الغصن الخامس من الكلمة الرابعة والعشرين

170. صفحة

الغصن الخامس

من الكلمة الرابعة والعشرين

وله خمس ثمرات

الثمرة الأولى:

يا نفسي المحبةَ لذاتها إلى حد العبودية، ويا صاحبي العاشقَ للدنيا إلى حد العبودية؛ اعْلَمَا أن المحبة سببُ وجود هذا الكون ورابطتُه ونورُه وحياتُه، ولأن الإنسان أجمع ثمرة لهذا الكون؛ فإنه أدرجت في قلبه - الذي هو نواة لهذه الثمرة - محبةٌ قادرة على الاستيلاء على جميع الكائنات؛ لذا:

فلا يليق بهذه المحبة غير المحدودة إلا صاحب كمال لا حدود له.

فيا أيتها النفس ويا أيها الصديق، إنه قد أُدرج في فطرة الإنسان جهازان اثنان ليكونا أداةً للمحبة والخوف، وعلى كل حال؛ فإن هذه المحبة وهذا الخوف إما أنهما يتوجهان إلى الخلق وإما إلى الخالق، عِلمًا بأن الخوف من الخلق بَلِيَّةٌ أليمةٌ، ومحبة الخلق كذلك مصيبةٌ ذاتُ مخاطر؛ لأنك تخاف مَن لا يرحمك ولا يقبل استرحامك، والخوفُ إذن في مثل هذه الحالة مصيبةٌ أليمةٌ.

أما المحبة: فالذي تحبه إما أنه لا يعرفك فيرحل دون أن يستودعك، كشبابك ومالك، وإما أن يحقرك لمحبتك، ألا ترى أن تسعةً وتسعين بالمائة من العشاق المجازيين يشتكون من معشوقيهم؛ ذلك أن المحبة الشديدة إلى حد العبودية بباطن القلب الذي هو مرآة الصمد لمحبوباتٍ دنيويةٍ شبيهةٍ بالأصنام؛ ثقيلةٌ في نظر تلك المحبوبات، تستثقلها وتردها؛ إذ إن الفطرة ترد وتطرد الشيء الذي هو ليس بفطريٍّ وليس أهلاً لها، والحب الشهواني خارجٌ عن بحثِنا.

إذن فإن الأشياء التي تحبها إما أنها لا تعرفك وإما أنها تحقرك، أو لا ترافقك بل تفارقك رغم أنفك، فمادام الأمر هكذا فوجِّه هذا الخوف وهذه المحبة إلى من يكون معه خوفك تذلُّلاً لذيذًا وتكون محبتك سعادةً بلا ذلةٍ.


171. صفحة

أجل؛ إن الخوف من الخالق ذي الجلال يعني إيجاد سبيلٍ إلى شفقة رحمته والالتجاءَ إليها، فالخوف هو سوط يُلقي بالإنسان في حضن رحمته، ومن المعلوم أن الأمّ - مثلاً - تخيف صغيرها فتجلبُه إلى صدرها، فهذا الخوف لذيذٌ غاية اللذة لهذا الصغير؛ لأنه يجلبه إلى صدر الشفقة والحنان، علمًا بأن شفقة كلّ الوالدات ما هي إلا لمعةٌ واحدةٌ من لمعات الرحمة الإلهية، إذن فإن في الخوف من الله لذةً عظيمةً، ولئن كان في الخوف من الله لذةٌ كهذه؛ فكيف بمحبة الله؟! ألا يُفهم من هذا مدى اللذة اللانهائية الكامنة في محبة الله؟

وكذا فالذي يخاف الله يتخلص من خوف الآخرين المليء بالقساوة والبلايا، ثم إن محبته التي يحملها تجاه المخلوقات لا تكون محبةً مشوبةً بالفراق والألم؛ لأنها كانت في الله.

نعم؛ الإنسان يحب نفسه أولاً، ثم يحب أقاربه، ثم أمَّته، ثم ذوي الحياة من المخلوقات، ثم الكائنات، ثم الدنيا، فهو ذو علاقةٍ مع كل دائرةٍ من هذه الدوائر، ويمكنه أن يتلذذ بتلذذها ويتألم بتألمها، ولأنه لا يبقى شيءٌ مستقرًّا في هذا العالم المضطرب ذي الهرج والمرج، والذي تعصف به العواصف المدمرة، فالقلب المسكين لهذا الإنسان يُجرَح دومًا، والأشياء التي تتشبث يداه بها تُمزِّق يديه بالذهاب عنها بل تقطعها، فيبقى في اضطرابٍ دائمٍ أو يسكر نفسه بالغفلة.

فمادام الأمر كذلك؛ فيا أيتها النفس، إن كان لك عقلٌ فاجمعي كل ما تشعرين به من أنواع المحبة، وقدميها لصاحبها الحقيقي، وانجِي من هذه البلايا، فإن هذه المحبةَ اللانهائيةَ مخصوصةٌ بصاحب كمالٍ وجمالٍ لا نهاية لهما، فمتى تقدميها لصاحبها الحقيقي؛ يمكنك أن تحبي جميعَ الأشياء بلا اضطرابٍ وقلقٍِ باسمه، ومن حيث إنها مرايا له.

إذن ينبغي ألا تُصرف هذه المحبة إلى الكائنات مباشرةً، وإلا لانقلبت المحبة إلى نقمةٍ أليمةٍ بعد أن كانت نعمةً لذيذةً.

بقيت جهة أخرى وهي الأهم: أيتها النفس؛ إنك تصرفين محبتك إلى ذاتك، وتجعلينها معبودةً ومحبوبةً لك، وتُضحِّين بكل شيءٍ من أجلها، حتى لكأنك تمنحينها 

172. صفحة

الربوبية نوعًا ما، بينما سبب المحبة إما كمالٌ، والكمال محبوب لذاته، وإما منفعةٌ أو لذةٌ أو فضيلةٌ أو مثلها من الأسباب التي تؤدي إلى المحبة.

فالآن أيتها النفس؛ إننا قد أثبتنا في بعض الكلمات إثباتًا قاطعًا أن ماهيتَك الأصليةَ قد عُجِنَتْ بالقصور والنقص والفقر والعجز، فبها تؤدين وظيفة المرآة، فتُظهرين كمال الفاطر ذي الجلال وجماله وقدرته ورحمته بحسب الضدية؛ مثلما تُظهر الظلمةُ سطوعَ النور حسب درجة الظلام.

إذن أيتها النفس: ينبغي عليك ألا تحبي ذاتك، بل عليك معاداتها، أو عليك أن ترحميها، أو أن تشفقي عليها بعد أن تصبح نفسًا مطمئنةً.

فإن أحببت نفسك لكونها منشأ اللذة والمنفعة - وأنت مفتونةٌ بتذوق اللذة والمنفعة - فلا تفضلي مقدارَ ذَرَّةٍ من لذةٍ ومنفعةٍ نفسيتين على لَذاَّتٍ ومنافع لا نهاية لها، ولا تكوني كاليراعة لأنها تُغرِقُ جميع أحبابها وكل الأشياء التي تحبها في وحشة الظلمات وتكتفي هي في نفسها بلميعةٍ واحدةٍ.

إذ يلزم أن تحبي المحبوب الأزلي الذي لالتفاته تَتْبَعُ لذَّتُك ومنفعتُك النفسية، علاوةً على منافعِ ونعم جميع الكون والكائنات التي ترتبطين بها، وتنتفعين بجميع منافعها، وتسعدين بسعادتها؛ حتى تتلذذي بسعادتك أنتِ، وبسعادة كل أولئك، وتتلذذي بلذةٍ لا نهاية لها، لذة تنالينها من محبة الكمال المطلق.

وفي الحقيقة فإن ما فيك من المحبة الشديدة التي توجهينها إلى ذاتك إنما هي محبةٌ ذاتيةٌ تجاه ذاته - جل وعلا - إلا أنك تُسِيئِين استعمالها فتصرفينها إلى ذاتك، فمزِّقي إذن الـ “أنا” التي في نفسك، وأظهري الـ“هو”.

وأما محبتك التي توزعينها على الكائنات فإنما هي محبةٌ قد مُنِحت لك تجاه أسمائه وصفاته - جل وعلا - إلا أنك قد أسأت استعمالها فتقاسين عقابها، لأن عقاب محبةٍ غير مشروعةٍ لا تُصرَف في محلها هو مصيبةٌ بلا رحمةٍ. 


173. صفحة

ولاشك أن ذرةً من محبة المحبوب الأزلي الذي أعَدَّ باسم الرحمن الرحيم لرغباتك الجسمانية مسكنًا مزيَّنًا بالحُورِ - وهو الجنة - جامعًا لجميع رغباتك، والذي هيأ لكِ بسائر أسمائه في تلك الجنة إحساناتِه الأبديةَ التي تُشبِع رغباتِ روحك وقلبك وسِرّك([1]) وعقلِك، وسائرِ لطائفِك، والذي في كل اسمٍ من أسمائه خزائنُ إحسانٍ وكرمٍ معنويةٌ كثيرةٌ، ولاشك أن ذرةً من محبة ذلك المحبوب الأزليِّ يمكن أن تكون بديلاً وعِوَضًا عن الكائنات، والكائنات لا يمكنها أن تكون بدلاً وعوضًا عن تجلٍّ جزئيٍّ لمحبته؛ إذن فاستمعي إلى الفرمان الأزليِّ الذي أنطق بِهِ ذلك المحبوبُ الأزلي حبيبَه:

﴿إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ اللّهُ﴾ (آل عمران:٣١) واتبعيه.

الثمرة الثانية:

أيتها النفس؛ إن العبوديةَ ليست مقدمةً لمكافأةٍ لاحقةٍ بل هي نتيجةٌ لنعمةٍ سابقةٍ.

