الأساس الرابع من الكلمة الحادية والثلاثين
التنقل
184. صفحة
الأساس الرابع
من الكلمة الحادية والثلاثين
ما ثمرات المعراج وفوائده؟
الجواب:
سنذكر خمس ثمرات فقط، كنموذج من ثمرات المعراج الذي هو شجرة طوبى معنوية والذي له ما يزيد على خمسمائة ثمرة.
الثمرة الأولى:
رؤية حقائق الأركان الإيمانية رؤية عين، ومشاهدة الملائكة والجنة والآخرة، بل حتى الذات الجليلة بالعين، فالرسول قد أتى بخزانة ونور أزلي وأبدي هديةً للكون وللبشر؛ إذ أخرج ذلك الكونَ من وضع موهوم تَعِس بائس فانٍ مضطرب، وأظهره بذلك النور وتلك الثمرة بوضعه الحقيقي على أنه مكتوب صمداني قدسيٌّ، ومرآةٌ جميلة لجمال الأحَدِيَّة فأبهج وسرَّ الكون وجميعَ ذوي الشعور.
وأخرج كذلك بذلك النورِ وتلك الثمرةِ البشرَ من وضع مشوب([1]) بالضلالات، مشَوَّش، تَعِس، عاجز، فقير لا حد لحاجته، ولا نهاية لأعدائه، فانٍ لا بقاء له، وأظهر بذلك النور وتلك الثمرة المقدسة في صورته الحقيقية أنه في أحسن تقويم، وأنه معجزةٌ من معجزات القدرة الصمدانية، ونسخةٌ جامعة لمكتوباته الصمدانية، ومخاطبٌ لسلطـان الأزل والأبد، وعبدُه الخاص، ومستحسِنُ كمالاته وخليلُه والمعجَبُ بجماله، وحبيبهُ وضيفُه العزيز المرشّح لجنته الباقية، ووهب كلَّ الناس الحقيقيين سرورًا لا نهاية له، وشوقًا لا حدَّ له.
[1])) مشوب بالشيء: مخلوط به.
185. صفحة
الثمرة الثانية:
وهي أنه - عليه الصلاة والسلام - أتى بأسس الإسلام، وفي مقدمتها “الصلاة” هديةً إلى الجن والإنس، تلك الأسس التي هي المرضيات الربانية لحاكم الأزل والأبد وهو صانع الموجودات ومالك الكون ورب العالمين؛ حيث إنَّ فهم تلك المرضيات يثير لدى الإنسان الشوقَ والرغبة لفهمها ويهب السعادةَ إلى حد لا يمكن وصفه؛ لأن كل إنسان يرغب رغبة قوية في أن يعرف مِن بعيد رغبات وليِّ نعمه العظيم أو سلطانِه المحسن، وكم يكون مسرورا إذا عرف ذلك! ويتمنى قائلا: “يا ليت هناك واسطة مخابرة وتكلمتُ معه مباشرة، وعرفت ما يريده مني، وما الذي يعجبه مني؟”
ترى كم يجب أن يكون البشر الذي حظي بإحساناته التي لا تعد ولا تحصى، والذي هو محتاجٌ كلَّ آنٍ لما لا نهاية له من وجوهٍ إلى من هو جميع الموجودات في قبضة تصرفه، وكلُّ الجمال والكمالات ظلٌّ ضئيلٌ بالنسبة إلى جماله وكماله؛ تفهم من ذلك كله كم يجب أن يكون البشر متلهفًا ومتطلعًا لفهم مرضياته ورغباته، فها هو ذا الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم قد سمع مرضيات سلطان الأزل والأبد كثمرة للمعراج من وراء سبعين ألف حجاب سماعًا مباشرًا بحق اليقين، وأتى بها وقدّمها هدية إلى البشرية.
نعم؛ كم يتطلع الإنسان إلى معرفة ما يحدث في القمر! وإذا ما ذهب أحد إلى هناك وعاد فأخبر بما فيه، كم يضحي من أجل ذلك الخبر، وتأخذه الحيرة والفضول إذا ما عرف تلك الأخبار، في حين أن القمر يسيح ويتجول في مملكة مالك الملك ذي الجلال الذي ليس القمرُ في ملكه إلاَّ كذُبابٍ يطير حول كرة الأرض، والكرة الأرضية تطير كالفراشة حول الشمس، والشمس سراجٌ من بين ألوف السُّرُج حيث تؤدي وظيفة الشمعدان في دار ضيافة مالك الملك ذي الجلال.
فالرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم قد رأى شئون الذات ذي الجلال وعجائبَ صنعته وخزائنَ رحمته في عالم البقاء، وعاد وحدّث البشر بما رآه، فإن لم ينصت البشر إلي هذه الشخصية العظيمة صلى الله عليه وسلم بكمال الشوق واللهفة والإعجاب والمحبة؛ تدرك كيف أنهم يتصرفون بخلاف العقل والحكمة.
186. صفحة
الثمرة الثالثة:
إنه قد رأى كنز السعادة الأبدية، وتسلّم مفتاحه، وأتى به هدية للإنس والجن.
نعم، إنه قد رأى بعينيه الجنة بواسطة المعراج، وشاهد التجليات الباقية لرحمة الرحمن ذي الجمال، وأدرك السعادة الأبدية قطعا وبحق اليقين، وأهدى بشرى وجودِ السعادة الأبدية إلى الجن والإنس؛ حيث لا يمكن وصف مثل هذه البشرى في حين أن الجن والإنس العاجزين كانوا في وضع موهوم حَرِجٍ خانق في دنيا لا ثبات لها؛ حيث تنصبُّ الموجودات في زلزلة الزوال والفراق بسيل الزمان وبحركات الذرات إلى بحر العدم والفراق الأبدي، ولا يمكن وصف أبعاد ما تورثه تلك البـشرى من سعادة لدى الجن والإنس الفانين الذين يظنون أنهم محكوم عليهم بالإعدام الأبدي.
وانظر كم يكون العفوُ عن رجل محكوم عليه بالإعدام قبيل تنفيذ الإعدام، وإعطاؤه قصرًا عظيمًا قريبًا من السلطان سببًا لسعادته! فاجْمَعْ جميع مثل ذلك السرور بعدد جميع الجن والإنس وقدِّر قيمة تلك البشرى.
الثمرة الرابعة:
كما أنه أَخَذَ ثمرةَ رؤيةِ جمال الله سبحانه كذلك فقد أتى بهدية للجن والإنس وهي أنه يمكن لكل مؤمن أيضًا أن يحظى بتلك الثمرة.
ويمكنك أن تقدر كم أن تلك الثمرةَ لذيذة ولطيفة وطيبة كالآتي:
إن كل إنسان ذي قلب يحب مَن هو ذو الجمال والكمال والإحسان، وهذه المحبة تزداد وفق درجات الجمال والكمال والإحسان، حتى تبلغ درجة العبودية، وتبدأ عنده محبة بدرجة أن يضحِّي بروحه لأجل محبوبه، وتصل إلى درجة أنه يضحِّي بدنياه لأجل رؤيته مرة واحدة.
والحال أن نسبة كل ما في الموجودات من جمال وكمال وإحسان إلى جماله وكماله وإحسانه سبحانه لا تبلغ حتى نسبة ما بين بضع لُميعات ضئيلة وبين الشمس، فتدرك
187. صفحة
إذن - إن كنت إنسانًا حقًّا - كم أن التوفيق في السعادة الأبدية إلى رؤية الذات ذي الجلال والكمال - الذي هو جدير بمحبة غير متناهية وجدير برؤية وشوق غير متناهيين - يورث السعادة ويكون سببًا للسرور، وكم أنه ثمرة لطيفة وجميلة!
الثمرة الخامسة:
إنه قد فُهم كونُ الإنسان ثمرةً قيمةً للكون، ومحبوبًا مكرَّمًا لصانع الكون بوساطة المعراج.
وأتى الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم بهذه الثمرة إلى الجن والإنس، ورفع الإنسانَ الذي هو مخلوق صغير وحيوان ضعيف وذو شعور عاجز بتلك الثمرة إلى مقام سامٍ عالٍ، بحيث وهبه مقامَ فخرٍ فوق جميع مخلوقات الكون، ومنحه من الفرح والسرور المفعَم([1]) بالسعادة إلى حد لا يُتصور؛ لأنه إذا قيل لجندي اعتيادي واحد: "لقد أصبحتَ مشيرًا"([2])، فكم يكون مسرورا فرِحًا! فكذلك إذا قيل جملة للحيوان الفاني العاجز، أي الإنسان البائس الذي يتلقى لطمات الزوال والفراق دائمًا:
“إنك وُفِّقتَ للتنَزُّه والسير والتجوال في جنة أبدية خالدة، وفي رحمةِ رحمن رحيمٍ كريمٍ، وفي سرعة الخيال وسعة الروح وتجوال العقل وجميع رغبات القلب وفي الملك والملكوت، وستُوفَّق كذلك إلى رؤية جماله سبحانه في السعادة الأبدية”؛ فتستطيع أن تتخيل مدى ما سيشعر به إنسان لم تنحط إنسانيته من فرح وسرور حقيقيين وعميقين في قلبه عند سماع هذا الكلام!
والآن نقول لمن هو في مقام الاستماع: مزّق عنك قميص الإلحاد واطرحه([3])، وتَلَبَّسْ أذن المؤمن، وتقلّد عيني المسلم، فسنبين لك قيمةَ بضعِ ثمرات ضمن مثالين صغيرين.
المثال الأول:
هب أننا معك في مملكة، ونرى أن كل شيء عدو لنا، وأن كلاًّ يعادي بعضه بعضًا، وكل ما فيها غريب عنا، وكل مكان فيها مليء بجنائز مروعة وكل الأصوات المتعالية بكاء
[1])) المفعم: المليء.
[2])) المشير: أعلى رتبة عسكرية.
[3])) اطرحه: ألقِهِ وارمِهِ.
188. صفحة
لأيتام ونواحٌ لهم، واستغاثات مظلومين؛ وبينما نحن في حالة كهذه لو ذهب أحدهم إلى سلطان هذه المملكة وعاد ببشرى، وتحول بهذه البشرى كل أولئك الغرباء عنا إلى أحباب، وانقلب كل ما نراه عدوا لنا إلى إخوان لنا، وتراءت تلك الجنائز المروعة كعُبَّاد ذاكرين، ومسبحين في خشوع وخضوع، وتحول ذلك البكاء والنواح إلى هتافات مدح وثناء: يحيا! يحيا!، وتحولت تلك الوَفَيَات والغصب والنهب إلى صورة تسريحات عن الوظيفة وشاركْنا الآخرين في سرورهم بسرورنا، فستدرك بلاشك كم أن تلك البشرى سارة ومُبهجة.
إذا ما نُظر إلى موجودات الكون بنظر الضلالة قبل نور الإيمان الذي هو إحدى ثمرات المعراج الأحمدي تراءت غريبة مضرة مزعجة ومتوحشة، والأجسام الضخمة كالجبال جنائز تثير الدهشة، والأجل يضرب أعناق الموجودات ويرميها إلى غياهِب العدم الأبدي، وجميع الأصوات والأصداء صراخًا ونعيًا ينشأ عن الفراق والزوال، فبينما تصوِّر الضلالةُ كل هذه الموجودات والأحداث على هذه الصورة، تريك حقائقُ أركان الإيمان - وهي من ثمرات المعراج - الموجوداتِ كلها على أنها أحِبَّاء وإخوان، وذاكِراتٌ لصانعها ذي الجلال، ومسبحات له، وأن الموت والزوال نوع من تسريح وإعفاء من الوظيفة وتلك الأصوات والأصداء إنما هي تسبيحات.
فإن شئت أن ترى هذه الحقيقة واضحة تماما فراجع “الكلمة الثانية” و“الكلمة الثامنة”.
المثال الثاني:
هب أننا معك في موقع كصحراء كبرى وسط عواصف رملية، والليل مظلم ظلاما دامسًا([1]) فلا نستطيع أن نرى حتى أيدينا، ونحن وحيدون بلا حام([2]) ولا مأوى، وجائعون وظامئون ويائسون، فإن أتى أحد فجأة ونحن في هذه الحالة، بسيارةٍ هديةً لنا من بين حُجُب الظلام، وأركبَنا السيارة، وأنزلَنا توًّا في مكان شبيه بالجنة حيث مستقبلنا مضمون فيه، ولنا حام رحيم في منتهى الرحمة، وقد أُحْضر وأُعِدَّ فيه الطعام والشراب، فإنك تعلم يقينا كم نكون سعداء مسرورين!
فتلك الصحراء الكبرى هي هذه الدنيا، وتلك العواصف الرملية هي هذا الإنسانُ
[1])) دامس: شديد الظلام.
[2])) حام: مدافع ومنافح.
189. صفحة
المسكين والموجوداتُ التي تضطرب بتحريك سيل الزمان وحركات الذرات ضمن هذه الحادثات، وكل إنسان حزينِ القلب يرى المستقبل - بسبب قلقه عليه، من خلال نظرة الضلال - في ظلمات حالكة([1]) مذهلة، ولا يعرف من يُسمعه استغاثاتِه، وهو في منتهى الجوع وفي منتهى العطش.
وهكذا، فعندما ظهرت هذه الدنيا كدار ضيافة لِذَاتٍ كريم في منتهى الكرم، والناس ضيوفه وموظفوه، وظهر المستقبل زاهيا كالجنة، وحُلْوًا لطيفا كالرحمة، ولامعا باهرا كالسعادة الأبدية؛ كل ذلك إذا اتضح على هذه الصورة بالمرضيات الإلهية التي هي ثمرة من ثمرات المعراج؛ فإنك ستدرك كم أن هذه الثمرة لطيفة حلوة طيبة.
فالشخص الذي كان في مقام الاستماع يقول:
حمداً للحق تعالى، وشكرًا له بمئات الألوف، فقد نجوت من الإلحاد، واعتنقت التوحيد، وآمنت إيمانا جازمًا، وظفرت بكمال الإيمان.
ونحن نقول له:
أيها الأخ، نهنئك، ونسأل الحق تعالى أن يجعلنا ممن يحظون بشفاعة الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم آمين.
اَللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مَنِ انْشَقَّ بِإِشَارَتِهِ الْقَمَرُ، وَنَبَعَ مِنْ أَصَابِعِهِ الْمَاءُ كَالْكَوْثَرِ صَاحِبِ الْمِعْرَاجِ وَمَا زَاغَ الْبَصَرُ، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ، مِنَ أَوَّلِ الدُّنْيَا إِلَى آخِرِ الْمَحْشَرِ.
سُبْحَٰنَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الحْكِيمُ
ربَّنَا تَقَبَّلْ مِنّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ
رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا
رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا
رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
وءَاخِرُ دَعْوَيٰهُمْ أَنِ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالمَينَ
[1])) حالكة: مظلمة شديدة السواد.


