الشعاع الثاني
التنقل
4. صفحة
الشعاع الثاني
بـسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
الثمرة الأخيرة لسجن ولاية أسكي شهر، "الشعاع الثاني" من "اللمعة الحادية والثلاثين".
لقد أُلِّف هذا الشعاعُ بقلمي القاصر، في منتهى السّرعة، في وقت ضيق وعناء ومشقة، عندما أصبحت وحيدًا بعدما أُفرِج عن أصدقائي في سجن أسكي شهر قبل ستّ عشرة سنة، فأصابه شيءٌ من عدم التناسق والانتظام، إلا أنني بينما كنت أصححه في هذه الأيام؛ رأيته في منتهى القيمة والقوة والأهمية من حيث التوحيد والإيمان.
سعيد النورسي
تنبيه: إن هذه الرسالة مهمة جدًّا في نظري؛ إذ تظهر وتنكشف فيها الأسرار الإيمانية المهمة الدقيقة جدًّا، فمن يقرأها بفهمٍ ينقذ إيمانه إن شاء الله تعالى، ومع الأسف فبسبب عدم مقابلتي أحدًا في هذا المكان لم أستطع أن أستكتب نسخةً أخرى خاصةً بي، فإن أردت أن تعرف قيمة هذه الرسالة بسرعة، فاقرأ بتدبرٍ وإمعان "الثمرة الثانية" و"الثمرة الثالثة" الموجودتين في البداية، ثم "الخاتمة" التي هي في الأخير، و"المسألة" التي قبل الخاتمة، ثم طالع الرسالة كاملةً مطالعةً متأنية.
إن هذه الرسالة هي النكتة السابعة العظمى الخاصة بـ"الله أحد" من النكات الست لأسماء الله الستة العظمى.
5. صفحة
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
نكتةٌ حول ثلاث ثمرات من ثمرات التوحيد التي هي في منتهى الجمال وغاية الحلاوة وقمة اللطافة، وحول ثلاثةٍ من مقتضِيَاته وثلاثٍ من حججه، تلك الثمرات التي قد شعرت بها بواسطة نكتة عظيمة من نكات الآية ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ﴾(محمد:19)، وبإشاراتِ وإلهام قَسَمٍ نبوي مشهور.
إن أكثر الأَقْسَام التي كان الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام يستخدمها ويكررها دومًا عندما كان يُقسِم؛ هو قَسَم" وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمّدٍ بِيَدِهِ"، وهذا القَسَم يدل على أن أوسع دائرةٍ من دوائر شجرة الكون، وأقصاها وأبعدها وكذلك فروعها إنما تتحرك بقدرة الواحد الأحد وإرادته؛ ذلك أن محمدًا عليه الصلاة والسلام الذي هو أفضل وخير وصفوة نوع الإنسان الذي هو أفضل المخلوقات وصفوتها اختيارا وإرادة؛ إذا كان لا يملك نفسه، وليس حرًّا طليقًا في أفعاله، بل إذا كانت حركاته مرتبطةً بقدرة أخرى واختيار آخر؛ فلابد أن أي شيء وأي شأن وأية حال وأي وضع، جزئيًّا كان أو كلّيًّا، لا يمكن أن يكون خارج دائرة تصرف تلك القدرة المحيطة، وذلك الاختيار الشامل.
أجل؛ إن ما يبينه هذا القَسَمُ الحكيم المحمدي -على صاحبه الصلاة والسلام- الذي يحمل معاني كثيرةً هو توحيد الربوبية في غاية العظمة والإحاطة.
ولقد بُيِّنت في "رسائل النور" -التي هي سراج النور- مئات من البراهين الباهرة -بل ألفٌ منها- الدالة على إثبات هذا التوحيد؛ فنحيل تفصيل هذه الحقيقة العالية السامية وإثباتها إلى "رسائل النور".
وسيُبيَّن في "المقام الأول" من هذه الحقيقة الإيمانية المهمة جدًّا ضمن "ثلاثة مقامات" مختصرة في هذا "الشعاع الثاني" "ثلاثُ ثمرات كلّية" من الثمار غير المحدودة اللطيفة الحلوة القيمة المنورة جدًّا لتلك الحقيقة الإيمانية مع الإشارة إلى الأذواق والمشاعر التي ساقت قلبي إلى تلك الثمار.
6. صفحة
أما في"المقام الثاني"فستُبيَّن"ثلاثة مقتضِياتٍ كلّية وأسباب موجبة" لهذه الحقيقة القدسية، وهذه المقتضيات الثلاثة هي بقوة ثلاثة آلاف مقتضٍ.
وأما في"المقام الثالث"فستُبيَّن"ثلاث علامات" لتلك الحقيقة التوحيدية، وهذه العلامات الثلاث هي بقوة ثلاثة آلاف علامة وأمارة ودليل.
المقام الأول
الثمرة الأولى للتوحيد
يتجلى ويظهر في التوحيد والوحدانية الجمال الإلهي والكمال الرباني، ولولا الوحدة لاختفى ذلك الكنز الأزلي.
أجل؛ إن الجمال الإلهي وكمالاته غير المحدودين، والمحاسن الربانية وحسنها غير المتناهيين، والإحسانات الرحمانية وبهاءها غير المحدودين، والكمال الصمداني وجماله غير المتناهيين، إنما تشاهَد في مرآة الوحدة، وفي تجلي الأسماء الإلهية المتمركزة بواسطة الوحدة في ملامح الجزئيات التي هي في نهاية شجرة الخلق، فمثلا:
إذا نُظر بنظر التوحيد إلى فعلٍ جزئي، كإرسال اللبن الأبيض الخالص النقي لإمداد صغيرٍ لا إرادة له ولا قدرة من حيث لا يحتسب، أي: من بين فرثٍ ودم؛ فإن الجمال الأبدي السرمدي لرحمة الرحمن يَظهر فجأة بكمال العظمة والجلال في الإعاشة الكلّية العامّة لجميع الصغار إعاشةً خارقة لا مثيل لها بمنتهى الشفقة والرأفة، ويظهر في تسخير والداتهم لهم.
أما إن لم يُنظر إلى هذا الفعل بنظر التوحيد فإن ذلك الجمال يختفي، وهذه الإعاشة الجزئية تُسنَد إلى الأسباب والمصادفة والطبيعة، فتفقد قيمتها كلّيًّا، بل تفقد ماهيتها.
فمثلا: ما إن يُنظر إلى الشفاء من مرضٍ عُضال بنظر التوحيد؛ حتى يظهر جمال شفقة الرحيم المطلق ومحاسن رحيميته ظهورًا كلّيًّا وبشكلٍ ساطع باهر
7. صفحة
على وجه منح الشفاء لجميع المرضى الموجودين في المستشفى الكبير المسمى بالأرض، بالأدوية والعلاجات من الصيدلية الكبرى المسماة بالعالم.
وإن لم يُنظر إليه بنظر التوحيد؛ فإن منح الشفاء الذي هو فعلٌ جزئي ولكنه يتسم بالعلم والبصيرة والوعي والإدراك، سوف يُسنَد إلى خصائص الأدوية الجامدة، وإلى القوة العمياء والطبيعة التي لا تعي ولا تدرك شيئًا، فيفقد ماهيته وحكمته وقيمته بصورة كلّيّة.
ولمناسبة هذا المقام أبين نكتةً وردت إلى الخاطر حول الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كالآتي:
إن أهمية هذه الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم "اللّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمّدٍ وَعَلَى آلِ سَيّدِنَا مُحَمّدٍ بِعَدَدِ كُلّ دَاءٍ وَدَوَاءٍ وَبَارِكْ وَسَلِّمْ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ كَثِيرًا كَثِيرًا" التي هي صلاةٌ مشهورة عند الشافعية تقرأ كثيرًا في أعقاب أذكار الصلاة عندهم، تكمن في الآتي:
بما أن حكمة خلق الإنسان وسر جامعيته هي الالتجاء إلى خالقه في كلّ حين وآن، والتضرعُ إليه، وحمدُه وشكرُه له؛ فإن أقوى دافع فعّال يدفع الإنسان إلى أن يلوذ بجناب الله تعالى ويلتجئ إليه هو الأمراض، كذلك فالنعم الحلوة اللذيذة التي تسوق الإنسان إلى الشكر لله تعالى بكمال الشوق، وتجعله مُمْتَنًّا له بحقٍّ، وتدفعه إلى الحمد؛ هي الشفاء والصحة والعافية والدواء، فهذه الصلاة الشريفة أصبحت مشرَّفةً وذات معنى عميق.
وكلّما كررتُ "بِعَدَدِ كُلِّ دَاءٍ وَدَوَاءٍ" في بعض الأحايين كنت أحسّ بأن الكرة الأرضية مستشفى، وأشعر بالوجود الظاهر العلني للشافي الحقيقي سبحانه الذي يهب دواءً لجميع الأدواء والأمراض والاحتياجات المادية والمعنوية، برأفته الكلّية وبرحمته القدسية العامة المحيطة.
مثلا: إن الإنعام بالهداية للإيمان على إنسان يُحسّ بألم الضلال المعنوي الشديد، ما إن يُنظَر إليه بنظر التوحيد حتى يظهر الحسن الأزلي والجمال الأبدي
8. صفحة
السرمدي للكريم المحسن على وجه هذا الإنعام الأكبر وهو أن يكون هذا الإنسان الجزئي العاجز الفاني عبدًا مخاطبًا لمعبوده الذي هو خالق جميع الكون وسلطانه، وامتنان الله عليه بسعادة أبدية وبملك باقٍ رائع واسع عظيم جدًّا وبعالم باق بواسطة هذا الإيمان، وامتنانه تعالى على جميع المؤمنين بذلك الفضل وتلك النعمة حسب درجاتهم، حتى إنه يجعل أهل الإيمان بلمعة من لمعات حسنه وجماله أولياء له، ويجعل الخواص منهم عاشقين له.
وإن لم يُنظر إليه بنظر التوحيد فإن المرء يُسنِد هذا الإيمان إلى نفسه أو إلى بعض الأسباب مثل المعتزلة المتحكمين والمعجبين بعقولهم، فتسقط عندئذ قيمة ذلك الألماس الرباني الذي لا يثمَّن إلا بالجنة إلى قيمة قطع الزجاج؛ فيفقد لمعةَ الجمال القدسي التي كان يعكسها.
وقياسًا على هذه الأمثلة الثلاثة؛ فإن آلافًا من أنواع الجمال الإلهي والكمال الرباني ومئات الآلاف من ضروبها، تُشاهَد من ناحية التوحيد في الأحوال الجزئية للجزئيات التي هي في أقصى دائرة الكثرة، وتُفهم وتُعرَف، ويَثبُت تَحقُّقُها، وذلك من حيث تمركز أنواع الجمال والكمال في تلك الأحوال.
ولما كان الكمال والجمال الإلهيان يُشاهَدان قلبًا ويُشعَر بهما روحًا في التوحيد؛ فإن جميع الأولياء والأصفياء يجدون أحلى أذواقهم، وأطيب أرزاقهم المعنوية في ذكر كلمة التوحيد "لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ"، وترديدها.
ثم إن عظمة الكبرياء والجلالَ السبحاني والسلطنةَ المطلقة للربوبية الصمدانية تتحقق في كلمة التوحيد؛ ولذلك فقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام "أَفْضَلُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلٰهَ إلَّا الله" ([1]).
أجل؛ إن إكرامًا ونعمةً ورزقًا صغيرًا كثمرةٍ أو زهرة أو ضياء كلّ منها مرآةٌ صغيرة، ولكنها بسرّ التوحيد تتكاتف فجأة ومباشرة مع جميع أمثالها وتتصل بها، فينقلب كلّ نوعٍ من تلك الأنواع إلى مرآةٍ كبيرة، ويعكس نوعًا من الجمال الإلهي
[1])) رواه الإمام مالك برقم 500 و945، والترمذي برقم 3585، والبيهقي في السنن الكبرى برقم 8174 و9256.
9. صفحة
الذي يتجلى عليه بتجلياتٍ خاصة به، وتُري -تلك الأنواعُ- نوعًا باقيًا من أنواع الحسن السرمدي بحسن فانٍ مؤقت، وتكون مرآةً للجمال الإلهي بسرّ قول مولانا جلال الدين الرومي:
آنْ خَيَالاَتِي كِه دَامِ أَوْلِيَاسْتْ عَكْسِ مَهْرُويَانِ بُوسْتَانِ خُدَاسْتْ([1])
وإلا فلو لم يكن سر التوحيد لبقيت تلك الثمرة الجزئية وحدها، ولما أظهرت ذلك الجمال القدسي ولا ذلك الكمال الرفيع السامي، بل تنطفئ ما فيها من لمعة جزئية، وتختفي، وتتحول من ألماس إلى زجاج، وكأنها بذلك تنقلب رأسًا على عقب.
وبسرّ التوحيد تَظهر على الكائنات الحية التي هي ثمار شجرة الخلق؛ الذاتية الإلهية، والأحدية الربانية، أي: تَظهر ملامحُ رحمانية معنوية، وتمركزُ الأسماء الحسنى من حيث صفات الله السبع، ويظهر تجلي التعين والتشخص لمن هو المخاطب بـ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وإلا انبسط تجلي تلك الشخصية وتلك الأحدية وتلك الملامح وذلك التعين، وتوسَّعَ بسعة الكون، وتشتَّتَ واختفى، ولا يَظهر إلا للعيون القلبية الكبيرة المحيطة؛ لأن عظمة الكبرياء تكون حجابًا فلا يرى ذلك التجلي قلبُ كلّ أحد.
