المقام الثاني من الكلمة الثانية والعشرين

54. صفحة

المقام الثاني

من الكلمة الثانية والعشرين

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين

﴿اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ & لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾(الزمر:62-63)

﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾(يس:83)

﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾(الحجر:21)

﴿مَا مِن دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاط مُّسْتَقِيمٍ﴾(هود: 56)

 

مقدمة

لقد بينا بإجمال في رسالة "قطرة" التي تخصّ الإيمان بالله تعالى الذي هو القطب الأعظم للأركان الإيمانية أن كل موجودٍ من هذه الموجودات يدل على وجوب وجود الحق تعالى ووحدانيته بخمسةٍ وخمسين لسانًا ويشهد عليه، وذكرنا في رسالة "نقطة" أربعةَ براهين كلية من دلائل وجوب وجود الله تعالى ووحدانيته؛ كل واحد منها بقوة ألف برهان، وذكرنا فيما يقرب من اثنتي عشرة رسالة باللغة العربية([1]) مئاتٍ من البراهين القاطعة التي تدل على وجوب وجود الحق تعالى ووحدانيته؛ لذا فإننا نكتفي بها الآن ولا ندخل في التدقيقات والتفاصيل العميقة، إلا أننا سنسعى في هذه "الكلمة الثانية والعشرين" لإظهار "اثنتي عشرة لمعة" من شمس الإيمان بالله التي كتبناها في رسائل النور بإجمال.

اللمعة الأولى: التوحيد قسمان.

فكما أنه إذا وردتْ إلى سوقٍ أو مدينة بضائعُ متنوعةٌ لشخص عظيم؛ فإن ملكيتها لهذا الشخص تُعرف بطريقتين:


[1])) يقصد الاثنتي عشرة لمعة التي في كتاب "المثنوي العربي النوري".




55. صفحة

أولاهما: طريقة إجمالية عامية، وهي أن الرجل العامي يقول: ليس بمقدور أحدٍ غيره أن يمتلك مثل هذه البضائع الهائلة، ولكن يمكن أن تحدث سرقات كثيرة في نظر مثل هذا الرجل العامي، ويمكن أن يدعي كثيرون امتلاك قِطَعها.

ثانيتهما: أن الإنسان يقرأ الكتابة الموجودة على كل بضاعة، ويعرف الطُّرَّة الموجودة على كل رزمة، ويرى الختم الموجود على كل إعلان، ويقول: إن كل شيء ملك له.

فكما أن كل شيء يدل على ذلك الشخص دلالة معنوية؛ فكذلك التوحيد، وهو على قسمين.

أولهما: توحيدٌ عامي وظاهري، أي: إن الله تعالى واحد لا شريك له ولا نظير، وهذا الكون ملكه هو.

ثانيهما: وهو التوحيد الحقيقي، إذ يرى الإنسان على كل شيء سكة القدرة وختم الربوبية ونقش الحكمة، فيفتح من كل شيء نافذة إلى نوره سبحانه وتعالى مباشرةً، فهو التصديق والإيمان بيقينٍ أقرب إلى الشهود بوحدانيته، وبأن كل شيء صدر عن يد قدرته، وأنه لا شريك ولا معين له في ألوهيته وربوبيته وملكه بأي وجه من الوجوه، وهو نيل للحضور الدائمي([1]) نوعًا ما، ونحن هنا سنبين في هذه الكلمة الشعاعات التي تُظهِر هذا التوحيد الحقيقي الخالص الرفيع.

تنبيه ضمن نكتة:

أيها الغافل العابد للأسباب!

إن الأسباب ليست إلا حجابًا؛ لأن العزة والعظمة هكذا تقتضيان، ولكن الفاعل هو القدرة الصمدانية؛ لأن التوحيد والجلال يستوجبان هذا، ويقتضيان الاستقلال، أما الأسباب فليست إلا موظفات للسلطان الأزلي، وليست منفِّذةً لأمور سلطنة الربوبية، بل هي دلاّلات معلنات لتلك السلطنة، ومشرِفات مشاهدات لتلك الربوبية، وما وُجد هؤلاء الموظفون وهذه الوسائط إلا لإظهار عزة القدرة، وعظمة الربوبية، حتى لا تظهر

[1])) الحضور الدائمي: الحضور هو حضور القلب لما غاب عن عيانه بصفاء اليقين فهو كالحاضر عنده وإن كان غائبا عنه، والدائمي أي الدائم، انظر موسوعة المصطلحات الصوفية 291.




56. صفحة

مباشرة القدرة للأمور الخسيسة، فهو سبحانه وتعالى لم يجعل الموظفين شركاء السلطنة لعجزه واحتياجه كالسلطان البشري المشبع بالعجز والمجبول على الفقر.

إذن لم تُوضع الأسباب إلا لصون عزة القدرة من النظر الظاهري للعقل؛ إذ لكل شيء -كوجهي المرآة- جهة الملك؛ التي تشبه الوجه الملون للمرآة، وهي يمكن أن تكون سببًا لمختلف الألوان والحالات؛ وجهة الملكوت التي تشبه الوجه اللامع الصقيل للمرآة.

وفي وجه الملك والظاهر حالات منافية لعزة القدرة الصمدانية وكمالها، فالأسباب وُضعت لتكون مرجعًا لتلك الحالات، ومدارًا لها، أما في جانب الملكوتية والحقيقة؛ فكل شيء شفاف وجميل، ومناسب لمباشرة القدرة بنفسها، ولا تنافي عزّتها، ولذلك فالأسباب ظاهرية بحتة، وليس لها تأثيرٌ حقيقي في الملكوتية والحقيقة.

وحكمة أخرى للأسباب الظاهرية هي: أنها وضعت حتى لا تُوَجَّه الشكاوى الجائرة والاعتراضات الباطلة إلى العادل المطلق سبحانه وتعالى، بل لتكونَ هدفًا لهذه الشكاوى والاعتراضات؛ لأن التقصير يصدر عنها، وينشأ من نقص قابليتها، ويُروَى مثال معنوي لهذا السرّ وهو مثال لطيف وهو:

إن سيدنا عزرائيل قال للحق سبحانه وتعالى: إن عبادك سيشتكون مني وسيسخطون عليّ عند وظيفة قبض الأرواح.

فقال له الحق سبحانه بلسان الحكمة: إنّي أضع بينك وبين عبادي حجابَ المصائب والأمراض حتى تتوجّه شكاواهم إليها، ولا يسخطوا عليك.

أجل؛ كما أن الأمراض حجابٌ، والأجل كذلك مرجعٌ للأمور السيئة الموهومة، والحكمة والجمال الحقيقيين في قبض الأرواح متعلقان بوظيفة سيدنا عزرائيل عليه السلام؛ كذلك فسيدنا عزرائيل عليه السلام هو الآخر حجابٌ، إذ هو مشرِف على تلك الوظيفة وستارٌ للقدرة الإلهية حتى يكون مرجعًا لبعض الحالات التي تبدو جائرة في الظاهر في قبض الأرواح، ولا تليق بكمال الرحمة.


57. صفحة

أجل؛ إن العزة والعظمة تقتضيان أن تكون الأسباب ستارًا ليد القدرة في نظر العقل، ولكن التوحيد والجلال يقتضيان أن تَنفُض الأسباب يدها من التأثير الحقيقي.

اللمعة الثانية: انظر إلى بستان هذا الكون، وإلى جنة هذه الأرض، وإلى وجه هذه السماء الجميل المزين بالنجوم؛ فسترى أن للصانع ذي الجلال والفاطر ذي الجمال سِكّة خاصّةً بالخالق لكل شيء على كل مصنوع من المصنوعات المنثورة المبثوثة، وختمًا خاصًّا بالصانع لكل شيء على كل مخلوق من مخلوقاته، وله طُرّة غَرّاء لا تُقلَّد على طبقات الموجودات المسطورة على صفحات الليل والنهار والربيع والصيف التي هي منشورات قلم القدرة، وسنذكر الآن بعضًا من هذه السِكَك والأختام والطُّرَر كنموذج:

انظر إلى هذه السكّة مما لا يعد من سككه التي وضعها على "الحياة"، كيف أنه يخلق من شيءٍ واحد كل شيء، ويخلق من كل شيء شيئًا واحدًا؛ إذ يخلق من ماء النطفة ومن الماء المشروب ما لا يعد من أعضاء وجهازاتٍ حيوانية، فلابد أنَّ جَعْلَ شيءٍ واحدٍ كلَّ شيء خاصٌّ بالقدير المطلق.

ثم إن الذي يُحوِّل الموادَّ المتعددة -مما لا يعد من الأطعمة المأكولة سواء كانت نباتيّة أو حيوانيّة- إلى جسمٍ خاص بكمال الإتقان، وينسج منها جلدًا خاصًّا، ويصنع منها جهازاتٍ بسيطة؛ لابد أنه قدير على كل شيء، وعليم بكل شيء.

أجل؛ إن خالق الموت والحياة يدير الحياة بحكمته بقانونٍ أمري ذي معجزات في معمل الأرض هذه، بحيث إن تطبيق هذا القانون وإجراءه خاصٌّ بمن يمسك جميع الكون في قبضة تصرفه.

فإن لم يخمد عقلك ولم يَعْمَ قلبُك فستفهم أن الذي يجعل الشيء الواحد كلَّ شيء بكمال السهولة والإتقان، ويجعل كلَّ شيء شيئًا واحدًا بكمال الميزان والنظام المتقن إنما هو خالق كل شيء وصانعه، وهذا ختمٌ خاص بخالق كل شيء.

مثلا: لو رأيت رجلا تصدر عنه أمورٌ خارقة؛ ينسج من درهمٍ من القطن مائة رزمة من الصوف والأقمشة المتنوعة كالحرير والشاش، كما يصنع منها كثيرًا من الأطعمة المختلفة من الحلوى والبقلاوة.


58. صفحة

ثم تراه يأخذ في يده الحديد والحجر والعسل والدهن والماء والتراب ويصنع منها ذهبًا خالصًا؛ فلابد أنك ستحكم قاطعًا أن هذا الرجل يملك صنعةً ومهارة خاصة به، بحيث إن جميع العناصر الأرضية مسخَّرةٌ لأمره، والموادّ الترابية الأساسية تنفّذ حكمه.

فتجلي القدرة والحكمة في الحياة أعجب من هذا المثال بألف مرة، ودونك ختمًا واحدًا من الأختام الكثيرة الموضوعة على الحياة!

اللمعة الثالثة: انظر إلى الأحياء التي تجول في هذا الكون السيّال وفي هذه الموجودات السيارة، فسترى أن على كل كائنٍ حي من الأحياء كثيرًا من الأختام التي وضعها الحي القيّوم، وأحد تلك الأختام هو:

أن ذلك الكائن الحي -لنقل هذا الإنسان مثلا- جامعٌ لأكثر نماذج أنواع العالم وكأنه مثالٌ مصغَّر لهذا الكون، وثمرةٌ لشجرة الخلق، ونواةٌ لهذا العالم، فكأن ذلك الكائن الحي قطرةٌ ترشّحت من كل الكون بموازين حساسةٍ دقيقة جدًّا؛ إذن إن من يدعي خلق هذا الكائن الحي والربوبية له ينبغي أن يمسك جميع الكون في قبضة تصرفه.

إن لم يغرق عقلك في الأوهام فستدرك أن جَعْلَ النحلة -مثلا- التي هي ككلمةٍ من كلمات قدرة الحي القيوم فهرسًا صغيرًا لأكثر الأشياء نوعًا ما، وكتابةَ أكثر مسائل كتاب الكون هذا على صحيفة واحدة، على الإنسان مثلا، وإدراجَ برنامج شجرة التين في نواة التين الصغيرة الشبيهة بالنقطة، وإظهارَ آثار جميع الأسماء التي تتجلى على صفحات هذا العالم الكبير وتحيط بها وإراءتها في حرفٍ واحد، في قلب البشر مثلا، وكتابةَ ما تحتويه مكتبةٌ كاملة في ذاكرة الإنسان التي لا تشغل موقعًا إلا بقدر حبة عدس، وإدراجَ فهرسٍ مفصّلٍ لجميع الحوادث الكونية في هذه الذاكرة؛ لاريب ولاشك أن كل هذا ختمٌ خاص بمن هو خالق كل شيء، ومخصوصٌ لرب الكون ذي الجلال.

إذا كان ختمٌ واحد من الأختام الربانية الكثيرة الموضوعة على الأحياء يُظهر نورَ الحي القيوم ويقرئ آياته، فيا ترى إذا نظرت إلى جميع الأختام ورأيتها ألا تقول: "سُبْحَانَ مَنْ اخْتَفَى بِشِدَّةِ ظُهُورِهِ"!


59. صفحة

اللمعة الرابعة: انظر إلى هذه الموجودات الملوَّنة بألوانٍ متنوعة، وإلى المصنوعات المتنوعة المختلفة، وأنعم النظر فيها، فسترى أن على كل واحدٍ منها ختمًا لا يقبل التقليد للشمس الأزلي، فكما تُرى سككه على الحياة وأختامه على الأحياء، وقد رأينا بعضها، فله أختامٌ على الإحياء كذلك.

ولما كان التمثيل يقرّب المعاني العميقة إلى الأفهام؛ فإننا سنبين هذه الحقيقة بتمثيلٍ؛

مثلا: يشاهَد على كل شيء لامعٍ، بدءا من الكواكب وانتهاء إلى القطرات، وقطع الزجاج الصغيرة، وذرّات الثلج اللامعة؛ ختمٌ من صورة هذه الشمس وانعكاسها، وأثر نوراني خاص بها، فإن لم تقبل هذه الشُّمَيْسات التي تشاهَد على تلك الأشياء غير المحدودة على أنها انعكاسٌ لتجلي الشمس وعكسها؛ فلابد أن تقبل وجود شمسٍ حقيقية طبيعية بالأصالة في كل قطرة، وفي كل قطعة زجاج مواجهة للضياء، وفي كل ذرة شفافة مقابلة للنور، وهذا سقوطٌ إلى منتهى الجنون، وتردٍّ إلى غاية البلاهة.

كذلك فإن الشمس الأزلي له ختمٌ على كل كائن حي في الإحياء الذي هو من تجلياته النورانية، بحيث لو اجتمعت جميع الأسباب -افتراضًا- وأصبحت فاعلةً مختارة فلا تستطيع أن تقلد هذا الختم؛ إذ إن كل واحد من الأحياء -التي كل واحد منها معجزة قدرة على حدةٍ- هو على صورة بؤرةٍ لأسمائه التي هي كشعاعاتٍ لذلكم الشمس الأزلي سبحانه، فإن لم يسنَد ما يشاهَد على الأحياء من صنعة عجيبة للنقش، وحكمة غريبة للنظم، وتجلٍّ للأحدية إلى ذات الأحد الصمد؛ فلابد إذن من قبول تَخَفِّي قدرةٍ فاطرة في كل كائنٍ حي، بل في كل ذبابةٍ وزهرة، ووجودِ علمٍ محيط بكل شيء فيها، ووجودِ إرادةٍ مطلقة فيها، قادرةٍ على إدارة الكون، بل يلزم قبول صفاتٍ باقية فيها خاصةٍ بالواجب الوجود، وهذا يقتضي السقوطَ في أدنى دركات بلاهات الضلالة، وحماقات الخرافات، وهو أشبه ما يكون بإسناد الألوهية إلى كل ذرةٍ من ذرات تلك الزهرة وتلك الذبابة؛ لأن ذرات هذا الشيء، ولاسيما إن كانت نواةً، أُعطيت وضعًا معيّنًا؛ بحيث إن تلك الذرة تتوجه إلى الكائن الحي الذي هي جزء منه، وتتخذ وضعًا حسب نظامه، بل تتخذ وضعًا كالتحليق بالأجنحة من أجل الزرع في 

60. صفحة

كل مكان نافع لدوام ذلك النوع، ونصبِ رايته فيه كما لو أنه يتوجه إلى كل نوع من أنواع ذلك الكائن الحي، بل يتخذ ذلك الكائن الحي وضعًا يتمكن به من إدامة مناسبات رزقه ومعاملاته مع جميع الموجودات التي يرتبط بها ويحتاج إليها، فإن لم تكن هذه الذرة مأمورةً من القدير المطلق، أو انقطعت صلتها بالقدير المطلق؛ فلابد في هذه الحالة من إسناد عينٍ ترى كل شيء، ووعي وإدراك يحيط بجميع الأشياء إليها.

الحاصل: إذا لم تُسنَد هذه الشميسات وهذه الألوان المختلفة المتنوعة الموجودة في القطرات وفي ذرات الزجاج إلى تجلي عكس الشمس وانعكاس تجليها؛ فلابد من قبول شموسٍ لا حد لها بدلا من شمسٍ واحدة، مما يقتضي قبول خرافةٍ محالة في محالات، كذلك فإن لم يُسنَد كل شيء إلى القدير المطلق فلابد من التردي في هذيان الجنون كقبول وجود محال في مائة محال، وهو قبول آلهة لا حدّ لها، بل آلهة بعدد ذرات الكائنات بدلا من الله الواحد الأحد تعالى.

الخلاصة: تُفتَح من كل ذرةٍ "ثلاث نوافذ" إلى نور وحدانية الشمس الأزلي، ووجوب وجوده:

النافذة الأولى: إن لكل ذرةٍ علاقةً بكل دائرةٍ من دوائر الجيش كما للجندي، أي: في كل من فريقه وفوجه وكتيبته ولوائه وفرقته وجيشه له وظيفة حسب تلك العلاقة، وحركة حسب تلك الوظيفة ضمن دائرة نظامه.

فمثلا: إن الذرة الصغيرة الجامدة في بؤبؤ عينك تُظهِر وتُرِي للعيون غير العمياء أن لها علاقةً مع عينك، ورأسك، وجسمك، ومع الأوردة والشرايين، وسائر الأعصاب التي تخدم دوران الدم والحواسّ والحركة كالقوى المولدة والقوى الجاذبة والقوى الدافعة والقوى المصورة، ومع نوعك وما إلى ذلك، وأن لها وظائف، وأن تلك الذرة بالبداهة أثر صنعةٍ وإبداع للقدير الأزلي، وموظفٌ مأمور له تتحرك تحت تدبيره.

النافذة الثانية: إن كل ذرةٍ في الهواء تستطيع أن تزور كل زهرةٍ وكل ثمرة، وتستطيع أن تتمكن من الدخول في كل زهرةٍ وثمرة وتعملَ فيها، فإن لم تكن مأمورةً مسخرة للقدير المطلق البصير العليم بكل شيء؛ فلابد أن تعلم تلك الذرة التائهة المتشردة جهازاتِ 

61. صفحة

جميع الثمار والأزهار وصنعها وخلقها، وما يظهر عليها من الإبداعات المختلفة المتنوعة، ونسج ما ألبس عليها من الصور، وأن تعلم فنّ الخياطة المتقنة المحيطة.

فهذه الذرة إذن تُظهِر شعاعًا من أشعة نور التوحيد كالشمس، فقس الضياءَ على الهواء، والماءَ على التراب.

والحق أن المنشأ الأصلي للأشياء هي هذه المواد الأربع: وهي عناصر مولد الماء، ومولد الحموضة، والكربون، والآزوت، وهذه العناصر أجزاء العناصر السابقة.

النافذة الثالثة: إذا وضعنا حفنة من التراب المركَّب من الذرات في إناء يمكن أن يكون منشأً لنمو ونشأة جميع النباتات المزهرة والمثمرة، ووضعنا فيها بذورَ جميع أنواع النباتات المزهرة والمثمرة الموجودة في الأرض كافة، بحيث إن تلك البذور ليست أشياء مختلفة بعضها عن بعضٍ كنطف الحيوانات، فكما أن النطف عبارة عن الماء، فإن هذه البذور مركبةٌ من الكربون ومولد الماء ومولد الحموضة، ومتماثلةٌ في الماهية، ومختلفة في النوعية، وقد أُودِع فيها برنامج أصلها إيداعًا معنويًّا بحتًا بقلم القدر وحده..أقول: إذا وضعنا هذه البذور في هذا الإناء بالتناوب فإنك ستصدق أن كل بذرة من تلك البذور ستنشأ بجهازاتها وأشكالها وأوضاعها الخارقة البديعة تصديقًا كما لو كان حدث بالفعل.

فإن لم تكن هذه الذرات مأمورةً وموظفة ممتثلة لأمر من يعلم كل حالٍ من أحوال كل شيء وأوضاعه، ومن هو قديرٌ على أن يعطي كل شيء جسمًا يليق به، وما يحتاج إليه هذا الجسم، ومن هو كل شيء مسخَّر لأمره بكمال السهولة بالنسبة لقدرته؛ فلابد أن توجَد في كل ذرةٍ من ذرات هذا التراب مصانعُ ومطابع معنويةٌ بعدد جميع النباتات والأشجار المزهرة والمثمرة، حتى تكون منشأً لتلك الموجودات المختلفة، والبعيدة المختلفة جهازاتُها وأشكالها بعضها عن بعض، أو لابد من إسناد علمٍ محيط بكل تلك الموجودات، وقوةٍ قادرة على تشكيلاتها جميعًا، إلى كل ذرة من ذرات هذا التراب، حتى تكون وسيلةً لتكوينها وتشكيلها.


62. صفحة

بمعنى أنه إذا انقطعت صلتها بالله تعالى فلابد من قبول آلهةٍ بعدد ذرات التراب، وما هذا إلا خرافةٌ محالةٌ في ألف محال.

ولكن الأمر يكون سهلا جدًّا إذا ما صارت مأمورةً.

فكما أن جنديًّا عاديًّا لسلطانٍ عظيم يستطيع أن يهجّر بلدةً ما باسم ذلك السلطان وقوته، ويجمع بين البحرين، ويأسر ملكًا من الملوك؛ كذلك فإن بعوضةً واحدة تطرح النمرود أرضًا بأمر سلطان الأزل والأبد، وتهدم نملةٌ واحدة قصرَ فرعونٍ، وتدمره، وتحمل نواةُ التين شجرةَ التين نفسها.

ثم إن في كل ذرة ٍشاهدين صادقين على وجوب وجود الصانع ووحدانيته.

أحدهما: إن كل ذرةٍ من الذرات تقوم بوظائف عظيمة متنوعة كثيرة مع عجزها المطلق.

والآخر: على الرغم من جموديتها؛ فإنها تتحرك بانسجامٍ مع النظام العام الذي يدل على الوعي الكلي مراعيةً الانتظامَ والتناسق.

إذن إن كل ذرةٍ تشهد بلسان عجزها على وجوب وجود القدير المطلق، وبمراعاتها نظامَ العالم تشهد على وحدته Y.

وكما أن في كل ذرةٍ شاهدين على أنه واجب الوجود وواحد؛ فكذلك له في كل حي آيتان على أنه أحد صمد.

أجل؛ إن في كل كائنٍ حي ختمين، أحدهما: "ختم الأحدية"، والآخر: "ختم الصمدية"؛ إذ إن كل كائنٍ حي يُظهر في مرآته دفعةً واحدة الأسماءَ الحسنى التي تُرَى تجلياتها في أكثر الكائنات، ويُظهر تجلي الاسم الأعظم للحي القيوم وكأنه بؤرة، وهو يحمل ختم الأحدية لإظهاره نوعًا من ظل الأحدية الذاتية تحت ستار اسم "المحيي".

وإن ذلك الكائن الحي ولأنه بمنزلة مثالٍ مصغر للكون، وثمرةٍ لشجرة الخلق؛ فإن إيصال احتياجاته الكثيرة بقدر الكائنات إلى دائرة حياته الصغيرة دفعةً وبسهولةٍ ويسر 

63. صفحة

يحمل ختم الصمدية، أي: إن هذا الوضع يدل على أن له ربًّا له توجه خاصّ به يغنيه عن كل شيء، ونظر يغنيه عن كل شيء، وكل الأشياء لا تغني شيئًا عن توجهٍ واحد له.

نَعَمْ، يَكْفي لِكُلّ شَيْءٍ شَيْءٌ عن كلِّ شَيْءٍ، ولاَ يَكْفِي عَنْه كلُّ شَيْءٍ ولَوْ لشَيْءٍ واحدٍ.

ثم إن هذا الوضع يدل على أن ربه لا ينقص من خزائنه شيء كما أنه لا يحتاج إلى أي شيء، ولا يثقل على قدرته شيء، فها هو ذا نوعٌ من الأختام الذي يظهر ظل الصمدية!

إذن إن في كل كائنٍ حي ختمَ الأحدية وختم الصمدية.

نعم؛ إن كل كائنٍ حي يقرأ بلسان حياته "قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ اللهُ الصَّمَدُ".

وهنالك نوافذ أخرى مهمة غير هذين الختمين، ولما كانت قد بينت في موضعٍ آخر بتفصيل؛ فإنها قد اختصرت هنا.

وبما أن كل ذرةٍ من ذرات هذا الكون تَفتَح هكذا ثلاث نوافذ، ومَنفَذين، والحياة أيضًا تفتح بابين اثنين إلى وحدانية الواجب الوجود؛ فإنك تستطيع أن تدرك بأية صورة تنشر طبقات الموجودات بدءًا من الذرات وانتهاءً إلى الشمس أنوار معرفة الله جل جلاله، فافهم من هذا درجات الترقيات المعنوية ومراتب الحضور في معرفة الله تعالى، وقارن بينها.

اللمعة الخامسة: كما أن كتابًا واحدًا إن كان مخطوطًا ومكتوبًا يكفي لكتابته قلمٌ واحد، وإن كان مطبوعًا فلابد من أقلامٍ، أي: لابد من حروفٍ من حديد، بعدد حروف ذلك الكتاب، حتى يُطبع ويخرج إلى حيز الوجود، وإن كان قد كُتب أكثر هذا الكتاب بخطٍ دقيق جدًّا في بعض حروفه، كما كُتبت سورة يس في لفظة يس، فعندئذ يلزم لتلك اللفظة الواحدة حروف حديدية صغيرة حتى تطبع.

نقول كما في هذا المثال؛ فإن قلتَ: إن كتاب الكون هذا كتابةُ قلم القدرة الصمدانية، ومكتوبُ الواحد الأحد، فإنك تسلك طريق السهولة بدرجة الوجوب، وسبيلَ المعقولية بدرجة الضرورة.


64. صفحة

أما إن أسندتَ ذلك إلى الطبيعة والأسباب؛ فإنك تسلك طريقًا صعبًا بدرجة الامتناع، ومشكلا بدرجة المحال، وسبيلا ذا خرافات لا يقبل به أي وهم؛ إذ لابد من وجود بلايين المطابع المعدنية، وما لا حد له من المصانع المعنوية للطبيعة في كل جزء من أجزاء التراب، وفي كل قطرة من قطرات الماء، وفي كل جزء من أجزاء الهواء، حتى تقدر على تشكيل وخلق ما لا حد له من المصنوعات المزهرة والمثمرة.

أو يجب قبول علمٍ محيط بكل شيء فيها، وقوةٍ قادرة على كل شيء حتى تكون مصدرًا حقيقيًّا لهذه المصنوعات؛ ذلك لأن كل جزء من أجزاء التراب والماء والهواء يمكن أن يكون منشأً لأكثر النباتات، ولكن تشكّل وخلق كل النباتات سواء كانت مثمرةً أو مزهرة متقن وموزون ومتميز بعضه عن بعض ومختلف بعضه عن بعض، من حيث الكيفية، بحيث لابد لكل واحد منها من مصنع معنوي خاص به وحده، أو مطبع معنوي مختلف خاص به وحده.

أي: إن الطبيعة إذا خرجت عن كونها مِسطرًا إلى المصدرية؛ فعليها أن توجِد في كل شيء ماكينات جميع الأشياء.

وأساس فكرة عبادة الطبيعة خرافةٌ يخجل منها الخرافيون أنفسهم، فانظر إلى أهل الضلالة الذين يحسبون أنفسهم عقلاء كيف أنهم التزموا حماقةً في منتهى الهذيان، واعتبر!

الحاصل: كما أن كل حرف من حروف كتاب ما يدل على نفسه بقدر حرفٍ، ويدل على نفسه بصورةٍ واحدة، ويعرّف كاتبه بعشر كلماتٍ، ويدل عليه بأوجه كثيرة؛ إذ يقول الحرف -مثلا-: إن كاتبي له خطّ جميل، وله قلم أحمر، وهو كذا وكذا؛ كذلك فإن كل حرفٍ من حروف كتاب العالم الكبير يدل على نفسه بقدر جِرمه، ويدل على نفسه بقدر صورته، ولكنه يعرّف أسماء النقاش الأزلي بقدر قصيدةٍ كاملة، ويشير إلى تلك الأسماء بأصابع بعدد كيفياته وأوضاعه، ويشهد على مسماها.

إذن يجب ألا يذهب أحد إلى إنكار الصانع ذي الجلال، حتى لو كان الأحمق السوفسطائي الذي ينكر نفسه وينكر جميع الكون.


65. صفحة

اللمعة السادسة: إن الخالق ذا الجلال كما وضع على رأس كل فرد من أفراد مخلوقاته، وعلى جبين كل جزء من أجزاء مصنوعاته ختم الأحدية مثلما رأيت بعضه في اللمعات السابقة؛ وضع كذلك كثيرًا من أختام الأحدية على كل نوع، ووضع أختام الواحدية المتعددة على كُلِّ كلٍّ، وأختام الوحدة المتنوعة على مجموع العالم، وضعًا واضحًا ظاهرًا باهرًا، وسنبين خاتمًا من بين كثير من الأختام التي وضعت في فصل الربيع على صحيفة سطح الأرض، كالآتي:

إن النقاش الأزلي يحشر وينشر على وجه الأرض في فصل الربيع والصيف ما لا يقل عن ثلاثمائة ألف نوع من أنواع النباتات والحيوانات بمنتهى التمييز والتشخيص، وبمنتهى الانتظام والتفريق مع أنها في منتهى الاختلاط، وهذا ختمٌ ظاهر باهر واضح للتوحيد كوضوح الربيع.

أجل؛ إن إيجاد أكثر من ثلاثمائة ألف نموذجٍ للحشر في فصل الربيع ضمن إحياء الأرض الميتة بكمال الانتظام والإتقان، وكتابةَ أفراد ثلاثمائة ألف نوعٍ من أنواع المخلوقات المختلفة كتابةً بلا خطأ ولا سهو ولا غلط ولا نقصان، وبمنتهى التوازن والنظام والانتظام والإتقان، لابد أن يدرك من يملك ذرةً من وعيٍ وإدراك أنهما ختم خاص بالقدير ذي الكمال والحكيم ذي الجمال والجلال المالك لقدرةٍ لا نهاية لها، وعلم محيط، وإرادةٍ تقدر على إدارة الكون كله، والقرآن الحكيم يعلن ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾(الروم:50).

أجل؛ لابد أن حشر الإنسان سهلٌ وهين على القدرة الفاطرة التي تخلق وتظهر ثلاثمائة ألف نموذج للحشر في إحياء الأرض وبعثها في بضعة أيام.

فمثلا: إن الذي يظهر المعجزات ويرفع جبل كالينجيك([1]) وجبل سبحان([2]) بإشارة منه هل يقال له: هل تستطيع أن ترفع هذه الصخرة الكبيرة التي سدّت طريقنا الذي يمرّ من هذا الوادي؟!


[1])) جبل عال في شرق تركيا؟

[2])) جبل عال في شرق تركيا.




66. صفحة

كذلك هل يمكن أن يقال -بطريقة توحي الاستبعاد- للقدير الحكيم والكريم الرحيم الذي خلق السماوات والأرض والجبال في ستة أيام، والذي يملؤها ويفرغها من وقت لآخر: هل تستطيع أن ترفع هذه الطبقة الترابية التي فوقنا والتي سدت طريقنا المؤدية إلى مأدبتك المهيّأة المبسوطة في دار الأبد؟ وهل تستطيع أن تسوي الأرض وتعبر بنا إلى الطرف الآخر؟

لقد رأيت ختمًا من أختام التوحيد على وجه الأرض في فصل الصيف، فانظر الآن كيف أن خاتم الواحدية يَظهر بوضوحٍ وجلاء على هذه التصرفات العظيمة التي تحدث في الربيع بمنتهى الحكمة والبصيرة على وجه الأرض! ذلك أن هذه الإجراءات، وهذا الانتظام والإتقان المطلق، وكمال الصنعة والإبداع، والخلق البديع المتقن الذي يشاهَد ضمن سعةٍ مطلقة، وسرعة مطلقة مع هذه السعة، وسخاءٍ مطلق مع هذه السرعة، إنما هي ختمٌ لا يملكه إلا من يملك علمًا غير محدود، وقدرة غير متناهية.

أجل؛ إننا نشاهد على وجه الأرض كله إيجادًا وتصرفًا وفعاليةً في سعةٍ مطلقة، وهي تُنجَز بسرعةٍ مطلقةٍ في هذه السعة والشمول، ويشاهَد مع هذه السرعة والسعة سخاءٌ مطلق في تكثير الأفراد، ويُشاهَد مع هذا السخاء وهذه السعة والسرعة سهولةٌ مطلقة.

ومع هذا السخاء وهذه السعة والسرعة والسهولة فإن إيجاد آثارٍ قيّمة ثمينة في منتهى الوفرة والكثرة بانتظامٍ مطلق وحسنِ صنعةٍ في منتهى الروعة وتمييزٍ تام في منتهى الاختلاط كما يشاهَد على كل نوعٍ وعلى كل فردٍ، وإيجادَ بدائعِ الصنعة الرائعة ضمن نطاقٍ واسع جدًّا في منتهى الانسجام وفي منتهى السهولة، وإظهارَ إبداعٍ رائع خارق وإجراء وفعاليةٍ معجزة في آنٍ واحد، وفي كل فرد، وفي كل مكان، وبنمط واحد؛ لاشك ولابد أنه ختمُ من هو حاضرٌ وناظر في كل مكانٍ مع أنه ليس في أي مكان، ومن لا يثقل عليه شيء كما لا يخفى عليه شيء، ومن تتساوى أمام قدرته الذرات والنجوم.

فمثلا: لقد أحصيت العناقيد المعلّقة على ساق الكرم التي سمكها بسمك إصبعين، تلك العناقيد التي هي من كَرَمِ بستان الرحيم ذي الجمال ومن عناقيد معجزاته، فكانت 

67. صفحة

مائة وخمسة وخمسين عنقودًا، وأحصيت حبات عنقودٍ واحد، فكانت ما يقرب من مائة وعشرين حبة، فتأملت وقلت: إن ساق هذا الكرم لو كانت ماسورة ماء معسل، وكانت تُجري الماء دومًا، لما كانت تكفي لهذه العناقيد التي ترضع مئات من حبات الرحمة المليئة بالشراب تجاه هذه الحرارة، مع أنها لا تجد إلا قليلا من الرطوبة، فمن يفعل هذا العمل لابد أن يكون قادرًا على كل شيء، فسبحان من تحير في صنعه العقول.

اللمعة السابعة: انظر كيف أنك تستطيع أن ترى بقليلٍ من إمعان النظر أختامَ الأحد الصمد سبحانه وتعالى على صحيفة الأرض! وارفع رأسك وافتح عينيك وانظر إلى كتاب الكون الكبير، فسترى بوضوحٍ أن على مجموع هذا الكون يقرأ ختم الوحدة بقدر كبره وسعته؛ لأن هذه الموجودات قد تكاتفت كأجزاء وأفراد مصنعٍ، أو قصر أو مدينة منظمة، ومدت يد العون بعضها إلى بعض، ويلبي بعضُها حاجة بعضها الآخر وسؤاله قائلا: لبيك، على الرأس والعين، وتتعاون، وتعمل بنظام، وتتساند في خدمة الأحياء، وتطيع المدبرَ الحكيم متكاتفةً متوجهةً إلى غايةٍ معينة.

أجل؛ إن تحركَ الشمس والقمر والليل والنهار، والشتاء والصيف، بل حتى جريَ النباتات لإمداد الحيوانات المحتاجة الجائعة، وسعيَ الحيوانات لإمداد البشر الشرفاء الضعفاء، بل طيرانَ المواد الغذائية لإمداد الصغار والثمار اللطيفة النحيلة، وسعيَ ذرات الأطعمة لإمداد خلايا الجسم وفق دستور التعاون؛ يُظهِر لمن لم يعموا كليًّا أنها تتحرك بقوة مربٍّ كريم واحد، وبأمر مدبرٍ حكيم واحد.

فالتساند والتعاون والتجاوب والتعانق والتسخير والانتظام الجاري في الكون؛ يشهد شهادةً قاطعة على أن المخلوقات تدار بترتيب مدبّرٍ واحد، وتساق بتدبير مربٍّ واحد، علاوة على هذا فإن العناية التامة ضمن الحكمة العامة المشاهَدة بالبداهة في صنع الأشياء، والرحمةَ الواسعة التي تسطع في هذه العناية، والتغذية العامة والأرزاق المبسوطة المنثورة على هذه الرحمة لإعاشة كل كائن حي من الأحياء المحتاجة إلى الرزق إعاشةً تناسب حاجته، لهي خاتمٌ باهر للتوحيد، بحيث يدركه من لم يخمد نور عقله كليًّا، ويراه من لم يَعْمَ كليًّا. 


68. صفحة

أجل؛ إن حجاب الحكمة الذي يشير إلى القصد والوعي والإرادة قد شمل جميع الكون وأحاط به، وعلى حجاب الحكمة هذا وُضِع ستارُ العناية الذي يدل على اللطف والتزيين والتحسين والإحسان، وضَمَّت الكونَ وشملته حلةُ الرحمة التي تُظهِر على ستار العناية المزيَّن لمعاتِ التحبب والتعرّف والإنعام والإكرام، ورُتبِّت وبُسطت على ذلك الستار المنوَّر للرحمة العامة مائدةُ الأرزاق العامة التي تُظهِر الترحمَ والإحسان والإكرام وكمال الشفقة وحسن التربية واللطف والربوبية.

أجل؛ لقد أُلبِست هذه الموجوداتُ بدءًا من الذرات وانتهاء إلى الشموس، سواء كانت أفرادًا أو أنواعًا، أو صغارًا أو كبارًا، قميصًا رائعًا من قماش الحكمة المنقَّش بالثمرات والغايات والفوائد والمصالح، وفصلت على قميص الصورة الحكيمة هذه حلةُ عنايةٍ مزينة بأزاهير اللطف والإحسان بطرز يناسب قامة كل شيء، وعُلِّقت على حلة العناية المزينة هذه أوسمةُ الرحمة المنوَّرة بلمعات التحبب والإكرام والتحنن والإنعام، ومع الإنعام بهذه الأوسمة المنورة المرصعة؛ أقيمت على وجه الأرض مائدة رزق عمومي تكفي طوائف جميع الأحياء، وتفي بجميع حاجاتها.

فهذا الأمر يشير إلى من هو حكيمٌ مطلق وكريم مطلق ورحيم مطلق ورزّاق مطلق، ويدل عليه بوضوح كوضوح الشمس في رابعة النهار، أليس كذلك؟ ولكن هل كل شيء يحتاج إلى الرزق؟

أجل؛ كما أن فردًا واحدًا يحتاج إلى الرزق واستمرار الحياة؛ كذلك فإننا نرى أن كل موجود من موجودات العالم برمته ولاسيما إن كان من ذوي الحياة، سواء كان كليًّا أو جزئيًّا، أو كلا أو جزءًا، له مطالب وحاجات ضرورية مادية ومعنوية كثيرة في جسمه وبقائه وحياته وإدامة حياته، وهو يفتقر ويحتاج إلى أشياء لا تصل يده إلى أدناها، ولا تكفي قوة هذا الشيء لتحقيق أدنى مطالبه، ومع هذا نرى أن جميع مطالبه وأرزاقه المادية والمعنوية تُسلَّم له بكمال الحكمة وكمال الإتقان والانتظام من حيث لا يحتسب وبما يناسبه في الوقت المناسب.


69. صفحة

أفلا يدل هذا الافتقار والاحتياج من المخلوقات، ومثل هذا الإمداد والإعانة الغيبية، على المربي الحكيم ذي الجلال والمدبر الرحيم ذي الجمال كالشمس؟!

اللمعة الثامنة: كما أن بذرةً مزروعة في حقلٍ ما تدل على أن هذا الحقل تحت تصرف مالك البذرة في أية حال من الأحوال، وتدل على أن تلك البذرة هي الأخرى تحت تصرف من يتصرف في الحقل؛ كذلك فإن كلية مزرعة المصنوعات التي تسمى بالعناصر وإحاطتَها مع واحديتها وبساطتها، وانتشارَ النباتات والحيوانات التي تسمى بالمخلوقات، والتي هي ثمرات الرحمة ومعجزات القدرة وكلمات الحكمة، ووجودَها وتوطنها في كثير من الأماكن مع تشابهها وتماثلها؛ يدل على أنها تحت تصرف صانعٍ ذي معجزات دلالةً تكون معها كل زهرةٍ وكل ثمرة وكل حيوان كأنه سكةٌ لذلكم الصانع وختمٌ وطرّة له، وأينما يكن يقُل بلسان حاله: من كنت سِكّته فهذا المكان مصنوعه، ومن كنت خاتمه فهذا المكان مكتوبه، ومن كنت طرّته فوطني هذا أيضًا منسوجه.

إذن إن ربوبية أدنى مخلوقٍ خاصةٌ بمن يمسك جميع العناصر في قبضة تصرفه، وإن تدبير وتدوير أبسط حيوانٍ وإدارته خاصٌّ بمن يربي جميع النباتات والحيوانات والمصنوعات في قبضة ربوبيته، فمن لم يَعْمَ يبصر ذلك.

أجل؛ إن كل فردٍ يقول بلسان تماثله مع سائر الأفراد ومثليته معها: من كان مالكًا لجميع نوعي يمكن أن يكون مالكًا لي، وإلا فلا!

وكل نوع يقول بلسان انتشاره مع سائر الأنواع على وجه الأرض: من كان مالكًا لسطح الأرض برمته يمكنه أن يكون مالكًا لي، وإلا فلا!

وتقول الأرض بلسان ارتباطها بالشمس مع سائر الكواكب وتساندها مع السماوات: من كان مالكًا لجميع الكون، يمكنه أن يكون مالكًا لي، وإلا فلا!

أجل؛ لو قال أحدهم لتفاحةٍ: إنك من صنعي، لقالت له التفاحة بلسان حالها الخاص بها: اسكت! لو كنت قادرًا على خلق وتشكيل جميع التفاح على وجه الأرض كافةً، بل لو كنت قادرًا على التصرف في جميع المثمرات التي من جنسنا ونوعنا المنتشرة على وجه الأرض، بل في جميع هدايا الرحمن الصادرة عن خزائن الرحمة بسفينتها، فادَّعِ الربوبية عليّ! هكذا ستقول التفاحة، وستصفع وجه هذا الأحمق.


70. صفحة

اللمعة التاسعة: لقد أشرنا إلى بعضٍ من الأختام الموضوعة على الجزء، والجزئي، والكلّ والكلّي، والحياة، والإحياء وعلى العالم ككل، والآن سنشير إلى سكة واحدة من بين سككٍ غير محدودة موضوعة على الأنواع.

أجل؛ إن الثمرات غير المحدودة لشجرةٍ مثمرة تدار من مركزٍ واحد بتربيةٍ واحدة وقانون واحد؛ لذا فإنها تكتسب سهولةً من حيث المشقة والكلفة والمصروفات إلى حدٍّ وكأن جميع هذه الثمرات التي تربى بكثرةٍ تتساوى مع ثمرةٍ واحدة؛ إذن فالكثرة وتعدد المراكز يتطلبان لكل ثمرةٍ كمًّا من الإنفاق والكلفة والجهازات بقدر ما لشجرةٍ كاملة، والفرق في النوعية والكيفية فحسب.

وكما أن صُنْعَ المعدات العسكرية اللازمة لجنديٍّ واحد يستلزم مصانع بعدد جميع المصانع الضرورية للجيش كله؛ أي: إذا انتقل الأمر من الوحدة إلى الكثرة تزداد الكلفة بعدد الأفراد من حيث الكمية؛ فالسهولة الخارقة البادية عيانًا في كل نوعٍ؛ لاشك أنها أثر يسرٍ وسهولة ناشئ عن الوحدة والتوحيد.

الحاصل: إن تطابق كل أنواعِ جنسٍ واحد، وجميع أفراد نوعٍ واحد وتشابهها في الأعضاء الأساسية يثبت أنها مصنوع صانعٍ واحد؛ لأن وحدة القلم واتحاد السكة هكذا يقتضيان، كذلك فإن هذه السهولة المطلقة المشهودة وعدم وجود الكلفة يوجبان بدرجة الوجوب أن تكون آثارَ صانعٍ واحد، وإلا لكانت الصعوبة التي بلغت درجة الامتناع تذهب بذلك الجنس إلى الانعدام، وبذلك النوع إلى العدم.

الخلاصة: إن أُسند خلق الأشياء إلى الله تعالى اكتسب سهولةً كسهولة خلق شيء واحد، وإن أسند إلى الأسباب فإن خلق شيء واحد يصعب كصعوبة جميع الأشياء، وبما أن الأمر كذلك فإن الرِّخَص المذهل الذي يشاهَد في الكون والكثرة والوفرة غير المحدودة التي أمام أعيننا تُظهِر ختم الوحدة كالشمس، وهذه الثمار التي نحصل عليها بمنتهى الكثرة والوفرة إن لم تكن ملكًا للواحد الأحد لما كنا نأكل رمانةً واحدة حتى لو أعطينا الدنيا كلها.


71. صفحة

اللمعة العاشرة: كما أن الحياة التي تُظهِر تجلي جمال الله تعالى برهانٌ للأحدية، بل هي نوعٌ من تجليات الوحدة؛ كذلك فإن الموت الذي يُظهِر تجلي جلال الله تعالى برهانٌ للواحدية.

أجل؛ فمثلا، ولله المثل الأعلى: كما أن فقاقيع نهرٍ عظيم جارٍ متلألئ تجاه الشمس، والموادَّ الشفافة المتلمعة على وجه الأرض، بإظهارها انعكاسَ ضوء الشمس ونورَها تشهد على وجود الشمس؛ كذلك فإن استمرار تجليات الشمس بعظمةٍ، وتجلي ضوئها، واستمرارَه بلا نقصانٍ، وظهورَها على طوائف القطرات وقبائل المواد الشفافة التي تأتي من جديد، بالرغم من زوال تلك الفقاقيع والموادّ الشفافة وغروبها؛ كل ذلك يشهد شهادةً قاطعة على أن الشميسات المثالية، والأضواء والأنوار التي تتلألأ وتنطفئ، وتتغير وتتجدد، إنما هي تجليات شمسٍ واحدة دائمة مستمرة عالية لا تزول تجلياتها، إذن فتلك القطرات المتلألئة اللامعة بظهورها ومجيئها تُظهر وجود الشمس، كما تُظهر بغروبها وزوالها بقاء الشمس ووحدتَها.

وكما في هذا المثال؛ فإن هذه الموجودات السيالة كما تشهد بوجودها وحياتها على وجوب وجود الواجب الوجود سبحانه وتعالى وأحديته، فبزوالها وموتها تشهد على أزلية ذلكم الواجب الوجود وسرمديته وأحديته.

أجل؛ إن المصنوعات الجميلة والموجودات اللطيفة التي تتجدد ضمن الغروب والأفول بتبدل الليل والنهار والشتاء والصيف والعصور والدهور كما أنها تدل دلالةً قاطعة على وجود صاحب جمال سامٍ سرمدي دائم التجلي وعلى بقائه ووحدته؛ فإن زوال هذه المصنوعات وموتها مع أسبابها الظاهرية السفلية يدل على تفاهة تلك الأسباب، وعلى أنها حجبٌ وستائر فحسب، فهذا الأمر يثبت قطعًا أن هذه الصنائع والنقوش والتجليات هي صنائع متجددة ونقوش متحولة متبدلة، ومرايا متحركة، وسِكَك متعاقبة، وأختام متبدلة بالحكمة لمن أسماؤه جميلة وقدسية.

الحاصل: إن كتاب الكون الكبير هذا كما يدرس لنا الآيات التكوينية الخاصة بوجود الله تعالى ووحدته؛ كذلك فإنه يشهد على جميع صفات الله الكمالية والجمالية 

72. صفحة

والجلالية، ويثبت كماله الذاتي الخالي من القصور والنقصان؛ لأنه من البدهي أن الكمال في أثرٍ مُعيّن يدل على كمال الفعل الذي هو منشأ هذا العمل ومبدؤه، وكمال الفعل يدل على كمال الاسم، وكمال الاسم يدل على كمال الصفة، وكمال الصفة يدل على كمال الشأن الذاتي، وكمال الشأن يدل بالحدس والضرورة والبداهة على كمال صاحب الشئون.

فمثلا: كما أن نقوش قصرٍ بديع وتزييناته البديعة المتقنة تدل على أن وراءها كمالَ أفعالِ بنّاءٍ وإتقانها، وكمال هذه الأفعال يدل على كمال صفات ذلك البنّاء الفاعل وأسمائه التي تدل على رتبته ومنزلته، وكمالَ أسمائه وصفاته يدل على كمال صفات ذلك البناء التي تخص صنعته، وكمال صفاته وصنعته يدل على كمال قابلية صاحب الصنعة ومهارته واستعداداته الذاتية التي تسمى بالشئون الذاتية، وكمال تلك الشئون والقابلية الذاتية يدل على كمال ماهية ذلك البنّاء الذاتية؛ كذلك فإن الصنعة الخالية من القصور والفطور في آثار العالم المشهودة بسرّ الآية ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾(الملك:3)، وفي موجودات هذا الكون المتقنة البديعة؛ تدل بالمشاهدة على كمال أفعال مؤثرٍ ذي قدرة، وكمال هذه الأفعال يدل بالبداهة على كمال أسماء ذلكم الفاعل ذي الجلال، وكمال الأسماء هذا يشهد ويدل بالضرورة على كمال صفات مسمَّى تلك الأسماء ذي الجمال، وكمال الصفات هذا يدل باليقين على كمال شئون ذلكم الموصوف ذي الكمال، وكمال الشئون هذا يدل بحق اليقين على الكمال الذاتي لذي الشئون بحيث يشير إلى أن جميع أنواع الكمالات المشاهدة في الكون برمته هي بالنسبة لكماله تعالى آيات كمالية ورموز جلالية وإشارات جمالية كظلال باهتة وصورة ضعيفة.

اللمعة الحادية عشرة القوية قوة الشموس: إن سيدنا محمدًا الأمين عليه الصلاة والسلام الذي هو الآيةُ الكبرى لكتاب الكون الكبير كما وُصِف في "الكلمة التاسعة عشرة"، والذي هو الاسم الأعظم للقرآن الكبير، والذي هو نواة شجرة الكون، وأكثر ثمارها نورًا، وشمسُ قصر العالم، والبدر المنير للعالم الإسلامي، والداعي إلى 

73. صفحة

سلطنة الربوبية الإلهية، والكشاف الحكيم لطلسم الكون، والذي حلّق في طبقات الحقيقة بجناح الرسالة الذي ضم جميع الأنبياء تحت ظلاله، وبجناح الإسلام الذي حمى جميع العالم الإسلامي، والذي أردف خلفه جميعَ الأنبياء والمرسلين، وجميع الأولياء والصديقين، وجميع الأصفياء والمحققين، وأظهر الوحدانية بكل قوته فشقّ الطريق إلى عرش الأحدية؛ أنّى لوهمٍ أو شبهة أن يحجبا ويسترا الإيمانَ بالله الذي بينه هذا الرسول الأكرم والوحدانية الإلهية التي أثبتها؟!

وبما أننا عرّفْنا هذا الرسول ذا المعجزات عليه الصلاة والسلام -ذلكم البرهان القاطع- إلى حدٍّ ما مع أنواع معجزاته بـ"أربع عشرة رشحة" من معرفته التي هي الماء الباعث للحياة في "الكلمة التاسعة عشرة"؛ فإننا نكتفي هنا بهذه الإشارات، ونختم بالصلاة الشريفة عليه كإشارة للأساسات التي تزكي ذلكم البرهان القاطع للوحدانية، وتشهد على صدقهr.

اَللّهُمّ صَلِّ عَلَى مَنْ دَلَّ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِكَ وَوَحْدَانِيَّتِكَ، وَشَهِدَ عَلَى جَلاَلِكَ وَجَمَالِكَ وَكَمَالِكَ، الشَّاهِدِ الصّادِقِ المُصَدَّقِ، والبُرْهَانِ النّاطِق المُحَقّق، سَيّد الأَنْبِيَاءِ وَالمُرْسَلِينَ، الحَامِل سِرَّ إِجْمَاعِهِمْ وَتَصْدِيقِهِمْ وَمُعْجِزَاتِهِمْ، وَإِمَامِ الأَوْلِيَاءِ وَالصِّدِّيقِينَ، الحَاوِي سِرَّ اتِّفَاقِهِمْ وَتَحْقِيقِهِمْ وَكَرَامَاتِهِمْ، ذي المُعْجِزَاتِ البَاهِرَةِ وَالخَوَارِقِ الظّاهِرِةِ وَالدّلاَئِلِ القَاطِعَةِ المُحَقَّقَةِ المُصَدّقَةِ لَهُ، ذي الخِصَالِ الغَالِيَةِ فِي ذَاتِهِ، وَالأَخْلاَقِ العَالِيَةِ فِي وَظِيفَتِهِ، وَالسَّجَايَا السَّامِيَةِ فِي شَرِيعَتِهِ المُكَمّلَةِ المُنَزَّهَةِ عَنِ الخِلاَفِ، مَهْبِطِ الوَحْيِ الرَّبَّانِي، بِإِجْمَاعِ المُنْزِلِ، وَالمُنْزَلِ، وَالمُنَزَّلِ عَلَيْهِ، سَيّارِ عَالَمِ الغَيْبِ وَالمَلَكُوتِ، مُشَاهِدِ الأَرْوَاحِ، وَمُصَاحِبِ المَلاَئِكَةِ، أَنْمُوذَج كَمَالِ الكَائِنَاتِ شَخْصًا وَنَوْعًا وَجِنْسًا، أَنْوَارِ ثَمَرَاتِ شَجَرَةِ الخِلْقَةِ، سِرَاجِ الحَقّ، بُرْهَانِ الحَقِيقَةِ، تِمْثَالِ الرَّحْمَةِ، مِثَالِ المَحَبّةِ، كَشّافِ طِلْسِمِ الكَائِنَاتِ، دَلاّلِ سَلْطَنِةِ الرُّبُوبِيَّةِ، المُرْمِزِ بِعُلْوِيَّةِ شَخْصِيَّتِهِ المَعْنَوِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ نُصْبَ عَيْنِ فَاطِرِ العَالَمِ فِي خَلْقِ الكَائِنَاتِ، ذي الشّرِيعَةِ الّتِي هِيَ بِوُسْعَةِ دَسَاتِيرِهَا وَقُوّتِهَا تُشِيرُ إِلَى أَنّهَا نِظَامُ نَاظِمِ الكَوْنِ، وَوَضْعُ خَالِقِ الكَائِنَاتِ.


74. صفحة

نَعَمْ؛ إِنّ نَاظِمَ الكَائِنَاتِ بِهَذَا النِّظَامِ الأَتَمِّ الأَكْمَلِ هُوَ نَاظِمُ هَذَا الدِّينِ بِهَذَا النِّظَامِ الأَحْسَنِ الأَجْمَلِ، سَيِّدِنَا نَحْنُ مَعَاشِرَ بَنِي آدَمَ، وَهادينا إِلَى الإِيمَانِ نَحْنُ مَعَاشِرَ المُؤْمِنِينَ، مُحَمَّدٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصّلَوَاتِ وَأَتَمُّ التَّسْلِيمَاتِ، مَادَامَتِ الأَرْضُ وَالسّمَاوَاتُ. فَإنّ ذَلِكَ الشَّاهِدَ الصَّادِقَ المُصَدَّقَ يَشْهَدَ عَلَى رُءُوسِ الأَشْهَادِ مُنَادِيًا وَمُعَلِّمًا لأَجْيَالِ البَشَرِ خَلْفَ الأَعْصَارِ وَالأَقْطَارِ نِدَاءً عُلْوِيًّا بِجَمِيعِ قُوّتِهِ وَبِغَايَةِ جِدِّيَّتِهِ وَبَنِهَايَةِ وُثُوقِهِ، وَبِقُوَّةِ اطْمِئْنَانِهِ، وَبِكَمَالِ إِيمَانِهِ بِأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ.

اللمعة الثانية عشرة القوية قوة الشموس: إن هذه "اللمعة الثانية عشرة" من "الكلمة الثانية والعشرين" بحرٌ للحقائق وأي بحر؛ بحيث إن جميع الكلمات الاثنتين والعشرين ليست إلا اثنتين وعشرين قطرة منه، وهي منبع الأنوار وأي منبع؛ بحيث إن هذه الكلمات الاثنتين والعشرين ما هي إلا اثنتين وعشرين لمعة من تلك الشمس.

أجل؛ إن كل كلمة من تلك الكلمات الاثنتين والعشرين ليست إلا لمعةً واحدة لنجم آيةٍ واحدة يسطع في سماء القرآن، وقطرةً واحدة من نهر آيةٍ واحدة يجري من بحر الفرقان، ودرّةً واحدة من صندوق جواهر آيةٍ واحدة من كنز كتاب الله الأعظم.

فكلام الله هذا الذي ذُكرت نبذة تعريفية عنه في "الرشحة الرابعة عشرة" من "الكلمة التاسعة عشرة"، نزل من الاسم الأعظم، من العرش الأعظم، من التجلي الأعظم للربوبية، وله من السعة والسموّ ما يربطان الأزلَ بالأبد والفرشَ بالعرش ويقول مكرَّرًا بكل قوته وبكل قطعية آياته: "لا إله إلا هو"، ويُشهِد جميع الكون.

أجل؛ لا إله إلا هو بَرَابَرْ مِي زَنَدْ عَالَمْ ([1]).

أجل؛ إنك إذا نظرت إلى هذا القرآن بقلبٍ سليم، فسترى أن جهاته الست ساطعة وشفافة؛ بحيث إن أية ظلمةٍ وأية ضلالةٍ وأية شبهةٍ وأي ريبٍ وأية حيلةٍ لا تستطيع أن تجد فرجة للدخول فيها، والولوج في دائرة عصمة القرآن؛ ذلك لأن عليه ختمَ الإعجاز، وتحته البرهان والدليل، وخلفه نقطة استناده وهي الوحي الرباني المحض، وأمامه سعادة

[1])) أي إن العالم كله يقول معًا لا إله إلا الله.




75. صفحة

الدارين، وفي يمينه استنطاق العقل وحصول تصديقه، وفي شماله استشهاد الضمير وتثبيت تسليمه، وداخله هداية الرحمن الخالصة بالبداهة، وفوقه أنوار الإيمان الخالصة بالمشاهدة، ثمراته الأصفياء والمحققون والأولياء والصديقون الذين تزينوا بزينة الكمالات الإنسانية باليقين، فإذا ألصقت أذنك إلى صدر لسان الغيب هذا واستمعت إليه، فستسمع من الأعماق صدى سماويًّا مؤنسًا مقنعًا في منتهى الجدّية والسمو مجهَّزًا بالبراهين، يقول بقطعيةٍ جازمة "لا إله إلا هو" ويرددها،  ويفيدك ويفيض عليك علمًا يقينيًّا شبيهًا بعين اليقين ما قاله بدرجة حق اليقين.

الحاصل: إن كلا من الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام والفرقان الأحكم شمس، فالحقيقة التي أظهرها الأول بكل قوته -وهو لسان عالم الشهادة- مشيرًا إليها بأصابع الإسلام والرسالة، تحت تصديق جميع الأنبياء والأصفياء ضمن ألف معجزة، والحقيقة ذاتها التي أظهرها الآخر -وهو بمنزلة لسان عالم الغيب- ضمن أربعين وجهًا من وجوه الإعجاز، تحت تصديق آيات الكون التكوينية جميعها، وأشار إليها بأصابع الحقانية والهداية، ودل عليها بكل جدية؛ ألا تكون هذه الحقيقة أبهر من شمس الحقيقة، وأظهر من النهار؟!

فيا أيها الإنسان الصغير الضئيل المتمرد المتمادي في الضلالة([1]):

كيف تستطيع أن تواجه الشموسَ بمصباح عقلك الأخفت من اليَراعة؟! وكيف تستغني عنها؟! وكيف تحاول أن تطفئها بنفخٍ من فمك؟! سحقًا وتبًّا لعقلك المنكر هذا! وكيف تستطيع أن تنكر ما يقول وما يدعيه لسان عالم الغيب، ولسان عالم الشهادة باسم مَلِك العالمين ومالك هذا الكون ولحسابه؟

فيا أيها المسكين الأعجز من الذباب والأحقر منه، من أنت حتى تحاول أن تكذّب مالك هذا الكون ذا الجلال؟!


[1])) هذا الخطاب موجَّهٌ إلى من يريد إزالة القرآن وإطفاء نوره. (المؤلف).




76. صفحة

خاتمة: أيها الصديق ذو العقل اليقظ والقلب الفطن! إن فهمت هذه "الكلمة الثانية والعشرين" من أولها حتى هذا الموضع، فأمسك "الاثنتي عشرة لمعة" في يدك دفعةً واحدة، واعتصم بالآيات القرآنية الممتدة من العرش الأعظم بعد أن تظفر بسراج حقيقةٍ في قوة آلاف المصابيح الكهربائية، واركب براق التوفيق، واعرُج في سماوات الحقائق، وارتقِ إلى عرش معرفة الله تعالى، وقل: "أَشْهَدُ أَن لاّ إِلَهَ إِلاّ أَنْتَ وَحْدَكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ وأعلن الوحدانية في مسجد العالم الكبير على رءوس جميع الموجودات والكائنات بقولك:

لاَ إِلَهَ إِلاّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ حَيٌّ لاَ يَمُوتُ، بِيَدِهِ الخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ.

﴿سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ

﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا، رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا، رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا، أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾.

﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ & رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ

 اَللّهُمّ صَلِّ عَلَى مَنْ أَرْسَلْتَهُ رَحْمَةً لِلعَالَمِينَ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَارْحَمْنَا وَارْحَمْ أُمَّتَهُ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الراّحِمِينَ، آمِينَ، وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.