ذيل الكلمة السابعة والعشرين
التنقل
112. صفحة
ذيل الكلمة السابعة والعشرين
حول الصحابة
أقول كما قال مولانا جامي: ([1])
يَا رَسُولَ اللهْ چِه بَاشَدْ چُونْ سَگِ اَصْحَابِ كَهْفْ
دَاخِلِ جَنَّتْ شَوَمْ دَرْ زُمْرَهءِ اَصْحَابِ تُو
اُو رَوَدْ دَرْ جَنَّتْ مَنْ دَرْ جَهَنَّمْ كَىْ رَوَاسْتْ
اُو سَگِ اَصْحَابِ كَهْفْ مَنْ سَگِ اَصْحَابِ تُو
باسمه سبحانه
﴿وإِنْ مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ (الإسراء: ٤٤)
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّۤاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَۤاءُ بَيْنَهُمْ﴾
إلى آخر الآية.(الفتح:٢٩)
إنكم تسألون عن روايات وردت تفيد بأنه عند رواج البدع يمكن أن يكون قسم من الصلحاء من أهل الإيمان والتقوى في درجة الصحابة أو أفضل منهم، فهل هذه الروايات صحيحة؟ وما هي حقيقتها إن كانت صحيحة؟
الجواب: إن إجماع أهل السنة والجماعة على أن أفضل البشر بعد الأنبياء هم الصحابة حجة قاطعة؛ بحيث إن القسم الصحيح من تلك الروايات يخص الفضائل الجزئية؛ لأنه يمكن أن يترجح المرجوح على الراجح في الفضائل الجزئية وفي الكمال الخاص، وإلا فإنه لا يمكن الوصول من حيث الفضيلة الكلية إلى الصحابة الذين حَظَوْا
[1])) مولانا جامي: هو الشيخ العارف بالله عبدالرحمن بن أحمد الجامي (٨١٧- ٨٩٨ هـ) ولد رحمه الله بجام من قصبة خراسان، واشتغل أولا بالعلم الشريف وصار من أفاضل عصره في العلم ثم صحب مشايخ الصوفية، وألف ما يقرب من مائة كتاب.
113. صفحة
بالوصف الرباني المادح في أواخر سورة الفتح والذين نالوا مدح وثناء التوراة والإنجيل والقرآن، وسنبين هنا ثلاث حِكَمٍ تتضمن ثلاثة أسباب من الأسباب والحكم الكثيرة للغاية لهذه الحقيقة.
الحكمة الأولى:
إن الصحبة النبوية إكسير([1])؛ بحيث إنّ من ينالها في دقيقة ينال أنوار حقيقة معادلة لأنوار سنوات من السير والسلوك؛ إذ في الصحبة انصباغ وانعكاس، ومعلوم أنه بالانعكاس والتبعية ومع النور الأعظم للنبوة؛ يمكن لمن حظي بالصحبة أن يسمو ويرتقي إلى مرتبة عظمى.
فكما أنّ خادما لسلطان ما يسمو بالتبعية إليه إلى موقع لا يستطيع أن يصل إليه أي مَلِكٍ، فمن ذلك السرّ لا يستطيع أعظم الأولياء أن يبلغ درجة الصحابة، حتى إن من حظي كثيرا بالصحبة النبوية -يقظةً- من الأولياء -كجلال الدين السيوطي- وإن التقوا بالرسول الأكرم يقظة، وتشرفوا بصحبته في هذا العالم لا يستطيعون كذلك أن يبلغوا درجة الصحابة؛ إذ إن صحبة الصحابة كانت بنور النبوة الأحمدية، أي كانوا يحادثونه وهو نبي، أما رؤية الأولياء الرسولَ الأكرم -صلى الله عليه وسلم- فهي صحبة بنور الولاية الأحمدية بعد وفاته، إذن فتمثل الرسول الأكرم -صلى الله عليه وسلم- لنظرهم وظهوره هو عن طريق الولاية الأحمدية وليس باعتبار النبوة، وما دام الأمر هكذا، فينبغي أن تتفاوت كلتا الصحبتين بقدر سمو درجة النبوة على درجة الولاية.
ويُفهم كيف أن الصحبة النبوية إكسير نوراني بما يلي:
إن رجلاً بدويًّا مع ما له من قسوة وحشية تجعله يئد ابنته([2])؛ يأتي ويتشرف بالصحبة النبوية ساعة فيكتسب شفقة رحيمة تجعله لا يطأ النملة بقدمه بعد.
وكذا إن رجلاً آخر جاهلاً وحشيًّا يحظى بالصحبة النبوية يومًا فينطلق ويذهب إلى بلاد كالصين والهند فيصبح معلم الحقائق، ومرشد الكمالات لأقوام متحضرين.
[1])) إكسير: مادة مركبة كان الأقدمون يعتقدون أنها تحول المعدن الرخيص إلى ذهب.
[2])) يئد ابنته: يدفنها وهي حية.
114. صفحة
السبب الثاني:
وهو - كما بُين وأُثبت في مبحث الاجتهاد الذي في “الكلمة السابعة والعشرين” - أن الصحابة بأكثريتهم المطلقة في أعلى درجات كمالات الإنسانية؛ لأن الخير والحق في ذلك الزمان وذلك الانقلاب الإسلامي العظيم قد شوهدا بكل جمالهما، وشوهد الشر والباطل بكل قبحهما وأُحسّ بهما مادةً، وكانت المسافة بين الخير والشر وبين الصدق والكذب قد انفرجت بدرجة كبيرة وابتعدت كبعد المسافة بين الإيمان والكفر، بل كمسافة ما بين الجنة والنار.
ولاشك أن الصحابة الذين جُبِلت فطرتهم على المشاعر السامية وكانوا تواقين([1]) لمعالي الأخلاق ومتطلعين إلى العزة والمباهاة؛ لم يمدوا أيديهم إلى الكذب والشر ولم يسقطوا باختيارهم وإرادتهم في دَرَك([2]) مسيلمة الكذاب ذي الكلمات الرديئة السخيفة، والذي هو مثال الكذب والشر والباطل والدال عليه والداعي إليه.
وإن السعي بكل قوتهم وهمتهم نحو حبيب الله -صلى الله عليه وسلم- الداعي إلى الصدق والخير والحق ونموذجه ومثاله، متطلعين إلى مقامه الذي في كمالات أعلى العليين؛ لهو من مقتضى سجاياهم([3]).
فمثلاً: لا يشتري المرء أحيانًا بعض الأشياء التي تُعْرَض في سوق المدنية البشرية ودكان الحياة الاجتماعية الإنسانية؛ لما تولده من نتائج وآثار سيئة، بل ينفر ويفر منها بكل قوته كأنها سم قاتل.
وبعض الأشياء والأمتعة المعنوية تجذب نظرَ الجميع إليها لما لها من نتائج حسنة وآثار قيمة كما يجذب العلاج الناجع([4]) والدرر الثمينة الأنظار، فيحاول أن يشتريها كل فرد ما استطاع إلى ذلك سبيلاً؛ كذلك فإن موادّ كالكذب والشر والكفر في
[1])) تواقين: متطلعين ومشتاقين.
[2])) الدرك: جمع دركة، وهي المنزلة السفلى، عكس الدرجة.
[3])) سجاياهم: طبائعهم وأخلاقهم.
[4])) العلاج الناجع: العلاج الفعّال المفيد النافع.
115. صفحة
سوق الحياة الاجتماعية الإنسانية في عصر السعادة تولّد نتائج كالشقاوة الأبدية وسخفاء سفلة كمسيلمة الكذاب([1])، فمن البديهي أن يتجنبها الصحابة الذين هم عشاق السجايا والمعالي العالية تَجَنُّبَهُمْ السمّ القاتل وأن ينفروا منها.
وإن موادّ كالصدق والحق والإيمان التي تنتج السعادة الأبدية وثمارا نورانية كالرسول الأكرم - صلى الله عليه وسلم- من الضروري أن يشتاق إليها الصحابة الذين صفت فطرتهم وسمت سجاياهم بكل قوتهم وحسياتهم ولطائفهم، وأن يكونوا زبائن لها يشترونها كشرائهم العلاج الناجع والألماس الثمين الغالي.
والحال أنه بعد ذلك العصر، وبمرور الزمن، ضاقت المسافة التي بين الصدق والكذب تدريجيًّا فأصبحا متقاربين جنبًا إلى جنب، وصارا يباعان معًا في دكان واحد، وفسدت الأخلاق الاجتماعية، وأدت الدعايات السياسية إلى ترويج الكذب كثيرًا، فمَن الذي يتجرأ ويدّعي أنه يستطيع أن يصل إلى قوة الصحابة وصمودهم وتقواهم من حيث العدالة والصدق والسمو والحقانية، أو يدعي أنه يفوق درجاتهم في مثل هذا الوقت الذي اختفى فيه قبح الكذب المذهل، وأخذ جمال الصدق الباهر في التلاشي؟!
وسأذكر حالة مرت عليّ تُلقي الضوء على المسألة الآنفة إلى حد ما، وهي أنه خطر على قلبي ذات مرة: لماذا لا يستطيع أن يصل أشخاص أفذاذ كمحيي الدين بن عربي إلى مرتبة الصحابة؟ ثم انكشف لي معنى كلمة [سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى] في أثناء قولي لها في الصلاة - ليس معناها الكامل، ولكن اتضح شيءٌ من حقيقتها - فقلت في قلبي: فلو وُفِّقتُ لصلاة واحدة كتوفيقي لهذه الكلمة لكانت أفضل من عبادة سنة كاملة، فأدركت بعد تلك الصلاة أن تلك الخاطرة وتلك الحال هي إرشاد إلى أنه لا يمكن الوصول إلى درجة الصحابة في العبادة.
أجل؛ تفرقت وابتعدت الأضداد بعضها عن بعض في ذلك الانقلاب الاجتماعي العظيم الذي حدث بأنوار القرآن الحكيم، وتواجهت الشرور بكل توابعها وظلماتها وتفرعاتها مع الخيرات والكمالات بكلّ أنوارها ونتائجها وأصبحت المشاعر مثارة.
[1])) مسيلمة الكذاب: شخص ادعى النبوّة والتف حوله أناس كثيرون بعدما ارتدّوا عن الإسلام.
116. صفحة
في مثل هذا الوسط كان يفيد كلُّ ذِكر وتسبيح معانيه بكل طبقاتها طريةً نديةً وطازجةً وغضةً([1])، ويوقظ كل حسيات الناس الذين كانوا تحت تأثير ضجة ذلك الانقلاب العظيم، ويوقظ كذلك لطائفهم المعنوية حتى كانت الحواسُّ - كالوهم والخيال والسر - ترتشف([2]) وتمصّ متيقظةً متنبهةً - حسب تذوقاتها الخاصة - المعانِيَ المتعددة لذلك الذِكر ولتلك التسبيحات.
وبناءً على هذه الحكمة؛ فالصحابة المتيقظةُ كل حسياتهم والمتنبهةُ كل لطائفهم حينما يذكرون الكلمات المباركة الجامعة للأنوار الإيمانية والتسبيحية فإنهم كانوا يذكرونها بكل معاني الكلمة، ويأخذون حظهم منها بجميع لطائفهم، لكن اللطائف بدأت تنغمس([3]) في النوم، وأخذت الحواس تغفل عن تلك الحقائق شيئًا فشيئًا كلما مر الزمن بعد ذلك الانفلاق والانقلاب العظيم، ففقدت تلك الكلمات المباركة - بمرور الزمن - لطافتها وطرواتها بستار الأُلفة كفقد الثمار لطافتها وطرواتها، فبقيت نداوة وطرواة قليلة وكأنها تجف بهواء السطحية حيث لا يمكن أن تعاد إلى حالتها الأولى إلا بعد عمليةٍ تفكرية قوية؛ ولذلك فالفضيلة والمقام اللذان اكتسبهما صحابي في أربعين دقيقة لا يمكن أن يبلغهما غيره إلا في أربعين يومًا بل حتى في أربعين سنة.
السبب الثالث: وكما أثبت في “الكلمة الثانية عشرة” و“الكلمة الرابعة والعشرين” و“الكلمة الخامسة والعشرين” أن قياس النبوة بالولاية هو كقياس الشمس الحقيقية عينها بصورتها المثالية التي تشاهد في المرايا، فبقدر سمو دائرة النبوة على دائرة الولاية، يلزم تفوق الصحابة الذين هم خدام دائرة النبوة ونجوم تلك الشمس على الصالحين الذين هم في دائرة الولاية، وبهذا فلو اكتسب وليٌّ درجة وراثة النبوة والصديقية التي هي الولاية الكبرى - وهي ولاية الصحابة - فإنه لم يَصِل أيضًا إلى مقام الصحابة الذين هم الصف الأول.
ونبين ثلاثة أوجه من الوجوه المتعددة لهذا السبب الثالث:
[1])) غضة: طرية.
[2])) ترتشف: تمص بشفتيها.
[3])) تنغمس: تغرق.
117. صفحة
الوجه الأول: لا يمكن اللِّحاقُ بالصحابة في الاجتهاد؛ أَيْ في استنباط الأحكام؛ أي في فهم مرضيات الحق تعالى في كلامه؛ لأن محور الانقلاب الإلهي العظيم في ذلك الزمان كان يدور حول فهم المرضيات الربانية والأحكام الإلهية، وكل الأذهان كانت متوجهة إلى استنباط الأحكام، وكانت القلوب كلها تتساءل متلهفة: ما هو مراد ربنا مِنَّا؟ وكانت تجري أحوال الزمان بنمط وأسلوب يوحي ويُشعِر بتلك الحالة، وكانت المحاورات تدور متضمنة تلك المعاني.
ولأن كلّ شيء وكلّ حال وكلّ محاورة وكلّ مؤانسة وحكاية كانت تجري على نمط وشكل يدرّس كل تلك المعاني إلى حد ما، وتكمّل استعداد الصحابة وتنوّر أفكارهم، ولأن استعدادهم في الاجتهاد والاستنباط كان كاستعداد الكبريت للاشتعال والتنَوُّر؛ فإن ما اكتسبوه من مرتبة استنباط واجتهاد في يوم أو في شهر واحد، لا يستطيع رجل في درجة ذكائهم واستعدادهم أن يكتسبه في عشر سنوات بل حتى في مائة سنة في هذا الزمان؛ لأن مدار النظر الآن هو السعادة الدنيوية بدلاً من السعادة الأبدية، فأنظار البشر متوجهة إلى مقاصد أخرى.
ولأن هموم المعيشة مع عدم التوكل تورث الروح حيرة، ولأن سخافة الفلسفةِ الطبيعيةِ والماديةِ تُعمِي العقلَ، فالمحيط الاجتماعي للبشر لا يُنَمِّي ذهنَ ذلك الشخص واستعدادَه من حيث الاجتهاد، بل يُشَتِّتُه ويبدِّده.
وقد أثبتنا في المقارنة التي عقدناها بين سفيان بن عيينة ومن هو في درجة ذكائه في مبحث الاجتهاد من “الكلمة السابعة والعشرين”: أن ما اكتسبه سفيان في عشر سنوات لا يستطيع أن يكتسبه الآخر في مائة سنة.
الوجه الثاني: لا يمكن بِخُطى الولاية إدراكُ مقام الصحابة ولحاقُه من حيث القُرْبِيَّة الإلهية؛ لأن الحق تعالى أقرب إلينا منا، وأقرب إلينا من كل شيء، أما نحن فبعيدون عنه كل البعد، ويكون اكتساب قربيته على صورتين:
إحداهما: بانكشاف الأقربية([1])؛ إذ القربية([2]) الموجودة في النبوة تتوجه إليها، والصحابة قد نالوا ذلك السرَّ عن طريق وراثة النبوة وصحبتها.
[1])) الأقربية: قرب الله سبحانه وتعالى من العبد.
[2])) القربية: محاولة قربِ العبد من الله سبحانه وتعالى.
118. صفحة
الصورة الثانية: التشرف بالقربية - إلى حدٍّ مَا - بقطع المراتب من حيث بعديتنا، حيث إن أكثر سير وسلوك الولاية والسير الآفاقي يجري حسبها وعلى صورتها.
فالصورة الأولى وهبية بحتة وليست كسبية، وهي انجذاب وجذب رحماني ومرتبةُ محبوبيةٍ، والطريق فيها قصير ومع ذلك ممهّد ومعبّد وعالٍ وسامٍ وخالصٌ للغاية ولا غيوم فيه.
أما الأخرى فكسبية وطويلة وغائمة، ولا تستطيع أن تَبلُغَ درجةَ الصورةِ الأولى من حيث القيمة والقربية وإن كانت خوارقها وعجائبها كثيرة.
فمثلاً وكما أن هناك طريقين لِلرجوع إلى الأمسِ ونحن في اليوم:
أولهما: رؤية يوم الأمس حاضرًا كهذا اليوم بالصعود فوق الزمان بقوة قدسية بالتجرد من جريان الزمان.
وثانيهما: قطع مسافة سنة كاملة والعودة في النهاية إلى الأمس؛ إلا أنه لا يستطيع الإنسان أن يمسك به؛ إذ يتركه ويمضي.
كذلك النفوذ من الظاهر إلى الحقيقة على صورتين:
إحداهما: وجدان الحقيقة في الظاهر عَينِه بالانجذاب إليها مباشرة دون الولوج([1]) في برزخ([2]) الطريقة.
ثانيتهما: قطع مراتب كثيرة بالسير والسلوك.
ومع أن أهل الولاية يوفقون إلى إفناء النفس الأمارة وقتلها؛ فإنهم لا يستطيعون أن يبلغوا درجة الصحابة؛ لأن نفوس الصحابة قد زُكِّيَتْ وطُهِّرَت؛ لذا فإنهم حظوا أكثر من غيرهم بأنواع العبودية وأقسام الشكر والحمد عن طريق الأجهزة الكثيرة الكامنة في ماهية النفس، بينما عبودية الأولياء تَكتسب بساطة بعد فناء النفس.
الوجه الثالث: لا يمكن إدراك الصحابة ولحاقهم من حيث فضائل الأعمال وثواب الأفعال والأجر الأخروي، فكما أن جنديًّا يمكنه أن يكتسب ثواب عبادة سنة كاملة خلال ساعة واحدة بمرابطةٍ في موقع مهمٍّ وخطر ضمن بعض الشروط، ويرتقي في دقيقة واحدة - بإصابة طلقة واحدة - إلى مقام مثل درجة الولاية وهو مقام لا يمكن
[1])) الولوج: الدخول.
[2])) برزخ: معبر وممر.
119. صفحة
اكتسابه إلا في أربعين يومًا على أقل التقدير؛ كذلك فإن خدمات الصحابة في تأسيس دعائم الإسلام ونشر أحكام القرآن الكريم، وتحديهم العالم وإعلانهم الحرب عليه أجمع من أجل الإسلام لهي عمل عظيم، فلو اجتهد غيرهم سنة كاملة لما استطاعوا أن يبلغوا درجة ما قاموا به من عمل في دقيقة واحدة؛ حتى يمكن القول: إن كل دقائق عمرهم في تلك الخدمة المقدسة هي مثل دقيقة ذلك الجندي الشهيد، وإن ساعاتهم كلها هي بِمنْزلة ساعة جندي فدائي يرابط في موقع مخيف خطير، حيث العملُ قليل وأجرته كثيرة وقيمته عظيمة رفيعة.
أجل؛ بما أن الصحابة يُشكِّلون الصفَّ الأول في تأسيس بناء الإسلام وفي نشر الأنوار القرآنية؛ فلهم إذن حظ من حسنات جميع الأمة حسب قاعدة: [السبب كالفاعل]، وترديد الأمة: [اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ] يبين أن للصحابة حظًّا من حسنات جميع أمته.
كذا، وكما أن خاصية صغيرة في جذور شجرة تتخذ صورة كبيرة في فروعها وأغصانها وتصبح أكبر من غصن كبير، وكما أن ارتفاعًا ضئيلاً في مبدئه يشكل شيئًا فشيئًا ارتفاعًا كبيرًا في النهاية، وكما أن زيادةً بالقرب من نقطة المركز بقدر رأس الإبرة تقابل في بعض الأحيان مِتْرًا كاملاً في منتهى دائرة المحيط، كذلك - وكما في تلك الأمثلة الأربعة - فعمل الصحابة القليلُ كثيرٌ وخدمتهم البسيطة عظيمة؛ لأنهم كانوا من جذور الشجرة النورانية للإسلام وأصولها، وكانوا في مبدأ الخطوط النورانية لبناء الإسلام، وكانوا من أئمة الأمة الإسلامية وأوائلها، وكانوا قريبين من مركز شمس النبوة وسراج الحقيقة؛ لذا لابد أن يكون المرء صحابيًّا حقيقيًّا كي يلحق بهم.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ الذِّي قَالَ "أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهم اقتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ"
و"خَيْرُ القُرُونِ قَرْنِي" وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ
سُبْحَٰانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الحْكِيمُ
120. صفحة
سؤال: يقال: إن الصحابة رَأَوْا الرسول الأكرم -صلى الله عليه وسلم- ثم آمنوا، أما نحن فآمنَّا دون أن نراه، إذن فإيماننا أقوى، وهناك رواية تدل على قوة إيماننا.
الجواب: إن الصحابة عند معارضة أفكار العالم العامة للحقائق الإسلامية في ذلك الزمان آمنوا بمجرد رؤية الرسول الأكرم -صلى الله عليه وسلم- على صورته البشرية، وأحيانًا دون معجزة؛ إيمانًا لم تكن الأفكار العامة للعالم لتستطيع أن تزلزله، ولا أن تلقي الوسوسةَ في قلوب بعضهم ناهيك عن الشبهة.
أما أنتم فتقارنون إيمانكم بإيمان الصحابة، مع أن الأفكار الإسلامية العامة قوة وسند لإيمانكم، ومع أنكم رأيتم الرسول الأكرم -صلى الله عليه وسلم- لا بصورته البشرية الجسمانية التي هي بذرة شجرة طوبَى نُبُوَّتِه، بل رأيتم بعين العقل أنوار الإسلام العامة والحقائق القرآنية وشخصيته المعنوية النورانية العظيمة الرائعة محاطةً بآلاف المعجزات؛ فأين إيمانكم الذي يقع في وسوسة وشبهة بكلام فيلسوف أوربِّي من إيمان الصحابة الذي لم يتزلزل ولم يتزعزع أمام هجمات جميع عالم الكفر والنصارى واليهود والفلاسفة أجمعين؟
ويا أيها المدعي؛ أين إيمانك الواهي، الذي لا يُظهر الفرائض منك كاملة لشدة ضعفه؟ أين هذا الإيمان من شدة تقوى الصحابة وكمال صلاحهم الذي يدل على قوة إيمانهم والذي هو ترشحات له؟!
أما ما ورد في الحديث من رواية ما معناه [الذي يؤمن بي دون أن يراني في آخر الزمان فهو أفضل إيمانًا] فيعود إلى الفضائل الخاصة وهو في حق بعض الأشخاص الخاصين، أما بحثنا فهو من حيث الفضائل الكلية والأكثرية.
السؤال الثاني: يقولون: إن أهل الولاية وأصحاب الكمالات قد تركوا الدنيا، حتى إنه جاء في الحديث [حُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ] بينما الصحابة توغلوا في الدنيا
121. صفحة
كثيرًا، وليس يتركوها؛ بل إن بعض الصحابة قد تجاوز أهلَ حضارة ذلك الزمن كثيرًا، فكيف تقولون إن أدْنىَ صحابي من هؤلاء له منزلةُ أكبرِ وَلِيٍّ من أولياء الله الصالحين؟
الجواب: قد أُثبت إثباتًا قاطعًا في الموقف الثاني والثالث من “الكلمة الثانية والثلاثين” أن حبَّ وجهِ الدنيا المتوجهِ إلى الآخرة ووجهها الناظر إلى الأسماء الإلهية ليس سببًا في النقصان، بل هو مدار للكمال، وكلما ازداد المرء حبًّا في ذينك الوجهين ازداد من معرفة الله وعبادته.
وأما دنيا الصحابة فهي في هذين الوجهين وهم اعتبروا الدنيا مزرعة الآخرة، فزرعوا وحصدوا، واعتبروا الموجودات مرايا للأسماء الإلهية، فنظروا فيها وتأملوها باشتياق.
أما قبح الدنيا فهو وجهها الفاني؛ إذ يتوجه إلى هوى الإنسان.
السؤال الثالث: إن الطرق الصوفية هي سُبُلُ الحقائق، وعرّف بعضُ أبطالِ وأئمةِ الطريقة النقشبندية([1]) -التي يُزعم أنها الأشهر والأعلى والجادة الكبرى من بين الطرق الصوفية- أساسَ هذه الطريقة فقالوا: [دَرْ طَرِيقِ نَقْشِبَنْدِي لاَزِمْ آمِدْ جَارِ تَرْك.. تَرْكِ دُنْيَا، تَرْكِ عُقْبَا، تَرْكِ هَسْتِي، تَرْكِ تَرْك].
أي: يجب أربعة أشياء في الطريقة النقشبندية، وهي: عدم جعل الدنيا وأيضا الآخرة مقصودين حقيقيين لحساب النفس، ونسيانُ الذات، وعدمُ تذكر هذه الأربعة الأشياء حتى لا يقع المرء في العجب والفخر؛ إذن فمعرفة الله الحقيقية والكمالات الإنسانية إنما تحصل بترك ما سِوَى الله.
الجواب: لو كان الإنسان عبارةً عن قلبٍ فقط لكان ينبغي ترك ما سوى الله كلّه وحتى ترك الأسماء والصفات، وكان ينبغي ربط القلب بذات الحق تعالى وحده، لكن للإنسان لطائف وحواس كثيرة جدًّا؛ كالعقل والروح والسرّ والنفس، ولكل واحدة منها وظائفها ومهامها.
[1])) الطريقة النقشبندية: طريقة صوفية مشهورة.
122. صفحة
فالإنسان الكامل هو من يجعل القلبَ -كالصحابة- يسيرُ بشجاعة في نطاق واسع جامع إلى المقصد بجنود مكونة من اللطائف، وكأنه قائد يسوق كل تلك اللطائف إلى جانب الحقيقة في طريق العبودية المخصوصة لكل واحدة منها، وإلا فإن سير القلب وحده تاركًا جنوده لكي ينقذ نفسه فقط، ليس مدارَ افتخار بل نتيجة لاضطرار.
السؤال الرابع: من أين نشأ ادّعاء الأفضلية على الصحابة ومَن أتى به؟ ولماذا تُثارُ هذه المسألة في هذا الزمان؟ ومن أين جاءت دعوى المساواة بالمجتهدين العظام؟
الجواب: إن القائلين بهذه المسألة قسمان:
قسمٌ هم أهل الدين وأهل العلم المخلصون، رأوْا بعض الأحاديث فتحدثوا عن مثل هذه المسائل لتشويق وترغيب أهل التقوى والصلاح في هذا الزمان، وليس لنا أيُّ قول في هذا القسم، وهم قلة، وينتبهون بسرعة.
أما القسم الآخر فهم أناس مغرورون في غاية الغرور، يريدون أن ينشروا تجنبهم ورفضهم اتّباعَ المذاهب تحت دعوى المساواة بالمجتهدين العظام، ويريدون أن يُقِيموا إلحادهم تحت دعوى المساواة بالصحابة؛ لأنه:
أولاً: قد وقع أهل الضلالة هؤلاء في السفاهة وأصبحوا من مدمنيها، ولا يستطيعون أن يقوموا بالتكاليف الشرعية التي تمنع السفاهة، ويقولون لكي يجدوا ذريعة([1]) لأنفسهم: إن هذه المسائل اجتهادية، وإن المذاهب تختلف في هذه المسائل، وهم رجال مثلنا، وقد يخطئون، وعليه فنحن كذلك نجتهد مثلهم، ونؤدِّي عباداتنا كما نشاء، فما الذي يجعلنا مضطرين لاتباعهم؟
فهؤلاء التعساء يخلعون ربقة([2]) المذاهب من رقابهم بهذه الدسيسة الشيطانية، ودعواهم هذه واهية لا أصل ولا صحة لها، وقد أُثبت هذا في “الكلمة السابعة والعشرين” إثباتًا قاطعًا، لذا نُحيل إليها.
[1])) ذريعة: سبب.
[2])) الربقة: حبل ذو عرى، أو حلقة لربط الدواب، والمراد هنا أنهم يتحرّرون من مذاهبهم ولا يتقيّدون بها.
123. صفحة
ثانيًا: رأى هذا القسم من أهل الضلالة أن الأمر لا ينتهي عند دعوى المساواة بالمجتهدين فقط؛ إذ إن ما يحمله هؤلاء المجتهدون على عواتقهم هو النظريات الدينية فقط، بينما هذا القسم من أهل الضلالة يريد أن يترك الضروريات الدينية ويغيرها، فلا تتم قضيتهم إذا قالوا: إننا أحسن وأفضل منهم؛ لأن المجتهدين يمكنهم أن يتدخلوا في النظريات والفروع غير القطعية، بينما أهل الضلالة وهؤلاء اللامذهبيُّون يريدون أن يُدخِلوا أفكارهم حتى في الضروريات الدينية، ويبدلوا المسائل غير القابلة للتبديل، ويخالفوا الأركان القطعية للإسلام؛ لذا فلاشك أنهم سينالون من الصحابة الذين هم حملة الضروريات الدينية وأعمدتها، وهيهات! فلا يمكن لأمثال هؤلاء الحيوانات الذين هم في صورة إنسان، بل حتى لا يمكن للأناس الحقيقيين، بل لأكثرهم كمالاً وهم كبار الأولياء؛ أن يكسبوا دعوى المساواة ضد أصغر صحابي، وقد أُثبِت ذلك إثباتًا قاطعًا في “الكلمة السابعة والعشرين”.
اللّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى رَسُولِكَ الَّذِي قَالَ:
«لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابِي، لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ نِصْفَ مُدٍّ مِنْ أَصْحَابِي»
صَدَقَ رَسُولُ اللهِ.


