارة الفلسفية الملحدة.

 فرسائل النور من أولها إلى آخرها جواب كالشمس على تلك العبارات، ولما كان مسلكنا الأخوة وترك الأنانية، وليس عندنا شطحات تعجب النفس؛ فإن حياة سعيد الجديد المتسمة بنكران الذات في أثناء تأليف رسائل النور، وتعديله لحسن ظن إخوانه الطيبين المفرط في حقه بدروس مكررة دون النظر إلى خاطرهم؛ يفند ذلك المعنى الذي يفوح من تلك العبارة تفنيدا تامًّا ويزيله إزالة كاملة.

سعيد النورسي



[1]  كمنع كل ما يتعلق بالدين كتغيير الأذان، وتغيير الحروف وإلغاء العمل بالشريعة الإسلامية ونحوها.



554. صفحة


[81]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

رسالة من خسرو

سيدنا وشيخنا الحبيب العزيز المبارك الغالي الجليل،

إننا نحتفل بتأثير رسالتك المبشرة النورانية، ونحن سعداء جدا بنشوة السرور التي غمرتنا، ونحن تلاميذك اليوم نُؤَمِّن بالسرور على دعائك أنت شيخنا الحبيب الذي تدعو به رافعا يديك بلسان الحق والحقيقة بين صفحات رسائل النور -التي أكرمها نور الأنوار سبحانه بتجليات اسم الحكيم واسم الرحيم- وبين سطورها وتحت كلماتها ونقاطها، كي نقطف ثمرات خطواته التي خطاها في وادي الحق والحقيقة طوال سنوات طويلة، وهو: "اللهم أحينا وأحي ذرياتنا بنورك، وارزقنا وذرياتنا الحياة بنورك، وأمتنا بهذا النور، واحشرنا مع نور نورك الذي رزقتنا إياه، وأحسن إلينا وأكرمنا، واغفر لنا خطايانا وسيئاتنا، وألحقنا بالفرقة الناجية التي يقودها نبيك الحبيب صلى الله عليه وسلم"، آمين، آمين، آمين.

شيخنا الحبيب، لقد قرأنا من بين ما بشرتم أن خبراء التدقيق في أنقرة لم يستطيعوا إنكار الحقيقة أمام الضربات الشديدة التي نزلت على رءوس أهل الضلالة في رسائل النور، وحين رأينا هذا حمدنا الله تعالى ونحمده حمدا لا حد له.

أجل؛ شيخنا الحبيب، إن الجميع معجبون بالسمو البديع الذي لا ينكرها تلاميذك والذي يرى في أخلاقك وسجاياك السامية بل في جميع لطائفك أيضًا، وقد نظر الخبراء في أنقرة إلى شيخنا الحبيب نظرة حقد، وقد فوّض الحق تعالى إلى رسائل النور وإلينا نحن تلاميذك رد هذا الاتهام الباطل الذي هو أن تلاميذه لم يقدروا على التخلص من تأثير شيخهم، ومنذ اللحظة قد أصبح تصحيح الأفكار الباطلة لكل من يتكلم في هذا الموضوع وظيفتنا في كل وقت وفي كل مكان،


555. صفحة

ونحن نتهم الذين يتهمون شيخنا الحبيب، وخاصة نضرب الكلام الثقيل الذي وجهوه إليه باسم أهل الضلالة عندما لم يستطيعوا أن يردوا عليه كمثل "مجذوب، ومغرور، وغلبته أنانيته" على وجوههم برسائل النور ولاسيما بالمكتوب السابع والعشرين الذي هو لسان تلاميذك.

يا سيدنا وشيخنا الحبيب، نحمد الله تعالى حمدا لا حد له الذي هزم برسائل النور الكفر المطلق الذي استولى على معظم عالم البشر اليوم، ونقدم له شكرنا وسرورنا على أن جعلنا خدام القرآن الكريم وتلامذة لرسائل النور، ونقبل يديك ونستفسر عن حالك، وندعو الله تعالى من أجل صحتك كل يوم بين المغرب والعشاء. سيدنا وشيخنا الحبيب.

خسرو

[82]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء الصديقين

لن أرسل إليكم موقتا القرار الذي اتخذه خبراء التدقيق بالإجماع حتى لا يصيب السوء من أخبرنا وكتب إلينا، وقد سعت لجنة خبراء التدقيق بكل قوتها من أجل إنقاذنا وحفظنا من شر أهل الضلالة والبدع، فهي تبرؤنا من كل الاتهامات الموجهة إلينا، وتُشعِر أنها استفادت من رسائل النور استفادة كاملة، وقررت بالاتفاق "أن الأكثرية المطلقة للأجزاء العلمية والإيمانية لرسائل النور كتبت بعلم ودراية، وأن سعيدا بيّن فكره الصادق الجادّ، وأن القوة والقدرة التي لديه ليست في تأسيس الطريقة أو في تأسيس جمعية أو مبارزة الحكومة كما يُزعم، وإنما هي قوة وقدرة في إبلاغ حقائق القرآن إلى المحتاجين".


