الشعاع الثاني عشر

337. صفحة

الشعاع الثاني عشر

دفاع محكمة دنيزلي


بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

عريضة مقدمة لمحكمة إسبارطة بيد النائب العام

أحتاج إلى ثلاث نسخ أو أربع من هذه العريضة مكتوبة بالحروف الجديدة[1] لتقديمها إلى الجهات المختصة.

خلاصة دفاع قصير هو عين الحقيقة، ذكرتها لنائبين عامين وضابطين محققين أتوا ثلاث مرات للتفتيش في منزلي، وفي المرة الثالثة أتى مدير شرطة وستة أو سبعة من الضباط وأفراد من الشرطة، وذكرتها أيضًا إجابة عن أسئلة النائب العام في إسبارطة، وقد ظلت نسخة لقسم مهم من هذه العريضة في يد شرطة قسطموني ومحكمتها، وتلك الخلاصة هي:

لقد قلت لهم: إنني أعيش منزويًا منذ ما يقرب من عشرين سنة، وإنني تحت الترصد والمراقبة الدائمة منذ ثماني سنوات في منزل قبالة مخفر الشرطة في قسطموني، وقد فتشوا منزلي عدة مرات ولكن لم يظهر أي أثر ولا أية أمارة تدل على أنني ذو علاقة بالدنيا أو بالسياسة، فإن كان لي حال يدل على



[1]    يقصد الحروف اللاتينية التي أصبحت اللغة التركية تكتب بها.



338. صفحة

أنني ذو علاقة بهما فإن محكمة قسطموني والشرطة والدوائر الحكومية فيها هم المسئولون أكثر مني؛ لأنهم إما لم يعلموا بهذا الحال أو علموا ولكن لم يبالوا به، وإن لم يكن لي هذا الحال فلِمَ تمسونني إلى هذه الدرجة بدون سبب بما يضر الوطن والشعب، مع أنه لا يُمَسّ المنزوون الذين يشتغلون لآخرتهم في كل العالم؟

إننا نحن تلاميذ رسائل النور لا يمكن أن نتخذ رسائل النور أداة للتيارات الدنيوية، ولا حتى للكون بأجمعه، والقرآن يمنعنا من السياسة بشدة [1].

أجل؛ إن وظيفة رسائل النور هي خدمة القرآن ببيان الحقائق الإيمانية بيانًا قاطعًا بالبراهين القرآنية القوية الدامغة -التي تسوق أعتى الفلاسفة الزنادقة إلى الإيمان- تلك الحقائق التي تواجه الكفر المطلق الذي يدمر الحياة الأبدية ويحول الحياة الدنيوية إلى سم فتاك؛ لذا لا نستطيع أن نتخذ رسائل النور أداة لأي شيء.

فأولا: عدم الحط من حقائق القرآن الثمينة كالألماس إلى دركة قطع الزجاج بتوهم الدعاية السياسية في نظر أهل الغفلة، وعدم الخيانة لتلك الحقائق القيمة الثمينة.

ثانيًا: إن الشفقة والحقّ والحقيقة والوجدان الذي هو مسلك رسائل النور منعنا من السياسة والتعرض للإدارة بشدة؛ لأن هناك سبعة أو ثمانية من الأطفال والمرضى والشيوخ والأبرياء مقابل واحد أو اثنين من الملحدين الواقعين في الكفر المطلق والمستحقين للصفعة والمصيبة، والمصيبة إذا نزلت تنزل بالأبرياء أيضًا؛ لذا مُنِعنا بشدة من التدخل في الحياة الاجتماعية عن طريق السياسة على حساب الإدارة والأمن، فضلاً عن أن حصول النتيجة مشكوك فيه.

ثالثًا: هناك خمسة أسس لازمة وضرورية لنجاة الحياة الاجتماعية لهذا الوطن ولهذا الشعب من الفوضى والإرهاب في هذا الزمان العجيب:



[1]يقصد بهذه الجملة أن القرآن يمنع تلاميذ رسائل النور من اتخاذ الدين أداة للسياسة .



339. صفحة

الأول: التوقير.

الثاني: الرحمة.

الثالث: اجتناب المحرمات.

الرابع: الأمن والسلام.

الخامس: ترك الطيش، والطاعةُ.

فرسائل النور عندما تنظر إلى الحياة الاجتماعية ترسخ وتثبت هذه الأسس الخمسة بصورة قوية وقدسية، وتحافظ على أساس الأمن والسلام، والدليل على ذلك هو جعلها مائة ألف من الناس خلال عشرين سنة أعضاء نافعين غير ضارين للوطن والشعب، وتشهد ولاية إسبارطة وولاية قسطموني على ذلك؛ أي إن الذين يمسون أغلب أجزاء رسائل النور بسوء يخونون هذا الوطن والشعب والحاكمية الإسلامية لحساب الفوضى بعلم منهم أو بغير علم، ولا تستطيع أن تبطل أضرارٌ موهومة لرسالتين أو ثلاث رسائل[1] يتوهمها أهل الغفلة الوهامون ذوو الأنظار السطحية أنها ذات عيوب، أن تُبطل مائةً وسبعاً وعشرين من فوائد جملة مائة وثلاثين رسالة من رسائل النور -ماعدا تلك الرسائل ذات الخصوصية- وحسناتها الكثيرة لهذا الوطن، ومن يبطل تلك بهذه فهو ظالم ومجحف.

أما عيوب شخصيتي التي لا أهمية لها فإني أقول فيها مضطرًّا وبلا رغبة مني:

1- إن من قضى ثماني عشرة سنة من حياته في الغربة وحيدًا منزويًا وكأنه في السجن الانفرادي،

2- ولم يذهب في هذه المدة بإرادته ولو مرة واحدة إلى السوق ولا إلى المساجد التي هي مجمع الناس،

3- ولم يراجع الحكومة مرة واحدة من أجل راحته بخلاف كل المنفيين من أمثاله مع أنه عانى المضايقة والعنت كثيرًا،

4- ولم يقرأ منذ عشرين سنة أي صحيفة،


[1]    من تلك الرسائل الشعاع الخامس، واللمعة الرابعة والعشرون التي هي رسالة الحجاب.



340. صفحة

- ولم يستمع إليها،

6- ولم يرغب في معرفة ما فيها،

7- ولم يعلم منذ سنتين وسبعة أشهر من مجموع ثماني سنوات كاملة قضاها في قسطموني -بشهادة جميع الأصدقاء- الصراعات الدائرة على وجه الأرض، والحروب، والصلح، ومن حارب من،

8- ولم يتطلع إلى كل ذلك،

9- ولم يسأل عنه،

10- ولم يستمع إلى المذياع الذي بقربه إلا ثلاث مرات خلال ثلاث سنوات،

11- وأثبت -بشهادة مائة ألف ممن أنقذوا إيمانهم بواسطة رسائل النور- أنه واجه الكفر المطلق الذي يدمر الحياة الأبدية ويحول الحياة الدنيوية إلى ألم في ألم وعذاب في عذاب واجهه برسائل النور منتصرًا،

12- وحوَّل الموت برسائل النور المترشحة من القرآن الكريم من إعدام أبدي في حق مائة ألف من الناس إلى تذكرة تسريح،

أقول: أي قانون يمس بسوء إلى هذه الدرجة من هو في هذا الحال ويُقنّطُه ويُبكيه ويُبكي معه مئات الآلاف من أصدقائه الأبرياء؟ وأي مصلحة في ذلك؟ ألا يكون ذلك غدرًا لا مثيل له باسم العدالة؟ أوليس ذلك خلافًا لا مثيل له للقانون باسم القانون؟!

وإن قلتم في هذه التحريات كاعتراض بعض الموظفين: إنك وبعض رسائلك تخالف النظام ومنهجنا؟

الجواب: أولا: لا يحق أبدًا لمنهجكم أن يدخل في معتكفات المنزوين.

ثانيًا: إن رد الشيء شيء، وعدم قبوله قلبًا شيء آخر، وعدم العمل به شيء آخر تمامًا، فأهل الحكومة عليهم أن ينظروا إلى الأفعال والسلوك لا إلى القلوب، وفي كل الحكومات هناك من لا يتعرضون للإدارة ولا يمسون الأمن، حتى إن النصارى الذين كانوا تحت حكم سيدنا عمر رضي الله عنه ما كانوا يُمسّون بسوء


341. صفحة

على الرغم من أنهم كانوا ينكرون قوانين الشريعة والقرآن ويعادون النبي صلى الله عليه وسلم، فإن لم يقبل بعض تلاميذ رسائل النور نظامكم ومنهجكم علمًا وخالفوه عملا -بشرط عدم التعرض للإدارة- وفق دستور حرية الرأي والضمير فلا يـُمَسّون حسب القانون بسوء ولو عَادَوْا صاحب النظام. أما الرسائل موضع الانتقاد منكم فإننا قلنا إن مثل تلك الرسائل ذات خصوصية، ومنعنا نشرها، حتى إن الرسالة التي تسببت هذه المرة في وقوع هذه الحادثة وهي الشعاع الخامس، التي قد أتاني أحدهم بنسخة منها مرة أو مرتين خلال ثماني سنوات في قسطموني، أخفيناها في اليوم نفسه. ومن المعلوم أنه إن كان في رسالة عيب فلا تحظر إلا تلك الكلمات المعيبة، ويسمح لما تبقى بالنشر، وقد وجدوا في محكمة "أسكي شهر" بعد تدقيقات دامت أربعة أشهر في مائة رسالة خمس عشرة كلمة فقط هي موضع انتقاد منهم، وهذا يثبت إثباتًا قاطعًا أنه لا يمكن التعرض لرسائل النور؛ لأن غايتها ليست الدنيا، والكل محتاجون إليها.

وإن حسبتم الإلحاد نوعًا من السياسة وقلتم كما قال البعض في هذه الحادثة: إنك تفسد مدنيتنا وراحتنا بهذه الرسائل؟ فإني أقول: "إن أمة لا دين لها لا تعيش ولم توجد أصلا" دستور عام في العالم، وقد أثبتت رسالة "مرشد الشباب" من رسائل النور إثباتًا قاطعًا أن الكفر المطلق يورث عذابًا أليمًا أشد من عذاب جهنم، وهذه الرسالة موجودة في بعض النسخ في ختام رسالة مفتاح الإيمان ضمن ما عثرتم عليه من رسائل في تحرِّيكم هذه المرة.

إن المسلم إذا ارتد -العياذ بالله- يقع في الكفر المطلق، ولا يبقى في الكفر المشكوك الذي يمكّنه من التلذذ بالحياة، ولا يمكن أن يكون كالملحدين الأجانب، ويسقط -بمائة مرة- إلى أدنى درجة من الحيوان الذي لا ماضي له ولا مستقبل في التمتع بالحياة؛ لأن موت الموجودات الماضية والآتية وفراقها الأبدي يمطر على قلبه بسبب ضلاله ما لا حد له من الظلمات والآلام، وإذا تمكن الإيمان في القلب فإن تلك الأموات التي لا حد لها تبعث من جديد، وتقول بلسان حالها: إننا لم نمت، ولم نهلك، وتنقلب تلك الحالة الجهنمية إلى نعيم الجنة.


342. صفحة

وبما أن هذه هي الحقيقة فإني أنبهكم، لا تبارزوا رسائل النور التي تستند إلى القرآن الكريم؛ فإنها لا تُهزَم، ولكن خسارة على هذا البلد[1]؛ لأنها ترحل عن هذا البلد إلى بلد آخر وتنوره، وإني أقول لكم كما قلت لتلك الأقسام الثلاثة من المتحرين: إن كانت لي رءوس بعدد أشعار رأسي وقطع واحد منها كل يوم فلا أحني هذا الرأس الذي هو فداء لحقيقة القرآن أمام الزندقة والكفر المطلق، ولا أتخلى عن هذه الخدمة الإيمانية والنورية ولا يمكن أن أتخلى.

ولاشك أن من يَعِشْ منزويًا منذ عشرين سنة لا يؤخذ قصوره في التعبير بعين الاعتبار.

المعتقل سعيد النورسي

باسمه سبحانه

لقد أصابني هذا الحادث قبل رمضان الشريف بيوم واحد عندما تجاوزت حرارتي الأربعين درجة بسبب شدة مرضي حسبما أخبرني الأطباء حينما سممني أعدائي الزنادقة المتسترون، وقلت إنها قضاء الله تعالى، وقد صبرت مسلّمًا الأمر لله، وقد أنقذني من جميع المشكلات عزاء هذه الآية الكريمة ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ (الطور:48) التي تشير إلى تاريخ هذه السنة، فأحد أسباب هذا القضاء الإلهي هو أن بعضًا من تلاميذ رسائل النور الجدد كانوا بعيدين عني ولم يوفقوا إلى سرّ الإخلاص، فرغبوا في الدنيا برسائل النور، ومن ثم فقد أثار بعض المتنافسين في المصالح الأوهامَ في المحاكم عندما وقع في أيدي الحسّاد الشعاع الخامس الذي كُتب أصله قبل خمس وعشرين سنة، ووقع في يدي مرة أو مرتين خلال ثماني سنوات وأخفي فورًا، وفي الوقت نفسه قد ظُنّ الشعاع السابع الذي طبع دون إذن مني وجاءت إلينا نسخُه أنه الشعاع الخامس، وبلغ الحكومةَ الخبرُ على ذلك النحو المتوهم، واختلطت المسألتان بعضهما ببعض، فأهل النوايا السيئة جعلوا من الحبة قبة، وأظهروا أن تلك الرسالة ذات



[1]    أي تركيا.



343. صفحة

الخصوصية التي ليست لدينا كأنها تخالف الدستور وكأنها قد طبعت، فتسببوا في دخولنا هذا السجن ظلمًا، ونحن نرد على أوهام أهل الدنيا فنقول:

إن الشعاع السابع المطبوع إيمان من أوله إلى آخره، ويتعلق بالآخرة، فأنتم قد انخدعتم؛ لأن الشعاع الخامس الذي نحجبه حجبًا شديدًا، والذي لم يُعثر عليه عندنا في التحريات الدقيقة، والذي كُتِبَ أصله عندما كنت في دار الحكمة الإسلامية قبل خمس وعشرين سنة بنية إنقاذ الأحاديث المتشابهة من الإنكار ولتقوية إيمان الضعفاء؛ يختلف عن الشعاع السابع تمامًا.

وعلى الرغم من أننا لسنا راضين بإظهار هذه الرسالة –أي الشعاع الخامس- في هذا الزمان فضلا عن طبعها، فإن ما أخبرت به إشاراتُ الأحاديث في هذه الرسالة قد وقع حقًّا كما أخبرت، وقد أخفيتْ إخفاء صارمًا؛ لأنه يمكن تفسير ما أخبر به كما لو أن بعضه قد ظهر أو يمكن أن يتوهم توهمًا خطأ، وهذه الرسالة فيها إخبارات غيبية ومعنى عام للأحاديث، ولكنها لا تحدد الأشخاص، ولم نحددهم نحن أيضًا، ولم تُنشَر هذه الرسالة كي لا تُطبّق على بعض الأشخاص الذين يمكن أن يدخلوا ضمن المعنى العام لتلك الأحاديث الشريفة، ثم إنها لا تبارز، وإنما تخبر فحسب، وتنقذ الإيمان من وجوه مهمة.

الحاصل: إن حكومةً في آسيا[1] لا تستطيع أن تبارز رسائل النور التي هزمت الكفر المطلق، بل هي مضطرة إلى التصالح معها، وإنني مستعدّ لأثبت بدلائل قوية أن هذه الأمة محتاجة إلى حقائق رسائل النور كاحتياجها إلى الخبز.

وبما أن محكمة أسكي شهر لم تجد ما يوجب العقوبة إلا بضع نقاط توجب عقوبة مخففة في بعض الرسائل بعد تدقيق دام أربعة أشهر في مائة رسالة، وقد قضينا أضعاف تلك العقوبة، وبما أن جميع أجزاء رسائل النور صارت في أيدي السلطات المحلية في إسبارطة، وأعيدت إلى أصحابها بعد بضعة أشهر من التحقيقات، وبما أنه لم يعثر بعد العقوبة على تسرب يستدعي تدخل الشرطة والمحكمة خلال ثماني سنوات من التحريات الدقيقة في قسطموني، وبما أنه



[1]    يقصد حكومة تركيا.



344. صفحة

قد ظهر في هذا التحري الأخير أن تلك الرسائل قد أخفيت قبل بضع سنوات تحت أكوام الخشب بحيث لا يمكن العثور عليها ولا نشرها، وتحققت الشرطة من ذلك، وبما أن مدير الشرطة في قسطموني ومحكمتها وعداني وعدًا قاطعًا أن يعيدا إليّ تلك الكتب المخفية غير المضرة، ولكن في اليوم التالي جاء أمر مفاجئ من إسبارطة باعتقالي فَزُجَّ بي إلى السجن من دون أن أستلم الأمانات؛ فلا شك أن من مقتضى وظائف المحكمة في دنيزلي والنائب العام فيها أن يضعا حقوقي المهمة جدًا نصب العين بناء على هذه الحقائق الخمس، وإني آمل من النائب العام الذي يدافع عن الحقوق العامة أن يدافع عن حقوقي الشخصية التي صارت من الحقوق العامة المهمة لارتباطها برسائل النور.

المريض الغريب العجوز الذي يعيش حياة العزلة المطلقة، والذي انسحب من الحياة الاجتماعية منذ اثنتين وعشرين سنة، والذي لا يعرف القوانين الحالية ولا طرق التعبير الجديدة، والذي فوض جميع أموره إلى إنصاف محكمة دنيزلي معتمدًا عليها، والذي قدم مائة صفحة من دفاعه الذي لا يمكن دحضه أمام محكمة أسكي شهر، والذي قضى عقوبة تقصيراته حتى ذلك الوقت، والذي عاش بعد ذلك في قسطموني تحت الترصد الدائم في ما يشبه السجن الانفرادي

سعيد النورسي

 

خاتمة

إن سعيدًا الجديد معرض عن الدنيا، ولا يتكلم مع أهل الدنيا والسياسيين ولا يدافع عن نفسه أمامهم إذا لم يكن هناك اضطرار قاطع، ولا يرى حاجة إلى ذلك، ولكن كثيرًا من المزارعين الأبرياء في هذه المسألة اعتُقِلُوا لعلاقتهم علاقة ضعيفة بنا، ولم يستطيعوا أن يوفروا لأهليهم العيش، فأثار هذا الحال رقتي بشدة، وأبكاني من أعماق قلبي، ولو كان ممكنًا لتحملت كل مشقاتهم، فأنا المقصر إن كان هناك تقصير، وهم أبرياء، ومن ثم فإن سعيدًا القديم -على الرغم من سكوت


345. صفحة

سعيد الجديد في هذه الحالة الروحية الأليمة- يقول: بما أن سعيدًا الجديد العديم الحيلة يجيب عن مئات من الأسئلة التافهة التي سألها النائب العام في إسبارطة. فإني لا أسأل محكمة إسبارطة، وإنما يحق لي أن أسأل وزارة الداخلية و"شكري قايا" الذي كان على رأسها قبل تسع سنوات، ووزارة العدل الحالية ثلاثة أسئلة للدفاع عن حقوقنا.

السؤال الأول: أي قانون يجيز اعتقالي واعتقال مائة وعشرين شخصًا وإلحاق خسارة آلاف الليرات بأكثر من مائة شخص تحققت براءتهم -غير خمسة عشر من المساكين- عندما حصلوا على البراءة التامّة بعد أربعة أشهر من تدقيق المحكمة؟ من جراء جدال رجل ليس من تلاميذ رسائل النور ومعه مراسلة عادية وهو من "أكيردير[1]" مع ضابط الدرَك من غير أن يؤدي ذلك إلى حادث، وأي دستور من دساتير العدالة يسمح باعتبار شيء ممكن شيئًا واقعًا؟

السؤال الثاني: إن الإنسان لا يكون مسئولا عن أخطاء أخيه الشقيق وفق هذا الحكم الأساسي ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾(الأنعام:164)، فأي قانون من قوانين العدالة يسمح لكم باعتقالنا واعتقال ما يقرب من أربعين من المزارعين وأصحاب المتاجر الصغيرة والتضييق علينا وعليهم في شهر رمضان المبارك هذا بسبب رسالة عثر عليها في مكان بعيد عنا عند رجل لا نعرفه وفسرت تفسيرًا خطأ، وهي رسالة ألفت أصلا قبل خمس وعشرين سنة وأنقذت الإيمان من الشبهات من نواحي مهمة، وأنقذت بعض الأحاديث المتشابهة التي لا تُفهم معانيها من الإنكار، وكنتُ منعتُ نشرها بشدة حتى لا تفسر تفسيرًا خطأ، ولم تقع في يدي إلا مرة أو مرتين خلال ثماني سنوات، وأُخْفِيَتْ فورًا؛ بل أي قانون يبيح اعتقالهم بسبب مراسلة عادية قديمة و بسبب صداقتهم لنا قبل عشر سنوات، وإلحاق آلاف الأضرار المادية والمعنوية بهم وبالوطن والشعب بسبب أوهام تافهة؟ وأية مادة من مواد القانون تسمح بهذا؟ إننا نريد أن نعرف تلك القوانين حتى لا نخطو خطوات خاطئة ؟



[1]    بلدة تابعة لمحافظة إسبارطة.



346. صفحة

أجل[1]؛ إن سرّ حقيقة اعتقالنا هو:

إن الشعاع الخامس الذي كتب أصله عندما كنت في دار الحكمة الإسلامية قبل مدة طويلة لإنقاذ إيمان العوامّ ضد من ينكرون الأحاديث بحجة أن معانيها لا تفهم ولا يعرف تأويلها ومن ثم لا يستسيغها العقل، إن هذا الشعاع وإن كان متوجها بفرض المحال إلى الدنيا والسياسة وكتب في هذا الزمان، فبما أنه مخفي ولا ينشر، ولم يعثر عليه عندنا في أثناء التفتيش، وبما أن ما أخبر به صدق وصواب، ويزيل الشبهات الإيمانية، ولا يمس الأمن والسلام، ولا يبارز أحدًا، بل يخبر فقط، ولا يحدد أشخاصًا بعينهم في ما يخبر، ويبين حقيقة علمية بيانًا كليًّا، ولاشك أن هذه الحقيقة العلمية للأحاديث الشريفة إن ظهرت مطابقة لبعض الأشخاص في هذا الزمان مع أنها أخفيت تمامًا حتى لا تتسبب في الجدال، فإنها لا تشكل أيةَ جريمة قضائية بوجه من الوجوه.

ثم إن رفض شيء شيءٌ، وعدم قبوله من حيث العلم أو عدم العمل به شيء آخر تماما، ولا نظن أن هناك قانونًا في الأرض يجرّم تلك الرسالة لأنها لا تَقْبل من ناحية فكرية منهج نظام سيأتي في المستقبل القريب.

السؤال الثالث: إذا وجد خطأ في خمس كلمات من بين عشرين كلمة من كلمات رسالة ما فإن تلك الكلمات الخمس هي التي تحظر، ويسمح للكلمات المتبقية، وهذا دستور عام، ومن ثم فإن اعتقال المساكين الذين خدموني لله تعالى مثل "عبد الله جاويش" الذي كان يطبخ لي الطعام قبل خمس عشرة سنة، والذين قدموا خدمة بسيطة لرسائل النور وكتبوا رسالة منها لإنقاذ إيمانهم، تلك الرسائل التي دققت فيها محكمة أسكي شهر مدة أربعة أشهر ولم تجد فيها بين مئات الآلاف من كلماتها إلا حوالي عشرين كلمة فقط يتوهم أنها مضرة في النظر الظاهري، تلك الرسائل التي نفعت هذا البلد والعباد ألف منفعة كبيرة لأنها صارت وسيلة لصلاح مئات الآلاف من الناس حتى الآن؛ أقول أي مبدأ من مبادئ الحكومة الجمهورية يمكن التوفيق بينه وبين اعتقال هؤلاء في موسم العمل هذا؟



[1]    ينبغي قراءة هذا المقام من كلمة "أجل" إلى "السؤال الثالث" قراءة متأنية. (المؤلف).



347. صفحة

وأي قانون من قوانينها يمكن أن يسمح بذلك؟ وبما أن مبادئ الجمهورية لا تمس الملحدين حسب قانون حرية الضمير؛ فلاشك أنه ينبغي ومن الأوْلى ألا تمس المتدينين الذين لا يتدخلون في الدنيا إلا قليلا، ولا يبارزون أهل الدنيا ويعملون عملا نافعًا لآخرتهم ودنياهم ووطنهم.

ونحن نعلم أن أهل السياسة الذين يحكمون في آسيا التي ظهر فيها الأنبياء عليهم السلام لا يمنعون ولا يستطيعون أن يمنعوا منذ ألف سنة التقوى والصلاح اللذين هما من الحاجات الضرورية لهذا الشعب كالغذاء والدواء.

إن سعيدا يعيش حياة العزلة منذ عشرين سنة، ومن مقتضى الإنسانية التغاضي عن أخطائه التي لا توافق فهم هذا الزمان في هذه الأسئلة التي سألها بعقلية سعيد قبل عشرين سنة. أقول "حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الوَكِيلُ".

المعتقل سعيد النورسي

 

باسمه سبحانه

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

أقدم حالي وشكاواي المهمة لرؤساء محكمة دنيزلي ونائبها العام وقضاة الاستجواب فيها.

أيها السادة!

لا أستطيع منذ عشرين سنة أن أعرف الحياة الاجتماعية؛ لأن العلاقة بها والتفكير فيها يؤلمانني إن لم تكونا لحساب الآخرة، فلا تنظروا إلى تقصيراتي في أقوالي وسامحوني.

لقد تعرضتُ لأوهام رجل كبير في الدنيا قبل تسع سنوات، وبعد التدقيق في مائة من رسائلي عاقبوني سنة بسبب مسألة أو مسألتين في إحدى رسائلي، وقد قضيت تلك العقوبة وثماني سنوات من عقوبة السجن المنفرد في غرفة تواجه


348. صفحة

مخفر الشرطة، حتى لا يصدر مني ما يمس أوهام أهل السياسة، وتصدقني في ذلك إدارة محافظة قسطموني ومحكمتها وشرطتها، ولم يصدر مني حال مشتبه فيه أثناء تفتيش منزلي مرات عديدة بعد تلك العقوبة، فإن كان موجودًا فإما أن حكومة محافظة قسطموني لم تعلم بذلك وإما أنها لم تبالِ به، إذن فهي المسئولة أكثر مني.

وبما أن مبادئ الدولة لا تمس الملحدين وأهل السفاهة حسب دستور حرية الضمير؛ فلاشك أنها حسب تلك المبادئ لا تمس المتدينين الذين لا يتدخلون -بقدر الإمكان- في الدنيا والسياسة، ويجب ألا تمسهم. ومن الثابت بتصديق الشرطة والقضاء أن الذين يتعرضون لي الآن في حياتي التي كانت تحت الترصد والمراقبة طوال ثماني سنوات في قسطموني؛ جعلوا من الحبة قبة بسبب الأوهام والنوايا السيئة وليس بسبب المبادئ الجمهورية وقوانينها.

أجل؛ سأبين لكم -إن سمحتم- بعضًا من الأمارات الكثيرة التي تدل على أنهم أظهروا الحبة قبة بسبب الوهم والعناد:

الأمارة الأولى: وضْع الأغلال في يد بعض الذين خدموني قبل خمس عشرة سنة والذين لا أعلم عن حياتهم شيئا بعد براءتهم في محكمة أسكي شهر، وفي يد بعض الأطفال الذين أحسب أنهم في سن اثنتي عشرة أو ثلاث عشرة سنة والذين لم أرهم قط والذين علمت من خلال مراسلةٍ ما أنهم تعلموا قراءة القرآن بسرعة وبدءوا يستنسخون الرسائل الإيمانية، وأعجبني ذلك فقلت فيهم "ما شاء الله" و"بارك الله"، وفي يد بعض المزارعين والحرفيين بسبب بعضٍ من رسائلي القديمة التي جرى ذكرها في محكمة أسكي شهر ولم يبالَ بها، واعتقالهم كشركاء لي في جريمتي المزعومة الآن.

الأمارة الثانية: لقد صادر قضاء قسطموني وشرطتها جميع كتبي ومراسلاتي وأمتعتي الخاصة بي في تفتيش دقيق، وبينما كنت أنتظر إعادة كتبي وأمتعتي بناءً على تعهداتهم وليس اعتقالي؛ إذا بي أُساق إلى السجن دون أن آخذ أماناتي في دار القضاء بناءً على إخبار النائب العام في إسبارطة بالاعتقال.


349. صفحة

وبينما كنت أنتظر الاستجواب وأنا غير معتقل في إسبارطة عوملت معاملة قاسية بأمر ذلك النائب العام بحجة دنيئة جدًّا وهي أن أحد أفراد الشرطة العسكرية سمح لي بأداء صلاة المغرب خارج مسجد كان على طريقنا حتى لا أتركها للقضاء، وتلك المعاملة هي أنني عندما ذهبت للإدلاء بأقوالي وضعوا الأغلال في يدي وجعلوني في عزلة مطلقة وكأنني أخطر مجرم، ووضعوا الأغلال في أيدي أصدقائي الأبرياء المساكين في القطار أثناء سيره.

لقد توهم النائب العام في إسبارطة رسالة الشعاع السابع ذلك الشعاع الإيماني البحت الذي يتشابه في الاسم مع تلك الرسالة، توهّمها أنها الشعاع الخامس بسبب طبعها بالحروف القديمة، وحاول استجوابنا بأسئلة لا داعي ولا معنى لها وبما فهمه منها بتفسيرات خاطئة دون أن يضع في الحسبان حصول التقادم على أجزاء رسائل النور التي عمرها عشرون سنة والمراسلات التي تكتب منذ خمس عشرة سنة والتي صودرتْ، ولا جريان قوانين العفو عليها ولا تبرئة محكمة أسكي شهر لها وإطلاقها سراحها، ومنها:

أولا: كنت قد ذكرت قبل عشرين سنة بناء على إحدى الروايات وهي: "إن السفياني[1] الرهيب سيموت في إسطنبول، وسيصرخ الشيطان عند "ديكيلي طاش[2]" وسيُسمِع العالم نعيه، أي سيعلن عبر المذياع قائلا: إنه مات، فعبارة "قائلا" لم يقرأها النائب العام في هذه الجملة، فاعترض، وقال: إنك تقول إنه مات، فقلت: هناك عبارة "قائلا" في الجملة، ثم سَكَتَ. وهناك أمارات أخرى كثيرة تدل على أنهم جعلوا الحبة الواحدة ألف قبة بسبب أوهامهم ونواياهم السيئة، حتى إن أغربها هو أنهم لما لم يجدوا ما يتهموننا به كانوا يجددون الحكاية



[1]    السفياني: ورد ذكره في بعض الأحاديث، منها؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يخرج رجل يقال له السفياني في عمق دمشق وعامة من يتبعه من كلب فيقتُل حتى يبقر بطون النساء ويقتل الصبيان، فتجمع لهم قيس فيقتلها حتى لا يمنع ذنب تلعة ويخرج رجل من أهل بيتي في الحرة فيبلغ السفياني فيبعث إليه جندًا من جنده فيهزمهم فيصير إليه السفياني بمن معه حتى إذا صار ببيداء من الأرض خسف بهم فلا ينجو منهم إلا المخبر عنهم. رواه الحاكم في المستدرك:(ج4/565، 8586)، ووافقه الذهبي.

[2]    يعني العمود الحجري المنصوب، وهو موجود في ساحة السلطان أحمد بإسطنبول.



350. صفحة

القديمة وهي تأسيس طريقة صوفية وتكوين جمعية واتخاذ المشاعر الدينية أداة، والإضرار بالأمن الداخلي وغيرها من القضايا التي كسبنا البراءة منها في محكمة أسكي شهر، وكذلك استجوابهم لنا بتلك المبررات التي لا أصل لها والتي رُدّت ردًّا قاطعًا بدفاعاتي المكونة من مائة وخمسين صفحة، إنني أقول تجاه كل هذه المبررات التي لا أصل لها:

إذا كانوا يستطيعون أن يتهموا حكومة محافظة قسطموني التي راقبتني مراقبة دقيقة طوال هذه السنوات الثمان ولم تمسني، ومحكمة أسكي شهر التي لم تحكم عليّ إلا سنة بالسجن بسبب بضع مسائل في بعض الرسائل، ولم تمس غيرها، ودار القضاء في إسبارطة التي أعادت إليّ جميع أجزاء رسائل النور بعد ثلاثة أشهر من التدقيق، وإذا كانوا يستطيعون أن يُدخِلوا في المحكمة أولئك الذين هم أفضل هذا الشعب روحًا والذين يشكلون الأكثرية نوعيةً، ولا ضرر منهم وهم المتدينون غير المحدودين الذين لا علاقة لهم بي وبرسائل النور إلا بقدر علاقة الذين اعتقلوا بسبب علاقتهم بي، فيمكن عندئذ لأولئك المعترضين المتوهمين أن يحاولوا التدقيق في هذه المسألة الجديدة لرسائل النور تدقيقًا فاحصًا كالنائب العام في إسبارطة ذلك المعاند الكثير الأوهام في حقي، فيتهموننا كأن هذا الحصاد الذي هو نتاج عشرين سنة هو حصاد هذه السنة وكأنه لم يشمله قانون العفو، فيحيلوننا إلى المحكمة، وإلا فإن العدل والحق والقانون إذا طُعِن من أجل خاطر بعض الناس فستنبذهم ماهية العدل -التي هي الأكثر حيادا والتي لا تبقى تحت أي تأثير خارجي وترغم السلاطين على الخضوع أمامها مع الرجال العاديين- خارج دائرتها.

إنني سلّمت أمري لمحكمة دنيزلي، وأنتظر من رحمة خالقي أن أراها وأجدها دائرة عدل في حقي.

وبما أن حياتي ذات علاقة بمحكمة دنيزلي الآن، فإن صحتي أيضًا ذات علاقة بها، وقد طلبت طبيبا عطوفًا لمرضي وانتظرت، وكتبت طلبًا إلى لجنة الأطباء هنا قبل أن يأتي الطبيب، أقدم نسخة منها الآن إلى قضاة المحكمة التي هي السلطة الرسمية بالنسبة لي.


351. صفحة

كتبت إلى الأطباء: إن لكم علاقة بنا قبل النائب العام؛ لأنكم أطباء ومن السجايا العظيمة في مهنتكم العطفُ، ومعرفة ماهية الموت وحقيقته واجب عليكم أكثر من كل أحد، والحكمة الربانية في تشريح جسم الإنسان الذي هو بمنزلة كون صغير موضع اهتمام في مهنتكم أكثر من كل المهن؛ ذلك أن هناك في قضيتنا هذه نوعًا من الهجوم على رسائل النور التي هي ذات علاقة بكل البلد، ولما كانت رسائل النور يتجلى عليها اسم الحكيم واسم الرحيم، والشفقة والعطف من أسسها المهمة فإنها هي الأخرى طبيب معنوي كبير، وقد حلّت طلسم حقيقة الموت المرعب ومعمّاه المحبوب، وبسرّ القرآن حوّلتْه من كونه إعدامًا أبديًّا في حق مئات الآلاف من الناس إلى تذكرة تسريح، وأثبتت إثباتًا قاطعًا أنه تذكرة تسريح في حق أهل الإيمان، ومنحتهم سلوانًا حقيقيًّا.

إنني مضطر إلى الدفاع عن رسائل النور التي لم يستطع أي فيلسوف أن يجرح أية مسألة من مسائلها على الرغم من أنها تتحدى الزنادقة والماديين والطبيعيين منذ حوالي عشرين سنة، وصحتي مختلة بعض الشيء؛ لذا أرجو منكم رجاء جادًّا أن تنظروا إليّ بنظرة عطف؛ لأنني عشت وحيدا منعزلا وكأنني في سجن انفرادي بسبب الاستيحاش من الناس منذ ثماني عشرة سنة، ولم أقرأ أية جريدة ولم أستمع إليها، ولم أتطلع لها منذ عشرين سنة بسبب مرض اجتماعي أيضًا، ولم يصلني أي خبر عن الحروب والأحداث الجارية في العالم منذ سنتين وشهرين بسبب مرض اجتماعي مهم أيضًا، ولم أتطلع إليها ولم أسأل عنها، مع أني مهتمّ بالمجتمع من خلال رسائل النور بقدر اهتمام آلاف الناس بها.

ثانيًا: على الرغم من أنني عشت منذ ثماني عشرة سنة وحيدًا في غرفة كأنني في سجن انفرادي لكنّ منزلي لم يكن ضيقًا رطبًا متعفّنًا وكان مطلًّا على المناظر، وكانت أشعة الشمس تدخله، وكنت أخرج للتنزه والفسحة، وألتقي ببعض الأصدقاء، والآن أنا عجوز أبلغ السبعين، وضعيف أحتاج إلى خادم مخلص، ومصاب بألمٍ بسبب شدٍ في عضلة الرقبة منذ ما يقرب من خمسين سنة، ولا أستطيع أن أتحمل البرد، ففي رمضان الماضي لم أستطع أن أتناول إلا


352. صفحة

بضعة أرغفة؛ لذا فالحفاظ على صحتي تحت هذه الظروف القاسية متوقف على وظيفتكم وهمتكم.

إن صحتي ليست مهمة لأنني لست شخصية ذات أهميةٍ، ولكن بما أن الدفاع عن طائفة عظيمة إيمانية قرآنية وأخروية نفعت الوطن والشعب وإدارة البلد والأمن والسلام نفعا عظيمًا، وأنقذت إيمان مئات الآلاف من الناس من المخاطر، ونشرت أفكار مائة وثلاثين رسالة من رسائل النور بآلافٍ من نسخها، وليست لها علاقة بأي تيار من التيارات الجارية في العالم، وقد ابتعدت عن السياسة ابتعادًا تامًّا، وأن خططًا للمهاجمة تُدبَّر عليها بسبب وهمٍ لا أصل له منذ سنة، أقول بما أن الدفاع عن هذه الطائفة وتخلصها من ضرر الأوهام ارتبط بصحتي ورباطة جأشي وهدوئي؛ فلاشك أنكم ستهتمون بظروفي الصحية بنية كسب أدعية مئات الآلاف من التلاميذ، أما إن نظرتم إلى الأمر نظرة رسمية فقط كأن تقولوا ما أهمية صحة رجل متّهم معتقل؛ فإن ما في الطبابة من حكمة ورأفة وإنسانية ستتأذى عند ذلك، وسينقطع أملي عن أناس هذا الزمان.

الشيخ الطاعن والمريض منذ زمان بعيد والضعيف والمتألم جدًّا والمعتقل

                                                                           سعيد النورسي

 

السادة والقضاة

لما كانت للنائب العام في إسبارطة أسئلةٌ كثيرة مختلفة مكررة غير منتظمة حول رسائل النور فجاءت تعبيراتي متقطعة غير منتظمة ومكررة أحيانا هكذا لاضطراري للدفاع عن رسائل النور، فأرجو أن تنظروا إليها بنظر التسامح.

وإنني أقول بسبب احتمال أن تقع في أيديكم أو وقعت بالفعل بعضُ الرسائل ذات الخصوصية (وهي: رسائل الكرامات العَلَوية، والكرامات الغوثية، والإشارات القرآنية) التي تبين قيمة رسائل النور، أقول: إن من واجب هذه المحكمة أن تدافع عن رسائل النور لا أن تعترض عليها وتنتقدها.


353. صفحة

أجل؛ إن تلك الرسائل الثلاث المذكورة ذات الخصوصية تُصدِّق رسائل النور بمئاتٍ من إشاراتها وتوقِّعُ على حقانيتها، ولا تُفنَّد قضيةٌ يشهد عليها هذا الكم من الأمارات، فوراء رسائل النور إشارات ثلاث وثلاثين آية قرآنية، وإخبارات الإمام عليّ رضي الله عنه بثلاث كرامات غيبية، وشهادات الغوث الأعظم القريبة من الصراحة، فالهجوم على رسائل النور يعني الهجوم عليها.

أجل بما أن الموت لم يقتل، وباب القبر لا يُغلَق، والحياة الدنيوية تَذهَب إلى الفناء؛ فلاشك أن هناك حاجة شديدة إلى مؤلَّف قدسي قاطعة براهينه مثل رسائل النور.

 

هذه الفقرة دخلت في النسخة المسودة، ولم نخرجها، وهي رسالة كتبتها إلى إخواني في السجن

باسمه سبحانه

بينما كنت أفكر كيف أدافع عن إخواني في اليوم الذي دعاني فيه القاضي للاستجواب فتحت (حزب المصون) للإمام الغزالي رحمه الله، ولفتت أنظاري هذه الآيات: ﴿إِنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾(الحج:38)، ﴿اللهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾(الشورى:6)، ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾(الرعد:29)، فوجدت أن الواو في كلمة "آمَنُوا" في الآية الأولى مدٌّ (فإذا حُسِبَتْ الشدّاتُ ولم تُحسب المدود)، فسيكون مقامُه الجفري والأبجدي ألفاً وثلاثمائة واثنين وستين، ويتفق معناه ومقامه مع تاريخ هذا العام بالهجري ومع نفس الزمن الذي عزمنا فيه على الدفاع عن إخواننا المؤمنين بالضبط، وقلت: الحمد لله، إن هذا يغني عن دفاعي، ثم خطر على بالي أن أتطلع متسائلاً: ماذا تكون النتيجة؟ فرأيت أن الجملتين في ﴿اللهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾﴿طُوبَى لَهُمْ﴾ -بشرط أن يحسب التنوين- يكون المقام الجفري فيها ألفا وثلاثمائة واثنين وستين، وإذا لم يحسب مد واحد يكون ألفا


354. صفحة

وثلاثمائة وثلاث وستين، وإذا حسب ذلك المدّ فإن الحساب يتوافق توافقا تاما مع هذا الوقت الذي نحن في أشد الحاجة إلى الحفظ الإلهي فيه، ومع التاريخ الهجري لهذا العام والعام القادم، فيبعث سلوانا بالتأكيد على أننا محفوظون أمام هجوم رهيب يُعَدُّ ضدنا في نطاق كبير وساحةٍ واسعةٍ منذ سنة.

ولأن أسطع انتشار لرسائل النور في هذه الحادثة كان في دائرة الموظفين؛ فإن الاعتقال المؤقت حاليا لا يدفعنا إلى اليأس ولا يجب أن يدفعنا إليه.

وإنني أعتقد أن مصادرة رسالة الآية الكبرى بسبب طبعها إعلان عن مقامها الساطع وتلفت الأنظار إليها من كل النواحي، فـ"مَنْ آمَنَ بِالقَدَرِ أَمِنَ مِنَ الكَدَرِ" دستور جميل في السلوان، وإننا بالإضافة إلى هذا التسليم نحتاج بشدة إلى تساند قوي، وإلى عدم الالتفات إلى أخطاء بعضنا، وإلى تقوية علاقتنا برسائل النور وليس إضعافها.

إنني أرى أن غاية ما يريده الذين يهاجموننا إفساد تساندنا وإضعاف احترام الناس لي لدرجة إهانتي لظنهم أن توقير رسائل النور تابع لتوقيري، ويظنون بسبب جنونهم أن إضغاف احترام رسائل النور يكون بإضعاف احترام الناس لي، ويمنعونني من الكلام بشدة حتى لا تُفهَم حقيقةُ القضية وتسكت رسائلُ النور.

ولا يعلم هؤلاء الأشقياء أنه إذا سكت لساني الضعيف فإن ألسنة قوية لآلاف من إخواني في كل الأنحاء، وألسنة مفوهة واضحة لآلاف النسخ من رسائل النور المنتشرة في البلاد تتكلم ولا تسكت ولا يمكن إسكاتها، فعلينا إزاء كل تضييقاتهم أن نواجههم بقوة الإيمان التحقيقي وبسرّه وبمكسبَينا الاثنين القيمين القدسيين اللذين هما سببا سرورنا وسعادتنا ويَعْدلان الدنيا، واللذان هما الدخول في القبر بالإيمان وأن يقوم كل منا بالدعاء والتسبيح والعمل الصالح بمائة لسان بواسطة الشركة المعنوية. وعلينا أن نفكر في ثواب المعاناة السابقة ولذّاتها المعنوية، وفي عدم وجود المعاناة القادمة في الوقت الحالي، وأن نصبر على المصائب الحالية في هذه الساعة ونشكر الله تعالى.


355. صفحة

وبما أنني أصبر وأتحمل مع أنني أتألم بآلامكم أيضًا وأتعرض للمضايقات أكثر منكم، فإني لا أكثر لكم من التسرية والسلوان لاعتقادي أنكم لا تحتاجون كثيرا إلى تسريتي وسلواني.

سعيد النورسي

باسمه سبحانه

عندما جاءني مدير الشرطة مع النائب العام في السجن أعطيته هذه المراسلة، وسلمها للوالي.

عريضة لهيئة الضباط في إدارة الشرطة

أيها السادة

سأبين لكم حقيقة؛ لأن هيئتَكم ذات علاقة من حيث الأمن بما حدثت لي من الأمور بسبب الأوهام؛ حيث إن موظفي التحقيق وضباط الشرطة في قسطموني وأنقرة وإسبارطة اتصلوا بنا كي يفهموا أسرارنا، ولكن شرطة قسطموني علمتْ أننا لا نثير ما يُقلق الشرطة بل نساعدهم، وشرطة إسبارطة بدأتْ ترانا نحن ورسائل النور وتلاميذها في اتصالاتها الكثيرة بنا عونًا وصديقًا لاستقرار الأمن والسلام، حتى إنني كنت سـأُفشي لشرطة إسبارطة أخفى أسرارنا بلا تردد مع أن النائب العام في إسبارطة كان يخشى أن تسمعها شرطةُ إسبارطة، وكنت سأرسلها مع ضباط الشرطة المدنيين الذين كانوا سيأتون معي، ولكن هؤلاء -أي شرطة إسبارطة- كبّلوني، ولم يأت أولئك- أي ضباط الشرطة المدنيون-، ولم أرسلها أنا.

أجل؛ لا أهمية ولا قيمة لي باعتبار شخصي، ولكني كنت ذا علاقة بكثير من مناطق البلد منذ أربعين سنة، فيها كثير من أحبابي المخلصين وإخواني الحقيقيين وأصدقائي الذين حضروا دروس رسائل النور، فلو كان حالهم في غير صالح الأمن والسلام لظهرت منهم بعض الأحداث، ولكن التهمة في محكمة أسكي


356. صفحة

شهر وفي هذه المرة بنيت على أساس الإمكان وليس على أساس الواقع، أي إنهم لا يمسوننا لأننا فعلنا شيئًا، بل يمسوننا بسبب الأوهام على أننا يمكن أن نفعل ذلك.

وأنا سأقدم بلا خوف لضباط هذه المدينة دفاعي الذي يحتوي على أخفى أسرارنا إن أرادوا ذلك؛ لأن رسائل النور قد دخلت في أكثر المحافظات كما دخل تلاميذُها وهي ستدخل دنيزلي أيضًا إن لم تدخلها حتى الآن، وإنني أقول إنه من الضرر من بعض النواحي أن تنظر إدارة الأمن هنا إلى هذه القوة الأمنية[1] -التي لا تكل ولا تتراجع وتسعى لمنع السيئات وسوء الأخلاق والفوضى والطيش سعيًا جادًّا وأظهرت تأثيرها في قسطموني وإسبارطة- على أنها مُقلِقة ومتَّهَمة بدلا من أن تنظر إليها بعين الاحترام، وتسخّرها في صالح النظام العام. ومع أني وضعت نصب عينيَّ رسائلَ النور القيمة التي تنفع هذا البلد من غير الضرر وتلاميذَها الكرام ودافعت عنهم أمام المحكمة في هذه المدينة، وليس عن شخصي المجرّد، إلا أنهم منعوني من كل شيء ومن الكلام، ووضعوني في السجن الانفرادي وقالوا: دافع عن نفسك فقط كأنّني مجرم عجيب، وجعلوني في حالة تضر بصحتي وشيخوختي، ثم إني طلبت الأطباء بسبب مرضي، وكتبت إليهم خطابا بينت فيه حالي، فجاءني أحد الأطباء، وفحصني فحصًا سريعًا فهمت من ذلك وكأنه يقول: ما أهمية صحة شخص متهم مضر بالوطن، فلم أعطهم خطابي الذي عرضت فيه حالي، وأخيرًا أناشدكم أنتم، يجب الاستماع لهموم من لا يجد صديقًا في هذه الغربة وينظر إليه كل الناس على أنه متهم، فيمكنكم أن ترسلوا شرطيًّا مدنيًّا بوظيفة ما حتى يقفَ على حقيقة الوضع فيخبرَكم بها، ويأتيَكم بنسخة من دفاعي أمام محكمتي إسبارطة ودنيزلي، ولا يحصلَ خلافٌ بين الشرطة وبين تلاميذ رسائل النور.

المعتقل في السجن الانفرادي سعيد النورسي



[1]    يقصد رسائل النور وتلاميذها.



357. صفحة

باسمه سبحانه

حاصل بضع ساعات من يوم جمعة

السيد/ النائب العام

لقد تركتُ الحياة الاجتماعية منذ عشرين سنة وعلى وجه الخصوص مثل هذه الحياة السياسية الرسمية الدقيقة، ولا أعرف كيف أتصرف في مثل هذه الحالات، ولا أستطيع أن أفكر فيها؛ إذ التفكير فيها يؤلمني، ولكن قد يكون في نهاية إجاباتي التي اضطررت إليها عن الأسئلة الكثيرة المتكررة العشوائية غير الضرورية من النائب العام غير المنصف في إسبارطة وفي خلاصتها، وفي عريضتي التي قدمتها وفي دفاعي غير المنتظم الذي سُجّل في محضر قاضي الاستجواب والذي قدم لكم أيضًا، قد يكون في كل ذلك ما يخالف القوانين الحديثة التي أجهلها من بعض التعبيرات الشديدة اللهجة وبعض الأقوال التي هي خارج الموضوع وغير ضرورية ومتكررة وغير منتظمة والتي قد تُحسَب عليّ، ولكن بما أنني أسلك مسلك الحقيقة فينبغي التغاضي عن تلك الأخطاء من أجل الحق.

وبياني في تلك العريضة يتبع ستة أسس:

الأساس الأول: بما أن الحكومة الجمهورية لا تمسّ الملحدين وأهل السفاهة حسب دستور حرية الضمير في الجمهورية، فيجب ألا تمس المتدينين وأهل التقوى أيضًا، وإن أمة بلا دين لا تعيش، وآسيا لا تشبه أروبا في الدين، ولا يشبه الإسلام النصرانية في الحياة الشخصية والأخروية، ولا يكون المسلم الذي يلحد كالملاحدة الآخرين، ولا يحل أي رقي وتقدم وحضارة محل الدين والصلاح ولاسيما تعلّم حقائق الإيمان التي صارت حاجة فطرية لأمة هذا الوطن التي نورت العالم منذ ألف سنة بدينها وحافظت على صلابة دينها بشجاعة ضد هجمات كل العالم، ولا يستطيع أن ينسيها تلك الحاجة، وإن الحكومة التي تحكم هذا الشعب في هذا الوطن عليها ألّا تمس رسائل النور مستخدمة القضاء والقانون والأمن وينبغي ألّا تسمح بذلك.


358. صفحة

الأساس الثاني: بما أن رد شيء ما شيء وعدم قبوله قلبًا شيء آخر، وأن عدم العمل به شيء آخر تمامًا، وبما أن في كل دولة معارضين ألداء، وقد كان هناك مسلمون تحت حكم المجوس، وكان هناك يهود ونصارى في الدولة الإسلامية في عهد سيدنا عمر رضي الله عنه، وبما أن في كل حكومة حرية شخصية لمن لا يمسون الأمن والإدارة والسياسة، وهم لا يُمَسون، والحكومة إنما تنظر إلى الفعل لا إلى القلب، وبما أن الذين يريدون أن يمسوا الأمن والإدارة والسياسة سيهتمون بلاشك بالصحف وأحداث العالم كي يعرفوا التيارات والحالات والأحداث التي تساعدهم، حتى لا يخطوا خطوة خاطئة.

أما رسائل النور فإنها منعت تلاميذها من مثل هذه الأمور، ويعلم جميع أصدقائي المقربين أنها جعلتني أترك منذ عشرين سنة ليس قراءة الصحف فحسب بل السؤال عنها والتطلع إلى أخبارها والتفكير فيها أيضًا، ومنذ سنتين وشهرين سحبتني من الحياة الاجتماعية بحيث لا أتلقى أي خبر من أحداث العالم وأحواله؛ فلاشك ولاريب أن حكمة الحكومة وقانون السياسة ودستور العدالة لا تمسني أنا وأمثالي من الإخوة، ومن يمسنا فإنما يفعل ذلك بسبب أوهامه أو نيته السيئة أو عناده.

الأساس الثالث: لقد اضطررت إلى هذه الإجابة المفصلة الطويلة الآتية بسبب اعتراض تافه لا معنى له من النائب العام في إسبارطة -لا بدافع التقيد بالقانون وإنما عصبيةُ صداقةٍ للشخص الميت- على الشعاع الخامس الذي فهمه فهمًا خطأ.

إننا نخفي هذا الشعاع الخامس إخفاء تامًّا ولا ننشره، ولم يعثر عليه عندي في كل التفتيشات، ولم يقع في يدي منذ ثماني سنوات إلا مرة أو مرتين في ساعة أو ساعتين، ولا غاية له –أي الشعاع الخامس- إلا إنقاذ إيمان العوام من الشبهات، وإنقاذ الأحاديث المتشابهة من الإنكار، ولا يتعلق بالدنيا إلا من الدرجة الثالثة أو الرابعة، ثم إن الأخبار الغيبية التي يخبر عنها صحيحة، ولا يبارز أهل السياسة ولا أهل الدنيا، بل يخبر فقط، ولا يحدد أشخاصًا بعينهم، بل يبين حقيقة الأحاديث بيانًا كليًّا، ولكن الأيدي الخفية تناقلته فأضاف بعض من لا نعرفهم بضعة هوامش إليه، فجعلوا تلك الحقيقة الكلية موجهة إلى شخص رهيب توجيهًا تامًّا، فاعترض


359. صفحة

النائب العام ظنا منه أنها ألفت في هذه السنوات، مع أن أصل هذه الرسالة أقدم من زمن وجودي في دار الحكمة الإسلامية، ولكنها نسّقتْ فيما بعد، وأدرجتْ في رسائل النور، وذلك:

أنني كنت قد قدمت إلى إسطنبول قبل عهد الحرية، وكان القائد العام الياباني سأل علماء الإسلام بعض الأسئلة الدينية، ووجه علماء إسطنبول هذه الأسئلة إليّ، وسألوني أيضًا بهذه المناسبة أسئلة أخرى كثيرة، منها أنهم سألوني عن معنى الحديث الشريف ما معناه "يصبح الشخص الرهيب في آخر الزمان ومكتوب على جبينه هذا كافر [1]"، قلت: سيتولى أمر هذه الأمة شخص عجيب، يصبح لابسًا قبعة ويجبر الناس على لبسها، وترتب على هذه الإجابة سؤالهم: أليس الذي يلبسها يكون كافرًا؟ قلت: ستأتي القبعة الرأسَ وتقول له: لا تسجد، ولكن الإيمان الذي في الرأس سيجعل القبعة تسجد معه، وسيجعلها تُسْلم إن شاء الله، ثم سألوا أن ذلك الشخص نفسه سيشرب الماء وستنخرق يده، وسيُعرف من هذه الحادثة أنه السفياني، فقلت مجيبًا: يقال في الأمثال للرجل الكثير الإسراف "مخروق اليد"، أي لا يبقى في يده مال، بل يسيل ويضيع، فهذا الرجل الرهيب سيكون مدمنًا للخمر التي هي ماء، وسيمرض بسببها، وسيدخل في إسراف لا حد له، وسيجعل الآخرين يعتادونها.

ثم سألني آخر:

عندما يموت السفياني سيصرخ الشيطان للعالم عند "ديكيلي طاش" في إسطنبول: "مات السفياني"؟! فقلت آنذاك: سيخبر بالبرقية، ولكن سمعت فيما بعد بظهور المذياع، وعلمت أن إجابتي كانت ناقصة، وقلت عندما كنت في دار الحكمة الإسلامية سيعلن للعالم عبر الإذاعة كما أعلن الشيطان، ثم سألوا عن سد ذي القرنين ويأجوج ومأجوج ودابة الأرض والدجال ونزول عيسى عليه السلام، فأجبت عنها، حتى إن بعضًا من تلك الإجابات سُجِّلَت في رسائلي القديمة.



[1]    "الدجال ممسوح العين مكتوب بين عينيه كافر". رواه البخاري حديث رقم 7408، ومسلم باب ذكر الدجال وصفته حديث رقم 2933، ورواه غيرهما.



360. صفحة

وبعد زمن دعاني مصطفى كمال إلى أنقرة مرتين بالبرقية المشفرة بواسطة صديقي ووالي مدينة "وان" السيد تحسين ليكرمني مكافأة لرسالة الخطوات الست المنشورة فذهبت، فلما كان الشيخ السنوسي[1] لا يعرف اللغة الكردية فإنه كان يريد أن يعيّنني واعظًا عامًّا للولايات الشرقية محله براتب قدره ثلاثمائة ليرة، وأن يجعلني نائبًا في البرلمان، وأن يرضيني بإعادتي لوظيفتي القديمة في دار الحكمة الإسلامية تحت رئاسة الشئون الدينية مع أعضائها، وأن يزيد ما أعطاه السلطان رشاد لمدرسة الزهراء ودار العلوم التي وضعتُ حجر أساسها من تسعة عشر ألف ليرة ذهبية إلى مائة وخمسين ألف ليرة ورقية، ومع أن هذا قُبل بتوقيع مائة وثلاثة وستين نائبًا من بين مائتي نائب فإنني رأيت في الرجل بعضًا مما أخبر به أصلُ الشعاع الخامس، فتركت تلك الوظائف المهمة جدًّا مضطرًّا، وقلت: لا يمكن مواجهة هذا الرجل ولا مجابهته، فتركت الدنيا والسياسة والحياة الاجتماعية، وصرفت وقتي في سبيل إنقاذ الإيمان فحسب، بيد أن بعض الموظفين الظالمين غير المنصفين جعلوني أكتب رسالتين أو ثلاث رسائل متعلقة بالدنيا، ثم نظمت أصل تلك الرسالة -بمناسبة سؤال بعض الأشخاص عن الأحاديث المتشابهة التي تخبر عن حادثات آخر الزمان- فسمي الشعاع الخامس من ضمن رسائل النور، وترقيم رسائل النور ليس حسب زمن التأليف، فمثلا قد ألف المكتوب الثالث والثلاثون قبل المكتوب الأول، وقد ألف بعض أجزاء رسائل النور-كأصل الشعاع الخامس- قبل رسائل النور.

وعلى كل حال، فقد اضطرني اعتراض النائب العام في إسبارطة وأسئلته الخاطئة التافهة غير القانونية بسبب صداقته المتعصبة لمصطفى كمال إلى أن أقوم



[1]    الشيخ السنوسي: الشيخ أحمد الشريف بن محمد السنوسي مجاهد وزعيم وطني ليبي من الأسرة السنوسية، ولد في عام 1873م، وتوفي عام 1933، قاد الجهاد في شرق ليبيا ضد الغزو الإيطالي للبلاد، ارتبط أشد الارتباط بالخلافة الإسلامية التي كانت تمثلها الدولة العثمانية في تركيا، غادر ليبيا عام 1918 إلى إسطنبول عاصمة الخلافة آنذاك، وقلده السلطان محمد السادس السيف "علامة السلطنة"، وعين واعظا عاما في الأناضول، وألقى خطبا في عدة مدن في شرق تركيا ووسطها دعما لحركة الكفاح الوطني.



361. صفحة

في هذا المقام ببعض التوضيحات التي هي خارج ما نحن بصدده، فأبين -كمثال- كلامه الشخصي غير القانوني باسم قانون القضاء، فقد قال: ألم يشعر قلبك بالندم قط على إهانتك له بوصفه بأنه مضخة للخمر في الشعاع الخامس؟ فقلت له ردا على تعصب صداقته غير الحقيقية التي لا معنى لها:

إن انتصار الجيش البطل وشرفه لا ينسب إليه وحده، وربما له نصيب واحد فقط، فإذا نسبت إلى قائد جميع غنائم الجيش وأمواله وأرزاقه فهو ظلم وإجحاف شديد.

أجل؛ كما أن ذلك النائب العام غير المنصف اتهمني بعدم محبة ذلك الرجل الكثير الخطأ، وجعلني كمن خان بلده، فإني أتهمه بعدم الحب للجيش؛ لأنه يجعل الجيش خاليا من المجد بنسبته كل المجد والغنيمة المعنوية إلى صديقه هذا، أما الحقيقة فإن الحسنات والإيجابيات توزع على الجماعة والجيش، والأمور السلبية والتقصير والعيوب تنسب إلى القائد؛ لأن وجود شيء ما إنما يتحقق بوجود كل الشرائط والأركان، والقائد ليس إلا شرطًا واحدًا، أما عدم ذلك الشيء وخرابه فيكون بانعدام شيء واحد أو خراب ركن واحد، ويمكن أن ينسب هذا الشر إلى القائد أو الرئيس، والحسنات والخير إيجابي ووجودي في الأكثر، ولا يمكن أن يتملكه القادة والرؤساء، والسيئات والعيوب أمور عدمية وتخريبية، والرؤساء هم المسئولون عنها، وهذا هو الحق وهذه هي الحقيقة، فإذا قامت عشيرة من العشائر بالفتوحات يقال لزعيمها: أحسنت يا "سيد حسن"، وإذا انهزمت يقال: ويل لها وتهانُ، ويكون الحكم عكس الحقيقة تمامًا.

كذلك فإن ذلك النائب العام الذي اتهمني؛ حكم عليّ بخطأ ينافي الحق والحقيقة تمامًا وكأنه حكم باسم القضاء، ومثل خطأ هذا الرجل فقد جاءني بعض الأتقياء عندما كنت في مدينة "وان" قبل الحرب العالمية الأولى، قائلين: "بعض القادة ينطوون على شيء من الإلحاد، فتعال واشترك معنا، فنحن لن نطيع هؤلاء الرؤساء المنافقين"، فقلت لهم: "مثل هذه التصرفات السيئة ومثل هذا الإلحاد خاص بمثل هؤلاء القادة، ولا يُؤاخَذ الجيش بهم، ففي هذا الجيش العثماني ربما


362. صفحة

مائة ألف ولي، ولن أسلّ سيفي على هذا الجيش، ولن أشترك معكم"، ثم ذهبوا عني وسلوا السيوف، فحدثت حادثة بتليس العقيمة[1].

ثم اندلعت الحرب العالمية الأولى بعد مدة وجيزة، واشترك هذا الجيش في الحرب باسم الدين الإسلامي، ودخل في الجهاد، وارتقى مائة ألف شهيد من هذا الجيش إلى مرتبة الأولياء، وصدقوني في دعواي هذه، ووقّعوا بدمائهم على مرسوم ولايتهم، على كل حال فقد اضطررت إلى شرح طويل؛ لأن التصرف العجيب من النائب العام في إسبارطة الذي يسعى إلى إهانتنا وإهانة رسائل النور بدوافع جزئية خاطئة وانحياز باسم حقيقة العدالة التي من خاصياتها القاطعة لماهيتها عدم التأثر بأي دافع وتأثير خارجي؛ دفعني إلى هذا البيان الطويل.

الأساس الرابع: لم تستطع محكمة أسكي شهر إلا أن تحكم عقوبة ستة أشهر من السجن على خمسة عشر رجلا من بين مائة وعشرين رجلا بعد أربعة أشهر من التدقيق في مئات من الرسائل والمراسلات، وأن تحكم عليّ بعقوبة سنة من السجن بسبب خمس عشرة كلمة وردت في رسالة أو رسالتين فقط من بين مائة رسالة، وبرأتنا من تهمة قضية تأسيس طريقة صوفية، وتأسيس جمعية وقضية القبعة، وقضينا تلك العقوبة، ثم لم يجدوا أية علاقة لنا بهذه التهم في كثير من التحقيقات في قسطموني، ثم وقعت جميع أجزاء رسائل النور بلا استثناء في يد الحكومة في إسبارطة العام الماضي، ثم أعيدت جميعها إلى أصحابها بعد ثلاثة أشهر من التدقيقات.

وبما أن هذه هي الحقيقة فلاشك أن أمثال هؤلاء الذين يتهمونني ويتهمون تلاميذ رسائل النور، والذين يستجوبوننا باسم القانون بطريقة غير قانونية وبنية سيئة وتحامل؛ إنما يتهمون محكمة أسكي شهر وحكومة قسطموني وشرطتها والقضاء في إسبارطة قبلنا، ويشركونها جميعا في جريمتنا إن كانت لنا جريمة؛ لأنه لو كانت لنا جريمة، ولم تَرَنا هذه الحكومات الثلاث نحن الذين بالقرب منها بتجسسها زمنًا طويلا، أو لم تبالِ بنا، فتكون هي المجرمة أكثر منا، مع أنه لو



[1]   يقصد بها ثورة الشيخ سعيد بيران التي وقعت في محافظة بيتلس قبيل الحرب العالمية الأولى.



363. صفحة

كانت لدينا رغبة في الاشتغال بالدنيا لكان لنا صوت مدوٍّ كصوت القذيفة وليس كطنين البعوضة، فلاشك أن الذي يتهم رجلا دافع عن نفسه دفاعًا شديدًا ومؤثرًا أمام المحكمة العسكرية العرفية وأمام رئاسة المجلس ضد غضب مصطفى كمال بأنه يخطط لمؤامرات دنيوية منذ ثماني عشرة سنة من دون أن يُشعر أحدًا؛ إنما يتهمه لسوء نيته، ونحن نأمل من محكمة دنيزلي ونائبها العام أن ينقذانا من سوء نية أمثال هؤلاء، وأن يظهرا العدل.

الأساس الخامس: إن من دساتير تلاميذ رسائل النور الأساسية عدم الانشغال بالسياسة وشؤون الإدارة وإجراءات الحكومة بأقصى ما يمكن؛ لأن الخدمة القرآنية الخالصة تكفيهم عن كل شيء، ولا يستطيع أحد أن يحافظ على استقلاله وإخلاصه في غمرة التيارات القوية الكثيرة التي تهيمن الآن، ولا محال أن أحد التيارات سيستفيد من أفعاله لحسابه، وسيجعله أداة لأهدافه الدنيوية، وسيفسد قدسية تلك الخدمة. ولاشك أن ذلك الأمر سيقتضي سحقَ كثير من الأنصار الأبرياء لشخص ما بالظلم والاستبداد الشديدين اللذين هما من دساتير هذا العصر في المبارزة المادية نتيجةً لخطأِ ذلك الشخص، وإلا سيُغلب. وحقائق القرآن القدسية التي لا يمكن أن تكون أداة لأي شيء ستُظَن حينها أنها قد أصبحت أداة للدعايات السياسية في أنظار من يتركون الدين من أجل الدنيا أو يجعلونه أداة لها، ثم إن كل طبقة من طبقات الشعب لها حصة من رسائل النور وهي محتاجة إليها سواء كانت مؤيدة لها أو معارضة، موظفة كانت أو من عامة الناس، فمن أجل الأسباب المذكورة يجب على تلاميذ رسائل النور أن يتركوا السياسة وأن لا ينشغلوا بها أبدا حتى يكونوا محايدين حيادا تامًّا.

الأساس السادس: لا يمكن الهجوم على رسائل النور في هذه المسألة بسبب أخطائي أو أخطاء بعض إخواني، فرسائل النور قد ارتبطت بالقرآن مباشرة، والقرآن مربوط بالعرش الأعظم، فمن يقدر أن يمد يده إليه ويفكّ تلك العرى الوثيقة ؟!

إن رسائل النور التي تحققت بركتها المادية والمعنوية لهذا البلد وخدمتها العظيمة له بإشارات ثلاث وثلاثين أية من آيات القرآن الكريم، وإشارة ثلاث


364. صفحة

كرامات من كرامات الإمام علي رضي الله عنه، وبإخبار قاطع من الغوث الأعظم الشيخ عبد القادر الجيلاني؛ لا تكون ولا يمكن أن تكون ويجب ألا تكون مسؤولة عن أخطائنا الشخصية العادية، وإلا ستكون خسارة مادية ومعنوية لا تعوض لهذا البلد[1]، وستفشل إن شاء الله كل الهجمات والمكايد التي تحاك بشيطنة بعض الزنادقة ضد رسائل النور.

ولا يمكن أن يقاس تلاميذ رسائل النور بالآخرين. ولو لم يكن القرآن مانعًا لهم من الدفاع المادي لكان هؤلاء التلاميذ الذين هم الشريان النابض لهذا الشعب، الذين اكتسبوا إقبال الجميع، والذين ينتشرون في كل مكان؛ لتورطوا في الأحداث الجزئية العقيمة كحادثة الشيخ سعيد بيران[2] وحادثة مَنَمَنْ[3]. وإذا ظُلموا –لا قدَّر الله- بدرجة الاضطرار القاطع أو حدث هجوم على رسائل النور فسيندم الزنادقة والمنافقون الذين يخدعون الحكومة ألف مرة بلاشك.

الحاصل: بما أننا لا نتدخل في دنيا أهل الدنيا، فعليهم ألا يتدخلوا في آخرتنا وخدمتنا الإيمانية أيضًا.

المعتقل سعيد النورسي

 

باسمه سبحانه

أقدم لمقام الادعاء والمحكمة الجنائية ردًّا على ورقة ادعاءات النائب العام المنصف في دنيزلي، أولا: دفاعًا صغيرا مكتوبًا من قبلُ إلى النائب العام كورقة



[1]   هذا الخطاب كتب قبل زلزال قسطموني بعشرين يومًا، وقد كانت محفوظة من الكوارث أكثر من كل المحافظات بفضل بركة رسائل النور، والآن بدأت الكوارث وصدقت دعوانا هذه. (المؤلف).

[2]   الشيخ سعيد: زعيم كردي ولاقى دعمًا كبيرًا من بعض عشائر جنوب شرقي تركيا، وقام بثورة مسلحة ضد الحكومة التركية آنذاك، وقضت الحكومة على هذه الثورة في نفس العام.

[3]   حادثة منمن: حادثة وقعت في مدينة منمن غربي تركيا عام 1930، قتل فيها ضابط وبعض الجنود، واتهمت الحكومة الجماعات الدينية بقتلهم، وكانت مؤامرة دبرتها الحكومة آنذاك لاتهام الجماعات الإسلامية وتصفيتها، فقد أعلنت حالة الطوارئ وقبضت على بعض الأشخاص وأعدمتهم.



365. صفحة

اعتراض عبارة عن "ستة أسس، ثانيًا: ورقة اعتراض ومرافعة دفاع سابقتين مقدمتين ردًّا على ورقة ادعاء النائب العام في أسكي شهير والموجودة في يد المحكمة، ثالثًا: ورقة اعتراض عبارة عن ثلاثة أسس من الأسس الستة التي في الدفاع الصغير:

الأساس الأول: نظرت مرافعة الادعاء إلينا على أننا جمعية سياسية بناء على التحقيقات السطحية في أماكن أخرى، ونرد عليها ونقول:

أولا: إن من لم يقرأ أية جريدة منذ تسع عشرة سنة ولم يستمع إليها من أحد ولم يسأل عنها، ولم يتلقى أي خبر عن الحرب العالمية منذ سنتين وخمسة أشهر؛ لاشك أنه ليس له أية علاقة بالسياسة وليست له علاقة بأية جميعة سياسية.

ثانيًا: إن أجزاء رسائل النور البالغة مائة وثلاثين رسالة هي في متناول الجميع، وإن عدم مس محكمة أسكي شهر برسائل النور سوى رسالة أو رسالتين، وإن عدم عثور شرطة قسطموني على ما يبرر اتهام أي شخص بالرغم من المراقبة الدائمة خلال ثماني سنوات سوى خادمين وثلاثة رجال؛ لهو حجةٌ قاطعة على أنه ليست لرسائل النور غاية دنيوية وليس لها هدف إلا الحقائق الإيمانية، وأن تلاميذ رسائل النور ليسوا جمعية سياسية بأي وجه من الوجوه، فإن كان قصدهم من الجمعية الواردة في ورقة الادعاء أنها جماعة إيمانية أخروية فنقول ردًّا على ذلك: إذا أطلق على طلاب الجامعة وعلى كل فئات المهنة اسم الجمعية فيمكن عندئذ أن يطلق علينا أيضًا اسم الجمعية مثل هذه، وإذا كان يطلق علينا اسم جمعية تخلّ بالأمن الداخلي بمشاعر دينية فنقول عن هذا: لقد قرأ آلاف من الناس آلافًا من النسخ من رسائل النور بكمال الحماس فلم يُسجَّل من قبل الحكومة ولا من قبل المحكمة أنهم أخلّوا بالأمن الداخلي في أي مكان وفي أية حادثة، وهذا يدحض ذلك الاتهام، وإذا أطلق علينا اسم الجمعية بداعي أننا يمكن أن نضرّ بالأمن الداخلي في المستقبل بسبب أننا نقوي المشاعر الدينية، فنقول ردًّا على هذا:

أولا: إن جميع الوعّاظ ورئاسة الشئون الدينية يقومون بهذه الخدمة نفسها، ثانيًا: إن تلاميذ رسائل النور يسعون بكل قواهم وأفكارهم ليحفظوا الشعب من


366. صفحة

الإرهاب والفوضى، وليحققوا الأمن والسلام وليس للإخلال بهما، والدليل على ذلك قد بُين في الأساس الأول.

أجل؛ نحن جماعة، هدفنا وبرنامجنا هو إنقاذ أنفسنا أولا ثم شعبنا من الإعدام الأبدي والسجن الانفرادي، وحفظ مواطنينا من الإرهاب والفوضى والطيش.

وهناك رسالة تبين خلاصة قصيرة لرسائل النور ومسلكها الأساسي تسمى "ثمرة سجن دنيزلي" هي بمنزلة دفاع معنوي أمام الزندقة التي تتسبب في إفساد حياتيْنا، وقد قدم جزء منها للنائب العام.

الأساس الثاني: إنكم تتهموننا من خلال تحقيقات سطحية ناقصة أُجْرِيَتْ في أماكن أخرى بأن في الرسائل بعض الجمل التي تمس العصب الحساس، ونرد على هذا: بما أن غايتنا الإيمان والآخرة، وليست المبارزة مع أهل الدنيا، وبما أن المسّ الجزئي الخاص برسالة أو رسالتين فقط ليس متعمدًا، بل إننا اصطدمنا بهم ونحن سائرون إلى مقصدنا، فلاشك أن هذا لا يعني أية نية سياسية سيئة، وبما أن الممكن شيء والواقع شيء آخر، حيث إننا متهمون بأننا يمكن أن نخل بالأمن وليس بأننا أخللنا به واقعًا، فإن ذلك اتهام تافه كاتهام أي إنسان بأنه يمكن أن يقتل شخصا، وبما أنهم لم يجدوا طوال عشرين سنة ما يشكل جريمة حقيقية لا في عشرين ألف رجل، ولا في آلاف النسخ والمراسلات، ولا في التدقيقات والتحريات الدقيقة في أسكي شهر وقسطموني وإسبارطة، وبما أن محكمة أسكي شهر لم تجد ما تتهمنا به ولكنها اتهمتنا حسب مادة قانونية مطاطية اتهاما يؤدي إلى اتهام كل من قام بتدريس الدين، فلم تقضِ إلا بسجن خمسة عشر رجلا من بين مائة رجل مدة ستة أشهر لكل واحد منهم؛ فإنني أتساءل إذا دُقِّق في عشرين رسالة ذات خصوصية لرجل مثلي خلال سنة على ذلك النحو من التدقيق، ألا يمكن أن توجد عشرون جملة تجعله متهما وتخجله؟ ولكن عدم عثورهم على عشرين جملة تؤدي إلى اتهامنا واتهام عشرين ألف رجل وعشرين ألف رسالة ومراسلة اتهاما حقيقيا؛ يدل على أن هدف رسائل النور هو الآخرة وحدها، وليست لها علاقة بالدنيا.


367. صفحة

الأساس الثالث: هناك بعض المبررات التي تتسبب في اتهامنا من البنود والرسائل غير المؤرخة التي سجلها النائب العام المنصف في دنيزلي في ورقة الادعاء بناء على محاضر سطحية غير منصفة أجريت في أماكن أخرى، ومن المراسلات التي امتدت عشرين سنة وخمس عشرة سنة وعشر سنوات، ومن الشعاع الخامس الذي يوجد جوابه القاطع في الأساس الثالث وفي السؤال الثاني من إفادتي، ومن أربع أو خمس رسائل من بين مائة وثلاثين رسالة، ومن الرسائل والمراسلات التي أجرت محكمة أسكي شهر تدقيقات فيها والتي أمضينا بسببها عقوبات والتي جرت عليها قوانين العفو، فالسؤال هنا إن الذي رد إلى الطاعة بخطاب واحد الكتائب الثمان التي لم تسمع لشيخ الإسلام ولا للعلماء أمام بوابة وزارة الدفاع في حادثة مارس؛ هل يمكن أن يقال في حقه حسب المحاضر أنه عمل خلال ثماني سنوات ولم يستطع أن يخدع إلا بضعة أشخاص في قسطموني ؟!

فهؤلاء بعدما أخرجوا جميع أوراقي وكتبي بما فيها ذات الخصوصية من تحت أكوام الحطب وبعد ثلاثة أشهر من التدقيقات فيها لم يجدوا في قسطموني غير فيضي وأمين وحلمي وتوفيق وصادق، وهؤلاء الخمسة إنما أرسلوا لخدمتي الشخصية لوجه الله تعالى، فلو عملت كما جاء في تلك المحاضر السطحية لاستطعت أن أخدع خمسمائة بل خمسة آلاف وليس خمسة أشخاص فحسب. وأبين هنا مدى ما في تلك المحاضر من أخطاء بتقديم مثال أو مثالين:

لقد أخذوا علينا أننا حرّفنا في الدين بجعلنا مئات الآيات المشهورة التي هي منبع خاص لرسائل النور وردا قرآنيًّا اتباعا للعادة الإسلامية الجارية حتى الآن منذ عصر السعادة، أي خير القرون.

ويريدون أن يجعلونا مسؤولين عن عبارة "إنه أمارة لإنكار الحشر بتوافقه مع تاريخ قبول الحروف اللاتينية في عهد الإلحاد" كأنها كتبت اليوم، تلك العبارة التي هي ملاحظة شخص لا نعرفه ولم تؤخذ في نظر الاعتبار في محكمة أسكي شهر ولم يُهتمّ بها، ويريدون أن يتهمونا برسالة الحجاب وكأنها ألفت ونشرت


368. صفحة

في هذه السنة، تلك الرسالة التي قضيت بسببها عقوبة سنة سجناً والتي كنا نخفيها وأخرجت من تحت أكوام الحطب حسبما سُجِّل في المحضر.

ثم إنه سكت ولم يرد على اعتراضاتي وكلماتي الشديدة اللهجة حول الشخص الذي يرأس الحكومة في أنقرة، وقد اتخذت انتقاداتي الفطرية الضرورية في بيان حقيقة من حقائق الحديث الشريف التي تظهر خطأ ذلك الشخص بعد موته سببًا لمسؤوليتي، أين خاطر شخص مات وانقطعت علاقته بالحكومة من قوانين العدالة التي هي خاطر الحكومة والشعب، وتجلّ من تجليات حاكمية الله تعالى ؟!

ثم إن مبدأ حرية الضمير الذي اعتمدنا عليه بصورة أشد مقارنة مع كل مبادئ الحكومة الجمهورية الأخرى، ودافعنا به عن أنفسنا، اتُّخذ سببًا لمساءلتنا كأننا نعارضه.

وهناك شيء لا يتبادر إلى ذهني ولا يرد بخيالي بسبب انتقادي لسيئات الحضارة وعيوبها نُسِب إليّ في المحضر، حيث يجعلونني أبدو مسئولا عن معارضة التطورات الحديثة فكأنني أرفض استخدام المذياع[1]والطائرة والقطار.

فقياسًا على هذه النماذج سيُظهر إن شاء الله النائب العام المنصف العادل في دنيزلي ومحكمة دنيزلي مدى ما أتعرض له من معاملة تخالف الحقيقة والعدالة، ولن يهتمّا بأوهام تلك المحاضر.

فأعجب ما في الأمر أن النائب العام في إسبارطة سألني قائلا: إنك تقول في الشعاع الخامس: "سيحرر الجيشُ زمامه من يد ذلك الرجل الرهيب": فإن مرادك تحريض الجيش ضد الحكومة؟

فقلت: إن قصدي إما أن ذلك القائد سيموت وإما أنه سيُبدَّل بغيره، وسيتخلص الجيش من استبداده، فكيف تكون سببا للاتهام رسالة ذات خصوصية لم تصلني خلال ثماني سنوات إلا مرتين، ثم فقدت، وتبين معنى حديث يخص آخر الزمان



[1]   كنت قلت: إن الشكر على نعمة المذياع التي هي من النعم الإلهية العظيمة إنما يكون بأن يقرأ المذياع القرآن ويُسمع جميع الناس إياه في الأرض، حتى تصبح ذرات الهواء حافظة للقرآن.(المؤلف).



369. صفحة

بيانًا كليًّا وألف أصلها قديمًا ولم يطلع عليها أحد؛ وللأسف دخل اتهام هؤلاء الظالمين العجيبُ ضمن ورقة الادعاء.

أما أغرب ما في الأمر فهو أنني قلت سابقا: إن الطائرة والقطار والمذياع من نعم الله العظيمة ويجب الشكر عليها شكرا عظيمًا، ولكن البشر كفروا بها وأُمطِرت القنابل بالطائرات، والمذياع من النعم الإلهية العظيمة، والشكر عليه إنما يكون إذا أصبح قارئا كليًّا للقرآن بملايين الألسنة فأسمعه كل الناس في الأرض.

وقد قلت في الكلمة العشرين عند بياني بأن القرآن يخبر عن خوارق الحضارة في إشارة من إشارات إحدى الآيات الكريمة: "إن الكفار سيهزمون العالم الإسلامي بواسطة القطار"، ومع أنني أحث المسلمين على هذه الخوارق إلا أن النائب العام في إسبارطة يتهمني -بناء على نيته السيئة في آخر ورقة الادعاء- بأنني ضد التطورات الحضارية الحديثة كالقطار والطائرة والمذياع.

ثم إن رجلا لا علاقة له برسائل النور وصفها قائلا: "إنها رسالة من نور القرآن وإلهام منه" بما فهم من تعبير"رسالة النور" الذي هو الاسم الثاني لرسائل النور، فاتُّخِذَت المعاني الخاطئة التي فسرت بها مقولة هذا الرجل خطأ في أماكن أخرى وكأن رسائل النور رسول؛ سببا لاتهامي في ورقة الادعاء.

ثم إنني أثبت بالحجج في عشرين موضعًا في دفاعي أننا لا يمكن أن نتخذ الدين والقرآن ورسائل النور أداة حتى للدنيا كلها ولا ينبغي، ونحن لا نستبدل ملك الدنيا بحقيقة واحدة منها، ونحن على هذا فعلا، وأمارات هذه الدعوى بالآلاف منذ عشرين سنة، ولكنهم بناء على المحاضر الأخرى يتهموننا في ورقة الادعاء كأن كل غايتنا وسعينا التخطيط لمؤامرات دنيوية، واتخاذ الدين أداة لأمور خسيسة بنوايا دنيوية سيئة، وإسقاطه من قدسيته.

وبما أن الأمر هكذا فإني ومن معي نقول بكل قوتنا: ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾.

المعتقل سعيد النورسي


370. صفحة

باسمه سبحانه

إخواني الأعزاء الصديقين

أبين ذكرى قديمة ودفاعا لطيفًا بقيا مخفيين في محكمة أسكي شهر ولم يسجلا في المحاضر، ولم يسجلا حتى في دفاعاتي.

لقد سألوني هناك:

ما رأيك في الجمهورية ؟ قلت: إن سيرتي التي بأيديكم تثبت أني جمهوري متدين قبل أن تولدوا أنتم ما عدا رئيس محكمة أسكي شهر، وخلاصتها هي أني كنت في ذلك الوقت -مثلما أنا الآن- منزويًا في قبة ضريح، وكان يأتيني حساء، وكنت أعطي النمل حباته، وآكل خبزي بمرقه، والذين سمعوا عن هذا كانوا يسألونني وكنت أقول: "إن أمم النمل والنحل جمهوريون"، وكنت أعطي الحبات احتراما لحبهم للجمهورية، ثم قالوا: إنك تخالف السلف الصالح، فقلت لهم: إن كل واحد من الخلفاء الراشدين كان خليفةً ورئيساً للجمهورية، فلاشك أن الصديق الأكبر رضي الله عنه كان في حكم رئيس جمهورية للعشرة المبشرين بالجنة والصحابة الكرام رضي الله عنهم، ولكن ليس باسم ورسم لا معنى لهما، بل كانوا رؤساء الجمهورية المتدينة التي تحمل معنى حقيقة العدالة والحرية الشرعية.

فيا أيها النائب العام ويا أعضاء المحكمة ! إنكم تتهمونني الآن بما يخالف فكري منذ خمسين سنة، إذا كنتم تسألونني عن الجمهورية العلمانية فإنني أعلم أن معنى العلمانية هو الحياد، أي أفهم منها حكومة لا تمس المتدينين وأهل التقوى كما لا تمس الملحدين وأهل السفاهة حسب دستور حرية الضمير.

وانسحبت من الحياة السياسية والاجتماعية منذ عشر سنوات (والآن صارت عشرين سنة تقريبًا)، ولا أدري ماذا حصل للحكومة الجمهورية، فإذا دخلتْ هذه الحكومة افتراضاً في حالة رهيبة لصالح الإلحاد -والعياذ بالله- بحيث تُصدِر وتقبل معها القوانين التي تجرِّم العاملين من أجل إيمانهم وآخرتهم، فإني أعلن


371. صفحة

لكم وأنبهكم بلا خوف أنه لو أن لي ألف روح فإني مستعد للتضحية بها في سبيل إيماني وآخرتي، فافعلوا ما شئتم، فإن آخر كلامي "حسبنا الله ونعم الوكيل"، وأقول ردًّا على حكمكم علي بالإعدام وسجنكم إياي ظلمًا بأشد العقوبات: إنني لا أُعدَم كما تكشف رسائل النور كشفا قاطعا، بل إني أُسرَّح وأرحل إلى عالم النور والسعادة.

ويا أيها الأشقياء الذين تسحقوننا لحساب الضلال إنني أعلم وأرى أنكم ستعاقبون بالإعدام الأبدي والسجن الانفرادي فأنا مستعد لتسليم روحي بكمال الرضا منتقمًا منكم انتقامًا كاملا.

سعيد النورسي

باسمه سبحانه

إخواني، إنني لا أستطيع أن أنظر إلى الدنيا، فاستشيروا شخصية رسائل النور المعنوية التي بينكم كي تأخذوا رأيها، وتبادلوا الآراء ما أمكن مع إخوانكم في إسبارطة المباركين الأبطال الأقوياء كالفولاذ.

مع التحيات الكثيرة الخالدة

سعيد النورسي

باسمه سبحانه

إخواني الأعزاء الصديقين الثابتين الأوفياء، أبين حالا من أحوالي لا لكي أحزنكم ولا لكي تعملون تجاهي شيئاً، بل لكي أستفيد من دعائكم المعنوي استفادة أكثر، ولكي تحافظوا على صبركم وتحملكم وتساندكم حفاظا قويا بالحركة الإيجابية والحذر والاحتياط أكثر:


372. صفحة

إنني لم أعان في أسكي شهر خلال شهر مثلما أجده هنا[1] من العناء والعذاب خلال يوم واحد، فقد سلط الماسونيون الرهيبون عليّ ماسونيا ظالما، حتى يجدوا ذريعة حين أغضب فأقول "كفى" تجاه تعذيبهم، ومن ثم يظهرون مبررا لتجاوزهم الظالم ويخفون كذبهم، وإنني أتحمل شاكرا بفضل أثر خارق من آثار الإحسان الإلهي وعزمت على ذلك، وبما أننا نستسلم للقدر، ونعلم أن هذه المعاناة نعمة معنوية لكسب الثواب بسرّ "خَيْرُ الأُمُورِ أَحْمَزُهَا[2] وبما أن عاقبة المصائب الدنيوية المؤقتة مفرحة وخير في الغالب، وبما أن لنا قناعة قاطعة قريبة من حق اليقين أننا أوقفنا حياتنا في سبيل حقيقة أسطع من الشمس وجميلة كالجنة، وحلوة كالسعادة الخالدة؛ فلاشك أنه يجب علينا ألا نشكو بحجة أننا نقوم بجهاد معنوي يوجب الشكر والافتخار بسبب هذه المعاناة.

إخواني الأعزاء، إن أول وصيتنا وآخرها أن تحافظوا على تساندكم وأن تجتنبوا الأنانية والتنافس، وأن تتحلوا برباطة الجأش والحركة الإيجابية والحذر.

سعيد النورسي

باسمه سبحانه

تتمة لورقة الاعتراض ردا على ورقة الادعاء

إن مخاطبيَّ في هذا الاعتراض ليس محكمة دنيزلي ونائبها العام، بل الموظفون الكثيرو الوهم وذوو النية السيئة وفي مقدمتهم النائب العام في إسبارطة وإينابولو الذين قدموا ورقة ادعاء عجيبة هنا بمحاضر ناقصة غير صحيحة.



[1]    يعني سجن دنيزلي.

 

[2]    خير الأمور أحمزها: ورد "أفضل الأعمال أحمزها"، أي أشقها. (قال ملّا علي القاري في الأسرار المرفوعة: قال الزركشي: لا يُعرف. وسكت عليه السيوطي. قلت: ومعناه صحيح لما في الصحيحين من قول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها: "أجرك على قدر نصبك"). رواه البخاري رقم 1787، ومسلم رقم 1211.



373. صفحة

في البداية إن الحجة القاطعة على مدى بعد إطلاق اسم جمعية سياسية لا أصل لها ولا يرد بذهني على تلاميذ رسائل النور الأبرياء الذين لا علاقة لهم بالسياسة، واتهام المساكين الذين دخلوا ضمن دائرة رسائل النور وليست لهم أية غاية إلا إنقاذ إيمانهم وآخرتهم بأنهم ناشرو تلك الجمعية أو أركان نشطون فيها أو منتسبون إليها أو قرئوا رسائل النور أو أقرئوها أو استنسخوها، ومن ثم إحالتهم إلى القضاء، إن الحجة القاطعة على مدى بعد كل هذا عن ماهية العدالة هي أن قراءة المؤلفات المضرة للدكتور "دوزي[1]" وغيره من الزنادقة لم تعد جريمة حسب دستور حرية الفكر والحرية العلمية، ولكن اعتُبِرت قراءة واستنساخ رسائل النور التي تعلم الحقائق القرآنية والإيمانية كالشمس لمن هم في أشد الحاجة إليها ومتشوقين إليها جريمةٌ، واتهموا تلاميذها محتجين فقط ببضع جمل في بضع رسائل أبقيناها مخفية من بين مائة رسالة ولم ننشرها حتى لا يساء فهمها، مع أن محكمة أسكي شهر دققت فيها كلها إلا رسالة واحدة، أما تلك الرسالة المستثناة فمع أني أجبت عنها في مرافعتي وفي ورقة اعتراضي إجابة قاطعة: "بيدنا النور وليست هراوة السياسة"، وأُثبتَ إثباتًا قاطعًا بعشرين وجها في محكمة أسكي شهر، إلا أن هؤلاء النواب العامين غير المنصفين يتهمون من يقرأ ويستنسخ رسائل النور بالجريمة، ويتهمونني بأنني أبارز الحكومة وكأنهم يعممون بضع جمل من ثلاث رسائل مخفية غير منشورة على جميع الرسائل، وإنني أشهِد جميع أصدقائي المقربين الذين يقابلونني وأؤكد لهم مقسماً بالله أنه منذ أكثر من عشر سنوات لا أعرف قط من هم رجال الحكومة ووزراؤها ونوابها وقادتها وموظفوها إلا رئيسين ونائبًا ووالي قسطموني، ولم أتطلع لمعرفتهم، فهل من الممكن لرجل ألا يعرف الرجال الذين يبارزهم؟ وألا يتطلع لمعرفتهم؟ وألا يهتم بمعرفة هؤلاء الناس هل هم أصدقاء أو أعداء؟! ويتبين من هذه الحالات أنهم يفتعلون الذرائع التي لا أصل لها أبدًا حتى يسجنونني.

بما أن هذه هي الحقيقة فإني أقول لهؤلاء غير المنصفين وليس للمحكمة هنا: "لا أبالي بأشد العقوبات التي تحكمون بها علي، وليست لها أية أهمية؛ لأني



[1]    رينهارت دوزي (Reinhart Dozy) مستشرق هولندي من أصل فرنسي عاش ومات بين 1883–1820، له مؤلفات عن تاريخ الإسلام وتاريخ العرب في الأندلس، وكتابات ضد الإسلام والقرآن.



374. صفحة

بلغت السبعين وعلى عتبة باب القبر، فاستبدال بضع سنوات من الحياة مظلومًا وبريئا بمرتبة الشهادة سعادة عظيمة لي، ولي إيمان جازم مؤيد بآلاف الحجج من رسائل النور بأن الموت تذكرة تسريح بالنسبة لنا، فإن كان هناك إعدام فإن ساعة من المشقة تصبح مفتاحًا لسعادة خالدة ورحمة أبدية، ولكنكم أيها الظالمون يا من تضللون القضاء لحساب الزندقة وتشغلون الحكومة بنا بلا أي سبب اعلموا يقينًا وارتجفوا: أننا نرى أنه محكوم عليكم بالإعدام الأبدي والسجن الانفرادي، وسيؤخذ منكم ثأرنا كثيرًا ومضاعفًا، حتى إننا نشفق عليكم.

أجل؛ لا شك أن حقيقة الموت التي أفرغت هذه المدينة في المقبرة مائة مرة لها طلب أكثر من الحياة، فوسيلة النجاة من إعدامها أعظم من جميع قضايا البشر وأهم وأشد حاجة ضرورية قاطعة لهم، وحتى المجانين يدركون كيف أن الذين يتهمون -من خلال مبررات دنيئة- تلاميذ رسائل النور الذين يظفرون بهذه الوسيلة لأنفسهم، ويتهمون رسائل النور التي توجد لهم هذه الوسيلة بآلاف الحجج؛ يُتَّهَمون في نظر الحقيقة والعدالة.

وهناك ثلاثة أمور تخدع هؤلاء الظالمين وتُوهِمهم بوجود جمعية سياسية من دون أي سبب:

أولها: إن ارتباط تلاميذي القوي بي منذ زمن يوهم بوجود جمعية.

ثانيها: إنه بسبب تحرك بعض تلاميذ رسائل النور كتحرك مجموعات الجماعات الإسلامية الموجودة في كل مكان والتي تسمح لها قوانين الجمهورية ولا تمسها؛ قد ظُنَّ أنهم جمعية، بيد أن نية هؤلاء التلاميذ الثلاثة أو الأربعة المحدودين ليست جمعية، بل أخوةً خالصةً في الخدمة الإيمانية وتسانداً أخروياً بحتاً.

ثالثها: إن غير المنصفين هؤلاء يعرفون أنهم على ضلال وأنهم عبدة الدنيا ويجدون بعض قوانين الحكومة تساعدهم فيقولون بفكرهم: لا شك أن سعيدًا وأصدقاءه يعارضوننا ويعارضون قوانين الحكومة التي تساعد أهواءنا غير المشروعة، إذن هم جمعية سياسية معارضة، فأنا أقول لهم:


375. صفحة

أيها التعساء، لو كانت الدنيا خالدة وعاش الإنسان خالدًا فيها، ولم تكن فيها من الوظائف الإنسانية غير السياسة، فلربما كان لافترائكم معنى، ثم إني لو دخلت في السياسة لوجدتم في مائة رسالة عشرين ألف جملة سياسية مبارزة وليست عشر جمل، ولو أننا نعمل -بفرض المحال- من أجل الغايات الدنيوية ومتعها وسياستها بكل قوتنا مثلكم، ولا علم لنا بالآخرة، ونسعى وراء النوازع الدنيوية السيئة تحت غطاء الحيلة، مع أنه حتى الشيطان نفسه لا يحاول أن يسوقكم إلى التصديق بهذا، ولا يقدر على حمل أحد على التصديق به، ولكن حتى لو أن الأمر كذلك، فبما أنه لم تثبت لنا أية حادثة قمنا بها خلال عشرين سنة، وأن الحكومة تنظر إلى الفعل لا إلى القلب، وأن في كل الحكومات هناك معارضون أشداء؛ فلاشك أنكم لا تستطيعون أن تحاسبونا بقوانين القضاء أيضًا، إن آخر كلامي:

﴿حَسْبِيَ اللهُ لَا إِلٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (التوبة:129).

سعيد النورسي

باسمه سبحانه

آخر كلامي في المحكمة، أيها السادة !

لقد حصلت لدي قناعة قاطعة بأمارات كثيرة، أنه لا يتم الهجوم علينا لحساب الحكومة لأننا نتخذ المشاعر الدينية أداة أو أننا نخل بالأمن الداخلي، بل يتم الهجوم علينا -لحساب الزندقة وتحت ستار الكذب- من أجل إيماننا ومن أجل خدمتنا للإيمان والأمن، ومن الحجج الكثيرة على هذا:

لقد قرأ خلال عشرين سنة عشرون ألف شخص عشرين ألف نسخة من رسائل النور أو أجزاء منها وتقبلوها، لم تحدث أي حادثة تخل بالأمن من قبل تلاميذ رسائل النور، ولم تسجلها الحكومة، ولم تجدها المحكمتان القديمة والجديدة، مع أن مثل هذه الدعايات القوية لابد أن تكشف نفسها من خلال الحوادث


376. صفحة

في ظرف عشرين يومًا، أي إن المادة المائة وثلاث وستين من القانون المطاطي الشامل لجميع الوعاظ المتدينين خلافًا لمبدأ حرية الضمير؛ قناع مزيف، فالزنادقة يريدون –بلا شك- أن يضللوا الحكومة ويخدعوا القضاء حتى يسحقوننا.

وبما أن هذه هي الحقيقة، فإننا نقول بكل قوتنا: "أيها التعساء الذين باعوا دينهم لدنياهم ووقعوا في الكفر المطلق، فلتفعلوا ما بوسعكم، فلتكن الدنيا وبالا عليكم، وستكون، ولتكن رؤوسنا فداء لحقيقة قدسية واحدة أصبحت مائة مليون من الرؤوس الباسلة فداء لها، نحن مستعدون لكل عقابكم لنا وإعدامكم إيانا، فخارج السجن بهذا الوضع أسوأ من داخله مائة مرة، ولا يمكن أن تكون تحت هذا الاستبداد المطلق الذي نواجهه أية حرية، أي لا الحرية العلمية ولا حرية الضمير ولا الحرية الدينية؛ لذا فليس لأهل الشرف والدين ولأنصار الحرية أية وسيلة غير الموت أو السجن، فنحن نقول: ﴿إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ ونتوكل على ربنا سبحانه وتعالى.

الداعي

                إنني قبر مهدّم تراكم فيه تسعة وستون ميتًا

من سعيد ذي الآثام والآلام

وأصبح السبعون شاهد القبر

         وكلها تبكي معًا على ضياع الإسلام

                  وكلّي أمل بأن سماء المستقبل وأرض آسيا

     سيستسلمان ليد الإسلام البيضاء

                                إذ يُمن يمين الإيمان

 تمنح الطمأنينة والأمان للأنام

سعيد النورسي


 


377. صفحة

باسمه سبحانه

رئيس المحكمة السيد علي رضا بك

إن لي طلبًا ورجاء مهمّين عندكم للدفاع عن حقوقي، فأنا لا أعرف الحروف الجديدة، وكتابتي بالحروف القديمة رديئة جدًّا، ولا يسمح لي بمقابلة الآخرين، وكأنني في عزلة كاملة، حتى إن ورقة الادعاء أُخذتْ مني بعد ربع ساعة من إعطائي إياها، ولا قدرة لي على توكيل محامٍ، وقد قدمت دفاعي لكم، ولكن لم أستطع أن أحصل إلا على نسخة من أجزائه بصورة سرية بشق الأنفس وبالحروف الجديدة، وكنت قد أمليت نسخة من رسالة الثمرة التي هي دفاع عن رسائل النور وخلاصة منهجها لأقدمها للنائب العام ولأرسل بعضًا من نسخها إلى الجهات الرسمية في أنقرة، فأخذوها مني فجأة، ولم يعيدوها إليّ، مع أن محكمة أسكي شهر قد أرسلت إلينا آلة كاتبة في السجن، وكتبنا بها نسخا من دفاعنا بالحروف الجديدة وهذا مدوّن لدى المحكمة أيضاً، ومطلبي المهم هو: إما أن تعطونا آلة كاتبة، أو تسمحوا لنا بإحضارها، حتى نطبع بالحروف الجديدة بعض النسخ من الرسالة التي هي دفاعي ودفاع رسائل النور ونرسلها إلى كل من وزارة العدل ومجلس الوزراء ومجلس النواب ومجلس الدولة؛ لأن المحور الأساس في قضية الاتهام هو رسائل النور، والقضية أو الاعتراض حول رسائل النور ليس أمرًا جزئيًّا أو قضية شخصية حتى يمكن إهمالها، بل هي قضية عامة وأمر كلي يهم هذا الشعب وهذه البلاد وهذه الحكومة، ومن ثم فهي قضية عامة بمنزلة حادثة كلية تجذب أنظار العالم الإسلامي إليها.

أجل؛ إن الذين يهاجمون رسائل النور تحت الستار؛ هم من يجعلون السياسة أداة للدين ويرسخون الكفر والإلحاد خفيًّا بأيد أجنبية ليحطموا أعظم قوة لهذا الشعب في هذا الوطن وهي المحبة والأخوة والاحترام التي يكنها العالم الإسلامي تجاهه، فيحملونه على بغضه وكرهه، وقد خدعوا الحكومة وضللوا وزارة العدل مرتين، فهم يقولون: إن رسائل النور وتلاميذها يجعلون الدين أداة للسياسة، وقد يُخِلّون بالأمن.


378. صفحة

فيا أيها التعساء، إن رسائل النور لا شأن لها بالسياسة، بل هي تحطم الكفر المطلق، ومن ثم فهي تبدد الفوضى التي هي أسفل الكفر، والاستبداد المطلق الذي هو أعلاه وترفضهما، ومن الدلائل على تحقيقها الأمن والسلام والحرية والعدالة؛ رسالة الثمرة التي هي دفاع عن رسائل النور، لذا فإني أطلب هيئة علمية عليا للتدقيق فيها، فإن لم تصدقني فإني أرضى بكل عقاب وإعدام معذِّب.

سعيد النورسي

 

باسمه سبحانه

إلى المقام السامي لرئاسة محكمة دنيزلي الجنائية

ورقة اعتراض على تقرير الخبراء !

لقد ضلَّلتْ تقاريرُ الخبراء الخاطئة هذه في المدن الأخرى الخبراء في هذه المدينة، وهذا الاعتراض كتبتُه وأنا مريض جدًّا في ظرف ثلث ساعة للدفاع عن كل حقوقنا في الحياة وعن كرامة رسائل النور تجاه أولئك وليس هؤلاء، فأرجو المسامحة.

1- إن الذي يصف بيانات رسائل النور حول المهدي ودجال المسلمين وِفق آراء شخصية بأنها "أسطورة المهدي والدجال" منكِرٌ لحقيقة مهمة عظمى من حقائق الإسلام، وهذا دليل على مدى بعدهم عن ماهية رسائل النور وروح الإسلام لوصفهم دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم "أعُوذُ باللهِ مِنْ فِتْنَةِ الـمَسِيحِ الدَّجَّالِ" الذي هو من الأدعية التي يداوم عليها جميع الأمة بأنه أسطورة.

2- إن قول هؤلاء الخبراء "إن أصدقاء سعيد جمعوا بعض الآيات القرآنية بعقولهم السطحية وحرفوا في الدين"؛ يدل على عدم أهليتهم ليكونوا من الخبراء، ويثير الاستغراب والتعجب، فقد كتب جميع العلماء المشهورين في


379. صفحة

الأمة الآيات والسور التي تنور مسالكهم ومشاربهم أكثر من غيرها في كتبهم باسم "الأحزاب والأوراد"، ومع أن هذا الأمر صار بمثابة عادة إسلامية إلا أن اتهامهم لنا بأننا نحرف في الدين أو حرفنا فيه دليل على أن هؤلاء الخبراء ليسوا بخبراء.

3- إن قولهم: "إن هناك مؤسسة سرية أو جمعية خفية تدير أمور المنشورات الدينية لسعيد وأصدقائه، وهذه الجمعية تخالف أسس الثورة العلمانية؛ لأنها تصف حياتنا بأنها مدنية دنية طاغية كافرة"؛ إن قولهم هذا سوء نية ظاهر وخلاف للحقيقة، ودليل ذلك أننا أثبتنا بالأمس أنني لم أعرض أبدًا على أحد من أصدقائي تشكيل جمعية بشهادة خمسة وستين شاهدًا أقسموا رسميًّا في المحكمة، وبينا قصدنا بعبارة المدنية الدنية (بلا ميم) أننا قسّمنا المدنية الأوربية قسمين، وسمينا القسم القبيح منهما بالمدنية الدنية وأن الذين يسيرون في ركبها يتسببون في طغيان البشر وكفرهم، ولكن هؤلاء الخبراء يتهموننا بأننا نسند هذا الطغيان والكفر إلى الثورة العلمانية، فأين حكمهم السطحي جدًّا من بيان رسائل النور؟

4- إنهم بقولهم: "إن تفسير بعض الآيات القرآنية تفسيرًا يستند إلى رأي شخصي، وإلى حساب الأبجد والجفر لا قيمة له في العلوم والفلسفة والتصوف وعند العقول السليمة"؛ قد أظهروا أن لهم سوء نية وأنهم ينظرون نظرة سطحية وأنهم ليسوا خبراء. أنها مسألة لا تستحق الإجابة ولو لم أضطر لذلك لسكتّ، فلو أن الأمارات والإشارات والاستنباطات التي تقارب الألف تعلقت بحقيقة واحدة وقضية واحدة بسبب وحدة القضية، وآزر بعضُها بعضَها الآخر؛ فهل يمكن أن يقال عن هذه القضية: لا وزن لها عند العقول السليمة وهي التي لها ما يقرب من ألف أمارة وِفق حساب الأبجد والجفر الذي هو قاعدة استنباط المعاني بين أكثر الأدباء والعلماء في جميع الأمة وبقطعية قريبة من الحساب في الرياضيات؛ "؟! فالخبراء الذين ليسوا بخبراء لا يعترفون بالعقل السليم، ولا يعلمون التصوف والعلوم، ويخطئون في أحكامهم.



380. صفحة


5- إن من يقول: "أهم منهج يتبعه سعيد هو أنه لا يغرّ إلا الساذجين من الناس فقط بالرسائل التي تحتوي على موضوعات الحقيقة والآخرة والشيخوخة، ويلقي عليهم دروسًا تجعلهم لا يفكرون إلا في الآخرة"؛ يرتكب جهلا أكثر مرارةً.

ولقد بيّن سعيد الذي هو تلميذ رسائل النور منذ أربعين سنة موضوعات الحقائق الإيمانية والقرآنية والآخرة والشيخوخة كالشمس، وواجه الفلاسفة في الداخل والخارج بتلك الحقائق وانتصر عليهم، فكم هي إهانة للحقيقة العلمية النظر إلى الدروس العظيمة المهمة لرسائل النور وهي التي أجبرت خمسين ألفاً من أهل التحقيق على الاعتراف بها، والتي أثبتت إثباتًا قاطعًا كالشمس أن السعادة الدنيوية مثل السعادة الأخروية إنما تتحقق بدروس تلك الحقائق؛ على أنها رجل محتال يخدع الأرواح الساذجة، أي النظر إليها كأنها شبكة صيد! أحيل ذلك إلى محكمتكم العلمية !

6- مع أن خروج الدجال وفتن آخر الزمان هي من الحقائق الإسلامية الثابتة بالأحاديث الصحيحة وإجماع الأمة وتلك الرسالة التي ذُكرتْ فيها هذه الحقائق بقيت مخفية ولم تنشر؛ فوصفهم لها بأنها أسطورة، وأن سعيدا يزينها للمساكين ويخدعهم بها حسب قولهم: "إن تزيين الأمور التي تخدع المساكين ولا أصل لها بالنسبة لعلم الجفر وأسطورة خروج الدجال وظهور المهدي وفتن آخر الزمان إنما هي من تلقينات هذه الرسالة"؛ كل ذلك بعيد عن روح العدالة والتدقيق، ولا يستحق الجواب عنه، أي إنهم يصفون الأحاديث الصحيحة تستراً بأنها أسطورة -نعوذ بالله-.

7- إن قولهم "إذا أعلن سعيد أنه المهدي فيمكن أن يسوق تلاميذه إلى القبول به، وتعلق المساكين العميان به هو من أثر العمى والجهل"؛ فرية وإجحاف وسوء نية لا يمكن أن أصفها، وإني أُشهدُ جميعَ تلاميذي وأصدقائي على أن مسلكنا الأساس ترك الأنانية وترك حب الجاه وترك التفاخر، وليس بيننا إلا الأخوة، ولم تخطر الأنانية والغرور والعجب ببالي أبدا لكي أظل محافظاً على هذا المسلك في نظرهم، (وأنا لست من الأشراف، والمهدي سيكون من آل بيت


381. صفحة

النبي صلى الله عليه وسلم)، ثم إن تلقي تلاميذ رسائل النور المدققين العلماء عين الحقيقة والحقائق الإيمانية بدلائل قاطعة من رسائل النور، وقبولهم بها بالروح والنفس، وقولُهم بأن ذلك "عمى" إهانةٌ لهؤلاء الطيبين بلا معنى ولا ضرورة، ونحن نرد إهانتهم إليهم.

8- يقولون: "إنه حسب رأيه يصف أسطورة خروج الدجال بدجال النصارى وأنها نظام الإدارة المطبق في روسيا، ويصف دجال المسلمين بأنه السفياني، ويحدده بأنه تنطبق عليه أوصاف خالق الثورة التركية وتصرفاته، ويظهر أنه يلقّن تلاميذَه الإساءة إليه"، وقد أرادوا بقولهم هذا بما يفهمون من معان خاطئة مخالفة لروح الإسلام ومسلك رسائل النور كليا أن يمسوا بعض الجمل التي هي عين الحقيقة من الرسالة ذات الخصوصية؟ التي أجبت عنها في دفاعي وفي اعتراضي على الادعاء بعشرة وجوه وهي التي لم تقع في يدي إلا مرة أو مرتين خلال ثماني سنوات، وقالوا عن خروج الدجال "إنه أسطورة" برغم أنه ضمن عقيدة الإسلام وقبلته الأمةُ جميعها، ونحن قد كتبنا أن الشيوعية في روسيا هي كيان من كيانات الدجال الذي سيأتي في آخر الزمان، وأنها تظهر نموذجه، ولكنهم فهموا ذلك فهما خاطئا، وبعض التأويلات الصحيحة للسفياني المستندة إلى العديد من الأحاديث التي اعتمدها الكثيرون من علماء الإسلام التي كتبناها قبل ثلاثين سنة كما كتبت في دفاعي؛ يقولون عنها "إنها هجوم على خالق الثورة التركية"! إن الخالق هو الله سبحانه، وتلك العبارة فيها كفر، فمن يستخدم مثل هذه العبارات لا يستطيع أن يفهم الحقائق الإيمانية الساطعة التي في رسائل النور.

وقد قلت "لا يمكنكم أن تحاكموني حسب المادة المائة وثلاث وستين بالنظر إلى محكمة أسكي شهر" كما قدمت للمحكمة في الجلسة الأولى؛ لأن قبول مائة وثلاثة وستين نائبا من بين مائتي نائبا في الحكومة الجمهورية بتخصيص مائة وخمسين ألف ليرة لمدرستي التي وضعت حجر أساسها في "وان" وتوقيعهم على ذلك، وقبول الحكومة الجمهورية منحي ذلك المبلغ؛ يُسقط حكم هذه المادة بحقي، ومع أني قلت ذلك إلا أن الخبراء الذين لا خبرة لهم قالوا: "إن مائة وثلاثة


382. صفحة

وستين نائبا أجروا ملاحقة قضائية بحق سعيد"، وجعلوا ذلك مدار اعتراضهم، فأين فهمهم وتدقيقاتهم من الحقيقة ؟!

إن هذه الفقرة "لقد كتبتْ إشارة إحدى الآيات في سورة النساء إلى رسائل النور في رسالة ذات خصوصية" كما أطلعتُكم عليها في الجلسة الأولى. قال حولها الخبراء: "لا يجوز للنساء أن يمسسن هذا الكتاب، وهو محرّم عليهن، فلا تبرزوه لهن"، فأين تنفير النساء من رسائل النور التي هي معدن الشفقة والمناسبة لفطرة المرأة من الحقيقة ؟!

ثم إني رددتُ في رسالة "الهجمات الست" على دسائس الشيطان الست، ولكن هؤلاء الخبراء حرفوا قولي فقالوا: "إنه يريد أن يقنع الناس بأن تلك الحِكم المحكَمة دسائس"، وقياسا على هذا فإن هؤلاء الخبراء يظهرون أنه لا يحق لهم أن يصدروا بيانات حول حقائق رسائل النور العالية.

ولما كانت رسائل النور تتضمن الحقائق الجامعة المتعلقة بالعالم الإسلامي أجمع فإني أخاطب أصحاب المناصب في الحكومة الجمهورية قائلاً:

"ائذنوا لنا وأعطونا ماكينة الطباعة، ولتُشكل لجنة علمية من العلماء المحققين والفلاسفة حتى يدققوا في كل رسائل النور ما عدا الرسائل المحدودة ذات الخصوصية، فإن لم يقروا بأن هذه الكتب وسيلة للسعادة الدنيوية والأخروية لهذه الأمة وهذا الوطن وهذه البلدة، ووسيلة لأمنها وسلامتها؛ فإني أرضى بكل عقوبة، وبما أن لكل حكومة معارضين أشداء، وأنه كان هناك نصارى في حكومة سيدنا عمر رضي الله عنه، وأنه كان هناك مسلمون تحت حكم المجوس؛ فلاشك أن الخبراء لا يمكن أن يحاكمونا وفق دستور الحرية العلمية وحرية الضمير لعدم وجود حادثة أمنية ولو كانت افتراءاتهم صحيحة بفرض المحال، فالحكومة تنظر إلى الفعل لا إلى القلب.

المعتقل والمريض سعيد النورسي

 

383. صفحة

باسمه سبحانه

فقرة متعلقة بالموضوع لخُسْرَوْ ذي القلم الألماسي والعقل الذهبي وكاتب المصحف المعجز

من كرامات رسائل النور أن إمامنا الجليل رضي الله عنه كان يقول دائمًا في رسائل كثيرة من رسائل النور منذ عشر سنوات:

أيها الملاحدة والزنادقة، لا تمسوا رسائل النور بسوء، فإن فعلتم ذلك فستمطر عليكم كالسيل البلايا والمصائب التي تنتظركم من قريب، ومن الكوارث التي شهدناها في هذا الشأن:

أولاها: لقد حدث زلزال قبل أربع سنوات في أرزنجان وحوالي إزمير، وكان المنافقون آنذاك قد تعرضوا لتلاميذ رسائل النور بسوء بدسائسهم في قرية "صاو" و"قُولَة أونو" وما جاورها من القرى في إسبارطة، وساقوا حوالي ثلاثين أو أربعين منهم إلى المحكمة قائلين لهم: "إنكم لا تذهبون إلى المسجد[1] وتلبسون الطاقية، وتعلّمون الطريقة الصوفية[2]"، ولكن الله أظهر بزلازل أفزعت الناس في إزمير وحواليها والآذريين ومن جاورهم من الشعوب أن رسائل النور وسيلة لدفع البلايا، وبعد هذه الزلازل برئت ساحة كل الإخوة الذين سيقوا إلى المحكمة.

ثانيتها: إن الملحدين الذين لا يفتئون يلاحقون تلاميذ رسائل النور من حين لآخر؛ اعتدوا على تلميذين من تلاميذ رسائل النور متخذين تعليمهما للأطفال بالحروف القرآنية ذريعة، أحدهما محمد زهدي المتوفى في إسبارطة، والآخر الحافظ محمد المتوفى في قرية صاوْ، وقد سيق الأطفال إلى المحكمة ومعهم أجزاء من رسائل النور المأخوذة من بيتي هذين الأخوين، فأرادوا أن يحكموا على المرحوم محمد زهدي بدفع غرامة مالية، وفي النهاية حدث زلزال ثان في



[1]    كان الأذان وإقامة الصلوات باللغة العربية ممنوعة في تركيا من عام 1933 حتى 1950، وكان تلاميذ رسائ ل النور لا يصلون في المساجد التي كان الأذان يرفع فيها باللغة التركية.

[2]    تأسيس الطريق الصوفية والانتماء إليها وممارسة نشاطها كان ممنوعا وفق المادة 163 من الدستور التركي.



384. صفحة

قلب بلدة "أربعة[1]" ومدينة"طوقات"، وقد أعان الله تعالى تلاميذ رسائل النور التي هي وسيلة دفع البلايا، فبرئت ساحة أخينا تصديقًا لصحة ما أخبر به أستاذهم، وأعيدت إليهم جميع أجزاء رسائل النور المأخوذة منهما.

ثالثتها: إن المنافقين الذين تسببوا في نزول المصيبة بنا في سجن دنيزلي في 1359[2] بالتقويم الرومي؛ هاجمونا مرة أخرى وهاجموا رسائل النور وفي المقدمة إمامنا الكريم، وجمعوا بعضنا من إسبارطة، ونقلوا بعضنا من "جِيوْرِيلْ[3]" إلى إسبارطة، وأخذوا شيخنا العزيز وحده من قسطموني إلى إسبارطة، وأُخِذ أصدقاؤنا من محافظات مختلفة إلى إسبارطة، وكانت محكمة إسبارطة التي خدعها ذوو النوايا السيئة تضيق علينا بتهم لا معنى لها عندنا في الموضوعات التي هي خارج غاية رسائل النور، وبالأخص عندما ضيّقوا على شيخنا العزيز كثيرا، فسأله النائب العام في إسبارطة الذي طرح عليه أسئلة تافهة "ما هذه البلايا التي تتحدث عنها؟" وأجابه عن سؤاله قائلا: نعم إذا تعرض الزنادقة لرسائل النور بسوء فستأتي قريبا البلايا التي تتربص بهم بصورة زلازل. ثم نقلونا جميعا إلى دنيزلي. وكان بعضُ تلاميذ رسائل النور الذين تجاوز عددهم المائة والذين سيقوا إلى المحاكم في عشر محافظات منها قسطموني وإسطنبول وأنقرة؛ أُطلق سراحُهم، أما نحن السبعين المتبقين قي دنيزلي فقد ظللنا في المدرسة اليوسفية[4]، وكان كل مطالبنا تُرَدّ بأسباب واهية، ويزداد التضييق والمعاناة على شيخنا العزيز، وكان ممنوعا من الحديث والتواصل مع الناس تمامًا في مكان متعفّن مظلم شديد الرطوبة لا يدخله الهواء، وسعوا لتعذيبه بإيداعه في السجن الانفرادي بجوار شباب ابتعدوا عن النشأة الأخلاقية، وقد حكم عليهم بالسجن بسبب أشنع الجرائم كالقتل والسرقة واختطاف الفتيات.

وقد كنا نقاسي آلام سجن دنيزلي الشديدة في هذه الأوقات، وكان من ضمن هؤلاء المساكين الذين لا ملجأ لهم إلا الله تعالى من لم يأت بعد من قسطموني



[1]    بلدة تابعة لمحافظة توقات شمال تركيا.

[2]    1943 بالتقويم الميلادي.

[3]    بلدة تابعة لمحافظة دنيزلي.

[4]    يعني السجن.



385. صفحة

ومن إينابولو ومن إسطنبول، فالأبرياء الكثيرون الذين ينتشرون في كل ناحية من أنحاء الوطن، ويتألمون من أجل الحق والحقيقة، ويلتجئون إلى ربهم الرحيم بقلوبهم النقية من أجل نجاتهم، فإن آهاتهم التي تجاوزت السماوات وبلغت عرش الرحمن لم تذهب سدى، وقد أرسل الله سبحانه وتعالى زلزالا آخر شديدا أخبر به شيخنا العزيز في إسبارطة؛ أخذ الأبرياء إلى الجنة ودحرج الظالمين إلى جهنم، ودمرت بيوت كثيرة لعدم كون رسائل النور في حالة دفاع أمامه، وانسحق الكثير من الناس تحت الأنقاض، وبقي الكثيرون في عرض الشوارع، وقد أعلمنا محمد فيضي وصادق وأمين وحلمي من قسطموني، وأحمد نظيف من إينابولو ممن كانوا في سجون بلداتهم عندما نقلوا إلى سجن دنيزلي هذه المعلومة: بدأ الزلزال في الساعة الثامنة ليلا بالضبط، وكنا جميع الأصدقاء نواصل ذكر "لا إله إلا الله"، وكان الزلزال مستمرا بكل شدته، فخطر ببالنا في تلك اللحظة خاطر جعلنا نشفع رسائل النور عدة مرات بصدق وبحس دافع داخلي وسألْنا الله تعالى النجاة، والحمد لله سكن الزلزال فورًا، وفي تلك الليلة قد انفصلت صخرة كبيرة من القلعة في قسطموني وتدحرجت إلى الأسفل، وسحقت أحد البيوت، ثم قفزت من فوق البيت المجاور له، وسقطت على بيت آخر وسحقته، وحدثت تشققات وتصدعات كثيرة في منازل كثيرة، وانهار بعض البيوت، وتصدع المبنى الحكومي، وحدثت خسائر كثيرة مثل هذه، وقد استمر الزلزال مدة من الزمن كل يوم، ففي طوسيا[1] دمر ألف وخمسمائة بيت، ووقع كثير من الموتى والجرحى، وكان الدمار في قارقي وعثمانجيق شاملاً وفي لادك[2] وغيرها من الأحياء كانت الخسائر كثيرة جدًّا، وفي إينابولو مال هلال إحدى المآذن، وحدثت تشققات صغيرة، ولكن لم تحدث الخسائر.

محمد فيضي        صادق        أمين         أحمد نظيف

صدّق              صدّق       صدّق             صدّق  



[1]    بلدة تابعة لمحافظة قسطموني.

[2]    قارقي، عثمانجيق، لادك: بلدات قريبة من قسطموني.



386. صفحة

رابعتها: استمر القضاء الذي كان يستمع إلى كلام أهل النوايا السيئة الذين كانوا يهاجمون رسائل النور وتلاميذها ومؤلفها بعد الهزّة الأرضية الثالثة هذه في التضييق علينا بنفس المنهج، وكان أنصار الزنادقة لا يريدون أن يولوا أهمية للبلايا التي جاءت عبر الزلازل وهي من كرامات رسائل النور وأخبر بها شيخنا المبارك، فجاءت صفعة رابعة على زمرة المنافقين هؤلاء الذين اتخذوا موقفًا ضد حقائق رسائل النور الإلهية القرآنية، والغريب في الأمر أننا دعينا إلى المحكمة في الثالث من شهر فبراير، وكان شيخنا المبارك -الذي كانت حاله تُبكي القلوب- مريضًا يعاني آلامًا وأوجاعًا والذي قام أمام ما يبلغ خمسة وستين من تلاميذه ليجيب عن الأسئلة التي وجهت إليه أثناء ذلك كانت تتساقط من فمه من بين أجوبته على وجوه هيئة القضاء مرارا وتكرارا دعوات (فلتكن دنيا الزنادقة وبالا عليهم وستكون). وبعد الذهاب إلى المحكمة عدة مرات وقعت في يدي جريدة منتشرة في إسطنبول تسمى "هَمْشَهْرِي" بتاريخ 7 فبراير 1944، ومع أنني لم أكن متحمسا لقراءة الصحف والاستماع إلى المذياع، إلا أنني كنت أسأل الناس عن بعض الأحداث وأستمع إليها بدافع حب الاستطلاع النابع من معرفة كيف أن الله تعالى يمطر النيران بالوسائل ذات المحركات على الذين يعدون التطورات البشرية الحديثة من عندهم، وينسون الله تعالى، ولا يؤمنون بالآخرة قائلين إننا متحضرو القرن العشرين، وكيف أن حياة هؤلاء المنكرين الشبيهة بالجنة بالأمس تنقضي في حالة جهنمية اليوم، ومن رؤية كيف أن رسائل النور ببركتها تحفظ الأناضول من أمطار النيران الرهيبة هذه[1]، وأشكر الله تعالى على ذلك، وكنت أنظر إلى صور الصراعات الحربية في هذه الجريدة، وقد لفت نظري مقال كتب بالحروف الكبيرة عن زلزال شديد حدث عندما كان الكل نياما في ليلة اليوم الأول من شهر فبراير قبيل الصبح وهز واحدة وعشرين محافظة في الأناضول، وتسبب في خسائر كثيرة جدًّا، وفجأة تذكرت مقولة شيخنا العزيز في اليوم الثالث من فبراير التي رددها مرارا في المحكمة لهيئة القضاء: "فلتكن



[1]    يشير إلى الحرب العالمية الثانية.



387. صفحة

دنيا الزنادقة وبالا عليهم، وستكون"، وتأسفت، وقلت: كنا نقول: إن رسائل النور تصلح ولا تفسد، وتعمر ولا تدمر، وتسعد ولا تشقي، ولكن اتهامنا واتهام رسائل النور بعكس ذلك لم يُرْضِ الخالق سبحانه، وكان هذا الزلزال الدامي الذي كان مركزه مدن "كَرَدَة" و"بولو" و"دوزجة" كرامة رابعة لرسائل النور. وتخبر الجريدة عن أن هناك خسائر كثيرة في الأرواح في كل من "أنقرة" و"بولو" و"زونغلداق" و"جانقري" و"إيزميت"[1]، وأنه قد دمر في "كَرَدَة" ألفا منزل، والمنازل التي لم تَنْهَر كليًّا ولا تصلح للسكن أزيلتْ. وأنه مات أكثر من ألف شخص، ويُخرَج الموتى بصورة مستمرة من تحت الأنقاض، وأن في "دوزجة" خسائر كبيرة، وعدد الموتى والجرحى فيها غير معروف، وفي أنقرة مائة وثلاثون ميتا ومثلهم من الجرحى كذلك، ودمر ما يقرب من ألف بيت، وانهار بيتان في منطقة المدبغة، وفي بعض القرى اندلعت النيران عقب الزلزال، وأن الهزة الأولى كانت شديدة جدًّا، وأعقب الهزةَ بعض الضجيج الآتي من تحت الأرض، وأنه انقطعت الأخبار عن مدينة بولو وعن القرى التابعة للمدن الأخرى على الرغم من مرور أسبوع كامل، وفي مكان آخر دمر مائتا بيت، ومات أحد عشر شخصا، وانقطعت خطوط الهاتف والبرق عن "بولو"، وأن في منطقة الزلزال تسود عاصفة ثلجية شديدة، وأن السماء أبرقت في إيزميت وقت الزلزال، وغمر الضوء المدينة بضع ثوانٍ، وانطلق الناس في كثير من الأماكن إلى الشوارع وهم عرايا، وسجلتْ جميع مراكز الرصد الكبيرة حول العالم هذا الزلزال الكبير الذي حدث في الأناضول، وأن مركز الرصد البريطاني أخبر أن الزلزال كان مدمرا جدًّا، وأن عاصفة رهيبة حدثت في نفس اليوم في مدينة سينوب[2]، وازدادت شدتها بمرور الزمن مع الرعود والبروق.

ثم رأيت في جريدة أخرى هذه الأخبار المتممة والمحيرة: لقد اجتمعت القطط والكلاب قبل الزلزال ثلاثةً ثلاثةً أو خمسةً خمسةً، وربضت مدة من الزمن



[1]    أسماء محافظات في تركيا.

[2]    محافظة في شمال تركيا.



388. صفحة

وهي ينظر بعضها إلى بعض نظرة البُله وكأنها حزينة مفكرة، ثم تفرقت، ولم ير أحد أية واحدة من هذه الحيوانات سواء كان في أثناء الزلزال أو قبله أو بعده، وابتعدت عن المدن وذهبت إلى المروج، ومن الغرائب أنهم يكتبون أن هذه الحيوانات تخبرنا بلسان حالها عن مثل هذه الكوارث التي تصيبنا نتيجة تمردنا وعصياننا، ويتعجبون من أنها لا تفهم.

فها هي أربع كوارث ذات حقائق تحدث مُوقِّعة على صدق إمامنا بديع الزمان بالزلازل من بين مئات الحوادث التي أخبر بها في رسائل النور حيث يقول: " يجب ألا يتعرض الزنادقة لرسائل النور بسوء، وألا يمسوا تلاميذها بسوء، وإلا فإن الكوارث قريبة الوقوع ستجعلهم يندمون مائة مرة"، نسأل الله أن يرزق قلوب الذين يتعرضون لنا ولرسائل النور بسوء الإيمانَ، ويرزق رءوسهم العقل الذي يرى الحقيقة، وأن يخلصنا من هذه السجون، ويخلصهم من هذه الكوارث، آمين.

المعتقل خسرو

 

باسمه سبحانه

﴿وَاِنْ مِنْ شَئٍ اِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

إخواني الأعزاء

وردت هذه الفقرة إلى خاطري فجأة في هذا الفجر

أجل؛ إنني أصدق الكرامة النورية التي كتبها خُسْرَوْ بالتفصيل حول الزلزلة، وقناعتي تدور في هذا الإطار؛ لأن هجوم الزلزال أربع مرات في نفس توقيت الهجوم على رسائل النور وعلى تلاميذها وتوافقها معه لم يكن مصادفة. إن بقاء إسبارطة وقسطموني اللتين هما مركزان لانتشار رسائل النور محفوظتين من الكوارث مقارنة بالأماكن الأخرى لا يمكن أن يكون مصادفة، وتوافق وقت


389. صفحة

نشر رسائل النور الإيمانَ التحقيقي في كل أنحاء الأناضول مع نشوب الحرب العالمية التي هي أعظم خسارة للإنسانية في آخر الزمان حيث إن وسيلة النجاة لا تكون إلا بالإيمان والعمل الصالح كما تشير سورة العصر وتوافق ذلك مع نجاة الأناضول نجاة عجيبة من هذه الخسارة الحربية العظيمة توافقا تاما حسب الحساب الأبجدي والجفري؛ لا يمكن أن يكون مصادفة.

وكما أن توافق وقوع مئات من حوادث صفعات الغضب بحق من يُلحقون الضرر بخدمة رسائل النور أو صفعات الشفقة بحق الذين يقصرون فيها ليس مصادفة؛ فإن وقوع آلاف من مظاهر السعة والبركة في المعيشة بلا استثناء تقريبا لمن يخدمون رسائل النور خدمة حسنة، وحصولهم على المسرة والاطمئنان في قلوبهم؛ لا يمكن أن يكون مصادفة.

سعيد النورسي

باسمه سبحانه

خطاب إلى المحكمة

أيها السادة!

إنني أخبركم إخبارا قاطعًا أن لي بقدر ما تتوقعون إخوة حقيقيين وأصدقاء في طريق الحقيقة غير الأشخاص الموجودين هنا والذين ليست لهم علاقة بنا أو برسائل النور، أو علاقتهم ضعيفة بها، أو ينكرونها، وقد علمنا باعتقاد لا يتزعزع ببيانات رسائل النور القاطعة وبدرجة اثنين في اثنين يساوي أربعا أن الموت حُوِّل لنا بسر القرآن من إعدام أبدي إلى تذكرة تسريح، وأن هذا الموت المحتم بالنسبة لمن يخالفوننا وللسالكين في الضلال إما إعدام أبدي إن كانوا لا يؤمنون بالآخرة، وإما سجن انفرادي خالد مظلم إن كانوا يؤمنون بالآخرة ولكنهم يسلكون سبيل السفاهة والضلال.


390. صفحة

وإنني أسألكم، هل هناك قضية إنسانية أعظم وأهم من هذه القضية بحيث تكون هذه أداة لتلك؟! بما أنه ليست هناك قضية أعظم منها ولا يمكن أن تكون؛ فلم تنشغلون بنا إذن؟!

إننا ننتظر أقسى عقوباتكم بكمال الجلَد؛ إذ إننا نأخذ تذكرة تسريح للذهاب إلى عالم النور، ولكننا نعلم بدرجة الشهود بل نرى كما نراكم في هذا المجلس أن الذين يرفضوننا ويعاقبوننا باسم الضلال سيعاقَبون بالإعدام الأبدي والسجن الانفرادي، وأنهم سيلاقون تلك العقوبة القاسية قريبا جدًّا، ونحن نشفق عليهم كثيرا من الناحية الإنسانية.

إنني مستعد لأثبت هذه الحقيقة القاطعة المهمة ولألزم أشد الناس تمردا، وإنني راض بكل عقوبة إذا لم أستطع أن أثبتها مثل النهار لأكبر علمائكم وفلاسفتكم وليس للخبراء من ذوي النوايا السيئة ممن ليس لهم نصيب من الروحانيات ولا من الاختصاص فحسب، فها أنا أبرز -كنموذج- رسالة الثمرة التي ألفت في جمعتين للسجناء والتي تبين ركائز رسائل النور وخلاصاتها وأسسها والتي صارت بمنزلة دفاع لرسائل النور، ونسعى في الخفاء مع كل المعاناة إلى كتابتها بالحروف الجديدة[1] حتى نقدمها لذوي المناصب العليا في أنقرة، فاقرءوا تلك الرسالة، وانتبهوا لها، فإن لم تصدقني قلوبكم ولا أتدخل في نفوسكم، فإني سألتزم السكوت حتى لو قمتم بإهانتي وتعذيبي في العزلة المطلقة الحالية.

الحاصل: إما أن تعطوا رسائل النور الحرية التامة، وإما أن تكسروا تلك الحقيقة القوية التي لا تجرح إن استطعتم، إنني لم أكن أفكر فيكم وفي دنياكم حتى الآن، وكنت لا أريد أن أفكر، ولكن اضطررتموني، وربما كان من الضروري إنذاركم فساقنا القدر الإلهي إليكم، وقد اتخذنا الدستور القدسي "مَنْ آمَنَ بِالقَدَرِ أَمِنَ مِنَ الكَدَرِ" مرشدا لنا، وعزمنا على مقابلة كل تضييقاتكم بالصبر.

سعيد النورسي



[1]    أي الحروف اللاتينية التي أصبحت اللغة التركية تكتب بها.



391. صفحة

باسمه سبحانه

أيها السادة

ليس لأي حكومة ما تستند إليه غير قوانين قضائها، وقضاؤها يعمل في كل مركز بنفس القانون، وإن الرجل الذي ارتكب مائة جريمة له حق الدفاع، ولا يُمْنَع من حقه هذا، وبما أن القرآن حر في هذا البلد فإني كنت أظن أن القيام بوظيفة الدفاع عن حقائق القرآن ضد الكفر ليس ممنوعًا، مع أنهم منعوني من محادثة الناس ومقابلتهم منذ ستة أشهر بطريقة غير قانونية، وقد ألفت عشر رسائل أخرى غير مرافعات الدفاع تحت علم القضاء في سجن أسكي شهر، ولم يتعرضوا لنا من الناحية القانونية على الرغم من نَسْخ العديد منها، أما هنا فقد اضطررت إلى كتابة دفاعي بالحروف القديمة لعدم معرفتي بالحروف الجديدة، وقد أمليت دفاعي على الآخرين لأن خطي سيء لا يستطيع أن يقرأه كل واحد، أما قضية رسائل النور فلأنها حادثة عامة تهم الحكومة وتهم العالم الإسلامي فإني كنت قد أمليت ثلاث نسخ أو أربع من رسالة الثمرة التي لا تُفنَّد حتى أقدمها للقضاء هنا ولذوي المناصب في أنقره وهي رسالة دفاع عن رسائل النور وتثبت أن تلك الحقائق تظهر ماهية دفاعي ودفاع اصدقائي وماهية رسائل النور وذلك لوحدة القضية، ثم فجأة أخذوها من يدي بوجه غير قانوني كأنها أوراق ضارة، ولم يردوها إلي بعد، ثم توسلنا إليهم كثيرا وقلنا لهم: اسمحوا لنا باستخدام آلة كاتبة حتى ندافع عن أنفسنا، ولكنهم لم يسمحوا لنا بصورة مخالفة للقانون، وقد طلبت من بعض الأصدقاء كتابة ثلاث نسخ بالحروف الجديدة مضطرًّا بواسطة أصدقاء لا أستطيع التواصل معهم، لكي ترسل إحداها إلى المحكمة الجنائية في أنقرة، -وقد أرسِلَت أوراقنا وكتبنا إليها من قبل-، والثانية إلى رئيس الجمهورية، وأعددنا الثالثة لارسالها إلى رئاسة الشئون الدينية، ولكن لعدم السماح لنا باستخدام الآلة الكاتبة وعدم منحنا حرية التصرف؛ قد تكلمنا مع موظفَين لهما علاقة بالموضوع حتى نعينهما على قراءتها، لأن الخط اليدوي مشوش ومعيب وغير مقروء، فسمحتم لنا بذلك، وبما أن كتبنا أرسلت إلى أنقرة مكتوبة بالحروف القديمة فإننا أيضًا سلمنا


392. صفحة

مدير السجن مرافعتَيْ الدفاع على أننا سنرسلهما بالحروف الجديدة والقديمة، ولكنه قال لنا صباح اليوم التالي: ممنوع بالحروف القديمة، وإني لا أستطيع أن أردها إليكم، فصادرها بوجه غير قانوني، فقلت له: هذا الدفاع دفاع عن جميع إخواني هنا؛ لأن القضية واحدة، ومن حق كل واحد من الناحية القانونية أن يكون دفاعه بيده، وبما أنك سمحت لنا الآن باستخدام الآلة الكاتبة بعد ستة أشهر فإننا سنكتب نسخة من النسخ المصححة لتقديمها لذوي المناصب، وقد ألححت كثيرا ليعطيني نسخة حتى أصححها بها، فأعطاني نسخة واحدة فقط، وصادر البقية ولم يعطها لي، مع أنه قال إنها عين الحقيقة باعترافه هو.

فلا يمكن أن يكون في العالم أي قانون يجيز مصادرة مرافعة دفاع -هي عين الحقيقة- كتبت لرئيس الجمهورية والمحكمة الجنائية ومجلس الشعب الكبير، وليس من المحتمل أصلا، وليس في قانون أي حكومة منع وجود ورقة الدفاع المشتركة في أيدي من يشتركون في نفس القضية، ولا يمكن أن يكون وجود ذلك حسب معرفتي، لقد أصبحنا مستهدفين بقضايا مخالفةٍ للقانون، وقد صبرنا حتى الآن ولكن نفد صبرنا.

سعيد النورسي

باسمه سبحانه

لي طلب ورجاء مهم للدفاع عن حقوق رسائل النور، لما كانت رسائل النور جامعة لحقائق تهم العالم الإسلامي كله، وبما أن المحكمة الجنائية في دنيزلي أحالت جميع رسائلي -ما عدا بضع رسائل محدودة ذات خصوصية - إلى المحكمة الجنائية في أنقرة فإنني أطلب تشكيل هيئة علمية مختصة من العلماء المحققين والفلاسفة للتدقيق فيها، فالدعوى والاعتراض على رسائل النور التي تحققت بركاتها المادية والمعنوية وخدماتها العظيمة جدًّا لهذا البلد بإشارات ثلاث وثلاثين آية قرآنية، وثلاث كرامات غيبية للإمام علي رضي الله عنه، وبإخبارات


393. صفحة

الغوث الأعظم عبد القادر الجيلاني القاطعة، ليست حادثة جزئية وقضية شخصية حتى لا تستحق الاهتمام، بل هي قضية عامة كحادثة كلية تهم هذا الشعب وهذا البلد وهذه الحكومة وبالتالي تجذب أنظار العالم الإسلامي إليها.

أجل إن الذين يهاجمون رسائل النور تحت الستار هم من رسّخوا الكفر المطلق خفية متخذين السياسة أداة للإلحاد من أجل كسر احترام العالم الإسلامي لهذا الشعب ومحبته وأخوته له التي هي أعظم قوة ودفعه إلى كراهيته بأيد أجنبية، وقد خدعوا الحكومة وضللوا وزارة العدل مرتين، فهم يقولون: إن رسائل النور وتلاميذها يجعلون الدين أداة للسياسة، وربما يُخِلّون بالأمن، ومع أن رسائل النور لا شأن لها بالسياسة، إلا أنها تحطم الكفر المطلق، ومن ثم فهي تبدد الفوضى التي هي أسفل الكفر من الأساس والاستبداد المطلق الذي هو أعلاه وترفضهما، ومن الدلائل على أنها تحقق الأمن والسلام والحرية والعدالة؛ رسالة الثمرة التي هي دفاع عن تلك الرسائل.

سعيد النورسي

باسمه سبحانه

إخواني الأعزاء الصديقين

لن أرسل إليكم الآن قرارات الخبراء التي اتخذوها بالإجماع حتى لا يصيب الضررُ من أخبرنا وكتب بها إلينا ، فهؤلاء الخبراء عملوا بكل قوتهم من أجل إنقاذنا والحفاظ علينا من شر أهل الضلال والبدع، ويبرئوننا من جميع الاتهامات التي وجهت إلينا، ويُشعِرون أنهم استفادوا من رسائل النور، وقرروا بالإجماع أن الجزء العلمي والإيماني لرسائل النور أُلّف في الغالب عن علم وبصيرة، وأن سعيدا يبين أفكاره الجادة الصادقة فيها، وأن ما فيها من قوة وقدرة ليس لتأسيس طريقة أو تنظيم أو لمبارزة الحكومة كما يُتهم، بل فيها قوة وقدرة لإيصال حقائق


394. صفحة

القرآن إلى المحتاجين فحسب، أما عن الرسائل ذات الخصوصية التي وصفوها بأنها رسائل غير علمية فإنهم فهموا منها أن سعيدا تعتريه حالة من الجذبة وجيشان الشعور والاختلال الروحي ومن ثم فيجب ألا يحاسب على تلك الرسائل؛ وقد فهموا من تعبير شخصية سعيد القديم وسعيد الجديد، أن الثانية لها قوة إيمانية لا مثيل لها ولها علم وحقيقة قرآنية، وقالوا قد يكون له نوع من حالة الجذبة والاختلال العقلي، ولكي ينقذونا من مسئولية التعبيرات الشديدة اللهجة ويلاطفوا معارضينا قالوا يمكن أن يؤخذ بنظر الاعتبار احتمال إصابته بمرض الهلوسة من ناحية السماع والرؤية، ولكن رسائل النور التي وقعت في أيديهم التي تدحض هذا الاحتمال من أساسه، وتسبق جميع العقول، والدفاع ورسالة الثمرة التي حيرت جميع المحامين جواب كاف وواف على ذلك، وأنا أشكرهم كثيرا على أن مُنحت بالتشرف بمعنى حديث شريف بهذا الاحتمال.

ثم إن الخبراء هؤلاء يبرئون جميع أصدقائي ويبرؤنني تبرئة تامة ويقولون: إن هؤلاء متمسكون بكتب سعيدٍ التي كتبها عن علم ومعرفة من أجل إيمانهم وآخرتهم، وقرروا بالإجماع أنهم لم يجدوا أي تصريح أو أمارة للتخطيط ضد الحكومة لا في مراسلاتهم ولا في كتبهم ولا في رسائلهم، ووقّع على هذا ثلاثة أشخاص يدعون الفيلسوف نجاتي والعالم يوسف ضياء، والفيلسوف يوسف، ومن التوافقات اللطيفة أننا نسمي هذا السجن في حقنا مدرسة يوسفية، ورسالة الثمرة ثمرة له، فإن هذين اليوسفين يعبران بلسان حاليهما أن لهما أيضًا نصيب من الدروس التي تلقى في المدرسة اليوسفية.

ومن الدلائل اللطيفة على استدلالهم بالجذبة والهلوسة، أنهم يستدلون على احتمال تلك الحالة بأن سعيدا يستخدم تعبيرات من مثل النافذة الثالثة والثلاثين من الكلمة الثالثة والثلاثين والمكتوب الثالث والثلاثين، ويسمع تسبيح قطته بـ"يا رحيم يا رحيم"، ويرى نفسه كشاهد قبر.

سعيد النورسي


395. صفحة

باسمه سبحانه

إخواني الأعزاء الصديقين

بما أننا تحت عناية الله تعالى بدلالة كثير من الأمارات، وبما أن رسائل النور لم تهزم أمام أعداء ظالمين كثيرين، وأسكتت وزير التعليم وحزب الشعب الجمهوري إلى حد ما، وبما أن الذين يضخمون قضيتنا في ساحة واسعة جدا لهذا الحد فيقلقون الحكومة؛ سيسعون إلى ستر افتراءاتهم وكذبهم إلى حد ما بالتبريرات، فلابد حينها أن نتحلى بالصبر والحذر بكمال التسليم، ولاسيما عدم وقوعنا في خيبة أمل أو يأس إذا حدث غير ما نتوقع، وألا نتزعزع أمام العواصف المؤقتة.

أجل؛ مع أن خيبة الأمل تكسر قوةَ أهل الدنيا المعنويةَ وحماسَهم، إلا أنها يجب أن تقوي عزمَ تلاميذ رسائل النور وإقدامَهم وجديتهم وهم الذين يرون إحسانَ عناية الله تعالى ورحمتَه تحت المشقة والمجاهدة والتضييقات.

لقد أحالني أهل السياسة قبل أربعين سنة إلى مستشفى الأمراض العقلية والنفسية بإسنادهم الجنون المؤقت إليّ، قلت لهم: إن كل ما تقولون إنه من العقل أعده أنا من الجنون، وأستعفي من مثل هذا العقل، وأرى فيكم قاعدة "كل الناس مجانين، ولكن على قدر الهوى اختلف الجنون". والآن أنا شاكر من جهتين لتكرار نفس الكلام للذين يسندون إليّ أحيانًا حالة الجذبة والجنون الموقت بسبب الرسائل ذات الخصوصية من أجل إنقاذ إخواني من مسئولية شديدة:

إحداهما: ورد في الحديث الصحيح ما معناه: أن اعتبار عوام الناس حالات الرجل التي هي خارج قوتهم العقلية بالجنون دليل على كمال إيمانه وتمام اعتقاده[1].

الثانية: إنني أقبل حتى إسناد الجنون إلى نفسي من أجل سلامة إخواني في هذا السجن ونجاتهم وتخلصهم من الظلم، بل أقبل أن أضحي بكل عقلي وحياتي


[1]    هناك بعض الأحاديث تفيد هذا المعنى، منها ما روي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «أَكْثِرُوا ذِكْرَ الله حَتَّى يَقُولُوا: مَجْنُونٌ. أخرجه ابن حبان حديث رقم 817، والبيهقي حديث رقم 523، والإمام أحمد حديث رقم 11653.



396. صفحة

بكمال الاعتزاز والسرور أيضًا، فلتكتب رسالة شكر مني إلى هؤلاء الأشخاص الثلاثة إذا رأيتم ذلك مناسبًا، ويُخْبَرُ أننا نشركهم في مكاسبنا المعنوية.

سعيد النورسي

باسمه سبحانه

أشكر الخبراء الكرام على تقريرهم المتصف بالعدالة والحق من كل قلبي، فقد دققوا في أكثر من مائة رسالة خلال مدة قصيرة، ومن ثم فلابد من وجود بعض القصور، وسأوضح بعض النقاط بنية مساعدة هؤلاء على تقريرهم، فأنا لا أنتقدهم بل أعينهم على تدقيقاتهم، حتى إنني أقبل بكمال السرور ما نسبوا إليّ من حالة الجذب والاختلال الروحي أحيانًا، ولكن هناك أمر وهو أن الرسائل المائة وسبع وعشرين التي هي كُتُبٌ علمية ألفت عن علم ودراية بإقرارهم هم أنفسهم يتلقاها أشهر العلماء والعقلاء بالإعجاب والتقدير، ولا يبلغ هذه الدرجة الفكرية أشهر العلماء المحققين، فكيف لمجنون؟! أي هي ليست ملكي ولا ملك أحد غيري، بل هي حقائق القرآن العظيم الشأن، وقد كتبناها نحن، ولكني أقبل حالة الجذبة والاختلال الروحي من هذه الناحية؛ لأني أرى الكثيرين من الناس مجانين، وليس عقلي من جنس عقولهم، فإما أنا مجنون وإما هم مجانين، فلاشك أن الجنون المؤقت وحالة الجذبة يكونان من نصيبي أنا لكثرة عددهم، ومع ذلك فإن رفضهم لما هو سبب لاتهامنا من اتخاذ الشعور الديني أداة، ورفضهم الحث على الإخلال بالأمن الداخلي، وتأسيس جمعية، واتباع طريقة وإقامة دروس، واتفاقهم بالإجماع على عدم وجود أية أمارة على وجود ذلك في الرسائل والمراسلات؛ إنما يدل على علو شأن الهيئة العلمية لقضاء الحكومة الجمهورية من الناحية الدنيوية، فنحن نشكرهم على هذا وندعو لهم من أعماق قلوبنا.


397. صفحة

إيضاح صغير لبعض الجمل السطحية الواردة في التقرير

بمناسبة احتراق مبنى المشيخة والقضاء فُسِّرَ كلامي تفسيرا خطأ، وذلك أني عندما نفيت إلى إسطنبول بغير وجه حق وأنا في حالة يرثى لها قبل تسع عشرة سنة سألت عن حال المشيخة وقد كنت عملت في دار الحكمة الإسلامية التي تضمها المشيخة فقيل لي: لقد حولوها إلى ثانوية للبنات، فغضبت، ودعوت عليهم، وقلت اللهم أنقذ المشيخة، ثم احترق بعض الأجزاء من مبنى المشيخة، وبهذه المناسبة قلت: إن النار تُطَهِّرُ أحيانًا، وإن احتراق مبنى القضاء الذي أضر خمسة ملايين من هذا الشعب الفقير طهارة إن شاء الله تعالى، وقد فُسر كلامي بمعنى الرضا، أي قالوا: إنه رضي بضررنا، مع أني قلت: إن هذا الضرر يمكن تعويضه.

سألني الروحانيون قبل ثلاثين سنة في مجلس روحاني معنوي في حالة شبيهة بالرؤيا الواردة في كتابي المطبوع المسمى باللوامع: ما حكمة انهزامكم في الحرب العالمية الماضية؟ فأجبتهم، ثم سألتهم بعد عشرين سنة من هذه الحادثة في مثل تلك الحالة وقلت: لماذا لم تؤيد حكومتنا الطرف المنتصر حتى تنقذ الجزيرة العربية والهند وإفريقيا؟ فأجابوني في هذه الواقعة الشبيهة بالرؤيا: إن الجواب هو ذات الجواب القديم الذي أجبتنا به، أي إن كان التأييد للطرف المنتصر لكان هناك احتمال للسعي إلى تطبيق المحدثات الجديدة في الحرمين الشريفين وغيرهما من الأماكن –التي طبقت بسهولة في هذه الأماكن القريبة جدًّا من أوربا- ولحدثت ضمن مشكلات، وبناء على هذا الاحتمال أفتى القدر الإلهي بانهزامنا، ولم يسمح لنا أن نؤيد الطرف المنتصر، وقد كتب هذا تحت الآلام، إلا أن الخبراء ظنوا "إن هذا الكلام أشبه بالرضا بضررنا وانهزامنا".

ثم إن الحساب الأبجدي والجفري وسيلة جارية لاستخراج المعاني والأسرار عند أكثر الأدباء والعلماء خاصة أهل الكشف وليس عند محيي الدين بن عربي وغيره من المحققين فحسب. وهذا الحديث الشريف يثبت أن هناك مناسبات بين الحروف المقطعة التي في أوائل سور القرآن العظيم الشأن وبين هذا الحساب: لقد قال بعض علماء اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم : إن عمر أمتك قصير تشير إليه ﴿ الـم ﴾، فقال الرسول صلى


398. صفحة

الله عليه وسلم: هناك ﴿كهيعص﴾ و﴿حم عسق﴾ وغيرهما كثير، فسكتوا[1]، أي إن الإشارات القرآنية لها علاقة بعلم الجفر، وبما أن إشارات القرآن يختلف نوعها ووجهها وهي موجودة ومؤكدة بالفعل، وأنه يفيد الحقائق والأحكام بإشاراته من حيث البلاغة، وأنه قد اهتمت ما لا حد له من كتب التفاسير بإشاراته، وكما اهتمت بها المذاهب الاثنا عشر؛ فلاشك أن إشارات القرآن وإخباراته الغيبية حسب الحساب الجفري الذي له قواعد منتظمة وحسب الحساب الرياضي يليق بالمقام العالي لإعجازه.

إن خدمة أجزاء رسائل النور ذات الخصوصية للقرآن الكريم بتسجيلها تلك الإشارات، وإثباتها أن رسائل النور معجزة حقيقية معنوية للقرآن الكريم تستحق تقدير الخبراء، فإن كانت هناك ألف إشارة بمنزلة ألف أمارة لقضية ما فإن تلك القضية تكون ثابتة بدرجة الصراحة القاطعة، أما اهتمام رسائل النور باستخراج المعاني من القرآن الكريم فيمكن أن يكون من أثر الانكشاف الروحي التام وليس من الاختلال الروحي.

أما الشواهد التي استدلوا بها على حالة الجذبة فمنها أنني أرى نفسي كشاهد قبرٍ، وهنا أعيد هذه الفقرة التي قلتها قبل ثلاثين سنة ردًّا على أحكام هؤلاء الكرام التي استعجلوا قطعها:

                إنني قبر مهدّم تراكم فيه تسعة وستون ميتًا

من سعيد ذي الآثام والآلام

وأصبح السبعون شاهد القبر

         وكلها تبكي معًا على ضياع الإسلام

                  وكلّي أمل بأن سماء المستقبل وأرض آسيا

     سيستسلمان ليد الإسلام البيضاء

                                إذ يُمن يمين الإيمان

 تمنح الطمأنينة والأمان للأنام


[1]    روي أنه عليه الصلاة والسلام لما أتاه اليهود تلا عليهم ﴿الم﴾ البقرة، فحسبوه وقالوا: كيف ندخل في دين مدته إحدى وسبعون سنة، فتبسم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقالوا: فهل غيره، فقال: المص والر والمر، فقالوا: خلطت علينا فلا ندري بأيها نأخذ. انظر تفسير البيضاوي ج 1 ص 34، وتفسير الطبري عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى "الم" ج 1 ص 221، وابن كثير ج 1 ص 72، والتفاسير الأخرى في تفسير قوله تعالى "الم" البقرة.



399. صفحة

ومن الشواهد على حالة الجذبة هي واقعة لطيفة أذكرها: لقد قلت ذات مرة "لماذا توصف القطط بالحيوانات المباركة، مع أنها تبدو حيوانًا مفترسًا وليس لها وفاء للإنسان"، وفي تلك الليلة جاءت إحدى القطط الصغيرة وألصقت فمها بأذني، وقالت: "يا رحيم، يا رحيم"، وفضحتْني لإهانتي لطائفتها" وخطر ببالي أنها قالت: "نحن نعلم أن كل خير إنما يأتي من الرحيم، ولا نعبد الأسباب مثل الكلاب، ولذلك يطلق علينا الحيوانات المباركة، ويطلق عليها الحيوانات النجسة"، وفي الصباح جاءني الحافظ توفيق، وسليمان، وعبد الله جاويش، والمرحوم الحافظ أحمد، ومصطفى جاويش وغيرهم ممن يخدمونني، فذكرت لهم القصة، وداعبت القطة التي أطلقت عليها عبد الرحيم، وقد سمعوا كما سمعت أنها تذكر الله بـ "يا رحيم يا رحيم"، ثم استمعنا إلى القطط الأخرى، فلو أصغيت إليها بالدقة لسمعت أنها تذكر الله بـ"يا رحيم يا رحيم"، ولكن ليس صراحة مثل عبد الرحيم.

إنه ليجب التذكير بالظلم على رسائل النور من هذه الناحية وهي:

إن وصف الخبراء الكرام للرسائل الثلاث الصغيرة ذات الخصوصية بأنها رسائل غير علمية ومحيرة وغير عادية، في الوقت الذي يصفون فيه الرسائل المائة والسبع والعشرين العلمية المتبقية بأنها علمية مقدرين إياها تقديرا تامًّا؛ ليس صحيحًا، وأذكّر هؤلاء بأنه يجب ألا تقاس بضع مسائل محيرة في بضع رسائل -حسب ظنهم- بالرسائل المائة والسبع والعشرين العالية القيمة وبآلاف من حقائقها التي يُقرّون بها.

ثم إن قول أحد الإخوة بـ"إن رسائل النور مجدد أيضًا مثل مولانا خالد[1] رحمه الله وفق حكم أحد الأحاديث وبسبب توافق حياة هذا المسكين سعيد مع حياة مولانا خالد رحمه الله توافقا من أربعة وجوه"؛ نُسِب إليّ وإلى شخصي، ولكني أشهد جميع أصدقائي أني لا أسعى وراء الأنانية، بل أرفضها، وأمنع الذين يحسنون الظن بيّ كثيرا وأوبخهم كثيرا.



[1]    مولانا خالد البغدادي يعد من مجددي القرن الثالث عشر الميلادي.



400. صفحة

تتمة لخطاب الشكر

مما أصبح موضع نظر واعتراض عند الخبراء الكرام: (أن تلاميذ رسائل النور سيكونون من أهل الجنة وسيدخلون القبر بالإيمان،) معتمدين على أن هذا الفضل لا يبلغه أحدٌ بشخصه واسمه غير العشرة المبشرين بالجنة. ونرد على اعتراضهم ونقول: لم يحدد شخص باسمه في هذه المسألة، فكما تقول الآية الكريمة ﴿إِنَّ الأبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ وغيرها من الآيات إن أهل الإيمان والعمل الصالح من أهل الجنة، فإنه إذا قيل من خلال الأمارات القوية: "إن تلاميذ رسائل النور الذين يتلقون منها الإيمان التحقيقي الذي يسكت الشياطين سيدخلون الجنة بالإيمان"؛ لا يمكن أن يكون موضع اعتراض.

ثم إنهم بسبب الاستعجال انتقدوا الكرامات الخاصة برسائل النور ظانّين أنها تنسب إليّ وقالوا: "إن الولي لا يدّعي الكرامة".

والجواب: إن تلك الوقائع الكثيرة ليست كرامات، بل إكرام إلهي، والإكرام إظهاره شكر، وهي ليست ملكي، وقد قلت وكتبت مرارا وتكرارا لإخواني أني لا أستحق الكرامات بأي وجه من الوجوه، فتلك الوقائع التي تفوق الألف إنما هي كرامة من نوع الإكرام الإلهي تدل على مقبولية رسائل النور التي هي معجزة معنوية للقرآن الكريم ترشحت من الإعجاز المعنوي للقرآن، فليس من حقّي أن أتملكها.

سعيد النورسي

 

باسمه سبحانه

لقد برّأنا الخبراء في أنقرة بالإجماع من التهم التي نسبت إلينا توهماً وهي: الإخلال بالأمن، وتأسيس جمعية تنظيمية، واتباع طريقة صوفية، والتعرض للحكومة والسياسة، وهذا يدل على إنصافهم واتباعهم الحق، ولا يؤلمني بعض انتقاداتهم لشخصي ضمن الأوهام والظروف الكثيرة التي اجتمعت علينا عند


401. صفحة

تدقيقهم في خمسة صناديق وجوالين[1] من الكتب والمراسلات والأوراق في مدة وجيزة، بل إنني سعيد بذلك؛ لأني عرفت عيوبي التي لم أكن أعلم بها ولم أفكر فيها وبعضَ الأمور التي تضر برسائل النور وخدمة الإيمان، ولكن بعدما رأيت التقرير علمت أنه قد حدث في ثمانية أو تسعة مواضع سهو والتباس وعدم فهم وأخطاء نتيجة الاستعجال كما وضحناه بعض الشيء في خطاب الشكر المقدم سابقًا، فأنا لا أنتقد هؤلاء، بل سأقوم بتصحيح سهوهم بنية مساعدتهم في الخير والحسنات التي سيكسبونها في هذه المسألة.

السهو الأول: إنهم يقولون -متفقين مع تقديرهم لتسعين بالمائة من الرسائل-: "إن المؤلف في هذه الرسائل صادق لا يطلب أي أجر، ولم يبتعد عن العلم والحقيقة وعن أسس الدين، وإن عدم اتخاذه الدين أداة، وعدم تشكيله تنظيما وعدم إخلاله بالأمن واضح في هذه الكتب التسعين، وإن المراسلات التي تجري فيما بين تلاميذه، وبين تلاميذه وبينه؛ من هذا النوع أيضًا"، ويحكمون حكمًا يليق بالمحققين، في حين أنهم يقولون كي يذكروا عيبًا من عيوبي الشخصية: إن سعيدًا يقول أحيانا: "ستُبيّن خمسة من الحكم من مائة حكمة لهذه الآية"، وهذا لا يليق بوقار العلم، ويقول أيضًا: "هذه الرسالة ألفت في أربع ساعات ونصف"، وهذا الكلام لا يليق؛ لأنه يحمل معاني المدح لنفسه وإعجاب المخاطب به".

الجواب: ومع قبولي لعيوبي بكل رضاً أقول: إن سبب مثل هذا الكلام مني ليس لجعل الناس يعجبون بي، حاشا، بل هو تذكير بالإعجاز المعنوي للقرآن الكريم وإشارة إليه في سعة معانيه أن رسائل النور لا يمكن أن تحيط بجميع نكات القرآن الكريم وحكمه إلا أربعة أو خمسة بالمائة منها، وعندما أقول: هذه الرسالة ألفت في أربع ساعات أو ست أو اثنتي عشرة ساعة فأعني أنها تلميذ القرآن مباشرة، وعندما أقول: إنها تُخرج بضاعة القرآن الجاهزة من خزائنه وتبيعها بسرعة فهو ليس مدحا لنفسي، بل ذلك بيان بأنها ليست من الكتب الأخرى أو من



[1]    الكِيس الكبير لجعل الأمتعة فيه.



402. صفحة

الأفكار الأخرى أو من بنات أفكاري، حتى أظهر أن ذلك أمارة لمقبولية رسائل النور، وأني لست إلا خادمًا مفلسًا في هذا الوضع.

أجل؛ إن من لا يصحب معه أي كتاب غير القرآن الكريم ولا يقرأ غيره، ولا يعرف أية صحيفة أو مجلة ولا يريدها منذ عشرين سنة يمكن أن يقول ذلك بتلك النية.

السهو الثاني: إن عبارة "يا مدركًا لذلك الزمان" بالحساب الأبجدي تكون "سيأتي سعيد الكردي في عام ألف وثلاثمائة وخمسين"، وقد أخذوها من رسالة ذات خصوصية[1].

الجواب: إن الإمام عليا رضي الله عنه الذي أخبر عن هولاكو والحروف اللاتينية ودجال الإسلام، وعن أخطاء بعض علماء المسلمين يقول لهذا المسكين بهذه الجملة: "إنك ستدرك ذلك الزمان، فاسأل الله أن يحفظك"، وإلا لم يخطر ببالي أن أمنح نفسي حظًّا.

ومما جاء في ذلك التقرير: "أن قوة عظيمة للدجال هي اليهود، وقبائل المانجور والمغول، والقيرغز، والفوضويون والاشتراكيون"، ولكن هذا سهو، والصحيح: إن قوة عظيمة للدجال هي اليهود، أي جمعياتهم، أما اليأجوج والمأجوج فهم قبائل المانجور الموجودة في الصين الهندية والمغول والقيرغز والفوضويون الذين ينتشرون في كل مكان والشيوعيون الذين هم المفرطون من الاشتراكيين.

السهو الثالث: يقولون في التقرير بفهم خاطئٍ: "إن سعيدا يكتب بعض كراماته، ثم يقول لم أرد أن أكتب، بل أُملي عليّ، ويقول أحيانًا: إن هذا الجواب جاء من الجانب المعنوي ومن عالم الحقيقة، ويقول أحيانا إن هذا بشارة قدسية، ويثير فكرة أنه مجدد زمانه انطلاقا من فكرة أن في كل مائة سنة يأتي مجدد".

الجواب: حاشا، ألف مرة حاشا، ليس من شأني أن أنسب تلك الكرامات إلى نفسي، بل هي -مع عيوبي الكثيرة- إكرام إلهي لخدمتنا للإيمان، وإظهار أمارة البركة التي تعود إلى مقبولية هذه الخدمة، وتعني جوابا لمن يسأل: بم



[1]    هذه الرسالة اللمعة الثامنة عشرة ولم تترجم بعد.



403. صفحة

يعيش؟ وكيف يوفر الرزق؟: أن البركة الإلهية لا تضطرنا إلى اتخاذ خدمتنا هذه أداة لمعيشة الدنيا.

ثم إن الحقائق التي أكتبها ليست من بنات أفكاري، بل هي خواطر حقيقية تخطر على قلبي -مثل كل الناس- خارج إرادتي وفوق فكري بناءً على قول أهل الحقيقة والدين بوجود لـَمَّة رحمانية وملك إلهام في زاوية ولـَمَّة شيطانية وموسوس في زاوية أخرى من قلب كل إنسان؛ أي أنه تُفهم نكتة لطيفة من القرآن باعتبارها نوعا من الإلهام من الجانب المعنوي. ولم يخطر ببالي أني منحت نفسي المقام التجديد أو أردت أن أمنحه لشخصي الذي كان يخاف كثيرا من العجز ومن شر نفسه وأنانيته ويعاني منها؛ بل أثبت في رسائل النور أن هذا الزمان زمان الجماعة، والشخص المعنوي هو الذي يحكم فيه، وقد كان الضلال في الماضي يأتي من شخص واحد وكان يواجهه أحد عباقرة الهداية، أما الآن فقد أصبح الضلال شخصا معنويًّا في صورة جماعة ولا يمكن أن يواجهه إلا شخص معنوي، ولكن يمكن أن تكون هناك وظيفة التجديد بنية تصحيح حسن الظن المفرط الناشئ عن ما يجري بين أهل الحقيقة منذ زمن بعيد وهي المحبة المفرطة للشيخ، وبنية عدم الكفران والإنكار للنعم الإلهية، إلا أن تلك الوظيفة ليست لي، بل لرسائل النور، وهي تجلٍّ من تجليات حقيقة القرآن، ورسائل النور تمثلها، ومن أنا حتى أدعيها لنفسي!.

السهو الرابع: قولهم : "كرامة ذكرها تلاميذه وهي إنزال المطر في إسبارطة وتحويل الصيف إلى الربيع".

الجواب: ليس إنزالا ولا تحويلا، بل قيل: نزلت الأمطار وتحول الصيف إلى الربيع ببركة رسائل النور.

السهو الخامس: لقد قال في رسالة التلويحات التسعة التي تبين حقيقة التصوف بالعلم عند بيان حكم التصرفات المخالفة للشرع الصادرة من بعض المجاذيب المقبولين وهم في حالة الجذبة: "إن بعض اللطائف في الإنسان لا تدخل تحت الإرادة، فإذا كانت غالبة فإن الرجل المجذوب لا يكون مسئولا عن


404. صفحة

مخالفته للشريعة"، وقد كتبوا هذه الجملة على أنها منافية للجملة "إن أسطع طرق الولاية الكبرى وأسماها هي اتباع السنة السنية"، وقولهم هذا سهو ظاهر، ثم إنهم يقولون في ذلك التقرير: إن سعيدا يقول إني لا أمارس الطريقة الصوفية، بل أفسر القرآن الكريم، ويستغيث بالشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله ليغيثه ويمارس الحروفية، فيرتكبون بذلك تناقضا قابلا للانتقاد.

الجواب: هذا سهو ظاهر؛ لأن الشيخ عبد القادر الجيلاني يحبه أكثر الناس وليس الصوفيين وحدهم، حتى إن نصرانيا مشهورا قال: "أنا لا أقبل الإسلام، ولكن لا أستطيع أن أنكر الشيخ الجيلاني"، فمدحي لمن حَظِيَ بدرجة عالية من القبول العام وطلبي همته وشفاعته ليس من كوني صوفيًّا، بل من علوّ مقامه هو، أما استخراج المعاني من الحروف الذي كان جاريا في الماضي باسم علم الحروف، والذي اختفى بين العلوم الباطنية لسوء استخدام بعض الدجاجلة له ممن ليسوا من أهل العلم، والذي هو محل اهتمام عند طائفة الباطنيين؛ سموه سهوا "الحروفية" التي لا يقبلها أهل السنة، ووقعوا بذلك في التناقض، مع أنه لا علاقة له بالحروفية التي ذكرت آنفاً.

السهو السادس: قالوا في التقرير: إنه يصف نفسه تارة حسب هواه "أنا كردي وشافعي، ولا نقبل ما أقرّه علماء الأحناف برفع الأذان باللغة التركية"، ويقول تارة أخرى حسب هواه: "ليست هناك نزعة قومية كردية أو تركية، فنحن كجسد واحد، ومسلمون وإخوان، وهكذا يرفض التفرقة، ويدعو إلى اتحاد الشعوب، وفي هذا تناقض".

الجواب: لقد قال بعض الموظفين غير المنصفين قبل أربع عشرة سنة مضيقا علي عندما كنت وحيداً في مسجدي الخاص بي: "سترفع الأذان والإقامة باللغة التركية"، وكنت قد قلت في ذيل رسالة الهجمات الست التي ألفتها آنذاك ردا على ظلمهم الاعتباطي غير القانوني: إنني شافعي ولغتي الأم ليست اللغة التركية، وأنا وحيد في مسجدي الخاص بي ومن ثم الفتوى التي أفتى بها بعض علماء الأحناف بجواز الأذان باللغة التركية لا تشملني أنا، ولم نقل إننا لا نعترف بما


405. صفحة

أقروه. ثم إن جميع أصدقائي وأجزاء رسائل النور يشهدون أنني لا أؤمن بأي قومية سوى القومية الإسلامية، ولم أؤيد القومية الكردية ولم أروج لها في أي وقت من الأوقات، بل كنت أقول دائما: إن أروبا تحاول بالفكر القومي أن تفرق العناصر الإسلامية بعضها عن بعض، وأنا لا أعرف قومية غير القومية الإسلامية، وقد نظرت إلى الموضوع من وجهة نظر الإسلام، وسعيت لإيجاد الدواء ضد المرض الإفرنجي الأوربي[1]، ثم إن ذيل "رسالة الهجمات الست" التي ألفتْ ضد تضييقات أولئك الموظفين الظالمين الاعتباطية غير القانونية؛ ألفتْ في وقت الغضب، واستخدمتْ لهجة شديدة ضد أولئك الموظفين الخاصين، فلغة رسائل النور في الحقيقة مزينة بأدب القرآن في نزاهتها ولينها وعفة لسانها.

السهو السابع: ورد في التقرير: "إن سعيدا يحاول إثبات الحشر بنظريات ما وراء الطبيعة ويؤول نظرية وحدة الوجود لمحيي الدين ابن عربي حينا ويؤيدها حينا آخر"، وهذا سهو ظاهر، ولما كان مسلك وحدة الوجود عند محيي الدين ابن عربي لم يكن مسلك أهل الصحو والصحابة بل مسلك أهل الاستغراق؛ فإن رسائل النور لا تؤوله ولا تؤيده منذ القديم، بل لا تقبل منهجه مع أنها تقر بأن الشيخ محيي الدين عالم كبير ومقبول، والصحابة وأهل البيت الذين هم أهل الولاية الكبرى منهجهم ليس "لا موجود إلا هو"، بل "لا مشهود إلا هو" حتى في حالة الاسغراق، ولذا تقول رسائل النور: إن محيي الدين ابن عربي حصر النظر في "وحدة الوجود" حصرا يصل به الأمر إلى إنكار الكون لحساب الله تعالى، في حين أن الذين غرقوا في الماديات وساخوا في مستنقع الطبيعة بحجة وجود ذلك المنهج في هذا الزمان؛ اتخذوا وحدة الوجود وسيلة لإنكار الألوهية لحساب الكون، فرسائل النور تغلق باب وحدة الوجود بفكرة إنقاذ محيي الدين ومسلكه من المسلك القبيح لمثل هؤلاء الأوغاد، ولم تؤيد بل أثبتت بالبراهين القوية عقلا ومنطقا أن منهج الصحابة وأهل الصحو أسمى من ذلك المنهج وأسلم منه.



[1]    يقصد الفكر القومي.



406. صفحة

السهو الثامن: قالوا في التقرير:

إن قول الرجل ولو كان وليا من الأولياء حقا: "هذه من كراماتي"؛ ممنوع في الدين، ولا يجوز أن يسجلها في الكتب.

الجواب: إنني أشهد جميع أصدقائي أنني لم أقل أبدا "أنا ولي، وهذه من كراماتي"، ولا أستطيع أن أقوله ولا يحق لي أن أقوله، بل الذي أقوله دائما هو:

بما أن رسائل النور تخدم حقائق القرآن، فإننا نعمل في هذه الخدمة القدسية، والله جل جلاله يرحمنا بكرامة القرآن وبإكرام رسائل النور وبإحسان إلهي لنا وبلطف رباني باعتبارها شعلة للمعجزة المعنوية للقرآن، ثم إن الإكرام ليس كالكرامة، فإظهار الإكرام بنية خالصة نوع من الشكر، وأنا أظهره أحيانا وأكتبه لأن إنكاره إنكار لتلك النعمة، حتى لا ينكسر حماس التلاميذ في الخدمة. وكنت أبين الإكرامات الإلهية التي كانت تأتي على صورة بركةٍ ضد القلق الناشئ عن هم المعيشة، وأكثر التلاميذ يقرون بتلك الإكرامات الإلهية بتجاربهم في معيشتهم، ويقولون: "نحن أيضًا نشعر بذلك"، ثم إن هم المعيشة لا يضيّق عليهم حالهم ولا يمنع الخدمة الإيمانية.

وقد جاء في تلك الصفحة من التقرير "لاشك أن تلاميذ رسائل النور من أهل الجنة، وقد أُخبِرتُ به"، فلا يوجد التبشير بالجنة والحديث عن وثيقة الإيمان إلا عند الكاثوليكيين والباطنيين، وقول الشيخ الجيلاني رحمه الله وغيره من أن "تلاميذي من أهل الجنة" لا أصل له؛ إذ لم يبشر أحد بالجنة غير العشرة المبشرين بالجنة، فقول الرجل "أنا من أهل الجنة وأنت من أهل جهنم" خطأ ولا يجوز كما بيّن في كتب العقائد، ثم إن قوله في تلك الصفحة "أُبلِغتُ، وبلغني الخبر من الحقيقة، وقيل لي، وأمثاله من أقواله عده شارح "عين العلم[1]" من الإلحاد.

الجواب: إن رسائل النور بناء على تبشير أهل الإيمان والعمل الصالح بالجنة بمئات من آيات القرآن العظيم الشأن؛ لا تبشر شخصا بعينه واسمه بالجنة، ولكن



[1]    كتاب "عين العلم وزين الحلم" للإمام العالم العلامة محمد بن عثمان بن عمر البلخي الحنفي، والشارح هو الإمام الملا علي القاري الحنفي.



407. صفحة

فهم بشارة رمزية من إشارات القرآن الكريم المترشحة من درجة إعجاز بلاغته استنادا إلى إيمان تلاميذ رسائل النور وعملهم الصالح خاصة كسبهم الإيمان التحقيقي وإلى الدعاء لهم بحسن الخاتمة في كل وقت بآلاف الألسنة وتوافقه حسب الحساب الأبجدي كأمارة على ذلك؛ لا يمكن أن يكون سبب اعتراض، وكما وضح في خطاب الشكر فإن رسائل النور لا تحدد شخصا بعينه واسمه وتبشره بالجنة، بل تبشر تلاميذها -أيا كانوا- الذين هم على الإيمان العالي والعمل الصالح في هذا الزمان بناء على بشارات إشارات مئات من آيات القرآن الكريم ورموزها، وليس في هذا حكم، وليس فيه أي وجه يخالف عقيدة أهل السنة، ثم إن ما جاء في التقرير من أقوال كمثل "لقد أُبلِغتُ، وبلغني خبر من الحقيقة، وقيل لي هكذا" وغيرها من الأقوال؛ تعبيرات من نوعٍ يمكن أن يقوله كل واحد من قبيل السوانح القلبية أو الإلهام ذي خصوصية، وأين وجه الحرمة في هذا؟ فالتعبيرات من قبيل "وردني من الحقيقة"، و"خطر على قلبي" عن المعاني التي جاءت من حقيقة القرآن على صورة إلهام بلا اختيار في فهم نكات القرآن؛ في محلها بالضبط.

وفي نفس الصفحة من التقرير قالوا: إن شارح "رد المحتار[1]" قال: إن علم استخراج الأحكام بالحساب الأبجدي حسب علم الحروف من العلوم التي يحرم تعلمها.

الجواب: لقد بينا أن علم الحروف الذي هو من العلوم الخفية التي أسيء استخدامها شيءٌ وبيان رسائل النور لنكات القرآن وإشاراته ذات المزايا بالحساب الأبجدي والتوافق الظاهري شيءٌ آخر تماما، ولا تستخرج رسائل النور حكما، وفي هذا سهو أيضا.

وقد جاء في نفس الصفحة من التقرير: إن سعيدا يقول إنه يتّبع النبي ﷺ، مع أنه لم يرد عن النبي ﷺ أبدا أنه كان يستخرج الأحكام من علم الجفر والحروف والتوافق وغيرها من الأشياء.



[1]    رد المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار، حاشية عظيمة وموسوعة فقهية شاملة في فقه الإمام أبي حنيفة، لمؤلفه محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز عابدين الدمشقي فقيه الديار الشامية وإمام الحنفية في عصره. ولد في دمشق سنة (1198هـ) وتوفي فيها سنة 1252هـ.



408. صفحة

الجواب: إن ما لا يعد ولا يحصى من معاني القرآن وإشاراته وتفسيراته لم ترد عن النبي ﷺ صراحة، ولكنها ترشحات لذلك المنبع القدسي، وهي لا يمكن أن تنافي أبدا بأي وجه من الوجوه اتباعنا لسنة النبي ﷺ الذي اتخذتُه وسيلة لفهم الإشارات والنكات في القرآن بالحساب الأبجدي الرياضي الظاهر والتوافقات التي ترى بالعين وليس بعلم الحروف.

السهو التاسع: قيل في التقرير: "إن سعيدا يرى نفسه مكلفا بالأمر بالمعروف، في حين أن شرط الأمر بالمعروف ألا يؤدي إلى الفتنة، وقيام رجل بالأمر بالمعروف مع أنه ليس موظفا لهذا الأمر وأنه مشتبه به؛ قيل عنه في كتاب للعقيدة إنه حرام، وأهل القبلة لا يُكفَّرون، ولكن سعيدا النورسي يطرح القضايا التي ليست من الضروريات الدينية، ثم يقول في كتبه: أيها الملحدون وغيرها من الألفاظ، وهذا لا يجوز في الدين، ووصف رجل يقول أنا مسلم بالكفر إثمٌ حسب مذهب أهل السنة والجماعة.

الجواب: إن بيان رجلٍ الأمر بالمعروف الصريح للقرآن لخواص المخلصين الذين يعملون من أجل الآخرة؛ ليس حراماً بل هو بمنزلة أعظم فرض، وهو الذي قُبل عضوًا في دار الحكمة الإسلامية من قبل الحكومة الاتحادية بالاتفاق من أجل بيان الحقائق الإسلامية تجاه أوربا كلها ومن أجل الحفاظ عليها، واعترف به من قبل رئاسة الشئون الدينية واعظا عندما كان في "وان" قبل تسع عشرة سنة، ولم تفند أقواله حتى الآن على الرغم من أن له معارضين كثر، وليس هناك من تضرر من دروسه الدينية في أي مكان حتى الآن.

أما خطأهم في مسألة تكفير أهل القبلة فإني أُشهِد رسائل النور وأشهد الذين يتواصلون معي أن مسلكي منذ القديم هو حسن الظن وليس التكفير، وقد فررت من مخاطر تكفير المسلمين بقدر الإمكان، ولما كانت كثير من المسائل التي تبيَّنتْ أنها سبب الكفر في المذهب الحنفي تعد كبائر فقط في المذهب الشافعي؛ فإني مكلف بحسن الظن حسب مذهبي، وأجتنب التكفير أكثر من علماء الأحناف حسب مذهبي، ولا نستطيع أن نكفر أشخاصا محددين بعينهم إذا لم يظهر منهم


 

409. صفحة

الكفر الصريح، وأنا عندما أقول في رسائل النور أيها الملحدون، وأيها الزنادقة فإن مخاطبيّ هم بعض المنافقين المتخفين الذين لا نعلمهم بأشخاصهم والذين اتخذوا إفساد الإسلام وإفساد إيمان المؤمنين هدفا، وضللوا بعض أركان الحكومة أحيانا، وورطونا في مثل هذه المحن، وحاربوني منذ ثلاثين سنة.

وفي نفس الصفحة ورد أن بعض علماء إسطنبول لا تعجبهم حركة سعيد فيصفونه بالكذاب؛ ومن ثم فهو وتلاميذه يدعون عليهم وعلى السيد عبد الحكيم الأرواسي[1] بالموت مع أنه لا يجوز في الإسلام الدعاء بالموت.

الجواب: حاشا، إن جميع علماء إسطنبول وفي مقدمتهم أمين الفتوى المرحوم علي رضا نظروا إلى رسائل النور نظرة تقدير، ونحن لا ندعو على أحد منهم، بل نوقرهم ونجلهم، إلا أن أعداءنا الملحدين المتخفين تسللوا إلى الشيخ المسنّ المرحوم عبد الحكيم بوسيلة ما، واستغلوا شيخوخته وتعصبه، وجعلوه ينطق كلاما سيئا ضد تلاميذ رسائل النور، وقد سمعنا ذلك، وتضررنا بتأثيره أيما ضرر، حتى إن التلاميذ أرادوا أن يدعو عليه بالموت، فقلت: لا تفعلوا حرمة لشيخوخته ولكونه من الأشراف، ومنعنا ذلك، بل سامحته في ذلك الوقت، وضممته إلى أدعيتي الصالحة كأقرب صديق لي.

السهو العاشر: لقد ورد في نفس الصفحة:

"إنه يقول: هناك أمران: الدجال والسفياني، وإن هناك إجماعا في هذه الأمور التي هي ليست من الضروريات الدينية، ويصف الذين لا يصدقون بذلك بالكافرين والزنادقة والملحدين، مع أنه ليس في القرآن ولا في الإجماع المهدي والدجال والسفياني وغيرها من الأمور، إلا أن الإمام التفتازاني[2] قال: هذه الأمور ليست من الأمور غير الممكنة، ولذلك نقبل الأحاديث المروية في هذا الباب، ثم إن هناك اتفاقا عند أهل السنة بأن الإمام المخفي والمهدي المنتظر باطل.



[1]    عبد الحكيم بن مصطفى الأرواسي ولد في شرق تركيا عام 1865 وتوفي في أنقرة عام 1943، وكان من علماء المتصوفة.

[2]    الإمام التفتازاني: سعد الدين مسعود بن عمر بن عبد الله التفتازاني الشافعي (712 - 793 هـ من أئمة العربية والبيان والمنطق. والفقه وعلم الكلام.



410. صفحة

الجواب: نرى أن إسناد مثل هذا الحكم بصورة سطحية وباستعجال انطلاقا من عبارةٍ لرسالةٍ ذات خصوصيةٍ لا يليق بهؤلاء المدققين دون التدقيق في أكثر من مائة كتاب.

فأولا: إن الإمام التفتازاني كتب هذا الكلام في "شرح المقاصد" عن بعض عجائب الحادثات الأخروية وليس عن حادثات آخر الزمان.

ثانيا: لا يقول جزء ذو خصوصية من رسائل النور إن من لا يصدق بالدجالين فهو كافر، فإن خروج الدجال مذكور في جميع كتب العقيدة الإسلامية، ونال الإجماع، أما مسألة المهدي والسفياني فقد وصلتْ وجرتْ بين الأمة بصورة راسخة بناء على حكمة مهمة، وهي كباعث للسلوان، وقد تلقتها الأمة بالقبول حتى تكون إغاثة المهدي من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم في كل عصر مبعث سلوان، ولذلك استمرت هذه الفكرة التي هي حاجة كل عصر حتى تصمد الأمة أمام الحكام الذين مثلوا معنى السفياني في قديم الزمان في عهد الدولة السفيانية[1] والأموية كيزيد[2] والوليد[3].

إن بيان رسائل النور أن هذا العصر أظهر هذه الحقيقة مثلما أظهرها كل عصر إظهارا جزئيا أو كليا لا ينافي بأي وجه من الوجوه الحقائق الإسلامية، غير أن بعض علماء الأحناف قالوا "لا مهدي إلا عيسى" وبناء على ذلك فإن علماء الحنفية لا ينظرون إلى حادثات المهدي والسفياني من وجهة نظر العقيدة كما تنظر سائر المذاهب، ولما كان الإمام الغزالي رحمه الله تعالى والشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله تعالى من شيوخ رسائل النور ليس من جهة الطريقة وإنما من جهة الحقيقة، وأحدهم بل في مقدمتهم سيدنا الإمام علي رضي الله عنه فإن رسائل النور قبلت المسائل التي اتفقوا عليها بأنها لا شك أخذت من معدن النبوة، وقد أصبح إطلاق الإمام علي رضي الله عنه على السفياني اسم دجال



[1]    لعله يقصد الدولة الأموية من ذرية أبي سفيان.

[2]    يزيد بن معاوية بن أبي سفيان.

[3]    الوليد بن يزيد بن عبد الملك.



411. صفحة

المسلمين حجة لنا، وهناك أمارات كثيرة جدا غير الحديث الذي رواه[1] أبو هريرة رضي الله عنه وإخبارات غيبية من العلماء العظام، ويصدّقها واقع الحال بالوقائع تصديقا كاملا.

ثم إن المهدي المنتظر الباطل عند أهل السنة هو أن بعض الشيعة يقولون: "إن أحد الأئمة الاثني عشر لم يمت، وهو مختف منذ ألف سنة، وسيظهر في وقت، وسيصلح الأرض"، وهذا هو المهدي المنتظر الذي يراه أهل السنة فكراً باطلا، وإلا فهناك أحاديث قَبِلَها أكثر أهل السنة عن محمد المهدي الذي تنتظره الأمة، وحكمة رفضهم لآراء العلماء الذين يقولون "لا مهدي إلا عيسى" هي أن هناك رواية تشير إلى أن مواجهة تيار الإلحاد في آخر الزمان لا تكون ممكنة إلا باتحاد الدين المسيحي الحقيقي مع حقيقة القرآن، ليصبح القرآن أساسا وإماما ويكون الدين العيسوي تابعا له، وتلك الرواية:

"ينزل عيسى، ويقتدي بالمهدي في الصلاة[2]"، ولو كان الأمر كرأي أمثال هؤلاء العلماء لكان الأمر يقتضي أن يكون الدين العيسوي أساسا وإماما.

لقد بُين بعض من سِهاء[3] وأخطاء الخبراء الموقرين في خطاب الشكر أيضًا، وإني أؤكد مُقْسِمًا بالله إنه لو لم يلحق ببعض أهل الإيمان ضرر لكنت قبلت لنفسي كل هذه الأخطاء والعيوب التي نسبها إليّ هؤلاء الخبراء الموقرون الذين يتحركون في حقنا بإنصاف تحت ظروف شديدة، ولكن خدمة الإيمان أرغمتني على الرد عليهم.

إن الخبراء الموقرين وجدوا عند سعيد حالتين روحيتين:

إحداهما: حياته العادية ، وهم يسندون تسعين بالمائة من الرسائل التي أعجبوا بها بكمال التقدير إلى هذه الحياة.



[1]    سبق ذكر الرواية.

[2]    هناك روايات كثيرة منها: "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ، ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ: تَقَدَّمْ فَصَلِّ لَنَا، فَيَقُولُ: لَا، إِنَّ بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ أَمِيرٌ، لِيُكْرِمَ اللهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ".( رواه الطبراني في المعجم الأوسط حديث رقم:9076).

[3]   جمع سهو.



412. صفحة

والأخرى: حالةُ جذبة واختلالٌ روحي، ويسندون إليها بعض الرسائل الصغيرة والرسائل شبه ذات الخصوصية ومراسلات الغضب ضد الظلم.

ولكن الحقيقة هي أن رسائل النور لم تؤَلَّف في تلك الحالة التي وصفوها بالحالة العادية، بل ألفت أبدع المؤلفات في تلك الحالة غير العادية إشارةً إلى أنها ليست من أثر علمي ولا من مهارة فكري؛ ومن ثم فهي إحسان إلهي. حتى إنني ومن كانوا معي في أثناء التأليف نعلم أن الرسائل المؤلفة في حالة المرض الشديد وحالة المعاناة والهيجان الروحي كانت تؤلف سريعة وتظهر بديعة.

الحاصل: إن حياتي العادية غيرُ عادية في حق رسائل النور، وغير العادية عاديةٌ.

سعيد النورسي المعتقل في سجن دنيزلي 31 مايو 1944م.

 

باسمه سبحانه

إلى المقام العالي لمحكمة دنيزلي الجنائية

آخر دفاع لي

إن مقام الادعاء لا يأخذ بعين الاعتبار مراحلَ المحاكمة ولو بمقدار ذرة، ولا عدم قيمة الأدلة الاعتباطية التي قدمها ضدنا وعدم كفايتها، وضعفها وعدم قبولها أدلة، ولا يأخذ بالحق والحقيقة ومازال يردد ذات الاتهام بتأسيس الجمعية على أمل أن يعاقبنا، ويحيل المسائل التي أجيب عنها مئات المرات حتى الآن إلى المحكمة الجليلة من جديد، ويعتبر أنْ لا قيمة للتدقيقات التي أجرتها هيئة علمية مكونة من أكثر خبراء الدولة تأهيلاً في الحكومة المركزية تحت إشراف أعلى مقام للقضاء ومراقبته ولا يعترف بها، مستندًا إلى تقرير الخبراء القدماء الذين لا يملكون أية أهلية للعلم، ذلك التقرير الذي لا يستهدف إلا الدفاع عن الإلحاد والإنكار.


413. صفحة

إن السيد النائب العام الذي يتشوق لمعاقبة بعض أبناء الوطن المساكين الطاهرة جباههم والعاملين لهذا البلد بجد وإخلاص بتحريضه هيئة القضاء علينا حتى ينتقم منا بسبب إنكاره المتطرف ولدفاعه عن شخص ميت؛[1] يزعم أن هناك كتابا كُتِبَ بعضه قبل حوالي ثلاثين سنة، وهو كتاب علم قبل كل شيء، ولا يقصد أية غاية سوى أن يعكس تجليات بعض الحقائق الإسلامية التي تجري منذ بداية ظهورها، وأُخْفيتْ نسخه الموجودة خشية أن يساء تفسيرُها وأن تتسبب في زعزعة بعض الناس، بل أُزيلتْ بعض نسخه. ويريد النائب العام أن يذكر ردة الفعل التي نجمت عما حدث بيني وبين بعض الشخصيات من قبل والتي لا تخص غيري، فيسجن بعض الأبرياء الذين لا علم لهم بها لحسن ظنهم بي وبكتبي بدافع ديني لا غير، والذين استنسخوا كتبي وقرؤوها لحرصهم على تحري الحقائق الدينية، فإن كانت هناك إساءة لتلك الشخصيات المشهورة فأنا المسؤول عنها، ولكن لماذا يجعل بعضًا من المواطنين المساكين من ذوي النية الحسنة شركاءَ في جريمتي الشخصية هذه بسبب حسن ظنهم بي من الناحية الدينية وبمؤلفاتي التي هي ليست ملكي وإنما هي عبارة عن انعكاس للحقائق القرآنية ؟! ومتى شهد تاريخ القضاء مثل هذا الظلم البائن ؟!

إن كانت لي وقائع جرت مع رجال الدولة، ولا يستطيع مقامُ الادعاء أن يتقبل هذه الوقائع التي صارت من أخبار التاريخ فليفكر أني كنت ابن ذلك الزمان، وعشت تلك الوقائع معهم بنفس المستوى، فأين يقع من الحق والعدالة أن يحاسَب اليوم هؤلاء المساكين على صراعاتي السابقة وهم الذين لا علم لهم بتلك الأحداث لكنهم يحسنون الظن بي من أجل علمي النابع من القرآن وحده؟!

إن القسم الأكثر مما يقدمه مقامُ الادعاء وما يظهره مرارا وتكرارا من المراسلات والأدلة الأخرى ليعاقبنا عقابا لا مفر منه على أمرٍ كأنه حدث اليوم، إنما هو تراكمات منذ عشرين سنة، وقد تمت مقاضاة معظمها في محكمة أسكي



[1]    يعني أتاتورك.



414. صفحة

شهر، وصدرت فيها قرارات العفو، منها بالأخص رسالة الحجاب ذات الخصوصية التي يقدمها دائمًا.

 إن الدليل الذي يشكل نقطة استناد لخصوصياتنا وهو دليل وجود الرسائل ذات الخصوصية في صندوق مسمر تحت ركام الحطب في بيتي يريد مقام الادعاء إبطاله بسرد قراءة اعتباطية مستخدما الممكنات على أنها وقائع وكأنها من المحتمل فعلُها من قبل المنتسبين إليّ بعد مغادرتي، مع أن هذا التفتيش كان في حضوري قبل اعتقالي، ولا أرى من الممكن التوفيق بين كرامة ووقار هذا المقام الذي يجب أن يكون محلا لإظهار الحقائق وبين أن يُجْري قراءة صبيانية من غير دليل.

ومن الادعاءات التي يسردها ضدنا؛ وقوفنا ضد القومية، إننا لسنا من المعارضين لحب القومية الإيجابية التي تعني تقوية الشعب التركي في بنيته الداخلية، هذا الشعب البطل النجيب المظفر الذي رفع راية الإسلام منذ ألف سنة، ورفع لواء الهداية وشعلة الحضارة الحقيقية خفاقة على أكتافه، وحمل شعلات العدالة والإنسانية والسعادة وضياء الأمل والانشراح إلى المجتمعات البشرية، بل نحن ممن يريدونها من صميم أرواحهم.

إن الوجه الذي نخالفه بالفكر من أجل الوطن والشعب إنما هو القومية السالبة وسوء فهمها واستخدامِها بما يحطم الأخوة الإسلامية، ويورث الغرور الجماعي، ويولد الاعتداء والكراهية.

أجل؛ هل المخالفة لمثل هذا الفكر الضيق وهذه القومية الطورانية الضيقة التي تتسبب في معاداة المجتمعات الإسلامية بعضها بعضًا، تلك المجتمعات التي اجتمعت حول الإنسانية الحقيقية والفضائل المنشودة؛ هل هذه المخالفة خيانة لهذا الشعب أم خدمة؟! أترك تقدير هذا لأهل الإنصاف، ومع ذلك لم نعلن آراءنا هذه.

المعتقل سعيد النورسي


415. صفحة

جزء من الكلمة النهائية في المحكمة

من عون الله لنا أن الخبراء لم يجدوا خلال خمسة أشهر من التدقيق والفحص في مائة وثلاثين رسالة في خمسة صناديق سوى خمسة عشر اعتراضًا وأخطاءً ظاهريةً، بينما أُثْبِتَ في المحكمة خمسة عشر خطأً وسهوًا في تقريرهم الذي هو عبارة عن خمسة أوراق فقط، وردٌّ أعدّ خلال دقيقتين وقرئ ردًّا على ورقة الادعاء التي قرأها النائب العام والتي استمرت ساعة كاملة في المحكمة يوم الأربعاء 31 مايو 1944.

أيها السادة، إن عدم العثور إلا على بضع مبررات خاطئة في أخص رسائل سعيد ومراسلاته من بين مائة من كتبه خلال عشرين سنة من حياة الظلم لسجنه بدافع التعصب؛ يدل على أن رسائل النور لا يمكن أن تكون محكومة، فمن ذا الذي لا يكون له ألف خطأ خلال عشرين سنة من حياة الظلم !؟ على هذه المحكمة أن تأخذ في نظرها انتقادات المستقبل واعتراضاته الشديدة وليس هذا الزمن الحالي فقط، وأن تحكم على هذا الأساس.

آخر كلامي: "حسبنا الله ونعم الوكيل".

المعتقل سعيد النورسي

باسمه سبحانه

السيد الرئيس!

أقدم مرافعة الدفاع التي أرسلتها إلى ذوي المناصب في أنقرة وإلى رئيس الجمهورية كعريضة، مرفقا معها خطاب الرد الذي أرسلته رئاسة الوزراء مما يدل على قبولها لها باهتمام، والأجوبة القاطعة موجودة في دفاعي هذا على الأوهام والتهم التي قدمها مقام الادعاء والتي لا أساس لها من الصحة؛ وهناك أقوال كثيرة غير منطقية ومنافية للواقع في تقرير الخبراء المبني على المحاضر السطحية


416. صفحة

ذات النية السيئة التي أعدت في الأماكن الأخرى، وقد قُدم اعتراضي على تلك الأقوال، من ذلك ما ذكرته سابقًا:

حيث إنني قلت عندما أرادوا أن يسجنوني وفق المادة 163 في محكمة أسكي شهر:

"إن توقيع مائة وثلاثة وستين نائبا وهو نفس رقم المادة 163 من بين مائتي نائب في الحكومة الجمهورية بالموافقة على تخصيص مائة وخمسين ألف ليرة لجامعتي ومدرستي في مدينة "وان"، واهتمام الحكومة الجمهورية بي بسبب ذلك يُسقط هذه المادة 163 من الحكم في حقي، لقد قلت هذا ولكن الخبراء حرفوا العبارة في أن النواب المائة والثلاثة والستين قاموا بملاحقته.

ثم إننا قد كتبنا بعض الآيات القرآنية على صورة أوراد كبيرة اتباعا لعادة إسلامية مستمرة منذ السابق، ولكنهم اتهمونا بأننا حرفنا في الدين، ومن ثم يجعلنا مقام الادعاء بناء على أوهام الخبراء التي لا أصل لها قطعًا مسؤولين عن هذه التهم، مع أنه بعد التدقيق في جميع أجزاء رسائل النور التي أحيلت إلى تدقيق أعلى هيئة علمية وتحقيقها بقرار من مجلسكم قررت هذه الهيئة بالإجماع في حقنا أنه:

"ليس في كتب سعيد وتلاميذ رسائل النور تصريح أو أمارة تدل على اتخاذ الدين والمقدسات أداة، أو تحريض على الإخلال بأمن الدولة، أو تأسيس تنظيم أو تآمر على الحكومة، وأنه تبين أن تلاميذ سعيد لا يحملون في مراسلاتهم نيات سيئة ضد الحكومة، ولا يسعون إلى تأسيس تنظيم أو طريقة صوفية، وقد قرر الخبراء بالإجماع أنه من الواضح أن تسعين بالمائة من رسائل سعيد النورسي لم تبتعد أبدا عن الإخلاص والصدق، ولا عن أسس العلم والحقيقة والدين، وليس فيها اتخاذ الدين أداة، أو تأسيس تنظيم، أو السعي إلى الإخلال بالأمن، وكذلك المراسلات التي تجري بين التلاميذ أو بين التلاميذ وسعيد النورسي كلها من هذا النوع، وقد أُلّفت كل واحدة من رسائله -ما عدا بضع رسائل بعضها ذات خصوصية وبعضها ذات شكوى وتظلّم وبعضها غير علمي- لتفسير آية، أو لشرح حقيقة حديث شريف، وقد ألفت من أجل بيان أسس الدين وعقيدة الإيمان بالله وبرسوله، والإيمان بالقرآن


417. صفحة

والآخرة بضرب الأمثال ولشرح هذه المصطلحات بوضوح تام، وهي رسائل تحتوي على الآراء العلمية والنصائح الأخلاقية والوقائع ذات العبر والمناقب النافعة المستقاة من تجارب الحياة للشيوخ والشباب، وتشكل تسعين بالمائة من مجموع الرسائل، وليس فيها أي شيء يمس الحكومة والإدارة والأمن والسلام".

ونحن متألمون بما يفوق الحد من عدم التفات مقام الادعاء إلى تقرير لجنة الخبراء المرموقة هذه، واتهامه لنا بالطرق العجيبة مستندا إلى التقرير القديم الناقص المضطرب، ولا نرى ذلك يليق أبدا بهذه المحكمة العليا التي نسلِّم بإنصافها، وهذا يشبه –لا مشاحّة في الأمثال- من قبيل ما قيل لبكتاشي[1] لماذا لا تصلي ؟ فقال: لأنه جاء في القرآن ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾، ثم قيل له: اقرأ ما بعدها، أي اقرأ ﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾، فقال: أنا لا أحفظ القرآن، فكذلك تؤخذ جملة معينة من رسائل النور وتُبدَّل تلك الجملة ولا يؤخذ في النظر آخر تلك الجملة التي تبين النتيجة فتتخذ القرارات ضدنا، وسيُرى في الدفاع الذي سأقدمه ثلاثون أو أربعون مثالا إذا ما قُوبِلَت بما جاء في ورقة الادعاء، ومن تلك الأمثلة أذكر واقعة لطيفة:

لقد استخدم مقام الادعاء في محكمة أسكي شهر عن دروس رسائل النور الإيمانية نتيجة سهو غير معروف عبارةَ "إنها تفسد الناس"، ومع أنه تراجع عن استخدام تلك العبارة، إلا أنه بعد سنة من المحكمة قال أحد تلاميذ رسائل النور ويدعى عبد الرزاق: "أيها الشقي! إنك تقول لإرشادات رسائل النور التي نالت تقدير إشارات ثلاث وثلاثين آية قرآنية كريمة، وتحققت قيمتها الدينية كما أخبرت ثلاث من كرامات الإمام علي رضي الله عنه إخبارا غيبيا وأخبر الغوث الأعظم قدس سره إخبارا قويا، والتي لم تمسَّ الإدارةَ بسوء خلال هذه السنوات العشرين، ولم تضر أي واحد من الناس، بل نورت آلافًا من أبناء الوطن وأرشدتهم وقوت إيمانهم وأصلحت أخلاقهم، تقول لإرشاداتها إنها تفسد الناس ! ألا تخاف الله! قُطِع لسانك"، ومع أن مقام الادعاء سمع القول المحق لهذا التلميذ فإننا نحيل قول مقام الادعاء: "إن سعيدا ينشر الفساد حوله" إلى إنصافكم وضمائركم.



[1]    البكتاشية: طريقة صوفية انحرفت بيد العلويين.



418. صفحة

وقد قال مقام الادعاء من أجل أن تُمَسّ دروس رسائل النور الاجتماعية: "إن عرش الدين ومحله الضميرُ، ولا يمكن أن يرتبط بالحكم ولا بالقانون، وقد حدثت فوضى اجتماعية في الماضي بسبب ارتباطه بهما".

وأنا أقول:

إن الدين ليس عبارة عن الإيمان فحسب، بل العمل الصالح هو الجزء الثاني من الدين، فهل يكفي الخوفُ من السجن وتوهم رؤية شرطي الحكومة لمنع مرتكبي الكبائر الكثيرة التي تسمم الحياة الاجتماعية كالقتل والزنا والسرقة والقمار والخمر من ارتكابها ؟! إذن لابد من شرطي أو مراقب في كل بيت بل عند كل أحد حتى تُجنِّب النفوسُ الطائشة ذواتها من تلك السيئات، فرسائل النور تضع عند كل واحد وازعًا معنويًّا من الإيمان من حيث العمل الصالح، وتنقذ الإنسان بسهولة من ارتكاب السيئات بتذكيرها بسجن جهنم والغضب الإلهي.

وقد ذكر مقام الادعاء أمَارة لا معنى لها وهي أن الذين وقّعوا على التوافقات اللطيفة العجيبة التي تنم عن كرامة إحدى الرسائل هم أفراد تنظيم ما، فهل يمكن أن تطلق على هذا النوع من التواقيع الموجودة في دفاتر أصحاب الدكاكين والخانات اسم التنظيم ؟! وقد حدث مثل هذا الوهم في أسكي شهر، وعندما أجبتهم وأبرزت لهم رسالة المعجزات الأحمدية على صاحبها الصلاة والسلام تعجبوا، فلو كانت بيننا تنظيم دنيوي لفر مني الذين يتضررون بسببي ضررا كبيرا وهم كارهون لي، إذن فكما أن لي ولنا ارتباطًا لا ينقطع مع الإمام الغزالي رحمه الله، لأنه ارتباط أخروي ولا علاقة له بالدنيا، فإن هؤلاء المتدينين الأبرياء الصادقين المخلصين ارتبطوا بمسكين مثلي من أجل الدروس الإيمانية ارتباطًا وثيقًا، ومن ثم أورث هذا الحال وهْم التنظيم السياسي الذي لا أصل له، كلامي الأخير : "حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ".

المعتقل سعيد النورسي


419. صفحة

إن المرجع الحقيقي الرسمي بالنسبة لي ولرسائل النور في الدنيا في هذه المسألة الحالية هو رئاسة الشئون الدينية، ولا يسمع شكاوانا في وظيفتنا ولا يحمينا ولا يحفظ أجزاء رسائل النور من الضياع غيرها، ومن ثم أقدم كلامي الأخير الذي قلته أمام القضاء والمحكمة تحت أنظار مرجعي الأول باعتباره معلومة.

المعتقل سعيد النورسي



باسمه سبحانه

أيها السادة

على الرغم من أنه من حقنا الشكوى بشدة والاعتراض على سجننا بلا سبب، وعلى اعتقالنا تسعة أشهر في أشد الأماكن مشقة وضيقا، إلا أن هناك سببين يهدئاننا؛

أولهما: إن من يقرأ رسائل النور بإمعان لابد أنه سيستفيد منها من حيث الإيمان ولو قرأها قراءة انتقاد، ويناصرها قلبًا إلا أن يكون فسد قلبه تمامًا، فقلوب أهل الإنصاف من أمثالكم في صالحنا ولكنها تحكم علينا وهي مضطرة.

ثانيهما: إننا قد تركنا العنف والغضب تجاهكم وتجاه محكمتكم؛ لأننا ننظر إليكم على أنكم تحكموننا حتى الآن وعلى أنكم رؤساؤنا ولا نعتبركم غرباء عنَّا، بل نشعر تجاهكم بأخوة وقرابة تمنح حقوق الاحترام، ونعدّكم منذ أن أتينا هنا منصفين مقارنة بالأماكن الأخرى.

ولكن اسمحوا لي ببعض الكلام الذي ظاهره تجاهكم في حضوركم ولكنه تجاه كيان خفي للإفساد يهاجم حقيقة القرآن وحقائق الإيمان في كل مناسبة ويتلوّن بعدة ألوان بغية إفساد هذه الأمة باسم الكفر والإلحاد وتمزيق هذا الوطن لحساب الأجانب منذ أربعين سنة، ومخاطبا الذين اتخذوهم ستارا لهم في قضيتنا هذه من الموظفين الظالمين غير المنتبهين ومن يخدعون المحكمة من القائمين بدعاياته في ثوب الإسلام:


420. صفحة

آخر كلامي:

أيها السادة، انتبهوا، إن اتهام رسائل النور وتلاميذها يعد بمنزلة اتهام للحقيقة القرآنية وللحقائق الإيمانية لحساب الكفر المطلق مباشرة، وهو إغلاق الجادة الكبرى التي تؤدي إلى الحقيقة ولسعادة الدارين لثلاثمائة مليار مسلم التي سار فيها منذ ألف وثلاثمائة سنة في كل سنة ثلاثمائة مليون، وجلبٍ لكراهيتهم واعتراضاتهم عليكم؛ لأن الذين يسيرون في هذه الجادة يدْعون للسابقين، وهذا الاتهام سبب لتقوم قيامة هذا البلد المبارك.

فكيف تجيبون إذاً لو سئلتم في المحكمة الكبرى أمام هؤلاء المقاضين الثلاثمائة مليارًا:

في الوقت الذي لم تكونوا تمسون كتب الزنادقة التي في مكتباتكم ككتاب الدكتور دوزي باللغة الأجنبية "تاريخ الإسلام[1]" وهو كتاب ضد الإسلام ووطنكم ودينكم من البداية إلى النهاية، وتسمحون بقراءتها ودراستها بحرية، وتسمحون لجمعياتهم التي تمس سياستكم مع اتخاذ تلاميذ تلك الكتب صورة الجمعيات حسب قوانينكم كجمعية الإلحاد أو الشيوعية أو الفوضوية أو جمعية الإفساد القديمة أو الطورانية؛ لماذا سميتم الذين لا علاقة لهم بالسياسة قط والذين يقرءون مؤلفا حقا وحقيقة كرسائل النور التي هي تفسير حقيقي للقرآن من أجل إنقاذ أنفسهم والمواطنين من الإعدام الأبدي والسجن الانفرادي الخالد في جادة الإيمان والقرآن الكبرى، وسميتم صداقة هؤلاء المتدينين الصادقين وأخوتهم الأخروية الذين لا علاقة لهم بأي تنظیم سياسي؛ سميتم كل ذلك تنظيما وتعرضتم لهم، وحكمتم عليهم بقانون عجيب جدا ؟ ونحن نسألكم ماذا ستجيبون إذا سألوكم عن ذلك؟

إن معارضينا من الزنادقة والمنافقين الذين يضللونكم ويخدعون القضاء ويَشغَلون الحكومة بنا بما يضر الوطن والأمة؛ يسمون الاستبداد المطلق جمهورية، والارتداد المطلق نظاما، والسفاهة المطلقة حضارة، والكفر الإجباري الاعتباطي قانونا، فيخدعونكم ويستولون على الحكومة، ويتسببون في عنائنا، وينزلون


 


[1]    الكتاب للدكتور رينهارت دوزي ومترجم إلى اللغة العربية باسم "ملوك الطوائف ونظرات في تاريخ الإسلام".



421. صفحة

الضربات على الحاكمية الإسلامية وعلى هذه الأمة وعلى هذا الوطن لحساب الأجانب والكفار.

أيها السادة، إنكم مسؤولون عن المصائب السماوية والأرضية الناشئة عن سجننا الحالي بإشارة حدوث أربعة زلازل في أربع سنوات، ووقوع اعتداءات شديدة أربع مرات بالضبط على تلاميذ رسائل النور وتوافقها مع أوقات الظلم، وحدوث كل زلزلة في نفس وقت الاعتداء، وتوقف الزلازل مع توقف الاعتداءات.

سعيد النورسي

باسمه سبحانه

أيها السادة

إنني أجهل الحياة الاجتماعية الحالية، وعلى الرغم من أجوبتنا الكثيرة القاطعة على اتهامنا بممارسة نشاط التنظيم التي تصرون عليها بزعمكم لتكون ذريعة لسجننا الذي تصممون عليه، وعلى الرغم من إقرار الخبراء في أنقرة بذلك بالإجماع فإني كنت أتعجب من إصراركم على هذه التهمة إلى هذه الدرجة وأستغرب، فخطر على قلبي هذا المعنى:

إن الصداقة والجماعة الأخوية والأخوة الأخروية الصادقة التي هي الحجر الأساس للحياة الاجتماعية، والحاجة الضرورية للفطرة البشرية، وأهم وأقوى رابطة بدءا من الحياة العائلية وانتهاء إلى الحياة القبلية وحياة الأمة والإسلام والإنسانية، ونقطة استناد ومبعث سلوان أمام هجمات الأسباب المادية والمعنوية والمؤدية إلى الضرر والحيرة التي يراها كل إنسان في الكون ولا يستطيع أن يواجهها وحده، والمانعة لأداء الوظائف الإنسانية والإسلامية؛ ليست جبهة سياسية، لذا فإن من يطلق على تجمع تلاميذ رسائل النور حول دروس إيمانية تستحق التقدير والإشادة والذين يحملون تساندا لصداقة صادقة ورفقة في طريق الحقيقة، من خلال دروس إيمانية وقرآنية كوسيلة قاطعة لسعادة دنياهم ودينهم



422. صفحة

وآخرتهم، وتساندا ضد ما يضر أخرتهم ووطنهم وأمتهم؛ تنظيما سياسيا، لاشك ولاريب أنه انخدع انخداعا عظيما، أو هو فوضوي ظالم قاس يعادي الإنسانية بهمجية، ويعادي الإسلام كنمرود، ويعادي الحياة الاجتماعية بأفسد أنواع الفوضى وأكثرها تمردا وعنادا، ويحارب هذا الوطن وهذه الأمة والحاكمية الإسلامية والمقدسات الدينية بارتداد وتمرد وعناد، أو هو زنديق خناس يحاول قطع شريان هذه الأمة أو إفسادها لحساب الملحدين الأجانب، ويضلل الحكومة ويخدع القضاء حتى يجعلنا نصوب أسلحتنا المعنوية التي استعملناها حتى الآن ضد الشياطين والفراعنة والإرهابيين الفوضويين نحو إخواننا ووطننا، أو يحطمها[1].



[1]    الحمد لله الذي حكم بالإعدام الأبدي على القضاة المعارضين لنا وعلى المحكمة التي حكمت علينا وأن منّ علينا بالصبر وبتحمل إهاناتهم من أجل حلّ تنظيم سياسي موهومة وفكّها وعلى تعذيبهم لنا خلافا للقانون طوال تسعة أشهر تعذيبا يثير حتى رقة الأعداء، ومنعي بلا سبب من خدامي الذين أحتاج إليهم بشدة لضعفي وشيخوختي، ومنعي من الكلام والتواصل مع أصدقائي في السجن حتى لا أكتب دفاعي، وإحضار الشباب الطائشين بالقرب مني لانزعاجي من الضجيج خاصة في وقت العبادة -على الرغم من شكاواي العديدة- وإثارة حفيظتي، ومعاملتي خلافا لجميع رغباتي بلا استثناء، وإهانتي بقولهم لأصدقائي بأني شخص تافه لا قيمة له، وقولهم: "لو احتاج سعيد إلى شيء لجاءنا وقبل أيدينا وأقدامنا" لتحريض هؤلاء المشاغبين على إساءة الأدب معي.

ثم قرروا تكليف رجل بخدمتنا بموافقة النائب العام ومدير السجن، وسلمت هذا الرجل ثمن سريري وأغراضي التي بيعت بعلم النائب العام وإدارة السجن وهو مائة وخمسون ليرة، حتى يعطيها لصديق لي ليحتفظ بها، ولكننا علمنا بعد خمسة أشهر أنه خانني ولم يسلمه النقود حتى يضطرني إلى التسول.

ومنعوني من اللقاء بإخواني في السجن بحجة تعيين شاب طائش عجيب خادما لي من مكان آخر بموافقة النائب العام ومدير السجن هنا، وعلمت أن هناك خيانة، ورفضت ذلك، وكان هناك شاب قائد للشباب الطائشين المجاورين لي الذين كانوا يعذبونني دائما بضجيجهم وأتعذب منذ ذلك الوقت، وقد حاولت كثيرا ولكنهم لم يرسلوه إلى مكان آخر عنادا لي.

وإنني مدين بالشكر ضمن هذه الشكوى، وذلك أن رئيس الحراس الكريم الذي يحمل سجية الأتراك في سجن دنيزلي لم يشترك في هذه الخيانة، ولو لم تظهر إنسانيته وحبه لوظيفته عندما غسل ملابسي في بيته وهدأني وسرّى عني من حين لآخر لكنت قلت بنزعة سعيد القديم "كفى"، ولكان هذا سببا لإدانتي وهو ما كان يطلبه مقام النيابة العامة ولا يجده، وفي الحقيقة هناك هدف كهذا في مثل هذه الخيانات الجزئية الفردية، وإنني أؤكد لكم أن مقام النيابة العامة لو لم يستخدم في هذه القضية المهمة جدا الحججَ والمبررات التي لا أساس لها والتي هي أكثر دناءة وتفاهة من هذه الأمور الجزئية التافهة الدنيئة لما كنت أولي أي اهتمام بهذه الأمور الجزئية وما كنت أسجلها.(المؤلف).



423. صفحة

ذيل للدفاع

جواب لسؤال مهم

لقد سألني بعض من الموظفين الكبار المعنيين بأمورنا:

لماذا لم تقبل ما عرضه عليك مصطفى كمال وهو تعيينك واعظًا عامًّا لكردستان والولايات الشرقية بدلا من الشيخ السنوسي براتب مقداره ثلاثمائة ليرة، ولو كنت قبلت عرضه لكنت قد أنقذت أرواح مائة ألف من الأكراد الذين ذبحوا بسبب الثورة ؟!

وأنا أجبتهم قائلا:

لقد قامت رسائل النور -عوضًا عن إنقاذي لعشرين أو ثلاثين سنة من الحياة الدنيوية لكل رجل من مائة ألف رجل- التي هي وسيلة تكسب كل واحد من مائة ألف من الناس ملايين السنوات من الحياة بآلاف الأضعاف من التعويض بدلا من تلك الخسارة، فلو كنت قبلت هذا العرض لما ظهرت رسائل النور التي تحمل سر الإخلاص والتي لا يمكن أن تكون أداة لأي شيء ولا تابعة له، وقد كتبت إلى أخص إخواني بأن الذين حكموا عليّ بالإعدام بسبب الصفعات الشديدة من رسائل النور التي أرسلت إلى أنقرة لو أنقذوا إيمانهم برسائل النور ونجوا من الإعدام الأبدي فاشهدوا أني أسامحهم من كل قلبي ومهجتي.

وقد قلت بعد براءتنا لمدير الشرطة واثنين من مفتشي وزارة الداخلية ولأصدقائهم الكبار الذين أزعجوني بالترصد: إنه لمن كرامات رسائل النور التي لا يمكن إنكارها أنه لم يعثر خلال تسعة أشهر من التفتيش على أية وثيقة وأية علاقة مع أي تيار وأي تنظيم ومع أي كيان سري داخلي أو خارجي في مئات من رسائلي ومراسلاتي وعند آلاف من تلاميذي خلال عشرين سنة من حياتي التي عشتها تحت الظلم، فهل يقدر أي فكر وأي تخطيط أن يظهر هذا الوضع العجيب، لو كُشفت بضع سنوات من أسرار خفية لرجل واحد فلاشك أنه ستكون هناك عشرون مادة تدينه وتخجله، وبما أن الحقيقة هي هذه فإما أن


424. صفحة

تقولوا إن عبقرية عجيبة جدا لا تغلب هي التي تدبر هذا الأمر، وإما أن تقولوا إنه حفظ وعناية إلهية، فلاشك أن المبارزة مع مثل هذه العبقرية خطأ، وخسارة كبيرة للشعب والوطن، وأن معارضة مثل هذا الحفظ الإلهي والعناية الربانية إنما هي تمرد فرعوني.

وإن قلتم: إذا أطلقنا سراحك ولم نقم بترصدك ومراقبتك فربما تعكر بدروسك وأسرارك حياتنا الاجتماعية ! فإني أقول:

إن جميع دروسي بلا استثناء بيد الحكومة والقضاء، ولم يُعثر فيها على أي شيء يوجب العقاب، ومع أن ما يقرب من خمسين ألف نسخة من الرسائل والدروس يتداولها الناس بإمعان وشغف، فإنه لحجة قاطعة على أن رسائل النور ليس لها أي ضرر لأي أحد بل هي نافعة، إن المحكمتين القديمة والجديدة لم تجدا ما يوجب العقاب، وإن المحكمة الجديدة قررت براءتنا بالإجماع، ولقد حكمت المحكمةُ القديمة على رجل كبير محتجةً ببضع كلمات في مائة وثلاثين رسالة ستة أشهر من السجن بقرار خاص من عندها عقوبة على خمسة عشر رجلا فقط من بين مائة وعشرين من إخواني المعتقلين.

ثم إنه لم يبق لي درس جديد ولا سرّ مخفي حتى تعدّلوه بالمراقبة، والآن أحتاج إلى حريتي بشدة، فكفى بالترصدات التافهة المجحفة غير المجدية المستمرة منذ عشرين سنة، لقد نفد صبري، وربما أدعو عليكم بسبب الشيخوخة دعاء لم أدعه حتى الآن؛ لأن دعوة المظلوم تبلغ العرش، وهذه حقيقة قوية.

ثم قال أولئك الظالمون ذوو المناصب الكبيرة في الدنيا: "إنك لم تلبس قبعتنا منذ عشرين سنة ولو مرة واحدة"، ولم تَحسِر رأسك في حضور المحكمتين القديمة والجديدة، بل بقيت على زيك القديم، مع أن سبعة عشر مليونا لبسوا هذا الزي الجديد".

فقلت: "لا يقال لرجل مثلي ترك الحياة الاجتماعية منذ ثلاثين سنة ولبس زي سبعة مليارات من أجل العزيمة والتقوى الشرعية بدلا من لبس زي بالرخصة الشرعية وجبر القانون لا يلبسه سبعة عشر مليونا ولا سبعة ملايين بل سبعة آلاف


425. صفحة

من السكارى عباد أروبا برضاهم وقبولهم قلبا؛ إنه يعارضنا ويخالفنا، وحتى لو كان عنادًا فبما أن مصطفى كمال لم يستطع أن يكسر هذا العناد ولم تكسر تلكما المحكمتان، ولم تكسره حكومات ثلاث محافظات، فمن أنتم حتى تحاولوا أن تكسروا هذا العناد على حساب الشعب والحكومة ؟!

وحتى لو كنت معارضا سياسيًّا فبما أني قطعت علاقتي بالدنيا منذ عشرين سنة كما تقرون أنتم وأني كرجل ميت من هذه الناحية منذ عشرين سنة؛ فإني لا أُبعَث من جديد حتى أدخل الحياة السياسية بما يضرني ولا ينفعني فأنشغل بكم، ولاشك أن توهم معارضتي جنون، ولما كان الحديث الجادّ مع المجانين يعد جنونًا فإني أترك الحديث مع أمثالكم، فافعلوا ما شئتم، فلن أدخل تحت المنّة". وقد أغضبتهم وأسكتّهم أيضًا، فكلامي الأخير: 

حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ حَسْبِيَ اللهُ لَا اِلٰهَ اِلَّا هُوَ

عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ

سعيد النورسي

باسمه سبحانه

إخواني في أميرداغ !

قولوا لمن يقعون في أوهام بحقي:

لقد حصلت الحكومة على جميع رسائل هذا الرجل الذي نخدمه وعلى كتبه وأسراره بعد تدقيق شديد لعشرين سنة من حياته، ولم يعثر في خمسة صناديق من كتبه وأوراقه على ما يوجب عقوبة يوم واحد على تلميذ واحد له بعد ما دققت محاكمُ إسبارطة ودنيزلي وأنقرة طوال تسعة أشهر، وقرر الخبراء في أنقرة ومحكمة دنيزلي على براءته بالاتفاق.


426. صفحة

ثم إن هذا الرجل الذي نقوم بأمور خدمته الضرورية حرمة لشيخوخته أعلن في المحكمة وأشهد جميع أصدقائه الحاضرين فيها وهم قد أقروا أنه لم يقرأ منذ عشرين سنة أية جريدة وأي كتاب سياسي ولم يسأل ولم يتحدث عنه، ولا يعلم ولا يعرف أحدا من رجال الحكومة وموظفيها الكبار منذ عشر سنوات سوى رئيسين ومحافظ ونائب، ولم يرغب في معرفتهم، ولم يسأل عن الحرب العالمية الثانية منذ ثلاث سنوات، ولم يعرف عنها شيئا ولم يرغب في ذلك، ولم يستمع إلى المذياع، وقد قرأ مائة ألف شخص خلال عشرين سنة مؤلفاته المنتشرة البالغة مائة وثلاثين رسالة قراءة متفحصة فلم تجد الحكومة أي ضرر له على الإدارة والأمن والوطن والشعب، ولم تسجل الشرطة المنتبهة ولا موظفو التفتيش في خمس محافظات أي شيء، ولم تجد المحاكم الجنائية في ثلاث محافظات منشغلة بمحاكمته ولا المحاكم الجنائية الأربع التابعة للحكومة المركزية ما يوجب العقوبة، حتى اضطرت إلى إطلاق سراحه، فلو كان لهذا الرجل شهوةٌ في الدنيا أو ميل للسياسة فهل كان من الممكن ألا يكون لذلك ألف أثر أو أمارةٍ؟! ومع أنهم لم يجدوا أية أمارة على ذلك خلال مراحل المحاكمة إلا أن نائبًا عامًا معاندًا اضطر إلى استخدام "الشيء الممكن" بدلا من "الواقع" وذكر عدة مرات في ادعائه "يمكن أن يقوم" ولم يستطع أن يقول: "لقد قام"، فأين قول: "يمكن أن يقوم" من قول: "لقد قام"، حتى إن سعيدا قال له في المحكمة: إن الجميع يمكنهم أن يقوموا بجريمة القتل، فبادعائك هذا يجب أن ترفع قضية ضدك وضد كل الناس في المحكمة.

الحاصل: إما أن هذا الرجل مجنون جنوناً كاملاً حتى أنه لا يبالي بالأمور الدنيوية الرهيبة إلى هذا الحد، وإما أنه يترفع عن كل شيء ولا يكترث بأي شيء من أجل أن يعمل بإخلاص لأعظم سعادة لهذا الوطن وهذه الأمة، إذن فالتضييق على هذا الرجل وإزعاجه ضرب من الإهانة للوطن والأمة والأمن، والوقوع في مثل هذه الأوهام بحقه جنون.

سعيد النورسي


427. صفحة

باسمه سبحانه

محاورة مع نفسي

إذا أصبح القاضي نائبا عامّا "فمن أشكو وإلى من ؟ فأنا في حيرة !" هذا ما يجعل مسكينًا مثلي يتكلم هكذا.

أجل؛ إن وضعي في الوقت الحالي أقسى من السجن، فيوم منه يضايقني كأنه شهرٌ من السجن الانفرادي، وقد مُنعت من كل شيء في الشتاء القارس بالرغم من اغترابي وشيخوختي ومرضي وفقري وضعفي، ولا يسمح لي إلا بمقابلة طفل ورجل مريض، فأنا أعاني أصلا من العذاب منذ عشرين سنة في السجن الانفرادي؛ فالإيذاء والتضييق بالترصد والعزل أكثر من هذا أخشى أن يجلب سخط الله فيتسبب في إنزال المصيبة، فهناك حوادث كثيرة كوقوع أربعة زلازل عنيفة في الوقت نفسه الذي حدث فيه الاعتداء علينا ظلما كما أشرت إلى ذلك في المحكمة، وكنت أعتقد أن محكمة أفيون التي كنت أثق أنها تعمل من أجل الحفاظ على حقوقي ومن أجل حمايتي ولكنها على العكس لم تهتم بطلبي حول رسائل النور في محكمة دنيزلي، فأحزنتني، وهناك احتمال أنها تسببت بفعلها هذا في حريق مبنى القضاء.

إنني أقول: إن حمايتي حماية كاملة هي أهم وظيفة لحكومة هذه المدينة ولشرطتها ولقضاتها التي تتحلى بالضمير وتُكِنُّ إنسانيةً تجاهي؛ وذلك لأن ثلاث محاكم بالاضافة إلى الحكومة المركزية قررت بعد تسعة أشهر من البحث والفحص لجميع كتبي ومراسلاتي المكتوبة منذ عشرين سنة براءتنا وإطلاق سراحنا، ولكن هناك كيان سري يعمل ضد مصلحة هذا الشعب وهذا الوطن خدمةً للمصالح الأجنبية الغربية، وهو هذا الكيان الذي يجعل من الحبة قبة في كل مكان ويدفع بعض الموظفين ضدنا للشكّ في براءتنا لإبطالها، وغايتهم أن ينفد صبري حتى أقول: "كفى كل هذا"، فأحد أسباب غضبهم عليّ الآن في الحقيقة هو التزامي السكوت، وعدم تدخلي في الدنيا، وكأنهم يقولون: لم لا تتدخل في الدنيا، حتى أتدخل وتتحقق غايتهم.


428. صفحة

فأنا أبين هنا بعضا من دسائس هذا الكيان السري التي يستخدمها في إيهام بعض الموظفين ضدي، فهم يقولون:

إن لسعيد نفوذا، فمؤلفاته مؤثرة وكثيرة، فمن اتصل به يكون صديقا له، فإذن لابد من كسر نفوذه بإبعاده عن كل شيء، وإهانته، وعدم الاكتراث به، وتنفير الناس منه، وتخويف أصدقائه منه"، وبذلك يضللون الحكومة، ويعرضونني لعناء شديد، وأنا أقول:

أيها الإخوان الذين يحبون هذا الشعب وهذا الوطن !

نعم؛ إن هناك نفوذا كما يقول هؤلاء المنافقون، ولكنه ليس لي، بل هو لرسائل النور، وهو لا ينكسر، بل يزداد كلما حاول أحدهم مسّه، ولم يستخدم أبدا ضد الشعب والوطن ولا يستخدم ولن يستخدم، وإن عدم عثور المحكمتين بعد عشر سنوات على سببٍ حقيقيٍ لعقابنا بعد تدقيقات شديدة قاسية لأوراقي الباقية من عشرين سنة؛ شاهد لا يجرح على هذه الدعوى.

أجل؛ إن الرسائل مؤثرة، لكنها مؤثرة في خدمة سعادة مائة ألف شخص وحياتهم الأبدية بإعطائهم دروس الإيمان التحقيقي بما ينفع الشعب والوطن منفعة تامة ولا يضرهم أي ضرر، وإن تحوُّل مئات الأشخاص من السجناء المحكوم على بعضهم بالسجن المؤبد من قبل محكمة دنيزلي إلى أشخاص مهذبين متدينين بواسطة رسالة الثمرة، بل اجتنابَ من قتلوا رجلين أو ثلاثة رجال قتلَ البقة بما تلقوا من دروسها، وتحوّل السجن إلى مدرسة تربوية بإقرار مدير السجن؛ شهادة وحجة لا تُردّ.

أجل؛ إن إبعادي عن كل شيء تنكيل وظلم مضاعف، وخيانة غدارة لهذا الشعب؛ لأن الدليل القاطع على أنه لم ير أي ضرر من الاتصال بي، بل وجد هذا الشعب المتدين منفعة القوة المعنوية والسلوان والقوة الإيمانية التي هو في أمس الحاجة إليها مع أني قضيت حوالي أربعين سنة من حياتي بينهم؛ هو إقبالهم على رسائل النور بما هو فوق العادة ورغبتهم فيها في كل مكان دون النظر إلى الدعايات الشديدة ضدي، بل إنني أعترف أنهم يمدحونني مدحا لا يليق بي ويفوق ما أستحقه مائة مرة.


429. صفحة

وقد سمعت أن الحكومة المحلية هنا تقدمت بطلب من أجل معيشتي وراحتي، وجاءت الموافقة، وأنا أشكرهم على إنسانيتهم، ولكن مع هذا أقول: إن أحوج ما أكون إليه وأرسخ دستور في حياتي؛ حريتي، وإن وضع حريتي تحت القيود والاستبداد بما لا مثيل له بسبب أوهام لا أصل لها يسئمني من الحياة أيما سأم، وإني أفضل القبر على هذا الوضع وليس السجن أو الزنزانة فحسب، ولكن المشقة الكثيرة في الخدمة الإيمانية سبب للثواب الكثير وهذا مما يورثني الصبر والتحمل، وبما أن هؤلاء الأشخاص ذوي الإنسانية لا يريدون الظلم لي، فإذن يجب عليهم أولا أن يمنعوا المساس بحريتي المشروعة، فأنا يمكنني أن أعيش بدون طعام ولكن لا أعيش بدون الحرية.

أجل؛ إن الذي اكتفى بمائتي ليرة فقط في تسع عشرة سنة في هذه الغربة باقتصاد شديد ورياضة قوية، ولم يُظهر حاجته من أجل الحفاظ على حريته وعزته العلمية، ولم يدخل تحت المنة ولم يقبل الزكاة والراتب والهدايا؛ لاشك أنه محتاج إلى حريته ضمن العدالة أكثر من احتياجه الطعام.

نعم؛ إنني تحت تضييق لا مثيل له، وأبين هنا بعضا من الأمثلة الجزئية على ذلك:

أحدها: كنت أخفي دفاعي ورسالة الثمرة التي هي دفاع علمي عن رسائل النور بإقرار المحكمة، والتي أرسلتْ إلى سبع مناصب وإلى رئيس الجمهورية في أنقرة مع دفاعاتي، والتي أصبحت سببًا لبراءتنا بتقدير خبراء أنقرة، والتي كتبت بعض نسخها كتابة جميلة من قبل أصدقائي في السجن لتكون تذكارا لي، والتي هي في يدي الآن ولم تمسها الشرطة في دنيزلي، وبقيت في مخفر أفيون ليلة واحدة، كما بقيت مكشوفة عند الشرطة هنا، كنت أخفيها وأنا في قلق كل يوم حتى لا يأخذوها من يدي هي الأخرى، فلربما يبحثون عنها عندي، وأنا أحزن كثيرا لأني لا أستطيع أن أقول لمن لا أعرفهم في هذه الغربة: "أخف هذا عندك" مع القلق عليها.

الثاني: إن رجلا من إسطنبول أخذ رسالة الشيوخ من رجل هنا إلى إسطنبول تلك الرسالة التي لم تمسها محكمة دنيزلي، والتي لم تتدخل فيها محكمة أسكي


430. صفحة

شهر فيها إلا في كلمة واحدة منها وتلقت الرد على تدخلها بحرف واحد، ولسبب ما وقعت في يد ملحد يعارضني، فجعلوا من الحبة عشر قباب وضللوا الشرطة وضيقوا الخناق عليّ وأصبحوا يسألونني عمن يقابلني، ومن يأتي إليّ، وعلى كل حال فهناك أمثلة مريرة مثل هذا، ولكن أكثرها تفاهة هو أنهم نفّروا مني كل الناس غير طفل في خدمتي ورجل مريض حتى لا أتكلم مع أحد، وأنا أقول: إن إبعاد عشرة رجال عني لا يساوي شيئًا مقابل عشرات الآلاف من المسلمين بل مئات الآلاف من أولئك الذين يلازمون دروس رسائل النور غير عابئين بأي مانع، ثم إن كل نسخة من آلاف نسخ رسائل النور التي تنتشر بكمال الرواج في هذا البلد وفي العالم الإسلامي من أجل حقائقها القوية وفوائدها القيمة الكثيرة جدا؛ تتكلم بدلا عني وأفضل مني، فهي لا تسكت ولن تُسكَت بسكوتي أنا. وبما أنني قطعت علاقتي بالسياسة منذ عشرين سنة كما أُثبتَ من قِبل المحكمة، ولم تظهر أي وثيقة وأية أمارة بخلاف ذلك؛ فلاشك أن التوهم ممن يتكلم معي لا معنى له[1].

سعيد النورسي

[1]    حادثة غريبة وعجيبة: لقد نزلت إلى الحديقة ذات يوم في هذا الشهر، فرأيت بعض القطرات والنقاط المتناثرة على الثلج كمثل الصبغة والحبر الأحمر والأصفر الذي يشير إلى التوافقات في أجزاء رسائل النور، فتعجبت، ونظرت إلى الأماكن الأخرى فرأيت أنها لا توجد إلا في حديقتي، وقلقت، وقلت في نفسي: إن رسائل النور تتعلق بجميع البلد، بل بالكرة الأرضية باسم القرآن الكريم، بحيث تبكي السحب دمًا على ما أصابها من بلاء ومصيبة، وناديت بعض الناس، فتعجبوا هم أيضًا، وظن السيد محمد ابن أخ صاحب البيت الذي رأى قلقي واضطرابي أني أقلق من كثرة الثلوج ومن إغلاقها الطريق، وبعدما صعدت كان قد طرَح الثلوج يمنة ويسرة ليفتح الطريق وغطى على تلك الحادثة الجوية الحمراء والصفراء المشار إليها، فقلت له: كان من الأفضل أن لا تفعل، فحدث في نفس اليوم ثلاث حادثات ضد رسائل النور:

الأولى: إن القضاء في أفيون حطم أملي برده عبر ضابط الشرطة هنا على طلبي حول إعادة كتبي إليّ بأن الموافقة من محكمة الاستئناف لم تأت بعد.

الثانية: لقد علمنا في نفس اليوم أن محكمة أفيون أرسلت شرطة خاصة من أجل التجسس على أحوالي.

الثالثة: قام منافق في نفس اليوم بالدعاية ضدنا محتجًّا برسالة الشيوخ، ونقلها إلى القضاء، وبسبب مثل هذه الحوادث بدأ المتشوقون يخشون، فقلت: لكل مصيبة "إنا لله وإنا إليه راجعون" ودخلت في حرز "حسبنا الله ونعم الوكيل". (المؤلف).



431. صفحة

باسمه سبحانه

حوار مع وزير العدل وقضاة المحكمة التي تتعلق برسائل النور باعتباره ملحقًا للفقرة المسماة "محاورة مع نفسي".

أيها السادة !

لماذا تنشغلون بنا وبرسائل النور دون سبب ؟ إنني أعْلِمكم يقينًا أنّ المبارزة معكم وحتى التفكير فيكم أيضًا هو خارج وظيفتي ووظيفة رسائل النور؛ لأن رسائل النور وتلاميذها الحقيقيين يخدمون الجيل القادم بعد خمسين سنة خدمة عظيمة، ويسعون لإنقاذهم من المخاطر الكبيرة وإنقاذ الوطن من التهلُكة الجسيمة، فالذين ينشغلون بنا الآن سيصبحون ترابًا في القبر بلاشك في ذلك الوقت، وحتى لو كانت خدمة رسائل النور وهي خدمة السعادة والسلام في حالة مبارزة بفرض المحال فيجب ألا تهمّ أولئك الذين أوشكوا أن يصبحوا ترابًا في القبر.

أجل؛ لقد ظهر الوضع المزري للدين والأخلاق والعفة في الوقت الحالي بسبب لامبالاة أدعياء الحرية بالأخلاق الاجتماعية والدين والقيم الوطنية قبل عشرين أو ثلاثنين سنة، فلاشك أنكم ستدركون ما يؤول إليه حال الجيل القادم لهذا الشعب البطل المتدين المتحلي بالأخلاق والعفة من حيث السجايا الدينية والأخلاق الاجتماعية بعد خمسين عاما. إن هذا الشعب المضحّي أظهر بطولة لا مثيل لها في خدمة القرآن بكل روحه ومهجته منذ ألف سنة، ونحن نفكر في أناس ذلك الزمان القادم وليس أناس هذا الزمان؛ لأننا نعتبر أن أعظم وظيفة وطنية لنا هي؛ تقديم الحقيقة مثل رسائل النور لبعض من الجيل القادم وإنقاذهم من السقوط الكبير ومن تدنيس ماضيهم المشرق تدنيسا شديدا ومن تدمير مستقبلهم بعد خمسين سنة.

نعم أيها السادة !

إن رسائل النور تنظر إلى الآخرة وإن غايتها مرضاة الله سبحانه وتعالى وإنقاذ الإيمان، وإن تلاميذها يسعون لإنقاذ أنفسهم والمواطنين من الإعدام الأبدي


432. صفحة

والسجن الانفرادي الخالد؛ وإن لها خدمة مهمة جدا من الدرجة الثانية تتعلق بالدنيا وهي إنقاذ هذا الشعب وهذا الوطن من خطر الفوضى والإرهاب، وإنقاذ البائسين من الجيل القادم من الضلال المطلق؛ لأن المسلم لا يشبه الآخرين، فالمسلم الذي يترك دينه ويخرج عن فطرة الإسلام يقع في الضلال المطلق، ويصبح فوضويًّا، ولا يمكن إدارته حينها.

أجل؛ فمع أن خمسين بالمائة من الذين تلقوا تربية إسلامية قديمة ترونهم ظاهرين أمامكم لا يبالون بالعادات الوطنية والإسلامية، فإن التفكير في وجود احتمال قوي أن تسعين بالمائة منهم سوف يسوقون الشعب والوطن إلى الفوضى بعد خمسين سنة متبعين النفس الأمارة، والبحث عن حل لهذا الخطر؛ منعاني من السياسة ومن الاشتغال بالناس في هذا العصر منذ عشرين سنة ، وقَطَعَا أيضًا علاقة رسائل النور وتلاميذها بهذا العصر، فلا مبارزة مع هؤلاء ولا انشغال بهم.

وبما أن هذه هي الحقيقة فإن حماية رسائل النور وحماية تلاميذها هي الوظيفة الأولى للمحاكم وليست اتهامي واتهامهم؛ لأنهم يحفظون أعظم حق لهذا الشعب والوطن، ولكن الأعداء الحقيقيين لهذا الشعب والوطن يهاجمون رسائل النور ويضللون القضاء ويسوقونه إلى الظلم والجور، وأذكر مثالين صغيرين لذلك:

المثال الأول: لقد أرسلت مراسلةٌ من أحد أصدقائي في السجن إلى رجل هنا وهي عبارة عن تحية وكلام وعشر ليرات ثمن إحدى رسائلي العربية، حتى تُسلّم لصاحب النسخ الذي دفع ثمن الطباعة، وقام القضاء والحكومة بالتضييق عليّ بسبب تلك المراسلة، وبحثوا عن ذلك الرجل الذي كان الواسطة، فجَعْل هذه المراسلة العادية التي لا تعدل جناح بعوضة، واعتبار هذه المراسلة العادية الوحيدة خلال هذه الأشهر الستة مسألةً كبيرةً جدًّا؛ لا يليق بشرف القضاء وكرامته.

المثال الثاني: إن تنفير الناس جميعا من ضيف غريب عجوز نحيل أخذ البراءة بل تنفير خدامه أيضًا بالدعايات بصورة رسمية، وإضفاءَ صورة بائسة عليه؛ لا يليق بالنخوة الوطنية لحكومة هذه المحافظة؛ ومن ثم فلابد أن تترفع الحكومة بحكمتها وحاكميتها عن الحالة العجيبة وهي إعطاء الأهمية لضرر موهوم لا يعدل


433. صفحة

جناح بعوضة، وعن القيام بالدعايات ضدي بصورة رسمية، وعن بعث القلق في نفوس الناس بتوجيه مثل هذه الأسئلة "بمن يلتقي، ومن يذهب إليه"، وعلى كل حال، فهناك أمثلة محيرة جدًّا لمن لهم اطلاع بالأمر مثل هذين المثالين.

أيها السادة، إذا كانت الضلالات والسيئات ناشئة عن الجهل فدفعها سهل، ولكن إزالة الضلال الناشئ عن العلوم صعبة جدًّا، ولما كان الضلال في هذا الزمان ناشئا عن العلوم فلابد من كتاب بديع من كل النواحي مثل رسائل النور يزيل الضلال وينقذ الذين وقعوا في هذا البلاء من الجيل القادم ويصمد أمامه، فالدليل على أن رسائل النور لها تلك القيمة:

أنه منذ عشرين سنة لم يستطع أحد من معارضيَّ الذين يعارضونني بشدة وبكثرة ولا أحد من الفلاسفة الذين تلقوا صفعات رسائل النور أن يعارضها ويجرحها ويدحضها، ولا يستطيع أحد أن يفعل ذلك، وأن ثلاث محاكم وخبراء الحكومة المركزية لم يستطيعوا أن يجدوا طوال تسعة أشهر ما يديننا في مائة من أجزاء رسائل النور، وأن الإشارات القرآنية والإخبارات الغيبية لسيدنا علي رضي الله عنه وللغوث السيد عبد القادر الجيلاني التي تورث القناعة القاطعة لدى آلاف من تلاميذ رسائل النور الذين هم أهل تحقيق؛ تُوقِّع على أهمية رسائل النور ومقبوليتها.

أجل؛ إن حفظ الحقوق ومنع الظالمين من التعدي؛ وظيفة القضاء، فإن المحكمتين والحكومة المركزية والشرطة في بعض المحافظات ومحكمة دنيزلي لم يجدوا جميعهم منذ عشر سنوات ما يضر الشعب والوطن كما لم يجدوا خطأً يوجب العقاب في جميع أوراقنا وفي جميع الرسائل خلال تسعة أشهر من البحث والفحص، ومن الثابت أن مائة رسالة من رسائل النور سعت لسعادة مائة ألف من الناس خلال عشرين سنة، ومن ثم فرسائل النور لها حقوق كلية عظيمة في هذا الوطن، وأذكركم بأن مصادرة هذه الرسائل كأنها أوراق تافهة دون النظر إلى هذه الحقوق الكلية العظيمة، وغض الطرف عن الظلم الكبير للشعب ولمن يحتاجون إلى تقوية الإيمان، مع الاهتمام الكبير بحق صغير جزئي لرجل عادي؛ كل ذلك لا يليق بوجه من الوجوه بماهية القضاء وحقيقة العدالة، وإننا نخشى أن عدم المس


434. صفحة

بكتب الدكتور دوزي وكتب الزنادقة الآخرين، والمس برسائل النور سيكون سببًا لجلب غضب الله تعالى، ونسأل الله أن يرزقكم الإنصاف والرحمة، ويرزقنا الصبر والتحمل، آمين.

المعزول عزلا مطلقا رهيبا غير قانوني سعيد النورسي

صورة من التقرير الذي أصدره الخبراء في أنقرة بالاتفاق[1]

لقد فُتحت خمسة صناديق من الكتب من قبلنا وقُرأت، ودققت ضمن صلاحيتنا أجزاء رسائل النور المطبوعة وغير المطبوعة والمؤلفة من قبل سعيد النورسي والمراسلات الملحقة إلى رسائل النور والمكتوبة من قبل سعيد النورسي وبعض من تلاميذه والتي هي مراسلات دينية وعلمية، والمراسلات العادية الجارية بين التلاميذ أنفسهم وبين الإمام النورسي وتلاميذه، ولبيان ماهيتها لابد من تقسيم هذه الرسائل والمراسلات إلى نوعين:

إن تسعين بالمائة من رسائل النور أُلِّفت من أجل تفسير آية أو حديث شريف تحتوي على آراء علمية مصحوبة بالأمثلة لبيان الدين والإيمان بالله والرسول والقرآن والآخرة بيانا واضحا، وعلى نصائح أخلاقية موجهة للشيوخ والشباب، وعلى بعض الأحداث ذات العبر المأخوذة من تجارب الحياة، والمناقب المفيدة التي تخص المهنيين، والمؤلف في كل هذه الرسائل صادق ولا يطلب أجرا ولم يَحِد فيها قط عن طريق العلم وأسس الدين، وإن عدم اتخاذ الدين أداة وعدم الإخلال بالأمن من خلال تشكيل تنظيمٍ صريحٌ ظاهرٌ فيها، والمراسلات العادية بين تلاميذ رسائل النور أنفسهم والمراسلات العادية بينهم وبين الإمام النورسي كلها من هذا القبيل.



[1]    إن الانتقاد الوارد في تقرير الخبراء لم يسجل هنا؛ لأنه قد أجيب عنه إجابة قاطعة في المحكمة، وضم في ختام دفاعي، وهذه الانتقادات عبارة عن عشر مسائل جزئية في ثلاث رسائل أو أربع، وهي ليست انتقادات سياسية بل علمية، وقد أُثبِت في المحكمة بالأدلة أنها سهو وخطأ. (المؤلف).



435. صفحة

يقول سعيد النورسي بأن ما ناله من عزة ومجد عندما كان في إسطنبول إنما هو رؤيا ثقيلة عبارة عن نوم عميق وسكر مؤقت، وكان منشغلا بالسياسة في إسطنبول لمدة سنة أو سنتين، ولذا يصف تلك الحقبة بــ"موت العالم"، ويذكر أن هناك شخصيتين سعيد القديم وسعيد الجديد وأنهما منفصلان بعضهما عن بعض.

وجاء في العدد الأول من الترتيب التاسع: يقول سعيد في رسالة موجهة لتلاميذ رسائل النور في إسبارطة في ختام كتاب يضم قرابة عشرين رسالة فيه: إن اللجوء إلى السياسة خطأ.

وفي العدد الأول من الترتيب الرابع: ورد في قسم المناجاة من كتاب "حجة الله البالغة" الذي هو أهم كتاب لسعيد النورسي: الدنيا فانية، وأعظم قضية هي كسب العالم الخالد، فإن لم يكن اعتقاد الإنسان قويا خسر القضية، والقضية الحقيقية هي هذه، والانشغال بغيرها من القضايا مضر، ومن ينشغل بالسياسة يتخلف عن واجباته المهمة، ومن ينجر إلى الصراعات السياسية يفقد سلامة قلبه.

ورد في اللمعة السادسة والعشرين: أن وظيفتي الحقيقية في هذه الدنيا العجوز هي نشر الأسرار القرآنية، الصفحة 45، إن علاقتي بهذا البلد تنبع من الحمية الإسلامية، وإلا فليس لي دار ولا لي ولد، الصفحة 59.

ورد في اللمعة الحادية والعشرين، الدستور الأول من النصائح التي وجهها لإخوانه:

يجب أن تبتغوا في عملكم رضا الله تعالى، فلا تفكروا فيه بالمصلحة المادية.

وفي هذه الرسائل: إنني لست صوفيّا، ومسلكنا ليس التصوف، الصفحة 108، وحب الجاه وجذب الأنظار مرض روحي، وهذا يسمى شركا خفيا، لو كان مسلكنا التصوف لكان المقام واحدا، ويكون هناك عدد من المرشحين له، مسلكنا نحن الأخوة، فلا يكون الأخ لأخيه أبا، ولا يتخذ وضع المرشد.


436. صفحة

صورة من الحكم الذي أصدرته محكمة دنيزلي بالاتفاق

لقد بين الشهود في أقوالهم أنهم لا يعرفون شيئا عما وجه للمتهمين وأسند إليهم من تهم، وقد ورد بين الأوراق المنظمة للتقرير المعَدّ من قبل الأستاذ الدكتور"يوسف ضياء يوروك خان" الذي هو عضو من أعضاء اللجنة الاستشارية التابعة للشئون الدينية في أنقرة، و"نجاتي لوقال" الذي هو مدير معهد التقنيات في كلية اللغات والتاريخ بجامعة أنقرة، و"يوسف آي كورت" الذي هو من أعضاء مؤسسة التاريخ التركي ولجنة تصنيف الكتب الإسلامية التركية، الذين انتخبوا خبراء تحت رئاسة "أمين بوكة" الذي هو عضو من أعضاء محكمة أنقرة الجنائية:

ليس في كتب سعيد النورسي ورسائله التي دققت واحدة واحدة صراحة أو أمارة لذلك تدل على تحريض الشعب بصورة متعمدة على الإخلال بأمن البلد أو على تكوين تنظيم من خلال اتخاذ الدين والمقدسات أداة لذلك، وفيها يبدو أنه مولع باتخاذ وضع يُظهر نفسه أنه العالم الوحيد، أما عن منتسبي سعيد النورسي فهم قد انجذبوا إلى مؤلفات سعيد النورسي التي ألفها عن علم ودراية في وقت كان فيه في حالة ذهنية عادية، وانخدعوا بمؤلفاته غير العلمية التي ألفها في حالة الجذبة والهيجان الروحي، واتبعوه لسذاجتهم بحجة أنهم سيتعلمون منه مسائل الدين وحقائق القرآن، وهم ذو نيات حسنة، وقد تبين أنهم تمسكوا بسعيد وبالرسائل التي قرءوها من أجل الاعتقاد الديني فحسب، وظهر من فحوى المراسلات التي أجروها من أجل تلك الغاية أنهم لا يحملون نية سيئة تجاه الحكومة، وأنهم لا يتحركون من أجل تكوين تنظيم أو طريقة صوفية.

ومع أنه قد بُيّن في تقرير خبراء دنيزلي من خلال الأوراق الخاصة بقاضي الاستجواب التي تضمنت الاستدلال من بعض مؤلفات سعيد بلا سند وتوثيق أن سعيدا ومنتسبيه يحملون نية سيئة تجاه الحكومة، إلا أن إفادة الشهود بأنهم لا يعرفون شيئا عن الأفعال المنسوبة إلى المتهمين وفق مضمون الأوراق التحقيقية؛ لم تستحق الاستدلال بها والنظر فيها حسب ماهية ومضمون تقرير الخبراء الذي


437. صفحة

تم بأمر من محكمة أنقرة الجنائية، وتم التحقق من أن معظم المتهمين عاجزون عن الكتابة والقراءة في الأساس، والقسم الآخر عكفوا على العبادة والطاعة، وبناء على كل ذلك فقد ظهر وتحقق أنهم ليسوا ممن يحملون صفات وشرائط يمكن بهما الإخلال بأمن البلد، وتمركزت القناعة الوجدانية للمحكمة وظهرت في هذه النقطة، وتحقق أن حكم النائب العام بعقوبتهم ليس صحيحا أمام الدلائل المذكورة، ومن ثم حُكِمَ بالاتفاق على رده وعلى براءتهم من الأفعال المتهمين بها، وعلى إطلاق سراحهم إن لم يكونوا معتقلين لأسباب أخرى.

15 حزيران/يونيو 1944

إن محكمة دنيزلي الجنائية توقع على الحكم ببراءتهم بالاتفاق

الرئيس علي رضا                العضو                   العضو                   

باسمه سبحانه

أرجو تسليم نسخة من هذا المذكور أدناه لوزارة العدل ولمجلس الدولة، ولرئاسة الشئون الدينية والمجلس العالي لمجلس الوزراء

إن منزويا منذ اثنتين وعشرين سنة ومظلوما لم يلجأ إلى الحكومة وسكت منذ تسع عشرة سنة، واضطر إلى شكر وشكوى؛ يتقدم للجنتكم ويقول:

إنني أشكركم على حكمكم فيما يتصل بأمر إعاشتي التي لم أطلبها، حيث قررتم تقديم ما يفوق ما يقدم لمن يخضعون للإقامة الجبرية في العادة، وقبلت ذلك إكراما لكم مخالفا دستور حياتي الذي ظلّ مستمرًّا ستين سنة.

أما وجه الشكوى فهو:

إنني أعاني منذ مدة بسبب المتوهمين الذين يجعلون من الحبة قبة، فعندما كنت أفكر بكل روحي في وسيلة أدخل بها القبر أو السجن سجلت حوارا مع نفسي قبل شهر باعتباره خاطرة من خواطر قلبي الأليمة جعلته لوحة أعلقها فوق


438. صفحة

رأسي، وأنا أقدم تلك الخواطر لمجلسكم السامي كما هي ملحقة بخلاصة قرار المحكمة وتقرير الخبراء الخاص ببراءتنا مع حذف بعض الجمل غير الضرورية: فلو لم يكن في هذه المدينة إنصاف إنساني من حكومتها لما استطعت أن أتحمل.

سعيد النورسي

باسمه سبحانه

أقوالي الغيابية الاضطرارية لشرطة أفيون التي جلبت لي هذه العاصفة المعنوية مثل عاصفة هذا الشتاء

أيها السادة،

إن الدليل على عدم عثوركم على شيء لدينا يوجب العقوبة مثلما لم تعثر المحاكم من خلال الجواسيس المتعددين والترصدات هو قولكم:

إنك تقول منذ عشرين سنة لم تجدوا في ثلاث محافظات وفي محكمتين وفي السجون شيئا لم يتغير ولم يُمَسّ إلا لباسي، ما هذا اللباس؟

الجواب: أقول كما قلت للموظفين الكبار في محكمتين حول لباسي بعد براءتنا في دنيزلي.

أولا: إنني أعيش منعزلا، وانسحبت من الحياة الاجتماعية، ولا يمكن دخول دار المنعزلين إلا بهذا اللباس.

ثانيا: إن رد الشيء شيء وعدم العمل به شيء آخر تماما، فأنا لا أعمل به بسبب أعذاري المهمة، وليس هناك قانون ولا إجبار ولا مصلحة في لبس القبعة، فالموظفون لا يلبسونها في الدوائر الحكومية، والكل أحرار في المساجد، والنساء والأطفال لا يلبسونها، وكنت أدخل المحكمتين بهذا اللباس ونادرا ما كنت أمسك قبعة بيدي، فمع أن النائب العام في إسبارطة أراد أن يتهمني بإحدى المواد إلا أن قرار محكمة أسكي شهر ببراءتي بالاجماع في قضية القبعة هذه،


439. صفحة

وعدم اهتمام محكمة دنيزلي بها أصلا؛ حجة بأن التدخل في لباسي؛ غير قانوني، واعتباطي وظلم.

ثالثا: إنني لا أخرج إلى السوق والأماكن المكتظة ولا أذهب إلى الدوائر الحكومية إن لم أكن مضطرا، وإنما أذهب إلى الغرفة الخالية للمسجد المجاور والقريب مني قبيل المغرب وأؤدي صلاتي وحدي وأجلس وحدي، حتى إنني أحرم من ثواب الجماعة لعدم مقابلتي أحدا من الناس، وأخرج وحدي أحيانا إلى المروج والأماكن الخالية من أجل الاستنشاق عندما يكون الجو عليلا، فمن كان في مثل هذا الوضع لا يكلَّف بلبس هذه الملابس العصرية، ولا شك أن من بلغ السبعين من عمره وينتظر دوره عند باب القبر للدخول فيه، وقطع صلته بالدنيا منذ خمس وعشرين سنة، ولا علاقة له بالمال والأولاد وأشباهها، ويبحث بكل قوته عن كفارة لذنوبه الماضية، ويسعى ليتوافق سلوكه مع التقوى والعزيمة الشرعية ويطبقهما فيه، واختار لنفسه لباس سبعة أو ثمانية مليار من أهل الإيمان؛ لا يكلف هذا اللباس العصري بالرخصة الشرعية بل بالتصرف الاعتباطي الجبري، فليكن سلوكي عنادا كما تظنون، ولكن بما أن مصطفى كمال لم يستطع أن يكسره ولم تستطع المحكمتان أن تكسراه ولم تستطع حكومات ثلاث محافظات وشرطتها، فلماذا تحاولون أنتم أن تكسروه بلا مصلحة وبصورة اعتباطية؟ وتضطروني إلى قول: "لتأكل الدنيا رءوسكم، فأنا أدخل القبر"، ولا أجد تفسيرا لتضييقكم علي بالترصد الذي لا مثيل له، ذلك أنه مثلما أجبرتْ جميع أسرار حياتي منذ خمس وعشرين سنة، وجميع مراسلاتي وكتبي بما فيها مراسلاتي وكتبي ذات الخصوصية أجبرت المحكمةَ على براءتي بعد تسعة أشهر من التدقيق، فإن قسما مهما منها دُقِّقَ فيها منذ ستة أشهر في محكمة الاستئناف، وأقرت محكمة الاستئناف حكم المحكمة ببراءتنا، ووقّعت على أن رسائل النور ليس فيها ضرر بل فيها منفعة، فأتساءل إن رجلا عانى كثيرا من المشاق والمتاعب ظلما مثلي ألا تكون له خلال سنتين عشرون كلمة في كتاباته توجب عليه العقاب والعداء تجاه من يظلمونه، والحقيقة ليس هناك في جميع آثار حياتي منذ عشرين سنة ما يوجب علي السجن


 

440. صفحة

حسب القانون، والدليل القاطع على ذلك هو اضطرار محكمة دنيزلي إلى الحكم بالبراءة بالإجماع، وإقرار محكمة الاستئناف بهذا الحكم.

أما الترصد بذريعة الاطلاع على أسراري، فليست لي أسرار خافية حتى يحقّق فيها، فمؤلفاتي وأسراري ذات الخصوصية يتناقلها الناس بين أيديهم بسبب المحاكم، ولذلك فإن مراقبة رجل أفشى أسراره الخفية إلى جواسيس الشرطة لا معنى لها في هذه الأيام، ولا توقعوني في المعاناة إلى هذا الحد من غير سبب، كفى! فأنا بحاجة إلى الراحة.

الحاصل: إن جميع أسراري وكل سعيي وغايتي وهدفي، وأعظم خدمة لرسائل النور هو إنقاذ هذا الشعب الطيب من الكفر المطلق وحفظه منه، وإنقاذ حياته من الفوضى والإرهاب، وموته من الإعدام الأبدي، وتحويل الموت إلى تذكرة تسريح بحقه، فأنا قد عزمت في هذه الوظيفة على التضحية بحياتي هذه بل بحياتي الأخروية إن لزم الأمر.

أجل؛ بما أن الموت لا يُقتَل، وبما أن باب القبر لا يُغلق؛ فلاشك أن هذه الوظيفة التي تستند إلى حقيقة الإخلاص هي فوق جميع الوظائف، وللحافظ على هذا الإخلاص فإننا لا نلوث أيادينا بأي تيار وهدف دنيوي ولا ينبغي لنا أن نفعل ذلك.

سعيد النورسي

 

باسمه سبحانه

فليُكتب هذا التقرير في الملاحق وفي ختام دفاعي من أجل العبرة.

تقرير الخبراء الأوائل، وهم قد سعوا بكل قوتهم لسجننا، ولكن العناية الإلهية جعلت هجومهم وسيلة لفتوحات ساطعة لرسائل النور، فها هو نموذج ساطع للعناية الإلهية، إذ أصبح تقرير الخبراء الأوائل الذين حاولوا أن يزجوا بنا في السجن بكل قوتهم بمنزلة قصيدة مدح مُشِيدة برسائل النور، وقد سامحْنا هؤلاء


441. صفحة

الخبراء وأصبحنا أصدقاء، وهذا التقرير من تقارير الخبراء الذين سعوا كثيرا ضدي، ويختلف عنه تقرير خبراء أنقرة، وهناك تقارير منصفة إلى حد ما.

سعيد النورسي

تقرير خبراء دنيزلي

 يتبين من المحضر الرسمي أن سعيدا النورسي الملقب ببديع الزمان وهو أحد المتهمين كان قد أجبر على الإقامة في إسبارطة عندما كان مقيما في محافظة "وان" بتهمة صلته بحركة الشرق حسب أقواله، وقد اعتقل في محكمة "أسكي شهر" الجنائية بتاريخ 27/04/1935 بناء على التهمة المذكورة آنفا وهي تهمة اتصاله بحركة الشرق، وأنه حسب الملفات المأخوذة من النيابة العامة في أسكي شهر بتاريخ 8/11/1943 تم وضعه في السجن لمدة سنة كاملة بعد جلسات عقدت بحقه ومعه بعض الأشخاص التابعين له، وأن شركاءه عوقبوا بمختلف العقوبات.

وأن سعيدا النورسي المأمور بالإقامة في قسطموني بعد انتهاء مدة السجن بدأ بنشر بعض الأفكار من خلال المراسلات واللقاءات المباشرة بمساعدة ومشاركة من يشعر أنهم قريبون منه هنا وهناك وبطريقة جعل الذين يمكن وصفهم بالساذجين والمساكين تابعين له، وأنه لما بدأ بعض هذه النشاطات الفعلية الصغيرة يلفت الأنظار في قرية "خومة" التابعة لبلدة "جِوْرِيل" في شهري يونيو وأغسطس من عام 1943؛ قام أشراف القرية وسكانها بمتابعتهم، وبينما كان البحث والتحقيق جاريين عن ماهية من ظهروا فجأة كالدمّل بغية الوقوف على حقيقة الأمر، وفتش الموظفون الإداريون المتابعون للأمر منازل من اشتبه بهم ومتاجرهم، وعثر على بعض الكتب والمراسلات التي هي عبارة عن أجزاء متعددة تسمى برسائل النور، وبناء على ذلك أُجْرِيَتْ إجراء تحقيقات عميقة في هذا الشأن، ومن خلال التفتيشات التي جرت في منزل سعيد المأمور


442. صفحة

بالإقامة في قسطموني بتاريخ 14/8/1943 و18/9/1943 أُستخرجتْ بعض الكتب والمراسلات المخطوطة من خزانة الخشب والفحم، ومن تحت أكوام الخشب، ومن خزانة مسمرة بالمسامير، ومن صفيحة تستخدم لتسخين الماء على المدفأة[1]، وأنه عند التدقيق فيها من قبل الخبراء المحايدين تبين أن اللمعة الرابعة والعشرين من رسائل النور تخص الحجاب، وعليها علامة تفيد أنها ذات خصوصية، وأنه في الصفحة الأولى من تلك الرسالة تُذْكَر أربع حكم، والمؤلف يهاجم إلغاء الحجاب بمختلف الصور، وأنه ورد في نهاية الرسالة أن سيقان النساء العارية ستُحرَق في جهنم بسبب كشفها، وأنه يقدم لتلاميذ رسائل النور ست نصائح بإشارات "ذات خصوصية" في القسم السادس من المكتوب التاسع والعشرين:

النصيحة الأولى: يطلب منهم ألا ينخدعوا بحب الجاه، وألا يتخلوا عن خدمتهم المقدسة وجهادهم المعنوي العلوي، وألا يحرصوا قط على الثروة، وألا يهتموا أبدا بالمجد والشرف، واتخاذ موقع في نظر العوام، ويذكر بأن ذلك مضر لأهل الآخرة، وينصحهم بألا يكونوا أداة لجواسيس أهل الإلحاد، ودعاة أهل الضلالة.

النصيحة الثانية: ينصح بعدم الخوف من نشر رسائل النور ومن تعميم الأفكار الخاصة بها، وبعدم التخلي عن هذا الجهاد المعنوي أبدا، ولمن يقولون لهم "تخلوا عن هذه الأمور" ينصحهم أن يقولوا: إن حزب القرآن سُورٌ محكم يحيط بنا، فلا تستطيعون أن تسوقونا بإرادتنا إلى طريق يضر حياتنا الأبدية مائة بالمائة، فَمَن من أصدقاء سعيد النورسي الذي هو مرشدنا لحق به الضرر أو لقي عناءً بسببه حتى نلقى نحن مثل ذلك؟!

النصيحة الثالثة: ينبه تلاميذه بألا ينخدعوا بالطمع.


 


[1]   ومما هو عجيب وذو مغزى أن تلك الرسائل لم يطلع عليها ولا واحد من الألف من الناس، وأنها كانت مخفية بحيث لا ترى أبدا باعتراف المتهمين، ولكن هؤلاء الأوغاد كشفوها حتى يضربوا رءوسهم بتلك السيوف الألماسية، ويسوقوا ولاة الأمر إلى قراءة تلك الحقائق لإخبارهم بالأخطاء التي فيها، وعرضها على الكثيرين، وتدريسها، فقد تسببوا في انتشارها لا في إلحاق الضرر بنا وبرسائل النور. (المؤلف).



443. صفحة

ويريد أن يردَّ هؤلاء التلاميذُ على من يقولون لهم: "لماذا توقرون سعيدا إلى هذا الحد وتتبعونه؟" بالنصيحة الرابعة: يقول إنه يسعى لنشر الإسلام ولخدمة القرآن، وأنه حتى لو مات فإن هناك من يقومون بالخدمة في مراكز كثيرة.

النصيحتان الخامسة والسادسة: ينصح بعضَ التلاميذ بالثبات والإيمان، ويذكر في ذيل هذا الكتاب في الجزء المكتوب منه بالحبر الأحمر بأنه ذو خصوصية لمدة ثلاثة أشهر، وأنه كَتَبَ ذلك الذيل ذا الخصوصية من أجل تجنب الكراهية والإهانة التي ستأتي في المستقبل، وأنه عريضة ضد الظالمين الجبارين المجحفين الذين تسلطوا عليهم، ويذكر أن صبره نفد بسبب التدخل في الأذان والإقامة في عبادته منفردًا في مسجده الخاص الذي رممه، وأنه يخاطب رؤساء الكيان ذوي المنهج الفرعوني الذين يلعبون بمقدرات الأمة حسب أهوائهم، وأنه يطلب من أهل البدع جوابا عن أسئلته الستة، ويرى أن الاعتداء عليهم مخالف للقانون، وأنه لا يمكن وضع قانون يخص العبادة الانفرادية، وأن هذا الاعتداء الذي يمارس بحق أهل الدين لن يمر دون حساب على الرغم من أن هناك اتباعًا للسياسة العلمانية بجرأة خرق دستور حرية الضمير، وأنه يسأل: بأي مبدأ من المبادئ يُتَدَخّل في مَنْ مذهبه شافعيّ من أمثاله، وبأي مبدأ من المبادئ يكلف من هم من الجنسيات الأخرى مثله بالإقامة والأذان باللغة التركية، وأخيرًا قال: "أيها التعساء الذين باعوا دينهم وآخرتهم بالدنيا، إن كنتم تريدون الحياة فلا تمسوني، فإن فعلتم ذلك فاعلموا أن ثأري سيؤخذ منكم أضعافا مضاعفة فارتجِفوا، فإن كانت لكم جرأة فافعلوا، ولو فعلتم فسترون"، وهكذا يهاجم.

ويبين بإشارة "خاص بالتلاميذ الخواص الأمناء وذو خصوصية" في القسم السابع من المكتوب التاسع والعشرين أن أهل البدع يريدون ثورة دينية في الإسلام كمثل البروتستانتية في النصرانية بما استلهموا من الثوريين الأجانب من فكر موهوم، وأن الثورة في النصرانية جائزة؛ لأن الأحكام الاجتماعية في النصرانية وضعت من قبل الحواريين وليس عيسى عليه السلام، وأن مثل هذه


 

444. صفحة

الأمور لا تجوز في الإسلام، وأن القومية لا تحل محل الفكر الإسلامي، وأن الاشتراكية والشيوعية وغيرهما من الأفكار العنصرية تمحو حب الإنسان لقومه ووطنه، ومن ثم فيجب أن تذوب القومية التركية ضمن الفكر الإسلامي، وأن المجتهد الأعظم الذي سيأتي في آخر الزمان سيكون شخصا نورانيا حاكما ومهديا ومرشدا وأعظم خطيب ومن أهل البيت في زمان الفساد، وأنه قام بالكفاح بدساتير أوربية في زمن سعيد القديم، ولكنه ترك ذلك المنهج لأن الانتصار بهذه الطريقة فيه عيب يؤدي إلى انتقاص قيمة الإسلام، وأنه أثبت أسس الإسلام مع براهينها بالكلمة الثلاثين والكلمة الرابعة والعشرين والكلمة التاسعة والعشرين وبالمراسلات.

وورد في رسالة مخطوطة أخرى أنها "ثمرة لسجن أسكي شهر يجب إخفاؤها" أنه سأل الإمام عليا رضي الله عنه في عالم المعنى وتلقى الجواب بأن المقصود من "عُجْمٍ" هو الحروف غير المشكّلة، وهي الحروف اللاتينية التي عُمّمت في عهد الحكومة العلمانية، وأن الفقرة التي تتضمن هذه الكلمة تتوافق بالحساب الجفري والأبجدي مع تاريخ 1348 الذي هو تاريخ قبول الحروف اللاتينية، وأن بقاء رسائل النور مخفية نتيجة مصيبة وسطوعها من تحت الستار إنما هو كرامة من كرامات الإمام علي رضي الله عنه، وأن سبب تسمية رسائل النور هو أنها تشرفت باسم (البديع) من الأسماء الحسنى، وأن دعاء الإمام علي رضي الله عنه الذي هو: أَقِدْ كَوْكَبِي بالاسم نورا وبهجة مدى الدهر والأيام يا نور جلجلت" استجيب في هذا الزمان برسائل النور.

وأنه ورد في رسالة مكتوبة بالحروف الجديدة وبالآلة الكاتبة أنها كتبت من أجل محاولة ضم شباب لا يعرفون القراءة بالحروف القديمة إلى دائرة رسائل النور.

وهناك رسالة من تأليف سعيد النورسي تسمى ثمرة لسجن أسكي شهر وهي "الشعاع الأول للّمعة الحادية والثلاثين المهداة والمكتوبة بخط اليد من قبل أحمد نظيف"، وقد لوحظ هذا الكلام في المقدمة وهو يبدأ بالآتي:


445. صفحة

"لا يجوز لطائفة النساء أن يمسسن كتاب الإشارة القرآنية هذا، وهو ممنوع لهن، وينصحهن باجتنابه بشدّة[1]"، ويلاحظ الاستخراج للمعاني بالحساب الجفري والأبجدي على اسم مؤلف رسائل النور وتاريخ ميلاده بين صفحات هذه الرسالة.

والجزء الأخير من الرسالة المسماة بالفهرس الذي هو اللمعة الخامسة عشرة من المكتوب الحادي والثلاثين لرسائل النور المكتوب بالحروف القديمة يبين أنه أُلف من قبل خسرو وصبري والحافظ عليّ ورشدي والحافظ حسين، وأن خسرو أكثر تأليفا بينهم، وأن هناك دعاء لهم، وفي مجلد آخر يبين أن أطفالا صغارا تتراوح أعمارهم بين التاسعة والثلاثة عشر بين التلاميذ والمستنسخين، وأنّ النجار أحمد في قرية صاو، وعمر بن عبد الله من بني الشيخ عمر وشيخه في قرية "كوك درة" في "أكيردير"، وابنه مصطفى وشيخه أحمد وأحمد زكي، والحافظ محمد بن الحافظ الحاج، وبكر بن الحافظ محمد يجتمعون في دار الحافظ محمد ويتعلمون الحروف القديمة ويستنسخون رسائل النور، وأن مصنع النور موجود في قرية "إسلام كوي".

وسجلتْ في ختام اللمعة الثامنة والعشرين من المكتوب الحادي والثلاثين لرسائل النور أسماء تلاميذ رسائل النور كمصطفى الكجاجي، ومصطفى، وعليّ، وسليمان، ورشدي، وعبد الله، وخسرو، ورأفت، وسليمان آخر، وصبري، وخلوصي، والسيد بكر، وعاصم، والحافظ عليّ، وغالب، ولطفي الصغير، وذكائي، وعبد الباقي، والحافظ توفيق الشامي.

وفي الصفحة الرابعة من القسم الثاني من تلك الرسالة يلقن أن السجن عناية ربانية بهم، وأنه أنفع منزل للخلوة في آخر الزمان، وأنه يجب الحيطة والحذر تجاه الأعداء، وأن هذا المكان أي السجن ميدان امتحان أكثر حساسية.

وفي أواخر تلك الرسالة ورد تحت عنوان "دستور":

يجب على تلاميذ رسائل النور ألا يبحثوا عن نور خارج رسائل النور، وإن فعلوا ذلك فإنهم سيجدون مصباحا بدلا من شمس معنوية تَشِعُّ من نافذة رسائل



[1]    انظر إلى المعنى الذي فهمه الخبراء فهما جنونيا، كيف فهموا جملة: "هذه الإشارة القرآنية ذات خصوصية، وهذه الآية ذات الإشارة موجودة في سورة النساء". (المؤلف).



446. صفحة

النور، وربما سيفقدون الشمس ذاتها، وأنه يمكن لكل فرد أن يحتفظ بشيخه قبل دخوله دائرة رسائل النور، ولكن يجب البحث عن المرشد ضمن هذه الدائرة بعد دخولها، وأن هذه الدائرة تغني عن جميع الطرق، وأن دائرة رسائل النور واسعة وتلاميذها كثيرون، وأن الرجل العاقل لن يترك هذا المسلك القيم مثل الألماس ويدخل المسالك الأخرى.

وقبيل الختام يبدأ الانتقاد، حيث إنه يدافع عن رسائل النور وتلاميذها ولكنه يقول إنهم أنكروه وتركوه بلا شاهد، وأن كثيرا من المنتسبين أظهروا ميلا للانشقاق للبحث عن مسلك آخر، ولكنه يفضل تلاميذ رسائل النور الصادقين من أمثال علي الصغير من "قولة أونو[1]" ولطفي على وليٍّ كبيرٍ خارج دائرة رسائل النور.

ويقوم ببعض الاستخراجات للمعاني من خلال الحساب الأبجدي والجفري، يذكر منها:

أن المادة المائة وثلاث وستين التي يراد تطبيقها في حقه تتوافق مع عدد النواب المائة والثلاث والستين الذين يطالبون بمراقبته[2].

وفيما عدا أجزاء رسائل النور لسعيد النورسي المذكورة بإيجاز إلى هنا؛ يتبين أن المتهم المعتقل خسرو المرتبط بهذا الأمر وغيره من الأشخاص من خلال تفتيشهم وتفتيش بيوتهم ومتاجرهم وجدت -كما هو مسجل في أوراق المحضر الخاصة بتفتيش كل واحد منهم- وثائق ومراسلات مذكورين تدل على ارتباطهم ببديع الزمان الذي هو مؤسس التنظيم وعلى ارتباطهم بالتنظيم نفسه، ونظرا للتدقيقات التي أمرنا بها بعلم الخبراء يتبين أن بعضا من هؤلاء المتهمين كما هو مسجل في التقرير الخاص بكل واحد منهم؛ ساعدوا في نشر تنظيم الطريقة النقشبندية التي أسست بالاشتراك مع سعيد الكردي، وأن بعضا منهم أصبحوا نقشبنديين فعلا، وأن تلاميذ رسائل النور خدموا أهداف سعيد من خلال المراسلات مشتركين في نشاطاته اشتراكا ماديا ومعنويا.


 


[1]    قرية تابعة لمحافظة إسبارطة غربي تركيا.

[2]    لقد فهموا فهما مغايرا تماما. (المؤلف).



447. صفحة

وعليه فإنهم جميعًا اتخذوا المشاعر الدينية أداة، وحرضوا الشعب على القيام بتصرفات يمكن أن تخل بأمن الدولة ونظامها، وأنهم قدموا مساعدات لتشكيل تنظيم رسائل النور، وكل ذلك يتبين من شهادات الشهود الذين سُجّلتْ أقوالهم أقسموا عليها عند التحضير والتحقيقات الأولية، ومن أوراق المحضر الخاص بالتفتيش، ومن التقرير المقدم من الخبراء، ومن اعتراض المتهمين بتأويلاتهم، يتبين الواقع.

إن تصرفات هؤلاء المتهمين بموجب مواد القانون الجنائي التركي 163/1-2، 173، 313/64-65.

باسمه سبحانه

أقوال خسرو التي أدلى بها في محكمة دنيزلي الجنائية

3 شباط 1944

سيدي:

لم أقطع علاقتي الوثيقة التي تمتد منذ زمن بعيد بالسيد بديع الزمان الذي استفدت جدا من كتبه الدينية بالقراءة والكتابة، وقد قرأت تقريبا جميع كتبه التي تسمى رسائل النور، وكنت معه في بارلا وإسبارطة وفي سجن أسكي شهر، ولم أقطع مراسلتي معه بعد ذلك، فأنا ابن مخلص لهذا الوطن، وفرد من أفراد الأمة التركية، وعاشق جدًّا للفضيلة التي يحثنا عليها التدين والإسلام، وأفتخر بالصلاح وبحب الصالحين وبصحبتهم وصداقتهم، وأنا فرد يسعى لمثل هذه السجايا السامية، وقد اتصلت بالسيد بديع الزمان قبل أكثر من اثنتي عشرة سنة بلطف خالقي وقرأت كتبه، فعرفت من خلال قراءتي لتلك الكتب قدسية الإسلام السامية وأنه يعلم الفضيلة العالية جدًّا، ورأيت من الدلائل البارزة التي تدل على أن رسائل النور ومؤلفها يسعيان من أجل سعادة الدارين لهذا الشعب


448. صفحة

ما لا يمكن عدم الإعجاب بها، فها هي محكمة أسكي شهر ومحكمة إسبارطة لم تمنعا قراءة وكتابة هذه الرسائل التي هي تفسير حقيقي عال للقرآن، ولكننا لا نستطيع أن نتخلص من الاتهام، فنحن نبقى قيد الاعتقال منذ ستة أشهر في محكمة أسكي شهر ومنذ شهور في محكمتي إسبارطة ودنيزلي؛ لأننا لا نقطع ارتباطنا بهذه الرسائل الإيمانية البحتة، وقد أجبت هنا وفي إسبارطة بصفة الشاهد مرات عديدة عن الأسئلة الموجهة إلينا بلسان واضح جدًّا وليس بصفة المجرم بين يدي هذه المحكمة العليا كما يُظن، وما يدَّعى لاتهامي هو بضع جمل لا تناسب آراء هذا الزمان في بعض من رسائل النور التي عثر عليها عند تفتيش داري، ووجود توقيعي عليها، والعثور على بعض ما كتبت إلى إمامنا بديع الزمان من مراسلاتي القديمة والجديدة، وجميع مراسلاتي القديمة البالغ عددها مائة وأربعين مراسلة مرت جميعها بمراحل محكمة أسكي شهر، وقد برأت تلك المحكمة ساحة مائة ونيِّفٍ من أصدقاءنا بينما قضت بعقوبتي وعقوبة خمسة أو ستة من أصدقائي الماثلين أمامكم الآن استنادا إلى المادة 163 بقناعتهم الخاصة من عندهم بناء على احتمال ما، مع أن النقاط المسندة لاتهامنا هذه المرة كانت موجودة آنذاك أيضًا، وقد قالوا لنا إنكم تمارسون نشاط طريقة، وتنظيم، وتحرضون الناس على الحكومة، فمع أن مائة وعشرين من الرسائل بجانب مائة وعشرين من المتهمين ظاهرون فهل من الممكن عدم الاستغراب من لجوء محكمة أسكي شهر إلى قناعتها الخاصة من عندها لتسجننا ؟! وقد أجبرني مرض لم أَجِدْ فرصة لعلاجه في خضم الحرب العالمية الأولى المؤلمة المرهقة التي تسببت في كثير من الحرمان، وفي أثناء الكفاحِ الوطني وحادثة أسكي شهر وغيرها من الأحداث الأليمة؛ أجبرني على الإقامة في بيتي طوال السبع سنوات في السنوات الأخيرة.

وقد اُسْتنفرتُ إلى الجيش للمرة الثالثة قبل سنتين، فأنا أعلم أن هذه الوظيفة القدسية فريضة إلهية، وأديت الخدمة العسكرية مدة سنة ونصف برغم مرضي من أجل الحفاظ على الوطن ولبقاء هذا الشعب، وسُرّحتُ بعد ترقيتي إلى رتبة ملازم


449. صفحة

أول، وعلى الرغم من مضي تسع سنوات منذ محكمة أسكي شهر حتى الآن لم يسجل أي شيء من الاتهامات الموجه إليّ الآن، ولم يقم أحد في بلدتي من جيراني الضباط الكثيرين الذين صادقتهم عند القيام بوظائف مختلفة كقيادة سَّرِيَّةٍ وضابط فصيلةٍ وضابط اتصالاتٍ وضابط ماليةٍ ضمن فرقتين وثلاثة ألوية وأربع كتائب؛ بأي إخبار عن أني أحمل أفكارا سلبية؛ فليس هناك ما يناسب الغايات والأهداف المتوقعة التي اتهمت بها، فما قضيت من سنة ونصف السنة من حياتي في الجيش، وسبع سنوات من حياتي في إسبارطة، وما قضيت في السجن تحت مراقبتكم الآن، كلها؛ نظيفة بيضاء.

أجل؛ إنني أتقدم لمحكمتكم العليا أننا في الحقيقة ضحايا ذوي النوايا السيئة وغير مجرمين، وبيننا من ذاق مرارة الأسر، ولسنا جاهلين بمعنى الأمة والحكومة، فلا تسحقونا أكثر من هذا بإضافة عقوبة جديدة إلى العقوبة القديمة، فأقوالي الآتية التي قلتها في محكمة أسكي شهر أكررها الآن مرة أخرى في محكمتكم العليا: "إن إمامنا لم يعلمنا دروس الطريقة، فهو لا يكذب، وقد سمعت من فمه مرارا ونحن مازلنا في إسبارطة أنه ترك السياسة منذ زمن بعيد، ونحن لسنا أتباع أية جماعة، ولكننا أفراد متدينون من هذه الأمة المسلمة".

خسرو

باسمه سبحانه

أقوال أدلى بها في محكمة دنيزلي الشهيد المرحوم الحافظ علي الذي توفي وهو معتقل في سجنها

سيدي !

لقد اتهمت عند القاضي والنيابة العامة في إسبارطة اتهاما لا أصل له يتعلق برسائل النور بما ينافي الحق والحقيقة تماما، فأجبت عن أسئلتهم بـ "لست


450. صفحة

أنا" ليس هروبا من رسائل النور بل اجتنابا لذلك الاتهام، حتى إن النائب العام حلّفني بوجه غير قانوني وسألني: ألست أنت الحافظ علي المذكور في رسائل النور؟ ومع أني سكتّ ولم أحلف، إلا أني شعرت أنّ لدى قاضي الاستجواب هنا حسا عاليا بالضمير ويحمل نخوة إسلامية، وتوقعت أن تتجلى العدالة والحقيقة، فقلت: "أنا الحافظ علي المذكور في رسائل النور". إنني وجدت رسائل النور كتابا عظيما يبين الحقائق الإيمانية والقرآنية والكونية بالبراهين القاطعة ويوجه أنظار الناس إلى الآخرة، ويحبب الآخرة أكثر من الدنيا، واستفدت منها استفادة عظيمة.

ومن الغرائب أن هذا السر كشف في ورقة الادعاء وسجل فيها أن "هناك زرع لأفكار دينية تنسي الدنيا"، ولكن كيف يمكن التوفيق بين هذا وبين الاتهامات الموجهة إلينا بأننا نسعى لتأسيس تنظيم سياسي وطريقة صوفية، ونحرض الناس على الحكومة ؟!

أجل؛ إنني أعتبر نفسي على علم بأخفى أسرار إمامنا بديع الزمان سعيد النورسي وأدقها منذ اثنتي عشرة سنة، كما أني قرأت أكثر أجزاء رسائل النور بالفهم، فلم أرَ في رسائل النور ولا عند إمامنا أمارة أو ميلا يضر بالأمن والسلام، بل تعلمت منهما مبادئ الأمن والسلام، ولم أوجه محكمة في حياتي إلا هذه المرة ولا أعلم مراحلها، كما أني علمت من خلال أقوال الجماعة النورانية التي تقف مثلي بين أيديكم باعتبارهم مجرمين أنهم مثلي، فَبِمَا أنني لا أتخيل وجود قانون يعاقب أحدا من أهل القرآن وأهل الآخرة يقرأ رسائل النور النابعة من الإعجاز المعنوي للقرآن الكريم ويسعى للاستفادة منها من أجل آخرته فقط؛ فإني أطلب براءتي من محكمتكم العليا من الجرائم الموجهة إلي كتأسيس تنظيم سياسي، وتأسيس طريقة، وتحريض الناس على الحكومة وغيرها، لأني لا علاقة لي بها.

الشهيد المرحوم الحافظ علي


451. صفحة

باسمه سبحانه

دفاع صلاح الدين شلبي

النسخة الأصلية منه قدمت لمحكمة دنيزلي الجنائية        3 حزيران 1944

لقد تبين صراحة من تقرير اللجنة المتخصصة عدم وجود الجرائم الموهومة الموجهة إلينا، وبناء على ذلك فإني بين يديكم أدلي بأقوالي بصفة شاهدٍ وليس بصفة مجرمٍ حسب ضميري، لقد أثار حديث العلماء المشهورين في إسطنبول من أمثال أمين الفتوى الشيخ علي رضا والشيخ حمدي الألماليلي فيما بينهم قبل هذا التاريخ بست أو سبع سنوات عن أن علم إمامنا بديع الزمان وهبي، وحديثهم عن هذه الشخصية التي أجابت عن الأسئلة التي سألها الأسقف الأول للكنائس الأنجليكانية والقائد العام الياباني لعلماء الإسلام، والتي سحرت جميع العلماء بعلمها وأعجبتهم والتي تركت الدنيا منذ ما يقرب من عشرين سنة، أثار رغبتي في زيارة هذه الشخصية التي يقيم بالقرب منا.

أجل؛ لقد كنت شابا في الخامسة والعشرين من عمري منغمسا في ملذات هذا الزمان وسفاهته، ولما كنت أعلم حرية الدين فقد وجدت في وجود هذا العالم الكبير الذي يسكن في محيطنا فرصة، وزرته من أجل تعلم الفرائض الدينية التي تلقيتها عند تعليمي الأول وعند تعليم والديّ لي، ومن أجل تقوية عقيدتي الدينية وإصلاح نفسي، حتى أنني سألت عنه حارس المخفر الذي يقع تجاه مسكنه ودلني على بابه، ودخلت من دون مانع، وقبّلت يده، وطلبت منه الدعاء لي وتضرعت إليه -لله تعالى- أن يرشدني وينورني إلى إنقاذ إيماني، ولما شعر أني أفهمه بصعوبةٍ أخرج قرطاسا مليئا بجمل وجيزة عن الإيمان والآخرة، واستأذنته في أخذه لقراءته، ولكنه ما كان يسمح لأخذه إلى الخارج، وفي النهاية وُفقت لهذا بعد ما ألححت عليه في الطلب على أن أرده إليه، واستنسخت نسخة منه وأعدته إليه، وبهذه الطريقة استنسخت جزءاً من رسائل النور لسلامة دنياي وآخرتي، فلم يحدثني في زياراتي هذه عن التنظيم ولا عن السياسة ولا عن الطريقة، بل لم يسمح لي بالحديث عن الأحداث الدنيوية، وكان يقول دائمًا: اسعوا لإنقاذ


452. صفحة

إيمانكم وآخرتكم، وكان مكتوبا على الباب أنه ممنوع البقاء عنده أكثر من خمس دقائق، وإذا تجاوز أحد هذه المدة كان يقول له: أهلا وسهلا بك، ويودعه.

إنني أرى أن رسائل النور ترشحت من آيات القرآن الكريم، وكُتبت بالأسرار القرآنية وبالأمثلة، وبجمل منطقية أدبية فلسفية، وتظهر الحق والحقيقة كالشمس لكل طبقة من طبقات البشر، ولا تدع مجالا لئلا تأخذ جاذبيتُها من يقرأها بإمعان، ولاسيما مبتدئا مثلي؛ لأن رسائل النور تصلح ولا تفسد، وسجن دنيزلي مثال لهذا، فكل من مدير السجن وحراسه شاهدون على أن أعتى السجناء الذين عاينوا لسان أحوالنا تحولوا إلى أكثر الناس طاعة، وأن من قتلوا رجلا أو رجلين أصبحوا يخافون من قتل البَقَّةَ.

إنني لمست بعض التغييرات النافعة لديني وأمتي وبلدي في حياتي الاجتماعية، وخلال ما يقرب من سبع سنوات تُبُودِلَتْ بعض المراسلات والتهنئات بالأعياد يطلب فيها الدعاء من مؤلف هذه الكتب التي أصبحت مرشدا لي وتحتوي على شكره، وبعض المراسلات الشخصية من بعض أصدقائي تتضمن كلمات مجازية ورمزية، فإذا قورن بين هذه المراسلات وما كتب ردا عليها فسيتضح أنها كتبت بحسن النية والصدق، وأنها ليست إلا ثمارَ إيمان قوي، فكلمة "المحرك" التي ذكرها مقام الادعاء هي كلمة مجازية، فقد قلت لإبراهيم الذي هو صديق طفولتي وزميلي في الجيش والمدرسة بسبب أخطاء نفسي الكبيرة وصيانة من الحالات الحلوة في الظاهر والمؤلمة في الحقيقة: "نشغل المحرك ببركات دعائكم دون توقف"، فأين بدني من المحرك الذي ذكرتموه؟!

وقد أَثبتتْ نتيجة تحليل المراسلات وتدقيقها حسن نيتي في التقرير المعتمد، وحتى لو أعطيت بعض أصدقائي من هذه الرسائل للقراءة برغبتهم فإني أعلم أن إعطاء مثل هذه الكتب الدينية لمن يريدها ليس ممنوعًا بل هدية إسلامية يثاب عليها المرء، وهو من شعائر الإسلام وديْن على كل مسلم ثابت بالآيات والأحاديث، وعدم إعطائها ذنب.

 وكما ثبت في محضر التفتيش فليس هناك حتى كلمة واحدة ضد الحكومة ولا ضد الدولة ولا ضد النظام ولا ضد الشعب في الرسائل والمراسلات التي


453. صفحة

سلمتها بيدي في أنقرة، ولا أعلم أن له كتابا فيه مثل هذا ولم أره، وإن تجريم شخص قرأ في أنقرة مؤلفات مفيدة لمؤلف ما بسبب العثور على كتاب لنفس المؤلف عند شخص لا يعرفه في "خومة[1]" التي لم يسمع باسمها؛ لاشك أنه ليس من القانون ولا من الضمير.

ومن الصريح في المادة المعنية في الدستور وفي لائحة الأسباب الموجبة للقانون المدني أن أحد أسس الحكومة الستة هو العلمانية، فكما لا يُـمَسّ الملحدون ولا السفهاء حسب دستور حرية الضمير، فيجب ألا يـُمَس المتدينون وذوو التقوى أيضًا، فاستنادا إلى المادة 175/176 في القانون الجنائي التركي "من أساء إلى دين شخص وعبادته وتعدى عليهما عوقب"، فإن قيام كل شخص حر في دينه بعبادته بحرية وتعلمه دينه؛ من حقوقه الصريحة.

وهناك مقالات دينية وأخلاقية تنشر استنادا إلى حرية الرأي والضمير في الكتب والمجلات والصحف اليومية، وتُعرَض الكتب التي تعارض الأديان والنظم المختلفة بحرية في المكتبات، وقد كنت غارقا في (الكفر المشكوك)[2] عندما بدأت أقرأ كتب مؤلف رسائل النور الدينية والأخلاقية التي أهداها للبشرية ولاسيما المجتمع الإسلامي في سبيل الله تعالى دون انتظار أي أجر مادي، فأدركتني رسائل النور لنجدتي كرجال الإنقاذ، فأنقذتُ دنياي وآخرتي من الإعدام الأبدي والحمد لله، ولهذا فإني أرى أن الشكر دين عليّ لشيخي في حضور محكمتكم العليا.

خلاصة القول: إنني لم أقم بما يثير النوازع الدينية ولا بما يخل بأمن الشعب والدولة ولم أحرض عليهما أحدا، ولم يحرضني أحد، وليس هناك طريقة أو تنظيم، وإنني أوافق المؤلفات العلمية والمفيدة لرسائل النور حسب التقرير الذي أصدرته الهيئة العليا المتكونة من الأشخاص المتميزين المختارين المعروفين في العالم الذين يتمتعون بمزايا مختلفة ويفتخر بهم الشعب ووزارة التربية والتعليم،



[1]    قرية تقع شمال محافظة دنيزلي غربي تركيا.

[2]    ذكر تفصيل الكفر المشكوك في الإشارة الثامنة من اللمعة الثالثة عشرة التي تسمى رسالة حكمة الاستعاذة في كتاب اللمعات.



454. صفحة

وبينما كنت آمل من هذه الهيئة أن تبين أن رسائل النور التي تشغل الحكومة والقضاء اللذين هما مقام الادعاء ليس لها ضرر بالشعب والحكومة، بل إنها مفيدة، وأن تطالبَ ببراءتنا بتفسيرات قضائية؛ إلا أنني أُصبت بخيبة الأمل عندما تجاهلت الهيئة كل ذلك للأسف، وأسندتْ إليّ بإلحاح وتطبيق في ورقة الادعاء الأخيرة نفسَ ما ورد في ورقة الادعاء الأولى التي قُدّمتْها استنادا إلى تقرير الخبراء المحلي الناقص غير العلمي الذي تسبب في استمرار اعتقالنا، وقد وضحتُ وأثبتُّ أني شاب من أمتنا النجيبة نقي السريرة يسعى لإصلاح نفسه، ولنفع البشرية.

إن الدلائل التي لا تردُّ والتي ظهرت بقناعة صريحة من الهيئة المتخصصة العلمية ذات الصلاحية جعلتْ كل التقارير عديمة القيمة، وفندت الأطروحة التي قدمها مقام الادعاء ونقضتها، وأنا أرفض كل الاتهامات، وأطلب قبول التقرير الخاص الذي يحتوي على التفسيرات والقناعات العلمية وتطبيقه باحترام، وأنتظر براءتي من تجلي العدالة في المحكمة السامية مع إعادة حريتي الشخصية وحقوقي في الحكومة باعتباري موظف، وإعادة كتبي ورسائلي ومذكراتي الخاصة التي صودرت مني.

محمد صلاح الدين شلبي الذي اعْتُقِل أثناء دراسته

في دورة حراسة الجمارك في أنقرة

باسمه سبحانه

أقوال أدلى بها خليل إبراهيم من ميلاس[1] في المحكمة

سيدي !

أرجو أن تسجل أقوالي القصيرة هذه في المحضر، لم يسجل في ورقة الادعاء ولو حرف واحد حول التنظيم أو الطريقة في رسائل النور وبالتحديد في رسالة المعجزات الأحمدية التي تسمى المكتوب التاسع عشر التي وقعت في يدي قبل حادثة أسكي شهر، وصودر الكثير من رسائل النور في تلك



[1]    بلدة تقع غرب تركيا.

 



455. صفحة

الحادثة، والباقي منها أَخذ بعضه أحمد فيضي بإصرار منه، ثم بقيت عندي نسخة المعجزات الأحمدية ووقعت هذه المرة في أيديكم؛ لأنه ليس هناك شيء من تلك الاتهامات، وقد أُخِذْتُ إلى المحكمة من جراء هذه المؤلفات التي استفدت منها كثيرا في تعلم ديني وتقوية إيماني وإصلاح أخلاقي، والتي سبق أن جرَت محاكمتها، وقد تزلزلت مكانتي في الحياة الاجتماعية، وتعرضت لخسارة مادية كثيرة، وإني أحب الأخلاق الحسنة والخير، وأقرأ الكتب العلمية والأخلاقية والدينية، ومتدين أعيش لحالي، وليس لي أية أخلاق سيئة ولا أعتدي على أحد الحمد لله، ولم تسجل الحكومة أية مشاجرة لي مع أي أحد بسبب الأذى، وأنا أعتز بأن أقول بالصراحة وبلا تردد أني أدين وأشكر موازين رسائل النور التي هي وسيلة لمثل هذا الصدق وهذه الاستقامة والتي اتهمها الخبراء –حاشاها- بأنها تنظيم أو طريقة.

هيئة القضاء الموقرة !

إنني أقول بصفة شاهد مسلم متدين وبمقتضى القانون التركي:

إن رسائل النور ليست طريقة حتى تكون تصوفًا، وليست لها غاية دنيوية حتى تكون تنظيما، بل هي حقيقة علمية تمنع من الخدع السياسية، ولو فحصتها هيئة علمية لتبين أنها فوق جميع الكتب المكتوبة حتى الآن، على سبيل المثال:

إن الكلمة الخامسة والعشرين التي لم يسجل الخبراء ضدها ولو حرفا واحدا؛ تثبت أن القرآن كلامُ الله تعالى إثباتا قاطعًا، والكلمة العاشرة والكلمة التاسعة والعشرون؛ تثبتان وتبينان وجود الحشر والملائكة بحيث تُريانهما للعميان، والكلمة الثانية والثلاثون وغيرها مما يماثلها؛ تذكر الحقائق الإلهية والكونية وتبينها بيانا واضحا بحيث يستفيد منها أكبر عالم وأعظم فيلسوف كما يستفيد منها أناس من ذوي التعليم الابتدائي مثلي، حتى إن رسائل النور تثبت وتبين مسألة الثور والحوت التي تعرضت للاعتراضات الكثيرة منذ ألف سنة وحيرت العقول، فلو كانت قراءة مثل هذه الكتب العلمية الدينية وتقوية الإيمان تستلزم العقوبة فأنا أقبلها بكل افتخار.


456. صفحة

وأنا شاهد بوقائع كثيرة جدًّا مثل كل الناس على أن الموت موجود في سجن دنيزلي، وموجود أيضًا في بيت العائلة في بلدتي، وقانع به.

وإذا كان قانون العدالة يتجلى في حقنا تجليا كاملا فأنا أقول لمن أصبح وسيلة لذلك: جزاكم الله خيرا.

خليل إبراهيم

باسمه سبحانه

وهذه أيضًا أقوال خليل إبراهيم من ميلاس

دفاعي المقدم إلى الرئاسة العليا لمحكمة دنيزلي الجنائية

سيدي الموقر

إن النيابة العامة التي تعتدّ بتقرير الخبراء في دنيزلي المرفوض من قبلنا جميعا وليس له أي حكم باعتبار النتيجة؛ تطالب بعقوبتنا، وإن الرسائل التي تبلغ عددها حوالي ثلاثين رسالة والتي كبّرها التقرير في حقي ولم يتحدث عن مضمونها ولا عن من أرسلها، عبارة عن رسائل الأقرباء والجندية وغيرها مما تكون عند الجميع، ولا تتعلق بهذا الأمر، وعبارة كذلك عن الرسالة المسماة المعجزات الأحمدية التي كبرتها بأنها رسائل، وهي رسالة لم تظهر لها في محتوياتها في كلا التقريرين أي علاقة بالسياسة ولو بكلمة واحدة، وانتهى حسابها بالقناعة الوجدانية لمحكمة أسكي شهر كما بيّنتُ في قولي الأول، ومرت من تدقيق محكمة إسبارطة عدة مرات ثم أعيدت إلينا.

لم يعاقب أي قانون في أي بقعة من بقاع العالم أحدا مرتين بسبب حادثة واحدة.

هيئة القضاء الموقرة، لم يَثبُت ادعاء التنظيم ولا تحريض أحد، ولا أي حال من أحوالي التي يمكن أن يخل بأمن البلد لا في تحقيقات الشرطة الأخيرة، ولا في الاستجواب الأول، ولا في جميع مراحل المحكمة، ولا في التحقيقات الأخيرة


457. صفحة

التي قام بها مقام النيابة في بلدتي والموجودة في ملف المحكمة، إلا أنه قد تبين أن خبراء أنقرة الذين هم هيئة علمية وفنية، وواقفين على حقيقة الوضع، ومتخصصين في العلم ذكروا وبينوا أنهم يصدقون -مستندين إلى تقاريرهم العلمية- أن هذه المؤلفات لرجل مبارك عالي القدر بلغ السبعين ولا علاقة له بالدنيا، ولا تعرف قيمته للأسف والتي تحمل الاسم المبجل رسائل النور المترشحة من المعجزات المعنوية للقرآن الحكيم؛ مؤلفات علمية ودينية وأخلاقية، وتدعو بأسرها إلى الخير والفضائل وسعادة الدارين، وأننا –كتلاميذ رسائل النور- أصحاب نوايا حسنة، وبناء على ذلك فإني أترك تقدير وضعنا البريء فورا إلى عدالة محكمتكم السامية وأطلب براءتي بكشف الحقيقة.

خليل إبراهيم

 

باسمه سبحانه

دفاع إحسان سرّي من قسطموني

إلى الرئاسة العليا لمحكمة دنيزلي الجنائية !

 لقد أُخِذْتُ معتقلا بين يديكم بتهمة الانضمام إلى التنظيم المشار إليه للإخلال بأمن البلد من خلال اتخاذ المشاعر الدينية أداة، وقد اعتبر أنني انضممت إلى ذلك التنظيم استناداً إلى ورقة الاتهام المقروءة في الجلسة السابقة من قبل مقام النيابة وطُلب عقابي بناء على دلالة المادة 163 وأحكام مادتي 173 و313، وإني مطمئن إلى أن براءتي الواضحة لن تبتعد عن أنظار عدالتكم، وأنا أقدم لهيئتكم السامية دفاعي هذا الذي يعرض ويوضح الأفعال والمستندات والجزاءات القانونية المقدمة باعتبارها أدلة للتهمة في ورقة الادعاء والمذكورة بأنها معدودة من عناصر التهمة.

لقد عُثر على كتابة تحتوي على حقائق علمية وأحكام تتعلق بالرد على عقيدة وحدة الوجود مقتسبة من إحدى أجزاء رسائل النور بين أغراضي


458. صفحة

الشخصية في تفتيش من قبل النائب العام في موضع من رسالة مرسلة من أختي في قسطموني قبل ثلاث سنوات ونصف، وهذه الكتابة تُقدم باعتبارها دليلاً على التهمة، وقد أُثبِت وأُظهِر بتقرير هيئة علمية متخصصة أن مؤلفات رسائل النور التي تبين إعجاز القرآن الحكيم وتوضح معاني الأحاديث الشريفة وتثبت مدلولها؛ تقوم بالإرشاد في الدين والأخلاق ولا تحرض الناس على الحكومة باتخاذ المشاعر الدينية أداة.

إن المادة 163 من القانون الجنائي التي يطالب مقام الادعاء بتطبيقها عليّ تشير إلى أن "من يحرض الناس على القيام بما يخل بأمن البلد ويؤسس تنظيما في سبيل ذلك باتخاذ المشاعر الدينية أو باتخاذ ما يعد من المقدسات الدينية أداة يعاقب"، وفيها تصريح بأن الذين ينضمون إلى مثل هذه التنظيمات يعاقبون وفق المادة 313 من القانون، وأنه يجب التحقق بكل الشروط والدلائل من وجود تنظيم أسس ضد الدولة وإثباته، وتبين المادة 313 أن "خمسة أشخاص أو أكثر إذا أسسوا تنظيما من أجل ارتكاب جريمة ضد قوة المحكمة أو ضد أمن العامة وسلامتهم فإنهم يعاقبون"، ومن أجل استعمال حكم هذه المواد التي يراد تطبيقها عليّ لابد من توفر العناصر الإجرامية وتحديدها بالأدلة المادية، مع أن الأفعال التي يراد وصفها بالجرم هي مؤلفات تسمى رسائل النور تظهر كثيرا من الحقائق الدينية والاجتماعية، ولكن قد بُين في التقرير الذي يبين نتيجة تدقيق شخصيات متخصصة من ذوي العلم الرفيع المشكّلة تحت إشراف ومراقبة نائب ذي صلاحية عينته رئاسة محكمة أنقرة الجنائية أن الحادثة التي تشكل موضوع القضية ليس فيها قصد التنظيم والطريقة وليس فيها أي فكر ومقصد يخص سياسة الحكومة.

إنني أعتقد أن المطالبة بالحكم ببراءتي، وتحقيق إطلاق سراحي وليس تعيين عقوبة في حقي من شعار العدالة باعتبار أن لا أحد يمكن أن يعاقب بسبب فعل لا يعده القانون جرما صراحة حسب المادة الأولى من القانون الجنائي، وأن عدم وجود القصد في الجرم يرفع العقوبة حسب المادة الخامسة الملزمة من القانون الجنائي.



459. صفحة

وإنني أطالب إنصاف هيئتكم السامية وعدالتها بالحكم ببراءتي باعتبار أن قراءتي بدافع ديني بحت لبعض الكتب التي ثبت عدم علاقتها بالأمور الدنيوية؛ لا تعد جرما حسب القوانين الجارية، وأطالب بإعادة ما يخصني من الكتب والمراسلات وغيرها التي أخذتْ مني بعد التفتيش بتطبيق المادة 103 من القانون الجنائي.

إحسان سري

باسمه سبحانه

دفاع أحمد نظيف شلبي من إينابولو

هيئة القضاء الموقرة

إن النيابة العامة ظلت تحافظ على شدتها وقسوتها ضدي منذ البداية حتى النهاية وهي لا تزن وظيفتها السامية بميزان الحق والعدالة، وهي تطلب معاقبتي مستندة إلى أدلة وأسباب تافهة لا مكانة لها في القانون ودون أن تراعي حقوقنا التي هي وظيفتها الأصلية من خلال وضعنا في طرف واحد في إحدى كفتي ميزان العدالة الواضحة الطاهرة وعليه فإني أثبت أن هذا الطلب ليس في محله وذلك:

لقد بينت في أقوالي الأولى والأخيرة أني عرفت بديع الزمان اسما دون أن أراه قبل حوالي أربعين سنة أثناء دراستي الأولى في المدرسة من مقالات أعمدة الصحف الطويلة المادحة له مثل كل الناس، ولكن ادعاء النيابة العامة جاء خلافا للحقيقة بأني اعترفت أني أعرفه منذ أربعين سنة.

إن إهداء بعض الرسائل الدينية من رسائل النور إلى بعض الأحباب والأقارب من أجل قراءتها بطلب منهم يعد من شعائر الإسلام، ولا يمكن أن يكون لوجود المؤلفات الدينية والأخروية البحتة التي ليست لها أي خصوصية والتي قسم مهم منها عبارة عن آياتٍ وأدعيةٍ وصلواتٍ، وبعض منها يتحدث عن


460. صفحة

معجزات النبي صلى الله عليه وسلم، ولا علاقة لها بزماننا وبدنيانا؛ لا يمكن أن يكون لوجودها في يد رجل أدار ظهره للدنيا وجبهته للمقبرة أية صلة بتنظيمٍ ولا بالطرق الصوفية ولا حتى بالتحريض، فضلا عن أن هذه المؤلفات دُقّق فيها وفُحِصَتْ من قبل هيئة علمية متخصصة عالية، وبُيِّن أنه ليس هناك أي هدف من هذا القبيل، وبينت براءتنا الكاملة بيانا رسميا، ولكن مقام النيابة تغاضى عن ذلك، وأصر على المطالبة بمعاقبتنا حسب تقارير الخبراء القديمة التي لم تبق لها أية أهمية.

إن النيابة العامة تقدم هذا الكلام المكتوب "إن رسائل النور وتلاميذها نحن الذين تعلمنا منها لا يمكن أن نتخذ رسائل النور أداة للدنيا كلها ناهيك عن السياسات الدنيوية ... إلخ"، وهذا الكلام الخاص بصلاح الدين شلبي وبملفه المكتوب حول دفاع حقيقي يزيل وصمة التهمة القبيحة التي يراد تلويثنا بها، تقدمه النيابة دليلاً للتهمة خلافا للحقيقة كأنه يخصني.

هل الاستدلال بذهابي إلى التنزه مع بعض أصحابي في يوم إجازة بين الناس عند منبع ماء "الجامع المعروف" الذي هو متنزه صيفي عام في إينابولو والواقع قرب سفح تل الإسلام وفي حدود البلدية بجوار حي الآوارة، هل يكون الاستدلال به على الاتهام وتقديم "تل الإسلام" على أنه جبل الإسلام بقصد التطابق مع القانون المجرّم؛ تنظيما ؟! أو هل يعد جرما؟ فهل تلويث وجوهنا الطاهرة بمثل هذه الاتهامات القبيحة ينسجم مع العدالة ؟

هل تكون الكتابة التي لا تخص ملفي -على شكل دفاع حقيقي- دليل جرم؟! وكما أن تنزه مواطن حر في أي متنزه عام في يوم إجازة، والغناء وإقامة أفراح وقراءة الجرائد فيه ليست ممنوعة؛ فلاشك أن قراءة الكتب والمجلات لا تكون ممنوعة ولا يمكن أن تكون، وحتى لو قرئت بفرض المحال فبما أن هناك بحثًا عن تنظيم سري منَّا فإنه لا مكانة لأي جماعة سرية مثل قراءة شخصين أو ثلاثة كتابا أو تكوينهم تنظيما بين ظهراني مئات من الناس في مثل هذه المتنزهات العامة ولا يمكن أن تكون، وإني أرجو


461. صفحة

أن توضع نصب العين ورقة المحضر التي هي من بدايتها إلى نهايتها عبارة عن الأكاذيب، وتكفي لإثبات مدى شدة الهجوم الذي مارسه ضدي النائب العام والشرطة في إينابولو اللذان اتّضح تسابقهما في البحث عن دليل للتهمة ضدي وإظهاره.

إن ما يوجب كتابة المحضر هذا يدل على السلوك الاعتباطي لبعض رجال القانون لانجرارهم وراء نزعاتهم غير القانونية وقد ثبت كذبهم بأقوال الشهود الذين استمعتْ إليهم محكمتكم السامية المفوضة من إينابولو مثل الأكاذيب التي اختلقها من تسببوا في نفينا لمدة طويلة جدا في هذه الديار وإلحاق أضرار بنا لا يمكن تعويضها، وتقديم بعض من لهم علاقة بقضيتنا على أنهم شهود ضدنا بالضغط عليهم عمدا بوعد "لن نعتقلهم"، ومن ثم تغاضى مقام النيابة عن حقنا الواضح هذا وأصر على ترديداته السابقة.

ولما كانت تقارير الخبراء السابقة غير العلمية التي أُبرزت باعتبارها سببًا لاعتقالنا الأول وإحالتنا إلى المحكمة بعيدةً عن الحقيقة وصارخة إلى حد يمكن وصفها بأنها اعتباطية بحتة وتعسفية صرفة في إبرازها دليل تهمة ضدنا باستنادها المصر إلى التقارير السابقة التي لم تبق لها أية قيمة قانونية وفق التقرير الذي يلقي الضوء على الحقيقة والمقدم من الخبراء المتخصصيين من ذوي العلم المشكلين في أنقرة بقرار صائب وعادل من محكمتكم السامية، ولما كانت مطالب هذه اللجنة العشوائية ومزاعمها غير واردة وليست في محلها؛ فإننا نطلب من القضاة العادلين النقي ضمائرهم في محكمتكم العالية ذات الصلاحية أن يرفضوا جميع مزاعم مقام النيابة الموهومة الأولى والأخيرة غير القانونية ضدي والتي لا دليل عليها، وأن يحكموا ويقرروا براءتي بعد التحقيق حسب التقارير العادلة الصادرة من الخبراء في أنقرة التي تلقي الضوء بصورة واضحة على الحق والحقيقة الأخيرة وهي التي تلتها المحكمة العليا والتي قبلها مقام النيابة ولم يستطع الاعتراض عليها وتثبت براءتي إثباتا واضحا، وأطلب أيضًا إعادة الكتب الدينية المحددة بثلاث قطع وفق محضر


462. صفحة

شرطة إينابولو والتي معظمها مطبوعة وليست لها أية صلة بالتهمة، كما أطلب إعادة دفاتري وأوراقي الخاصة والآلة الكاتبة مع محفظتها ومسدسي الذي كان بحوزتي بصلاحية عسكرية مع ملحقاته ومحفظته، وأطلب إعادة جميع حقوقي القانونية والمحافظة عليها.

أحمد نظيف شلبي

باسمه سبحانه

دفاع أمين أفندي من إسطنبول

إنني متهم بأنني "ناشر التنظيم الموهوم وعنصر مهم من عناصره" بسبب ما عثر عليه في ملفي من أوراق المراسلات من قبل مقام النيابة، وإنني أبين وأشرح أن اتهامي ليس له مسوغ قانوني وأنني بريء، وذلك لما يلي:

إنني لا أعرف الأشخاص هنا ما عدا أهل بلدتي، وليست لي مراسلة مع بديع الزمان ولا مع غيره قط ضمن هذا الموضوع، فإذا فتشت الملفات فستظهر الحقيقة.

ما ورد في الملف بأن هناك "مراسلات" فهي مراسلات لا تتعلق بهذه القضية وجاءت من أماكن شتى، وقد أدركت أن الشرطة أخذتها من داري بعض أوراق المراسلات الخاصة بي والعائدة إلى محاكمتي القديمة عندما فتشتها، وهي لا تخص المحكمة الحالية، وأرجو التدقيق فيها ولو مرة واحدة، ولكن توجد في ملفي مراسالتان لبديع الزمان مكتوبتان إلى سيد شفيق، ومصطفى همدم، وشمس الدين يشيل، وإليّ أنا، وهما عبارة عن دعاء وثناء، ومراسلة مكتوبة من كل من ابن بلدتي أحمد نظيف، وابنه صلاح الدين شلبي، والمعلم إحسان أرتم، وهذه المراسلات مكتوبة بدافع حب أبناء البلدة لبعضهم.

أما مسألة كوني ناشرا، فإن كان المقصود إعطائي الكتب لأربعة من رجال العلم فقط وهم سيد شفيق، وشمس الدين يشيل، ومصطفى أوكوتجو، ومصطفى همدم؛ فإن تلك الكتب أعطيت بناء على طلبهم وكونهم مؤلفين وموظفين ووعاظا،


463. صفحة

وإعطاء الكتب الدينية لهؤلاء الرجال الأربعة فقط في إسطنبول كلها تكفي لبطلان هذا الادعاء، فلو كنت أسعى وراء غاية خاصة كالنشر وغيره كما يدعي مقام النيابة لكان يعثر على هذه الكتب عند آلاف من الناس في مدينة كبيرة كإسطنبول يتجاوز عدد سكانها المليون، والتحقيقات التي جرت سابقا من قبل الشرطة، وتلك التي تمت بأوامر أرسلت إلى إسطنبول من قبل المحكمة العليا؛ تثبت ذلك.

أما وصف مقام النيابة لي بأنني "عنصر مهم في هذا التنظيم الموهوم" فإني نظرا لكوني مقيما في إسطنبول منذ عام 1941 كان يجب أن يكون أصدقائي في التنظيم حاضرين معي في إسطنبول حسب وصف واضع القانون للقيام بنشاطاتِ تنظيمٍ، وإذا كان الأمر يقتضي أن يكون كل قارئ أو مستنسخ لكتب بديع الزمان ممارسا لنشاطات تنظيم، وإذا كان يُفهم هكذا فإنه كان ينبغي أن أكون على صلة بآلاف من الناس الذين يقرءون تلك المؤلفات وأن أكون مشغولا بها منذ عشرين سنة؛ نظرا لكون هذه المؤلفات منتشرة منذ عشرين سنة وكوني عنصرا مهما لنشرها، بيد أني رأيت واستنسخت هذه المؤلفات لأول مرة في إينابولو عام 1940، وهذا ثابت حسب التاريخ والتوقيع في أسفل الكتب التي في الملف.

سيدي القاضي المبجل، إنني شاركت في الحرب العالمية وفي الكفاح الوطني سنوات عديدة ونلت شرف الالتحاق بحرب التحرير باذلاً دمي، وقراءتي لهذه الكتب واستنساخي لها لا ينبع إلا من حسن نية وغاية دينية، وقد بينت لجنة الخبراء المتخصصة الموقرة المشكلة في أنقرة أن هذا ليس إلا من دافع حسن النية، وينص الدستور على أن الدين والضمير مقدسان.

لجنة القضاء الموقرة، بالمناسبة أريد أن أبين أنه حينما كانت جيوش الأعداء المحتلين في إسطنبول قبل بدء الكفاح الوطني في بداية عام 1335 بالتاريخ الرومي، وعندما قطع الجميع الأمل في التحرير ويئسوا، وحينما كان بعض العلماء في إسطنبول يدعون في المنابر لجيوش المحتلين ويثنون عليهم، ترفع بديع الزمان عن هذا ولم يلجأ إليه أبدا، بل إنه هاجم جيوش العدو بكتابه المسمى "الخطوات"، وطبعه ونشره دون أن يهتم بالمخاطر، وأنقذ العلماء من


464. صفحة

دسائس الإنجليز، وقرأه قادة أنقرة، ودعا مصطفى كمال صاحبَ هذا الكتاب إلى أنقرة ليكرمه، وقد بشر بديع الزمان في كتابه هذا بأن "سيظهر جيش التحرير في الأناضول قريبا وسينتصر"، فلو دُقّق في كتابه المسمى "السوانح" وكتابه المسمى "الخطوات الست" اللذين طبعهما في ذلك الوقت ونشرهما في الأوساط؛ لظهر مدى حبه للوطن والأتراك والإسلام.

إنني تركت أسرتي في حالة بائسة بسبب هذا الفهم الخاطئ منذ تسعة أشهر وأئنُّ في السجن، وأنتظر من ضميركم السامي الحكم ببرائتي وإطلاق سراحي حتى لا يبقى مجال لمظلوميتي ولمعاناة أفراد أسرتي، وإعادة أوراقي الخاصة بي إليّ الموجودة في ملفي.

3/6/1944

أمين أوزون

باسمه سبحانه

أقوال أدلى بها شايجي أمين

إنني في قسطموني منذ ثماني عشرة سنة، وأسعى من خلال محل لبيع الشاي لتأمين نفقة أسرتي المكونة من تسعة أفراد، وذات يوم ناداني ضابط الشرطة في القسم السياسي قبل ست سنوات، وأمرني عندما أكون فارغا أن أقوم أحيانا بخدمة بديع الزمان الضيف المقيم قبالة قسم الشرطة، وأصدر الأمر بذلك في مخفر الشرطة أيضًا، وقد عينتُ كذلك معتمدا بعلم مركز الشرطة لتسلم مبلغ الثلاث ليرات المخصص لبديع الزمان كل شهر من قبل البلدية، ومنذ أن بدأت بخدمته إلى وقت اعتقالي لم أسمع منه شيئا اسمه الطريقة ولا التنظيم، ولم أر اجتماعا عنده كاجتماع ثلاثة أو خمسة أشخاص ولم أسمع بذلك، بل كان بابه مقفلا من الصباح حتى الظهر، وما كان يلتقي بأحد ولا يكلمه، وكنت أقوم بخدمته الضرورية من وقت الظهر إلى وقت العصر، وكان يغلق بابه من جديد مرة أخرى، وفي


465. صفحة

اليوم التالي أيضًا ما كان يستقبل أحدا من الصباح حتى الظهر، وهذه الحقيقة التي أقدمها يمكن أن تسألوا عنها أهالي قسطموني، فإن لم أصرح هذه الحقائق فإن الله سبحانه سيسألني عنها بعظمته وجلاله في المحكمة الكبرى، وقد طلبوا منا الإدلاء بأقوالنا باستمرار تحت التهديد والضغط طوال تسعة عشر يوما، ولم يعثر على شيء في بيتي أثناء التفتيش سوى مصحفين، ولا معرفة لي بالكتابة والقراءة بالحروف القديمة ولا الجديدة، وأنا فرد نجيب من الشعب التركي، وأنا تركي ولست إيرانيا[1]، ويمكن أن أثبت أن والدي وأخي استشهدا في الجيش التركي، وبناء على هذا فإني أرجو إلغاء اعتقالي الذي أدى إلى ظلمي، وإن عدم وجود أشخاص مرتبطين بهذه القضية سوى زائرين وخادم فقط بعد التحقيقات الدقيقة التي أجرتها الشرطة في حقنا طوال تسعة عشر يوما؛ دليل قوي بلاشك على عدم وجود مثل هذا التنظيم.

شايجي أمين

باسمه سبحانه

أقوال أدلى بها حلمي بك من قسطموني

لا أعلم في رسائل النور لسعيد النورسي شيئا اسمه تنظيم سياسي ولا درس طريقة صوفية، ولم أسمع منه شيئا مثل هذا، وأنا ألتقي به منذ ثماني سنوات فلم أسمع منه شيئًا يخص النظام والحكومة والسياسة، بل كان يؤدبنا ويزجرنا بشدة عندما نتحدث عن مثل هذه الأمور، فكان يقول: "من يرغب في أمور الدنيا فلا يأتني، وقد قرأت مؤلفات الإمام لإصلاح النفس، وهذه المؤلفات إنما تتحدث عن الإيمان والقرآن والصلاة، ولم يعثر أثناء تفتيش بيتي على مراسلة ولا على رسالة، وإنني أطلب براءتي.

حلمي



[1]    هو من مدينة "وان" الواقعة على الحدود الإيرانية.

 



466. صفحة

باسمه سبحانه

أقوال أدلى بها محمد فيضي من قسطموني

هذه الأقوال ذُكرت في الجلستين الأولى والثانية في المحكمة

سيدي:

إن الذي ثبت رسميا أن في يده خمسمائة وثمانين مجلدا من الكتب العلمية والدينية لاشك أنه مشتاق إلى العلم وعاشق للحقيقة، وهذا لا يحتاج إلى دليل آخر، ولا ريب أن بقاء مثل هذا الإنسان غير مبال بعلم عالم دين قريب منه لا يمكن التفكير فيه.

لقد ظُنَّ أن قيامي بخدمة رجل مبجل لم يتخذ هدفا غير سعادة الشعب وسلامته ولا يحمل أي هدف دنيوي، وأنّ اتباعي إياه بقصد الاستفادة من فيوضاته العلمية، جرم كبير.

إنني أعرف مؤلف رسائل النور منذ خمس سنوات، وترددت إليه طوال ثلاث سنوات باستمرار لأتلقى منه درس الحقائق الإيمانية والقرآنية، وقرأت معظم مؤلفاته، فلم أجد ولا أمارة واحدة في مؤلفاته ولا في أفكاره على ما يخص تهمة القيام بنشاط الطريقة الصوفية والتنظيم المسندة إلينا، وإنني فرد من أفراد الشعب التركي العظيم السجايا وابن من أبناء هذا الوطن، وأترفع عن الكذب أمام القضاة، وأرى نفسي أمامكم شاهدا صادقا لا مجرما، وأقسم بالله أن ليس لي علاقة بتهمة ممارسة نشاط تنظيم وطريقة صوفية المسندة إليّ.

يذكر في ورقة الادعاء من ناحية أنني تارك للدنيا ومن ناحية أخرى أنني أحد العناصر الأساسيين لتنظيم ما، وإن هدف رجل متدين لا يكون السياسة، وإنني أعلم حقيقة آية "أولي الأمر[1]"، ولا يمكن أن يتوقع صدور الخيانة من رجل متدين.

أما قضية خدمة مؤلف رسائل النور فإني أكرر هنا أيضًا بأنني أفتخر أنني قمت بخدمة هذا الرجل الذي استفدت من علمه استفادة كبيرة، ولست نادما على ذلك.



[1]    يقصد الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾.

 



467. صفحة

أما أني غيرت لغتي إلى اللغة الكردية فهذا عجيب جدا، هل يمكن للإنسان أن يغير نبرته في الكلام؟! إن سكان قسطموني كلهم شاهدون على أن نبرتي في الكلام بهذه الصورة منذ صغري.

أما قضية اللحية فهي تهمة عجيبة برمتها، إن اعتبار تطبيقي لسنة من سنن الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم في شبابي جرما هل يمكن أن يفسّر إلا تدخلا في عقيدتي وحريتي؟ وإني أترك اتهامي بإظهار ميلي للآخرة سببا للسياسة الدنيوية إلى تقدير القضاة، فهل نحن مارسنا نشاط طريقة صوفية أو تنظيم معين فلم نستطع أن نخدع إلا خادمين وشخصين متلهفين إلى العلم في بلدة متدينة مثل قسطموني؟! إنني كنت أذهب إلى بيت شيخي أمام أنظار الشرطة، وكانت دائرة الشرطة تقع قبالتنا مُطِلَّة علينا، ولو استمع أحد في دائرة الشرطة لسمع الحديث الذي يدور بيننا، فهل من الممكن لشخص أدار أموره سنوات ككاتب أول في تنظيم ما ألا يجتنب ارتكاب جرم أمام أعين الشرطة مدة طويلة؟!

ورد في الادعاء أني صاحب مقام في التنظيم كالأصدقاء والتلاميذ والخواص في دائرة رسائل النور، وأني أقوم بالشئون التحريرية المتعلقة بالاتصال العلني والسري في هذا التنظيم.

الجواب: لا وجود لتنظيم ما كما ورد في الادعاء حتى أدير أموره، وتلك العبارات إنما يستخدمها المؤلف لوصف درجة سعي الذين اتخذوا مرضاة الله تعالى وخدمة إخوانهم في الدين من خلال رسائل النور غاية لهم.

لقد ظن من عبارات من أمثال "دائرة رسائل النور" كأن هناك تشكلا سياسيا، ولكن القصد من ذلك لا طريقة ولا تنظيم، بل المراد منها بعض من أهل الإيمان المتلهفين إلى إكمال حقائقهم الإيمانية برسائل النور.

إن التتلمذ على رسائل النور إنما هو عبارة عن قراءة تلك الكتب، وهي وظيفة دينية، وها هنا الآن جميع المواطنين الذين جُمعوا بتهمة الانتساب إلى


468. صفحة

تنظيم سياسي، حتى إن أبعد الناس علاقة بالقضية جيئ به معهم هنا بسبب ترداد تهمة ممارسة نشاط تنظيم، فإن كنتم ترون أن هناك وجها آخر للاجتماع حول هذه المؤلفات سوى الدين وخدمة الحقيقة من خلال رسائل النور في هذا السبيل فاقضوا وفق ذلك، واعلموا أن علم الدين لا يمكن أن يكون أداة للسياسة.

وخلاصة الكلام أنه لا علاقة لنا بتنظيم ولا طريقة، فإن كان حالي الصادق الخالي من كل أنواع الرياء سيؤدي إلى قضاء عقوبة فماذا بيدي غير "حسبنا الله ونعم الوكيل".

محمد فيضي

باسمه سبحانه

دفاع صادق بك من طاش كوبري[1]

إلى رئاسة محكمة دنيزلي الجنائية

إنني أعلم وأعرف شيخي بديع الزمان سعيدا النورسي بوصفه عالم دين يفسر ويشرح القرآن العظيم الشأن المقدس الذي ينور ديننا الحق وسينوره إلى الأبد، وقرأت مؤلفات شيخي المسماة رسائل النور -التي ذكرتُ أسماءها في التحقيقات الأولى والتحقيقات التحضيرية-من أجل تقوية معلوماتي الدينية والإيمانية والأخلاقية والاجتماعية، وأتعلم منه ما لا أعلمه مستفيدا من حرية الدين المصرح بها في القانون كفرد، واستنسخت بعضا منها، ولم أقف في هذه الكتب الدينية -التي أُتَّهمُ بقراءتها واستنساخها- على كلام ضد النظام الجمهوري، ولم أطلع على أية إشارة خفية حول ما يدعى من جهد لإنشاء طريقة أو تنظيم أو ممارسة نشاط يخل بأمن البلد وسلامته كما يدعي مقام النيابة، كما أنني لم أجد ما يدل على اتخاذ الدين والمقدسات الدينية أداة للإخلال بالأمن ولم أسمع من شيخي ما يدل على ذلك عند زياراتي له.



[1]    بلدة تابعة لمحافظة قسطموني شمال تركيا.

 



469. صفحة

إن الورقة المكتوبة الموصوفة بانها مراسلة في ورقة الادعاء ليست مراسلة بريدية أو مراسلة مسلمة باليد، وإنما هو تقريظ شخصي مكتوب على الرسالة التي استنسختها والملفوف بتلك الرسالة، وأنا لا أستطيع أن أفكر إلى أي مدى تكون للرسائل التي كتبها بعض الأشخاص إلى بعض آخر والآراء الشخصية المتواضعة الصادقة، أو لتأويلات الرؤى؛ صلة برسائل النور وبي، وبخاصة فإنني لا أستطيع أن أفكر إلى أي مدى تشكل قراءة كتاب في المنطق اسمه "قزيل إيجاز"، وقراءة مؤلفات عالمٍ سَبَقَ أمثال ابن سينا الذي يعد مصدرا لعلم المنطق في الغرب والشرق، وتَفَوَّقَ برسائل النور على العلماء في علم البيان والعقيدة كفخر الدين الرازي والسكاكي والسيد شريف الجرجاني والتفتازاني الذين تعتبر مؤلفاتهم في العالم الإسلامي منبع العلم، لا أستطيع أن أفكر إلى أي مدى تشكل قراءة هذه المؤلفات جرما.

وقد قضيت رأسمال حياتي في سكر الشباب بما لا ينفع دنياي ولا آخرتي، وأفرطت في الإسراف، وظهرت مني بعض الحالات غير المناسبة التي اتخذت حالة من الإدمان المزمن، ولكني استطعت أن أعود إلى طريق تهذيب الأخلاق بفضل قراءتي لهذه المؤلفات الدينية والإيمانية والأخلاقية والاجتماعية.

إن قريتي تبعد خمسة كيلومترات عن مركز الناحية، وأقضي أوقاتي في الناحية عندما لا أنشغل بأمور القرية، والدليل الأساسي على عدم وجود ممارسة نشاط تنظيم أو طريقة أو تحريض للناس -وهي تهمة موهومة نتهم بها-؛ هو عدم العثور على أدنى أمارة تدل على وجود هذا التنظيم أو على وجود أية دعايات لها في التحقيقات التي أجراها بحقي محافظ قسطموني بنفسه عندما أتى إلى "طاش كوبري"، وعدم تسجيل أي سلوك لي يتعلق بالجرم الموهوم الذي أُتهم به غير قراءتي لرسائل النور.

إن الحقيقة التي هي موضوع القضية لاشك أنها ستتجلى من خلال تقرير محايد تصدره لجنة الخبراء المسلّم بصلاحيتها حول هذه الحقيقة والمشكلة من العلماء وليس من خلال تقارير الخبراء غير المتخصصين الذين نظموها بناء


470. صفحة

على محاضر ناقصة مُعدّة من قبل نُقّاد غير متخصصين لا حظ لهم من العلم وعلى قراءتهم غير المحايدة لعدم تمتعهم بالشجاعة العلمية والاجتماعية، وقد تبينت من خلال التدقيقات التي قام بها الخبراء المتشكلون من رجال العلم والأساتذة المعروفين في العالم بموافقة وتعيين الدوائر ذات الصلاحية في مركز الحكومة أن فلسفة رسائل النور ومعانيها القدسية السامية التي استمدتها من القرآن حقيقةٌ لا تُدحَض.

الخلاصة: إن مزاعم مقام النيابة الخارجة عن السياق لا سند لها، وهي مزاعم داحضة، ولو كان في تقارير لجنة الخبراء السامية بعضُ السهاء وبعض النقاط التي لم يفهموها فهي أخطاء علمية، وقد وضحها الشيخ، فلا وجود لتنظيم مزعوم، ولم يثبت أني انتسبت إلى زمرة تسعى لتشكيل مثل هذا التنظيم وما خَدمتُها خدمة فعلية ولا قولية، إنني تركي معروفةٌ شجرةُ نسبي، وخدمتي وخدمة أجدادي لهذا الوطن ثابتة في التاريخ، وإنني بريء من هذه التهم.

صادق دمير أللي

باسمه سبحانه

دفاع أحمد فيضي

إلى الرئاسة العليا لمحكمة دنيزلي الجنائية

1- إن مقام النيابة يتهمنا بشّدة بأننا نمارس نشاط تنظيم، ولا يفتأ يردد تهمة التنظيم الموهوم حتى ينجح في استصدار قرار بالعقوبة بحق المواطنين الصالحين العاشقين للفضيلة مهما كان الثمن، ولكن لم تقدم مراحل المحاكمة ولا تدقيق الوثائق أي دليل صريح وإيجابي يسوّغ مزاعم مقام النيابة هذه، ولو كان مطلب مقام النيابة الأخير الذي هو تعبير عن رغبته في إنزال العقوبة في حق المواطنين حاصلا من تدقيق أوراق القضية حقّ التدقيق على الأقل وقناعةً



471. صفحة

مستندة إلى الحياد لكان مصيبا إلى حد ما، ولكن هذا المطلب للأسف سُرِدُ دون قراءة الأوراق ودون التفكير في مصير المواطنين محتويا على أخطاء عدلية وانحياز إلى طرف معين، فعلى سبيل المثال كان هناك مائة وخمسة وتسعون كتابا في يدي وسط كثير من الاتهامات الشخصية التي ذُكرت في حقي في ورقة الادعاء الأولى، وأجيب عنها في ورقة الاعتراض التي قدمتها في التحقيق وعرضتها لمحكمتكم العليا مرتين فيما بعد، وبُيِّنَ أن تلك الكتب إنما هي كتب دينية وعلمية وفلسفية مختلفة ومؤلفات في العلوم موجودة في مكتبتي، حتى إن قائمة هذه المؤلفات إن لم تكن بين الأوراق فإن أسماءها كانت طلبت من آيدين[1] باسم وضوح الحقيقة، إلا أنني واجهت نفس الاتهام في الطلب الأخير؛ لأن هذه العريضة المكتوبة بالآلة الكاتبة والموجودة منها ثلاث نسخ بين الأوراق لم تقرأ، فعدم المبالاة بمصير المواطن حالة جديرة بالأسف الشديد.

2- إن إحدى المسائل التي لم يفهمها مقام النيابة ولم يُرِدْ أن يفهمها هي العلمانية، وهذه العبارة التي هي أكثر العبارات تعرضا لسوء التفسير وسوء الاستخدام في بلدنا تفهم أنها عداء للتدين في أنظار بعض الأدمغة السطحية التي لا تدرك الماهية الحقيقية لنظام الدولة، وهي تعني الجسمانية باللغة الفرنسية وضد كلمة الروحانية، وتعني عدم إدخال الدين والمذهب والقضايا العقدية في أمور الإدارة التي يراد منها الحياد في الغالب.

أجل؛ إن هذه العبارة التي تعني البقاء خارج الفرائض الدينية في الإدارة فقط لا تعني أبدا إزالة الدين ومنع الحياة الدينية، وإهانة التدين وتقبيحه وازدراءه والتضييق عليه، بل تعني إفساح المجال لحرية الضمير من الناحية العملية في أعظم درجة، ومن ثم تعني القبول بالحرية الدينية في أعظم درجة، أما المراحل التي هي مظاهر الحياة الدينية كتعلم حقائق الدين وأداء الوظائف الدينية وحمل فكر وإيمان ينسجمان مع هذه الحقائق، وإظهار هذه الأفكار بين المتدينين فهي



[1]    محافظة في غربي تركيا.

 



472. صفحة

أنماط مظاهر هذه الحرية، ولكن للأسف فإن بعض الأدمغة السطحية التي تعد عدم الإيمان والحرمانَ من المعنويات مزية وحيدة ومهارة جديرة بالمباهاة وعلامة على التقدم، وتظن أن التقليد الأعمى لبعض تيارات الغرب الفلسفية الإنكارية القديمة البالية المتفسخة المفلسة التي دمرت روح الإنسانية في الساحة العملية بإزالة أفكار الفضيلة والإنسانية أنها أسلوب التعبير الوحيد للحقيقة؛ هذه الأدمغة السطحية ترى مظاهر الحياة الدينية المختلفة التي ظهورها فطري وضروري عند المواطنين تجاوزا لمبادئ العلمانية وهجوما عليها.

وعلى سبيل المثال فإن سعي المواطن ليتعلم الدين ولجوءه إلى منبع معين للعلم يحسن الظن به شيءٌ، وقيامه بالدعاية السياسية متخذا أسس الدين أداة لها، وقيامه بالنشاطات لإدخال الدين في الإدارة كحكم كما بَيَّن مقام النيابة في كل مناسبة شيءٌ آخر تماما، فأحدهما لازم للحياة الدينية والحرية الدينية التي هي حق من الحقوق الأساسية في بلدنا، والآخر حيلة سياسية، وهذا هو ما لم يُرِد أن يدركه مقام النيابة اطلاقا؛ فهو يريد أن يرى المواطنين أنقياء الضمائر الذين يجتمعون حول منبع للعلم ليتعلموا الحقائق الدينية في معنى تنظيم سياسي لكونهم يحملون بعض القناعات الدينية الشخصية الصادقة، ويقدم هؤلاء المساكين الذين يعيشون هذه الحياة على أنهم يعارضون علمانية الدولة، وأنهم يريدون أن يهدموا مبدأ الدولة هذا، ولا يستطيع أن يتقبل أبدا استفادة المواطن من منبع المعرفة الوحيد المختار في الماضي القريب للدفاع عن الحقائق الإسلامية أمام عالم النصرانية الأوربية، ونحن ضحايا هذا الفكر الفاسد الظالم، فالنائب العام الموقر الذي يصر على هذا الرأي، ويَصِمُ كثيرا من المواطنين الأبرياء بظلم بهذه الوصمة ويريد معاقبتهم من كل قلبه من أجل تحقيق أمله هذا، فهو لا يحترم أيضًا نتيجة التحقيق المتقن الذي أجري بالاستناد إلى تقرير لجنة علم واختصاص حائزة على أعلى نفوذ وسلطة علمية وإلى أدلة لا ترد تحت مراقبة معنوية لأعلى منصب عدلي في قلب الدولة، بل يفضل وجهة نظر غير علمية متسمة بالعاطفة البحتة للخبراء القدماء المطمورين المعروفين بالتفاهة والحقد والكراهية، ويظن قناعة هذه اللجنة


473. صفحة

العلمية الرسمية المالكة لأعلى صلاحية نوعا من التدخل في حق تقدير المحكمة العليا، ولا يعد قرار الآخرين الذين يروّجون لعواطفه هو وقناعتهم بأننا شكلنا تنظيما سريا؛ تدخلا في حق تقدير المحكمة، فهل يكون وضع حقوق الدولة في إحدى كفتي ميزان العدالة وعدم الاعتراف بأية حقوق للفرد الذي بقي في الطرف الآخر، واستخدام كل الدعم باسم الدولة ولصالحها، والتضحية بالفرد الذي تعذر الدفاع عن حقوقه وبمصير الأسرة المرتبطة به بسبب هذا الوضع، هل يكون كل ذلك المعنى والحكمة المفهومين من العدالة؛ ومن مقتضيات الإدارة ؟!

أحمد فيضي قول

باسمه سبحانه

أقوال أدلى بها طاهري من آتابك[1]

سيدي؛

أنا من ناحية آتابك التابعة لإسبارطة، وقد عرفت بديع الزمان قبل خمس سنوات بواسطة شقيقي الحافظ علي المتوفى بعد ذهابه إلى قسطموني، وقرأت واستنسخت بعضا من مؤلفاته المنورة، وذهبت إلى قسطموني لزيارة مؤلف رسائل النور التي هي عامل كبير لإنقاذي من سكر الشباب الذي مضى بالغفلة إلى ذلك الوقت بما أكن له من شوق، وزرته هناك، فلم أسمع من شيخي بديع الزمان عند زيارتي له ولا من الذين تتلمذوا لرسائل النور ولم أر من مؤلفاته رسائل النور ما يسند إلينا الآن من تهم كتحريض الشعب على الحكومة، أو تشكيل تنظيم سياسي، أو ممارسة نشاط الطريقة.

لقد طبعت الكتابين "الحزب القرآني والحزب النوري" بإذن من شيخي العزيز على أن أتحمل أنا تكلفتهما حتى أخدم آخرة وإيمان الأصدقاء النقية ضمائرهم وسرائرهم، ثم طبعت خمسمائة نسخة من رسالة (الآية الكبرى) لقاء ألف ليرة



[1]    بلدة تابعة لمحافظة إسبارطة غربي تركيا.

 



474. صفحة

دون الأخذ بإذن شيخي الكريم بنظر الاعتبار؛ ذلك أنني لم أر بأسا من طباعتها بالحروف القديمة حتى يحقق إخواني المؤمنون استفادتهم منها تحقيقا أسهل، وكانت هي رسالة إيمانية أخروية بحتة، وبطريقة ما قد أخذتْ جميع نسخها المطبوعة مع صندوقها من محطة القطار في إسبارطة من قبل النيابة العامة بعد وضعنا في السجن، وعُثِرَ على قوالب "الحزب النوري" التي تركتها في بيت قريبي الحافظ مصطفى من قرية "قولة أوني" وقُدمت ضدي باعتبارها عنصرا وحيدا للجرم في أوراق تهمي.

أجل؛ إنني كما قدمت آنفا لم أر في جماعتهم ورسائلهم وشيخهم إلا الخير، وأنا أعتبر نفسي آخر تلميذ دخل في هذه الزمرة النورية، وأعتقد أنه قد تبين حتى الآن بلاشك أني لم أسعَ وراء غاية غير الخير لأصدقائي، ومن ثم فأرجو من محكمتكم العليا أن تقبل أقوالي هذه أقوالا قيلت بحسن نية مثل أقوال إخواني الآخرين، وأطلب براءتي.

طاهري من آتابك

باسمه سبحانه

أقوال أدلى بها عبد الله أفندي من آتابك

سيدي؛

إن تلاميذ رسائل النور الذين اعتقلوا وأحيلوا إلى محكمة أسكي شهر بسبب المؤلفات الدينية والإيمانية لبديع الزمان سعيد النورسي العالم بالدين بأرفع علم الذي عرفتُه بلسان المطبوعات منذ مدة طويلة باعتبارها سببًا للتهمة، وهي مؤلفات ألفها خلال ثماني أو تسع سنوات قضاها في إسبارطة وحواليها؛ أُطْلِقَ سراحُهم جميعا فورا بعد التحقيقات والتدقيقات، واتضحت حقوق حياتهم وبراءتهم، وكانت هذه المؤلفات النورية والمسائل الإيمانية والاعتقادية قد نالت إقبالا عامّا


475. صفحة

في بلدتنا، وكانت رائجة بأقوى دلائلها وأبرزها، وبناء على ذلك بدأ القضاء في إسبارطة من خلال محكمتين أو ثلاث بالتدقيق في نفس المؤلفات وفحصها جميعا ولم يجد غاية شخصية وهدفا سياسيا، وأعيدت جميع تلك الكتب وأطلق سراح أصحابها.

وقد أُحِلْتُ إلى النيابة العامة بسبب قراءتي لتفسير القرآن هذا وصلتي الوطيدة بمؤلفه منذ خمس أو ست سنوات وكأن ذلك سببا للتهمة، وبسبب رسالة مسودة تدل على أني عرضت على شيخي سعيد النورسي وطلبت منه إيضاح الوقائع الغيبية الاعتقادية لعثمان خالد ووصاياه التي عثر عليها في أثناء تفتيش منزلي، وهو من علماء منطقتنا وتوفي قبل ستين سنة، وبسبب انتسابي إلى السالف ذكرُه، على الرغم من أن ذلك ينافي منافاة كلية هدف "الإخلال بالأمن العام واتباع فكر الطريقة" وبسبب أقوالي التي هي الحقيقة الساطعة والتي أدليت بها صراحة في تحقيقات إسبارطة، وردا على خطابهم المشوب بالتهديد بينت لهذا المقام أني لم أستطع أمام الطغيان الرهيب للتطور العلمي والتقلبات البشرية في عصرنا هذا أن أداوي جروحي المتولدة والمتراكمة من الحرب البلقانية ومن حرب الكفاح الوطني، وأن أعالج وأكمل نقصي في المسائل الإيمانية والدينية التي أهملت جزئا منها؛ إلا بهذه المؤلفات المباركة، وأنني لم أستطع أن أوفر ما تحتاجه روحي وقلبي من غذاء معنوي إلا بهذه المؤلفات القيمة، وأنني مدين بالشكر باسم قومي لهذه المؤلفات البديعة التي ظهرت باللغة التركية مع تجنب القومية، فإن كان وضعي هذا جرما فإني راض باعتقالي.

سيدي، إن اعتقالي مستمر منذ ثمانية أشهر، وإن العيون التي تبصر الحق والحقيقة والألسن التي تنطقها لاشك ولاريب أنها ستتكلم غدا إن لم يكن اليوم، وإنني بكمال الاطمئنان أقدم إليكم العدالة الإلهية التي ستراها هذه العيون رؤية ظاهرة جدا قريبا.

عبد الله من آتابك


476. صفحة

باسمه سبحانه

أقوال مصطفى جاويش من قرية صاو[1]

لجنة القضاة الموقرة

لقد كنت أعيش منذ عام ألف وثلاثمائة وواحد وأربعين إلى عام ألف وثلاثمائة وواحد وخمسين أو اثنين وخمسين مرتبطا بالحياة الاجتماعية وفق ذلك الزمان، ثم ابتليت في أواخر تلك السنوات المذكورة بمرض دام بضع سنوات أرسله الله تعالى علينا كصفعة شفقة، وبتنبيه هذا المرض رجعت عن أحوال الدنيا السفيهة التي انغمست فيها، ولأجل أن أفي بوعدي لله تعالى في أثناء هذا المرض قرأت رسائل النور واستنسختها برحمة منه تعالى منذ أربع سنوات، فالبركة الحاصلة التي أُكرمنا بها من فضل الله وكرمه بكرامة رسائل النور وما نحصل عليه من عقارات كان يكفينا، وأنا الآن معتقل بسبب العثور على الحزب القرآني والحزب النوري أثناء تفتيش منزلي، ولم أر في هذه الكتب شيئا من التهم التي وجهت إلينا ولا يوجد شيءٌ منها أصلا، وهذه التهم التي وجهت إلينا تتعلق بالدنيا في الأساس، أما نحن فمرتبطون بالآخرة أكثر من الدنيا، وفي الأخير أرجو إنهاء اعتقالي الذي ظل يستمر منذ تسعة شهور دون ذنب وأطلب قرار براءتي.

مصطفى يلديز



[1]    قرية تابعة لمحافظة إسبارطة.