الكلمة السادسة عشرة

27. صفحة

الكلمة السادسة عشرة

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (يس:82-83) صدق الله العظيم

كتبت هذه الكلمة كي تمنح البصيرة لنفسي العمياء بإظهار "أربعة شعاعات" من نور هذه الآية الكريمة التي ستكون وسيلةً لاطمئنانِ نفسي، وستبدد الظلمات.

الشعاع الأول: يا نفسي الجاهلة الفظّة، تقولين:

إن "أفعال الله الكلية مع أحديته الذاتية"، و"ربوبيته العامة من دون مُعينٍ مع وحدانيته الذاتية"، و"شمول تصرفاته بلا شريكٍ مع فردانيته"، و"حضوره في كل مكانٍ مع تنزهه عن المكان"، و"قربه إلى كل شيءٍ مع علوه المطلق ورفعته غير المتناهية"، و"إمساكه كل شيءٍ بيده بذاته مع وحدانيته"، كلها من حقائق القرآن، والقرآنُ حكيمٌ، والحكيم لا يحمّل العقل ما لا يقبله العقل، أما العقل فيرى تناقضاتٍ ظاهرية في هذه الأمور؛ لذا فأنا أريد توضيحًا يسوق العقل إلى التسليم!

الجواب: بما أن الأمر هكذا، وتريدين ذلك من أجل الاطمئنان، فأقول مستندًا إلى فيض القرآن:

إن اسم "النور" قد حل كثيرًا من مشكلاتنا، فيحل هذه أيضًا إن شاء الله تعالى.

نختار طريق التمثيل الواضحة للعقل والمنوِّرة للقلب ونقول كما قال الإمام الرباني رضي الله عنه:

نه شَبَمْ نَه شَبْ پَرَسْتَمْ مَنْ غُلاَمِ شَمْسَمْ  أَزْ شَمْسِ مِي كُويَمْ خَبَرْ([1]).

ولما كان التمثيل أجلى وأسطع مرآةٍ لإعجاز القرآن؛ فنحن أيضًا سننظر بمثال إلى هذا السرّ، وهو:


[1])) أي: لست ليلاً ولا عابد ليلٍ، أنا خادم الشمس، وأخبر عنها.




28. صفحة

إن شخصًا واحدًا يكتسب الكلية بواسطة مرايا مختلفة، ويكون ككلي مالكٍ للشئون العامة مع أنه جزئي حقيقي، فمثلا: مع أن الشمس مشخص جزئي فإنها تصبح كليةً بواسطة الموادّ الشفافة؛ تملأ وجه الأرض بتمثلاتها وانعكاساتها، بل لها تجلياتٌ بعدد القطرات والذرات اللامعة، وكل شيءٍ شفافٍ يخفي في بؤبؤ عينه حرارة الشمس، وضياءها، وألوانها السبعة، فضلا عن تمثلها، ويجعل قلبه النقي الصافي عرشًا لها، مع أن كلاًّ من حرارة الشمس وضيائها وألوان الطيف السبعة في ضيائها تحيط بالأشياء التي تقابلها وتعمّها وتشملها، فكما أن الشمس بحيثية الواحدية تحيط بجميع الأشياء التي تقابلها؛ فإنها من ناحية الأحدية توجَد في كل شيء بتجليها الذاتي نوعا ما مع صفاتها الكثيرة.

وبما أننا انتقلنا من التمثيل إلى التمثل، فإننا سنشير إلى "ثلاثة أنواع" من أنواع التمثّل الكثيرة لتكون سببًا لهذه المسألة.

أولها: انعكاسات الأشياء المادية الكثيفة؛ فهذه الانعكاسات موات، وهي غير الشيء، وليست عينه، ولا تملك أية خاصية غير هويتها الصورية، فمثلا: إذا دخلت مخزن المرايا، يكون سعيدٌ واحد آلافًا من سعيد، ولكن الكائن الحي منها هو أنت وحدك، والبقية ميتة، وليست لها أية خاصية من الحياة.

ثانيها: وهو انعكاسات الأشياء النورانية المادية، وهي ليست عين الشيء، ولكن ليست غيره أيضًا، وليست ماهيتها كماهية هذا الشيء النوراني، ولكنها مالكةٌ لأكثر خاصياته، وتعد ذات حياة مثله، فمثلا: حينما أرسلت الشمس أشعتها إلى الأرض، وأظهرت صورتها المنعكسة في كل مرآة، فإنه يوجد في كل صورة منعكسة ما هو بمنزلة خاصيات الشمس من الحرارة والضياء والألوان السبعة التي في الضياء، فلو كانت الشمس ذات وعي -فرضًا- وكانت حراراتها عينَ قدرتها، وضياؤها عين علمها، وألوانها السبعة صفاتها السبعة؛ لكانت هذه الشمس الواحدة الوحيدة عندئذٍ توجَد في كل مرآةٍ في وقتٍ واحد، ولكانت تستطيع أن تجعل كل واحدةٍ من المرايا عرشًا لها، ونوعًا من الهاتف يخصها، ولما كانت تمنع واحدةٌ منها الأخرى، ولكانت تقابل كلَّ 

29. صفحة

واحدٍ منا بواسطة مرايانا، ولكانت أقرب إلينا من أنفسنا مع أننا بعيدون عنها.

ثالثها: الصور المنعكسة للأرواح النورانية، وهذه الصور المنعكسة ذات حياة، وهي عين تلك الأرواح، ولكن لما كانت تظهر حسب قابلية المرايا؛ فإنها لا تكون تمامًا كالماهية الحقيقية لتلك الروح، فمثلا: عندما كان سيدنا جبريل عليه السلام حاضرًا عند النبي -عليه الصلاة والسلام- على صورة دِحْيَة رضي الله عنه، كان يسجد بين يدي الله تعالى في العرش الأعظم بأجنحته العظيمة المهيبة، وفي الوقت ذاته يوجد في أماكن لا تعد ولا تحصى، يبلّغ فيها الأوامر الإلهية، ولا يمنع شيءٌ شيئًا.

ومن أجل هذا السر؛ فإن الرسول عليه الصلاة والسلام الذي ماهيته نورٌ وهويته نورانيةٌ، يسمع صلوات جميع أمته عليه دفعةً في الأرض، ويلتقي بجميع الأصفياء في القيامة في وقت واحد، ولا يمنع أحدهم الآخر، حتى إن بعضًا من الأولياء الذين يطلق عليهم "الأبدال" والذين اكتسبوا نورانية قوية كانوا يشاهَدون في كثير من الأماكن في وقت واحد، وكان أحدهم ينجز كثيرًا من الأشياء في أماكن كثيرة في وقتٍ واحد.

أجل؛ فكما أن موادّ كالزجاج والماء تصبح مرايا للجسمانيات؛ كذلك فالهواء والأثير وبعضٌ من موجودات عالم المثال تصبح مرآةً للروحانيات، وتصير وسيلةً للسير والسياحة بسرعة البرق والخيال، وهذه الروحانيات تتجول في تلك المرايا النظيفة والمنازل اللطيفة بسرعة الخيال، وتدخل آلاف الأماكن في وقت واحد.

وبما أن مخلوقاتٍ مسخّرة عاجزة كالشمس، وأن المصنوعات نصف النورانية المقيّدة بالمادة كالروحانيات يمكنها أن تكون في أماكن كثيرة جدًّا بسر النورانية مع أنها في مكانٍ واحد، وتصبح كالكلي المطلق مع أنها جزئيٌّ مقيّد، وتنجز في وقت واحد أمورًا كثيرة جدًّا باختيارٍ جزئي.