وكذا يتبين في تلك الكائنات الحية الجزئية بوضوحٍ تامّ أن صانعها يراها ويعلمها ويَسمعها، ويتصرف فيها كيف يشاء، وكأنه يَظهر لأهل الإيمان وراء صنع تلك الكائنات الحية تَشخّصٌ وتَعيّن معنوي لمن هو مقتدرٌ مختارٌ سميعٌ عليمٌ بصيرٌ، لاسيما من وراء خلق الإنسان -من بين الأحياء- يشاهَد هذا التشخص المعنوي وذلك التعين القدسي بسر التوحيد والإيمان واضحًا جليًّا، لأن نماذج العلم والقدرة والحياة والسمع والبصر وغيرها من المعاني التي هي أسس هذا التشخّص للأحدية كلّها تُوجَد في الإنسان. وفي الوقت ذاته يشير الإنسان بتلك النماذج إلى تلك المعاني، ومثلا أن الذي يهب العين يراها، ويرى في الوقت ذاته ما تراه العين الذي هو معنى دقيق، نعم؛ إن صانع النظارات الذي يصنع نظّارةً لعينك يرى تناسب النظارة مع العين، ثم يصنعها.
[1])) أي: إن الخيالات التي أصبحت للأولياء شِبَاكًا ومصيدة، ما هي إلا لأزهار حديقة الله عاكسة.
10. صفحة
والذي يهب الأذن لابد أنه يسمع ما تسمعه تلك الأذن، ثم يخلقها ويهبها، وقس على هذا سائر الصفات.
إن نقوش الأسماء الحسنى وتجلياتها توجد في الإنسان، والإنسان يشهد بها على تلك المعاني القدسية.
ويقوم الإنسان بوظيفة المرآة بصورةٍ أخرى من خلال ضعفه وعجزه وفقره وجهله، ويشهد على قدرة من يرحم ضعفَه وفقرَه، ويمده ويغيثه، ويشهد على علمه وإرادته وعلى غيرها من الصفات.
ويتمركز ألف اسم واسم من الأسماء الحسنى بسر الوحدة في المكتوبات الصغيرة التي تسمى بذوات الحياة، في أقصى دائرة الكثرة، وفي أكثر جزئياتها تشتتًا وتبعثرًا، وتُقرَأُ بوضوح؛ ولذلك فإن الصانع الحكيم يُكثِر من نُسَخ الأحياء، لاسيما نسخ طوائف صغار الأحياء، وينشرها في كلّ مكان.
إن الذي أوصلني إلى حقيقة هذه "الثمرة الأولى" وساقني إليها، هو شعوري الذوقي، وذلك:
إن أحوال الأحياء، لاسيما ذوات الشعور والإدراك منها، وبخاصة أحوال الناس، لاسيما المظلومين منهم ومَن نَزَلَتْ بهم المصائب كانت تثير رقتي وعطفي وشفقتي وقلبي في الماضي لما كنت أحمل من رقة قلبية زائدة وشفقة ورحمة شديدة، وكنت أصرخ من أعماق قلبي وروحي قائلا:
إن هذه القوانين المطردة الدائمة المهيمنة في هذا العالم لا تسمع شكاوى هؤلاء المساكين العاجزين الضعفاء وهمومهم، ولا تسمع العناصر والحوادث الصمّاء المستولية كذلك، أليس هناك من يرحم حال هؤلاء المساكين الذين يرثى لهم، ويتدخل في شئونهم الخاصّة؟!
وكان قلبي يصرخ بكلّ قوته قائلا:
أليس لهؤلاء المماليك الطيبين اللطيفين، وهذه الأموال القيمة الثمينة، ولهؤلاء الأحباب المشتاقين الشاكرين من مالكٍ وصاحبٍ وصديقٍ حقيقي يتولى أمورهم، ويعتني بهم، ويحميهم؟!
11. صفحة
والجواب الكافي الوافي الذي سكّن وهدّأ صرخاتِ روحي واستغاثات قلبي وأقنعهما وطمأنهما هو:
أني علمت بسر القرآن ونور الإيمان أن الله ذا الجلال الرحمن الرحيم له بسر التوحيد إحساناتٌ خاصة بما هو فوق القوانين لمماليكه المحبوبين الذين يبكون ويئنون ويتألمون تحت مضايقات القوانين العمومية وهجوم الحوادث، وله إمداداتٌ وإغاثات خاصة، وربوبية خصوصية تتوجه مباشرة تجاه كلّ شيء، وأنه هو الذي يدبر كلّ شيء بالذات، ويسمع هموم كلّ شيء بالذات وشكاواه، وأنه هو المالك والصاحب والحامي الحقيقي لكلّ شيء؛ فشعرتُ عند ذلك بسرور لا نهاية له بدلا من اليأس غير المحدود، واكتسب كلّ كائن حي آلاف الدرجات من القيمة والأهمية في نظري من حيث انتسابه إلى ذلكم المالك ذي الجلال وكونه مملوكًا له؛ ذلك لأن كلّ واحد يفتخر ويتباهى بشرف سيده، وبشهرة من ينتسب إليه وبمقامه، ويكتسب عزةً بذلك؛ فلاشك أن نملةً واحدة تهزم أحد الفراعنة بقوة هذا الانتساب من حيث ظهور هذا الانتساب والمملوكية بنور الإيمان، كما أنها تستطيع أن تفتخر بشرف ذلك الانتساب الذي يفوق ألف مرة افتخار فرعون الغافل الذي ظن أنه مالك لنفسه، وأن حبله ملقى على غاربه، وافتخر بأجداده وبملك مصر، وانطفأ افتخاره عند باب القبر.
والبعوضة تستطيع أن تُرِي شرف انتسابها إلى المالك ذي الجلال تجاه افتخار النمرود الذي انقلب إلى عذاب وخجل عند سكرات الموت، وتستطيع أن تجعل فخر النمرود وكأنه لاشيء.
والآية الكريمة ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾(لقمان:13) تبين مدى الظلم الكبير غير المحدود في الشرك.
نعم؛ إن الشرك جريمةٌ كبيرة؛ إذ إنه تعدٍّ على حقوق كلّ مخلوقٍ وشرفه وكرامته، ولا يطهرها إلا جهنم.
12. صفحة
الثمرة الثانية للتوحيد
وكما أن "الثمرة الأولى" تتوجه إلى الخالق الأقدس للكون، فإن هذه "الثمرة الثانية" تتوجه إلى ذات الكون وماهيته.
أجل؛ إنه بسر الوحدة تتحقق كمالات الكون، وتُفهَم الوظائف السامية للموجودات، وتتقرر نتيجة خلق المخلوقات، وتعرف قيمة المصنوعات، وتتحقق المقاصدُ الإلهية في هذا العالم، وتتجلى حكمةُ خلق ذوي الحياة وذوي الشعور والإدراك، ويظهر سرُّ إيجادهم، ويُرَى الوجهُ الجميلُ المبتسمُ للرحمة والحكمة وراء الوجه العبوس المكفهر الغاضب للعواصف القاهرة المهلكة ضمن هذه التحولات والتقلبات المثيرة للرعب، ويُعلَم أن الموجودات التي تغيب في الفناء والزوال ترحلُ عن الوجود بعدما تترك في عالم الشهادة وجودات كثيرة بدلا من نفسها؛ كنتائجها وهوياتِها وماهياتِها وأرواحها وتسبيحاتِها.
وبسر التوحيد وحده يُعرَف ويُعلم أن الكون من أقصاه إلى أقصاه كتابٌ صمداني حكيمٌ يتضمن معاني غزيرة، وأن الموجودات من الفرش إلى العرش كلها مجموعةُ مكتوباتٍ سبحانية في منتهى الإعجاز، وأن جميع طوائف المخلوقات جيوشٌ ربانية في منتهى الانتظام والعظمة، وأن قبائل المصنوعات بدءًا من الجراثيم والنمل ووصولا إلى وحيد القرن والصقور والكواكب، كلُّها موظفاتٌ للسلطان الأزلي تُحبّ وظائفها، وأن اكتسابَ كلّ شيء قيمةً أرفعَ من قيمته الذاتية بآلاف الأضعاف من حيث كونه مرآة للسلطان الأزلي سبحانه منتسبًا إليه، وانكشافَ مُعمَّى الأسئلة المُطَلْسَمَة التي لم تُحلّ وهي: من أين يأتي سيل الموجودات وقوافل المخلوقات؟ وإلى أين سيذهب؟ ولماذا أتى؟ وماذا يعمل؟
نعم؛ إن كلّ هذه الأمور إنما تُعرف وتُعلَم بسر التوحيد وحده، وإلا فبدون سر التوحيد لكانت الكمالات السامية المذكورة للكون قد انطفأت، وانقلبت حقائقه العالية القدسية إلى أضدادها.
ولما كانت جريمة الشرك والكفر تجاوزًا لجميع كمالات الكون، ولحقوقه السامية وحقائقه القدسية؛ فإن الكون يغضب على أهل الشرك والكفر، وتَحْتَدّ
13. صفحة
السماوات والأرض عليهم، وتتفق العناصر على إهلاكهم، فتُغرِق أهل الشرك كقوم نوح عليه السلام، وعاد وثمود وفرعون، وجهنم هي الأخرى تحتدّ على أهل الشرك والكفر بشدة بسر الآية الكريمة ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾(الملك:8)؛ بحيث تكاد تتقطع غيظًا منهم.
أجل؛ إن الشرك تحقيرٌ عظيم للكون والكائنات، وتعدٍّ كبيرٌ عليها، وإهانةٌ لشرفها لإنكاره وظائفها القدسية وحِكَم الخلق، وسنشير إلى مثالٍ واحد من بين آلاف الأمثلة على ذلك:
إن الكون بسر الوحدة يصبح كمَلَكٍ جسماني جسيم؛ له مئات الآلاف من الرءوس بعدد أنواع الموجودات، وفي كلّ رأسٍ مئات الآلاف من الأفواه بعدد أفراد كلّ نوع من الأنواع، وفي كلّ فمٍ مئات الآلاف من الألسنة بعدد جهازات كلّ فرد وأجزائه وأعضائه وخلاياه، أي: إن هذا الكون بسر التوحيد يصبح كأنه مخلوقٌ عجيب له مقام عالٍ سامٍ في العبودية يسبح بتلك الألسنة صانعه مقدِّسًا إياه كإسرافيل عليه السلام.
فالكون بسرّ التوحيد مزرعةٌ تنبت محاصيل كثيرة جدًّا لعوالم الآخرة ومنازلها، ومصنعٌ يُنتِج بِوارداته الكثيرة لطبقات دار السعادة أشياءَ ضروريةً كالأعمال البشرية، وصورةٌ سينمائيةٌ متضمنة لمئات الآلاف من الوجوه، تشتغل دومًا لعرض المناظر السرمدية الملتقطة من الدنيا لأهل المشاهدة في عالم البقاء لاسيما الجِنان العلا.
أما الشرك فيحوّل الكون -هذا الملك الجسماني الحي العجيب جدًّا والمطيع طاعةً كاملة- إلى صورة مجموعة واهية مسكينة بائسة جامدة ميتة فانية عاطلة وهالكة لا معنى لها، تتدحرج في ظلمات العدم تحت ضربات الحوادث وتقلباتها، وبين عواصف الانقلابات، ويجعل هذا المصنع النافع الغريب المتقن البديع جدًّا لعبةً عاطلةً معطلةً مشتتةً لا تثمر ولا تنتج شيئًا، تلعب بها المصادفات الجامدة التي لا تشعر ولا تعي، وملعبًا للطبيعة الصماء والقوة العمياء، ودار مأتمٍ لجميع ذوي الشعور والإدراك، ومذبحةً لجميع الأحياء ومحلَّ حزن لهم.
14. صفحة
وهكذا فالشرك مع أنه سيئةٌ واحدةٌ؛ فإنه يتسبب في جرائم كثيرة وعظيمة بسرّ ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾(لقمان:13)؛ لذا فإنه يجعل أهله يستحقون عذابًا أبديًّا غير محدود في جهنم.
وعلى كلّ حال، ولأنه قد ذُكِرت إيضاحاتُ هذه "الثمرة الثانية" وحججُها في "سراج النور([1])" كثيرًا؛ فإننا نختصر هنا هذا الدرس الطويل.
إن الذي ساقني إلى "الثمرة الثانية" هذه وأوصلني إليها هو شعورٌ عجيب، وذوقٌ غريب، وذلك كما يلي:
عندما كنت أتأمل ذات يومٍ في فصل الربيع؛ كان يتراءى لي ظهور الموجودات الآتية والراحلة في مدةٍ قصيرة، لاسيما ذوو الحياة من المخلوقات، وبخاصةٍ الكائنات الحية الصغيرة، وكذلك اختفاؤها بعد ذلك فورًا قافلةً إثر قافلة في خِضَمّ سيرها وسيلانها اللذين يُظهِران مئات الآلاف من نماذج الحشر والنشر الأعظمين على وجه الأرض، وكانت تبدو لي لوحات الموت والزوال في فعاليةٍ مدهشة دائمة؛ محزنةً جدًّا، وتثير رقتي وعطفي بشدةٍ، وتُبكيني، وكان قلبي يتوجع ويتألم كلما رأيت وفاة تلك الحيوانات الصغيرة اللطيفة الجميلة، وكنت أتحسر وأتأسف عليها، وأشعر بصرخات روحية من الأعماق بدافع هذه الحسرات، وكنت أرى الحياة التي صارت إلى هذه الحالة عذابًا أشدّ من الموت.
ثم إن هذه الأحياء الجميلة اللطيفة المحبوبة القيمة البديعة المتقنة الصنع في عالم النباتات والحيوانات تفتح أعينها، وتنظر لدقيقةٍ واحدة إلى مشهد هذا الكون وسرعان ما تهلك وتأفل.
وكنت أتألم بشدة وأشكو باكيا كلما شاهدت هذه الحالة، وكان قلبي يسأل القدر أسئلةً خطيرة فزعة قائلا: لِمَ تأتي هذه الكائنات الحية اللطيفة المحبوبة، ولا تبقى، بل ترحل؟ وكانت جميع لطائفي ومشاعري المفتونة بالكمالات والمحاسن، العاشقة للأشياء القيمة البديعة؛ تصرخ وتستغيث كلما رأيت هذه المصنوعات الصغيرة الرقيقة التي تُعدَم سريعًا بلا فائدة ولا غاية ولا نتيجة وهي
[1])) أي في رسائل النور.
15. صفحة
تتمزق أمام أعيننا وكأنها قطعة قماش لا قيمة لها، وتُلقَى في ظلمات العدم، بعدما تُخلَق خلقًا بديعًا بهذا القدر من الاهتمام والعناية والصنعة والأجهزة، والتربية والتدبير، وكانت لطائفي ومشاعري تقول: لِم لا تُرحَم هذه المخلوقات؟ وا أسفاه وا حسرتاه! من أين جاء هذا الفناء والزوال في هذا الدوران المحيّر حتى يسلَّط على هذه المخلوقات المسكينة البائسة؟!
وهكذا عندما بدأتْ تلوح الاعتراضات الشديدة تجاه القدر بسبب الحالات الأليمة في الوجه الظاهري للمقدرات الحياتية، إذا بنور القرآن وسر الإيمان ولطف الرحمن والتوحيد يغيثني، وينور تلك الظلمات، ويحوّل حسراتي وأسفي إلى ارتياح، وبكائي إلى سرورٍ وفرح، ويسوقني إلى النطق بـ"ماشاء الله، بارك الله"، ويجعلني أقول: "الحمد لله على نور الإيمان".
ورأيت بسر الوحدة أن كلّ مخلوق لاسيما كلّ كائن حي، له بسر التوحيد نتائجُ عظيمة جدًّا، وفوائد عامة، فمثلا إن كلّ كائنٍ حي، وهذه الزهرة المزينة، أو هذه الذبابة صانعة الحلوى([1]) قصيدةٌ إلهية منظومة ذات معانٍ غزيرة، يقرؤها بتفكّرٍ من لا حد لهم من ذوي الشعور بكمال المتعة، وهي معجزة قدرةٍ قيمةٌ، ولوحة إعلانٍ حكيمةٌ، تَعرِض صنعة صانعها بطريقةٍ جذابة لأهل التقدير غير المعدودين.
ثم إن ظهور المخلوقات أمام نظر شهود الفاطر ذي الجلال الذي يريد أن يرى صنعته بنفسه، ويشاهدَ جمال فطرته بنفسه، ومحاسن تجليات أسمائه في المرايا المصغَّرة بنفسه، وتشرّفَ هذه المخلوقات بمشاهدته لها؛ كل ذلك نتيجة عظيمةٌ ساميةٌ جدًّا لخلقها.
وإن خدمة هذه المخلوقات المتمثلة في خمسة وجوهٍ لظهور الربوبية وبروز الكمالات الإلهية التي تقتضي فعاليةً غير محدودة في الكون؛ وظيفةٌ سامية بفطرتها كما بُيِّن في"المكتوب الرابع والعشرين".
وفضلا عن أن كلّ كائنٍ حي يثمر هذه الفوائد وينتج هذه النتائج؛ فإنه يترك في عالم الشهادة روحَه فيما لاحدَّ له من الذاكرات إن كان من ذوي الأرواح،
[1])) يقصد النحل.
16. صفحة
ويدع صورتَه وهويته في الألواح المحفوظة الأخرى، وقوانينَ ماهيته ونوعًا من مستقبل حياته في بذيراته وبويضاته، ويترك الكمالات والمحاسن التي يعكسها هذا الكائن كالمرآة في عالم الغيب ودوائر الأسماء الحسنى، ويدخل بسرورٍ تحت ستار الزوال بالموت الظاهري الذي يعني التسريح من الوظيفة، ولا يختفي إلا عن الأنظار الدنيوية، ولقد رأيت كلّ كائن حي على هذه الصورة، فقلت بارتياح: "الحمد لله".
أجل؛ إن أنواع الجمال والحسن المشاهَديْن بالعين في جميع طبقات الكون وفي كلّ أنواعه، الراسخَيْن الثابتيْن القوييْن المشرقيْن الساطعيْن اللذين لا نقص فيهما ولا قصور، واللذين أرسلا جذورهما في كلّ مكان؛ لابد أنهما يدلان على أن الحال القبيحة الخشنة الكريهة السيئة البائسة جدًّا التي يقتضيها الشرك محالة وموهومة؛ لأنه لا يمكن أن يختفي هذا القبح الشديد تحت سِتار جَمالٍ راسخ ثابت، ولا يمكن أن يوجد تحته أبدًا، وإذا وُجد هذا القبح فإن هذا الجمال الحقيقي يصبح واهيًا وهميًّا لا حقيقة له ولا أصل؛ إذن فالشرك لا حقيقة له، وطريقه مسدودٌ، وينتهي إلى مستنقع، ومحالٌ وممتنع حُكمه.
هذه الحقيقة الإيمانية المذكورة التي هي حقيقة عاطفية، بُيِّنت بالتفصيل والبراهين القاطعة في رسائل متعددة من سراج النور([1])؛ لذا اكتفينا هنا بهذه الإشارة القصيرة.
الثمرة الثالثة للتوحيد
تتوجه هذه الثمرة إلى ذوي الشعور والإدراك، لاسيما الإنسان.
أجل؛ إنه بسرّ الوحدة يمكن أن يكون الإنسان من بين جميع المخلوقات صاحب كمالٍ عظيم، وأكرم وأعزّ ثمرات الكون، وأكمل المخلوقات وألطفها وأرقها، وأسعد الأحياء وأهنأها، ومخاطبًا لخالق العالم وخليلا له، حتى إن جميع الكمالات الإنسانية وجميع مقاصد البشر السامية مرتبطةٌ بالتوحيد، وتحصل بسرّ الوحدة.
[1])) أي رسائل النور.
17. صفحة
ولولا الوحدة لكان الإنسان أشقى المخلوقات، وأدنى الموجودات، وأعجز الحيوانات، وأحزن ذوي الشعور، وأكثرهم عذابًا وهمًّا وغمًّا؛ لأن الإنسان له عجزٌ لا نهاية له، وأعداء لا حد لهم، وفقر غير محدود واحتياج لا نهاية له، وعلى الرغم من ذلك فإن ماهيته زُوّدت بآلاتٍ ومشاعر وأحاسيس كثيرةٍ متنوعة، يَشعُر من خلالها بمئاتِ الآلاف من أنواع الآلام، ويرغب ويتذوق بمئاتِ الآلاف من أنواع اللّذّات، وله من المقاصد والرغبات ما لا يستطيع أن يحققها إلا من ينفذ حكمه في الكون كله.
فمثلا: الإنسان فيه رغبةٌ شديدة جدًّا للبقاء، ولا يمكن أن يحقق غاية الإنسان هذه إلا من يتصرف في الكون كله وكأنه قصر، ويقدر أن يغلق باب الدنيا ويفتح باب الآخرة بسهولةٍ وكأنه يغلق باب غرفةٍ ويفتح باب منزل آخر.
وللبشر آلافٌ من الرغبات الإيجابية والسلبية الممتدة إلى الأبد والمنتشرة في أقطار العالم، مثل رغبة البقاء هذه، ولا يمكن أن يحققها -فيداوي جُرحَيْ الإنسان العميقين وهما عجزه وفقره- إلا الواحد الأحد الذي يمسك الكون كله في قبضته بسر الوحدة.
وكذا فللإنسان من المطالب الدقيقة الخفية الجزئية التي تخصّ سلامة قلبه وراحته، وله من المقاصد العظيمة المحيطة الكلية التي هي وسيلة لبقاء روحه وسعادتها، بحيث لا يمكن أن يحققها له إلا من يرى أرقّ حجب القلب وأخفاها، ولا يبقى غير مكترث بها، ويسمع أخفى الأصوات التي لا تُسمَع، ولا يَتركها دون استجابة، ويُسخِّر السماوات والأرض لأمره كجنديين مطيعين، ويقدر على تسخيرهما في أمورٍ كلية.
ثم إنه بسر الوحدة تكتسب جهازات الإنسان ومشاعره قيمةً عالية سامية جدًّا، وبالشرك والكفر تسقط إلى أدنى الدركات.
فمثلا: إن أعظم وأهم جهازٍ للإنسان هو العقل، إن استعمله الإنسان بسر التوحيد فإنه يكون مفتاحًا ثمينًا كالألماس يفتح الكنوز الإلهية القدسية، وآلافًا من خزائن الكون، ولكنه إذا وقع في الشرك والكفر فإنه يكون عندئذ
18. صفحة
آلةَ شؤم مزعجةً؛ تجمع أحزان الماضي الأليمة ومخاوف المستقبل الوحشية على رأس الإنسان.
ومثلا: إن الشفقة التي هي ألطف سجايا الإنسان وأحلاها، إن لم يُسعفها سر التوحيد تتحول إلى حرقة شديدة، وفراق مؤلم، ورِقّة موجعة، ومصيبة أليمة؛ تُسقِط الإنسان إلى أدنى دركات الشقاء، فالأم الغافلة التي فقدت طفلها الوحيد الجميل إلى الأبد تَشعُر بهذه الحرقة شعورًا تامًّا.
ومثلا: إن المحبة التي هي ألذّ مشاعر الإنسان وأحلاها وأهمها إن أسعفها سر التوحيد فإنها تجعل هذا الإنسان الصغير كبيرًا كبر الكون، وتمنحه سعةً وانبساطا، وتجعله سلطانًا رقيقًا على المخلوقات، ولكنها إذا وقعت في الشرك والكفر -والعياذ بالله- تصير مصيبةً كبيرة، تمزق قلب الإنسان المسكين وتقطّعه إربًا إربًا كلّ حينٍ، من جراء فراق أبدي لأحبته غير المحدودين الذين يهلكون دومًا بالزوال والفناء، ولكن المُلهيات التي تؤدي إلى الغفلة تبطل إحساسه مؤقتًا، وتجعله لا يحس بشيء ظاهرًا.
وإذا قست مئات الجهازات والمشاعر البشرية على هذه الأمثلة الثلاثة؛ فإنك تدرك مدى كون الوحدة والتوحيد وسيلةً للكمالات الإنسانية، وقد بُيِّنت هذه "الثمرة الثالثة" أيضًا ربما في عشرين رسالة من سراج النور، بتفصيلٍ دقيق مع ذكر الحجج؛ لذا نكتفي هنا بهذه الإشارة القصيرة.
إن الذي ساقني إلى هذه الثمرة وأوصلني إليها هو الشعور التالي:
كنت ذات يوم على قمة جبل عالٍ، فتراءى لي -بسبب انتباهٍ روحيٍّ بدَّد الغفلةَ- القبرُ بكل ما فيه، والموتُ بكل حقيقته وواقعيته، والزوالُ والفناء بكل لوحاتهما المـُبكِية، فإذا بعشق البقاء الفطري الذي في جبلّتي ككل الناس، يتمرد ويثور على الزوال، وتفور الرقة ببني الجنس والشفقة على بني النوع التي في ماهيتي على القبر وعلى انطفاء وفناء أهل الكمال والمشاهير والأنبياء والأولياء والأصفياء الذين أتعلق بهم تعلقًا قويًّا بمحبة وتقدير، فنظرتُ حينها إلى الجهات
19. صفحة
الست طالبًا المدد والعون منها، فلم أستطع أن أجد أي سلوان أو أي مدد أو عون من أية جهة؛ لأني رأيت جهة الماضي مقبرةً كبرى، والمستقبل مظلمًا حالكًا، والجهة التي فوقي مخيفة مرعبة، ورأيت في الجهة السفلى وعن يميني ويساري مهاجَمات الحالات الأليمة الحزينة، والأشياء المضرة غير المحدودة، فإذا بسر التوحيد يغيثني ويزيح الستار، ويظهر وجه حقيقة الحال ويقول: انظر! فنظرت أولا إلى وجه الموت الذي يخيفني ويرعبني، فرأيت أنه تسريحٌ لأهل الإيمان من الوظيفة، وأن الأجل تذكرة تسريح، وتبديل مكان، ومقدمةٌ لحياة باقية وباب لها، وخروجٌ من سجن الدنيا وطيران إلى روضات الجنان، وانتظار دورٍ للمثول بين يدي الرحمن لأخذ أجرة الخدمات، ودعوة إلى دار السعادة، وعندما أدركت هذا يقينًا بدأت أحبّ الموت والأجل.
ثم نظرت إلى الزوال والفناء، فرأيت وأدركت يقينًا أنه تَجدُّدٌ للأمثال يورث اللذة والمتعة، كتجدد شاشات السينما وفقاقيع النهر الجاري في الشمس، وسيرٌ ودورانٌ لأداء الوظيفة في عالم الشهادة بعد القدوم من عالم الغيب من أجل تجديد التجليات الحسنى للأسماء الحسنى، وظهورٌ لجمال الربوبية بصورة حكيمة، وكون الموجودات مرآة عاكسة للحسن السرمدي.
ثم نظرت إلى الجهات الست، فرأيت أنها نورانية بسر التوحيد تكاد تخطف الأبصار، ورأيت أن الزمن الماضي ليس مقبرةً كبرى، بل هو عبارة عن آلاف من مجامع الأحباب والمجالس المنورة والمنازل النورانية التي انقلبت إلى المستقبل.
وهكذا؛ فقد نظرت إلى الوجه الحقيقي لآلاف الحالات من أمثال هاتين الحالتين، فلم أجد غير السرور والشكر.
وقد بَيَّنْتُ ذوقي وشعوري الخاصين بهذه "الثمرة الثالثة" بأدلة كلية وجزئية فيما يقرب من أربعين رسالة من سراج النور، وبخاصة في الرجاءات الثلاثة عشر من "رسالة الشيوخ" التي هي "اللمعة السادسة والعشرون" حيث وُضِّحت توضيحًا قاطعًا رائعًا ليس فوقه إيضاح؛ لذا اختصرت هذا الدرس الطويل في هذا المقام.