أجل؛ نحن قد أخذنا أجرتَنا، وإننا مأمورون ومكلفون مقابل ذلك بالخدمة والعبودية؛ لأن الخالق ذا الجلال الذي ألبسكِ - أيتها النفس - الوجودَ وهو الخير المحض قد وضع أمامكِ باسمه الرزّاق جميع المطعومات على مائدة نعمةٍ لما قد أعطاكِ من معدةٍ ذات اشتهاء.

ثم لأنه قد منحكِ حياةً حسّاسةً وهذه الحياة كذلك تطلب رزقًا كالمعدة، وجميع حواسك من عينٍ وأذنٍ وغيرها هي كالأيدي، فقد وضع جل وعلا أمامها مائدةَ نعمةٍ واسعةٍ سَعَةَ سطحِ الأرض.

ثم لأنه قد وهب لك الإنسانية التي تتطلب كثيرًا من الرزق والنعم المعنوية؛ فقد بسط لك مائدة نعمةٍ واسعةٍ سعةَ عالم الملك والملكوت، أمام معدة الإنسانية تلك بمقدار ما تصل إليه يد العقل.


[1]))السِرّ: لطيفةٌ مودعةٌ في القلب كالروح في البدن، وهي محل المشاهدة، كما أن الروح محل المحبة والقلب محل المعرفة.




174. صفحة

ثم لأنه قد أنعم عليكِ بنعمة الإسلام الذي هو الإنسانية الكبرى والإيمان واللذان يتطلبان نعمًا لا نهاية لها، ويتغذيان بثمار رحمةٍ لا حد لها؛ قد فتح لكِ مائدة نعمةٍ وسعادةٍ ولذة تشمل دائرةَ الأسماء الحسنى والصفات المقدسة مع دائرة الممكنات.

ثم لأنه قد أحسن إليك بمائدة نعمةٍ وسعادةٍ ولذةٍ غير متناهيةٍ بما أعطاكِ من محبة التي هي نورٌ من أنوار الإيمان.

أي: إنك بحسب جسمانيتك جزءٌ صغيرٌ ضعيفٌ عاجزٌ ذليلٌ مقيَّدٌ محدودٌ، إلا أنك بإحسانه - جل وعلا - انتقلتِ من جزءٍ جزئِيٍّ إلى حُكمِ كلٍّ كلِّيٍّ نورانيٍّ؛ إذ إنه قد أخرجكِ من الجزئية إلى الكلية نوعًا ما بما أعطاكِ من حياةٍ، ورفعكِ إلى الكلية الحقيقية بما منحك من إنسانيةٍ، وإلى كليةٍ نورانيةٍ ساميةٍ بما وهب لك من إسلام، وإلى نورٍ محيطٍ بما آتاكِ من معرفةٍ ومحبةٍ.

فيا أيتها النفس؛ إنك قد تقاضيت هذه الأجرة، فأنت مأمورة ومكلفة بالعبودية وهي خدمة لذيذة مريحة خفيفة ذات نعمة.

والأمر أنك تتكاسلين في هذه كذلك، فإن كنت تؤدينها ناقصة مبتورة فأنت تطلبين - وبتحكمٍ - أجرةً عظيمةً جدًّا، وكأن الأجرة السابقة لم تَكْفِكِ، ثم تتدللين قائلة: لِمَ لَمْ يُقبَل دعائي؟

أجل؛ إنه ليس من حقك الدلالُ، بل من واجبك التضرعُ، فالحق سبحانه وتعالى يحسن بالجنة والسعادة الأبدية بمحض فضله وكرمه، فالتجئي دومًا إلى رحمته وكرمه، واعتمدي عليه وأصغي إلى الأمر السلطاني ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (يونس:٥٨)

فإن قلت: كيف أستطيع أن أقابل هذه النعم الكلية التي لا حدَّ لها بشكري الجزئي المحدود؟

فالجوابُ:

بنيةٍ كليةٍ، واعتقادٍ راسخ، فمثلاً: إن رجلاً يدخل ديوان سلطانٍ بهديةٍ قيمتها خمسةُ قروشٍ، وإذا به يرى هناك هدايا، كلٌّ منها بقيمة المليون، قد قُدِّمت من قِبَل أناسٍ

175. صفحة

مقبولين، ورُصَّت ووضعت هناك، فيخطر على قلبه: إن هديتي زهيدةٌ لا قيمة لها، فما حيلتي، وماذا أفعل؟ وإذا به يقول: يا سيدي إنني أقدم لك جميع هذه الهدايا القيِّمةِ الثمينةِ باسمي؛ لأنك أهلٌ لها، فلو كنتُ أستطيع لأهديت لك ضعف هذه الهدايا.

فهذا السلطان الذي لا يحتاج إلى شيء - والذي يقبل هدايا رعاياه دلالةً على مدى صدقهم واحترامهم له - يقبل نية هذا الرجل المسكين الكلية العظيمة وأملَه واعتقاده الجميل العالي بأن السلطان أهل لتلك الهدايا كأعظم هديةٍ.

فكما في هذا المثال تمامًا فإن عبدًا عاجزًا يقول في صلاته [التحيات لله] أي إنني أقدم لك - ياربي - باسمي جميع هدايا عبوديةِ جميع المخلوقات التي تقدمها إليك بحياتها، ولو استطعتُ لقدمت لك تحيةً بعدد تحيَّاتهم، لأنك أهلٌ لذاك بل أكثر منه، فهذه النية وهذا الاعتقاد إنما هما شكرٌ كليٌّ واسعٌ.

وبذور النباتات ونواتها هي نياتها، فمثلاً: إن الشمّام ينوي في قلبه آلاف النوايا بصورة النوى بحيث يقول: يا خالقي أريد أن أعلن نقوش أسمائك الحسنى في بقاعٍ كثيرةٍ من الأرض، فلأن الحق تعالى يعلم كيف تأتي الأشياء إلى الوجود يقبل نياتِه كأنها عباداتٌ بالفعل، ويشير معنى: “نية المؤمن خيرٌ من عمله” إلى هذا السرّ، وكذلك تُفهم من هذا السر حكمةُ التسبيح بعددٍ لا حدّ له في مثل: [سُبْحَانَكَ اللهم وَبِحَمْدِكَ عَدَدَ خَلْقِكَ وَرِضَاءَ نَفْسِكَ وَزِنَةَ عَرْشِكَ وَمِدَادَ كَلِمَاتِكَ، وَنُسَبِّحُكَ بِجَمِيعِ تَسْبِيحَاتِ أَنْبِيَائِكَ وَأَوْلِيَائِكَ وَمَلاَئِكَتِكَ].

وكما أن ضابطًا يقدم باسمه إلى السلطان مجموعَ خدمات جميع جنوده؛ فإن الإنسان - الذي يقوم بدور ضابطٍ على المخلوقات، والذي يقوم بدور القائد للحيوانات والنباتات، والذي هو أهلٌ لأن يكون خليفةً للموجودات الأرضية، والذي يعتبر نفسه في عالمه الخاص وكيلاً للجميع - يقدم باسمه عبادات جميع الخلق واستعاناتهم إلى المعبود ذي الجلال قائلاً: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة:٥) ويستنطق كذلك جميع المخلوقات لحسابه قائلاً: [سُبْحَانَكَ بِتَسْبِيحَاتِ جَمِيعِ مَخْلُوقَاتِكَ وَبِأَلْسِنَةِ جَمِيعِ 

176. صفحة

مَصْنُوعَاتِكَ] ويصلِّي على النبي صلى الله عليه وسلم باسم كل شيءٍ قائلاً: [اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ بِعَدَدِ ذَرَّاتِ الكَائِنَاتِ وَمُرَكَّبَاتِهَا] إذ إن كل شيءٍ متعلقٌ ومرتبطٌ بالنور المحمدي.

وهكذا فافهم من هذا حكمة الأعداد اللانهائية في التسبيحات والصلوات على النبي صلى الله عليه وسلم.

الثمرة الثالثة:

أيتها النفس إن أردتِ عملاً أخرويًّا غير محدودٍ في عمرٍ قصيرٍ، وإن أردتِ أن تري كل دقيقةٍ من دقائق عمرك مثمرةً ذاتَ فوائد كعمرٍ كاملٍ، وإن أحببت أن تُحَوِّلي عاداتك إلى عباداتٍ، وغفلتك إلى طمأنينةٍ وسكينةٍ؛ فاتبعي السُّنَّة السَّنِيَّةَ؛ لأن قيامكِ بتطبيق معاملةٍ شرعيةٍ وَفْقَ السنة السنية يورِثك نوعًا من الاطمئنان والسكينة، ويُعدُّ نوعًا من العبادة، ويثمر ثمارًا أخرويةً كثيرةً.

فمثلا:ً إن المبايعة العادية في شرائك شيئًا ما، ولحظة تطبيق الإيجاب والقبول الشرعيين، تتخذ حُكمَ العبادة، وتذكُّرُ هذا الحُكمِ الشرعِي هذا يؤدي إلى تصور الوحي، وهذا بدوره يعطي توجهًا إلهيًّا بتذكُّر الشارع، وهذا بدوره كذلك يورث طمأنينةً وسكينةً؛ أي بتطبيق السنة السنية في الأعمال يُتحصل على الفوائد التي تكون مدارًا لحياةٍ أبديةٍ، والتي تجعل هذا العمر الفاني يثمر ثمارًا باقيةً.

 واستمعي إلى ﴿فَئَامِنُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِىِّ الأُمِّىِّ الَّذِى يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَٰتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (الأعراف:١٥٨) واسعي لتكوني مظهرًا جامعًا لفيض تجلي كل اسمٍ من الأسماء الحسنى التي انتشرت تجلياتها في أحكام الشريعة والسنة النبوية السنية.

الثمرة الرابعة:

أيتها النفس؛ لا تُقلِّدي أهل الدنيا وخاصةً أهلَ السفاهة، ولاسيما أهل الكفر، منخدعةً بما تشاهدين من زينتهم الصورية، ولذائذهم المُغرِية غير المشروعة؛ لأنك إن 

177. صفحة

قلدتهم فلن تستطيعي أن تكوني مثلهم، بل تَسقطينَ كثيرًا، ولن تستطيعي حتى أن تكوني حيوانًا كذلك؛ إذ إن عقلك الذي في رأسك يصبح آلةً مشئومةً تزعج وتوجع رأسك دائمًا.

فمثلاً: إذا كان هنالك قصرٌ، وفي إحدى دوائره الكبيرة مصباحٌ كهربائيٌّ كبيرٌ، وقد وُزِّعت من كهرباء ذلك المصباح كهرباءٌ متشعبةٌ إلى منازل صغيرةٍ مرتبطةٌ كلُّها بذلك المصباح الرئيسيِّ، فلو أطفأ أحدٌ ضوء ذلك المصباح الكبير بإغلاق زره لغرقت كل المنازل في ظلامٍ دامس، وسقطت في وحشةٍ.

وهنالك قصرٌ آخر يوجد في كل غرفةٍ من غرفه مصابيحُ كهربائيةٌ صغيرةٌ غير مرتبطةٍ بمصباحٍ كهربائيٍّ كبيرٍ، فلو أطفأ صاحب هذا القصر ضوء المصباح الكبير بإغلاق زره لبقي الضوء في المنازل الأخرى وأمكن أصحاب المنازل أن يقوموا بأعمالهم ونشاطاتهم، ولا يمكن للّصوص أن يستغلوا الظلامَ.

فيا نفسي؛ إن القصر الأول هو المسلم، وإن الرسول صلى الله عليه وسلم هو ذلك المصباح الكهربائيُّ الكبير الذي في قلب المسلم، فإن نسيه وأخرجه من قلبه - والعياذ بالله - فلن يستطيع أن يؤمن ويقبل أي نبيٍّ آخر أبدًا، حتى إنه لا يبقى مجالٌ وموضع لأيِّ كمال في روحه، بل حتى إنه لن يعرف ربه، وتسقط كل المنازل واللطائف الموجودةِ في ماهيته في الظلام، وتَحدُث في قلبه تخريباتٌ ووحشةٌ هائلةٌ مذهلةٌ، فيا تُرى ما الذى تكسبينه عوضًا عن هذه التخريبات والوحشة فتأنسي به؟ وأية منفعةٍ تجدينها لتُرَمِّمِي بها أضرارَ تلك التخريبات؟

أما الكفارُ الإفرنج فيُشبهون ذلك القصر الثاني؛ بحيث إنه قد يبقى - أو يظنون أنه يبقى - في قلوبهم بعضُ الأنوار حسب فكرهم، حتى ولو أخرجوا نورَ سيدِنا محمد - صلى الله عليه وسلم - من قلوبهم، وقد يبقى نوعٌ من الإيمان بسيدنا موسى وعيسى عليهما السلام ونوعٌ من الاعتقاد بخالقهم بحيث يكون مدارًا لكمالات أخلاقهم المعنوية.

فيا أيتها النفس الأمَّارة؛ إن قلتِ:أنا لا أريد أن أكون مثل الإفرنج بل حيوانًا، فكم مرة قلت لك: إنك لن تستطيعي أن تكوني كالحيوان؛ إذ العقلُ الذي في رأسك يضرب 

178. صفحة

ويصفع وجهَك وعينَك ورأسَك بضرباتِ وصفعاتِ آلامِ الماضي ومخاوفِ المستقبل، ويضع في ثنايا لذةٍ واحدةٍ أَلْفَ ألَمٍ، بينما الحيوان يتلذذ ويتمتع بلا ألمٍ، إذن فانْزَعِي عقلَك وَارْمِيه أولاً، ثم كوني بعد ذلك حيوانًا، وأبصري صفعة تأديب آية: ﴿كَالأَنْعَٰمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ (الأعراف:١٧٩)

الثمرة الخامسة:

أيتها النفس؛ وما ذكرنا مرارًا فإن الإنسان مخلوق متطلِّعٌ وجهُهُ إلى الكثرة والفناء والدنيا باعتباره ثمرةَ شجرةِ الخلقةِ، وهو -كالثمرة - يحمل بذرة قلب هو أبعد وأجمع شيءٍ، تتوجه إلى الكلّ، وتخفي بداخلها جهة وحدة الكلّ.

أما العبودية فهي خيط وصالٍ يحوّل وجه الإنسان من الفناء إلى البقاء، ومن الخلق إلى الحقّ، ومن الكثرة إلى الوحدة، ومن المنتهى إلى المبدأ، أو هي نقطة اتصال بين المبدأ والمنتهى.

فكما أنه إذا نَظرتْ ثمرة ثمينة ذاتُ شعورٍ - قابلة لتصبح بذرة - إلى ذوات الأرواح الموجودة تحت الشجرة، واعتمدتْ على جمالها وألقتْ بنفسها في أيديها، أو إذا غفلتْ وسقطتْ؛ فإنها ستسقط على أيديها وستتمزق وتضيع كأية ثمرةٍ عاديةٍ.

أما إذا وَجدتْ تلك الثمرةُ نقطةَ استنادها، واستطاعت أن تفكر في أنها ستكون واسطةَ استمرارِ حقيقةِ الشجرة وبقائِها مع احتواء البذرة التي في داخلها جهة الوحدة كلها للشجرة؛ عندها تصبح بذرة واحدة في داخل تلك الثمرة الواحدة مظهرًا لحقيقة كلية دائمة ضمن عمر باق.

فهكذا إذا انغمس الإنسان في الكثرة، وغرق بين الكائنات وانخدع بتَبسُّم الفانيات وهو سَكران بمحبته للدنيا، وارتمى بين أحضانها؛ فلاشك أنه سيسقط في خسارةٍ لا حدود لها، ويسقط كذلك في الفناء والزوال والعدم، ويعدم نفسه معنىً.

أما إذا رفع رأسه واستمع إلى دروس الإيمان بأُذن القلبِ من لسان القرآن الكريم، وتوجه إلى الوحدة، فيمكنه أن يَعْرُجَ إلى عرش الكمالات بمعراج العبودية، ويصبحَ إنسانًا باقيًّا.


179. صفحة

فيا نفس؛ بما أن الحقيقة هكذا، وبما أنك من الملة الإبراهيمية، فقولي كقول إبراهيم عليه السلام ﴿لاَۤ أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ (الأنعام:٧٦) ووجّهي وجهك إلى المحبوب الباقي، وابكي مثلي هكذا.

لقد أبكاني نعي خليل الله إبراهيم - عليه السلام - ﴿لاَۤ أُحِبُّ الأَۤفِلِينَ﴾ والمعلن زوال الكون وموته.

فَصَبّتْ عَيْنُ قَلْبِي قَطََرَاتٍ بَاكِيَاتٍ مِنْ شُئُونِ اللهِ

من أجل ذلك بكت عين القلب، وسكبت القطراتِ الباكيةَ، وكما أن عين القلب حزينة باكية، فكل ما سكبته من قطرات حزين مُبكٍ، وهذه القطرات هي الفقرات الفارسية الآتية.

لتفسيرِ كَلامٍ مِنْ حَكيمٍ أي نبيٍ في كَلامِ اللهِ

فأما تلك القطرات فهي نوع من تفسيرِ ما يتضمنُهُ كلامُ اللهِ

 مِنْ كلامٍ لحكيمٍ ربانيٍّ وهو نبيٌّ رسولٌ.

نَمِي زِيبَا سْت اُفُولْدَه كُمْ شُدَنْ مَحْبُوبْ

المحبوب الذي يغيب بالأفول([1]) ليس جميلا؛ لأن المحكوم عليه بالزوال لا يمكن أن يكون جميلاً حقًّا، ولا يُحَبُّ، ولا ينبغي أن يُحَب بالقلب الذي خلق للعشق الأبدي، والذي هو مرآة صمدانية([2]).

نَمِي اَرْزَدْ غُرُوبْدَه غَيْبْ شُدَنْ مَطْلُوبْ

إن مطلوبًا محكومًا عليه بالغياب في الغروب غير جدير بتعلق القلب ولا باهتمام الفكر، ولا يمكنه أن يكون مرجعًا للآمال، وليس أهلاً للتأسف بِالهَمِّ والغم من ورائه، فأنى للقلب أن يحبه بدرجة العبودية وأن يظل متعلقًا به؟!


[1])) الأفول: الغياب والزوال.

[2])) صمدانية: نسبة إلى الصمد، والصمد هو الذي يقصد وحده ويُلتجأ إليه وحده.




180. صفحة

نَمِي خَوَاهَمْ فَنَادَه مَحْوْ شُدَنْ مَقْصُودْ

وإن مقصودًا ينمحي في الفناء؛ لا أنشده ولا أطلبه؛ لأنني فانٍ لا أريد فانيًا، ما شأني به؟

نَمِي خَوَانَمْ زَوَالْدَه دَفْنْ شُدَنْ مَعْبُودْ

وإن معبودًا؛ يُدفَن في الزوال؛ لا أدعوه ولا أنشده ولا ألتجئ إليه؛ لأنني في غاية الحاجة والعجز، والعاجز لا يمكنه أن يجد دواء لأدوائي الجسام، ولا يمكنه أن يمسح بالمرهم على جروحي الأبدية، فكيف يكون معبودًا من لم يستطع إنقاذ نفسه من الزوال؟

    عَقْلْ فَرْيَادْ مِي دَارَدْ نِدَاءِ لاَ أُحِبُّ الآفِلِينَ مِي زَنَدْ رُوحَمْ

أجل؛ فالعقل المفتون بالظاهر يصرخ ويُوَلْوِل([1]) يائسًا لرؤيته زوال الأشياء

- الموجودة في الكون المضطرب - والتي يحبّها لحد العبودية، والروح التي تنشد محبوبًا باقيًا تطلق صراخَ وعويلَ: ﴿لاَۤ أُحِبُّ الأَۤفِلِينَ﴾.

