الكلمة العاشرة من المكتوب العشرين
التنقل
37. صفحة
الكلمة العاشرة
من المكتوب العشرين
وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ:
أي: لا يثقل ولا يصعب عليه شيء، فكل ما في دائرة الإمكان من شيءٍ يقدر على أن يُلبِسه الوجود بسهولة مطلقة، ويكون سهلا عليه وهينًا وكأنه يحصل بمجرد أمر منه بسرّ ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا﴾ (يس:82).
فكما أن صانعًا ماهرًا جدًّا يعمل في عمله وصنعته كماكينةٍ بمجرد لمسه لها، ويقال للتعبير عن هذه السرعة والمهارة: إن هذا العمل وهذه الصنعة مسخَّرة له بحيث تحصل الأمور وتتم وتُنجز بمجرد أمره لها، وتأتي إلى الوجود؛ فكذلك الأشياء مسخَّرة ومطيعة لقدرة القدير ذي الجلال في منتهى التسخير والإطاعة، وتُنجِز هذه القدرة الأمور في منتهى السهولة، وبلا مشقة أو كلفة، وللإشارة إلى هذا يقول القرآن الكريم: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
سنبين "خمسة أسرار" من الأسرار غير المحدودة لهذه الحقيقة العظمى في "خمس نكات":
الأولى: إن أكبر شيءٍ سهلٌ وهين على القدرة الإلهية كأصغر شيء، وإن إيجاد نوعٍ بجميع أفراده سهل وهين عليها وغير شاقّ كسهولة إيجاد فردٍ واحد، وخلق الجنة سهلٌ كخلق ربيع، وإيجاد ربيع هين ويسير كَيُسْرِ إيجاد زهرةٍ واحدة، وقد أُثبِتَ ووُضّح في أواخر "الكلمة العاشرة" الخاصة بالحشر، وفي "سر الشفافية"، و"سر المقابلة"، و"سر الموازنة"، و"سر الانتظام"، و"سر الإطاعة"، و"سر التجرد" المذكور في بيان "الأساس الثاني" من مسألة الحشر في "الكلمة التاسعة والعشرين" الخاصة بالملائكة والحشر وببقاء الروح؛ بستة أمثلة أنَّ خلق النجوم بالنسبة للقدرة الإلهية سهل كسهولة خلق الذرات، وأن الأفراد غير المحدودة تُخلَق بسهولةٍ وبلا مشقة وكلفة كسهولة فرد واحد، ولما كانت هذه الأسرار الستة قد أثبتت في هاتين الكلمتين فإننا نحيل إليهما ونوجز هنا.
38. صفحة
الثانية: إن الدليل القاطع والبرهان الساطع على أنّ كل شيء يتساوى أمام القدرة الإلهية هو:
أننا نرى بأعيننا أن في إيجاد الحيوانات والنباتات منتهى الإتقان وغاية الإبداع ضمن سخاءٍ وكثرة لا نهاية لهما، ويُرَى فيه منتهى الامتياز والتفريق ضمن منتهى الاختلاط والاشتباك، وفيه منتهى القيمة في الصنعة والجمال في الخلق ضمن منتهى الكثرة والوفرة والسعة، ونرى أن هذه الحيوانات والنباتات تُخلَق في منتهى السهولة والسرعة وفي منتهى الإبداع والصنعة؛ مع أنها تحتاج إلى جهازات كثيرة وزمن مديد، وكأن معجزات الصنعة والإبداع هذه تأتي إلى الوجود من العدم فجأةً ودفعة، ففعاليات القدرة هذه التي نشاهدها بأعيننا في كل فصل على وجه الأرض كافة تَدُلّ دلالة قاطعة على أن أكبر شيءٍ سهلٌ هين -كأصغر شيء- على القدرة التي هي منبع هذه الأفعال، وأن إيجاد ما لا حدَّ له من الأفراد وإدارتها سهلٌ وهين عليها كإيجاد فرد واحد وإدارته.
الثالثة: إن خلق أكبر كُلٍّ سهلٌ كأصغر جُزْءٍ على قدرة الصانع القدير الذي يهيمن ويسيطر على هذا الكون بهذه التصرفات والأفعال التي نشاهدها، وإن إيجاد كليٍّ كثيرٍ بالأفراد سهلٌ وهين كإيجاد جزئي واحد، فيمكن إظهار أعلى قيمةِ صنعةٍ وإبداع في أدنى جزئيٍّ، فسر حكمة هذه الحقيقة ينبع من ثلاثة منابع:
أوّلاً: إمداد الواحدية.
ثانيًا: يسر الوحدة.
ثالثًا: تجلي الأحدية.
المنبع الأول: وهو "إمداد الواحدية".
أي: إن كان كلّ شيء وجميع الأشياء ملكًا لواحد، فحينئذ يمكن له أن يجمع ويحشد من حيث الواحدية قوة جميع الأشياء وراء كل شيء، ويمكن إدارة جميع الأشياء بسهولة وكأنه شيء واحد، فمن أجل تقريب هذا السر إلى الفهم بمثالٍ نقول:
إذا كان في بلدٍ مَلِكٌ واحد، فإن هذا الملك يستطيع أن يحشد وراء كل جندي قوةً معنوية لجيشٍ كامل من حيث قانونِ وحدة المُلك والسلطنة، ولذلك يستطيع ذلك الجندي الفرد أن يأسر ملكًا، وأن يعلو فوق هذا الملك المأسور باسم مَلِكه.
39. صفحة
وكما أن ذلك الملك يستخدم جنديًّا أو موظفًا ويديره بسر واحدية المُلْك والسلطنة؛ فإنه يستطيع أن يدير كذلك جميع الجيش وجميع موظفيه، فكأنه بسر واحدية السلطنة والملك يستطيع أن يرسل جميع الناس وكل الأشياء لإمداد فردٍ واحد وإغاثته، وكل فرد يستطيع أن يستند إلى قوةٍ كقوةِ جميع الأفراد، أي: يمكنه أن يتلقى منها المدد، فإذا ما انفرط عقد واحدية المُلك وانحل حبله، وانقلب إلى الفوضى، فَقَدَ عندئذ كل فرد بالمرة قوةً لا حد لها، وسقط من مقام سلطةٍ ونفوذ مرموق إلى منزلة رجل عادي، وتصبح إدارة كل فرد واستخدامه إشكالا وصعبة بعدد الأفراد.
فكذلك -ولله المثل الأعلى- ولأن صانع هذا الكون "واحدٌ" فإنه يحشد الأسماء المتوجهة إلى جميع الأشياء تجاه كل شيء، ويوجِد الأشياء بمنتهى الإبداع بصورةٍ قيمة ثمينة، فإذا لزم الأمر يتوجه بجميع الأشياء إلى شيء واحد، ويوجهها إليه، ويُمِده، ويقويه، ويوجِد جميع الأشياء ويتصرف فيها ويديرها كإيجاد شيءٍ واحد وتصرفه وإدارته بسر هذه الواحدية، فمن أجل سر إمداد الواحدية هذا يُشاهَد هذا الكون وما فيه على هيئةٍ عالية سامية جدًّا من حيث الصنعة والإبداع والقيمة، ضمن وفرةٍ ورِخَص لا نهاية لهما.
المنبع الثاني: وهو "يسر الوحدة".
أي: الأمور التي تُنجَز في مركزٍ واحد وبقانون واحد وبيد واحدة بطريق الوحدة تُنجَز وتتم بسهولة كبيرة، أما إذا وُزِّعت إلى مراكز متعددة وقوانين متعددة وأيدٍ متعددة فحينئذ تحصل مشاكل كثيرة، فمثلا:
كما أنه إذا صُنِعَت الأعتدة الأساسية لكل فرد من أفراد جيشٍ كامل، من مركز واحد بقانون واحد، وبأمر قائدٍ كبير واحد فإن ذلك يكون سهلا كسهولة تجهيز جندي واحد، أما إذا صُنِعَت في مصانع مختلفة وفي مراكز متعددة، فيلزم لتجهيز جندي واحد بالمعدات وجود جميع المصانع والمعامل العسكرية الضرورية لتجهيز جيش كامل.
إذن إذا أُسنِد الأمر إلى الوحدة يكون تجهيز الجيش سهلا كسهولة تجهيز جنديٍّ واحد، وإن لم تكن الوحدة فإن تجهيز جندي واحد بالمعدات الأساسية ينتج مشاكل وكأنه جيش كامل.
40. صفحة
وإذا أعطيت المادة الحياتية لشجرةٍ من حيث الوحدة استنادًا إلى مركزٍ واحد وقانونٍ واحد وجذر واحد، فإن آلاف الثمار تكون سهلة كسهولة ثمرة واحدة، أما إذا رُبطت كل ثمرة إلى مراكز متفرقة مختلفة وأُرسلت موادها الحياتية؛ فإن كل ثمرة تأتي بمشاكل وكأنها شجرة كاملة؛ لأن المواد الحياتية الضرورية لشجرةٍ كاملة ضرورية أيضًا لكل ثمرة.
وعلى غرار هذين المثالين -ولله المثل الأعلى- فلأن صانع هذا الكون واحدٌ أحد؛ فإنه يفعل ويتصرف بالوحدة، ولأنه يفعل ويتصرف بالوحدة؛ تكون جميع الأمور سهلةً كسهولة أمرٍ واحد، ويقدر أن يصنعَ الشيءَ الواحد بديعًا متقنًا كبداعة وإتقان جميع الأشياء، ويوجِد ما لا حد له من الأفراد بديعًا قيّمًا، فيُظهِر جوده المطلق وسخاءه غير المحدود وخلاّقيته غير المتناهية بلسان ما يشاهَد ويُرَى من وفرة غير محدودة ورِخَص غير متناهٍ.
المنبع الثالث: وهو "تجلي الأحدية".
أي: إن الصانع ذا الجلال ليس جسمًا ولا جسمانيًّا؛ لذا لا يستطيع أن يقيده الزمان والمكان، ولا يستطيع أن يتدخل في شهوده وحضوره الكون والمكان، ولا تستطيع الوسائط والأجرام أن تحجب فعله، ولاتجزؤ ولا انقسام في توجهه، ولا يمنعه شيء من شيء، ويفعل ما لا حدَّ له من الأفعال كفعلٍ واحد، لذا فإنه كما يُدرِج شجرةً ضخمة في نواةٍ معنى، يقدر كذلك على أن يدرج عالمًا في فردٍ واحد، ويُدار العالم كله في يد قدرته تعالى كفردٍ واحد، نقول كما أوضحنا هذا السر في كلمات أخرى:
كما أن صورة الشمس التي هي غير مقيدة إلى حد ما من حيث نورانيتها تَتمثل في كل شيء لامع، فلو قابلتْ نورَها آلافٌ بل الملايين من المرايا لكان تجليها المثالي في جميع المرايا دون انقسامٍ وكأنها جميعًا مرآةٌ واحدة، ولو كان للمرآة استعداد فإن الشمس بعظمتها يمكن أن تُظهر آثارَها فيها، ولا يستطيع شيء أن يمنع شيئًا، وتتساوى الآلاف والواحد أمامها، فتدخل آلافَ الأماكن بسهولةٍ كسهولة دخولها في مكانٍ واحد، ويحظى كل مكان بتجليات الشمس كآلاف الأماكن.
ولله المثل الأعلى فإن لصانع هذا الكون ذي الجلال تجليًّا بسر توجه "الأحدية" بجميع صفاته التي هي نور، وبجميع أسمائه التي هي نورانية؛ بحيث إنه حاضر وناظر
41. صفحة
في كل مكان مع أنه ليس في أي مكان، ولا انقسام في توجهه، فيفعل كل شيءٍ بلا مشقة ولا كلفة في كل مكان في آن واحد.
فبسر "إمداد الواحدية" و"يسر الوحدة" و"تجلي الأحدية" هذا؛ إذا أُسند خلق جميع الموجودات إلى صانعٍ واحدٍ؛ فجميع الموجودات تكون سهلةً يسيرة كسهولة موجودٍ واحد ويسره، ويمكن أن يكون كلُّ موجودٍ ذا قيمة كقيمة جميع الموجودات من حيث الصنعة والإبداع، مثلما يُظهِر هذه الحقيقةَ وجودُ دقائق الصنعة والإبداع غير المحدودة في كل فردٍ ضمن وفرة الموجودات وكثرتها غير المتناهية.
وإن لم تسنَد جميع الموجودات مباشرة إلى صانعٍ واحد، يكن كل موجود عندئذ مشكلا بقدر جميع الموجودات، وتنحط قيمة جميع الموجودات إلى قيمة موجود واحد، فلا يأتي شيءٌ إذن إلى الوجود، وحتى لو جاء إلى الوجود لكان بلا قيمة، ولا يساوي شيئًا.
ومن أجل هذا السرّ؛ فإن السوفسطائيين الذين هم أكثر أهل الفلسفة تطرفًا ولأنهم أعرضوا عن طريق الحق نظروا إلى طريق الكفر والضلال فرأوا أن طريق الشرك أكثر إشكالا وصعوبةً من طريق الحق والتوحيد بمائة ألف مرة، وغيرُ معقول إلى أقصى درجة؛ لذا فقد اضطروا إلى إنكار وجود كل شيء، واستعفوا من العقل.
النكتة الرابعة: إن إيجاد الجنة سهلٌ كسهولة إيجاد الربيع على قدرة القدير الذي يتصرف بأفعاله المشاهَدة في هذا الكون، وإيجاد الربيع هين عليها كسهولة إيجاد زهرة واحدة، ويمكن أن تكون محاسن صنعةِ زهرةٍ واحدة ولطافةُ خلقتها ذاتَ لطافةٍ وقيمة بقدر لطافة الربيع وقيمته.
وسر هذه الحقيقة "ثلاثة أشياء":
أولها: وجوب الصانع، وتجرّدُه.
ثانيها: مباينة ماهيته، وعدم تقيدها.
ثالثها: عدم التحيز، وعدم التجزؤ.
42. صفحة
السرّ الأول: إن تَسَبُّبَ "الوجوب" و"التجرد" في سهولةٍ غير محدودة ويسرٍ غير متناه سرٌّ عميق جدًّا، وسنُقَرِّبُ هذا إلى الفهم بمثال، وهو:
إن مراتب الوجود مختلفةٌ، وعوالم الوجود متغايرةٌ، ولأنها مختلفةٌ ومتغايرةٌ فإن ذرةً واحدة لطبقةِ وجودٍ راسخة هي كجبلٍ لطبقةِ وجودٍ أخف من تلك الطبقة، وتستوعب ذلك الجبل، فمثلا:
إن القوة الذاكرة التي هي بمقدار خردلة([1]) في الرأس وهي من عالم الشهادة تحتوي على وجودٍ بقدر مكتبةٍ كاملة من عالم المعنى.
وإن مرآةً مقدار ظُفْرٍ من العالم الخارجي تستوعب مدينةً كبيرة من طبقة وجودٍ من عالم المثال، فلو كان لتلك المرآة ولتلك الذاكرة اللتين هما من العالم الخارجي شعورٌ ووعي وقوة للإيجاد لأحدثتا تصرفاتٍ وتحولات غير محدودة في ذلك الوجود المعنوي والمثالي بقوة وجودهما الخارجية التي هي بمقدار ذرةٍ، إذن كلما ترسخ الوجود ازداد قوةً، ويصبح الشيء القليل بمنزلة الشيء الكثير، ولاسيما إذا كان الوجود مجردًا من المادة، ولا يُقيَّد بقيدٍ بعدما اكتسب الرسوخَ التام؛ فعندئذ فإن تجليًّا جزئيًّا ضئيلا منه يمكن أن يدير كثيرًا من عوالم طبقات الوجود الخفيفة الأخرى.
ولله المثل الأعلى فإن صانع هذا الكون ذا الجلال هو واجب الوجود، أي: إن وجوده ذاتي، أزلي، أبدي، عدمُه ممتنعٌ، وزوالُه محالٌ، وإن وجوده أرسخُ طبقات الوجود، وأثبتها وأقواها وأكملها، أما سائر طبقات الوجود فهي بمنزلة ظلٍّ باهتٍ ضعيف جدًّا بالنسبة لوجوده تعالى.
وإن وجود الواجب تعالى راسخٌ وذو حقيقة، وإن وجود الممكنات خفيف وضعيف؛ بحيث إن كثيرًا من أهل التحقيق كمحيي الدين بن عربي أنزلوا سائر طبقات الوجود إلى درجة الأوهام والخيال، فقالوا: "لا موجود إلا هو"؛ أي: قرروا بأنه ينبغي ألا يُسمَّى ما سوى الواجب الوجود سبحانه وتعالى وجودًا؛ إذ لا يستحق أن يطلق عليه صفة الوجود.
[1])) الخردل: نبات عشبي ذو بذور، الواحدة خردلة، ويضرب به المثل في الصِّغَر فيقال: ما عندي خردلة من كذا.
43. صفحة
إذن فإن وجود الموجودات الحادث العارض، وثبوت الممكنات غير المستقر وغير القوي أمام قدرة الواجب الوجود الواجبة الذاتية هيّنٌ وخفيف للغاية بلاشك، فإحياء جميع الأرواح في الحشر الأعظم ومحاكمتها هين وسهل عليه كسهولة إحياء الورقة والزهرة والثمار التي أحياها في ربيعٍ، بل في حديقةٍ، بل في شجرة.
السر الثاني: أما تَسَبُّبُ "مباينة الماهية" و"عدم التقيد" في السهولة فهو:
إن صانع الكون لاشك أنه ليس من جنس الكائنات، ولا تُشْبِهُ ماهيَّتُه أيةَ ماهيةٍ أخرى، إذن لا تستطيع أن تمانعه الموانع والقيود في دائرة الكون، ولا تستطيع أن تقيد إجراءاته، فهو يقدر على التصرف والتدبير والتدوير في الكون كافةً وفي وقتٍ واحد، فلو أُسندت الأفعال والتصرفات المشاهَدة على الكون إلى الكائنات نفسها لأدى ذلك إلى المشكلات والفوضى والاختلاط، فلا يبقى أي شيء في الوجود كما لا يبقى أي انتظام على الإطلاق، بل لا يأتي إلى الوجود، فمثلا:
لو أحيلت مهارة البناء في القباب المقنطرة المقوسة إلى أحجار القبة، وسُلِّمت إدارة كتيبةٍ تخص الضابط إلى الجنود فإما ألاَّ تأتي هذه القبة وهذه الكتيبة إلى الوجود، وإما أن تصبح بلا انتظام وفي مشكلاتٍ وفوضى واختلاط، ولكن لو أحيل بناء تلك القبة إلى بنّاء ليس من جنس الأحجار من أجل إضفاء شكلٍ للأحجار التي في القبة، وأحيلت إدارة الجنود في الكتيبة إلى شخص حاز ماهيةَ الضابط من حيث الرتبة، ليَسُرت الصنعة والمهارة، وهان التدبير، وسهلت الإدارة؛ لأن الأحجار والجنود يمانع بعضها بعضَها الآخر، أما البنّاء والضابط فينظران إلى كل الأوجه والنواحي، وينظران ويديران بلا مانع أو عائق.
ولله المثل الأعلى فإن ماهية الواجب الوجود القدسيةَ ليست من جنس ماهية الممكنات، بل إن جميع حقائق الكون شعاعاتٌ لاسم "الحقّ" الذي هو من الأسماء الحسنى لتلك الماهية، وبما أن الماهية المقدسة واجبة الوجود، ومجردة من المادة، ومخالِفة لجميع الماهيات، ولا مثل ولا مثال ولا مثيل لها؛ فلا ريب أن إدارة الكون كله وتربيته
44. صفحة
أمر هيِّنٌ وسهل على قدرة الصانع ذي الجلال الأزلية كسهولة إدارة ربيعٍ، بل شجرةٍ، وأن إيجاد الحشر الأعظم ودار الآخرة والجنة وجهنم هيِّن وسهل عليها كسهولة إحياء الأشجار الميتة في الخريف من جديد.
السر الثالث: إن "عدم التحيز" وعدم التجزؤ" يؤديان إلى سهولة غير متناهية، وسر ذلك هو:
بما أن الصانع القدير مُنَزّه عن المكان؛ فكأنه حاضر في كل مكان بقدرته أمر لا بد منه، وبما أنه لا انقسام ولا تجزّؤ فلاشك أنه يقدر أن يتوجه إلى كل شيء بجميع أسمائه الحسنى، وبما أنه حاضر في كل مكان ويتوجه إلى كل شيء؛ فالموجوداتُ والوسائط والأجرام لا تمانع أفعالَه، ولا تعوقها، بل لو اقتضى الأمر فرضًا -ولا داعي أصلا- لأصبحت الأشياء من مثل خطوط الكهرباء وأغصان الأشجار وعروق الإنسان بمنزلة وسيلة تسهيلات وواسطة وصول للحياة، وسبب سرعة الأفعال، ولا تعوق ولا تقيد ولا تمانع ولا تتدخل، بل تصبح بمنزلة وسيلة للتسهيل والتسريع والإيصال، إذن لو اقتضى الأمر فإن الأشياء كلها تكون وسيلةً للتسهيل والتيسير لتصرفات قدرة القدير ذي الجلال من حيث الإطاعة والانقياد، ولا حاجة إلى ذلك أصلا.
الحاصل: إن الصانع القدير يخلق كل شيء بما يليق بذلك الشيء بسرعةٍ وبلا مشقة ولا كلفة ولا معالجة، ويوجِد الكليات بسهولةٍ كسهولة إيجاد الجزئيات، ويخلق الجزئيات بديعةً مثل الكليات.
أجل؛ إن الذي خلق الكليات والسماوات والأرض هو الذي خلق ما في السماوات والأرض من الجزئيات وأفراد الأحياء، ولا يمكن أن يكون سواه؛ لأن تلك الجزئيات الصغيرة ثمارُ تلك الكليات، ونواتاتها، ومثالها المصغر.
وإن موجد تلك الجزئيات هو خالق العناصر والسماوات والأرض المحيطة بتلك الجزئيات؛ لأننا نرى ونشاهد أن الجزئيات كالنوى بالنسبة للكليات وكنسخٍ مصغرةٍ لها، إذن لابد أن تكون العناصر الكلية والسماوات والأرض بيد من خلق تلك الجزئيات،
45. صفحة
حتى يستطيع أن يدرج خلاصة تلك الموجودات الكلية المحيطة ومعانيها ونماذجها في الجزئيات التي هي بمنزلة المثال المصغر جدًّا بدساتير حكمته وموازين علمه.
أجل؛ إن الجزئيات ليست بأدنى من الكليات من حيث عجائب الصنعة وغرائب الخلقة، ولا الأزهار أدنى من النجوم، ولا النواة دون الأشجار، بل إن الشجرة المعنوية التي هي نقش القدر في النواة أعجب من الشجرة المجسمة التي هي نسج القدرة في الحديقة، وإن خلق الإنسان أعجب من خلق العالم.
فكما أنه لو كتب قرآن الحكمة على جوهرٍ فرد([1]) بذرات الأثير فيمكن أن يكون أعظم من قرآن العظمة المكتوب بالنجوم في وجه السماوات من حيث القيمة والأهمية؛ فكذلك ثمة جزئيات صغيرة جدًّا أعلى من الكليات من حيث معجزات الصنعة والإبداع.
النكتة الخامسة:
لقد بيّنّا وأوضحنا في بياناتنا السابقة شيئًا مما يُشاهَد من أسرارِ وحِكم السهولة المطلقة والسرعة المطلقة في إيجاد المخلوقات، والسهولة غير المحدودة والسرعة غير المتناهية في إيجاد الأشياء، فوجود الأشياء بهذه السرعة المطلقة والسهولة غير المتناهية يورث قناعةً لدى أهل الهداية أن خلق الجنان سهلٌ على قدرة من يوجِد المخلوقات كسهولة خلق الربيع، وأن الربيع كالحدائق، والحدائق كالزهور، وأن حشر البشر ونشرهم سهلٌ كسهولة إماتة نفس واحدة وإحيائها بسر ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ (لقمان:28)، وإحياء جميع البشر في الحشر سهلٌ وهين ويسير كسهولة ويسر الجنود المتفرقين للاستراحة بصوت بوقٍ واحد بتصريح ﴿إِنْ كَانَتْ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ (يس:53).
فهذه السرعة المطلقة وهذه السهولة غير المتناهية دليلٌ قاطع وبرهان يقيني بالبداهة على كمال قدرة الصانع، وعلى أن كل شيء هين عليه، بيد أن تشكيل الأشياء وتكوينها وإيجادها بقدرة الصانع الذي هو سهل بدرجة الوجوب أصبح سببًا للالتباس في نظر أهل الضلالة مع تَشَكُّلِ الأشياء بنفسها الذي هو محال بألف مرة؛ أي: ولأنهم
[1])) الجوهر الفرد: هو القائم بالنفس الذي يكون متحيزًا لا قابلا للقسمة، الكليات ص 347، وفي معجم مقاليد العلوم ص72 هو: المتحيز لا يقبل القسمة.
46. صفحة
يتوهمون تَشَكُّل بعض الأشياء العادية؛ فيرون أن مجيئها إلى الوجود سهلٌ، أي لا تُخلَق، وإنما تَتَشَكَّلُ بنفسها.
فانظر إلى أقصى درجات الحماقة كيف أنها تجعل دليل القدرة غير المتناهية دليلا على عدمها، فتفتح أبوابًا إلى محالاتٍ غير محدودة! إذ ينبغي في هذه الحالة أن تعطى كلُّ ذرةٍ من ذرات كل مخلوقٍ أوصافَ الكمال التي هي لازمةٌ لصانع العالم كالقدرة غير المتناهية والعلم المحيط حتى تتشكل من تلقاء نفسها.