556. صفحة

وقالت عن الأجزاء ذات الخصوصية التي وصفتها بأنها غير علمية: "أحيانا تأخذه الجذبة، أو تأخذه إثارة مشاعر الوعي واختلال روحي، ومن ثم يجب ألا يحاسب عليها"، وهناك شخصيتان في عبارة سعيد القديم وسعيد الجديد، وقال الفلاسفة عن الشخصية الثانية: "إنها قوة إيمانية عجيبة وعلم وحقائق قرآنية، وهناك احتمال أن يكون فيه حالة جذبة أو اختلال دماغي"، وقالوا حتى ينقذونا من مسئولية بعض التعبيرات الشديدة ويلاطفوا معارضينا: "يجب أن يؤخذ بنظر الاعتبار احتمال الإصابة بمرض الهلوسة في السمع والبصر"، ولكن رسائل النور التي تفند هذا الاحتمال من جذوره، والتي وقعت في أيديهم وتركت جميع العقول وراءها، ورسالة الدفاع ورسالة الثمرة التي حيرت جميع المحامين؛ جواب كاف وواف عليهم، وإنني أحمد الله كثيرا أن نُسِب إليّ شرف حديث شريف بهذا الاحتمال[1].

ثم إن لجنة خبراء التدقيق هذه تبرئ جميع إخواني وتبرئني تبرئة تامة، حيث تقول: "إنهم يتمسكون بمؤلفات سعيد المتسمة بالعلم والدراية من أجل إيمانهم وآخرتهم، ولم نعثر أبدا على أي تصريح أو أمارة على تآمر على الحكومة لا في مراسلاتهم ولا في كتبهم ولا رسائلهم"، وهكذا قررت هذه اللجنة بالإجماع، ووقع عليه باسمها الفيلسوف نجاتي، والعالم يوسف ضياء، والفيلسوف يوسف.

ومن التوافقات اللطيفة أننا عندما قلنا إن هذا السجن مدرسة يوسفية بالنسبة لنا ورسالة الثمرة ثمرة لها، فعبر يوسفان هذان بلسان حالهما تحت الحجاب عن أنهما أيضًا مشاركان في الدرس الذي يقدم في هذه المدرسة اليوسفية، ومن الدلائل اللطيفة على حالة الجذبة أنهم استدلوا على احتمال حالة الجذبة والهلوسة بعبارات مثل "المكتوب الثالث والثلاثون ذو النوافذ الثلاث والثلاثين من الكلمة الثالثة والثلاثين، واستماعه لتسبيح قطته بـ"يا رحيم يا رحيم، ورؤيته لنفسه شاهدا للقبر".

سعيد النورسي



[1]  لعله يقصد الحديث الشريف المروي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أَكْثِرُوا ذِكْرَ اللهِ حَتَّى يَقُولُوا : مَجْنُونٌ ) رواه الإمام أحمد في " المسند " (18/195، 212)، وابن حبان في " صحيحه " (3/99)، والطبراني في " الدعاء " (ص/521)، والحاكم في " المستدرك " (1/677) ، والبيهقي في " شعب الإيمان " (2/64)



557. صفحة

[83]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء الصديقين

بما أننا تحت عناية الله تعالى بأمارات كثيرة، وبما أن رسائل النور لم تهزم أمام أعداء ظالمين كثيرين، بل أسكتت وزير التعليم وحزب الشعب الجمهوري إلى حد ما، وبما أن الذين أقلقوا الحكومة في ساحة واسعة إلى هذا الحد وبتضخيم مسألتنا كثيرا؛ سيحاولون بلاشك إخفاء افتراءاتهم وكذبهم بالمبررات إلى حد ما، ولاريب أن ما يلزمنا هو الصبر والحيطة بكمال الاستسلام، وعدم الوقوع في خيبة الأمل، وعدم اليأس، وعدم التزعزع بالعواصف المؤقتة حتى لو ظهر ما يخالف المأمول.

أجل؛ إن خيبة الأمل تكسر قوة أهل الدنيا المعنوية وحماسهم وتجعلهم في حالة يرثى لها، ولكنها عند تلاميذ رسائل النور الذين يرون توجه عون الله تعالى ورحمته تحت المعاناة والنضال والمضايقات يجب أن تقوي جهدهم وإقدامهم وجديتهم، وقد أحالني أهل السياسة قبل أربعين سنة إلى مستشفى الأمراض العقلية مسندين إليّ جنونا موقتا، فقلت لهم، إن ما ترونه عقلانيا أعتبره أنا مخالفا للعقل، وأستعفي من مثل هذا العقل، وأرى فيكم قاعدة: "كُلُّ النَّاسِ مَجَانِينُ، وَلَكِنْ عَلَى قَدْرِ الهَوَى اخْتَلَفَ الجُنُونُ".

والآن أكرر نفس الأقوال على الذين أسندوا إليّ حالة الجذبة وجنونا موقتا بسبب الرسائل ذات الخصوصية حتى أنقذ إخواني من المسئولية العظيمة، وأنا راض عن إسناد الجنون إليّ من جهتين:

الأولى: ورد في الحديث الصحيح ما معناه: إن اعتبار عوام الناس حالات المرء السامية الخارجة عن عقولهم بإنها جنون يدل على كمال إيمانه واعتقاده التام.



558. صفحة

الثانية: إنني أقبل إسناد الجنون إلي، بل أقبل أيضًا بكمال الاعتزاز والسرور أن أضحي بكل عقلي وحياتي من أجل سلامة إخواني في هذا السجن ونجاتهم وتخلصهم من الظلم.

وإذا رأيتم من المناسب كتابة رسالة شكر إلى أولئك الثلاثة باسمي فلتكتب، وليبلَّغوا أننا نشركهم في مكاسبنا المعنوية.

سعيد النورسي

[84]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء الصديقين

إن جبة مولانا خالد البغدادي الوثيقة الصلة بتلاميذ رسائل النور ينبغي أن يلبسها الإخوان بنية أن يكونوا تلاميذه دائمين لمولانا خالد ولرسائل النور على أن يحافظوا على ثباتهم ووفائهم، ويمكن أن تدفعوها إلى إخواننا في العنابر الأخرى بالسجن، ولكني أصلي بهذه الجبة، والنظافة الشديدة شرط في مذهبنا، فأرجو ألا توضع على المواضع المبللة أو تمسها الأيادي المبللة.

سعيد النورسي

[85]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء الصديقين

لم تبق لدي شبهة في أن دعاءكم كان سببا لنجاتي من الإصابة بالعين البالغة الخطورة، ومن الخطر الأليم لنقلي إلى المستشفى بالإجبار، وقد زال خطر ذلك المرض الشديد جدا وخف وطأه والحمد لله.


559. صفحة

إخواني، يتبين من تقرير خبراء التدقيق أن رسائل النور تهزم جميع طوائف المعارضين لنا، حيث يلفتون الأنظار مرات عديدة إلى رسالة حجة الله البالغة، ورسالة الشيوخ، ورسالة الإخلاص.

ثم إن انتقادهم السطحي الظاهرة أجوبته وكأنه صادر عن تعصب وعن علم، وقولهم فيما بينهم "فيها تناقض" دون أن يفهموا المسائل المطابقة للحقيقة والمتباعدة فيما بينها، وتصديقهم لتسعين بالمائة من رسائل النور وتقديرهم واستسلامهم لها دون تحفظ، واكتفاءهم فقط مقابل جَرح ذيل رسالة "الهجمات الست" وإهانته بشدة لمن يفتون للمحدثات بانتقاد قولي الذي هو: "يمكن أن يكون المسيحيون المظلومون المتدينون الذين قتلهم الملاحدة شهداء نوعا ما في آخر الزمان"، وانتقادهم الهجوم الشديد لذيل الهجمات الست حول رفع الأذان باللغة التركية بأنهما يتناقضان وعدم انتقادهم لأسلوبها؛ كل ذلك يدل دلالة قاطعة على هزيمتهم أمام رسائل النور ويعطينا قناعة بذلك.

سعيد النورسي

[86]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء الصديقين

لقد بين في إعجاز القرآن أن جزالة مهمة للكلام وبلاغته وقوته نابعة من مقام المخاطب كما أن بعضا من قيمة الكلام ومزيته آتيتان من مقام المتكلم، وبناء على هذه القاعدة أقول:

بما أن المراسلات الصغيرة تخاطب أكثر المخاطبين تضحية في أقدس خدمة تحت أصعب الظروف؛ فلاشك أن النقصان الذي أخذته من قصور المتكلم يضيع


560. صفحة

ضمن كمال الموافقة الآتي من دراية المخاطبين الجديرين المنتبهين المحتاجين وشوقهم بما يطابق متقضى الحال، ومن ثم فإن هذه المراسلات مهمة أيضًا كرسالة الثمرة والدفاع، كتب الله ألف رحمة لمن استنسخها مقابل كل واحدة من المراسلات، آمين آمين آمين.