نَمِي خَواهَمْ نَمِي خَوانَمْ نَمِي تَابَمْ فِرَاقِي

لا أريد المفارقةَ ولا أطلبها، ولا أستطيعها.

نَمِي اَرْذَدْ مَرَاقَه اِينْ زَوَالْ دَرْپَسْ تَلاَقِي

الوصال الذي تشوبه المرارة بما يعقبه من زوال ليس أهلا للتأسف والقلق عليه، وليس جديرًا أبدًا بالاشتياق؛ إذ كما أن زوال اللذة ألم فكذلك حتى تصور زوال اللذة ألم، فدواوين جميع العشاق المجازيين([2])- أي كتبهم المنظومة في غرامياتهم - هي النحيب والبكاء الناشئان عن ألم تصور الزوال، فلو أنك عصرتَ روحَ ديوانِ كل واحد منهم لَقَطَرَ عويلاً وصراخًا مؤلِمًا.    


[1])) يُوَلْوِلُ: يرفع صوته بالبكاء.

[2])) العشاق المجازيين: يقصد هنا كل معشوق ومحبوب غير الله عزّ وجلّ فهو وحده المحبوب الحقيقي.




181. صفحة

أَزْ اَنْ دَرْدِي كِرِينِ ﴿لاَۤ أُحِبُّ الأَۤفِلِينَمِي زَنَدْ قَلْبَمْ

يبكي قلبي من جرّاء الوصال المشوب بالزوال ومن هموم ومصائب المحبات المجازية المؤلمة كبكاء إبراهيم عليه السلام:

﴿لاَۤ أُحِبُّ الأَۤفِلِينَ﴾ ويصرخ.

دَرْ اِينْ فَانِي بَقَا خَازِي بَقَا خِيزَدْ فَنَادَنْ

إن كنت تريد البقاء في الدنيا الفانية فالبقاء ينشأ عن الفناء. كن فانيًا من جهة النفس الأمارة حتى تنال البقاء. 

فَنَا شُدْ هَمْ فِدَاكُنْ هَمْ عَدَمْ بِينْْ كِه اَزْ دُنْيَا بَقَايَا رَاهْ فَنَادَنْ

وتجرد من الأخلاق السيئة التي هي أساس حب الدنيا وعبادتها، وكن فانيًا وضحِّ في سبيل المحبوب الحقيقي بما تملكه من أشياء وأموال، وأبصر عواقب الموجودات الموسومة بالعدم؛ لأن الطريق المؤدي إلى البقاء من هذه الدنيا يمر عبر الفناء.

فِكْرِ فِيزَارْمِي دَارَدْ اَنِينِ لاَ أُحِبُّ الآفِلِينَ مِي زَنَدْ وِجْدَانْ

إن الفكر الإنساني الذي يتعمق في الأسباب يتحير ويبكي ويولول يائسًا من زلزلة زوال هذه الدنيا، وإن الضمير الذي ينشد الوجود الحقيقي يتعلق بالموجود الحقيقي والمحبوب السرمدي([1]) قاطعًا علاقته بالمحبوبات المجازية والموجودات الزائلة بأنين كأنين إبراهيم عليه السلام: ﴿لاَۤ أُحِبُّ الأَۤفِلِينَ﴾.

 بِدَانْ اَيْ نَفْسِ نَادَانَمْ كِه دَرْ هَرْ فَرْد اَزْ فَانِي دُورَاهْ هَسْتْ بَابَاقِي دُو سِرِّجَانْ جَانَانِي

فيا نفسي الجاهلة الغافلة المتجاوزة لحدودها؛ اعلمي كما أن كلاًّ من الدنيا والموجودات فانيةٌ، إلا أنه يمكنك أن تجدي في كل شيء فانٍ سبيلين يوصلان إلى الباقي، ويمكنك أن تري سرّين ولَمْعتين من تجلي جمال المحبوب الذي لا زوال له، والذي هو الحبيب والمحبوب الحقيقي، إن استطعت أن تتجاوزي نفسَكِ والصورةَ الفانية. 


[1])) السرمدي: الأبدي.




182. صفحة

كِه دَرْ نِعْمَتْهَا اِنْعَامْ هَسْتْ وپَسْ آثَارْهَا اسْمَا بِكِيرْ مَغْزِي ومِيزَنْ دَرْفَنَا اَنْ قِشْرِ بِي مَعْنَا

نعم؛ يظهر ويتراءى الإنعام في النعمة، ويُحَسُّ ويُشعَرُ بالتفات الرحمن وبلطفه فيها، فإن انتقلتَ من النعمة إلى الإنعام وجدتَ المنعم.

وكذا فكل أثر صمداني كأنه رسالة تُعرِّفُ بأسماء الصانع ذي الجلال، فإن انتقلت من النقش إلى المعنى وجدت المسمّى بواسطة الأسماء، وبما أنك تستطيع أن تجد أصل ولبّ هذه المصنوعات الفانية؛ إذن فتحصَّلْ على هذا اللب، ويمكنك أن تلقي قشوره وأغلفته التافهة في سيل الفناء دون التَّحَسُّرِ عليها.   

بَلِ آثَارْهَا كُويَندْ زَاسْمَا لَفْظِ پُرْ مَعْنَا بِخَانْ مَعْنَا ومِيزنْ دَرْ هَوا آنْ لَفْظِ بِي سَوْدَا

ما من أثر صنعةٍ في المصنوعات إلا وهو لفظ مجسم ذو معانٍ غزيرة ويُقْرِئُ أسماء كثيرة للصانع ذي الجلال، وبما أن هذه المصنوعات هي ألفاظ، وكلمات قدرةٍ فاقرأ معانيها، وضعْها في قلبك، وارم الألفاظ التي لا معنى لها بلا خوف في رياح الزوال، ثم لا تتبعها نظرك ولا تنشغل بعدها بما هو متعلق بها.  

    عَقْلْ فَرْيَادْ مِي دَارَدْ غِيَاثِ لا أُحِبّ الآفِلِينَ مِيزَانْ اَيْ نَفْسَمْ

أما العقل الدنيوي المولع بالظواهر، ولا رأس مال له إلا المعلومات الآفاقية، فإنه يبكي ويولول يائسًا من حيرته وخيبته بسبب انجرار سلسلة أفكاره إلى العدم واللاشيء، ويبحث عن طريق مستقيم موصل إلى الحقيقة.

وبما أن الروح نفضت يدها([1]) من الآفلين والزائلين فالقلبُ كذلك قد تخلى عن المحبوبات المجازية، والضمير بدوره أيضًا أشاح وجهه عن الفانين. فيا نفسي البائسة المسكينة، استغيثي أنت كذلك كإبراهيم عليه السلام غياث ﴿لاَۤ أُحِبُّ الأَۤفِلِينَ﴾ وتخلصي.  

چِه خُوشْ كُويَدْ اُوشَيْدَا جَامِي عِشْقِ خُويْ

انظر ما أجمل ما قاله مولانا جامي العاشق المجذوب - الذي كأن فطرته قد عُجنت بالعشق - من أجل لفتِ الوجوه من الكثرة إلى الوحدة:


[1])) نفضت يدها من: نأت بنفسها عن...




183. صفحة

يَكِي خوَاه يَكِي خَوانْ يَكِي جُويْ يَكِي بِينْ يَكِي دَانْ يَكِي كُويْ ([1])

يكي خواه: أي اطلب الواحد؛ فسواه ليس أهلاً للطلب.

يكي خوان: ادعُ الواحد، فما عداه لا يُمِدّون.

يكي جوي: اطلب الواحد، فغيره لا يليق بذلك.

يكي بين: أبصر الواحد؛ فالآخرون لا يظهرون كل وقت، ويختفون وراء حجب الزوال. 

يكي دان: اعرف الواحد؛ فلا فائدة من المعارف التي لا تعينك على معرفتك بالله.

يكي كوي: اذكر الواحد؛ فالكلام الذي لا يعود إليه قد يعد من السفاسف([2]).

نَعَمْ صَدَقْتَ ياَ جَامِي؛ هُوَ المَطْلُوبُ، هُوَ المَحْبُوبُ، هُوَ الَمْقصُودُ، هُوَ المَعْبُودُ.

كِه لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ بَرَابَرْ مِيزَنَدْ عَالَمْ

لأن هذا العالم يقول ﴿لاَۤ إِلَٰهَ إِلاَّ هُوَ﴾ بكل موجوداته، وبمختلف ألسنته، وبنغماته المتنوعة معا في حلقة الذكر الإلهي الكبرى، ويشهد على الوحدانية، ويمسح بمرهم على الجروح التي نَكَأَتْهَا([3])﴿لاَۤ أُحِبُّ الأَۤفِلِينَ﴾ ويدل على محبوب لا يزال بدلاً من محبوبات مجازية قُطِعَتْ علاقتك بها.

 


[1])) هذا السطر فقط من كلام مولانا جامي. (المؤلف).

[2])) السفاسف: الصغائر.

[3])) نكأتها: جرحتها.