إذن فكيف بمن هو مجردٌ ومعلى عن المادة، ومنزَّهٌ ومبرأ عن تحديد القيد وظلمة الكثافة، وجميع هذه الأنوار وجميع النورانيات هي ظلالٌ كثيفة لأنوار أسمائه القدسية، وجميع الموجودات وجميع أنواع الحياة وعالم الأرواح وعالم المثال كلها مرآةٌ نصفُ شفافةٍ 

30. صفحة

لجماله، ومن هو صفاتُه محيطةٌ وشئونه كلية؟! فأي شيء يستطيع أن يتخفى عن توجه أحديته التي هي ضمن تجلي صفاته وأفعاله بإرادته الكلية وقدرته المطلقة وعلمه المحيط؟! وأي شيء يصعب عليه؟! وأي شيء يستطيع أن يخفى منه؟! وأي فرد يستطيع أن يبقى بعيدًا عنه؟! وأي شخص يستطيع أن يقترب منه من دون أن يكتسب الكلية؟!

أجل؛ كما أن الشمس أقرب إليك من بؤبؤ عينك بواسطة نورها غير المقيد وانعكاسها غير المادي، ولكنك بعيدة عنها غاية البعد؛ لأنك مقيدة، وللاقتراب منها لابد من التجرد من كثير من القيود، واجتياز كثيرٍ من المراتب الكلية، أي: كأن تكبري معنىً بقدر الكرة الأرضية وترتفعي ارتفاع القمر، ثم تستطيعي أن تقتربي شيئًا ما من مرتبتها الأصلية مباشرةً، وتقابليها دون حجاب؛ كذلك فإن الجليل ذا الجمال والجميل ذا الكمال قريبٌ منك غاية القرب، ولكنك بعيدة عنه غاية البعد.

فإن كان لقلبك قوةٌ ولعقلك علوٌّ ورفعة فحاولي أن تطبّقي النقاط الموجودة في المثال على الحقيقة.

الشعاع الثاني: يا نفسي الحائرة، تقولين إن آياتٍ أمثال ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾(يس: 82)، و﴿إِن كَانَتْ إِلاّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لّدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾(يس:53) تبين أن الأشياء توجَد وتخلق دفعةً بمجرد أمرٍ، وإن آياتٍ أمثال ﴿الّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَه﴾(السجدة:7) و﴿صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾(النمل:88) تبين أن الأشياء تُخلق بالتدريج بقدرةٍ عظيمة ضمن علمٍ، وبصنعٍ دقيقٍ متقن ضمن حكمةٍ، فما وجه التوفيق بينهما؟

الجواب: نقول مستندين إلى فيض القرآن الحكيم:

أولا: لا تناقض بينهما ولا منافاة، إذ بعض المخلوقات يخلق كذا؛ كالإيجاد في الابتداء، والبعض الآخر كذا؛ يكون كإعادة المِثْل.

ثانيًا: إن ما يُشاهَد في الموجودات من منتهى الانتظام وغاية الإتقان وحسن الصنع وكمال الخلق في سهولةٍ وسرعة وكثرة وسعة؛ يشهد على وجود حقيقة هذين القسمين 

31. صفحة

من الآيات شهادةً قاطعة؛ إذن لا داعي لأن يكون تحقق الأشياء خارجَ هذه الأمور مدارَ بحث، وإنما يمكن القول: ما سر حكمتهما؟ إذن فنحن أيضًا سنشير إلى هذه الحكمة بقياسٍ تمثيلي:

مثلا: كما أن صانعًا ماهرًا كالخياط يخترع شيئًا بديعًا ببذل جهودٍ كبيرة ومهارات عظيمة، ويصنع له نموذجًا، ثم يستطيع أن يصنع كثيرًا من أمثاله بسرعة وبدون تعب، حتى إن الأمر يكتسب سهولةً لدى البعض وكأنه يأمر فيكون ذلك الشيء، ويكتسب انتظامًا قويًّا وكأنه يشتغل ويعمل كالساعة بمجرد صدور أمرٍ؛ كذلك فالصانع الحكيم والنقاش العليم قد صنع قصر العالم هذا وما فيه صنعًا بديعًا، ثم أعطى كل شيء سواء كان جزئيًا أو كليًّا، جزءًا أو كلاًّ؛ مقدارًا معينًا بنظامٍ قدري وكأنه نموذج، فانظر كيف أن ذلكم النقاش الأزلي يجعل كل عصرٍ كنموذج، ويُلبسه عالَمًا جديدًا مرصعًا بمعجزات قدرته، ويجعل كل سنةٍ مقياسًا له، وينسج كونًا جديدًا طريًّا طازجًا بديعًا مصنوعًا بخوارق رحمته حسب تلك القامة؛ أي: مقياس السنة، ويجعل كل يومٍ سطرًا، ويكتب فيه موجوداتٍ متجددة مزيَّنة بدقائق حكمته.

ثم إن ذلكم القدير المطلق جعل وجه الأرض وكلَّ جبلٍ وصحراء وحديقة وكل شجرة نموذجًا، مثلما جعل كل عصرٍ وكل سنة وكل يوم نموذجًا، وينشئ في الأرض عوالم طرية طازجة متجددة حينًا بعد حين، ويوجِد دُنَا جديدة، ويزيل عوالم ويأتي بعوالم أخرى متقنة بديعة، ويكتب كتابًا يتفجر بحِكمٍ يُظهِر معجزات قدرته وهدايا رحمته طازجةً طرية في كل فصلٍ وفي كل حديقة وبستان، وينصب مطبخ رحمته جديدًا متجددًا، ويُلبِس الموجودات حلةً قشيبة جديدة، ويخلع على كل شجرةٍ في الربيع ملحفة جديدة شبيهة بالسندس، ويزينها بمرصعات جديدة شبيهة باللآلئ والدرر، ويملأ أيديها بهدايا الرحمة الشبيهة بالنجوم.

فالذي يفعل كل هذه الأمور بمنتهى حسن الصنع وكمال الانتظام والإتقان، ويغير العوالم السيّارة المتتابعة المتعاقبة المعلَّقة على حبل الزمان ويبدلها بمنتهى الحكمة والاهتمام وكمال القدرة والصنعة؛ لاشك أنه قديرٌ وحكيم إلى أبعد الحدود، وبصيرٌ وعليم بشكلٍ 

32. صفحة

غير متناه، ولا تستطيع أن تتدخل المصادفة في أموره وشئونه، فذلكم الذات ذو الجلال هكذا يعلن: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ ويقول ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾(النحل:77)، ويعلن عن كمال قدرته، ويبين أن الحشر والقيامة سهلٌ وهيّن جدًّا على قدرته، وليس صعبًا أو مكلِّفًا، ولأن أمره التكويني يتضمن القدرةَ والإرادة، ولأن الأشياء كلَّها في منتهى التسخير والانقياد لأمره، ولأنه يخلق بدون مباشرةٍ ودون جهدٍ وعناء؛ فإن القرآن المعجز البيان -تعبيرًا عن السهولة المطلقة في إيجاده- يعلن أنه يفعل الأفعال بمجرد أمرٍ.

الحاصل: قسم من الآيات يعلن منتهى بداعة الصنع ومنتهى درجات كمال الحكمة في الأشياء، ولاسيما في بداية إيجادها، وقسمٌ آخر منها يبين غاية السهولة والسرعة، ومنتهى الانقياد وعدم الكلفة في الأشياء، ولاسيما في تكرار إيجادها وإعادتها.

الشعاع الثالث: فيا نفسي الشغوفة الخارجة عن طورها المتجاوزة حدودها، تقولين: إن آياتٍ أمثال ﴿بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾(يس:83)، و﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾(هود:56)، و﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾(ق:16) تبين منتهى القرب الإلهي من كل شيء، وآيات أمثال ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، و﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾(المعارج:4)، وما ورد في الحديث الشريف من أن الله تعالى وراء سبعين ألف حجاب، والمعراج وغيره من الحقائق تبين منتهى بعدنا عنه، فأنا أريد توضيحًا يقرّب هذا السرّ الغامض إلى الفهم.

الجواب: فاستمعي إذن:

أولا: لقد قلنا في ختام "الشعاع الأول": كما أن الشمس بنورها غير المقيَّد وانعكاسها غير المادي أقرب إليك من بؤبؤ عينك التي هي نافذة روحك ومرآة شمسك، ولكنك بعيدة عنها غاية البعد؛ لأنك مقيَّدة ومحبوسة في المادة، ولا تستطيعين أن تمسي إلا بعضًا من انعكاسها وظلالها، ولا تستطيعين أن تقابلي إلا نوعًا من أنواع تجلياتها الجزئية، ولا تستطيعين أن تقتربي إلا من ألوانها التي هي بمنزلة نوعٍ من أنواع صفاتها، ومن أشعتها ومداراتها التي هي بمنزلة ضرب من ضروب أسمائها.


33. صفحة

وإن أردت أن تقتربي من المرتبة الأصلية للشمس وأن تقابليها بذاتها مباشرة؛ فلابد أن تتجردي من كثير جدًّا من القيود، وتجتازي كثيرًا جدًّا من المراتب الكلية، كأن تكبري معنىً بقدر الكرة الأرضية من حيث التجرد، وتنبسطي روحًا كالهواء، وترتفعي مثل القمر، وتقابليها كالبدر، ثم بعد ذلك يمكنك أن تدعي بأنك اقتربت منها وقابلتها بالذات دون حجاب.

كذلك فإن الجليل ذا الكمال، والجميل الذي لا مثل له، والواجب الوجود، وموجِد كل موجود، والشمس السرمدية، وسلطان الأزل والأبد؛ أقرب إليك منك، ولكنك بعيدة عنه بعدًا مطلقًا.

فإن كانت لك قوةٌ فطبّقي ما في المثال من الدقائق على الحقيقة.

ثانيًا: مثلا، ولله المثل الأعلى: إن من بين أسماء كثيرة لملكٍ يتجلى اسمه القائد في دوائر كثيرة متداخلة بحيث له تجلياتٌ وظهور في الدوائر الواسعة والضيقة والكلية والجزئية بدءًا من دائرة قائد الجيش الكلية ودائرة المشير والفريق، وانتهاءً إلى دائرة الملازم والعريف.

فالجندي يتخذ في أثناء أدائه الخدمةَ العسكرية رتبة القيادة الجزئية التي تتجلى في مقام العريف مرجعًا له، ويتصل بقائده الأعظم من خلال هذا التجلي الجزئي لاسم القائد، ويكون ذا علاقة معه، فإذا أراد أن يتصل باسمه الأصلي، وأن يقابله بهذه الصفة؛ فلابد أن يرتقي من رتبة العريف إلى رتبة القائد الأعظم الكلية، أي: إن الملك قريب من هذا الجندي باسمه وحكمه وقانونه وعلمه وهاتفه وتدبيره، ولو كان ذلك الملك نورانيًّا من الأولياء الأبدال فإنه يكون قريبًا إليه بحضوره بالذات، ولا يمنعه ولا يحول بينه وبين هذا الجندي شيءٌ، بينما هذا الجندي بعيد عنه غاية البعد؛ إذ ثمة آلاف من المراتب تحول بينهما، وآلاف من الحجب تفصل بينهما، ولكن الملك يشفق ويرأف بأحدهم أحيانًا، فيجلب أحد الجنود إلى حضرته، ويكرمه ويجود عليه بخلاف قوانينه العادية الجارية.

كذلك، ولله المثل الأعلى، فإن الله ذا الجلال المالك لأمر "كن فيكون"، والذي تُعَدّ الشموس والنجوم جنودًا مطيعين له؛ أقربُ إلى كل شيء من كل شيء، ولكن كل شيء بعيدٌ عنه بعدًا مطلقًا، فإن أريد الدخول إلى حضرة كبريائه دون حجاب؛ فلابد 

34. صفحة

من النفوذ من سبعين ألف حجابٍ من الحجب المظلمة والنورانية، أي: المادية والكونية والأسمائية والصفاتية، ولابد من الصعودِ إلى آلافٍ من درجات التجليات الكلية الخاصة بكل اسمٍ من الأسماء، والمرورِ من طبقات الصفات العالية الرفيعة جدًّا، والعروج إلى عرشه الأعظم الذي نال تجلّي اسمه الأعظم، وإن لم يكن هناك جذب ولطف وتكريم؛ فلابد من السعي والسلوك لآلاف السنين.

فمثلا: إذا أردت أن تقتربي منه باسمه "الخالق"، فلا يمكن أن تتصلي به وتقتربي منه إلا باسمه خالقًا لك أولا، ثم باسمه خالقًا لجميع الناس، ثم بصفته خالقًا لجميع الأحياء، وباسمه خالقًا لجميع الموجودات، وإلا تبقين في الظل، ولا تجدين إلاّ تجليًا جزئيًّا.

تنبيه: إن الملك في المثال لأنه عاجزٌ؛ وضع في مراتب اسمه القائد وسائط كالمشير والفريق، ولكن القدير المطلق الذي "بيده ملكوت كل شيءٍ" غنيٌّ عن الوسائط، فالوسائط ظاهريةٌ بحتة، وهي حجاب العزة والعظمة، وداعية ودلاّلة إلى سلطنة ربوبيته تعالى، ومشاهدة في عبوديةٍ وإعجاب وانبهار وعجز وافتقار، وليست معينةً له، ولا يمكنها أن تكون شريكًا لسلطنة الربوبية.

الشعاع الرابع: يا نفسي الكسولة، إن حقيقة الصلاة التي هي معراجٌ نوعا ما هي؛

قبولك بين يدي الله الجليل ذي الجمال والمعبود الجميل ذي الجلال، كقبول الجندي في المثال السابق للحضور بين يدي الملك بمحض اللطف والتكريم.

وهي قول العبد "الله أكبر" فمروره من العالَمَين معنىً وخيالا أو نية، وتجرده عن قيود الماديات، ورقيه إلى مرتبةٍ كلية للعبودية، أو إلى ظلٍّ من ظلالها أو صورة من صورها، وتشرفه بنوع من الحضور([1])، وحظوته بشرف خطاب "إياك نعبد" حظوة عظيمة، يكون لكلّ حسب درجته.

وكأنها إشارة إلى قطع المراتب بترديد "الله أكبر، الله أكبر" في حركات الصلاة، وإلى الترقيات المعنوية والصعود إلى الدوائر الكلية من الجزئيات.


[1])) الحضور: الحضور هو حضور القلب لما غاب عن عيانه بصفاء اليقين فهو كالحاضر عنده وإن كان غائبا عنه، انظر موسوعة المصطلحات الصوفية 291.




35. صفحة

وكلمة "الله أكبر" عنوانٌ مجمَل لكمالات كبريائه تعالى التي هي خارج معرفتنا، وكأن كل لفظ "الله أكبر" علامةٌ على قطع درجةٍ من درجات المعراج.

ومن أجل ذلك فإن النيل والتشرف ولو بشعاع من شعاعات ظلٍّ من ظلال حقيقة الصلاة هذه معنىً أو نية أو تصورًا أو خيالا؛ هو سعادةٌ عظيمة.

فترديد "الله أكبر" في الحج كثيرًا هو من أجل هذا السر؛ لأن الحج الشريف عبوديةٌ في مرتبةٍ كلية لكل أحد بالأصالة، إذ كما أن الجندي يذهب إلى عيد الملك في يومٍ خاص في دائرة الفرقاء وكأنه فريقٌ، فينال ألطافه وكرمه؛ كذلك فإن الحاج مهما كان من العوام يتوجه إلى ربه بوصفه الرب العظيم لجميع أقطار الأرض كولي قَطَع المراتب، ويتشرف بعبوديةٍ كلية.

ولاشك أن آفاق عظمة الألوهية التي تشاهَد بمنظار المراتب الكلية للربوبية التي تفتح بمفتاح الحج، ودوائر العبودية التي تتسع بشعائرها في قلب الحاج وخياله، وما تورثه مراتب الكبرياء وأفق التجليات من حرارةٍ وإعجاب وانبهار وهيبة الربوبية، لا يمكن تسكينها إلا بترديد "الله أكبر، الله أكبر"، وبها يمكن الإعلان عن تلك المراتب المنكشفة المشهودة أو المتصورة.

فهذه المعاني السامية الكلية توجَد بدرجات متفاوتة -بعد الحج- في صلوات العيد، وصلوات الاستسقاء، وصلوات الخسوف والكسوف، وصلاة الجماعة.

فأهمية الشعائر الإسلامية ناشئة من هذا السرّ، ولو كانت من قبيل السنن السنية.

سُبْحَانَ مَنْ جَعَلَ خَزَائِنَهُ بَيْنَ الكَافِ وَالنُّونِ.

﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ

﴿سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلاّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ

﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا

﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ

وَصَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى رَسُولِكَ الأَكْرَمِ مَظْهَرِ اسْمِكَ الأَعْظَمِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَإِخْوَانِهِ وَأَتْبَاعِهِ،

آمِينَ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

 


36. صفحة

ذيل صغير

إن القدير العليم والصانع الحكيم كما أنه يُظهر بالنظام والإتقان -اللذين تظهرهما عاداته التي هي في شكل القوانين- قدرتَه وحكمته، وأن أية مصادفة لا تستطيع أن تتدخل في أفعاله؛ يُظهر كذلك بشذوذ قوانينه، وخوارق عاداته، وبتغيرات صورية، وباختلافات التشخصات، وتبدل زمان النزول والظهور؛ أنه فاعلٌ مختار وصاحب إرادةٍ حرة في مشيئته وإرادته، وأنه لا يخضع لأي قيدٍ من القيود، فيخرق حجاب الرتابة، ويبين أن كل شيء محتاجٌ إليه في كل حين وآن في كل شأن من شئونه وأمر من أموره، ومنقاد لربوبيته، فيبدد الغفلةَ ويصرف أنظار الإنس والجن عن الأسباب إلى مسبِّب الأسباب.

فبيانات القرآن تتوجه إلى هذا الأساس.

فمثلا: إن بعض الأشجار المثمرة تثمر في سنة واحدة في أكثر الأماكن، أي: تُمنَح أياديها من خزائن الرحمة، فتثمر هي وتؤتي ثمارها، ولكن في السنة التالية -وعلى الرغم من وجود الأسباب الظاهرية- لا تتسلَّم الثمار ولا تؤتيها.

ومثلا: إن أوقات نزول المطر متبدلة ومتغيرة خلافًا لسائر الأمور الضرورية إلى حدٍّ دخل معه ضمن المغيبات الخمسة؛ لأن أهم موقعٍ في الوجود هو موقع الحياة والرحمة، ولما كان المطر منشأ الحياة ومحض الرحمة؛ فإن هذا الماء الباعث للحياة وهذا الماء للرحمة لن يدخل حتمًا ضمن قاعدة الرتابة والاطّراد التي هي باعث للغفلة وحجاب للشئون الإلهية، بل سيمسكه الذاتُ ذو الجلال المنعم الحقيقي الرحمن الرحيم في يده مباشرةً دون حجاب، حتى يدع أبواب الدعاء والشكر مفتوحة كل حين وآن.

ومثلا: إن إعطاء الرزق، ومنح وجهٍ معين من حيث لا يُحتَسب كأثر نعمةٍ خاصة؛ يدل على المشيئة الربانية والاختيار الرباني دلالةً واضحة ساطعة.

فقس أنت تصريف الرياح وتسخير السحاب وغيرهما من الشئون الإلهية على هذا.