كنا قد أرسلنا قبل أسبوع أجوبة الأخطاء التي وقع فيها الخبراء مرة ثانية في أنقرة، وكانت قد استُرجعت من البريد من دون علمي بسبب حادثة آلمتني كثيرا، والآن تبين أن العناية الإلهية حولت هذه الحادثة الظالمة إلى رحمة ومصلحة؛ لأنه قد حصلت لدي قناعة بأنه من المصلحة أن تضاف إلى هذه الأجوبة القطعةُ التي قرأتها في المجلس الوطني وأن تضاف جملةٌ تحيل إنقاذ رسائل النور من المصادرة إلى رئيس الشئون الدينية.

إنني لا أطلب لنفسي البراءة، ولكن كل يوم أقضيه هنا أشق عليّ من شهر قضيته في سجن أسكي شهر، وأطلب منكم نقلي إلى إسطنبول أو قسطموني أو إسبارطة إذا استطعتم بعد خروجكم، فأنا لا أطلب ذلك بنفسي.

سعيد النورسي

[87]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

مذكرة لخُسْرَوْ تعليقا على "آخر كلامي"

سيدي وشيخي الحبيب !

نعبر لك شيخنا العزيز عن شعورنا غير المحدود بالسرور بالتشرف لمساندتنا لك أنت الذي ذكرت -في "آخر كلامك" الذي كتبته بالأمس لترسل إلى المحكمة، أو إلى محكمة الاستئناف بعد صدور القرار بالسجن أو إلى الأماكن الأخرى-


561. صفحة

أن ثلاثمائة مليار مسلم سيطالبون بحقهم في الحشر من الذين ظلمونا وظلموا رسائل النور، ومسكت بيدك هذه الكلمة القصيرة التي تذكرهم بظلمهم، وتحديت الزنادقة، بالإضافة إلى هذا فإن دفاعك هذا الذي أرسل إلى أخينا الحافظ مصطفى، والذي أدخل آلافا من حسنات تلاميذ رسائل النور في عيون الزنادقة ببعض الجمل القصيرة بعدّ المنافع التي أعطتها جماعة تلاميذ رسائل النور سواء كانت في الحياة الشخصية أو في الحياة الاجتماعية في دائرة الإسلام؛ أعجبنا جميعا وأصبح وسيلة لذكر شيخنا العزيز بالخير.

خسرو

[88]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء الصديقين

لقد سمعت أن المصيبة التي أراد أن يوقعنا فيها القسم المهم من الكيان السري الذي يهاجمنا وهو الجمعية الطورانية قد أصابتهم، ونرجو أن يقع فيها القسم الآخر الخفي أي الزنادقة بإذن الله، وأن ينشغل هذان القسمان ببعضهما.

سعيد النورسي

[89]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء الصديقين، وأصدقائي المخلصين في الخدمة الإيمانية والقرآنية


562. صفحة

لقد اقترب زمن فراقنا، ولم يحافَظ على دساتير رسالة الإخلاص بسبب التوترات والقصور الناشئة عن المعاناة، فمن الواجب والضروري أن تتسامحوا فيما بينكم، فأخوتكم أقوى من أخوة النسب، والأخ يستر عيب أخيه وينسى عيوبه ويعفو عنه، وأنا لا أنسب اختلافكم وأنانيتكم غير المتوقع إلى النفس الأمارة بالسوء، ولا أراه لائقا بتلاميذ رسائل النور، بل أعتبره نوعا من الأنانية الموقتة التي توجد حتى في الأولياء الذين تركوا نفوسهم الأمارة بالسوء، فلا تخيبوا حسن ظني بكم بالعناد، وتصالحوا.

سعيد النورسي

[90]

بٍاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء الصديقين

لقد كتبت التوقيع العجيب لسعيد القديم الموجود في مقدمة "رسالة اللوامع" المطبوعة بإجراء بعض التغييرات لتناسبه مع وضعي في الوقت الحالي وتوافقه مع عمري البالغ السبعين عاما، فإذا رأيتم من المناسب كتابته بدلا من التوقيع في ختام الدفاع ورسالة الثمرة والرسائل الصغيرة فاكتبوه، فذلك التوقيع الغريب هو هذه الأسطر الثلاثة ونصف السطر:

 

الداعي

إنني قبر مُهَدَّمٌ تراكَمَ فيه تسعة وسبعون ميتًا من سعيد ذي الآثام والآلام.

وأصبح الثمانون شاهدَ القبر وكلها تبكي معًا لضياع الإسلام.

وأنا على يقينٍ أنّ سماء المستقبل وأرض آسيا يستسلمان ليد الإسلام البيضاء؛

إذ يمين يُمْن الإيمان تمنح الطمأنينة والسلام للأنام بالأمان