20. صفحة
المقام الثاني
إن الدلائل التي تقتضي التوحيد والوحدانية والوحدة بصورةٍ قاطعة، وتستلزمها وتستوجبها، ولا تقبل الشرك والاشتراك، ولا تسمح بهما؛ لا تعد ولا تحصى، وقد أُثبِت منها مئات الحجج بل آلاف في "رسائل النور" بالتفصيل؛ لذا نشير هنا بإجمالٍ إلى "ثلاثة" من تلك المقتضيات.
المقتضِي الأول للتوحيد
إن هذه المصنوعات تُخلَق وتُوجَد بصفات وأسماء مطلقة لحاكمٍ حكيم وكبيرٍ كامل، وبعلمه وقدرته المطلقين غير المتناهيين، بشهادة ما يُرى بالعين في هذا الكون من أفعالٍ حكيمة وتصرفات بصيرة.
أجل؛ يُفهَم من هذه الآثار ويُعلَم ويرى يقينًا بالحدس القطعي، بل يشاهد، أن ذلكم الصانع له حاكميةٌ وآمرية بدرجة الربوبية العامّة، وكبرياءٌ وعظمة بدرجة الجبروتية المطلقة، وكمالٌ واستغناء بدرجة الألوهية المطلقة، وفعاليةٌ وسلطنة غير محدودة لا تُقيَّد بقيودٍ ولا تُحدّ بحدود.
فالحاكمية والكبرياء، والكمال والاستغناء، والإطلاق والإحاطة، وعدم التناهي وعدم الحدّ، تستلزم الوحدة، وتنافي الشرك.
أما شهادة الحاكمية والآمرية على الوحدة؛ فقد أُثبتت في مواضع كثيرة من رسائل النور إثباتًا قاطعًا، وخلاصة خلاصتها هي:
إن شأن الحاكمية ومقتضيها الاستقلالُ والانفراد، ورد تدخل الغير، حتى إن ظلا من ظلال هذه الحاكمية موجودٌ عند البشر المحتاجين بفطرتهم إلى المعاونة لعجزهم، ومن أجل رد تدخل الغير والحفاظ على الاستقلال لا يمكن أن يوجد مَلِكان في مملكةٍ، ولا واليان على ولاية، ولا مديران في ناحية، بل لا يوجد عمدتان في قرية واحدة، فإن وُجِد عَمَّ الهرج والمرج، وبدأ الاختلال، وفسد الانتظام.
وبما أن ظلا من ظلال الحاكمية عند البشر العاجزين المحتاجين إلى المعاونة يرد تدخل الغير والاشتراك ولا يقبلهما إلى هذا الحد؛ فلاشك أن الحاكميةالتي
21. صفحة
القدير المطلق المنزه عن العجز لا تقبل أبدًا أي اشتراك وأي تدخل، بل تردهما بشدةٍ، وتطرد عنها الذين يتوهمون الشرك ويعتقدون به بغضبٍ وشدة، فبيانات القرآن الحكيم المتسمة بالشدة والغضب لأهل الشرك ناشئةٌ عن هذه الحقيقة المذكورة.
أما شهادة الكبرياء والعظمة والجلال على الوحدة؛ فهي كذلك قد أُثبِتت في رسائل النور ببراهين ساطعة، سنشير هنا إلى فحواها المختصر بما يأتي:
مثلا: كما أن عظمة نور الشمس وكبرياء ضيائها لا يدعان حاجة إلى الأنوار الأخرى الضعيفة الخافتة القريبة منها بلا ستار، ولا يدعان لها أي تأثير؛ كذلك فإن عظمة القدرة الإلهية وكبرياءها لا يدعان حاجة إلى أية قوة وأية قدرة أخرى، ولا يمنحانها أي إيجاد وأي تأثير حقيقي، وبالأحرى فلا يمكن معها أن يفوّض إلى غيره أمرَ ذوي الحياة وذوي الشعور والإدراك الذين هم محل تمركز جميع المقاصد الربانية ومحورها في جميع الكون.
ولا يمكن بأي وجه من الوجوه تفويضُ الأحوال والثمرات والنتائج الكامنة في جزئيات ذوي الحياة الذين هم مظاهر الغايات في خلق الإنسان وإيجاد أنواع النعم غير المحدودةِ ومنشئها؛ إلى أيدٍ أخرى.
مثلا: إن تقديم كائنٍ حي الامتنانَ الحقيقي لغير الله تعالى من أجل شفاءٍ جزئي، أو من أجل رزقٍ، أو هدايةٍ، ومدحه غيره تعالى والثناء عليه لدرجة العبودية؛ يتنافى مع عظمة الربوبية وكبرياء الألوهية وعزة المعبودية المطلقة وجلالها.
وأما شهادة الكمال على سر الوحدة؛ فقد بُيِّنت هي الأخرى في رسائل النور ببراهين ساطعةٍ، وفيما يلي بيانٌ موجز لها:
إن خلق السماوات والأرض يقتضي بالبداهة قدرةً مطلقة في منتهى الكمال، بل إن الجهازات العجيبة لكل كائنٍ حي تقتضي هي الأخرى قدرةً في كمالٍ مطلق، والكمال الذي في قدرةٍ مطلقة منزهةٍ عن العجز ومبرأةٍ من القيد يستلزم الوحدة حتمًا، وإلا أصاب كمالَه النقصُ، واعترى إطلاقَه القيدُ، ووجب إنهاءُ عدم
22. صفحة
تناهيه، وإسقاط أقوى قدرةٍ إلى أضعف عجز، وإنهاء قدرةٍ غير متناهية بشيء متناهٍ في وقتٍ هي فيه غير متناهية، فهذا محالٌ في محالٍ بخمسة وجوه.
وأما شهادة الإطلاق والإحاطة وعدم التناهي على الوحدة؛ فهي أيضًا قد ذكرت في رسائل سراج النور بالتفصيل، وفحواها المختصر هو:
بما أن كلّ فعلٍ من الأفعال الجارية في الكون بانتشار هذا الفعل حول آثاره مستوليًا عليها؛ يدل على أن كلّ فعلٍ محيطٌ ومطلقٌ وغير محدودٍ وغير مقيد، وبما أن الشرك والاشتراك يحصران تلك الإحاطة، ويقيدان ذلك الإطلاق، ويضعان حدًّا لتلك اللامحدودية، ويفسدان حقيقة الإطلاق، ويخلان بماهية الإحاطة؛ فلاشك أن الاشتراك في تلك الأفعال المطلقة المحيطة محالٌ، وغير ممكن.
أجل؛ إن ماهية الإطلاق تنافي الاشتراك؛ لأن معنى الإطلاق حتى ولو كان في شيء متناهٍ ومادي ومحدود؛ انتشارٌ في كلّ النواحي وفي كلّ الأماكن بالاستيلاء والاستقلال، فمثلا:
إن الهواء والضياء والنور والحرارة وحتى الماء؛ إذا ما نال كل واحد منها الإطلاق فإنه ينتشر في كلّ مكانٍ، وبما أن الإطلاق يجعل الأشياء المادية المحدودة مستوليةً حتى لو كان ذلك في شيء جزئي؛ فلاشك أن الإطلاق الحقيقي الكلي يمنح الصفات المنزهة عن المادة والمبرأة من القصور وغير المتناهية وغير المحدودة استيلاءً وإحاطة لا يمكن معها بأي وجهٍ إمكانٌ للشرك والاشتراك أو احتمال لهما.
الحاصل: إن حاكمية كلّ فعلٍ من آلاف الأفعال العامة المشاهدة في الكون، وكل اسم من مئات الأسماء الإلهية الحسنى المشاهدة تجلياتها، وكبرياءَهما وكمالَهما وإحاطتَهما وإطلاقَهما وعدمَ تناهيهما؛ برهانٌ قوي جدًّا على الوحدة والتوحيد.
فكما أن قوةً فوق المعتاد تريد الاستيلاء على الأشياء بسبب الفعالية والنشاط، وتُشتِّت القوى الأخرى؛ كذلك فإن القوة الخارقة غير المعتادة لكل فعل من أفعال
23. صفحة
الربوبية وكل تجلٍّ من تجليات الأسماء الألوهية تُرَى وتُشاهَد في آثارهما، فلو لم توجد الحكمة العامة والعدالة المطلقة، ولو لم تُوقِفا تلك القوى لاستولت كلّ واحدة منها على كلّ موجودٍ من الموجودات.
فمثلا: هل من الممكن لقوةٍ تخلق شجرة الحَوَر وتدبر شئونها في وجه الأرض كافة ألَّا تُخضِع لقوتها الكلية التي تهيمن على كلّ شيءٍ الأفرادَ الجزئية الملاصقة لشجرة الحَوَر من أمثال أفراد أشجار الجوز والتفاح والمشمش المنتشرة أفرادُها بين شجرة الحور والمختلطة بينها والمجاورة لها، وكلَّ نوع من أنواع شجرة الحَوَر، وألا تستولي عليها ولا تضمها إلى تدبيرها؟! وتدع القوى الأخرى تخطفها؟!
أجل؛ إن قدرةٍ وقوةٍ يُشعَر بهما تتصرفان في كلّ نوعٍ من أنواع المخلوقات، بل في كلّ فردٍ منها، بحيث تبدوان أنهما تستطيعان الاستيلاء على الكون كله، والهيمنة على كلّ شيء، وإخضاع كلّ الموجودات لحكمهما، فلاشك أن مثل هذه القوة والقدرة لا تقبلان الاشتراك بأي وجهٍ من الوجوه، ولا تدعان مجالا للشرك أبدًا.
وكما أن أكثر شيء يهتم به مالك شجرةٍ مثمرة ويعتني به هو ثمرات الشجرة التي في نهاية أغصانها، والنوى التي في قلب الثمرات، والتي هي قلبها فعلا، والتي يريدها للبَذْر، فإن كان هذا المالك عاقلا فلن يُملِّك تلك الثمرات التي في الأغصان للآخرين تمليكًا دائمًا، ولا يمكن أن يعبث بملكيته لها؛ كذلك فإن العناصر التي هي أغصان هذه الشجرة المسماة بالكون، والنباتاتِ والحيواناتِ التي في نهاية هذه العناصر والتي هي كأزهارٍ وأوراق لها، والبشرَ الذين هم ثمار في قمة هذه الأوراق والأزهار، وعبوديتَهم وشكرَهم اللذين هما أهم النتائج لتلك الثمار ونتيجة خلقها، وبخاصةٍ قلوبهم التي هي كالنوى الجامعة لتلك الثمار، وذاكرتهم التي تسمى بظهر القلب([1])، لا يسمح سبحانه وتعالى للقوى الأخرى أن تخطف كلّ ذلك بوجه من الوجوه، ولا يمكن أن يُخِلّ بسلطنة ربوبيته بتركه هذه الأشياء لغيره، ولا يفسد معبوديته بهذه الصورة.
[1])) ترجم الإمامُ البخاري لأحد أبواب صحيحه بـ : "باب القراءة عن ظهر القلب"، انظر صحيح البخاري 4/1920 وفيه حديث سهل بن سعد وزواجه من المرأة التي جاءت تهب نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم وفيه " ... أتقرؤهن عن ظهر قلبك؟..." انظر حديث رقم صحيح البخاري 4/1920.
24. صفحة
ولما كانت مقاصد الربوبية تتمركز في الجزئيات التي في نهاية دائرة الممكنات ودائرة الكثرة، كما تتمركز في الأحوال والأوضاع الجزئية لتلك الجزئيات، ولما كانت هذه الأحوال والأوضاع منشأ الامتنان والشكر والعبودية التي تُقدَّم إلى المعبودية وتتوجه إلى المعبود سبحانه، فإن الله سبحانه وتعالى لا يُسلّمها للأيدي الأخر بلاشك؛ فيُبطل حكمته، ولا يسقط ألوهيته بإبطال حكمته؛ ذلك أن أهم المقاصد الربانية في إيجاد الموجودات؛ هو أن يعرّف نفسه ويحببها لذوي الشعور والإدراك، وأن يسوقهم إلى مدحه والثناء عليه، وأن يجلب امتنانهم له.
ومن أجل هذا السر الدقيق فإن القرآن المعجز البيان ينسب الرزق([1]) والهداية والشفاء بصورة متكررة إلى الواجب الوجود سبحانه كي يبين أن الرزق والشفاء وبالأخصّ الهداية والإيمان وغيرها مما يُنتج الشكر والعبودية والامتنان والمحبة والمدح من أمثال الأفعال والإنعامات الكلية والجزئية التي في نهاية دائرة الكثرة ليست إلا أثر خالق الكون وسلطانِ جميع الموجودات، وإحسانَه وإنعامَه وهديتَه وفعلَه مباشرةً، وأن الإنعام بها خاصٌّ به ومنحصر فيه وحده، ويردّ تدخل الغير بشدة.
أجل؛ إن نعمة الإيمان التي تُكسِب دار سعادةٍ أبدية خالدة لا يمكن أن تكون إلا نعمة من الله ذي الجلال الذي خلق دار السعادة وجعل الإيمان مفتاحًا لها بلاشك، ولا يمكن لغيره تعالى أن يكون منعِمًا بمثل هذه النعمة العظمى فيغلقَ أعظم نافذة للمعبودية، ولا يمكن لغيره أيضًا أن يخطف ويغصب أهم وسيلة لها.
الحاصل: إن أدقّ الأحوال والثمرات الجزئية التي في أقصى شجرة الخلق تشير إلى التوحيد والوحدة وتشهد عليهما من "جهتين":
أولاهما: إن مقاصد الربوبية في الكون تتجمع في هذه الأحوال الجزئية، وغاياتها تتمركز فيها، وتجلياتِ أكثر الأسماء الحسنى وظهورَها وتعيّنَها ونتائجَ خلق الموجودات وفوائدها تجتمع فيها؛ لذا فكل واحدة من هذه الأحوال الجزئية تقول من حيث هذا التمركز: أنا مِلكُ مَن خَلَق الكون كلّه، وفعلُه وأثرُه.
[1])) كالآية الكريمة مثلا: ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾. المؤلف.
25. صفحة
أما الجهة الثانية:
بما أن قلب تلك الثمرة الجزئية، وقوة حافظتها التي تسمى في الحديث الشريف بـ"ظهر القلب"، هما كفهرس مختصر لأكثر الأنواع، وخريطةُ نموذجٍ صغيرة لها، ونواةٌ معنوية لشجرة الكون، ومرآةٌ رقيقة لأكثر الأسماء الإلهية، وإن أمثال جميع القلوب وقوى الذاكرة ذات الختم الواحد منتشرة ومستولية على الكون كله؛ فلاشك أن هذا الأمر يخص الذي جميعُ الكون في قبضة تصرفه، مما يجعل كلّ واحد منها يقول: أنا فعله هو وحده، وأثره وصنعته هو وحده.
الحاصل: كما أن الثمرة من حيث فوائدها تتوجه إلى مالك شجرتها ككل، وتنظر من حيث نواتها إلى جميع أجزاء هذه الشجرة وأعضائها وماهيتها، وتشاهِد من حيث وجود الختم المضروب على وجهها والموجود في جميع أمثالها؛ جميعَ ثمار تلك الشجرة، وتقول هذه الثمار: نحن على نمط واحد، وصدَرنا عن يدٍ واحدة، ومِلكٌ لواحدٍ، والذي خلق الواحد منا لابد أنه هو الذي خلقنا جميعا؛ كذلك فإن الكائنات الحية التي في أقصى دائرة الكثرة تتوجه من حيث الختم المضروب على وجهها لاسيما وجه الإنسان، ومن حيث كون قلبها فهرسًا، وكون ماهيتها نتائج وثمرات؛ تتوجه مباشرةً إلى من يمسك الكون كله في قبضة ربوبيته، وتشهد على وحدته.
المقتضي الثاني للوحدانية
هو أن في الوحدة يسرًا وسهولة بدرجة الوجوب، وفي الشرك صعوبات ومشكلات بدرجة الامتناع.
وقد وُضِّحت وأثبتت هذه الحقيقة توضيحًا وإثباتًا قاطعًا باهرًا في رسائل كثيرة من رسائل "سراج النور"، لاسيما في"المكتوب العشرين" بالتفصيل، وفي "النكتة الرابعة" من "اللمعة الثلاثين" بالإجمال، وبُيِّنَت ببراهين دامغة؛ وهي أن خلق جميع الأشياء إذا نُسِب إلى الواحد الأحد فإن إيجاد هذا الكون وتدبيره يكون سهلا كإيجاد شجرةٍ واحدة وتدبيرها، وأن خلق الشجرة وإنشاءها يكون سهلا كخلق ثمرةٍ واحدة وإنشائها، وأن إبداع الربيع وإدارته تكون سهلة ويسيرة
26. صفحة
كإبداع زهرة واحدة وإدارتها، وأن تربية وتدبير نوعٍ واحد له أفراد لا حد لها يكون سهلا هينًا بدون أدنى مشكلة كتربية فردٍ واحد وتدبيره.
أما إذا أُسنِد إلى الأسباب والطبيعة في طريق الشرك، فإن إيجاد فردٍ واحد يكون مشكلا وصعبًا كإيجاد نوعٍ، بل كلّ الأنواع، وإبداعَ زهرةٍ واحدة وتجهيزها بحيوية يكون صعبًا كصعوبة إبداع الربيع بل كلّ فصول الربيع، وإنشاءَ ثمرةٍ واحدة وإحياءَها يكون مشكلا كإنشاء وإحياء شجرةٍ واحدة، بل مائة شجرة، وإن إيجاد شجرةٍ واحدة وإنشاءها وإحياءها وإدارتها وتربيتها وتدبيرها يكون صعبًا ومشكلا كإيجاد الكون وإنشائه وإحيائه وإدارته وتربيته وتدبيره، بل أصعب من ذلك بكثير.
وبما أن حقيقة هذا الوضع قد أثبتت في "سراج النور" على هذا النحو، وبما أننا نرى أمام أعيننا بالمشاهدة وفرةً ومبذولية لا نهاية لها للمخلوقات مع منتهى إتقان الصنعة والجودة، وأن كلّ كائن حي يُخلَق ويُوجَد في سخاء مطلق، وسرعة خارقة وكأنها قدح كبريت، وفي منتهى السهولة واليسر وبلا كلفة وبلا صعوبة، مع أنه كماكينةٍ عجيبة خارقة معجزة بديعة الصنع تضمّ أجهزة كثيرة؛ فلاشك أن هذا الوضع يدل بالضرورة والبداهة على أن هذه الوفرة والمبذولية والسهولة ناشئة عن الوحدة، وعن كونها إجراءات وتصرفات واحدٍ أحد، وإلا لما كنتَ تستطيع أن تشتري حتى بخمسمائة درهمٍ هذه الفاكهة التي تشتريها الآن بخمسة قروش، بل إنها تنعدم تماما، فلا يبقى حديث عن هذا الرخص وهذه الوفرة والسهولة والسرعة والجودة والأهمية، ولكان وجود الكائنات الحية وإيجادُها بسهولةٍ كسهولة ضبط الساعة الميكانيكية الآن وكماكيناتٍ متقنة بديعة تعمل بمجرد اللمس على الزر الكهربائي؛ صعبًا ومشكلا بدرجة الامتناع، ولكانت بعض الحيوانات التي تُخلَق في يومٍ أو في ساعة أو في دقيقة بكل جهازاتها وشرائط حياتها، لا تُخلَق إلا في سنةٍ، بل في قرن واحد، بل لا تُخلَق أبدًا.
لقد أثبت في مائة موضعٍ من "سراج النور" إثباتًا قاطعًا يسكت حتى أشد المنكرين عنادًا؛ أن جميع الأشياء إذا أُسنِدت إلى الواحد الأحد تكون سهلة وسريعةً ورخيصةً كشيءٍ واحد، ولو أعطي سهم منها إلى الأسباب والطبيعة أيضًا
27. صفحة
فإن إيجاد شيءٍ واحد يكون عسيرًا معضلا كجميع الأشياء، ويستغرق صنعه زمنا طويلا ويكون مكلِّفًا وباهظ الثمن لا إبداع فيه.
وإذا أردت أن ترى براهين هذه الحقيقة، فانظر في "المكتوب العشرين" و"المكتوب الثالث والثلاثين"، و"الكلمة الثانية والعشرين"، و"الكلمة الثانية والثلاثين"، و"اللمعة الثالثة والعشرين" الخاصة بـ"الطبيعة"، و"اللمعة الثلاثين" الخاصة بـ"الاسم الأعظم"، لاسيما "النكتة الرابعة" منها والخاصة باسم الله "الفرد"، و"النكتة السادسة" الخاصة باسم الله "القيوم"؛ فستراها قد أُثبِتَت إثباتًا قاطعًا بدرجة الاثنين في اثنين يساوي أربعًا.
أما ههنا فسوف يُشار إلى برهانٍ واحد من بين مئاتٍ من هذه البراهين على النحو الآتي:
إن إيجاد الأشياء إما من العدم، وإما أن تُجمَع من العناصر والموجودات الأخرى فتُركَّب منها؛ فإنْ أُسند إلى الواحد فلابد أن يكون له علم محيط بكل شيء، وقدرة مستولية على كلّ شيء، ومن ثم فإنّ منح وجودٍ خارجيّ للأشياء التي لها صورٌ ووجود علمي في علمه سبحانه، وإخراجَها من العدم الظاهري؛ سهلٌ ويسيرٌ جدًّا كسهولة قدح كبريت، أو تمرير مادةٍ على شيءٍ مكتوب بخط لا يُرى ومسح هذه المادة عليه حتى يرى بالعين، أو كعملية نقل صورة بسهولةٍ من عدسة الكاميرا إلى الورق، فكذلك الصانع جل جلاله يخرج الأشياء التي خُطَطُها وبرامجها ومقاديرها المعنوية موجودةٌ في علمه، من العدم الظاهري إلى الوجود الخارجي بأمر "كن فيكون".
وإن كان إيجاد الأشياء بالإنشاء والتركيب، أي إذا خلقها الله تعالى وركّبها بجمع العناصر والموادّ الموجودة في أنحاء الأرض ولم يوجدها من العدم؛ فكما أن اجتماع أفراد الكتيبة الذين تفرّقوا للاستراحة في كلّ ناحيةٍ بصوت بوقٍ، واتخاذَهم وضعًا منتظمًا متناسقًا، أمرٌ سهل ويسير، وأن الجيش كله بمنزلة قوة قائدهم وقانونه وعينه من حيث تسهيل هذا الأمر والحفاظ على هذا الوضع، كذلك فإن الذرات التي تحت قيادة سلطان الكون، وإن سائر الموجودات التي تتصل بها
28. صفحة
الذرات بدساتيره تعالى القدرية والعلمية وقوانين قدرته المستولية المهيمنة تساق كموظفاتٍ للتسهيل كقوة لذلكم السلطان وقانونه وموظفيه المأمورين، وتأتي وتدخل تلك الذرات في مقدارٍ معين هو بمنزلة قالب معنوي علمي قدري وتقف فيه، من أجل تكوين جسم كائن حي.
أما إذا أُسندت الأشياء إلى أيدٍ متعددة وإلى الأسباب والطبيعة وغيرها من الأمور، فإن أي سببٍ من الأسباب لا يستطيع أن يوجِد شيئًا من العدم بأي وجه من الوجوه باتفاق أولي الألباب؛ ولأن ذلك السبب لا يملك علمًا محيطًا ولا قدرةً مستولية مهيمنة، فلا يكون هذا العدم عدمًا ظاهريًّا خارجيًّا فحسب، وإنما يكون عدمًا مطلقًا، والعدم المطلق لا يكون منشأً للوجود بأي وجه من الوجوه، إذن لاشك أنها ستَصنع الأشياءَ بالتركيب.
ولكن جمع الذرات الخاصة بجسد ذبابةٍ أو زهرة وجسمهما من وجه الأرض بالإنشاء والتركيب لا يمكن إلا بآلاف المشكلات بعد تصفيتها وتنقيتها بمصافٍ دقيقة حساسة، وحتى بعد اجتماعها لا تملك الذرات قوالب معنوية علمية كي تحافظ على الوضع المنظم دون أن تتفرق في ذلك الجسم؛ لذا فلابد من قالبٍ مادي طبيعي، بل قوالب بعدد أعضاء ذلك الجسم، حتى تُكوِّن تلك الذرات المجتمعة جسمَ ذلك الكائن الحي.
إذن فإن أُسنِدت جميع الأشياء إلى الواحد الأحد فهناك تحصل السهولة بدرجة الوجوب والضرورة، أما إن أُسنِدت إلى الأسباب المتعددة فهناك تحصل مشكلات بدرجة الامتناع والمحال، كما أنه إذا أُسنِد كلّ شيء إلى الواحد الأحد يكون في غاية الجودة والقيمة وإتقان الصنع، وذا معانٍ غزيرة وفي غاية القوة والمتانة مع منتهى الرِّخَص، وإذا أسنِد إلى الأسباب المتعددة وإلى الطبيعة في طريق الشرك يكون في منتهى التفاهة، وعديمَ إتقان الصنعة والجودة والمعنى والقوة والمتانة مع غلاءٍ شديد؛ ذلك أن الرجل إذا ما انتسب واستند إلى قائد أعظم بكونه جنديا فإنه ينال قوةً معنوية بحيث يمكنه أن يحشد وراءه الجيشَ كله إذا اقتضى الأمر، ويكتسب قدرةً ماديةً تفوق قوته الذاتية آلاف المرات
29. صفحة
لكون قوة ذلك القائد وجيشه قوةً احتياطيّةً له، وسلطةً تمكّنه من أفعال خارقة فائقة؛ إذ الجيش يحمل عنه منابع قوته المهمة وذخيرته وعتاده، ولا يُضطرّ هو أن يحملها بنفسه، فهذا الجندي الواحد يستطيع أن يأسر مشيرا من جيش العدو، وتهجير مدينةٍ بأكملها، وتسخير قلعةٍ برمتها، وتكون أعماله وإنجازاته خارقةً متقنة وذات أهمية.
أما إذا ترك هذا الرجل الجنديةَ وبقي وحده فإنه سرعان ما يفقد تلك القوة المعنوية الخارقة، وتلك القدرة الفائقة العجيبة، وذلك الاقتدار المعجز، ولا يستطيع أن ينجز إلا أعمالا جزئية تافهة لا وزن لها بالنسبة لقوته الذاتية كما لو أنه سائبٌ متسكع، ومن ثم تصغر إنجازاته أيضًا وفقا لذلك.
فكذلك كل شيء حين ينتسب إلى القدير ذي الجلال في طريق التوحيد ويستند إليه. فنملةٌ واحدة تهزم فرعون، وبعوضةٌ واحدة تتغلب على النمرود، وجرثومةٌ واحدة تهزم جبّارًا طاغيًا، ونواةٌ صغيرة كالظفر تحمل على كتفها شجرةً كبيرة كالجبل، وتصبح منشأ ومخزنًا ومعملا لجميع جهازات تلك الشجرة وآلاتها، فكل واحدة من الذرات كذلك تستطيع أن تؤدي وظائف لا حد لها بذلك الانتساب والاستناد كالقيام بتكوين الأجسام والصُوَر التي لها مئات الآلاف من الصنع والأنماط، وتكون الأعمال التي تنالها هذه الموظفات الصغيرات والمجندات الرقيقة متقنةً وبديعة الصنع وفي منتهى الجودة والقيمة؛ لأن الذي يقوم بهذه الأعمال هو القدير ذو الجلال، ولكنه سلم تلك الأعمال لأيدي تلك الذرات فجعلها حجبًا لذاته جل وعلا.
أما إذا أُسندت هذه الأعمال إلى الأسباب في طريق الشرك لظل عمل النملة بسيطًا كالنملة، ولما كان لمهارة الذرة وعملها مقدارُ ذرة من القيمة، ولسقط كلّ شيء ماديًّا مثلما يسقط معنويًّا، وما كان أحد ليشتري هذه الدنيا الضخمة بربع فلس.
وبما أن هذه هي الحقيقة، وبما أن كلّ شيء يظهر بمنتهى القيمة والجودة، وإتقان الصنع والإبداع، وغاية في المعنى والقوة، ونرى ذلك بأعيننا، فلاشك أنه ما من طريقٍ غير طريق التوحيد، ولا يمكن أن يكون، فإن كانت هناك طرق غيره
30. صفحة
فلابد من تغيير جميع الموجودات، وإفراغ العالم إلى العدم، وملئه مرة أخرى بأوساخ تافهة، حتى يُفتح الطريق للشرك.
فها أنت قد سمعتَ مُجمَل برهانٍ واحد من مئات البراهين المذكورة الموضحة الخاصة بالتوحيد في "رسائل النور"التي هي "سِرَاج النّور" و"سِرَاج السُّرجِ"، ويمكنك أن تقيس الأخرى على هذا.
المقتضي الثالث للتوحيد
إن الخلق في كلّ شيء لاسيما في المصنوعات ذات الحياة، هو في منتهى الإبداع والصنعة، فالنواة نموذجٌ صغيرٌ للثمرة، والثمرة نموذجٌ صغيرٌ للشجرة، والشجرة نموذجٌ صغيرٌ للنوع، والنوع نموذجٌ صغيرٌ للكون ومثالٌ مصغرٌ له، وفهرسٌ مختصرٌ، وخريطةٌ مجملةٌ، ونواةٌ معنويةٌ، ونقطةٌ جامعةٌ وقطرةُ خميرةٍ تَرشَّحَت من الكون واحتُلِبَت واجتمعت منه بالدساتير العلمية وموازين الحكمة؛ لذا فالذي أَوْجَد واحدًا منها لاشك أنه هو الذي أوجد الكون برمته.
نعم؛ إن الذي خلق نواة الشمام هو خالق الشمام بالبداهة، ولا يمكن أن يكون غيره، بل هذا محال وغير ممكن.
أجل؛ إننا ننظر فنرى أن كلّ ذرةٍ في الدم تقوم بوظائف متقنة كثيرة، ولا تقل شأنا عن النجوم، وأن كلّ واحدة من الكريات الحمراء والبيضاء في الدم تؤدي أعمالا بخصوص الحفاظ على الجسم وتغذيته وكأنها واعية مدركة بحيث إنها أكثر إتقانًا وكمالا من أحسن موظفي توزيع الأرزاق ومن أفضل جنود الحراسة والأمن.
وأن كلّ خليةٍ من خلايا الجسم تنال التعاملات والواردات والصرفيات البديعة المتقنة بحيث تَتِمّ إدارتُها بشكل بديع متقن أكثر إبداعًا وإتقانًا من أبدع جسم وأتقن قصر.
وأن كلّ فردٍ من أفراد الحيوانات والنباتات يحمل ختمًا في وجهه، وماكينة في جوفه؛ بحيث لا يمكن أن يضع ذلك الختم على ذلك الوجه، ولا يمكن أن يدرج تلك الماكينة في ذلك الجوف إلا من يوجِد جميع الحيوانات والنباتات.
31. صفحة
وأن كلّ نوعٍ من أنواع الأحياء قد خُلِق خلقا بديعًا متقنَ الصنع على وجه الأرض، واختلط بسائر الأنواع، بحيث إن الذي لا يوجِد جميع تلك الأنواع ولا يديرها ولا يدبرها ولا يربيها معًا، ولا يستطيع أن ينسج ويوجِد بساطًا حيويًّا منقّشًا بديعًا جدًّا منسوجًا من خيوط اللحمة والسدى المكونة من أربعمائة ألف من الحيوانات والنباتات بشكلٍ يغطي وجه الأرض؛ لا يستطيع إيجاد ذلك النوع الواحد ولا إدارته.
وإذا قيست الأشياءُ الأخرى على هذه الأمور فسيتبين أن مجموع الكون كُلٌّ لا يقبل التجزئة في الخلق والإيجاد، وكُلِّيٌّ لا يمكن انقسامه من حيث التدبير والربوبية.
ولقد وُضِّح وأُثبِت هذا "المُقْتَضِي الثالث" في كثيرٍ من رسائل "سراج النور"، لاسيما في "الموقف الأول" من "الكلمة الثانية والثلاثين" توضيحًا وإثباتًا قاطعين ساطعين، بحيث يتمثل برهان الوحدة في مرآة كلّ شيءٍ وتنعكس عليها حجة التوحيد كتمثّل شعاعات الشمس وانعكاسها، وقد اختصرنا هنا هذا الدرس الطويل مكتفين بذلك التوضيح.
المقام الثالث
هذا المقام سيبين "ثلاث علامات كلية للتوحيد".
إن الدلائل والعلامات والحجج التي تدل على تحقق الوحدة ووجودها لا تُعَدّ ولا تُحصَى، وقد بُيِّنَت آلافٌ منها في "سراج النور" بالتفصيل؛ لذا فقد اكتُفِيَ ببيانٍ مجمل لـ"ثلاث حجج كلية" فقط في هذا "المقام الثالث".
العلامة والحجة الأولى: وكلمة "وَحْدَهُ" نتيجةٌ لها.
إن في كلّ شيء وحدةً، والوحدة تدل على واحدٍ وتشير إليه.
نعم؛ إن الأثر الواحد يصدر عن الصانع الواحد بالبداهة، والواحد يصدر لا محالة عن الواحد، وبما أن في كلّ شيء وَحدةً، فلاشك أنها تدل على أن كلّ شيءٍ أثر الواحد وصنعته.
32. صفحة
أجل؛ إن هذا الكون كبُرْعُم الوردة الملفوف بألف ستار وستار من ستائر الوحدات، بل هو الإنسان الواحد الأكبر الذي لبس وحداتٍ بعدد الأسماء والأفعال الإلهية العامة، بل هو شجرة طوبى الخلقة التي عُلِّقَت على أغصانها وحداتٌ بعدد أنواع المخلوقات.
نعم؛ إن إدارة الكون واحدةٌ، وتدبيره واحدٌ، وسلطنته واحدة، وختمه واحد، وهكذا واحدٌ، واحد، واحد، إلى آلاف الواحدات، ومع أن الأسماء والأفعال التي تدبر الكون وتديره واحدةٌ؛ فإن كلّ واحد منها يحيط بالكون كله أو بمعظمه، أي: إن الحكمة الفاعلة فيه واحدةٌ، والإعانة التي فيه واحدةٌ، والتنظيم الذي فيه واحد، والتغذية التي فيه واحدة، والرحمة التي تسعى لإمداد المحتاجين واحدة، والمطر الذي هو ساقي تلك الرحمة واحد، وهكذا واحدٌ، واحد، واحد إلى آلافٍ من الواحِدات.
ثم إن الشمس التي هي مدفأة هذا العالم واحدةٌ؛ والقمر الذي هو مصباحه واحدٌ، والنار التي هي طباخه واحدةٌ، والجبل الذي هو مخزن الحاجات الضرورية ووَتَده الذي يحتوي على الكنوز واحدٌ، وساقيه واحد، ومرشّه الذي يسقي الجنان والبساتين واحد، وهكذا واحد، واحد، واحد إلى آلاف من الواحدات، فهذا الكم من الواحدات لعالمنا هو حجةٌ باهرة تدل على الواحد الأحد الظاهر كالشمس وتشير إليه.
ثم إن إحاطة كلّ عنصرٍ من عناصر الكون وكل نوعٍ من أنواعه بوجه الأرض مع أنها واحدة، وتداخلَ بعضها في بعضٍ، واتحادها بعلاقات بل بالتعاون، لاشك أنها علامةٌ ظاهرة على وحدة مالكها وصاحبها وصانعها.
العلامة والحجة الثانية: وهي تنتج كلمةَ "لَا شَرِيكَ لَهُ".
وهي وجود أبدع انتظامٍ بلا قصور، وأجمل انسجامٍ بلا نقائص، وأعدل ميزان بلا ظلمٍ في كلّ شيءٍ في الكون كله بدءًا من الذرات وانتهاء إلى النجوم.
أجل؛ إن الكمال والانتظام والانسجام والميزان لا يمكن وجودها إلا بالوحدة، فإذا تدخلت أيدٍ متعددةٌ في أمرٍ أفسدته.
33. صفحة
تعال فانظر إلى عظمة هذا الانتظام، بحيث إنه جعل الكون قصرًا في غاية البداعة والكمال، وجعل كلّ حجر من أحجاره بديعًا بقدر بداعة القصر، وجعله مدينةً عظيمة رائعة، بحيث إن وارداتها وصرفياتها غير المحدودة، وأموالها وأرزاقها الثمينة القيمة غير المتناهية تأتي من وراء حجابٍ غيبـي بكمال الانتظام في وقتها المناسب ومن حيث لا يُحتسب، وجعله كتابًا معجزًا ذا معانٍ غزيرة، بحيث إن كلّ حرفٍ منه يفيد معاني بقدر مائة سطرٍ، وكل سطر منه يفيد معاني بقدر مائة صفحةٍ، وكل صفحة منه تفيد معاني بقدر مائة بابٍ، وكل بابٍ منه يفيد معاني بقدر مائة كتابٍ، وإن جميع أبوابه وصفحاته وسطوره وحروفه، ينظر ويتوجه بعضها إلى بعض، ويشير إليه.
تعال وانظر كذلك إلى كمال هذا التنظيف ضمن هذا الانتظام الأعجب؛ بحيث إن هذا الكون الكبير نظيفٌ طاهر كمدينةٍ نظيفة متحضرة، بل كقصرٍ رائع يُعنى بنظافته غاية العناية والدقة، بل كحوراء من الحور العين لبست سبعين حلة مزينة بعضها فوق بعض، بل كبُرعم وردةٍ ملفوفٍ بسبعين ستارًا لطيفًا مزينًا.
تعال وانظر كذلك إلى كمال عدالة هذا الميزان ضمن هذا الانتظام والنظافة، بحيث إن مخلوقاته وكائناته الصغيرة الدقيقة الرقيقة التي لا تُرى إلا بعد تكبيرها ألف مرة، ونجومه وشموسه التي هي أكبر من الأرض ألف مرة؛ تُوزَن بأوزان ومقادير هذا الميزان، وتُعطَى كلّ ما تحتاج إليه بلا نقص، فتلك المخلوقات الدقيقة الصغيرة جدًّا تقف جنبا إلى جنب مع تلك المصنوعات الضخمة الهائلة أمام ميزان هذه العدالة، مع أن مِن هذه المخلوقات الكبيرة الضخمة الهائلة ما يستطيع أن يحدث تأثيرًا إلى حدّ الإخلال بتوازن العالم وإقامة القيامة إذا ما فقد توازنه مقدار ثانيةٍ واحدة.
ثم تعال وانظر إلى هذا الجمال الخارق الجذاب والحسن الفائق الأخَّاذ ضمن هذا الانتظام والنظافة والميزان، بحيث إنه جعل هذا الكون الكبير عيدًا بهيجًا، ومعرضًا مزينًا، وربيعًا قد تفتَّح بأزهارٍ نضرة ندية، وجعل الربيع الكبير كمزهرية جميلة جدًّا، وباقة ورد رائعة، بل جعله كزهرٍة بديعة رائعة في الربيع مزينةٍ بمئات
34. صفحة
الآلاف من النقوش، تتفتح فصلا بعد فصلٍ على وجه الأرض، وجمّل كلّ زهرةٍ في الربيع بزيناتٍ متنوعة متعددة.
أجل؛ لقد نال كلّ نوعٍ من أنواع الكائنات، بل كلّ فردٍ من أفرادها من الحسن حسب قابليته بالتجليات الجميلة للأسماء الحسنى التي لها منتهى الجمال والحسن، وهو ما جعل حجة الإسلام الإمام الغزالي رحمه الله تعالى يقول: "لَيْسَ فِي الإمْكَانِ أَبْدَعُ مِمَّا كَانَ".
أي: ليس في دائرة الإمكان ما هو أبدع وأجمل من هذه المخلوقات، فهذا الحسن المحيط الجذّاب، وهذه النظافة العامة الشاملة الخارقة الفائقة، وهذا الميزان المستولي المهيمن الشامل الدقيق الحساس جدًّا، وهذا الانسجام والانتظام المحيطان المعجزان من كلّ الوجوه؛ حجةٌ على الوحدة والتوحيد، وعلامةٌ عليهما؛ بحيث إنها أسطع وأوضح من إشارة الضياء إلى الشمس في رابعة النهار.
جواب قوي مختصر جدًّا على سؤال مهمّ جدًّا ذي شقين في هذا المقام
الشقّ الأول من السؤال: إنك تقول في هذا المقام: لقد أحاط الحسنُ والجمالُ والعدالةُ بالكون؛ فماذا تقول في الأمور القبيحة والمصائب والأمراض والبلايا والموت التي تجري وتحصل كثيرًا أمام أعيننا؟
الجواب: إن القبح الذي يُنتِج كثيرًا من أنواع الجمال أو يُظهِرها هو أيضًا جمالٌ بطريق غير مباشر، وإن زوال واختفاء القبح الذي يؤدي إلى عدم ظهور كثيرٍ من الجمال واختفائِه ليس قبحًا واحدًا فحسب بل قبح متعدد مضاعف، فمثلا: إن لم يكن هناك قبحٌ كوحدة قياسية([1]) فإن حقيقة الحسن تصبح نوعًا واحدًا فحسب، ويغدو كثير من مراتبه مخفيًّا، وبتداخل القبح تنكشف مراتب الحسن، فكما أنه بوجود البرودة تَظهر مراتب الحرارة، وبوجود الظلام تَظهر درجات الضياء؛ كذلك فبوجود شرٍّ وضرر وقبح جزئي ومصيبة جزئية تتجلى خيراتٌ ومنافع ونِعَم ومحاسن كلية.
[1])) هي المثال أو النموذج الذي يقاس عليه.
35. صفحة
إذن إن إيجاد القبح ليس قبيحًا بل جميلٌ؛ لأن أكثر نتائجه جميلة.
أجل؛ إن الكسول المتضرر من المطر لا يمكن أن يُسقط من الاعتبار نتائج المطر الخيّرة التي أهلته لأن يطلَق عليه اسم الرحمة، ولا يستطيع أن يبدل الرحمة إلى نقمة وعذاب.
أما الفناء والزوال والموت؛ فقد أُثبِت في "المكتوب الرابع والعشرين" ببراهين قويةٍ قاطعة أنها ليست منافيةً للرحمة العامة والحسن المحيط والخير الشامل، بل هي مقتضية لكل ذلك، حتى إن الشيطان لأنه سببٌ للمسابقة والمجاهدة اللذين هما لولب الترقيات البشرية المعنوية فإيجاده أيضًا خيرٌ وجميل من هذه الجهة، بل إن تعذيب الكافر في جهنم جميل؛ لأنه بكفره يعتدي على حقوق جميع المخلوقات ويهين كرامتها وشرفها.
ولما كانت هاتان النقطتان قد وضِّحتا بالتفصيل الكامل في رسائل أخرى، فإننا نكتفي هنا بهذه الإشارة القصيرة.
الشق الثاني من السؤال([1]): فلنقبل هذا الجواب المتعلق بالشيطان والكافر من الناحية العامة، ولكن الغَنِيّ على الإطلاق الذي هو الجميل المطلق والرحيم المطلق والخير المطلق كيف يَبْتَلِي أفرادًا وأشخاصًا مساكين صغارًا بالمصائب والشرور والقبائح؟!
الجواب: إن جميع أنواع الخير والحسن والنعمة تأتي من خزانة رحمة ذلكم الجميل المطلق وذلكم الرحيم المطلق ومن إحساناته الخاصة مباشرةً، أما المصائب والشرور فهي المقتضِيات الجزئية لجريان القوانين العامة الكلية لسلطنة الربوبية في كونها نتائج جزئية من بين النتائج الكثيرة لتلك القوانين التي تمثل الإرادات الكلية المسمّاة بسنة الله تعالى؛ لذا فلابد أن الله تعالى يخلق تلك النتائج الجزئية ذات الشرور من أجل الرعاية والحفاظ على تلك القوانين التي هي وسيلةٌ للمصالح الكلية، ولكنه تجاه تلك النتائج الجزئية الأليمة يُسعِف بالإغاثة الرحمانية الخاصة والإنعام الرباني الخاص استصراخَ الأفراد المبتلين
[1])) جواب هذا الشق الثاني مهم جدًّا؛ لأنه يزيل كثيرًا من الأوهام.(المؤلف).
36. صفحة
بالمصائب، واستغاثة الأشخاص المصابين بالبلايا، ويُظهِر أنه فاعلٌ ومختار، وأن كلّ أمر من أمور كلّ شيء مرتبط بمشيئته، وأن القوانين العامة هي الأخرى تابعة أبدًا ودائمًا لإرادته واختياره، وأن ربًّا رحيمًا يسمع الأفراد الذين يُوَلْوِلُون بسبب تضييق تلك القوانين فيسعى لإمدادهم وإغاثتهم بإحسانه وإنعامه، وبإظهاراته هذه فتح أبوابَ فضله الخاص وتودداته الخصوصية، أي أبواب تحبباته وتجلياته الخاصة بشواذّ دساتير سننه الكلية وقوانينه العامة وبنتائجها الجزئية الشريرة حتى يفتح مجالا لما لا يُقيّد ولا يحد من تجليات أسمائه الحسنى، وهذه العلامة الثانية للتوحيد بُيِّنت ربما في مائة موضع في سراج النور؛ فاكتُفِي هنا بإشارةٍ خفيفة.
الحجة والعلامة الثالثة: وهي ما لا يعد ولا يحصى من أختام التوحيد المشار إليها بـ"لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ".
أجل؛ إن في وجه كلّ شيء -جزئيًّا كان أم كليًّا، بدءًا من الذرات وانتهاء إلى الكواكب- ختمًا؛ بحيث إن مرآة الختم هذه تشير إلى شمس الأزل والأبد وتشهد على وحدانيته كما تشير تجليات الشمس التي في المرآة إلى الشمس ذاتها، وقد بُيّن كثيرٌ جدًّا من تلك الأختام غير المحدودة في سراج النور بالتفصيل، ولكن سننظر هنا إلى ثلاثة منها بإشارةٍ قصيرة، وذلك كما يلي:
كما أنه قد وُضِع على وجه المخلوقات كلها ختمُ الوحدة الواسعُ المركبُ من تعاونٍ وتساند وتشابه وتداخل تظهره أنواع المخلوقات بعضها لبعض، كختم التوحيد الذي وضعه الله تعالى على وجه الأرض بمنح الأرزاق المختلفة لجيشٍ سبحاني مركَّب من أربعمائة ألف طائفةٍ من الحيوانات والنباتات، ومَنْحِ أسلحته وألبسته وتعليماته وتسريحاته المختلفة بنظامٍ دقيق، وفي وقتها المناسب، ومن دون خلطٍ وخطأ في أي واحد منها؛ كذلك فإنه جل وعلا قد وضع على وجه الإنسان ختم الوحدانية كعلامة فارقةٍ بين الوجه الواحد وبين جميع الوجوه، كما وضع على وجه كلّ مصنوع من المصنوعات جزئيًّا كان أم كليًّا ختمًا للتوحيد، ووضع على رأس كلّ مخلوقٍ من المخلوقات كبيرٍ أو صغير قليل أو كثير ختمًا
37. صفحة
للأحدية، بحيث تشاهَد كلها وخاصة أختام الأحياء فهي أسطع بكثير، بل كلّ ذي حياة بذاته ختمٌ للوحدة والأحدية والصمدية.
أجل؛ إن كلّ زهرةٍ، وكل ثمرة، وكل ورقة، وكل نبات، وكل حيوان ختم للأحدية والصمدية، بحيث حوَّل كلّ شجرةٍ إلى رسالة ربانية، وكلَّ طائفةٍ من المخلوقات إلى كتابٍ رحماني، وكلَّ حديقةٍ إلى مرسومٍ سبحاني، فوُضِعت على رسالة الشجرة تلك أختامٌ بعدد أزهارها، وتوقيعاتٌ بعدد ثمارها، وطغراءات بعدد أوراقها، وعلى كتاب النوع والطائفة ذلك طُبعت أيضًا أختامٌ بعدد أفرادها من أجل إظهار كاتبها وتعريفه، وعلى مرسوم الحديقة هو الآخر طُبعت أختامٌ بعدد ما في تلك الحديقة من نباتاتٍ وأشجار وحيوانات من أجل التعريف بسلطانها، حتى إن في مبدأ كلّ شجرة، ومنتهاها، وفي ظاهرها وباطنها، أربعةً من أختام التوحيد بحيث تشير إليها الأسماء الحسنى:"هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ".
أجل؛ إن النواة([1]) التي هي المنشأ الأصلي لكل شجرةٍ مثمرةٍ هي صندوق صغير يحمل برنامج تلك الشجرة وفهرسها وخطتها، ومصنعٌ يحتوي على جهازاتها ولوازمها وأنظمتها، وماكينةٌ تحمل وارداتها الدقيقة ومصاريفها وتنظيماتها اللطيفة في مبدئها كما يشار إليه باسم الله تعالى"الأَوَّل".
وإن نتيجة كلّ شجرةٍ وثمرتها وثيقةُ تعريفٍ تبين أشكال الشجرة وأحوالها وأوصافها، وشهادةُ بيانٍ تبين وظائف الشجرة ومنافعها وخصائصها، وفذلكةٌ تبين أمثال تلك الشجرة وذرياتها وأجيالها القادمة بالنوى التي في قلبها كما يشار إليه باسم "الآخِر".
وإن الصورة والشكل اللذين تلبسهما كلّ شجرةٍ حلةٌ بديعةٌ ولباسٌ منقَّشٌ بحيث فُصلت وقطعت وزُيِّنت بشكلٍ يليق بالشجرة ويناسب قامتها وأغصانها
[1])) يمكن القول: إن مقولة "نشأ من النواة" -التي تدور على ألسنة الناس كمثل- هي إشارةٌ غيبية عرفية إلى مؤلف هذه الرسالة؛ لأن خادم رسائل النور كشف بفيض القرآن معراجي المعرفة في النواة والزهرة فوجد الماء الباعث على الحياة في المواضع التي غرق فيها الطبيعيون، ووصل من النواة إلى الحقيقة ونور المعرفة، فذكر هذين الشيئين في رسائل النور بكثرةٍ مبني على هذه الحكمة. (المؤلف).
38. صفحة
وفروعها وأعضاءها وأجزاءها، وهما حساسان وموزونان وذوا معانٍ بحيث يحوِّلان الشجرة إلى صورة كتابٍ ورسالة وقصيدة كما يشار إليه باسم "الظَّاهِر".
وإن معمل كلّ شجرة يعمل في باطنها هو مصنعٌ بديع متقن؛ بحيث يزن جميع أجزاء الشجرة وأعضاءها، وتشكيلها وتدبيرها وإدارتها بميزانٍ حساس دقيق جدًّا، كما يسوق المواد والأرزاق الضرورية إلى كلّ عضوٍ من أعضاء الشجرة، ويوزعها ويقسمها بينها واحدةً فواحدة، تحت نظامٍ رائع، ويعمل بسرعةٍ مذهلة كسرعة وَمِيض البرق، وبسهولةٍ كضبط الساعة الميكانيكية، وباتحادٍ ووحدة كأمر القائد لجيش كامل بـ"تقدَّم إلى الأمام" كما يشار إليه باسم "البَاطِن".
الحاصل: إن أوّل كلّ شجرةٍ صندوق وبرنامجٌ، وآخرها وثيقةُ تعريفٍ ونموذج، وظاهرها حلةٌ بديعة الصنع، ولباسٌ مزين منقوش، وباطنها مصنع ومعمل، فهذه الجهات الأربع ينظر بعضها إلى بعض ويَظهر من مجموع هذه الأسماء الأربعة ختم أعظم، بل يتجلى منها الاسم الأعظم؛ بحيث لا أحد يقدر على القيام بهذه الأفعال غير الصانع الواحد الأحد الذي يدير هذا الكون كله بالبداهة، وإن أول حياة كلّ ذي حياة -كالشجرة- وآخرها وظاهرها وباطنها يحمل سكة التوحيد وختمَ الوحدة ومُهْر الأحدية وطرة الوحدانية.
وقياسًا على الشجرة التي في هذه الأمثلة الثلاثة فالربيع هو الآخر شجرةٌ ذات أزهار كثيرة؛ حيث إن البذور والنوى والجذور المودعة بيد الخريف تحمل سكة اسم "الأَوَّل"، والثمرات والحبوب والخضروات التي تتساقط في أحضان الصيف وتملأ رداءه؛ تحمل ختم اسم "الآخِر"، والحلل الشبيهة بالسندس واللباس الفطري المزيَّن بمئات الآلاف من النقوش التي لبسها الربيعُ بعضها فوق بعض وكأنه الحور العين؛ تحمل مُهْر اسم "الظَّاهِر"، والمصانع الصمدانية التي تعمل في ثنايا الربيع وباطن الأرض، والقدور الرحمانية التي تغلي، والمطابخ الربانية التي تطبخ الأطعمة؛ تحمل طرّة اسم "البَاطِن"، حتى إن كلّ نوعٍ بل نوع البشر مثل شجرة، جذورها ونواها في الماضي، وثمارها في المستقبل، ويحمل وضعها الحالي الحاضرُ أيضًا سكة التوحيد تحت حُكم دساتير الحياة
39. صفحة
الشخصية والحياة الاجتماعية كوجود قوانين منتظمة متقنة من أجل حياة جنسها وبقاء نوعها، ويحمل ختم الوحدة المتقنة المخفية تحت التقلبات الظاهرية، ومهر الوحدانية تحت أحوال البشر المشوشة وتحت حُكم دساتير القضاء والقدر المسمى بالمقدَّرات الحياتية.
الخاتمة
إشارة وجيزة إلى سائر الأركان الإيمانية ضمن سر التوحيد
أيها الإنسان الغافل، تعال وتأمل ولو لمرة واحدة، وضَعْ نصب عينيك الثمرات الثلاث والمقتضِيات الثلاثة والحجج الثلاث المبينة في المقامات الثلاثة لهذه الرسالة، ثم انظر: هل من الممكن للصانع القدير الحكيم الرحيم العليم الذي يتصرف في هذا الكون، ويولي أصغر شفاء وأقل شكر اهتمامًا، ولا يفوض أمر أصغر صنعةٍ كجناح الذباب إلى غيره ولا يعطيها سواه ولا يهملها، ويقلد أبسط بذرةٍ وظائف وحكمًا بقدر الشجرة، ويُشعِر برحمانيته وحكيميته، ويعرِّف نفسَه بكل الوسائل، ويحبِّب ذاته بكل النعم؛ هل من الممكن بأي وجه من الوجوه أن يظل غير مهتم وغير مبال بمحاسن الحقيقة المحمدية والتسبيحات الأحمدية -على صاحبها الصلاة والسلام- والأنوار الإسلامية التي استولت على الكون معنىً؟! وهل من الممكن بأي وجه من الوجوه ألَّا تكون الرسالة الأحمدية -على صاحبها الصلاة والسلام- التي زيَّنت جميع مصنوعاته جل وعلا، وأبهجت جميع مخلوقاته، ونوَّرت الكون برمته، وأقامت السماوات والأرض، ووضعت نصف الكرة الأرضية وخمس البشرية تحت جناح سلطانها المادي والمعنوي منذ أربعة عشر قرنًا بلا انقطاع، واستمرت سلطنته الباهرة ودامت أبدًا باسم خالق الكون؛ أعظم مقصد وأعظم نور ومرآة للصانع القدير الحكيم الرحيم العليم جل جلاله؟! وألا يكون الأنبياء عليهم السلام الذين خدموا تلك الحقيقة بالذات مثل محمد عليه الصلاة والسلام؛ رسلَ ذلكم الصانع وأولياءه ومأموريه؟! حاشاه وكلا بعدد معجزات الأنبياء عليهم السلام!
40. صفحة
وهل من الممكن بأي وجه من الوجوه للخالق الحكيم الرحيم الذي يقلد أصغر الأشياء كالأغصان والفروع مئات الحِكم والثمرات، ويُعرِّف ربوبيته ويحببها بحِكمه الخارقة وبرحمانيته العامة؛ ألا يأتي بالحشر الذي هو سهل وهين على قدرته كسهولة إيجاد الربيع، وألا يفتحَ دارا للسعادة ومنزلا للبقاء، فيُنكِرَ جميع حكمه ورحماته بل حتى ربوبيته وكمالاته، ويجعل غيره ينكرها، ويرسلَ جميع مخلوقاته المحبوبة إلى العدم أبديًّا؟! حاشاه مائة ألف مرة حاشاه! إن ذلكم الجمال المطلق منزَّه ومقدس عن مثل هذا القبح المطلق مائة ألف مرة.
هامش طويل:
سؤال بمناسبة الحشر:
إن آيات ربانية مثل ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾(يس:53) و﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾(النحل:77) التي تتكرر في القرآن؛ تبين أن الحشر الأعظم سيحدث في لحظةٍ بلا وقت ولا زمان، ولكن العقل الضيق يطلب مثالا مشهودًا يجعله يقبل بإذعانٍ هذه المسألة الخارقة التي لا مثيل لها.
الجواب: في الحشر "ثلاث مسائل"، وهي مجيء الأرواح إلى الأجساد، وإحياء الأجساد، وإنشاء الأجساد.
المسألة الأولى: مثال مجيء الأرواح إلى الأجساد هو: اجتماع أفراد جيشٍ منظم تفرقوا في كلّ الأنحاء للاستراحة على صوت بوق عالٍ.
نعم؛ إن الصُّور الذي هو بوق إسرافيل عليه السلام كما أنه قطعا ليس أقل شأنا من بوق الجيش، فإن الأرواح التي أجابت بـ﴿بَلَى﴾ على خطاب ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ وهي في جهة الأبد وفي عالم الذرات؛ لاشك أنها مسخَّرة ومنظمة ومطيعة أكثر من أفراد الجيش بآلاف المرات.
ثم إن جميع الذرات جيشٌ سبحاني وجنود ممتثلون لأوامر الله تعالى وليست الأرواح وحدها، وقد أثبتَتْ "الكلمة الثلاثون" ذلك ببراهين قاطعة.
41. صفحة
المسألة الثانية: مثال إحياء الأجساد هو: كما أن مائة ألف من المصابيح الكهربائية في مدينةٍ عظيمة جدًّا تتنور وتنبض بالحيوية في لحظةٍ كلمح البصر -وكأنها لا تحتاج إلى وقت وزمان- من مركزٍ واحد في ليلة الاحتفال والمهرجان؛ فكذلك يمكن إنارة مائة مليون من المصابيح في جميع أنحاء وجه الأرض من مركزٍ واحد.
وبما أن مخلوقًا من مخلوقات الله تعالى وخادمًا من خدمه وموظف شمعدانٍ في دار ضيافته وهو الكهرباء، ينال هذه الكيفية بما تلقّاه من خالقه من درس تربيةٍ وانتظام؛ فلاشك أن الحشر الأعظم يمكن أن يحدث في طرفة عين ضمن نطاق قوانين الحكمة الإلهية المنتظمة المحكمة التي يمثلها آلاف من الخدام النورانيين من أمثال الكهرباء.
المسألة الثالثة: مثال إنشاء الأجساد دفعة هو: إنشاء جميع أوراق جميع الأشجار التي يزيد عددها ألف مرة عن عدد جميع البشر إنشاءً بديعًا متقنًا خلال بضعة أيام في الربيع كما في الربيع السابق، وإيجادُ جميع أزهار الأشجار وثمارها وأوراقها بسرعة البرق كمحاصيل الربيع السابق، وانتباهُ البذور والنوى والجذور غير المحدودة التي هي مبدأ ذلك الربيع وتفتحها وإحياؤها معًا دفعة، ونيلُ جنائز جميع الأشجار الشبيهة بالأموات القائمة المنتصبة المكوَّنة من العظام لـ"البعث بعد الموت" بأمرٍ واحد دفعة، ونشرها، وإحياء الأفراد غير المحدودة لطوائف الحيوانات الصغيرة جدًّا بمنتهى الإبداع والإتقان، لاسيما حشر قبائل الذباب، وبخاصة إنشاء قبيلة الذباب الماثلة أمام أعيننا والتي تذكرنا بالوضوء والنظافة عندما تُنَظِّف وجوهها وعيونها وأجنحتها وتلاطف وجوهنا دومًا، وإحياؤها وحشرها مع سائر قبائلها خلال بضعة أيامٍ في كلّ ربيع، مع أن أفرادها التي تُنشَر في سنةٍ واحدة أكثرُ من جميع أفراد بني آدم المولودين منذ سيدنا آدم عليه السلام، فلاشك أن كلّ ذلك ليس مثالا واحدًا على إنشاء أجساد البشر يوم القيامة، بل آلاف الأمثلة.
أجل؛ لما كانت الدنيا دار حكمة، والآخرة دار قدرة؛ فإن إيجاد الأشياء في الدنيا بالتدريج مستغرقا زمنا بمقتضى أسماء كثيرة من الأسماء الحسنى كـ"الحكيم، والمرتِّب، والمدبِّر، والمربي"؛ هو مقتضى الحكمة الربانية.
42. صفحة
أما في الآخرة فلأن القدرة والرحمة تتجليان فيها أكثر من الحكمة؛ فإن الأشياء تُنشأ دفعةً من غير حاجة إلى مادة ومدة وزمان وانتظار، والأمور التي تُنجز هنا في الدنيا في يوم واحد أو سنةٍ واحدة تُنشأ في الآخرة في آنٍ واحد في لمح البصر، وإشارة إلى هذا يقول القرآن المعجز البيان ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾(النحل:77).
فإن أردت أن تفهم مجيء الحشر فهما قاطعا كمجيء الربيع القادم فأمعن النظر في "الكلمة العاشرة" و"الكلمة التاسعة والعشرين" الخاصتين بالحشر، وأبصر، فإن لم تؤمن عندها بمجيء الحشر كإيمانك بمجيء الربيع فتعال أدخل أصبعك في عيني!
المسألة الرابعة: وهي موت الدنيا وقيام القيامة؛ فإن اصطدام كوكبٍ أو نجم مذنب فجأة بأمرٍ رباني بكرتنا ودار ضيافتنا هذه يمكن أن يُخرِّب مسكننا هذا، كما يُدمَّر في دقيقةٍ واحدة قصرٌ شيِّد في عشر سنوات.
يكفي الآن إجمال مسائل الحشر الأربع هذه، ونعود إلى ما كنا بصدده.
فهل من الممكن للقرآن المعجز البيان الذي هو الترجمان البليغ لجميع حقائق الكون الحقيقية السامية، واللسان المعجز لجميع كمالات خالق الكون، ومجمع خارق لجميع مقاصده؛ ألّا يكون كلامَ ذلكم الخالق جل وعلا؟! حاشاه، بعدد أسرار آياته!
وهل من الممكن للصانع الحكيم أن يجعل جميع مصنوعاته ذات الحياة وذات الشعور والإدراك يتحدث بعضهم مع بعض، ويتكلم بعضهم مع بعض بآلاف أنواع الألسنة، ويعلم كلامهم وأصواتهم ويسمعها، ويستجيب لهم بأفعاله وإنعامه بشكلٍ ظاهر، ولا يتكلم هو ولا يقدر على التكلم؟ هل من الممكن ذلك، وهل هناك أي احتمال لهذا؟!
وبما أنه يتكلم بالبداهة، وبما أن المخاطب الأقدر على فهم كلامه هو الإنسان أولا وقبل كلّ شيء، فلاشك أن جميعَ الكتب المقدسة المشهورة وعلى رأسها القرآن الكريم كلامُه هو جل جلاله.
43. صفحة
وهل من الممكن للصانع الحكيم أن يجعل الكون العظيم بأنواعه وأركانه خادمًا مسخَّرًا لذوي الحياة ومسكنًا ومعرضًا ودار ضيافة لهم، من أجل أن يعرِّف نفسه ويحبِّبها إليهم، ويجعلهم يثنون عليه ويمدحونه، ويَسرّهم ويرضيهم بأنواع فضله وكرمه فيجعلَ امتنانهم وشكرهم سببا مهمًّا لربوبيته، ثم يترك هذه السماوات العظيمة المزينة والنجوم النيِّرة بلا حياة ولا روح ولا سكان، خالية فارغة وبلا فائدة، أي يتركها دون ملائكة وروحانيات، مع أنه يريد تكثير نسخ آلاف الأنواع المتنوعة من ذوي الحياة إلى حد أنه جعل ورق بعض الأشجار غير المثمرة كشجرة الحور وشجرة النبق مهدًا ورحِمَ أمّ ومخزن أرزاق لكتيبة نوع من الذباب، أي ذوي الحياة الذاكرين في الهواء؟! حاشاه وكلا، بعدد الملائكة والروحانيات! حاشاه وكلا!
وهل من الممكن للصانع الحكيم المدبِّر أن يكتب بقلم القدر مبدأ أدنى نبات وأصغر شجرة ومنتهاهما ومقدَّرات حياتهما بكمال الانتظام والإتقان في نواتهما وثمارهما، ويكتب أيضًا مقدمات الربيع الكبير ونتائجه وكأنه شجرةٌ واحدة بكمال التميز والانتظام والإتقان ولا يبقى غير مبال بأصغر الأشياء، ثم لا يكتب أفعالَ الإنسان وحركاته المهمة جدًّا ولا يضعها في دائرة قدَره، ذلك الإنسان الذي هو نتيجة الكون، وخليفة الأرض، ومشرف على أنواع المخلوقات وقائد لها؟! حاشاه بعدد أعمال الإنسان التي ستوضع في الميزان! حاشاه وكلا!
الحاصل: إن الكون يصرخ بكل حقائقه ويقول:
آمَنْتُ بِالله ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ وبِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، والبَعْثُ بَعْدَ المَوْتِ حَقٌّ، أَشْهَدُ أنْ لَا إِلٰهَ إلَّا اللهُ وأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ وَإِخْوَانِهِ وسَلَّمَ.
آمين، آمين آمين.
44. صفحة
مناجاة توحيدية ومقدمتها
مقدمة
إن سيدنا الإمام عليا رضي الله عنه وكرم وجهه يسمي رسائل النور "سِرَاجَ النُّورِ" و"سِرَاجَ السُّرْجِ" في الموضع الذي يخبر فيه عن رسائل النور إخبارا شبيها بالكرامة في قصيدته الجلجلوتية، ولأنه أضاف اسمين إلى أسماء رسائل النور الثلاثة، وأن اسم سراج النور يتكرر في هذه الرسالة فإننا نتوسّع بمقدار درجتين في مناجاة سيدنا الإمام علي رضي الله عنه في نهاية هذه الرسالة، ونقدم هذه المناجاة الآتية بلسانه هو رضي الله عنه إلى الواحد الأحد جل جلاله جاعلين ألسنتنا وكأنها لسانه هو.
مناجاة
اَللَّهُمَّ إِنّهُ لَيْسَ فِي السَّمٰوَاتِ دَوَرَاتٌ وَنُجُومٌ وَمُحَرَّكاتُ سَيّارَاتٍ، ولَا فِي الجَوِّ سَحَابَاتٌ وَبُرُوقٌ وَمُسَبِّحاتُ رَعْدَاتٍ، وَلَا فِي الأَرضِ غَمَرَاتٌ وحَيْوَاناتٌ وعَجَائِبُ مَصْنُوعاتٍ، ولَا فِي البِحَارِ قَطَراتٌ وَسَمَكاتٌ وَغَرَائبُ مَخْلُوقاتٍ، وَلَا فِي الجِبَالِ حَجَرَاتٌ وَنَبَاتَاتٌ وَمُدَّخَرَاتُ مَعْدِنِيّاتٍ، وَلَا في الأشْجَارِ وَرَقَاتٌ وَزَهرَاتٌ وَمُزَيّناتُ ثمراتٍ، وَلَا فِي الأْجْسَامِ حَرَكَاتٌ وَآلاتٌ وَمُنْتَظَمَات جِهَازاتٍ، وَلَا فِي القُلُوبِ خَطَرَاتٌ وإلهامَاتٌ وَمُنَوَّرَاتُ اعتِقَادَاتٍ؛ إلَّا وَهِيَ كُلُّها عَلَى وُجُوبِ وُجُودِكَ شَاهِدَاتٌ، وَعَلَى وَحْدَانِيَّتِكَ دَالَّاتٌ، وفِي مُلْكِكَ مُسَخَّراتٌ، فَبِالقُدْرَةِ الّتي سَخَّرْتَ بِهَا الأَرْضِينَ وَالسَّمَاوَاتِ سَخِّرْ لِي نَفْسِي وَسَخِّرْ لِي مَطْلُوبِي، وَسَخِّرْ لرَسَائلِ النُّورِ وَلخِدْمَةِ القُرآنِ وَالإيمانِ قُلُوبَ عِبَادِكَ وَقُلُوبَ المـَخْلُوقاتِ الرُّوحَانِيَّاتِ مِنَ العُلْوِيَّاتِ وَالسُّفْلِيَّاتِ، يا سَمِيعُ يا قَرِيبُ يا مُجِيبَ الدَّعوَاتِ، آمِينَ وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾


