الكلمة السادسة والعشرون

95. صفحة

الكلمة السادسة والعشرون

رسالة القدر

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاّ بِقَدَر مَّعْلُومٍ﴾ (الحجر:21)

﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَام مُّبِينٍ﴾ (يس:12)

 

القدر والاختيار الجزئي مسألتان مهمتان، نحاول أن نحل بعض أسرارهما في "أربعة مباحث".

المبحث الأول

إن القدر والاختيار الجزئي هما جزءان من إيمانٍ حالي ووجداني يرسمان أقصى حدود الإسلام والإيمان، وليسا من المسائل العلمية والنظرية، أي: كلما فوّض المؤمن أموره، بل أفعاله ونفسه إلى الله تعالى واستمر على هذه الحال يتصدى له الاختيار الجزئي، ويقول له: إنك مسئول ومكلف، حتى لا يفلت في النهاية من التكليف والمسئولية، ثم يتصدى له القدر حتى لا يغترّ بما يصدر عنه من الحسنات والفضائل والكمالات، ويقول له: اعرف حدّك، فلست أنت الفاعل!

أجل؛ إن القدر والاختيار الجزئي دخلا ضمن المسائل الإيمانية في أعلى مراتب الإيمان والإسلام؛ إذ القدر ينقذ النفسَ من الغرور، والاختيارُ الجزئي ينقذها من التخلي عن المسئولية، وإلا فهما ليسا من المسائل العلمية التي تؤدي إلى تصرفاتٍ تتنافى كليًّا مع سر القدر وحكمة الإرادة الجزئية، كتمسك النفوس الأمارة المتمردة بالقدر كي تنجي نفسها من مسئوليةِ ما ارتكبته من السيئات، وفخرها وغرورها بما أُنعم عليها من المحاسن والفضائل، واستنادها إلى الإرادة الجزئية.

أجل؛ إن هناك مجالا لاستعمال القدر بين العوام الذين لم يترقوا معنويًّا، ولكن هذه المجالات تقتصر على الأمور الماضية والمصائب، والقدر دواءٌ لليأس والحزن، ولكنه لا يجري في المعاصي والأمور المستقبلية حتى يكون سببًا للسفاهة والعطالة.


96. صفحة

إذن؛ إن مسألة القدر ليست من أجل إنقاذ الإنسان من التكليف والمسئولية، بل هي من أجل إنقاذه من الفخر والغرور؛ ولذلك دخلت ضمن المسائل الإيمانية، أما الاختيار الجزئي فدخل ضمن المسائل العقائدية حتى يكون مرجعًا للسيئات، فهو ليس مصدرًا للفضائل ومن ثم ليس سببًا للتفرعن.

أجل؛ إن الإنسان مسئول عن سيئاته مسئوليةً كاملة كما قال القرآن الكريم؛ لأنه هو الذي يريد السيئات، ولما كانت السيئات من نوع التخريب والهدم فإن الإنسان يمكن أن يتسبب بسيئةٍ واحدة في كثيرٍ من التخريب والهدم، فيستحق عقابًا شديدًا، مثل إحراق البيت بكبريتٍ واحد، ولكن ليس له حقّ أن يفتخر بالحسنات؛ إذ حظه فيها ضئيل جدًّا؛ لأن الذي يريد الحسنات ويقتضيها هو الرحمة الإلهية، والذي يوجدها هو القدرة الربانية، فالسؤال والإجابة، والداعي والسبب كلاهما من الحق سبحانه وتعالى، والإنسان لا يتملكها إلا بالدعاء والإيمان والوعي والإدراك والرضا.

أما السيئات، فالنفس الإنسانية هي التي تريدها، تريدها إما بالاستعداد وإما بالاختيار، مثلما تكتسب بعض الموادِّ الاسودادَ من ضياء الشمس البيضاء، فتتعفن، وهذا الاسوداد يعود إلى استعدادها هي، ولكن الذي يوجد تلك السيئات بقانونٍ إلهي يتضمن كثيرًا من المصالح هو الحق تعالى؛ أي: السببية والسؤال من النفس؛ بحيث هي التي تتحمل المسئولية، أما الخلق والإيجاد الخاصّان بالحق تعالى فهما جميلان وخيران لما لهما من نتائج وثمرات أخرى طيبةٍ جميلة.

ومن أجل هذا السر فإنّ كسب الشرّ شرٌّ، ولكن خلق الشر ليس بشرٍّ.

وكما أنه لا يحق لكسولٍ تَضرّر من المطر الذي يتضمن كثيرًا من المصالح أن يقول: إن المطر ليس رحمة؛ كذلك فإن في الخلق والإيجاد خيرًا كثيرًا على الرغم من وجود شرٍّ جزئي فيهما، فتركُ خيرٍ كثير من أجل شرٍّ جزئي يكون شرًّا كثيرًا؛ لذا يكون شرّهما الجزئي بمنزلة خيرٍ كثير.

وليس في الإيجاد الإلهي شرٌّ وقبح، بل الشرّ والقبح يرجعان إلى كسب العبد واستعداده، وكما أن القدر الإلهي منزَّهٌ عن الشر والسوء من حيث النتائج والثمرات؛ 

97. صفحة

فإنه مقدَّس كذلك عن الظلم والقبح من حيث العلة والسبب؛ لأن القدر يتعلق بالعلل الحقيقية فيعدل، أما البشر فيبنون الأحكامَ على ما يرون من عللٍ ظاهرية، فيقعون في الظلم ضمن عدالة القدر ذاتها.

فمثلا: يحكم عليك القاضي بالسرقة فيسجنك، ولكنّك لست سارقًا، ولكن لك جريمة قتل خفية لا يعرفها أحد، فالقدر الإلهي قد حكم عليك من أجل جريمتك المخفية تلك، فعدل، أما القاضي فقد ظلمك؛ لأنه حكم عليك بناءً على سرقة أنت بريء منها.

وهكذا فقد تظهر في شيءٍ واحد عدالة القدر الإلهي وظلمُ كسب الإنسان من وجهين، فقس أنت الأمور الأخرى على هذا.

إذن إن القدر الإلهي والإيجاد الإلهي مُنَزَّهان عن الشر والقبح والظلم من حيث المبدأ والمنتهى، والأصل والفرع، والعلة والنتيجة.

فإن قيل:

بما أن الاختيار الجزئي ليس له قابليةٌ للإيجاد، وليس بيده إلا الكسب الذي هو عبارةٌ عن أمرٍ اعتباري، فكيف يُصوَّر الإنسان في القرآن المعجز البيان وكأنه عاصٍ لخالق السماوات والأرض وخصمٌ له؟ حتى يشتكي منه خالق السماوات والأرض شكاوى عظيمةً، ويحشد نفسه وملائكته لينصر عبده المؤمن على هذا الإنسان العاصي، ويوليه أهمية عظيمة؟

الجواب: لأن الكفر والعصيان والسيئة تخريبٌ وعدم، ويمكن أن تترتب تخريبات عظيمة وعدم غير محدود على أمرٍ اعتباري وعدمي واحد.

فكما أنه بعدم قيام ملاّح سفينةٍ ضخمة بوظيفته تَغرَق السفينةُ، وتَبْطُل نتائجُ سعي جميع العاملين فيها، وهذه التخريبات كلها تترتب على عدمٍ واحد؛ كذلك فإن الكفر والمعصية ولأنهما من نوع العدم والتخريب، فيمكن أن يحركهما الاختيار الجزئي بأمرٍ اعتباري واحد، فيؤديان إلى نتائج رهيبة، وذلك أن الكفر على الرغم من أنه سيئة؛ 

98. صفحة

فإنه تحقيرٌ لجميع الكون بالتفاهة والعبثية، وتكذيبٌ لجميع الموجودات التي تُظهِر دلائل الوحدانية، وتزييفٌ لجميع تجليات الأسماء الحسنى؛ لذا فإن شكوى الحق تعالى بشدةٍ من الكافر باسم جميع الكائنات والموجودات والأسماء الإلهية، وتهديده له بشدة هو عين الحكمة، وتعذيبه بعذابٍ أبدي هو عين العدالة.

وبما أن الإنسان بسبب الكفر والعصيان يتجه نحو التخريب، فبجهدٍ وعمل قليل يستطيع أن يقوم بأعمالٍ كثيرة؛ فإن أهل الإيمان يحتاجون تجاههم إلى عون الله تعالى العظيم؛ ذلك أن عشرة رجال أقوياء إذا تعهدوا بالمحافظة على بيتٍ واحد وصيانته وترميمه فإنهم يضطرون إذا ما قام طفل شِرِّير بمحاولة إحراق هذا البيت إلى الشكوى منه إلى وليه، وربما إلى الملك والتوسل إليه؛ فالمؤمنون كذلك يحتاجون كثيرًا إلى عون الله تعالى للصمود أمام أمثال هؤلاء العصاة الوقِحين.

الحاصل: الذي يتحدث عن القدر والاختيار الجزئي إن كان من أهل الحضور ومن أهل الإيمان الكامل فإنه يفوض أمر الكون وأمر نفسه إلى الحق تعالى، ويدرك أن الأمور تحت تصرفه تعالى، عندها يَحِقّ له أن يتحدث عن القدر والاختيار الجزئي؛ إذ بما أنه يعتقد أن نفسه وكلَّ شيء منه تعالى، فإنه عندئذ يستند إلى الاختيار الجزئي فيتعهد بالمسئولية، ويعترف بأنه مرجع للسيئات فيقدس ربه عزّ وجلّ، ويبقى ضمن دائرة العبودية ويحمل التكليفَ الإلهي، وينظر إلى القدر حتى لا يغترّ بما يصدر عنه من الحسنات والكمالات؛ فيشكر بدلا من الفخر، ويرى القدر في المصائب التي نزلت به فيصبر.

أما الذي يتحدث عن القدر والاختيار الجزئي فإن كان من أهل الغفلة فليس له حقٌّ في أن يتحدث لا عن القدر ولا عن الاختيار الجزئي؛ لأن نفسه الأمّارة بدافع الغفلة والضلالة تُسند الكون إلى الأسباب، وتقسّم ملك الله بينها، وتملّك نفسها بنفسها، وتنسب فعلها إلى ذاتها وإلى الأسباب، ثم هو يفوّض المسئوليةَ والتقصير إلى القدر، وعندها لا معنى للحديث عن الاختيار الجزئي الذي يُسنَد إلى الله تعالى في النهاية، ولا عن القدر الذي هو مدار النظر والتأمل في النهاية، وإنما هذا الإسناد من أهل الغفلة هو أمرٌ منافٍ كليًّا لحكمتهما، ودسيسةٌ شيطانية للتخلص من المسئولية.


99. صفحة

المبحث الثاني

بحث علمي دقيق خاص بأهل العلم([1]).

إن قلت: كيف يمكن التوفيق بين القدر والاختيار الجزئي؟

فالجواب: "بسبعة وجوه":

أولها: إن العادل الحكيم الذي تشهد الكائنات بلسان الانتظام والإتقان والميزان على عدله وحكمته قد منح الإنسانَ اختيارًا جزئيًّا مجهول الماهية ليكون مدارًا للثواب والعقاب، وكما نجهل كثيرًا من حكم ذلكم العادل الحكيم؛ فإن جهلنا بكيفية التوفيق بين الاختيار الجزئي هذا وبين القدر لا يدل على عدمه.

ثانيها: إن كل إنسان يشعر بالضرورة في قرارة نفسه أن له اختيارًا، ويعرف وجود هذا الاختيار بالوجدان، والعلم بماهية الموجودات شيءٌ، والعلم بوجودها شيء آخر، وهناك أشياء كثيرة مجهولة ماهيتُها لدينا مع أن وجودها بدهي عندنا، ويمكن أن يدخل هذا الاختيار الجزئي في عداد هذه الأشياء، ولا يدخل كل شيء ضمن معلوماتنا، ولا يدل عدم علمنا به على عدم وجوده.

ثالثها: إن الاختيار الجزئي لا ينافي القدر، بل القدر نفسه يؤيد الاختيار؛ لأن القدر نوعٌ من العلم الإلهي، وقد تعلق العلم الإلهي باختيارنا، إذن إنه يؤيد الاختيارَ ولا يبطله.

رابعها: القدر هو من نوع العلم، والعلم تابعٌ للمعلوم؛ أي: يتعلق به كما هو عليه في نفس الأمر، وليس المعلوم تابعا للعلم؛ أي: إن دساتير العلم ليست أساسًا لإدارة المعلوم من حيث الوجود الخارجي؛ لأن ذات المعلوم ووجودَه الخارجي يعودان إلى الإرادة ويستندان إلى القدرة.


[1])) هذا المبحث الثاني أعمق وأعضل مسألة لسرّ القدر، وهو مسألة عقائدية كلامية ذات أهمية كبرى بين العلماء المحققين أجمعهم، دارت المناظرات حولها، وقد حلّتها رسائل النور حلا تامًّا. (المؤلف).




100. صفحة

ثم إن الأزل ليس طرفًا لسلسلة الماضي؛ حتى يُتَّخذَ أساسًا في وجود الأشياء فيُتصور اضطرارٌ بحسبه، بل الأزل يحيط بالماضي والحاضر والمستقبل معًا، وهو كمرآة تنظر من الأعلى؛ إذن فتخيل طرفٍ في جهة الماضي من الزمان الممتد ضمن دائرة الممكنات، وتسميته بالأزل، وتوهّم الإنسان أن الأشياء تدخل في هذا العلم الأزلي بالترتيب، وأن نفسه خارج هذا العالم، وتفكيره حسب ذلك، ليس بحقيقة.

ولكشف هذا السرّ انظر إلى هذا المثال:

نفترض أن في يدك مرآة، وأن المسافة التي في يمينك هي الماضي، والمسافة التي في شمالك هي المستقبل، فهذه المرآة لا تعكس إلا ما يقابلها، ثم تعكس ذينك الطرفين بالترتيب، ولكن لا تستطيع أن تعكس أكثرهما، وهذه المرآة كلما كانت منخفضةً عكست القليل، ولكن كلما رُفعت تلك المرآة إلى الأعالي يتّسع نطاق ما تُقابِل، ثم كلما رُفعت بالتدريج عكست كلا الطرفين معًا، وإذا كانت هذه المرآة في هذا الوضع الأخير فلا يقال للحالات التي تجري في تلك المسافات التي ترتسم عليها: إن بعضها مقدَّم على بعض، أو مؤخَّر عنه، أو موافق له، أو مخالف.

ولما كان القدر من العلم الأزلي فإنه في مقامٍ رفيع عالٍ حسب تعبير الحديث الشريف من "الْمَنْظَر الأعلى" يضم كل شيء كان وما سيكون من الأزل إلى الأبد معًا ويحيط به، ولا يمكن أن نكون نحن وتفكيرنا خارج نطاقه حتى يكونَ العلم الأزلي كمرآة تمتد إلى الماضي.

خامسها: إن القدر له تعلقٌ بالسبب والمسبَّب معًا؛ أي: إن هذا المسبَّب سيقع بهذا السبب، إذن ينبغي ألا يقال: بما أن موت الشخص الفلاني مقدَّر في الوقت الفلاني، فما ذنب من أطلق عليه نارًا بالبندقية باختياره الجزئي! ولو لم يطلق عليه كان سيموت لا محالة!

سؤال: لماذا يجب ألا يقال؟

لأن القدر قد عيّن موت هذا ببنقدية ذاك، وإذا افترضت أنه لم يطلق نارًا بالبندقية فعندها تفترض عدم تعلق القدر، فبم ستحكم إذن على موته؟ 


101. صفحة

وإذا تصورتَ قدرًا للسبب وقدرًا آخر للمسبَّب مثل الجبرية، أو أنكرت القدر كالمعتزلة؛ تكون قد تركتَ أهل السنة والجماعة ودخلت في الفرق الضالة!

فإننا أهل الحقّ نقول: إن لم يُطلِق عليه نارًا بالبندقية فإن موته عندنا مجهول، ولكن الجبرية يقولون: ولو لم يُطلِق عليه كان سيموت لا محالة، والمعتزلة يقولون: لو لم يطلق لما مات.

سادسها([1]): إن الميلان الذي هو أس الأساس للاختيار الجزئي هو أمرٌ اعتباري عند الماتريدي، ويمكن إسناده إلى العبد، ولكن الأشعري ولأنه نظر إليه على أنه موجودٌ لم يُسنِده إلى العبد، ولكن التصرف الذي في هذا الميلان أمرٌ اعتباري عند الأشاعرة، إذن فهذا الميلان وهذا التصرف أمران نسبيان، وليس لهما وجودٌ خارجي محقَّق.

أما الأمر الاعتباري فلا يتطلب العلة التامة حتى يتدخل اللزومُ والضرورة والوجوب لوجود العلة التامة فيرفع الاختيارَ، بل علةُ هذا الأمر الاعتباري؛ هي ترجُّح الأمر الاعتباري هذا، وبهذا الترجح يمكن أن يتحقق للأمر الاعتباري ثبوت، إذن يمكن أن يتركه الإنسان في تلك اللحظة، حينئذ يمكن أن يقول له القرآن: هذا شر، لا تفعل!

أجل؛ لو كان العبد خالقًا لأفعاله، وكان له اقتدارٌ على الإيجاد، لارتفع عنه عندئذ اختياره؛ لأنه من المقرَّر حسب قاعدة "مَا لَمْ يَجِبْ لَمْ يُوجَدْ" في علم الأصول والحكمة: أن الشيء إذا لم يكن واجبًا لم يأتِ إلى الوجود، أي: لابد من علةٍ تامة، ثم بعد ذلك يمكنه أن يأتي إلى الوجود، وأما العلة التامة فتقتضي المعلولَ بالضرورة والوجوب، فعندها لا يبقى اختيارٌ.

فإن قلتَ: إن الترجيح بلا مرجِّحٍ محالٌ، بينما الكسب الإنساني الذي نسميه بالأمر الاعتباري هو فعلٌ حينًا وعدم فعل حينًا آخر، فإن لم يكن مرجِّحٌ موجِبٌ فلابد من ترجيحٍ بلا مرجِّح، وهذا يهدم أهم أساس من أسس أصول علم الكلام؟

فالجواب: إن الترجُّح بلا مرجِّح محالٌ؛ أي: إن الرجحان بلا مرجِّحٍ وبلا سبب محالٌ، ولكن الترجيح بلا مرجح جائز وواقع، فالإرادة صفة، ومن شأنها أن تقوم بمثل هذا العمل.


[1])) حقيقة خاصة بالعلماء المدققين غاية التدقيق.(المؤلف).




102. صفحة

وإذا قلت: بما أن الذي خلق القتل هو الحق تعالى، فلم يقال لي: قاتل؟

فالجواب: لأن اسم الفاعل حسب علم الصرف مشتقّ من المصدر الذي هو أمر نسبي، وليس مُشتَقًّا من الحاصل بالمصدر الذي هو أمرٌ ثابت، فالمصدر هو كسْبُنا، ونحن الذين نسمى بالقاتل، أما الحاصل بالمصدر فهو مخلوق الله تعالى، وما تُشَمّ منه المسئولية لا يشتق من الحاصل بالمصدر.

سابعها: على الرغم من أن الإرادة الجزئية للإنسان ضعيفة، واختياره الجزئي ضعيفٌ وأمرٌ اعتباري، فإن الله تعالى الحكيم المطلق قد جعل تلك الإرادة الجزئية شرطًا عاديًّا([1]) لتعلقها بإرادته الكلية، أي: إنه تعالى يقول معنى: يا عبدي، أيّ طريقٍ تريده باختيارك فأنا أسوقك إليه، إذن المسئولية عليك.

فمثلا: ولا مشاحة في الأمثال: أنت إذا حملت على عاتقك طفلا عاجزًا، وخيرته قائلا: أينما تُرِد أن تذهب فسآخذك إليه، وهذا الطفل إذا أراد جبلا عاليًا وأخذته إلى هناك، ثم شعر بالبرودة، أو سقط فلاشك ستقول له معاتبًا: أنت الذي أردت، وستصفعه على وجهه.

فكذلك الحق تعالى وهو أحكم الحاكمين قد جعل إرادة العبد الذي هو في منتهى الضعف شرطًا عاديًّا، فتنظر إليها إرادتُه الكلية وتتعلق بها.

الحاصل: أيها الإنسان إن في يدك إرادة ضعيفة جدًّا تسمى الاختيار الجزئي، يدها طويلة جدًّا في السيئات والتخريبات، ولكنها قصيرة جدًّا في الحسنات، فسلِّم الدعاءَ لإحدى يدَيْ هذه الإرادة، حتى تصل يدها إلى الجنة التي هي ثمرة سلسلة الحسنات، وتصل إلى السعادة الأبدية التي هي زهرتها، وسلم الاستغفارَ ليدها الأخرى حتى تَقصر عن السيئات، ولا تصل إلى زقوم جهنم التي هي ثمرة تلك الشجرة الملعونة.

إذن الدعاء والتوكل يمدان ميلان الخير بقوةٍ عظيمة، كما أن الاستغفار والتوبة يقطعان ميلان الشر ويكسران تجاوزاته.


[1])) الشرط العادي: هو ما يتوقف عليه تأثير الفاعل عادة لا حقيقة ولا يكون دائرًا معه.




103. صفحة

المبحث الثالث

إن الإيمان بالقدر ركنٌ من أركان الإيمان، أي: إن كل شيء بتقدير الله تعالى، والدلائل القاطعة على القدر كثيرةٌ لا تعد ولا تحصى، ونحن هنا سنبين مدى قوة هذا الركن الإيماني وشموله بطريقةٍ سهلة مبسطة ظاهرة في مقدمة.

المقدمة

إن هذه الآية ﴿وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾(الأنعام:59) وأمثالها من الآيات القرآنية الكثيرة تصرح بأن كل شيء مكتوبٌ قبل وجوده وبعده، وهذا الحكم القرآني يصدّقه قرآنُ القدرة الإلهية الكبير الذي هو هذا الكون بآياته التكوينية من أمثال النظام والميزان والإتقان والانتظام والتصوير والتزيين والامتياز.

أجل؛ إن هذه المكتوبات المنظومة والآيات الموزونة لكتاب الكون هذا تشهد على أن كل شيء مكتوب ومسطور.

 أما الدليل والشاهد على أن كل شيء مكتوبٌ ومقدَّر قبل وجوده؛ فهو جميع المبادئ والنوى والمقادير والصور، ذلك أن كل نواةٍ وبذرة صنيديقة لطيفة صادرة عن معمل "كن"، قد أودع فيها فهرسٌ صغير مرسوم بالقدَر، والقدرة تستخدم الذرات حسب هندسة القدر وتبني على تلك البذيرات معجزاتِ القدرة العظيمة الهائلة، بمعنى أن كل ما سيحدث لهذه الشجرة برمتها كأنه مكتوبٌ في بذرتها؛ إذ البذيرات بسيطة مادةً، ومتماثلة ومتشابهة، ولا فرق بينها من حيث المادة.

ثم إن المقدار المنتظم لكل شيء يدل على القدر دلالةً واضحة.

أجل؛ إذا أنعم النظر في أي كائن حي، يظهر أن له مقدارًا وشكلا معينًا وكأنه صدَر عن قالب في منتهى الحكمة والصنعة، واتخاذ هذا المقدار وهذه الصورة وهذا الشكل؛ إما أن يكون بوجود قالب مادي بديع معوج ملتوٍ جدًّا، وإما أن القدرة الأزلية تُفصِّل تلك الصورة وذلك الشكل وتلبسه الكائنَ الحي بقالب معنوي علمي موزون صادر عن القدر، فمثلا:


104. صفحة

أمعن النظر في هذه الشجرة أو هذا الحيوان؛ تر أن الذرات المتشابهة الجامدة الصماء العمياء غير الواعية وغير المدركة تتحرك في نشوئها ونموها، ثم تتوقف وكأنها تعرف وترى وتعلم أحيانًا مواقع الثمرات والفوائد في بعض الحدود المعوجة، ثم تغير طريقها وكأنه يتبع هدفًا كبيرًا في موقع آخر، بمعنى أن الذرات تتحرك بأمرٍ معنوي للمقدار المعنوي الصادر عن القدر.

وبما أن القدر له إلى هذا الحد من التجليات على الأشياء المادية والظاهرة؛ فلاشك أن الأوضاع التي تحصل بالصور التي تلبسها الأشياء، وبالحركات التي تقوم بها بمرور الزمن، تابعةٌ لانتظام القدر.

أجل؛ إن في كل نواةٍ تجليين للقدر، أحدهما بديهي؛ يخبر عن "الكتاب المبين" الذي هو اسم للإرادة الإلهية والأوامر التكوينية، ويشير إليه، والآخر نظري يخبر عن "الإمام المبين" الذي هو اسم للأمر الإلهي وعلمه، ويرمز إليه.

فالقدر البديهي هو الماهيات والأحوال والأوضاع والهيئات المادية للشجرة التي تتضمنها تلك النواة بحيث تُرَى بالعين المجردة فيما بعد.

أما القدر النظري؛ فهو ما ستمر به الشجرة المخلوقة من تلك النواة من أطوارٍ وأوضاع وأشكال وحركات وتسبيحات طوال حياتها، وهي تسمى بتاريخ الحياة، وهذه الأطوار والأوضاع والأشكال والأفعال التي تتغير من حينٍ لآخر لها مقدارٌ قدري منتظم كانتظام أغصان الشجرة وأوراقها.

وبما أن القدر له مثل هذه التجليات في أدنى شيء وأبسطه؛ فلاشك أن هذا يفيد أن القدر مكتوبٌ قبل وجود الأشياء كلها، وفهمُ ذلك وإدراكُه يمكن بقليل من إمعان النظر.

وأما الدليل على أن قصة حياة كل شيء مكتوبة بعد وجودها؛ فهو جميع الثمرات التي تخبر عن "الكتاب المبين" و"الإمام المبين" في العالم، وجميع ما في الإنسان من القوى الحافظة التي تخبر عن اللوح المحفوظ وتشير إليه، بحيث كلها شهادة له وأمارة عليه.


105. صفحة

أجل؛ إن كل نواةٍ هي قلب الثمرة تُكتب فيها مقدرات حياة الشجرة جميعها، ويُكتب قسم من الأحداث الماضية للعالم مع ما حدث للإنسان طوال حياته في قوة ذاكرته كتابةً عجيبة؛ بحيث تَستنسِخ يد القدرة، بقلم القدر، من صحيفة أعمال الإنسان سجلا صغيرًا وتدرجه في قوة الذاكرة الصغيرة صغر حبة الخردل، وتسلّمه ليد الإنسان، وتضعه في جيب دماغه، حتى تذكّره به عند الحساب، ويطمئنَّ أن في هرْج ومرْج هذا الفناء والزوال مرايا كثيرةً للبقاء؛ بحيث يرسم فيهما القدير الحكيم هويات الزائلات ويبقيها، وهناك كثيرٌ من الألواح للبقاء؛ يكتب فيها الحفيظ العليم معاني الفانيات.

الحاصل: بما أن حياة النباتات التي هي أدنى درجات الحياة وأبسطها؛ تابعةٌ لنظام القدر إلى هذا الحدّ؛ فلاشك أن الحياة الإنسانية التي هي أرقى درجات الحياة وأرفعها؛ سُطِّرت ورُسِمَت بمقياس القدر، بجميع تفرعاتها وتفاصيلها، وتُكتب بقلمه.

أجل؛ كما أن القطرات تخبر عن السحب، والرشحات تدل على منبع الماء، والسجلات والدفاتر الرسمية تشير إلى سجل كبير؛ كذلك فإن الثمرات والنُّطف والبذيرات والنوى والصور والأشكالَ التي هي بمنزلة رشحاتٍ وقطرات وسندات وسجلات للقدر البديهي الذي هو الانتظام المادي في الكائنات الحية التي نشاهدها، وللقدر النظري الحياتي الذي هو الانتظام المعنوي؛ تدل بالبداهة على سجل الإرادة الإلهية والأوامر التكوينية الذي يسمى بـ"الكتاب المبين"، وعلى اللوح المحفوظ الذي هو سجل العلم الإلهي، والذي يطلق عليه "الإمام المبين".

نتيجة المرام: بما أننا نرى بالمشاهدة أن ذرات كل كائن حي تذهب إلى الحدود المعوجة الملتوية عند نشوئها ونمائها وتقف هناك، وتغير طريقها، وتُثمر حِكمًا وفوائدَ ومصالِحَ في نهايات هذه الحدود؛ فلاشك أن المقدار الصوري لذلك الكائن قد رُسِم بقلم القدر بالبداهة.

