الكلمة الحادية عشرة

47. صفحة

الكلمة الحادية عشرة

 وَإِلَيْهِ المَصِيرُ:

أي: إلى الدار الباقية الرُّجْعَى من الدار الفانية، وإلى مقر الملك الأبدي للقديم الباقي الْمُنْقَلَبُ، وإلى دائرة قدرة الواحد ذي الجلال المآبُ من كثرة الأسباب، وإلى الآخرة الانتقالُ من الدنيا، وإلى حضرته مرجعُكم، وإلى رحمته ملجؤكم.

وهكذا هناك حقائق كثيرة جدًّا تفيدها هذه الكلمة مثل:

أما الحقيقة التي تفيد رجوعكم إلى الجنة وإلى السعادة الأبدية -من بين هذه الحقائق- فهي قد أثبتت بـ"اثني عشر برهانًا" قاطعًا يقينيًّا في "الكلمة العاشرة"، وبـ"ستة أسس" تتضمن كثيرًا جدًّا من الدلائل القاطعة في "الكلمة التاسعة والعشرين" إثباتًا قاطعًا لا يدع حاجة إلى بيان آخر.

وقد أثبتت هاتان الكلمتان بثبوتِ قطعيةِ طلوع الشمس التي غربت مرة أخرى في صباح اليوم التالي؛ أن الحياة التي هي شمسٌ معنوية لهذه الدنيا هي الأخرى ستطلع طلوعًا باقيًا في صباح الحشر بعد غروبها بخراب الدنيا، وسينال قسمٌ من الجن والإنس السعادةَ الأبدية، والقسم الآخر سينال الشقاءَ الأبدي، ولما كانت الكلمتان "العاشرة" و"التاسعة والعشرون" قد أثبتتا هذه الحقيقة إثباتًا كاملا؛ فإننا نحيل إليهما القول، ونقول بهذا القدر:

إن صانع هذا الكون الحكيمَ وخالق هؤلاء البشر الذي له علمٌ محيط لا نهاية له، وإرادة كلية لا حد لها، وقدرة مطلقة غير متناهية؛ قد وعد أهل الإيمان من البشر بالجنة والسعادة الأبدية في جميع كتبه ومنشوراته السماوية كما أُثبت إثباتًا قاطعًا في البيانات السابقة، وبما أنه قد وعد فسيفي بوعده؛ لأن خلف الوعد محال عنده؛ إذ عدم الوفاء بالوعد نقيصة قبيحة جدًّا، والكاملُ المطلق منزه ومقدس عن النقائص، حيث إن عدم الوفاء بالعهد والوعد ينشأ إما عن الجهل وإما عن العجز، والجهل والعجز محالان في حق ذلكم القدير المطلق والعليم بكل شيء، فخلف الوعد إذن محال في حقه كذلك.


48. صفحة

ثم إن جميع الأنبياء وعلى رأسهم فخر العالم عليه الصلاة والسلام، وجميع الأولياء وجميع الأصفياء وأهل الإيمان يسألون ذلكم الرحيم الكريم دومًا ومتضرعين السعادةَ الأبديةَ التي وعدها، ويطلبونها مبتهلين متوسلين.

فهم يسألونه بجميع الأسماء الحسنى؛ لأن أكثر أسمائه الحسنى -وفي المقدمة شفقته ورحمته وعدله وحكمته، واسم "الرحمن" و"الرحيم"، و"العادل" و"الحكيم"، وربوبيته وسلطنته، واسم "الرب" واسم "الله" سبحانه وتعالى- تقتضي وتستلزم الدائرة الأخروية والسعادة الأبدية، وتشهد على حصولها وتدل على تحققها، بل إن جميع الموجودات تشير بجميع حقائقها إلى الآخرة كما أثبت في "الكلمة العاشرة".

ثم إن القرآن الحكيم الذي هو الدستور الأعظم يبين تلك الحقيقة ويعلمها بجميع آياته البيّنات وبراهينه الصادقة القاطعة.

 ثم إن الحبيب الأكرم -الذي يفتخر ويتباهى به البشر- علّم ودرّس هذه الحقيقة بكل قوته في جميع حياته مستندًا إلى آلاف المعجزات الباهرة، وأثبتها، وأعلنها، ورآها، وأظهرها وبينها.

 

اللّهُمّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ بِعَدَدِ أَنْفَاسِ أَهْلِ الجَنّةِ فِي الجَنّةِ،

وَاحْشُرْنَا وَوَالِدَيْنَا وَإِخْوَانَنَا وَأَخَوَاتِنَا تَحْتَ لِوَائِهِ، وَارْزُقْنَا شَفَاعَتَهُ،

وَأَدْخِلْنَا الجَنّةَ مَعَ آلِهِ وَأَصْحَابِهِ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ،

آمِينَ.

﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا

﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ

﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي # وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي # وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي # يَفْقَهُوا قَوْلِي

﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ

﴿وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ

سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم