المكتوب الرابع والعشرون

77. صفحة

المكتوب الرابع والعشرون

بسم الله الرحمن الرحيم

يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد

سؤال: كيف يمكن التوفيق بين ما يقتضيه "الرحيم" و"الحكيم" و"الودود" التي هي من أعاظم الأسماء الإلهية من تربيةٍ شفوقة، وتدبيرٍ حكيم، وتلطيفٍ بحب، وبين ما هو مرعبٌ وموحش من موتٍ وعدم وزوال وفراق ومصيبة ومشقة؟ لنرضَ بمرور الإنسان بطريق الموت؛ لأنه ينتقل إلى السعادة الأبدية عبره، ولكن أية رأفة ورحمة، وأية حكمة ومصلحة، وأي لطف وشفقة في إفناء أنواع الأشجار والنباتات والأزهار الحية الرقيقة اللطيفة، وطوائف الحيوانات اللائقة بالوجود والعاشقة للحياة والمشتاقة إلى البقاء، وإعدامِها بسرعةٍ وباستمرار من دون إبقاء واحد منها، ودون أن تُسمح لواحد منها فرصةٌ مرة أخرى، وفي تسخيرها في أمورٍ شاقة دون أن تجد فرصة للراحة، وفي تغييرها بالمصائب دون السماح لواحدة منها بالراحة، وفي إماتتها من دون استثناء واحدٍ منها، وفي زوال كل واحدٍ منها دون توقف وانقطاع، ومفارقتها دون أن يرضى واحد منها؟

الجواب: سنحاول تقريب النظر إلى هذه الحقيقة العظمى الواسعة العميقة والرفيعة جدًّا التي تحل هذه المسألة بـ"خمسة رموز" تبين الداعي والمقتضي لها وبـ"خمس إشارات" توضح الغايات والفوائد.

المقام الأول

 وهو "خمسة رموز

الرمز الأول: وكما قيل في ختام "الكلمة السادسة والعشرين" إن صانعًا ماهرًا يتخذ رجلا مسكينًا نموذجًا مقابل أجرةٍ يستحقها حتى يخيط لباسًا ثمينًا مرصَّعًا منقَّشًا، فيفصل هذا اللباس على هذا الرجل المسكين ويقصه ويقصره ويطوّله كي يظهر إبداعه ومهارته، ويُقعِد الرجل ويُنهضِه، ويجعله في أوضاعٍ مختلفة، فهل يحق لهذا الرجل المسكين 

78. صفحة

أن يقول لهذا الصانع الماهر: لِمَ تمسّ هذا اللباس الذي يجمّلني، ولِمَ تبدّله وتغيّره، وتُنهضِني وتُقعِدني فتتعبني، وتفسد علي راحتي؟

كذلك فالصانع ذو الجلال قد اتخذ ماهية كل نوعٍ من أنواع الموجودات نموذجًا، وألبس كل شيء، ولاسيما الأحياء لباس وجودٍ مرصعًا بالحواس والمشاعر كي يُظهر كمالات صنعه، ينقش عليه نقوشًا بقلم القضاء والقدر، ويظهر تجليات أسمائه، ويعطي كلَّ موجودٍ كمالا ولذة وفيضًا كأجرةٍ مناسبة له، فلا يستطيع أن يقول لذلك الصانع ذي الجلال أيُّ موجودٍ من الموجودات التي يَظهر عليه سرّ "مَالِكُ المُلْكِ يَتَصَرَّفُ فِي مُلْكِهِ كَيْفَ يَشَاءُ": إنك تتعبني وترهقني وتفسد راحتي، ولا يحق له ذلك، حاشا!

نعم؛ إنه ليس للموجودات حقٌّ بأي وجهٍ من الوجوه على الواجب الوجود، ولا يحقّ لها أن تدعي الحق، بل عليها أن تؤدي بالحمد والشكر دائمًا حقَّ مراتب الوجود التي منحها الواجبُ الوجود؛ ذلك لأن جميع مراتب الوجود الممنوحة هي وقائع تتطلب علةً، ولكن المراتب غير الممنوحة هي إمكاناتٌ، والإمكانات عدمٌ، وغير متناهيةٍ، والعدم لا يتطلب علة، فلا علة لما هو غير متناهٍ.

فمثلا: لا يحق للمعادن أن تشتكي وتقول: لِم لَم نكن نباتات؟ بل من واجبها الشكر لفاطرها على ما تشرفت بالوجود المعدني، ولا يحق للنباتات أن تشتكي وتقول: لِم لَم نكن حيوانات؟ بل من واجبها الشكر على ما تشرفت بالحياة مع الوجود، وكذا الحيوانات لا يحق لها أن تشتكي وتقول: لِم لَم نكن بشرًا؟ بل عليها الشكر على ما أعطيت من جوهر روح قيم فضلا عن الحياة والوجود، وهكذا فقس.

فيا أيها الإنسان المشتكي! إنك لم تَبْقَ معدومًا، بل لبست نعمة الوجود، وذقت الحياةَ، ولم تبقَ جامدًا، ولم تكن حيوانًا، ولم تبق في الضلال، بل وجدت نعمة الإسلام، وذقت نعمة الصحة والعافية، وهلم جرًّا.

فيا أيها الجاحد الكافر بالنعمة! أي حقّ تكسبه بعد هذا؛ حتى لا تشكر على ما منحك إياه المولى عز وجل من مراتب الوجود التي هي محض نعمة، بل تشتكي من الله

79. صفحة

تعالى وتكفر بالنعمة وتجحدها بحرصٍ باطل بحجة أنك لم تُعطَ النعم العظيمة التي هي من نوع الممكنات والمعدومات والتي لم تنلها، ولم تستحقها أصلا؟!

فيا ترى؛ لو ارتقى رجلٌ إلى مرتبةٍ عالية الدرجات كما لو أنه صعد قمةَ المئذنة، فوجد مقامًا عاليًا، ونال في كل درجةٍ نعمةً كبيرة، ثم لا يشكر الذي أعطاه هذه النعم، بل يشتكي ويقول: لِم لَم أصعد مكانًا أعلى من المئذنة، فيبكي ويصرخ.

فكم يكون هذا ظالمًا مجحفًا، ويقع في كفران النعمة والجحود بها، ويرتكب جنونا كبيرًا؟! يفهم ذلك حتى المجانين!

فيا أيها الإنسان الغافل الحريص غير القنوع، والمسرف غير المقتصد، والمشتكي بغير حقّ!

اعلم يقينًا أن القناعة شكرانٌ رابح، والحرص كفرانٌ خاسر، والاقتصاد احترامٌ جميلٌ نافع للنعمة، والإسراف استخفافٌ قبيحٌ مضر بالنعمة.

فإن كان لك عقلٌ فتعوّد القناعةَ، واعمل لمرضاة الله، وإذا تعبت ولم تُطِق فقل: "يا صبور"، واسأله الصبر، وارض بما قسم لك، ولا تشتكِ، واعرف ممن تشتكي وإلى من تشتكي، فاسكت!

وعلى كل حال فإذا أردت الشكوى فاشكُ نفسَك إلى المولى؛ إذ القصور منها.

الرمز الثاني: وكما قيل في أواخر المسألة الأخيرة من "المكتوب الثامن عشر"، فإن حكمةً من حكم تبديل الخالق ذي الجلال للموجودات وتجديده لها دومًا بفعالية الربوبية الباعثة للانبهار والاندهاش، هي:

كما أن ما في المخلوقات من نشاطٍ وفعالية وحركة ينشأ عن اشتهاء واشتياق ولذة ومحبة، حتى يمكن القول: إن في كل فعاليةٍ ونشاط نوعًا من أنواع اللذة، بل إن كل فعالية ونشاط هو ذاته نوعٌ من أنواع اللذة، واللذة متوجهةٌ إلى الكمال، بل هي ذاتها كمالٌ نوعًا ما.


80. صفحة

وبما أن الفعالية تشير إلى كمالٍ ولذة وجمال، وبما أن الواجب الوجود الذي هو الكمال المطلق والكامل ذو الجلال جامعٌ لجميع أنواع الكمالات في ذاته وصفاته وأفعاله؛ فلابد له من شفقة مقدسة غير محدودةٍ، ومحبة منزهة غير متناهية تليق بوجوب وجوده وقدسيته، وتنسجم مع استغنائه الذاتي وغنائه المطلق، وتناسب كماله المطلق وتنزهه الذاتي.

ولابد من أن هناك شوقًا مقدسًا غير محدودٍ ناشئ عن تلك الشفقة المقدسة والمحبة المنزهة، وأن هناك سرورًا مقدسًا غير محدودٍ ناشئ عن ذلك الشوق المقدس، وأن هناك لذةً مقدسة غير محدودة ناشئة عن ذلك السرور المقدس إن جاز التعبير.

ولابد أن هناك مع تلك اللذة المقدسة -إذا جاز التعبير- رضًا مقدسًا غير محدودٍ، وافتخارًا مقدسًا لاحد له خاصين بالرحمن الرحيم، ناشئين عن رضا مخلوقاته وكمالها الناشئين عن خروج استعداداتها من طور القوة إلى حيز الفعل، وتكملها ضمن فعالية قدرته تعالى برحمته غير المحدودة، فهذا الرضا وهذا الافتخار المقدسان يقتضيان فعاليةً غير محدودة بصورة غير محدودة، أما هذه الفعالية غير المحدودة فتقتضي ما لا حد له من التبديل والتغيير والتحويل والتخريب، وهذا التغيير والتبديل يقتضي الموتَ والعدم والزوال والفراق.

ولقد بدا لي ذات يومٍ ما تبينه الحكمة البشرية من فوائد تخص غايات المصنوعات تافهًا جدًّا، وعلمت من هذا أن هذه الحكمة تؤدي إلى العبثية؛ ولهذا فإن المتوغلين المتعمقين من الفلاسفة إما أن يقعوا في ضلالة الطبيعة، وإما أن يكونوا سوفسطائيين، وإما أن ينكروا اختيار الصانع سبحانه وعلمه، أو يسمّوا الخالق بـ"الموجب بالذات".  

عندها بعثت الرحمةُ الإلهية اسمَ "الحكيم" إليّ لإغاثتي، فبيَّنَتْ لي الغاياتِ الكبرى للمصنوعات؛ وهي أن كل مصنوع رسالةٌ ربانية يطالعها جميع ذوي الوعي والإدراك، فهذه الغاية قد كفتني مدة سنةٍ من الزمن، ثم تبينتْ وانكشفتْ البدائعُ في الصنعة، ولم تعد تكفيني تلك الغاية أيضًا، فأُظهِرت لي غايةٌ أخرى أكبر بكثير من الأولى، وهي أنّي علمت أن أهم غايةٍ لكل مصنوع من المصنوعات تعود إلى صانعه سبحانه، وهي 

81. صفحة

عرضُ كمالات صنعة صانعه، ونقوشِ أسمائه، ومرصعاتِ حكمته، وهدايا رحمته، أمام نظر الصانع سبحانه، وأن يكون المصنوع مرآةً لجماله وكماله، فهذه الغاية أيضًا كفتني مدةً طويلة من الزمن.

ثم ظهرت لي معجزات القدرة وشئون الربوبية في التغيير والتبديل السريع جدًّا ضمن فعالية تأخذ بالألباب وتُحيّرها في صنع الأشياء وإيجادها، عندها لم تعد تكفيني تلك الغاية أيضًا، فعلمت أنه لابد من مقتضٍ وداعٍ كبير كبر هذه الغاية، فعندها أُظهِرت لي المقتضِيات التي في هذا "الرمز الثاني"، والغايات التي في الإشارات التالية، وأُعلِمت يقينًا:

أن فعالية القدرة وسير الأشياء وسيلانها ذو مغزى في الكون؛ بحيث إن الصانع الحكيم يُنطِق أنواع الكائناتِ بتلك الفعالية، وكأن حركاتِ السماوات والأرض وموجوداتها المتحركة كلماتٌ في نطقها، وأما التحرك فتكلُّمٌ؛ أي: إن الحركة والزوال الناشئين عن الفعالية ما هما إلا تكلُّمات تسبيحية، والفعالية التي في الكون هي نطقٌ وإنطاقٌ صامت للكائنات وأنواعها.

الرمز الثالث: إن الأشياء لا تذهب إلى الزوال والعدم، بل تنتقل من دائرة القدرة إلى دائرة العلم، وتمضي من عالم الشهادة إلى عالم الغيب، وتتوجه من عالم التغير والفناء إلى عالم النور والبقاء، وما في الأشياء من جمالٍ وكمال من وجهة نظر الحقيقة يخص الأسماء الإلهية الحسنى وهو نقوشها وتجلياتها، وبما أن تلك الأسماء باقيةٌ خالدة وتجلياتها دائمة؛ فلاشك أن نقوشها تتجدد، وتتجمل وتتزين، ولا تذهب إلى العدم والفناء، وإنما تتغير تعيّناتها الاعتبارية فحسب، أما حقائق الأشياء وماهياتها وهويّاتُها المثالية التي هي سبب الحسن والجمال، ومظهر الفيض والكمال فباقيةٌ، والحسن والجمال فيما لا روح له من المخلوقات يخصان الأسماءَ الإلهية مباشرة، فالشرف لها، والمدح والثناء يعود إليها، والجمال لها، والمحبة تتوجه إليها، وتبدل تلك المرايا لا يورث الأسماء أي ضرر.

وإن كانت الأشياء من ذوي الأرواح، وليست من ذوي العقول فإن زوالها وفراقها ليسا عدمًا وفناءً، بل إنها تتخلص من الوجود الجسماني ومن تقلبات وظيفة الحياة

82. صفحة

واضطراباتها، وتُودِع ما كسبته من ثمرات الوظيفة إلى أرواحها الباقية، فتستمر أرواحُها الباقية الخالدة مستندةً إلى اسمٍ من الأسماء الإلهية، بل تمضي إلى سعادةٍ تليق بها.

أما إن كانت تلك الأرواح من ذوي العقول؛ فإن زوالها وفراقها سيرٌ وسفر إلى عالم البقاء الذي هو وسيلةٌ للسعادة الأبدية والكمالات المادية والمعنوية، وإلى منازل ذلكم الصانع الحكيم، وديارها الأخرى كعالم البرزخ وعالم المثال وعالم الأرواح التي هي أجمل من الدنيا وأكثر نورانيةً منها، وليس موتًا ولا عدمًا، ولا زوالا ولا فراقًا، بل هو بلوغٌ للكمالات.

الحاصل: بما أن الصانع ذا الجلال موجودٌ وباقٍ، وبما أن صفاتِه وأسماءَه دائمةٌ وسرمدية؛ فلاشك أن تجليات تلك الأسماء ونقوشها تتجدد ضمن بقاءٍ معنوي، ولا تكون تخريبًا وفناء وإعدامًا وزوالا.

ومن المعلوم أن الإنسان ذو علاقةٍ مع أكثر الموجودات من حيث الإنسانية، ويتلذذ لسعادتها ويتألم لهلاكها، ويتألم أكثر لآلام الأحياء، وبخاصة لآلام نوع البشر، ولاسيما أهل الكمال الذين يحبهم ويعجب بهم، ويفرح ويسعد أكثر لفرحهم وسعادتهم، بل يضحي بسعادته وراحته في سبيل سعادتهم كتضحية أمٍّ حنون ذات شفقة.

فكل مؤمن يمكن أن يكون حسب درجته سعيدًا بنور القرآن وسر الإيمان لسعادة جميع الموجودات وبقائها ونجاتها من العدم، ولكونها رسائل ربانية قيمة، ويمكن أن يكسب نورًا بقدر الدنيا، وكل واحد يستفيد من هذا النور حسب درجته؛ أما إن كان من أهل الضلالة فإنه -فضلا عن آلامه هو- يتألم بهلاك جميع الموجودات وفنائها وإعدامها الظاهري، وإن كان الهالك المعدوم ذا روحٍ يتألم بآلامه أيضًا، أي: إن كفره يملأ عالمه بالعدم، ويصبه على رأسه، فيقع في الجحيم قبل أن يذهب إليه حقًّا.

الرمز الرابع: ولقد قلنا في كثير من المواضع إن الملِك له دوائر مختلفةٌ مستقلة ناشئة عن أسمائه وصفاته المختلفة كالسلطان والخليفة والقاضي والقائد؛ وكذلك فإن لأسماء المولى عز وجل تجلياتٍ متنوعة ومختلفة غير محدودة، فتنوع المخلوقات واختلافها ناشئٌ عن تنوع تلك التجليات.


83. صفحة

ولما كان كل ذي كمال وجمال يريد أن يَرَى ويُرِي جماله وكماله بالفطرة؛ فإن هذه الأسماء لكونها دائمةً سرمدية تتطلب تجلياتٍ في سبيل الذات الأقدس دومًا حسب ذلك السر، أي: تريد أن ترى نقوشَها، بمعنى آخر: تريد أن ترى وتُرِي في مرايا نقوشها تجلياتِ جمالها وانعكاسَ كمالها، أي: إنها تقتضي أن تجدد آنًا فآنًا كتاب الكون الكبير، والمكتوبات المختلفة للموجودات، أي: أن تكتبها من جديد كتابة ذات معانٍ ومغزى؛ فتكتب في صفحةٍ واحدة آلاف المكتوبات المختلفة المتنوعة، وتُظهر كل مكتوبٍ من المكتوبات أمام نظر شهود الذات المقدس والمسمَّى الأقدس، مع إظهارها أمام نظر مطالعة جميع ذوي الوعي والإدراك، وأن تُقرِئها.

فانظر في هذا الشعر الحكيم الذي يشير إلى هذه الحقيقة:

صحائف كتاب العالم أنواعٌ غير معدودة   وحروفه وكلماته أفرادٌ غير محدودة

كتبت في مصنع لوح الحقيقة المحفوظ   فكل موجود في العالم لفظٌ مجسم ذو معنى

تَأَمَّلْ سُطُورَ الكَائِنَاتِ فَإِنَّهَا مِنَ المَلأِ الأعْلَى إِلَيْكَ رَسَائِلُ.

الرمز الخامس: وهو "نكتتان".

النكتة الأولى: وبما أن الله موجودٌ فكل شيء موجود إذًا، وبما أن هناك انتسابًا إلى حضرة الواجب الوجود، فكل الأشياء موجودةٌ لأجل كل شيء إذًا؛ لأن كل موجود بانتسابه إلى الواجب الوجود يكتسب علاقة مع جميع الموجودات بسرّ الوحدة، أي: إن كل موجودٍ يعرف انتسابه إلى الواجب الوجود أو يُعرَف انتسابه إليه؛ يكون ذا علاقة مع جميع الموجودات المنتسبة إلى الواجب الوجود بسر الوحدة؛ إذن فكل شيء يمكن أن يتشرف بما لا حدّ له من أنوار الوجود من زاوية هذا الانتساب، فلا فراق ولا زوال من هذه الزاوية، فحياة في لحظةٍ سيَّالة سببٌ لأنوار وجودٍ لا حدّ لها.

وإن لم يكن هذا الانتساب ولم يُعرَف، فإن كل شيء يتعرض لما لا حد له من الفراق والزوال والعدم؛ لأن له في هذه الحالة فراقًا وافتراقًا وزوالا تجاه كل موجود يمكن أن يرتبط به، بمعنى أنه يحمل على وجوده الشخصي ما لا حدّ له من أنواع العدم والفراق، فلو ظل في الوجود مدة مليون سنة بلا انتسابٍ لما عدلت آنًا من الحياة في 

84. صفحة

انتسابه السابق؛ لذا فقد قال أهل الحقيقة: إن آنًا سيّالا من الوجود المنوَّر يرجَّح على مليون سنة من الوجود الأبتر، أي: إن آنًا من الوجود بالانتساب إلى وجود واجب الوجود يرجَّح على مليون سنة من وجودٍ بلا انتساب؛ ولذلك قال أهل التحقيق: إن أنوار الوجود هي معرفة واجب الوجود؛ أي: إن الكون في هذه الحالة يَظهر معمورًا بالملائكة والروحانيات وذوي الوعي والإدراك ضمن أنوار الوجود، فبدون معرفته تعالى فإن ظلمات العدم وآلام الفراق والزوال تحيط بكل موجود من الموجودات، وتتراءى الدنيا في نظر ذلك الشخص خاليةً فارغة موحشة.

أجل؛ فكما أن كل ثمرة من ثمار الشجرة لها نِسبٌ مع جميع ثمار الشجرة المعلقة على رأسها، وبهذه النِّسب لها إخوة وأصدقاء بعدد الثمار، لذا فلها وجودات عارضة بعدد تلك الثمار، فمتى ما قُطفت ثمرةٌ من هذه الثمار من الشجرة يحصل الفراق والزوال تجاه كل ثمرة من الثمار، وكل ثمرة في حكم معدومٍ بالنسبة لتلك الثمرة المقطوفة، وتحصل لها ظلمةُ عدمٍ خارجية؛ كذلك فإن جميع الأشياء موجودةٌ لكل شيء بانتسابه إلى قدرة الأحد والصمد، وإن لم يكن الانتساب فإن لكل شيء أنواعًا من العدم بعدد الأشياء.

فانظر إلى عظمة أنوار الإيمان من خلال هذا الرمز، وأبصر ظلمات الضلالة الظلماء الحالكة، إذن الإيمان اسمٌ للحقيقة السامية الواقعية المبيَّنة في هذا الرمز، ولا يمكن الاستفادة منها إلا بالإيمان، وكما أن كل شيء معدوم بالنسبة للأعمى والأصم والأبكم المجنون؛ فكل شيء معدوم ومظلم بالنسبة لغير المؤمن.

النكتة الثانية: إن للدنيا وللأشياء "ثلاثة وجوه":

الوجه الأول: ينظر إلى الأسماء الإلهية، وهو مرآة لها، ولا زوال ولا فراق ولا عدم في هذا الوجه، بل فيه تجدد.

الوجه الثاني: ينظر إلى الآخرة، وإلى عالم البقاء، وهو كمزرعة له، وفي هذا الوجه تُزرع الثمار الباقية، وهو يخدم البقاء والخلود، ويجعل الفانيات باقياتٍ خالدات، وفي هذا الوجه أيضًا تجليات الحياة والبقاء، لا الموت والزوال.


85. صفحة

الوجه الثالث: ينظر إلى الفانين، أي: إلينا نحن، فالدنيا في هذا الوجه معشوقةُ الفانين وأهلِ الأهواء، ومتجرٌ لأهل الوعي العاقلين، وساحة امتحان للموظفين المأمورين؛ والذي سيكون مرهمًا لآلام الفناء والزوال والموت والعدم الكامن في هذا الوجه الثالث هو تجليات البقاء والحياة التي في حقيقة هذا الوجه الثالث.

الحاصل: إن هذه الموجودات السيّالة، وهذه المخلوقات السيّارة هي مرايا متحركةٌ ومظاهرُ متبدلةٌ لتجديد أنوار إيجاد واجب الوجود ووجوده.

 

المقام الثاني

وهو عبارة عن "مقدمة" و"خمس إشارات"

المقدمة: عبارة عن "مبحثين".

المبحث الأول: سيكتب في كل إشارة من هذه الإشارات الخمس الآتية مثالٌ شبيه بمنظارٍ صغير ضعيف لرصد شئون الربوبية.

هذه الأمثلة في الواقع لا يمكن أن تستوعب حقيقة شئون الربوبية، ولا أن تحيط بها، ولا يمكن أن تكون مقياسًا لها، إلا أنها تيسر النظر إلى تلك الحقيقة من خلالها، فالتعبيرات التي لا تناسب شئون القدوس سبحانه التي سترد في الأمثلة القادمة والتي وردت في الرموز السابقة تعود إلى قصور الأمثلة.

فمثلا: المعاني المعروفة لدينا للّذة والسرور والرضا لا تستطيع أن تعبر عن شئون الله المقدسة سبحانه، ولكنها عناوين للتدبر والتأمل، ومراصد للتفكر.

ثم إن هذه الأمثلة تُظهر طرفًا من قانون الربوبية المحيط العظيم في مثالٍ بسيط، فتُثبت حقيقة هذا القانون في شئون الربوبية.

مثلا: لقد قلنا إن الزهرة ترحل عن الوجود، ولكنها ترحل بعد أن تترك آلافًا من الوجودات، وهذا المثال يظهر قانونًا عظيمًا للربوبية، حيث يجري قانون الربوبية هذا في جميع موجودات الربيع، بل في موجودات الأرض كلها.


86. صفحة

أجل؛ إن الخالق الرحيم بقانونٍ ما يبدل لباس الطير ذي الريش ويجدده، وإن ذلكم الصانع الحكيم يجدد بالقانون ذاته لباسَ الأرض كل سنة، وبالقانون ذاته يبدل شكل الأرض وصورتها كل عصر، وبالقانون ذاته يغير ويبدل صورة الكون عند قيام القيامة.

ثم إنه بقانونٍ ما يحرك الذرة كالمولوي، وبالقانون نفسه يدوّر الكرة الأرضية كدوران المولوي المجذوب الذي قام للسَّماع([1])، وبالقانون نفسه يدوّر العوالم، ويسيّر المنظومة الشمسية.

ثم إنه بقانونٍ ما يجدد ذرات الخلايا التي في بدنك ويعمرها ويحللها، وبالقانون ذاته يجدد بستانك كل سنة، ويجدده مرات عديدة في كل فصل، وبالقانون ذاته يجدد وجه الأرض في كل ربيع، ويضفي عليه برقعًا جديدًا.

ثم إن ذلكم الصانع القدير بقانون ما من قوانين الحكمة يحيي الذبابة، وإنه بالقانون نفسه يحيي كل ربيع شجرة الدلب التي أمامنا، وبالقانون ذاته يحيي الأرض في الربيع، وبالقانون نفسه يحيي الخلق في الحشر، وإشارةً إلى هذا السرّ يعلن القرآن الحكيم ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾(لقمان:28)، وعلى هذا فقس.

وهنالك كثيرٌ من قوانين الربوبية أمثال هذه، تجري بدءًا من الذرة وانتهاء إلى مجموع العالم.

فانظر إلى عظمة هذه القوانين ضمن فعالية الربوبية، وتأمل سعتها، وأبصر سرَّ الوحدة فيها، واعلم أن كل قانونٍ برهانٌ من براهين الوحدة.

أجل؛ إن كل قانونٍ من هذه القوانين الكثيرة العظيمة جدًّا، فضلا عن كونه تجلِّيَ العلم والإرادة، فإنه يثبت -لكونه واحدًا ومحيطًا- وحدانية الصانع وعلمه وإرادته إثباتًا قاطعًا.

فأكثر الأمثلة الواردة في أكثر "الكلمات" ([2]) حينما تُظهر أطراف هذه القوانين بأمثلةٍ جزئية إنما تشير إلى وجود القانون نفسه في المدَّعَى.


[1])) السماع هنا هو الحركة التي يؤديها أتباع الطريقة المولوية في انتشاء وذكر.

[2])) أي: رسائل النور.




87. صفحة

وبما أنه بإيراد المثال يُبيَّن تحقق القانون، وأن المثال يثبت المدَّعَى إثباتًا قاطعًا كالبرهان المنطقي؛ إذن فإن أغلب الأمثلة الواردة في "الكلمات" كل واحد منها يُعَدّ برهانًا يقينيًّا حقيقيًّا وحجةً قاطعةً.

المبحث الثاني: وكما قيل في "الحقيقة العاشرة" من "الكلمة العاشرة" من أن لكل ثمرة وزهرة غاياتٍ وحِكمًا بعدد ما للشجرة من ثمار وأزهار، وتلك الحِكم "ثلاثة أقسام":

قسم منها: يتوجه إلى الصانع، ويُظهر نقوش أسمائه.

وقسم: يتوجه إلى ذوي الوعي والإدراك، بحيث هي في نظر هؤلاء مكتوبات قيّمة وكلماتٌ حكيمة تتفجر بالمعاني.

والقسم الثالث: يتوجه إلى الشيء نفسه، وحياته وبقائه، فله حِكمٌ حسب منافع الإنسان إن كان مفيدًا له.

وبينما كنت أفكر ذات مرة في أن كل موجود له مثل هذه الغايات الكثيرة، فإذا بهذه الفقرات التي تشير إلى غاياتٍ كليةٍ وردت إلى خاطري باللغة العربية، وهي كمذكرةٍ لأسس "الإشارات الخمس" الآتية:

"وهَذِهِ المَوْجُودَاتُ الجَلِيَّةُ مَظَاهِرُ سَيَّالَةٌ وَمَرَايَا جَوَّالَةٌ لِتَجَدُّدِ تَجَلِّيَاتِ أَنْوَارِ إِيجَادِهِ سُبْحَانَهُ، بِتَبَدُّلِ التَّعَيُّنَات الاِعْتِبَارِيَّةِ:

أَوَّلاً: مَعَ اسْتِحْفَاظِ المَعَانِي الجَمِيلَةِ وَالهُوِيَّاتِ المِثَالِيَّةِ.

ثَانَيًا: مَعَ إِنْتَاجِ الحَقَائِقِ الغَيْبِيَّةِ وَالنُّسُوجِ اللَّوْحِيَّةِ.

ثَالِثًا: مَعَ نَشْرِ الثَّمَرَاتِ الأُخْرَوِيَّةِ وَالمَنَاظِرِ السَّرْمَدِيَّةِ.

رَابِعًا: مَعَ إِعْلاَنِ التَّسْبِيحَاتِ الرَّبَّانِيَّةِ وَإِظْهَارِ المُقْتَضَيَاتِ الأسْمَائِيَّةِ.

وخَامِسًا: لِظُهُورِ الشُّئُونِ السُّبْحَانِيَّةِ وَالمَشَاهِدِ العِلْمِيَّة".

ففي هذه الفقرات الخمس أسس الإشارات التي سنذكرها.


88. صفحة

أجل؛ إن كل موجود من الموجودات، ولاسيما الأحياء منها، له خمس طبقات من الحِكم والغايات المختلفة، فكما أن أغصان الشجرة المثمرة التي يعلو بعضها على بعضٍ تؤتي الثمار؛ كذلك فلكل كائنٍ حي خمس طبقاتٍ من الغايات والحكم المختلفة.

فيا أيها الإنسان، إذا أردت أن تنقلب حقيقتك التي هي كنواةٍ فانية جزئية إلى شجرةٍ مثمرة باقية، وأن تجني عشر طبقاتٍ من ثمارها وعشرة أنواعٍ من غاياتها التي بُيِّنَت في الإشارات الخمس، فاظفر بالإيمان الحقيقي، وإلا فستحشر في تلك النواة وتتفسخ فيها، فضلا عن حرمانك من تلك الغايات والثمار كليًّا.

الإشارة الأولى:

فأولا: بِتَبَدُّلِ التَّعَيُّنَات الاِعْتِبَارِيَّةِ مَعَ اسْتِحْفَاظِ المَعَانِي الجَمِيلَةِ وَالهُوِيَّاتِ المِثَالِيَّةِ.

تفيد هذه الفقرة أن كل موجود من الموجودات يرحل عن الوجود، ويذهب في الظاهر إلى الفناء والعدم، ولكن المعاني التي أفادها تظل باقيةً، وتكون محفوظةً، وتبقى هويتها المثالية وصورتها وماهيتها في عالم المثال، وفي الألواح المحفوظة التي هي نماذج لعالم المثال، وفي قوة الذاكرة التي هي نموذجٌ للألواح المحفوظة، إذن إنه يفقد وجودًا صوريًّا، ويكسب مئاتٍ من الوجودات المعنوية والعلمية.

فمثلا: كما أن حروف المطبعة التي تكون وسيلةً لطبع صفحة تُعطَى أوضاعًا وترتيبًا معينًا، فتصبح سببًا لطبع تلك الصفحة، وهذه الصفحة تعطي صورتها وهويتها إلى أوراقٍ مطبوعة أخرى، وتنشر معانيها إلى عقولٍ كثيرة، ثم بعد ذلك تُبدَّل أوضاع حروف هذه المطبعة ويُبدَّل ترتيبها؛ لأنه لم تبق حاجةٌ إليها، ولأنه لابد من طبع صفحات أخرى.

كذلك فهذه الموجودات الأرضية، ولاسيما النباتية منها، يعطيها قلم القدر الإلهي أوضاعًا وترتيبًا معينًا، فتوجدها القدرة في صحيفة الربيع، وهي تعبر عن معانيها الجميلة، وتنتقل صورتها وهوياتها إلى صحيفة عالم الغيب كما تنتقل إلى عالم المثال؛ ولذلك تقتضي الحكمة الإلهية تبدل هذه الأوضاع، حتى تُكتَب صحيفة الربيع الآخر القادم، وتعبر عن معانيها.


89. صفحة

الإشارة الثانية:

وثانيًا: مَعَ إِنْتَاجِ الحَقَائِقِ الغَيْبِيَّةِ وَالنُّسُوجِ اللَّوْحِيَّةِ.

هذه الفقرة تشير إلى أن كل شيء جزئيًّا كان أو كليًّا -ولاسيما إن كان من ذوي الحياة- ينتج حقائق غيبيةً كثيرة بعدما يرحل عن الوجود، ويترك صورًا بعدد أطوار حياته في اللوح المثالي الذي في صحف عالم المثال، فتُكتب من هذه الصور قصة حياته ذات المعاني التي تسمى بالمقدَّرات الحياتية، وتكون موضع مطالعة الروحانيات.

وكما أن الزهرة -مثلا- ترحل عن الوجود، وتترك مئاتٍ من بذيراتها، وتترك ماهيتَها في الوجود بهذه البُذَيرات، فضلا عن أنها تخلِّف آلافًا من صورها في الألواح المحفوظة وفي القوى الحافظة التي هي نماذج صغيرة للألواح المحفوظة، وتجعل ذوي الوعي والإدراك يقرءون التسبيحات الربانية ونقوش الأسماء الحسنى التي تؤديها خلال أطوار حياتها، ثم ترحل عن الوجود؛ كذلك فإن الربيع المنقَّش بالمصنوعات البديعة في مِزْهَرِيّةِ سطح الأرض زهرةٌ، تزول في الظاهر، وتذهب إلى العدم، إلا أنها بدلا من نفسها تترك في الوجود الحقائقَ الغيبية التي أفادها الربيع بعدد بذوره، والهويات المثالية التي نشرها بعدد أزهاره، والحِكم الربانية التي أظهرها بعدد موجوداته، ثم يختفي فجأة، ويُفسِح مجالا لأصدقائه من سائر فصول الربيع التالية حتى يأتوا ويؤدوا وظائفهم؛ إذن إن ذلك الربيع يخلع وجودًا ظاهريًّا، ويلبس آلافًا من الوجودات المعنوية.

الإشارة الثالثة:

وثالثًا: مَعَ نَشْرِ الثَّمَرَاتِ الأُخْرَوِيَّةِ وَالمَنَاظِرِ السَّرْمَدِيَّةِ.

 هذه الفقرة تشير إلى أن الدنيا معمل ومزرعة، تُنبِت المحاصيل المناسبة لسوق الآخرة.

وقد أثبتنا في كثير من الرسائل أنه كما أن أعمال الجنّ والإنس تُرسَل إلى سوق الآخرة؛ كذلك فإن سائر موجودات الدنيا تؤدي وظائف كثيرة جدًّا من أجل الآخرة، وتنشئ محاصيل كثيرة، بل يمكن القول: إن الكرة الأرضية لا تسيح إلا من أجلها، بل 

90. صفحة

هي من أجلها، فهذه السفينة الربانية تقطع مسافةَ أربعة وعشرين ألف سنة في سنةٍ واحدة، وتدور حول ميدان الحشر.

مثلا: لاريب أن أهل الجنة يرغبون في أن يتذاكروا ما جرى لهم من أحداثٍ وذكريات في الدنيا ويتناقلوها بينهم، بل يتطلعون إلى رؤية مَشَاهد ذكرياتهم وصورها، فلاريب أنهم إذا شاهدوا تلك المَشَاهد والأحداث -كما لو أنهم يشاهدونها على شاشة السينما- فسيتلذون ويستمتعون كثيرًا.

وبما أن الأمر كذلك؛ فلاشك أنه ستكون في المناظر السرمدية في دار الجنة التي هي دار اللذة ومنزل السعادة؛ محاوراتٌ حول الوقائع والذكريات الدنيوية، ومناظرُ الحوادث الدنيوية، بإشارة الآية ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾(الصافات:44).

واختفاء هذه الموجودات الجميلة بعد ظهورها لمدةٍ وجيزة، ومجيء بعضها وراء بعضٍ ورحيلها بلا توان، يبدو وكأنها آلات معملٍ لتشكيل مناظر سرمدية.

ومثلا: كما أن أهل المدنية يلتقطون صور أوضاع ومشاهد جميلة أو غريبة لإضفاء نوعٍ من البقاء على الأوضاع الفانية، ويتركونها لأبناء المستقبل تذكارًا لهم، فيهدونها لهم بشاشات السينما، ويظهرون الماضي ويدرجونه في الحاضر والمستقبل؛ كذلك فبعدما تقضي الموجودات الربيعية والدنيوية حياةً قصيرة، فإن تسجيل صانعها الحكيم لغاياتها التي تخص عالم البقاء في ذلك العالم، وتسجيله للوظائف الحياتية والمعجزات السبحانية التي أدتها في أطوار حياتها، في مناظر سرمدية، لهو من مقتضى اسم الحكيم والرحيم والودود.

الإشارة الرابعة:

ورابعا: مَعَ إِعْلاَنِ التَّسْبِيحَاتِ الرَّبَّانِيَّةِ وَإِظْهَارِ المُقْتَضَيَاتِ الأسْمَائِيَّةِ.

هذه الفقرة تفيد أن الموجودات تقوم بأنواعٍ متعددة من التسبيحات الربانية بأطوار حياتها، وتُظهر الأوضاع التي تقتضيها وتستلزمها الأسماء الإلهية، فمثلا: اسم "الرحيم" يستوجب الرأفة والرحمة، واسم "الرزّاق" يقتضي إعطاء الرزق، واسم "اللطيف" يستلزم اللطف، وهكذا، فلكل اسم مقتضياته.

91. صفحة

فكل كائنٍ حي يُظهِر مقتضيات تلك الأسماء بحياته ووجوده، كما أنه يسبّح الصانع الحكيم بعدد جهازاته.

فمثلا: كما أن الإنسان يأكل الفواكه اللذيذة الطيبة، وهذه الفواكه تتجزأ في معدته وتتحلل، وتزول ظاهرًا، ولكنها تكون وسيلة لحصول حِكمٍ كثيرة جدًّا؛ كإرزاق الوجود والحياة في أنحاء البدن، وإدامة الحياة، فضلا عن أنها تعطي لذة ومتعة فعّالة في جميع خلايا الجسم علاوة على الفم والمعدة، فيرتفع هذا الطعام ذاته من الوجود النباتي إلى طبقة الحياة الإنسانية ويترقى ويسمو؛ كذلك فإن هذه الموجودات عندما تختفي وراء ستار الزوال تسلّم نقوشَ كثيرٍ جدًّا من الأسماء ومقتضياتها ليد تلك الأسماء فضلا عن بقاء التسبيحات الكثيرة جدًّا بدلا من كل واحد منها؛ أي: إنها ترحل بعدما تُودعها -أي النقوشَ والمقتضياتِ- في وجودٍ باق.

فإذا بقيت آلافٌ من الوجودات التي حظيت بنوعٍ من البقاء بذهاب وجودٍ فانٍ مؤقت، فهل يمكن الشكوى يا ترى بالقول: يا أسفا على هذا الوجود، أو: هذا عبثٌ، أو: لِم رحل هذا المخلوق المحبوب؟!

بل إن الرحمة والحكمة والمحبة هكذا تقتضي في حقه، وينبغي أن يكون هكذا، وإلا فيلزم ترك آلافٍ من المنافع خشية إصابة ضررٍ واحد، وعندها تحدث آلافٌ من الأضرار.

إذن إن أسماء "الرحيم" و"الحكيم" و"الودود" لا تعارض الزوال والفراق، بل تستلزمهما وتقتضيهما.

الإشارة الخامسة:

وخامستها: لِظُهُورِ الشُّئُونِ السُّبْحَانِيَّةِ وَالمَشَاهِدِ العِلْمِيَّة

هذه الفقرة تفيد أن الموجودات، ولاسيما ذوي الحياة منها، تترك أشياءَ كثيرةً باقيةً بعدما تزول عن الوجود الصوري، ثم ترحل.

وكما بُين في "الرمز الثاني" من أن في شئون ربوبية الواجب الوجود جل وعلا محبةً لا حد لها، وشفقةً لا نهاية لها، وافتخارًا مقدسًا غير متناهٍ، ورضا وسرورًا غير محدودين، 

92. صفحة

ولذةً غير محدودةٍ وفرحًا مُنَزَّهًا إذا جاز التعبير، كل ذلك بما يوافق قدسيته واستغناء كماله وبما يليق بذاته سبحانه، بحيث إن آثار هذه الشئون ترى بالمشاهدة.

فهذه الموجودات تساق إلى الزوال والفناء بسرعةٍ بالتبديل والتغيير ضمن فعاليةٍ محيرة مذهلة تقتضيها تلك الشئون، وترسَل دومًا من عالم الشهادة إلى عالم الغيب باستمرار، وتتقلب هذه المخلوقات في سيرٍ وسيلان وحركةٍ وجولان دائمي تحت تجليات هذه الشئون، وتذيع صرخات الفراق والزوال إلى آذان أهل الغفلة، وصدى الذكر والتسبيح إلى مسامع أهل الهداية.

وبناءً على هذا السرّ؛ فإن كل موجودٍ من الموجودات يرحل عن الوجود بعدما يترك فيه المعانيَ والكيفيات والحالات التي تكون مداراً ووسيلةً باقية للتجليات الباقية لشئون الواجب الوجود سبحانه وتعالى.

ثم إن ذلك الموجود يترك في دوائر الوجود العلمي كالإمام المبين والكتاب المبين واللوح المحفوظ التي هي أسماء للعلم الأزلي الأطوارَ والأحوال التي مرت عليه طوال حياته، ووجودًا مفصَّلا يمثل وجودَه الخارجي، ثم يرحل، أي: إن كل فانٍ يترك وجودًا واحدًا، ويَكسِب ويُكسب آلافًا من الوجودات الباقية.

فمثلا: كما تُلقى بعض الموادّ العادية في ماكينات مصنعٍ بديع رائع، فتحترق فيها، وتزول ظاهرًا، ولكن تترسب موادُّ كيمياوية مهمة وأدوية قيمة جدًّا في أنابيب هذا المصنع، وبقوة تلك المواد وبخارها تدور تروس المصنع ودواليبه، ويصبح بعض من هذه المواد وسيلة لنسج الأقمشة، وبعضها لطبع الكتب، وبعضها لصنع السكر وغيره من الأشياء الأخرى القيمة، وهلم جرًّا.

إذن باحتراق هذه المواد العادية وعدمها ظاهرًا يأتي إلى الوجود آلافٌ من الأشياء؛ أي: يرحل وجودٌ عادي ويورث كثيرًا من الوجودات السامية الراقية، فهل يقال في هذه الحالة: وا أسفاه على هذه المادة العادية؟! وهل يُشتكى ويقال: لِم لَم يرحمها صاحب المصنع فأحرقها، وأزال تلك المواد المحبوبة؟!


93. صفحة

كذلك "ولله المثل الأعلى" فإن الخالق الحكيم الرحيم الودود يحرك مصنع الكون بمقتضى رحمته وحكمته وودّه، ويجعل كلَّ واحد من الوجود الفاني نواةً لكثير من الوجودات الباقية، ويجعله سببًا لمقاصده الربانية ومحظوظًا بشئونه السبحانية، ويتخذه مدادًا لقلم قدَره، ويصيِّره مكوكًا لنسج القدرة، ويحرك الكون بفعاليةِ قدرته من أجل كثيرٍ مما لا نعلم من عنايات غالية ومقاصد سامية أخرى، فيدفع الذرات إلى الجولان، والموجوداتِ إلى السيران، والحيوانات إلى السيلان، والكواكبَ إلى الدوران، ويُنطق الكون، ويجعله ينطق بآياته في صمتٍ ويكتبها.

وقد جعل الله سبحانه المخلوقات الأرضية من حيث ربوبيته عروشًا؛ إذ جعل الهواءَ عرشًا لأمره وإرادته، وعنصرَ النور عرشًا ثانيًا لعلمه وحكمته، وجعل الماء عرشًا ثالثًا لإحسانه ورحمته، والترابَ نوعًا من عرشٍ لحفظه وإحيائه، ويسيِّر ثلاثةً من هذه العروش فوق المخلوقات الأرضية.

أجل؛ اعلم يقينًا أن الحقيقة العالية الساطعة التي بُيّنت في هذه الرموز الخمسة والإشارات الخمس لا تُشاهَد إلا بنور القرآن، ولا يمكن امتلاكها إلا بقوة الإيمان، وإلا فستحلّ ظلماتٌ ظلماء حالكة محلَّ هذه الحقيقة الباقية، فالدنيا بالنسبة لأهل الضلالة مليئةٌ بالفراق والزوال، وطافحةٌ بالعدم، ويصبح الكون جهنم معنويةً بالنسبة لهم، فكل شيء عدمٌ بالنسبة لهم، إذ يحيط به وجودٌ آني وعدم غير محدود، والماضي والمستقبل كلُّه بالنسبة لهم مليءٌ بظلمات العدم، ولا يجدون إلا نورَ وجودٍ حزين في الحاضر القصير جدًّا، أما بسر القرآن ونور الإيمان فسيشاهَد نورُ وجودٍ من الأزل إلى الأبد، فيرتبط به الإنسانُ ويحقق به السعادة الأبدية.

الحاصل: نقول كما قال الشاعر نيازي المصري:

إذا غدا بحرًا النفَس، وانهدم وخرب القفص، وسكت وصمت الحِسّ، أنادي: 


94. صفحة

يَا حَقّ! يَا مَوْجُودُ! يَا حَيّ! يَا مَعْبُودُ! يَا حَكِيمُ! يَا مَقْصُودُ! يَا رَحِيمُ! يَا وَدُودُ!

وأقول صارخًا:

لاَ إِلَهَ إِلاّ اللهُ المَلِكُ الحَقُّ المُبِينُ، مُحَمّدٌ رَسُولُ اللهِ صَاِدقُ الوَعْدِ الأَمِينُ.

وأثبت مؤمنًا:

إِنّ البَعْثَ بَعْدَ المَوْتِ حَقٌّ، والجَنَّةَ حَقٌّ، والنَّارَ حَقٌّ، وإِنَّ السَّعَادَةَ الأَبَدِيّةَ حَقٌّ، وإِنّ اللهَ رَحِيمٌ حَكِيمٌ وَدُودٌ، وإِنّ الرَّحْمَةَ والحِكْمَةَ والمَحَبَّةَ مُحِيطَةٌ بِجَمِيعِ الأَشْيَاءِ وَشُئُونِهَا.

الْحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاَ أَنْ هَدَانَا اللهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ.

سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ

رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا

اللّهُمّ صَلّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمّدٍ صَلاَةً تَكُونُ لَكَ رِضَاءً، وَلِحَقِّهِ أَدَاءً، وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلِّمْ، آمِين والحمد لله رب العالمين.

سُبْحَانَ مَنْ جَعَلَ حَدِيقَةَ أَرْضِهِ مَشْهَرَ صَنْعَتِهِ، مَحْشَرَ خَلْقِهِ، مَظْهَرَ قُدْرَتِهِ، مَدَارَ حِكْمَتِهِ، مَزْهَرَ رَحْمَتِهِ، مَزْرَعَ جَنَّتِهِ، مَمَرَّ المَخْلُوقَاتِ، مَسِيلَ المَوْجُودَاتِ، مَكِيلَ المَصْنُوعَاتِ؛ فَمُزَيّنُ الحَيْوَانَات، مُنَقّشُ الطُّيُور، مُثمر الشّجَرَات، مُزهرُ النّبَاتَات؛ مُعْجِزَاتُ عِلْمِهِ خَوَارِقُ صُنْعِهِ، هَدَايَا جُودِهِ بَرَاهِينُ لُطْفِهِ، دَلاَئِلُ الوَحْدَةِ لَطَائِفُ الحِكْمَةِ، شَوَاهِدُ الرَّحْمَةِ: تَبَسُّمُ الأَزْهَارِ مِنْ زِينَةِ الأَثْمَارِ، تَسَجُّعُ الأَطْيَارِ فِي نَسْمَةِ الأَسْحَارِ، تَهَرّجُ الأَمْطَارِ عَلَى خُدُودِ الأَزْهَارِ، تَزَيّنُ الأَزْهَارِ، تَبَرُّجُ الأَثْمَارِ، فِي هَذِهِ الجِنَانِ، تَرَحُّمُ الوَالِدَاتِ عَلَى الأَطْفَالِ الصِّغَارِ فِي كُلّ الحَيْوَانَاتِ والإِنْسَانِ، تَعَرُّفُ وَدُودٍ، تَوَدُّدِ رَحْمَنٍ، تَرَحُّمُ حَنَّانٍ، تَحَنُّنُ مَنَّانٍ، للجِنّ والإِنْسَانِ والرُّوحِ والحَيْوَانِ والمَلَكِ والجَانّ.