فالقدر البديهي المشهود يدل على أن لذلك الكائن حدودًا ونهاياتٍ مثمرةً منتظمةً رُسِمت بقلم القدر من الحالات المعنوية لحياته.

فالقدرة مَصدر والقدر مِسطر، تكتب القدرة كتابَ المعاني هذا على هذا المسطر.


106. صفحة

وبما أننا ندرك إدراكًا قاطعًا أن هناك حدودًا مثمرة ونهايات ذات حكم رُسِمت بقلم القدر المادي والمعنوي؛ فلاشك أن ما سيحدث لكل كائنٍ حي طوال حياته من أطوارٍ وأحوال رُسِم بقلم ذلك القدر؛ لأن الأحداث التي مرّت عليه تجري في انتظامٍ وميزان، وتغير صورًا، وتتخذ أشكالا.

وبما أن قلم القدر مهيمن على جميع الكائنات الحية هكذا؛ فلاشك أن أحداث حياة الإنسان الذي هو أبدع ثمرات العالم، وخليفة الأرض، وحامل الأمانة الكبرى؛ تابعةٌ لقانون القدر أكثر من أي شيء آخر.

سؤال: إن قلت: إن القدر قد قيدنا وكبلنا هكذا، وسلبنا حريتنا، أفلا يورث الإيمان بالقدر ثقلا وضيقًا على القلب والروح المشتاقَين إلى الانبساط والجولان؟

فالجواب: كلا مطلقًا! لا يورث الضيق والعنت، بل يمنح السرور والنور اللذين يورثان خفة واطمئنانًا ورَوْحًا وريحانًا بلا حدود، ويحقق الأمن والأمان؛ لأن الإنسان إن لم يؤمن بالقدر يُضطرّ أن يحمل على عاتق روحه العاجزة أعباء وأحمالا ثقيلة بقدر الدنيا في حريةٍ جزئية ومؤقتة ضمن دائرةٍ صغيرة؛ ذلك لأن الإنسان له علاقاتٌ بجميع العالم، وله مقاصد ومطالب لا حد لها، ولا تكفي قدرتُه وإرادته وحريته لواحدٍ من مليون من تلك المطالب، وهذا يكفي لفهم مدى هول ثقل ما يقاسيه الإنسان من معاناةٍ معنوية وبما فيها من وحشة وفزع.

والإيمان بالقدر يطرح جميع تلك الأعباء والأثقال على سفينة القدر، فيُفسح المجالَ لتجوال الروح والقلب في كمالاتهما بكمال الراحة وبكمال الحرية، ولا يسلب إلا الحرية الجزئية للنفس الأمارة، ويكسر فِرعَونِيّتها وربوبيتها، وحركتها التي تشاؤها.

والإيمان بالقدر فيه لذةٌ وسعادة لا توصف، ونحن سنشير إلى تلك اللذة والسعادة بهذا التمثيل:

يذهب رجلان إلى عاصمة ملك من الملوك، ويدخلان قصره الخاص المليء بالعجائب والغرائب، أحدهما لا يعرف الملك، ويريد أن يستوطن هناك غاصبًا سارقًا،

107. صفحة

ولكنه يشتغل بأعمال شاقة مكلِّفة يقتضيها ذلك القصر وتستلزمها حديقته كالإدارة والتدبير والواردات، وتشغيل الآلات والماكينات وإطعام الحيوانات الغريبة، فيتألم دومًا، وتلك الحديقة الشبيهة بالجنة تصبح له كجهنم، ويشفق على كل شيء ويتألم، ولا يستطيع أن يدير القصر والحديقة، ويقضي أوقاته في الأسف والحزن، ثم يُلقى هذا الرجل السارق السيء الأدب في السجن تأديبًا له.

أما الرجل الثاني فهو يعرف الملك، ويعرف أنه ضيفٌ عند الملك، ويعتقد أن جميع الأعمال والشئون في تلك الحديقة وذلك القصر تجري وفق نظامٍ وقانون، وأن كل شيء يسير وفق برنامجٍ وتخطيط بكمال السهولة، فيترك الأعمال الشاقة المكلِّفة لقانون الملك، ويستفيد استفادة تامة من متع ولذائذ تلك الحديقة الشبيهة بالجنة، ويستطيب ويستحسن كل شيء استنادًا إلى رحمة الملك وحسن تدبيره وإدارته وقوانينه، فيقضي حياته بكمال اللذة والسعادة.

فافهم من هذا سرّ "مَنْ آمَنَ بالقَدَرِ أَمِنَ مِنَ الكَدَرِ".

المبحث الرابع

إن قلت: لقد أثبَتَّ في "المبحث الأول" أن كل شأن من شئون القدر جميلٌ وخير، حتى إن الشرّ الذي يأتي منه خيرٌ، والقبح الذي يأتي منه جميلٌ، ولكن المصائب والبلايا في دار الدنيا هذه تجرح هذا الحكم؟

فالجواب: يا نفسي ويا صديقي، يا من تُحِسّان بألمٍ شديد من شدة الشفقة! إن الدليل على أن الوجود خيرٌ محض، والعدمَ شرٌّ محض، هو رجوع جميع المحاسن والكمالات إلى الوجود، وكونُ العدم أساسَ جميع المعاصي والمصائب والنقائص.

وبما أن العدم شرٌّ محض، فالحالات المنجرّة إلى العدم أو التي يُشمّ منها رائحة العدم هي كذلك تتضمن الشرّ؛ ولذا فإن الحياة التي هي أسطع نورٍ للوجود تتقلب بين الأحوال المختلفة فتتقوى، وتتبدل وتتحول بين أحوال وأوضاع متباينة فتتصفى، وتتخذ كيفياتٍ متعددة فتثمر الثمرات المطلوبة، وتدخل في أطوارٍ متعددة فتظهر نقوش أسماء واهب الحياة بشكل واضح ساطع.


108. صفحة

ومن أجل هذه الحقيقة تتعرض للأحياء بعضُ الحالات في صورة آلامٍ ومصائبَ ومشقاتّ وبلايا، فبهذه الحالات تتجدد أنوار الوجود في حياتهم، وتبتعد عنها ظلمات العدم فتتصفى حياتهم؛ إذ التوقف والسكون والسكوت والعطالة والاستراحة والرتابة كل منها عدمٌ في الكيفيات والأحوال، حتى إن أعظم لذة في حالة الرتابة تكون وكأنها لا شيء!!

الحاصل: بما أن الحياة تُظهِر نقوش الأسماء الحسنى، فإن كل ما يحلّ بالحياة حسنٌ جميل.

فمثلا: إن رجلا ثريًّا ثراء كبيرًا وصانعًا حاذقًا جدًّا وماهرًا في فنونٍ كثيرة، يخيط قميصًا مرصعًا فاخرًا مزينًا في ساعةٍ واحدة، ثم من أجل إظهار صنعته ومهارته وثروته العظيمة يجد رجلا عاديًّا مسكينًا مقابل أجرةٍ معينة ليقوم بوظيفة العارض، ويُلبِسه القميص، وينقش عليه ويشكله بأشكال معينة ويبدله، ويفصله ويغيره ويطوله ويقصره من أجل أن يُرِي كل أنواع صنعته ومهارته.

فيا ترى هل يمكن أن يقول هذا الرجل الأجير المسكين لذلك الثري: إنك تتعبني، وتغير من أوضاعي بالانحناء والاعتدال، وتشوه وتفسد جمالي بتقصيرك وتفصيلك هذا القميص الذي يجملني! هل يحق له أن يخاطبه هكذا؟! هل يحق له أن يقول: ظلمتني، ولم تنصفني؟!

كذلك فإن الصانع ذا الجلال والفاطر الذي ليس كمثله شيء؛ يقلب ضمن حالاتٍ كثيرة ما ألبس الأحياءَ من قميص الوجود المرصع بالحواس واللطائف كالعين والأذن والعقل والقلب، ويحوله ويبدله من أجل إظهار نقوش أسمائه الحسنى، فالحالات التي هي من نوع الآلام والمصائب هي من أجل إظهار أحكام بعض أسمائه، وفي لمعات الحكمة بعضٌ من شعاعات الرحمة، وفي هذه الشعاعات بعضُ المحاسن اللطيفة.


109. صفحة

خاتمة

"خمس فقرات" أسكتت نفسَ سعيد القديم الطائشة المفتخرة المغرورة المرائية المعجبة بنفسها، وأجبرتها على التسليم.

الفقرة الأولى: بما أن الأشياء موجودةٌ وهي متقنة الصنع؛ فلابد أن لها موجدًا، فكما أُثبِت في "الكلمة الثانية والعشرين" إثباتًا قاطعًا أن الأشياء إن لم تكن لواحدٍ فإن خلق كل شيء يصعب ويثقل كخلق جميع الأشياء، أما إذا كانت الأشياء كلها لواحدٍ فإن خلق كل شيء حينئذ يكون سهلا هينًا كخلق شيء واحد.

وبما أن هناك صانعًا للسماوات والأرض وخالقًا لهما؛ فلاريب أن ذلك الصانع البديع الحكيم لن يترك ذوي الحياة الذين هم ثمرات السماوات والأرض ونتائجهما وغاياتهما لغيره فيفسد أموره وشئونه، ولن يسلمهم إلى أيد أخرى فيجعل أفعاله الحكيمة عبثًا، ولن يجعلها تافهة، ولن يترك شكرهم وعباداتهم لغيره.

الفقرة الثانية: يا نفسي المغرورة، إنك تشبهين شجرة العنب، لا تفتخري، فهذه العناقيد لم تعلقها الشجرة على نفسها بنفسها، بل علقها عليها غيرها.

الفقرة الثالثة: يا نفسي المرائية، لا تغتري قائلة: إني خدمت الدين! أنت لست مُزَكّاة حسب الحديث الشريف "إِنَّ اللهَ لَيُؤَيِّدُ هذا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الفَاجِرِ([1])"، لذا عليك أن تعتبري نفسك أنك ذلك الرجل الفاجر، واعلمي أن خدمتك وعبوديتك هي شكرٌ للنعم السابقة، ووظيفةٌ فطرية، وفريضة الخلقة، ونتيجة الصنعة، وتخلصي من العُجب والرياء.

الفقرة الرابعة: إن كنت تطلبين علم الحقيقة والحكمة الحقيقية، فاظفري بمعرفة الله تعالى؛ لأن جميع حقائق الموجودات شعاعاتٌ لأسماء الحق تعالى، وتظاهراتٌ لأسمائه، وتجلياتٌ لصفاته، فحقيقة كل شيء مادي أو معنوي أو جوهري أو عرضي، وحقيقةُ كل إنسان؛

[1])) رواه البخاري في صحيحه برقم 2897، و 3967، 6232، ومسلم برقم 111، والحاكم برقم 299، وابن حبان برقم 4518 وغيرهم.




110. صفحة

إنما تعتمد على نور اسمٍ من الأسماء الحسنى وتستند إلى حقيقته، وإلا فكل ذلك صورةٌ لا حقيقة لها ولا أهمية، وقد ذُكرت نبذةٌ حول هذا السر في ختام "الكلمة العشرين".

فيا نفس، إن كنت مشتاقةً إلى حياة هذه الدنيا، وتفرّين من الموت، فاعلمي يقينًا أن الحالة التي تظنين أنها الحياة إنما هي الدقيقة التي أنت فيها، وأن كل زمانك قبل تلك الدقيقة، وكل الأشياء الدنيوية التي في ذلك الزمان ميتة وهالكة في تلك الدقيقة، وأن زمانك بعد تلك الدقيقة وكل ما فيه عدمٌ لا شيء.

إذن فالحياة المادية التي تعتمدين عليها ما هي إلا دقيقة واحدة، بل قال بعضُ أهل التدقيق: إن الحياة عُشر من الدقيقة، بل آنٌ سيّال جارٍ.

ومن أجل هذا السرّ فإن بعض أهل الولاية حكموا على الدنيا بأنها عدمٌ من حيث إنها دنيا.

وبما أن الأمر هكذا فاتركي الحياة المادية النفسية، وارتقي في درجات حياة القلب والروح والسرّ، وانظري كيف أن دائرة حياتهم واسعة شاسعة، فالماضي والمستقبل الميتان بالنسبة لك حيّان وموجودان بالنسبة لهم.

فيا نفسي، بما أن الأمر كذلك، فابكي أنت أيضًا مثل قلبي واصرخي وقولي:

أنا فانية، ولكن لا أريد من كان فانيًا.

وأنا عاجزة، ولكن لا أريد من كان عاجزًا.

سلمت روحي للرحمن، ولا أريد غيره.

أنا أريد، ولكن أريد حبيبًا باقيًا.

وأنا ذرة، ولكن أريد شمسًا سرمدية.

وأنا لا شيء في لا شيء، ولكن أريد هذه الموجودات قاطبة.

الفقرة الخامسة: هذه الفقرة كتبت باللغة العربية لورودها بالعربية، وهي إشارة إلى مرتبةٍ من بين ثلاث وثلاثين مرتبة تفكرية في ذكر "الله أكبر".


111. صفحة

الله أكبر؛ إذ هُوَ القَدِيرُ العَلِيمُ الحَكِيمُ الكَرِيمُ الرَّحِيمُ الجَمِيلُ النَّقّاشُ الأَزَلِيُّ الّذِي مَا حَقِيقَةُ هَذِهِ الكَائِنَاتِ كُلاّ وَجُزْءًا وَصَحَائِفَ وَطَبَقَاتٍ، وَمَا حَقَائِقُ هَذِهِ المَوْجُودَاتِ كُلّيًّا وَجُزْئِيًّا وَوُجُودًا وَبَقَاءً؛ إِلاّ خُطُوطُ قَلَمِ قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ وَتَنْظِيمِهِ وَتَقْدِيرِهِ بِعِلْمٍ وَحِكْمَةٍ، وَنُقُوشُ بِرْكَارِ عِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ وَتَصْوِيرِهِ وَتَدْبِيرِهِ بِصُنْعٍ وَعِنَايَةٍ، وَتَزْيِينَاتُ يَدِ بَيْضَاءِ صُنْعِهِ وَعِنَايَتِهِ وَتَزْيِينِهِ وَتَنْوِيرِهِ بِلُطْفٍ وَكَرَمٍ، وَأَزَاهِيرُ لَطَائِفِ لًُطْفِهِ وَكَرَمِهِ وَتَوَدُّدِهِ وَتَعَرُّفِهِ بِرَحْمَةٍ وَنِعْمَةٍ، وَثَمَرَاتُ فَيَّاضِ رَحْمَتِهِ وَتَرَحُّمِهِ وَتَحَنُّنِهِ بِجَمَالٍ وَكَمَالٍ، وَلَمَعَاتُ تَجَلِّيَاتِ جَمَالِهِ وَكَمَالِهِ بِشَهَادَةِ تَفَانِيَةِ المَرَايَا وَسَيّالِيّةِ المَظَاهِرِ مَعَ بَقَاءِ الجَمَالِ المُجَرَّدِ السَّرْمَدِيّ الدّائِمِ التّجَلِّيّ وَالظُّهُورِ عَلَى مَرِّ الفُصُولِ وَالعُصُورِ وَالدُّهُورِ، وَدَائِمِ الإِنْعَامِ عَلَى مَرِّ الأنَامِ وَالأيَّامِ وَالأَعْوَامِ.

نَعَمُ؛ فَالأَثَرُ المُكَمَّلُ يَدُلُّ لِذِي عَقْلٍ عَلَى الفِعْلِ المُكَمَّلِ، ثُمَّ الفِعْلُ المُكَمَّلُ يَدُلُّ لِذِي فَهْمٍ عَلَى الاِسْمِ المُكَمَّلِ، ثُمَّ الاِسْمُ المُكَمَّلُ يَدُلُّ بِالبَدَاهَةِ عَلَى الوَصْفِ المُكَمَّلِ، ثُمَّ الوَصْفُ المُكَمَّلُ يَدُلُّ بِالضَّرُورَةِ عَلَى الشَّأْنِ المُكَمَّلِ، ثُمَّ الشَّأْنُ المُكَمَّلُ يَدُلُّ بِاليَقِينِ عَلَى كَمَالِ الذَّاتِ بِمَا يَلِيقُ بِالذّاتِ وَهُوَ الحَقُّ اليَقِينُ.

نَعَمْ؛ تَفَانِي المِرْآةِ زَوَالُ المَوْجُودَاتِ، مَعَ التّجَلّي الدّائِمِ، مَعَ الفَيْضِ المُلاَزِمِ، مِنْ أَظْهَرِ الظَّوَاهِرِ أَنّ الجَمَالَ الظّاهِرَ لَيْسَ مِنْ مُلْكَ الظّوَاهِرِ، مِنْ أَفْصَحِ تِبْيَانٍ مِنْ أَوْضَحِ بُرْهَانٍ للجَمَالِ المُجَرَّدِ للإحْسَانِ المُجَدَّدِ للوَاجِبِ الوُجُودِ للبَاقِي الوَدُودِ.

اللّهُمّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ مِنَ الأَزَلِ إِلَى الأَبَدِ عَدَدَ مَا فِي عِلْمِ اللهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ.