الشعاع التاسع
التنقل
230. صفحة
الشعاع التاسع
الشعاع التاسع للمعة الحادية والثلاثين من المكتوب الحادي والثلاثين، وذيل مهم للكلمة العاشرة.
هذا الشعاع عبارة عن مقدمة وتسعة مقامات حول الحشر والآخرة، وهذا الجزء عبارة عن مقدمة فقط. هذه الرسالة ربما سبقت الكلمتين العاشرة والتاسعة والعشرين أو ستسبقهما من حيث القطعية والقوة، وقد خطرت على القلب فجأة، وألفت تأليفا سريعا كما لو أنه بلا إرادة، وسهل ممتنع ولها قيمة عظيمة.
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ _ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمٰوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ_ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ _ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ _ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ _ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمٰوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ _ وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ _ وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ _ وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ _ وَلَهُ مَنْ فِي السَّمٰوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ _ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمٰوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾(الروم:17-27)
231. صفحة
ستُبيَّن في هذا الشعاع التاسع نكتةٌ كبرى وحجة عُظمَى لهذه الآيات الكبرى السماوية التي تشير إلى قطب من أقطاب الإيمان، ولهذه البراهين العظمى القدسية التي تثبت الحشرَ.
عنايةٌ ربانيةٌ لطيفةٌ: إنه قبل ثلاثين سنة من الآن قال سعيد القديم في المقصد الثاني من المقاصد القرآنية في آخر كتاب "المحاكمات"([1]) الذي كتبَه مقدّمة للتفسير: "ستفسَّر وتبيَّن آيتان تشيران إلى الحشر"، وقال نحو: "بسم الله الرحمن الرحيم" ووقف، ولم يستطع أن يواصلَ الكتابة، فحمدا وشكرا لخالقي الرحيم بعدد دلائل وأمارات الحشر على أنه أحسن إلي ووفقني بعد ثلاثين سنة.
أجل؛ إنه جل وعلا أنعم عليَّ قبل تسع أو عشر سنوات من الآن بـ"الكلمة العاشرة" و"الكلمة التاسعة والعشرين" اللتين تحتويان على الحجج الباهرة الساطعة والقوية جدًّا لواحدة من هاتين الآيتين للفرمان الإلهي وتفاسيرها وهي ﴿فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (الروم:50) فأسكتَ المنكرين.
وأنعم عليَّ بعد تسع أو عشر سنوات من هاتين القلعتين المتينتين المنيعتين لعقيدة الحشر بهذه الرسالة تفسيرا للآيات الكبرى المذكورة أعلاه وهي الآية الثانية.
فهذا الشعاع التاسع عبارة عن تسعة مقامات عالية ومقدمة مهمة يشار إليها في الآيات المذكورة.
مقدمة: نقطتان عبارة عن بيان فوائد روحية كثيرة جدًّا لعقيدة الحشر، ونتيجةٍ جامعة من نتائجها الحياتية باختصار، وإظهارِ مدى ضرورتها ولزومها للحياة الإنسانية وخاصة حياتَه الاجتماعيةَ، وإبانة عن حُجَّة كلية من بين حُجَج عقيدة الإيمان بالحشر الكثيرة جدًّا بإجمال، وإفادة كيف أن تلك العقيدة الحشرية بديهية ولاشك فيها.
[1] أحد كتب مجموعة رسائل النور.
232. صفحة
النقطة الأولى: نشير إلى أربعة أدلة -كمقاييس- من بين مئات من الأدلة التي تدل على أن عقيدة الآخرة هي أسُّ أساس الحياة الاجتماعية والحياة الشخصية للإنسان، وأنها أساسات سعادته وكمالاته.
الدليل الأول: الأطفال الذين هم نصف البشر تقريبا لا يستطيعون أن يصمدوا أمام الوفيات والموت الذي يبدو ويتراءى لهم مرعبًا ومُبكيًا إلا بفكر الجنة، ويستطيعون أن يجدوا بهذه الفكرة قوةً معنوية في كيانهم الضعيف الرقيق جدًّا، ويستطيعون أن يجدوا أملاً ورجاء بفكر الجنة في مزاج روحهم الضعيف جدًّا والباكي سريعًا من أي مؤثر، فيمكنهم أن يعيشوا في فرح وسرور.
فمثلا: يقول بفكر الجنة: مات أخي الصغير أو صديقي، فأصبح طيرًا من طيور الجنة، يتجول فيها ويعيش ويتمتع ويتلذذ أحسن منّا؛ وإلا فإن وفاة أمثالهم من الأطفال والكبار حولهم تصدم أنظارَ هؤلاء المساكين الضعفاء القلقة، وتحطِّم متانتَهم وقوتَهم المعنويةَ، وتُبكي مع أبصارهم جميعَ لطائفهم كالروح والقلب والعقل، فهم إما سيضيعون وإما سيكونون كحيوانات شقية بائسة سائبة.
الدليل الثاني: الشيوخ والعجائز الذين هم -من ناحية- نصف البشر إنما بفكر الحياة الأخروية فقط يستطيعون أن يصمدوا أمام القبر القريب منهم، ويستطيعون أن يجدوا سلوانا مقابل انطفاء حياتهم التي يرتبطون ويتعلقون بها بشدة عما قريب، ومقابل انغلاق دنياهم الجميلة، وبأمل الحياة الباقية فقط يستطيعون أن يصمدوا أمام اليأس المرير المفزع الناشئ عن الموت والزوال في روحهم ومزاجهم الحساس المرهف، الذي أصبح كالطفل يتأثر سريعًا.
وإلا لكان سيشعر هؤلاء الأعزاء الموقَّرون الذين يستحقون الشفقة، والآباء والأمهات القلقون المتلهفون الذين يحتاجون بشدة إلى الهدوء والراحة القلبية؛ بصرخات روحية وخلجات([1]) قلبية، تجعل هذه الدنيا زنزانةً لهم، والحياةَ عذابًا قاسيًا.
الدليل الثالث: الشباب والفتيان هم أقوى مرتكز في الحياة الاجتماعية البشرية، والذي يوقف مشاعرَهم الفوَّارَة، ونفوسَهم وهواهم المفرطَ عن التجاوزات والظلم
[1] خلجات قلبية: أي هموم وشواغل تشغل القلب وتهمه وتحزنه.
233. صفحة
والتخريبات، والذي يجعل الحياةَ الاجتماعية تسير في مجراها الطبيعي إنما هو تذكُّرُ جهنم، وإلا فلو لم يكن الخوف من جهنم لحوَّل هؤلاءِ الشبابُ السكارى المنجرون وراء أهوائهم ورغباتهم الدنيا إلى جهنم في حق الضعفاء المساكين والعاجزين حسب قاعدة: "الحكم للغالب" ولحوَّلوا الإنسانية السامية إلى حيوانية في غاية السفالة.
الدليل الرابع: إن المركز الأكثر جمعًا والمنطلَق الأقوى أساسًا، والجنةَ والملجأَ والملاذَ للسعادة الدنيوية في الحياة الدنيوية لنوع البشر؛ هو الحياة العائلية، وإن بيت كل واحد هو دنياه الصغيرة، وحياة ذلك البيت وتلك الحياة العائلية وسعادتهما إنما تحصلان بالاحترام الخالص الجاد في وفاء، وبالرحمة الحقيقية ذات الشفقة في تضحية، وهذا الاحترام الخالص والرحمة الصادقة إنما تحصل بالصداقة الأبدية والرفقة الدائمة والمعية السرمدية وبالعقيدة والفكر -ضمن زمن غير متناه، وحياة غير محدودة- في وجود مناسبات بينهم ملؤها الأبوة والبنوة والأخوة والصداقة.
يقول مثلا: إن زوجتي هذه هي رفيقة حياتي الدائمة في عالم أبدي وفي حياة خالدة، ولا بأس إن صارت عجوزًا ودميمة الآن؛ لأن لها جمالاً أبديًّا سيأتي.
ويمكنه أن يعامِل زوجه العجوز بالمحبة والشفقة والرحمة وكأنها حورية حسناء، قائلا: إنني أقوم بكل تضحية ورحمة من أجل صداقة دائمة كهذه، وإلا فإن تلك الصداقة التي تتعرض للمفارقة والفراق الأبديين بعد رفقة صورية قصيرة تدوم بضع ساعات يمكنها أن تنتج -بلا شك- رحمة مجازية واحترامًا مصطنعًا يحملان معنى الرقة الجنسية الصوريةِ للغاية، والمؤقتة، والتي لا أساس لها كما في الحيوان.
وتتغلب المنافع الأخرى وسائر الأحاسيس الغالبة -كما عند الحيوانات- على ذلك الاحترام وتلك الرحمة، وتحوِّل تلك الجنة الدنيوية إلى جهنم.
فنتيجة واحدة من مئات من نتائج الإيمان بالحشر تتعلق بحياة الإنسان الاجتماعية، فإذا قيست النتائج الأخرى من مئات من أوجه وفوائد هذه النتيجة
234. صفحة
الواحدة بهذه الدلائل الأربعة فسيُفهَم أنّ تحقق حقيقة الحشر ووقوعها قطعيٌّ بدرجة قطعية الحقيقة العلوية السامية للإنسانية وحاجتها الكلية، بل هي-أي حقيقة الحشر- أظهر من شهادة ودلالة وجود الاحتياج في معدة الإنسان على وجود الطعام، وتخبر عن تحققها إخبارًا أقوى وأشد.
وتُثبِت أن لو تجرّدت نتائجُ هذه الحقيقة الحشرية من الإنسانية لسقطت ماهية الإنسانية التي هي في غاية الأهمية والسمو والحيوية إلى منزلة جيفة متعفنة تكون مرتعًا ومزرعة للجراثيم.
فلترنَّ آذان الاجتماعيين والسياسيين والأخلاقيين الذين يُعنَوْنَ باهتمام شديد بإدارة البشر وأخلاقهم واجتماعياتهم! فليقولوا بماذا يستطيعون أن يملئوا هذا الفراغ، وبماذا يستطيعون أن يعالجوا هذه الجروح الغائرة؟!
النقطة الثانية: تُبيِّن برهانًا واحدًا من براهين حقيقة الحشر غير المحدودة يترشح من خلاصة الشهادات المنبعثة من الأركان الإيمانية الأخرى.
وذلك أن جميع معجزات سيدنا محمد -عليه الصلاة والسلام- التي تدل على رسالته، وجميع دلائل نبوته، وجميع البراهين الدالة على صدقه وحقانيته كلها -وبأجمعها- تشهد على تحقق حقيقة الحشر وتثبتها؛ لأن جميع قضايا هذا الرسول في كل حياته تتركز في الحشر وذلك بعد التوحيد، وإن جميع معجزاته وحججه التي تُصدِّق جميعَ الأنبياء وتجعل الناسَ يصدقونهم تشهد على الحقيقة نفسها.
وإن شهادته بـ (وكتبه) التي ترفع الشهادةَ التي تأتي بعد كلمة (ورسله) إلى درجة البداهة تشهد على الحقيقة نفسها، وذلك أن جميع معجزات القرآن المعجز البيان أولاً، وحقائقه وحججه التي تثبت حقانيته كلها وبأجمعها تشهد على تحقق حقيقة الحشر ووقوعها وتثبتها؛ إذ يكاد يتحدث ثلث القرآن عن الحشر، وإنه يرد في بدايات أكثر سوره القصيرة آيات الحشر القوية جدًّا، وإن القرآن بآلاف آياته يخبر صراحة وإشارة عن الحقيقة عينها ويثبتها ويظهرها.
235. صفحة
فمثلا: إنه يشير في بداية ثلاثين أو أربعين سورة إلى أن حقيقة الحشر هي -بكل قطعيتها- أهم حقيقة من بين حقائق الكون، وأنها حقيقة واجبة، وذلك مثل هذه السور ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ و﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ و﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ و﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ و﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الغَاشِيَةِ﴾.
ويبين الدلائلَ المتنوعة لتلك الحقيقة في الآيات الأخرى ويقنع بها.
فيا ترى! هل هناك إمكان بأي وجه من الوجوه لأن يكون الإيمان بالحشر -الذي يَظهر كالشمس بآلاف الشهادات والدعاوى -كالسالف ذكره- في كتابٍ تُثمِر إشارةٌ واحدة من آية واحدة منه الحقائقَ العلمية والكونية المتعددة في العلوم الإسلامية أمام أعيننا- باطلا؟!
ألا يكون هذا كإنكار الشمس بل كالقول بعدم الكون؟! ألا يكون هذا محالا وباطلا بمائة درجة؟
ويا ترى! أمن الممكن بأي وجه من الوجوه تكذيب آلاف أقوال ووعود ووعيد سلطان في غاية الوقار والعزة، في حين أن جيشًا كاملا يتحرك ويحارب أحيانًا حتى لا تكون إشارة واحدة للسلطان كاذبة؟ فهل يمكن أن تكون آلاف أقواله ووعوده وتهديداته غير حقيقية؟
وإذا كانت إشارة واحدة لهذا السلطان المعنوي ذي الشأن الذي هيمن على ما لا حد له من الأرواح والعقول والقلوب والنفوس في نطاق الحق والحقيقة، وربَّاها وأدارها طوال ثلاثة عشر قرنًا بلا انقطاع كافيةً لإثبات حقيقة كهذه؛ فيا ترى! أفلا يقتضي الأمر عذاب جهنم لأحمق جهول لا يعرف تلك الحقيقة بعدما بيّنها وأثبتها -ذلك السلطان- بآلاف التصريحات؟! أفلا يكون هذا عين العدالة؟
ثم إن بيان جميع الصحف السماوية والكتب المقدسة التي حكمت على زمان من الأزمنة، ودور من الأدوار حسب عصورها وأزمنتها مع قبول تلك الحقيقة
236. صفحة
قبولا قاطعًا؛ حقيقةَ الحشر التي بينها وأثبتها بالتفاصيل والإيضاحات والتكرار القرآنُ الذي هيمن على كل المستقبل وجميع الأزمنة بأكملها، نقول إن ادَّعاءها وإثباتها هذه الحقائقَ بصورة قوية ومع بيانها بدون تفصيل، وباختصار، وبحجاب؛ ليَُصَدِّق دعوى القرآن بآلاف التوقيعات.
وتُدرَج هنا بمناسبة هذا البحث شهادةُ الأركان الأخرى، ولا سيما شهادة ركن "الإيمان بالرسل والكتب" على ركن "الإيمان باليوم الآخر" المذكور في نهاية "رسالة المناجاة" والتي هي حجةٌ من حجج الحشر التي ذكرت في صورة مناجاة، وهي قوية جدًّا، وملخصة، وتزيل جميع الأوهام، تدرج هنا كما هي.
فقد قال في المناجاة ما يلي:
يا ربي الرحيم، لقد فهمت بتعليم الرسول الأكرم وبدرس القرآن الحكيم أن جميع الكتب المقدَّسة والأنبياء، وعلى رأسهم القرآن والرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام يشهدون ويدلون ويشيرون بالإجماع والاتفاق إلى أن تجليات الأسماء الجلالية والجمالية التي تُشاهَد نماذجها في كل الأرجاء في هذه الدنيا ستستمر في أبد الآباد بصورة أجلى وأسطع، وإلى أن إحساناتك التي تشاهَد في هذا العالم الفانية تجلياتُه ونماذجه المليئة بالرحمة ستكون باقيةً، وستستمر في دار السعادة في أبهى صورة، وإلى أن المشتاقين الذين يشاهِدون ذلك الإحسان بتمتع، ويرافقونه بمحبة في هذه الحياة الدنيوية القصيرة، سيرافقونه في العالم الأبدي أيضًا، وسيكونون معه.
ثم إن جميع الأنبياء الذين هم أصحاب الأرواح النورانية -وفي مقدمتهم الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام، وقرآنك الحكيم- المستندين إلى مئات من معجزاتهم الباهرة وآياتهم القاطعة، وإن جميع الأولياء الذين هم أقطاب القلوب المنورة، وإن جميع الصدِّيقين الذين هم معدن العقول النافذة ذات البصيرة المتوقِّدة الثاقبة المنورة يبشرون الناسَ بالسعادة الأبدية مستندين إلى آلاف من وعدك ووعيدك الذي ذكرته مرارًا وتكرارًا في جميع الصحف السماوية والكتب المقدسة، ومعتمدين على صفاتك وشئونك القدسية التي تقتضي الآخرة، كالقدرة
237. صفحة
والرحمة والعناية والحكمة والجلال والجمال، ومعتمدين على عزة جلالك وسلطنة ربوبيتك، وبناء على ما لا حد له من كشفياتهم ومشاهداتهم التي تنمُّ عن آثار الآخرة وترشحاتها، وبناء على اعتقادهم وإيمانهم الذي وصل إلى مرتبة علم اليقين وعين اليقين، ويخبرون ويعلنون أن هناك جهنمَ لأهل الضلالة، وجنةً لأهل الهداية، ويؤمنون بهما إيمانًا راسخًا، ويشهدون على ذلك شهادة قوية.
يا قدير يا حكيم، يا رحمن يا رحيم، يا صادق الوعد يا كريم، ويا قهار ذا الجلال وذا العزة والعظمة، إنك مقدس بمئات الآلاف من الدرجات، ومنزه ومتعالٍ تَنزهًا وعلوا غير متناه عن تفنيدِ([1]) وتكذيبِ هذا القدر من أوليائك الصادقين، وهذا الحد من وعودك، وصفاتك وشئونك، وعن تكذيب المقتضيات القاطعة لسلطنة ربوبيتك، وعدم القيام بهذه المقتضيات، وعن ردّ وعدم سماع ما لا حد له من الأدعية والدعاوى المتوجهة إلى الآخرة ممن لا حد لهم من عبادك المقبولين لديك، والذين تحبهم وهم بدورهم يحببون أنفسهم إليك بالتصديق بك وبإطاعتك، وعن تصديق أهل الضلالة وأهل الكفر الذين يمسون -بالكفر والعصيان وبتكذيبك في وعدك- عظمةَ كبريائك، ويسيئون إلى عزة جلالك، ويمسُّون عزة ألوهيتك، ويؤذون شفقة ربوبيتك، وعن إثبات هؤلاء في إنكار الحشر.
نقدس عدالتك المطلقة، وجمالك المطلق، ورحمتك المطلقة، تقديسًا مطلقًا عن ظلم مطلق كهذا، وقبح مطلق كهذا، ونؤمن بكل قوتنا أن شهادة مئات الآلاف من الرسل الصادقين والأنبياء والأصفياء والأولياء دعاة سلطنتك الصادقين الذين لا حد لهم بحق اليقين وعلمه وعينه على خزائن رحمتك الأخروية، وعلى كنوز إحساناتك في عالم البقاء، وعلى التجليات الجميلة البديعة لأسمائك الحسنى التي تتجلى في دار السعادة تجليا كاملا؛ حقٌّ وحقيقةٌ، وإشاراتهم صادقةٌ ومطابقةٌ، وبشاراتهم صادقة وواقعة.
وهم يؤمنون أن أكبر شعاع لاسم الحق -الذي هو مرجع جميع الحقائق وشمسها وحاميها- هو حقيقة الحشر الكبرى هذه، ويدَرِّسون لعبادك هذه الحقيقة بأمرك ضمن دائرة الحق، ويعلمونهم إياها كعين الحقيقة.
[1] تفنيد: تكذيب.
238. صفحة
فيا رب، ارزقنا وارزق طلاب رسائل النور الإيمانَ الأكمل، وحسن الخاتمة بحق وحرمة دروس وتعاليم أولئك، وارزقنا شفاعتهم، آمين.
فكما أن جميع الأدلة والحجج التي تُثبِت حقَّانيةَ القرآن بل حقانيةَ جميع الكتب السماوية، وجميعَ المعجزات والبراهين التي تُثبِت نبوةَ حبيب الله بل نبوةَ جميع الأنبياء تدل في نفس الوقت على تحقق الآخرة التي هي قضيتهم الكبرى؛ كذلك فإن أكثر الأدلة والحجج التي تشهد على وجود واجب الوجود ووحدته، تشهد في نفس الوقت على وجود وانفتاح دار السعادة وعالم البقاء اللذين هما أكبر مدار ومظهر للربوبية والألوهية.
لأن وجود الذات الواجب الوجود وجميع صفاته -كما سيبيَّن وسيثبَت في المقامات الآتية- وأكثر أسمائه وأوصافه وشئونه كالربوبية والألوهية والرحمة والعناية والحكمة والعدالة؛ تقتضي الآخرةَ بدرجة اللزوم، وتستلزم عالَمًا باقيًا بدرجة الوجوب، وتتطلب الحشر والنشر من أجل المكافأة والعقاب بدرجة الضرورة.
أجل؛ فبما أن الله الأزلي الأبدي موجود؛ فلا شك أن الآخرة التي هي المدار السرمدي لسلطنة ألوهيته موجودة.
وبما أن هناك ربوبيةً مطلقة في غاية العظمة والحكمة والشفقة تُشاهد في هذا الكون وفي ذوي الحياة؛ فلاشك أنه ستكون دار سعادة أبدية تنقذ عظمة تلك الربوبية من التَّرَدِّي([1])، وحكمتها من العبثية، وشفقتها من الغدر، وسيكون دخول فيها.
وبما أن ما لا حد له من أنواع الإنعام والإحسان واللطف والكرم والعناية والرحمة المشاهَدة بالعيون تُرِي وجود الرحمن الرحيم من وراء حجاب الغيب للعقول التي لم تنطفئ والقلوب التي لم تمت؛ فلا شك أنه ستكون حياة باقية في عالم باقٍ تخلص الإنعامَ من الاستهزاء، والإحسانَ من الخداع، والعنايةَ من العداوة، والرحمةَ من العذاب، واللطفَ والكرم من الإهانة، وتجعل الإحسانَ إحسانًا، والنعمةَ نعمة.
[1] التردِّي: السقوط والتدني .
239. صفحة
وبما أن قلم قدرة كتب مائة ألف كتاب متداخلة بلا خطأ في فصل الربيع في الصحيفة الضيقة للأرض، يعمل أمام أعيننا بلا لغوب([1])؛ وبما أن صاحب ذلك القلم تعهد ووعد مائة ألف مرة وقال إني سأكتب لكم كتابًا رائعًا خالدًا في مكان واسع بطريقة أسهل من كتاب الربيع المكتوب في اختلاط وتداخل في هذا المكان الضيق وسأقرئكموه، ويتحدث في كل فرماناته عن هذا الكتاب؛ فلاشك ولاريب أن أصل ذلك الكتاب قد كُتب، وستكتب هوامشه وحواشيه بالحشر والنشر، وستسجَّل فيه صحيفة أعمال الجميع.
وبما أن هذه الأرض من جهة كثرة المخلوقات فيها ومن حيث هي مسكن مئات الآلاف من الأنواع المتعددة لذوي الحياة وذوي الأرواح المتجددة دومًا، ومنشؤها ومصنعها ومشهرها ومحشرها، وهي قلبُ الكون ومركزه وخلاصته ونتيجته وسبب خلقه؛ لذا فإن لها أهمية كبرى، بحيث إنها مع صغرها وضعت قبالة هذه السماوات الضخمة؛ فيقال في الفرمانات السماوية دائمًا ﴿رَبُّ السَّمٰوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (ص: 66).
وبما أن هناك نوعَ بني آدم الذي يحكم جميع أطراف الأرض التي هي على هذه الماهية، ويتصرف في أكثر مخلوقاتها، ويسخر أكثر موجوداتها ذات الحياة، ويجعلها تلتف حوله، وينظم أغلب مصنوعاتها ويعرضها ويزينها في غاية الروعة والجمال بهندسة أهوائه ورغباته ودساتير احتياجاته، ويجمع أنواعها التي هي تحفة أثرية نادرة جدًّا في بعض الأماكن وكأنه ينظمها في قائمة ويزينها، بحيث إنه يكتسب أهمية وقيمة كبيرة جدًّا، ليس بجذب أنظار الإنس والجن فحسب، بل بجذب انتباه وتقدير أهل السماوات وهذا الكون، وبجذب نظر استحسان صاحب الكون، وبهذه الحيثية يظهر بعلومه وفنونه أنه حكمة خلق هذا الكون، ونتيجته الكبرى، وثمرته القيِّمة، وأنه خليفة الأرض، ويُبقَى في الدنيا ويُؤَجَّل عذابُه على الرغم من عصيانه وكفره؛ لأنه ومن الوجهة الدنيوية يعرض وينظّم عرضًا وتنظيمًا رائعًا صنائع صانع العالم ذات المعجزات، ويُمهَل من أجل خدماته هذه، فيُوَفَّق.
[1] اللغوب: التعب والنصب والإعياء.
240. صفحة
وبما أن هناك مصرِّفًا ذا قدرة وحكمة وشفقة مطلقة جعل الكرة الأرضية الضخمة لنوع بني آدم فوق قوتهم واختيارهم كليًّا وهذه ماهيتهم، ومع أنه ضعيف وعاجز جدًّا من حيث فطرته وخلقته، وله احتياجات وتألمات لا حد لها مع غاية عجزه وفقره.، أقول إنه جعل الكرة الأرضية الضخمة كمخزن لكل نوع من أنواع المعادن الضرورية لنوع الإنسان، ومستودع لكل نوع من أنواع الأطعمة، ودكان يحتوي على كل نوع من أنواع البضائع التي تطيب لنوع الإنسان، فهو يرعى النوع الإنساني هكذا، ويطعمهم ويعطيهم ما يريدون.
وبما أن ربًّا بهذه الحقيقة يحب الإنسان، ويحبب نفسه إلى الإنسان، وأنه باق، وله عوالم باقية، ويفعل كل شيء بالعدل، وكل الأعمال بحكمة، وأن هذه الحياة الدنيوية القصيرة والعمر البشري القصير جدًّا وهذه الأرض المؤقتة الفانية لا تسع عظمة سلطنة ذلك الحاكم الأزلي وسرمدية حاكميته، وأن الظلم والمعاصي الكبيرة التي يرتكبها الجنس البشري، والتي تنافي وتخالف انتظام الكون وعدالته وموازنته وحسن جماله، وإهانة الإنسان وإنكاره وكفره لولي نعمته ولمن يرزقه بشفقة، كل ذلك يبقى بدون عقاب في هذه الدنيا، فيقضي الظالم الغاشم حياته في راحة، ويقضي المظلوم المسكين عمره في مشقات، ولكن ماهية العدالة المطلقة التي تُرَى آثارها في جميع الكون، منافيةٌ كليًّا لمساواة الظالمين الغاشمين مع المظلومين الآيسين ضمن الوفاة بلا بعث مرة أخرى، ولا تتحملها ولا تسمح بها.
وبما أن صاحب الكون كما أنه قد انتخب الأرض من الكون، ونوع الإنسان من الأرض، وأعطاه مقامًا عظيمًا، وأولاه أهمية كبيرة جدًّا، وكذلك قد انتخب الأنبياء والأولياء والأصفياء الذين هم أناس حقيقيون من بين نوع الإنسان، والذين يتوافقون مع مقاصد ربوبيته ويحببون أنفسهم إليه بالإيمان والاستسلام، فيجعلهم أولياء ومخاطبين له، ويكرمهم بالمعجزات والتوفيق، ويعذب أعداءهم بصفعات سماوية، وانتخب من بين أوليائه الأعزاء المحبوبين محمدًا عليه الصلاة والسلام الذي هو إمامهم وفخرهم، ونوَّر بنوره -عليه الصلاة والسلام- خلال القرون
241. صفحة
الطويلة نصف الكرة الأرضية ذات الأهمية، وخمس نوع الإنسان ذي الأهمية، إذ تَظهر جميع المقاصد به وبدينه وقرآنه وكأن الكون قد خلق من أجله هو، وقد أُعْطي عمرًا قصيرًا في مشقات ومجاهدات صعبة، وقَدَّرَه في ثلاث وستين سنة، مع أنه أهل ومستحِق لأخذ أجر خدماته الثمينة غير المحدودة بقدر ملايين السنين في زمن غير محدود.
فيا ترى! أهناك أي إمكان وأي احتمال وأية قابلية بأي وجه من الوجوه لئلَّا يُبعَث هذا الرسول -عليه الصلاة والسلام- مع جميع أمثاله وأحبابه؟ وألا يكون الآن حيًّا روحيًّا؟ وأن يفنى هو وأمثاله بالإعدام الأبديِّ؟ حاشا مائة ألف مرة، حاشا وكلا!
أجل؛ إن كل الكون وحقيقة العالم تبغي بعثه، وتطلب من مالك الكون أن يحيا.
وبما أنه قد أثبت ثلاثةٌ وثلاثون إجماعًا عظيمًا -كل واحد منها بقوة الجبل- في رسالة "الآية الكبرى" وهي "الشعاع السابع"، أن هذا الكون قد صدر عن يدٍ واحدة، وأنه ملك لمَِن هو واحد، وأظهر بداهةً وحدةَ وأحدية الله اللتين هما مدار كمالاته، وكأن جميع الكون يصبح بالوحدة والأحدية قوةَ ذلكم الواحد وقدرتَه، وجميع المخلوقات جنودًا مؤتمرين بأوامره، وموظفين مأمورين مسخرين لذلكم الواحد سبحانه وتعالى، وأنه بمجيء الآخرة تتخلص كمالاته من السقوط، وعدالته المطلقة من الظلم المطلق في استهزاء، وحكمته العامة من العبثية في سفاهة، ورحمته الواسعة من التعذيب في لهوٍ، وعزة قدرته من العجز في ذلٍّ، وكلها تتقدَّس؛ فلاشك ولاريب ولابدّ أن القيامة ستقوم، بمقتضى الحقائق المذكورة في "بما أن" الثمانية من ضمن مئات النكت للإيمان بالله، وسيحدث الحشر والنشر، وستُفتَح دار للعقاب والمكافأة حتى تتحقق أهمية الأرض ومركزيتها المذكورة، وأهمية الإنسان وقيمته، وتتقررَ العدالة والحكمة والرحمة والسلطنة المذكورة للمتصرف الحكيم خالقِ الأرض والإنسان وربهما، ويتخلص أولياءُ ذلكم الرب الباقي ومشتاقوه المذكورون الحقيقيون من الإعدام الأبدي، ويجد أعظم أولئك الأولياء وأهمهم مكافأة لخدماته القدسية التي تُرضِي جميعَ الكون، وتجعله شاكرًا
242. صفحة
ممتنًّا، وتتنزه وتتقدس وتتبرأ كمالات السلطان السرمدي من النقص والقصور، وقدرته من العجز، وحكمته من السفاهة، وعدالته من الظلم.
الحاصل: بما أن الله موجود؛ فلا شك أن الآخرة موجودة.
وكما أن أركان الإيمان الثلاثة المذكورة تشهد بالحشر، وتدل عليه بجميع دلائلها التي تثبتها؛ كذلك ركنان اثنان للإيمان اللذان هما "وَبِمَلَائِكَتِهِ وَبِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ مِنَ اللهِ تَعَالَى" يستلزمان الحشر ويشهدان ويدلان على عالم البقاء بقوة، كالآتي:
إن جميع الأدلة والمشاهدات والمكالمات غير المحدودة التي تثبت وجود الملائكة ووظيفة عبوديتهم، تدل كذلك على وجود عالم الأرواح وعالم الغيب وعالم البقاء وعالم الآخرة ودار السعادة التي ستُعمَّر لاحقًا بالإنس والجان وعلى وجود الجنة والنار؛ لأن الملائكة يمكنهم أن يشاهدوا هذه العوالم بالإذن الإلهي ويدخلوها، وجميعُ الملائكة المقربين الذين يلتقون بالناس كجبرائيل عليه السلام يُخبِرون متفقين عن وجود العوالم المذكورة، وأنهم يتجولون في تلك العوالم، فكما أننا نعرف بالبداهة وجود قارة أمريكا التي لم نرها بإخبار من يأتون منها، كذلك يجب الإيمان -بتلك القطعية- بوجود عالم البقاء ودار الآخرة والجنة والنار بإخبارات الملائكة التي هي بقوة مائة تواتر، وهكذا نؤمن.
ثم إن جميع الأدلة التي تثبت ركن "الإيمان بالقدر" في "رسالة القدر" التي هي "الكلمة السادسة والعشرون" تدل كذلك على الحشر ونشر الصحف ووزن الأعمال في الميزان الأكبر؛ لأن تقييدَ وتسجيلَ مقدرات كل شيء أمام أنظارنا في لوح النظام والميزان، وكتابةَ ما جرى في حياة كل ذي حياة في ذاكرتهم ونواتهم، وفي سائر الألواح المثالية، وتسجيل دفتر أعمال كل ذي روح -ولا سيما الإنسان- وتثبيته في الألواح المحفوظة؛ لاشك أن قَدَرًا محيطاً كهذا، وتقديرًا حكيمًا وتقييدًا مدقِّقًا وكتابة حفيظة؛ كل ذلك لا يمكن أن يكون إلا للمكافأة والمجازاة الدائمة عقب محاكمة عامة في المحكمة الكبرى، وإلا لبقي ذلك التقييد المحيط الدقيق وتلك المحافظة بلا معنى ولا فائدة، ويكون منافيًا كليًّا للحكمة والحقيقة، وإن لم
243. صفحة
يحصل الحشر لفسدت كل معاني كتاب هذا الكون الذي كُتب بقلم القدر؛ إذ لا يمكن ذلك بأي وجه من الوجوه.
وهذا الاحتمال محال، بل هذيان كإنكار وجود هذا الكون.
الحاصل: إن أركان الإيمان الخمسة تدل بجميع أدلتها على وجود الحشر والنشر ووقوعهما ووجود دار الآخرة وانفتاحها، وتقتضيها، وتشهد بها وتتطلبها.
ولأن لحقيقة الحشر هذه أعمدة وبراهين عظيمة لا تتزعزع، وموافقة تمامًا لعظمة الحشر، فإن ثلث القرآن المعجز البيان تقريبًا يحتوي على الحشر والآخرة، ويجعلهما الحجرَ الأساس لحقائقه وأسَّ الأساس له، ويبني كلَّ شيء عليهما.
(لقد انتهت المقدمة)
سعيد النورسي
الشعاع العاشر
هذا الشعاع العاشر هو فهرس الرسائل المكتوبة بعد اللمعة الخامسة عشرة في رسالة الفهرس، وقد ألفه خواص تلاميذ رسائل النور في إسبارطة وحواليها، وهذا الشعاع العاشر جزء من رسالة الفهرس المنشورة مستقلة، ولم يُدرَج هنا.


