ذيل الكلمة العاشرة من المكتوب العشرين
التنقل
49. صفحة
ذيل "الكلمة العاشرة"
من المكتوب العشرين
باسمه سبحانه
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
﴿أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد:28)
﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ... الخ﴾ (الزمر:29)
سؤال: لقد قلتَ في كثير من المواضع أن في الوحدة سهولةً مطلقة، وفي الكثرة والشرك مشكلاتٍ غيرَ متناهية، وتقول: إن في الوحدة سهولةً بدرجة الوجوب، وفي الشرك صعوباتٍ بدرجة الامتناع، ولكنّ ما تبينه من مشكلات ومحالات جارية في ناحية الوحدة أيضًا، تقول مثلا: إن لم تكن الذرات مأمورةً فلابد أن يكون في كل ذرةٍ علمٌ محيط، أو قدرة مطلقة، أو ماكينات ومطابع معنوية لا حد لها، وهذا محال بمائة مرة، ولكن حتى لو أصبحت تلك الذرات مأمورات إلهية فلابد أن تظهر عليها تلك الأمور، حتى تستطيع القيام بوظائف متقنة لا حد لها، أريد حل هذه المسألة؟
الجواب: لقد أوضحنا في كثير من الكلمات([1]) وأثبتنا فيها أنه إذا أُسنِدت جميع الموجودات إلى صانعٍ واحد فإنها تكون سهلة ويسيرة كسهولة موجودٍ واحد، أما إذا أُسنِدت إلى أسبابٍ متعددة وإلى الطبيعة؛ فإن ذبابةً واحدة تكون صعبة ومشكلة كصعوبة السماوات، وزهرةً واحدةً كربيع، وثمرةً واحدةً كحديقة.
ولما كانت هذه المسألة قد وُضّحت وأُثبِتت في كلمات أخرى فإننا نحيل إليها، ونبين هنا "ثلاثةَ أمثلة" تحقق اطمئنان النفس إلى هذه الحقيقة بـ"ثلاث إشارات".
[1])) الكلمات تشير إلى "رسائل النور".
50. صفحة
المثال الأول: إن ذرةً صغيرة شفافة لامعة لا تسع وحدها نورًا بقدر رأس كبريت، ولا تستطيع أن تكون مصدرًا له، ولا يكون لها نورٌ إلا بقدر جِرمها ومقدار ماهيتها كذرةٍ جزئية بالأصالة، أما إذا انتسبت هذه الذرة إلى الشمس وفتحت عينها نحوها؛ فعندئذ يمكن أن تَسَعَ الشمسَ الضخمة بضيائها وألوانها السبعة وحرارتها بل حتى بمسافتها، وتنال أنواع تجليها الأعظم نوعًا ما؛ أي: إن تلك الذرة إنْ بقيت وحدها فلن تستطيع أن تعمل شيئًا إلاّ بقدر ذرة واحدة، ولكن إذا اعتبرت مأمورةً للشمس ومنتسبة إليها ومرآة لها؛ فإنها تستطيع أن تُظهِر بعضًا من النماذج الجزئية لإجراءات الشمس كما تُظهِرها الشمس نفسُها.
ولله المثل الأعلى فكل موجود، حتى كل ذرة إذا أسندت إلى الكثرة والشرك والأسباب والطبيعة وإلى نفسها؛ فعندئذ لابد أن يكون لكل ذرة ولكل موجود علمٌ محيط، وقدرة مطلقة، أو لابد أن تتشكل فيها ماكينات ومطابع معنوية لا حد لها، حتى تقوم بما كُلّفت به من وظائف عجيبة، أما إذا أُسندت تلك الذرات إلى الواحد الأحد؛ فعندها ينتسب كل مصنوع وكل ذرة إليه، ويصبح كموظف مأمور له، وهذا الانتساب يجعله ينال تجلياته، وبهذا النيل للتجلي والانتساب يستند إلى علمٍ وقدرة لا نهاية لهما، وبسر هذا الانتساب والاستناد يقوم بقوة خالقه بأعمال ووظائف تفوق قوته الذاتية ملايين المرات.
المثال الثاني: أخوان، أحدهما شجاع يعتمد على نفسه، والآخر شهم أَبِيّ محب للوطن والأمة، والذي يعتمد على نفسه لا ينتسب إلى الدولة في وقت الحرب، ويود أن يعمل بنفسه، فيضطر إلى حمل منابع قوته الذاتية على ظهره، ويضطر إلى حمل عدته وذخيرته حسب قوته الذاتية، وبقوته الذاتية الضئيلة هذه لا يقدر إلا على محاربة عريفٍ في جيش العدو، ولا يسعه أكثر من هذا.
أما الأخ الآخر فلا يعتدّ بنفسه، ويعرف أنه عاجز لا حول له ولا قوة، ولهذا انتسب إلى ملك دولةٍ عظيمة، وسُجِّل اسمه في الجيش، وبفضل هذا الانتساب صار جيشٌ عظيم نقطةَ استنادٍ له، وبهذا الاستناد وهمة الملك اندفع إلى الحرب بقوةٍ معنوية يمكن
51. صفحة
أن تحشد القوة المعنوية لجيشٍ كامل، حتى صادف مشيرًا كبيرًا في جيش ملك العدو المنهزم، فقال له إنني آخذك أسيرًا باسم ملكي، وساقه إلى معسكره.
وسر هذه الحال وحكمتها هي:
أن الرجل الأول السائب الطائش لم يقدر إلا على عملٍ جزئي لاضطراره إلى حمل منبع قوته الذاتية وعدته بنفسه، أما هذا الموظف المأمور فليس مضطرًّا إلى حمل منبع قوته بنفسه، بل يحمله عنه الجيش والملك.
فهذا الرجل بهذا الانتساب يربط نفسه بتلك القوة غير المحدودة كربط هاتفه بسلك البرق والهاتف العمومي.
ولله المثل الأعلى إذا أُسنِد كلُّ مخلوقٍ وكل ذرةٍ إلى الواحد الأحد وحده مباشرة وانتسب إليه؛ فحينئذ يهدم النمل قصر فرعون بقوة هذا الانتساب بأمر سيده وحولِه، ويجعل عاليه سافله، ويهلك البعوض نمرود ويرسله إلى جهنم، وتُدخِل جرثومة واحدة أعتى الظالمين الجبارين القبر، وتصبح نواةُ شجرةِ الصنوبر الصغيرةِ صغر حبةِ حنطةٍ كمصنعٍ ومعمل لشجرة الصنوبر الضخمة ضخامةَ الجبل، وتستطيع ذرة واحدة من ذرات الهواء أن تعمل بإتقانٍ وانتظام في أعمالٍ مختلفة لجميع الأزهار والثمار، وفي كيانها وأنظمتها، فكل هذه السهولة ناشئة بالبداهة عن التوظف والانتساب، فلو تحول الأمر إلى الفوضى والعبث وتُرِك للأسباب والكثرة وإلى نفسه، وسُلِك طريق الشرك؛ لما أمكن عندئذ أن يعمل شيءٌ شيئًا إلا بقدر جِرْمه ووعيه وشعوره.
المثال الثالث: صديقان، يريدان أن يكتبا كتاب إحصاء جغرافي حول أحوال وأوضاع بلد لم يرياه قط، فأحدهما ينتسب إلى ملك هذا البلد ويدخل في مركز البرق والهاتف، ويربط جهاز هاتفه بسلك الدولة بسلك لا يساوي إلا عشرة قروش، ويتكلم مع جميع الأماكن ويتصل بها، ويتلقى المعلومات، وينجز أثرًا بديعًا منظمًا متقنًا حول الإحصائية الجغرافية.
أما الصديق الآخر؛ فإما أن يتجول ويتنقل خمسين سنة باستمرار، ويرى كل الأماكن ويسمع كل الحوادث بصعوبات بالغة، أو سينفق ملايين الدراهم كي يملك
52. صفحة
أسلاك البرق والهاتف بطول أسلاك الدولة وبرقًا كبرق الملك، حتى ينجز ذلك الأثر البديع المتقن مثل صاحبه الأول.
وكما في هذا المثال "ولله المثل الأعلى" إذا أسندت الأشياء والمخلوقات غير المحدودة إلى الواحد الأحد؛ فعندئذ يصبح كل شيء مَظهرًا ومتجلّى بهذا الارتباط والانتساب، وبمَظهريته لتجليات الشمس الأزلي سبحانه يكتسب ارتباطًا بقوانين حكمته ودساتير علمه ونواميس قدرته، ويكون مَظهرًا لتجلٍّ من التجليات الربانية وكأن له عينًا ترى كل شيء، ووجهًا يتوجه إلى كل مكان، وكلمة نافذة مسموعة في كل شيء بحول الله تعالى وقوته.
فلو انقطع هذا الانتساب لانقطع ذلك الشيء عن جميع الأشياء، ولانكمش وانحبس في صغر جِرمه، إذن فلابد أن يكون هو نفسه صاحب ألوهيةٍ مطلقة حتى ينجز الأعمال التي كان ينجزها في الحالة الأولى.
حاصل الكلام:
إن في طريق الوحدة والإيمان سهولةً ويسرًا بدرجة الوجوب، وفي الشرك والأسباب مشكلات وصعوبات بدرجة الامتناع؛ لأن الواحد يضفي على كثيرٍ من الأشياء وضعًا معينًا بلا جهدٍ ولا مشقة، ويحصل على النتيجة، فلو أحيل اتخاذ هذا الشكل وحصول تلك النتيجة إلى تلك الأشياء الكثيرة؛ فلا يمكن عندئذ اتخاذ ذلك الشكل وحصول تلك النتيجة إلا بجهدٍ جهيد، ومشقة بالغة، وبحركات كثيرة جدًّا.
مثلا: كما ذكر في "المكتوب الثالث" فإن الحالة السماوية الجذابة اللطيفة التي هي سيرٌ وجولان عظيم شبيه بالتسبيح بتحريك جيوش النجوم تحت قيادة الشمس والقمر في فضاء السماء كل ليلة وكل سنة، وتلك النتيجة الأرضية الحكيمة العالية السامية التي هي عبارة عن حصول مصالح عظيمة كتبديل الفصول؛ إذا أٌسندت إلى الوحدة فإن سلطان الأزل يُعيّن بسهولة جنديًّا واحدًا كالكرة الأرضية قائدًا على الأجرام السماوية من أجل تلك النتيجة والحالة، عندها تقوم الأرض بعد تلقيها الأمرَ إلى الذكر والسّماع كالمولوي لفرحها وسرورها بالوظيفة، وتحصل هذه الحال اللطيفة الجميلة، وتأتي تلك النتيجة المهمة إلى حيز الوجود بتكاليف قليلة.
53. صفحة
أما إذا قيل للأرض: الزمي مكانك، ولا تتدخلي، وأُسند حصول تلك النتيجة وتلك الحال إلى السماوات، وسُلك طريق الكثرة والشرك بدلا من طريق الوحدة؛ فلابد إذن من أن تتحرك كل يوم وكل سنة ملايين النجوم التي هي أكبر من الكرة الأرضية بآلاف المرات، وأن تقطع كلَّ أربعٍ وعشرين ساعةً وكلَّ سنةٍ مسافةَ بلايين السنوات.
نتيجة المرام:
إن القرآن الكريم وأهل الإيمان يُسنِدون أمر المصنوعات غير المحدودة إلى صانع واحد، ويَعْزون كل أمر إليه مباشرة، ويسلكون طريقًا سهلا بدرجة الوجوب، ويوجِّهون الآخرين إليه.
أما أهل الشرك والطغيان فإنهم يسندون المصنوع الواحد إلى أسبابٍ لا حدَّ لها، فيسلكون طريقًا صعبًا وعرًا بدرجة الامتناع.
إذن إن جميع المصنوعات في طريق القرآن متساويةٌ مع مصنوعٍ واحد في طريق الضلال، بل إن صدور جميع الأشياء من الواحد أسهل وأيسر بكثير من صدور شيء واحد من الأشياء غير المحدودة، مثلما يدبر ضابطٌ واحد أمر ألف جندي كما لو أنهم جندي واحد، وإذا أُسنِد تدبيرُ جنديٍّ واحد إلى ألف ضابط فإنه يكون مشكلا وصعبًا كصعوبة تدبير ألف جندي، ويتسبب هذا في الفوضى والاضطراب.
فهذه الآية العظيمة تضرب بهذه الحقيقة رءوس أهل الشرك وتحطمها.
﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ للهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾.
﴿سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلاّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾
اللّهُمّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيّدِنَا مُحَمّدٍ بِعَدَدِ ذَرّاتِ الكَائِنَاتِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، آمِينَ! وَالحَمْدُ للهِ رَبّ العَالَمِينَ.


